← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96550

صلاة المؤمن

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وحديث حمران عن عثمان ﵁ (١)،ويخلّلُ لحيته؛ لحديث أنس بن مالك ﵁ (٢). ٦ - يغسل يده اليمنى ثلاث مرات من رؤوس الأصابع إلى المرفق (٣)، ويدلك ذراعه (٤)، ويغسل مرفقه (٥)، ويخلل بين الأصابع (٦). ثم يغسل يده اليسرى مثل ما غسل اليمنى. ٧ - يمسح رأسه مرة واحدة ، يبل يديه بالماء ثم يمرهما من مقدم رأسه إلى قفاه ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه (٧)، ثم يدخل أصبعيه السبَّابتين في أذنيه ويمسح بإبهاميه ظاهر أُذنيه (٨). ٨ - يغسل رجله اليمنى ثلاث مرات من رؤوس الأصابع إلى الكعب (٩)، ويغسل كعبه (١٠)، ويخلل بين الأصابع (١١)،ثم يغسل رجله

стр. 37

اليسرى مثل ما غسل اليمنى. ٩ - ثم يقول: ((أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)) (١). ((اللهم اجعلني من التوَّابين، واجعلني من المتطهرين)) (٢). ((سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)) (٣). ١٠ - من توضأ مثل هذا الوضوء ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه؛ لحديث عثمان ﵁ (٤)، وفي حديث عقبة ابن عامر ﵁: ((ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة)) (٥)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال لبلال عند صلاة الفجر: ((يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دفّ نعليك بين يديّ في الجنة))؟ قال: ما عملت عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر طهوراً [تامّاً في ساعة من ليل ولا نهار إلا صليت بذلك الطّهور، ما كتب الله لي أن أصلي])) (٦). ٤ - فروض الوضوء وأركانه: فُروض الوضوء هي أركانه؛ لأنَّ هذه الفروض هي التي تتكوّن منها ماهيَّة الوضوء، وكل أقوال وأفعال تتكون منها ماهية العبادة فإنها

стр. 38

أركان (١)، وفروض الوضوء ستة: أولاً: غسل الوجه، ومنه المضمضة والاستنشاق والاستنثار ؛ للآية؛ ولحديث لقيط ﵁: ((وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)) (٢)؛ ولحديثه أيضاً: ((إذا توضأت فمضمض)) (٣)؛ولحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه: ((من توضأ فليستنثر)) (٤).ولِمَواظبة النبي ﷺ على المضمضة والاستنشاق. ثانياً: غسل اليدين إلى المرفقين ، اليمنى ثم اليسرى، للآية؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه: ((إذا توضأتم فابدأوا بميامنكم)) (٥). ثالثاً: مسح الرأس كله ومنه الأذنان ؛ للآية؛ ولحديث عبد الله بن زيد ﵁: ((الأذنان من الرأس)) (٦). ولمواظبته ﷺ على مسح الأذنين. وللمسح على الرأس ثلاث صفات: الصفة الأولى: مسح جميع الرأس ؛ لحديث عبد الله بن زيد ﵁: ((أن النبي ﷺ مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدَّم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردَّهما إلى المكان الذي بدأ منه)) (٧).

стр. 39

الصفة الثانية: المسح على العمامة المحنّكة وحدها ؛ لحديث عمرو بن أمية عن أبيه قال: ((رأيت النبي ﷺ يمسح على عمامته وخفَّيه)) (١). ويشترط للمسح على العمامة وحدها أو عليها مع الناصية ما يشترط للمسح على الخفين. واختاره العلامة ابن باز ﵀، وابن تيمية رحمه الله تعالى (٢). الصفة الثالثة: المسح على الناصية والعمامة المحنّكة ؛ لحديث المغيرة بن شعبة ﵁: ((أنَّ النَّبي ﷺ توضَّأ، ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه)) (٣)؛ ولحديث بلال ((أن النبي ﷺ مسح على الخفين والخمار)) (٤). رابعاً: غسل الرجلين إلى الكعبين، مع العناية بالعقبين ؛ للآية؛ ولحديث أبي هريرة وعبد الله بن عمر وعائشة ﵃: ((ويل للأعقاب من النار)) (٥)؛ ولمواظبته ﷺ على ذلك. وما تقدّم من الفرائض هو المنصوص عليه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ (٦). خامساً: الترتيب ؛ لأن الله تعالى ذكر الوضوء مرتباً، وأدخل الممسوح بين المغسولات، ولا نعلم لهذا فائدة غير الترتيب؛ ولأن النبي ﷺ توضأ مرتَّباً؛ ولقوله ﷺ : ((أبدأ بما بدأ الله به)) (٧).

стр. 40

سادساً: الموالاة: وهي عبارة عن الإتيان بالطهارة في زمن متصل، فلا يؤخّر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله؛ لحديث عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلاً توضأ فترك موضع ظفرٍ على قدمه فأبصره النبي ﷺ فقال: ((ارجع فأحسن وضُوءَك)) فرجع ثم صلى (١).وعند أبي داود، أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه لُمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، ((فأمره النبي ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة)) (٢).فلو لم تجب الموالاة لأمره بغسل اللُّمعة فقط (٣). ٥ ـ شُروط الوضوء: شروط الوضوء عشرة: الإسلام، والعقل، والتَّمييز والنّية، واستصحاب حكمها بأن لا ينوي قطعها حتى تتمَّ الطَّهارة، وانقطاع موجب، واستنجاء أو استجمار قبله، وطهورية ماء وإباحته، وإزالة ما يمنع وصوله إلى البشرة، ودخول وقت على من حدثه دائم لفرضه (٤). ٦ - سُنَنُ الوضوء: أولاً: السواك ؛ لقوله ﷺ : ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء)) (٥). ثانياً: غسل الكفين في أول الوضوء ، إلا إذا كان مستيقظاً من نومٍ، فإنَّه يجب غسلهما ثلاثاً قبل أن يدخلهما في الإناء (٦).

стр. 41

ثالثاً: الدلك ؛ لحديث عبد الله بن زيد ((أن النبي ﷺ أُتي بثُلُثي مد فجعل يدلك ذراعه)) (١). رابعاً: تثليث الغسل في الوضوء ؛ لحديث حمران عن عثمان ﵁، وحديث عبد الله بن زيد ﵁ (٢). فقد ثبت عنه ﷺ أنّه توضأ ثلاثاً ثلاثاً، وهذا كثير، وثبت أنه ((توضأ مرّتين مرّتين)) (٣). وثبت عنه ﷺ أنه ((توضأ مرّةً مرّةً)) (٤)، وثبت عنه ﷺ أنه ((غسل بعض أعضائه مرتين، وبعضها ثلاثاً)) (٥). خامساً: الدعاء بعد الوضوء ؛ لحديث عمر ﵁ (٦). سادساً: صلاة ركعتين بعد الوضوء ؛ لحديث حمران عن عثمان، وعقبة بن عامر، وبلال ﵃ (٧). سابعاً: الاعتدال في الوضوء مع الإسباغ: فالأفضل أن يتوضأ المسلم ثلاثاً ثلاثاً بدون إسراف ولا اعتداء، لا في الوضوء ولا في الغسل، فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ ((كان يغتسل من إناء - هو الفَرَقُ - من الجنابة)) (٨) قال سفيان: والفرق: ثلاثة آصع (٩). وعن أنس ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة

стр. 42

أمداد)) (١). وعن عائشة ﵂ أنها كانت تغتسل هي والنبي ﷺ في إناء واحد يسع ثلاثة أمداد، أو قريباً من ذلك (٢). وعن أم عمارة (٣) وعبد الله بن زيد (٤) ﵄ ((أن النبي ﷺ أُتي بثُلُثي مدّ فجعل يدلك ذراعه)). قال البخاري رحمه الله تعالى: ((بيّن النبي ﷺ أن فرض الوضوء مرة مرة، وتوضأ أيضاً مرتين، وثلاثاً ولم يزد على ثلاث، وكره أهل العلم الإسراف فيه وأن يجاوز فعل النبي ﷺ )) (٥). وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الجمع بين الروايات السابقة: ((وهذا يدل على اختلاف الحال في ذلك بقدر الحاجة)) (٦). ولا شك أن هديه ﷺ يدل على الاقتصاد في الماء مع الإسباغ والكمال، فعن ابن عباس ﵄ قال: ((بت عند خالتي ميمونة ليلةً، فلما كان في بعض الليل قام النبي ﷺ فتوضأ من شن معلَّق وضوءاً خفيفاً وقام يصلي ... )) (٧). فينبغي الاقتصاد في الماء وعدم الإسراف، فعن عمرو بن شعيب عن

стр. 43

أبيه عن جده قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فأراه الوضوء ثلاثاً ثلاثاً ثم قال: ((هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء، وتعدى، وظلم)) (١). وعن عبد الله بن مُغَفَّل أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء)) (٢). ٧ـ نواقص الوضوء: ١ - الخارج من السبيلين: كالبول، والغائط (٣)، والريح (٤)، والمذي (٥)، والودي، والمني (٦)، فهذه الخوارج تنقض الطهارة إجماعاً كما قال ابن قدامة (٧)، ودم الاستحاضة ينقض الوضوء على الصحيح (٨) وهو قول عامة

стр. 44

أهل العلم (١). ٢ - خروج النجاسة من بقية البدن ، فإن كان بولاً أو غائطاً نقض الوضوء سواء كان قليلاً أو كثيراً، وإن كان الخارج غير البول والغائط: كالدم الكثير، والقيء الكثير، والصديد الكثير، ونحو ذلك، فقيل ينقض إذا كان كثيراً نجساً (٢). ٣ - زوال العقل بنوم أو غيره . فأما النوم فينقض المستغرق منه على الصحيح؛ لحديث صفوان بن عسال ﵁ (٣) وأما غيره: كالجنون، والإغماء، والسكر، وما أشبهَهُ من الأدوية المزيلة للعقل فينقض الوضوء يسيره وكثيره (٤). ٤ - مس الفرج باليد قُبُلاً كان أو دُبُراً من غير حائل ؛ لحديث جابر، وبسرة بنت صفوان ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((من مسّ ذكره فليتوضأ)) (٥). ولحديث أم حبيبة وأبي أيوب ﵄ سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من مسّ فرجه فليتوضأ)) (٦)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁، عن النبي

стр. 45

- ﷺ : ((إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينهما ستر ولا حجاب فليتوضأ)) (١). وحلقة الدبر فرج؛ لأنه منفرج عن الجوف ويخرج منه ما يخرج، فمن مس حلقة الدبر بدون حائل فله حكم من مس ذكره (٢). ٥ - أكل لحم الإبل ؛ لحديث جابر بن سمرة ﵁ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: ((إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ)). قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: ((نعم فتوضأ من لحوم الإبل ... )) الحديث (٣). ٦ - الرّدَّةُ عن الإسلام أعاذنا الله والمسلمين من ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٤). وقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٥). أما غسل الميت فالصحيح أنه لا ينقض الوضوء وهو قول أكثر أهل العلم ، لكن لو أصابت يد الغاسل فرج الميت من غير حائل وجب عليه الوضوء، والواجب عليه ألا يمس فرج الميت إلا من وراء حائل. وهكذا مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقاً سواء كان ذلك عن شهوة أو غير شهوة في أصح قولي العلماء ما لم يخرج منه شيء؛ لأن النبي ﷺ قبَّل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ، أما قوله تعالى: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ

стр. 46

النساء﴾ (١) فالمراد به الجماع في الأصح من قولي العلماء، وهو قول ابن عباس ﵄ وجماعة (٢). ٨ - الأمور التي يستحب لها الوضوء: ١ - عند ذكر الله تعالى ودعائه ؛ لحديث أبي موسى أنه أخبر النبي ﷺ بخبر أبي عامر، وأنه قال له: أقرئ النبي ﷺ منّي السلام، وقل له: استغفر لي. فلما أخبر النبي ﷺ دعا رسول الله ﷺ بماءٍ فتوضأ منه، ثم رفع يديه ثم قال: ((اللهم اغفر لعبيد أبي عامر ... )) الحديث (٣). ٢ - الوضوء عند النوم ، لحديث البراء بن عازب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن)). الحديث (٤). ٣ - الوضوء عند كل حدث ؛ لحديث بريدة ﵁ قال: أصبح رسول الله ﷺ يوماً فدعا بلالاً فقال: ((يا بلال بمَ سبقتني إلى الجنة؟ إنني دخلت الجنة البارحة فسمعت خشخشتك (٥) أمامي؟)) فقال بلال: ((ما أذّنت قط إلا صليت ركعتين، ولا أصابني حدث قط إلا توضأت ... )) (٦). الحديث. ٤ - الوضوء عند كل صلاة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوءٍ، ومع

стр. 47

كل وضوءٍ بسواك)) (١). ٥ - الوضوء من حمل الميت ؛ لحديث أبي هريرة يرفعه: ((من غسل ميتاً فليغتسل ومن حمله فليتوضأ)) (٢). ٦ - الوضوء من القيء ، لحديث معدان عن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ ((قاء، فأفطر، فتوضأ)). الحديث (٣). ٧ - الوضوء مما مست النار ؛ لقوله ﷺ : ((توضَّؤوا مما مست النار)) (٤). ثم ثبت من حديث ابن عباس، وعمرو بن أمية، وأبي رافع ﵃ أن النبي ﷺ أكل من لحم ما مست النار ثم ((قام فصلى ولم يتوضأ)) (٥)، فدل ذلك على استحباب الوضوء مما مست النار. ٨ - الوضوء للجنب إذا أراد الأكل ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ إذا كان جنباً فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة)) (٦).

стр. 48

٩ - الوضوء لمعاودة الجماع ؛ لحديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ)) (١). أما الغُسل فقد كان ﷺ يطوف على نسائه بغسل واحد (٢). ١٠ - الوضوء للجنب إذا نام دون اغتسال ؛ لحديث عائشة عندما سُئلت: أكان رسول الله ﷺ يرقد وهو جنب؟ قالت: ((نعم ويتوضأ)) (٣). وعن ابن عمر أن عمر ﵄ استفتى النبي ﷺ فقال: هل ينام أحدنا وهو جنب؟ قال: ((ليتوضأ ثم لينم حتى يغتسل إذا شاء)) (٤). قال العلامة ابن باز: وجاء عنه ﷺ أنه ربما اغتسل قبل أن ينام، فالأحوال ثلاثة: إحداها أن ينام من غير وضوء ولا غسل وهذه مكروه ، وهو خلاف السنة. الحالة الثانية: يستنجي ويتوضأ وضوء الصلاة، وهذا لا بأس به . الحالة الثالثة: أن يتوضأ ويغتسل، وهذا هو الأكمل (٥).

стр. 49

المبحث السادس: المسح على الخفين والعمائم والجبيرة أولاً: حكم المسح على الخُفَّيْن: مشروع بالكتاب، والسنة، وإجماع أهل السنة؛ لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَين﴾ (١) على قراءة الجر، أما قراءة النصب فتحمل على غسل الرجلين المكشوفتين. أما السُّنة فقد تواترت الأحاديث بذلك عن النبي ﷺ (٢). قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: ((ليس في قلبي من المسح شيء فيه أربعون حديثاً عن أصحاب رسول الله ﷺ ، ما رفعوا إلى النَّبي ﷺ وما وقفوا)) (٣). وقال الحسن البصري ﵀: ((حدثني سبعون من أصحاب النبي ﷺ أنه مسح على الخُفَّيْن)) (٤). والأفضل في حقّ كل أحد بحسب قُدرتِهِ، فَلِلاَبس الخف أن يمسح عليه ولا ينزع خُفَّه إذا اكتملت الشروط، اقتداءً بالنَّبي ﷺ وأصحابه ﵃، وَلِمَن قدماه مكشوفتان الغسل، ولا يتحرى لبسه ليمسح عليه (٥)؛ لحديث ابن عمر ﵄ عن النَّبي ﷺ أنه قال: ((إن الله يُحبُّ أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته)) (٦). وفي حديث ابن مسعود وعائشة ﵄: ((إن الله يُحبُّ أن تقبل رخصه كما

стр. 50

يحب أن تؤتى عزائمه)) (١). ثانياً: شروط المسح على الخفين وما في معناهما: ١ - أن يلبسهما على طهارةٍ ؛ لحديث المغيرة بن شعبة ﵁، قال: كنت مع النَّبي ﷺ في سفر، فأهويت لأنزع خُفَّيْه فقال: ((دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين)) فمسح عليهما (٢). ٢ - أن يكون المسح في الحدث الأصغر ؛ لحديث صفوان بن عسَّال ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كُنّا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة، ولكن من غائط، وبول، ونوم)) (٣) فلا يجوز المسح في الجنابة ولا فيما يوجب الغسل (٤). ٣ - أن يكون المسح في الوقت المحدد شرعاً وهو يوم وليلة للمقيم ، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر؛ لحديث علي بن أبي طالب ﵁، قال: ((جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم)) (٥)؛ ولحديث صفوان ﵁ المتقدم؛ ولحديث أبي بكرة ﵁ عن النَّبي ﷺ ((أنَّه رَخَّصَ للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوماً وليلة، إذا تطهر فلبس

стр. 51

خُفَّيْه أن يمسح عليهما)) (١). وهذه المدة على الصحيح تبتدئ من أول مرة مسح بعد الحدث (٢)، وتنتهي بأربع وعشرين ساعة بالنسبة للمقيم، واثنتين وسبعين ساعة بالنسبة للمسافر (٣). ٤ - أن يكون الخُفَّان أو الجوربان أو العمامة طاهرة (٤)؛ فإن كانت نجسة؛ فإنه لا يجوز المسح عليها، والطاهر ضد النجس والمتنجّس، والنجس: نجس العين كما لو كانت الخفاف من جلد حمار. والمتنجّس كما لو كانت من جلد بعير لكن أصابتها نجاسة، إلا أن المتنجس إذا طهر جاز المسح عليه والصلاة فيه؛ لحديث أبي سعيد ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ يصلّي بأصحابه إذ خلع نعليه، فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: ((ما حملكم على إلقائكم نعالكم))؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله ﷺ : ((إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً))، وقال: ((إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه [بالأرض] وليصلّ فيهما)) (٥).

стр. 52

وهذا يدل على أنه لا يجوز أن يصلَّى فيما فيه نجاسة، ولأن النجس إذا مسح عليه بالماء تلوث بالنجاسة؛ فلا يصح المسح عليه (١). ٥ - أن يكون ساتراً لمحل الفرض، وأن يكون صفيقاً لا يصف البشرة (٢)، ويُعفى عن الخروق اليسيرة، وقد رجح القول بهذا الشرط العلامة عبد العزيز ابن باز رحمه الله تعالى (٣). ٦ - أن يكون مباحاً لا مغصوباً، ولا حريراً لرجل، ولا مسروقاً ، فإن المحرَّم نوعان: محرّم لكسبه كالمغصوب والمسروق، ومحرّم لعينه: كالحرير للرجل، وكذا اتخاذ ما فيه صور لذوات الأرواح، فلا يجوز أن يمسح على هذين النوعين؛ لأن المسح على الخفين رخصة، فلا تستباح به المعصية؛ ولأن القول بالجواز مقتضاه إقرار هذا الإنسان على لبس هذا المحرم، والمحرم يجب إنكاره (٤). ٧ - أن لا ينزع بعد المسح قبل انقضاء المدة ؛ فإن خلع خفيه أو ما في معناهما بعد المسح عليهما أعاد الوضوء مع غسل الرّجلين (٥). ورجح هذا القول العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، وقال: هو قول الجمهور، وهو الصواب (٦).

стр. 53

وهناك بعض الشروط ذكرها بعض أهل العلم ليس عليها دليل، أو تدخل فيما سبق (١). ثالثاً: مُبطلات المسح: ١ - إذا حدث ما يوجب الغسل كالجنابة بطل المسح ولا بد من غسل (٢). ٢ - إذا خلع الخفين أو ما في معناهما بعد المسح عليهما بطل وضوؤه على القول الراجح كما تقدم (٣). ٣ - إذا انقضت المدة المعتبرة شرعاً بطل المسح (٤). ورجح سماحة الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله تعالى أن انقضاء المدة يبطل المسح لمفهوم أحاديث التوقيت، فإذا انقضت المدة خلع الخفين وغسل الرجلين، وخلع العمامة ومسح الرأس (٥). رابعاً: كيفية المسح على الخفين والجوربين والعمائم: يمسح على ظاهر الخفين أو الجوربين؛ لحديث علي ﵁ قال: ((لو كان الدين بالرأي؛ لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه)) (٦)؛ ولحديث المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ : ((كان يمسح على الخفين)) وقال: ((على ظهر

стр. 54

الخفين)) (١)، قال ابن قدامة ﵀: ((روى الخلال بإسناده عن المغيرة بن شعبة فذكر وضوء النَّبي ﷺ قال: ((ثم توضأ ومسح على الخفين، فوضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ووضع يده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى كأني أنظر إلى أثر أصابعه على الخفين)) (٢). قال ابن عقيل: سنة المسح هكذا ((أن يمسح خفيه بيديه اليمنى لليمنى، واليسرى لليسرى))، وقال أحمد: ((كيفما فعلت فهو جائز باليد الواحدة أو باليدين)) (٣). والمسح على الجوربين كالمسح على الخفين تماماً؛ لحديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: ((توضأ رسول الله ﷺ ومسح على الجوربين والنعلين)) (٤). وذكر ابن قدامة أنه إذا مسح على الجوربين والنعلين جميعاً فإنه بعد المسح لا يخلع النعلين (٥). أما المسح على العمائم وخمار المرأة على الصحيح فهو على صفتين: الصفة الأولى: المسح على العمامة المحنَّكة والخمار المحنَّك . الصفة الثانية: المسح على الناصية والتكميل على العمامة أو الخمار (٦). ويشترط للعمامة والخمار ما يشترط للخفين على الصحيح، كما رجح ذلك

стр. 55

سماحة العلامة ابن باز رحمه الله تعالى (١). خامساً: المسح على الجبائر: الأحاديث التي وردت في الجبائر قال جماعة من أهل العلم: إنها ضعيفة (٢)، ولكن ذكر العلامة ابن باز ﵀ أن أحاديث الجبائر مع أحاديث المسح على الخفين تدل على شرعية المسح على الجبائر؛ لأن المسح على الخفين للتيسير، فالمسح على الجبائر أولى بالشرعية؛ ولكونه ضرورياً لم يشرع فيه التوقيت (٣)، ويفارق مسح الجبيرة مسح الخف من وجوه على النحو الآتي: ١ - لا يجوز المسح عليها إلا عند الضرر بنزعها، والخف خلاف ذلك . ٢ - يجب استيعابها بالمسح إلا ما زاد على محل الفرض في الوضوء ؛ لأنه لا ضرر في تعميمها به بخلاف الخف فإنه يشق تعميمه بالمسح، فيجزئ فيه مسح بعضه كما وردت به السنة (٤). ٣ - يمسح على الجبيرة من غير توقيت؛ لأن مسحها لضرورة فتقدّر بقدرها . ٤ - يمسح عليها في الحدث الأصغر والأكبر بخلاف الخف ؛ فإنه لا يمسح عليه إلا في الأصغر. ٥ - لا يشترط تقدم الطهارة على شدّها على القول الراجح بخلاف الخفّ (٥). ٦ - الجبيرة لا تختص بعضو معين والخف يختص بالرّجل (٦).

стр. 56

سادساً: كيفية المسح على الجبائر: إذا وجد جرح في أعضاء الطهارة فله مراتب: المرتبة الأولى: أن يكون مكشوفاً ولا يضره الغسل، فيجب غسله . المرتبة الثانية: أن يكون مكشوفاً ويضره الغسل والمسح لا يضره، فيجب مسحه . المرتبة الثالثة: أن يكون مكشوفاً ويضره الغَسلُ والمسح ، فحينئذ يشد عليه جبيرة ويمسح عليها، فإن عجز فهنا يتيمم له. المرتبة الرابعة: أن يكون مستوراً بجبس، أو لزقة، أو جبيرة ، أو شبه ذلك ففي هذه الحال يمسح على الساتر، ويغنيه عن الغَسل (١). والصواب أنه إذا مسح على العضو يكفي ويغني عن التيمم، فلا يجمع بين المسح والتيمم إلا إذا كان هناك عضو آخر لم يمسح عليه (٢).

стр. 57

المبحث السابع: الغسل أولاً: مُوجبات الغُسل: ١ - خروج المني دفقاً بلذة ؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁: ((إنما الماء من الماء)) (١)؛ ولحديث علي بن أبي طالب ﵁، عن النَّبي ﷺ : ((إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتَوَضَّأْ وُضوءَك للصَّلاة، فإذا فضخت (٢) الماء فاغتسل)) (٣)؛ ولحديث أمّ سلمة أم المؤمنين وأنس، وعائشة أم المؤمنين ﵃ أن أم سُليم امرأة أبي طلحة ﵂ جاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحقّ، فهل على المرأة مِنْ غُسلٍ إذا احتلمت؟ فقال رسول الله ﷺ : ((نعم إذا رأت الماء)) (٤). فعُلِمَ أن المني إذا خرج من نائم وجب عليه الغسل مطلقاً سواء كان دفقاً بلذَّةٍ أو بدون لذَّة؛ لأنَّ النَّائم قد لا يحسُّ به، فإذا احتلم الرجل أو المرأة ثم استيقظ فرأى الماء فعليه الغسل، فإن استيقظ ولم ير الماء فلا غسل عليه، قال ابن المنذر: ((أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم)) (٥). والنائم إذا استيقظ من نومه فوجد بللاً فلا يخلو من ثلاث حالات: الأولى: أن يتيقن أنه مني ففي هذه الحالة يجب عليه أن يغتسل سواء ذكر احتلاماً أم لم يذكر؛ ولهذا عندما رأى عمر ﵁ في ثوبه احتلاماً وقد صلَّى بالمسلمين الفجر، اغتسل وغسل ثوبه وصلَّى (٦). فقد أعاد الصلاة

стр. 58

من أحدث نومة نامها في ذلك الثوب. الحالة الثانية: أن يتيقن أنَّه ليس بمني ففي هذه الحالة لا يجب عليه الغسل لكن يجب عليه أن يغسل ما أصابه؛ لأن حكمه حكم البول (١). الحالة الثالثة: أن يجهل هل هو مني أم لا (٢)،وهذه الحالة لا تخلو من أمرين: الأمر الأول: أن يذكر أنه قد لاعب أهله أو فكر في الجماع ، أو نظر إليهم بشهوةٍ؛ فإنه يجعله مذياً؛ لأنّه يخرج بعد التفكير في الجماع في الغالب بدون إحساس، وليس عليه غسل، وإنما يتوضأ وضوءه للصلاة بعد غسل ذكره وأنثييه، وما أصاب ثيابه. الأمر الثاني: أن لا يسبقه تفكير في الجماع ولا ملاعبة لأهله ، ففيه قولان للعلماء: القول الأول: يجب أن يغتسل ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: سُئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد البللَ ولا يذكر احتلاماً قال: ((يغتسل))، وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولا يجد البلل؟ قال: ((لا غسل عليه)) (٣). فالأولى أن يغتسل لموافقة هذا الخبر، وإزالة الشكّ، ويكون ذلك احتياطاً (٤). القول الثاني: لا يجب عليه أن يغتسل ؛ لأن الأصل الطهارة ولا تزول بالشك بل لا بد من اليقين (٥). ٢ - التقاءُ الختانين ؛ لحديث أبي هريرة ﵁، عن النَّبي ﷺ قال: ((إذا

стр. 59

جلس بين شُعَبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل)) (١)؛ ولحديث عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إذا جلس بين شعبها الأربع ومسَّ الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل)) (٢). ويدل على الموجب الأول والثاني قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾ (٣). ٣ - إسلام الكافر سواء كان أصليّاً أو مرتدّاً ؛ لحديث قيس بن عاصم ﵁ قال: أتيت النَّبي ﷺ ، أريد الإسلام فأمرني أن أغتسل بماء وسدر (٤)؛ لأنه طهَّر باطنه من نجس الشرك فمن الحكمة أن يطهر ظاهره بالغسل. وقال بعض العلماء: لا يجب على الكافر الغسل إذا أسلم وإنما هو مستحب؛ لأنه لم يرد عن النَّبي ﷺ أمر عام مثل: من أسلم فليغتسل، وقد أسلم كثير من الصحابة ولم ينقل أنه أمرهم بالغسل، ولو كان واجباً لكان مشهوراً لحاجة الناس إليه. ورُدّ على ذلك أن القول بالوجوب أقوى؛ لأنَّ أمْرَ النَّبي ﷺ لواحدٍ مِنَ الأمَّة أمْرٌ للأمَّة جميعاً. وقال آخرون: إن أتى في كُفْرِهِ بما يوجب الغسل وجب عليه الغسل، وإن لم يأت بموجب فلا يجب عليه الغسل (٥). قال العلامة ابن باز رحمه الله تعالى: ((الغسل للإسلام سنة وليس بواجب؛ لأن النَّبي ﷺ لم يأمر الجمَّ الغفير بالغسل)) (٦). وقال ابن القيم

стр. 60

رحمه الله تعالى: ((وقد صحّ أمر النَّبي ﷺ به، وأصح الأقوال وجوبه على من أجنب حال كفره ومن لم يجنب)) (١). ٤ - موت المسلم غير شهيد المعركة ؛ لحديث ابن عباس ﵄ أن النَّبي ﷺ ، قال فيمن وقصته ناقته وهو محرم بعرفة: ((اغسلوه بماء وسدر وكَفّنُوه في ثَوْبَيه)) (٢)؛ ولحديث أم عطية ﵂ قالت: دخل علينا النَّبي ﷺ ونحن نغسل ابنته فقال: ((اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك)) (٣). ٥ - الحيض، وانقطاع الحيض شرطٌ لصحة الغسل فلو اغتسلت قبل أن تطهر لم يصح؛ لأن من شرط صحة الاغتسال الطهارة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النساء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهّرِينَ﴾ (٤)؛ ولحديث عائشة ﵂ أن فاطمة بنت أبي حُبَيْشٍ كانت تستحاض، فسألت النَّبي ﷺ فقال: ((ذلك عرق وليست الحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي)) (٥). ٦ - النفاس، وانقطاع دم النفاس شرط لصحة الاغتسال ؛ فإن النفاس كالحيض سواء؛ لأن دم النفاس هو دم الحيض، وإنما كان في مدة الحمل ينصرف إلى غذاء الولد مع السر، فحين خرج الولد خرج الدم

стр. 61

لعدم مصرفه، وسمّي نفاساً (١)، ويكون دم النفاس الخارج مع الولادة أو بعدها، أو قبلها بيوم أو يومين أو ثلاثة ومعه الطلق (٢)، ومما يدلُّ على أن دم النفاس هو دم الحيض قوله ﷺ لعائشة ﵂ لما حاضت: ((مالكِ أنفست))؟ (٣). وأجمع العلماء على وجوب الغسل بالنّفاس كالحيض (٤). ثانياً: ما يُمنع منه الجنب: يُمنع الجنب من خمسة أمور: ١ - الصلاة ؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾ (٥)؛ ولحديث أبي هريرة، وحديث علي، وحديث ابن عمر ﵃ (٦). ٢ - الطواف بالبيت الحرام ؛ لقوله ﷺ : ((الطواف بالبيت صلاة .. )) (٧). ٣ - مسّ المصحف ؛ لحديث عمرو بن حزم، وحكيم بن حزام، وابن عمر ﵃: ((لا يمسّ القرآن إلا طاهر)) (٨). ٤ - قراءة القرآن الكريم ؛ لحديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: ((كان

стр. 62

رسول الله ﷺ يُقْرِئُنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنباً)) (١). وبلفظ: ((كان يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن ويأكل معنا اللحم ولم يكن يحجبه - أو قال - يحجزه عن القرآن شيء سوى الجنابة))؛ ولحديثه ﵁ أنه توضأ ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ توضأ، ثم قرأ شيئاً من القرآن، ثم قال: ((هذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا، ولا آية)) (٢). ٥ - المكث في المسجد ؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾ (٣)؛ ولحديث عائشة ﵂ ترفعه: ((وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)) (٤). أما مرور الجنب واجتيازه المسجد فلا حرج فيه؛ لنص الآية: ﴿وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾، وكذلك مرور الحائض والنفساء إذا تحفظت ولم تخش تلويث المسجد؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : ((ناوليني الخُمْرَة (٥) من المسجد))، فقلت: إني حائض، فقال: ((تناوليها

стр. 63

فإن الحيضة ليست في يدك)) (١)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ بينما رسول الله ﷺ في المسجد فقال: ((يا عائشة ناوليني الثوب)) فقالت: إني حائض، فقال: ((حيضتك ليست في يدك)) (٢)؛ ولحديث ميمونة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يدخل على إحدانا وهي حائض فيضع رأسه في حجرها فيقرأ القرآن، ثم تقوم إحدانا بِخُمرته فتضعها في المسجد وهي حائض)) (٣). قال العلامة ابن باز رحمه الله تعالى: ((والصحابة كانوا يمرون في المسجد؛ لعلمهم ﵃ بهذا الاستثناء، أما قوله ﷺ : ((فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)) (٤)، فهذا في حقّ مَنْ يجلس في المسجد، وأما ما رواه زيد بن أسلم أن بعض أصحاب النَّبي ﷺ ، كانوا إذا توضؤوا جلسوا في المسجد (٥)، فهذا احتج به من قال بالجواز كأحمد وإسحاق رحمهما الله وجماعة. والقول الثاني إنه لا يجلس في المسجد ولو توضأ لعموم الآية: ﴿وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾، والوضوء لا يخرجه من كونه جنباً؛ ولعموم الحديث: ((إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)). وهذا أظهر وأقوى، وفعل من جلس من الصحابة يحمل على أنه خفي عليه الدليل الدال على أنه يمنع الجنب من الجلوس في المسجد، والأصل الأخذ بالدليل: ﴿وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ

стр. 64

تَغْتَسِلُواْ﴾ وزيد بن أسلم وإن روى له مسلم، ففي القلب منه شيء إذا تفرد بالحديث)) (١). ثالثاً: شروط الغسل: شروط الغسل ثمانية: النية (٢)، والإسلام، والعقل، والتمييز، والماء الطهور المباح، وإزالة ما يمنع وصوله إلى البشرة، وانقطاع موجب الغسل (٣). رابعاً: صفة الغُسل الكامل وكيفيته: صفة الغسل الكامل المشتمل على الفروض، والواجبات والمستحبات على النحو الآتي: ١ - ينوي الغُسل الكامل لرفع الحدث الأكبر والأصغر بقلبه ؛ لحديث عمر بن الخطاب ﵁ عن النَّبي ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) (٤). ٢ - يسمي الله فيقول: ((بسم الله)) ؛لحديث أبي هريرة ﵁ (٥). ٣ - يبدأ فيغسل كفيه ثلاثاً ، لحديث عائشة وميمونة ﵄ (٦). ٤ - يغسل فرجه بشماله، ويزيل ما به من أذىً ؛ لحديث عائشة وميمونة ﵄ (٧). ٥ - يضرب بشماله الأرض ويمسحها بالتراب الطاهر ويدلكها دلكاً

стр. 65

جيداً، ويغسلها؛ لحديث ميمونة وعائشة ﵄ (١) أو يدلكها بالحائط ويغسلها؛ لحديث ميمونة ﵂ (٢)، أو يغسلها بالماء والصابون. ٦ - يتوضأ وضوءاً كاملاً كما يتوضأ للصلاة (٣)؛لحديث عائشة ﵂ (٤)،وإن شاء توضأ وضوءه للصلاة وأخر رجليه إلى نهاية الغسل؛ حديث ميمونة ﵂ (٥). ٧ - يدخل أصابعه في الماء، ثم يخلل شعره حتى يروي بشرته ، ثم يصب على رأسه ثلاث حفنات بيديه؛ لحديث ميمونة وعائشة ﵄ (٦) يبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر ثم الوسط؛ لحديث عائشة ﵂ (٧).وليس على المرأة نقض شعر رأسها لغسل الجنابة؛ لحديث أم سلمة ﵂ (٨). يستحب أن تنقضه لغسل الحيض؛ لحديث عائشة ﵂ (٩).

стр. 66

٨ - يفيض الماء على سائر جسده ؛ لحديث ميمونة وعائشة ﵄ (١)، يبدأ بشقه الأيمن ثم الأيسر؛ لحديث عائشة ﵂: ((أن النَّبي ﷺ كان يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله)) (٢). ويعتني بغسل الإبطين ومطاوي الأعضاء وأصول الفخذين؛ لحديث عائشة ﵂ (٣)، ويدلك بدنه إذا لم يصل الطهور إلى محله بدونه (٤). ٩ - يتحول فينتقل من مكانه فيغسل قدميه ؛ لحديث ميمونة ﵂ (٥) والأفضل أن لا ينشّف أعضاءه في الغسل؛ لحديث ميمونة ﵂ (٦)، وينبغي له أن لا يسرف في استعمال الماء، فلا إفراط ولا تفريط (٧)، وما تقدم هو الغسل الكامل (٨).

стр. 67

خامساً: الأغسال المستحبة: الأغسال المستحبة على النحو الآتي: ١ - غسل يوم الجمعة ؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: إن رسول الله ﷺ ، قال: ((غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)) (١). وحديثه ﵁ يرفعه: ((الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستن، وأن يمس طيباً إن وجد)) (٢). وحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه: ((حقٌّ لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده)) (٣). وحديثه ﵁ يرفعه إلى النَّبي ﷺ : ((من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له، ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته، ثم يصلي معه غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام)) (٤). وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ عن النَّبي ﷺ أنه قال: ((من اغتسل يوم الجمعة، ولَبِسَ من أحسن ثيابه، ومس من طيبٍ إن كان عنده، ثم أتى الجمعة فلم يتخط رقاب الناس (٥)، ثم صلى ما كتب الله له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته، كانت كفارة ما بينه وبين الجمعة قبلها [وزيادة ثلاثة أيام])) (٦).

стр. 68

وعن أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول الله ﷺ ،يقول: ((من غسل يوم الجمعة، واغتسل، ثم بكَّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع، ولم يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة، أجر صيامها وقيامها)) (١). وعن سمرة ﵁ يرفعه: ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل)) (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: ((من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصى فقد لغا)) (٣). وقد اختلف أهل العلم هل غسل الجمعة واجب أم مستحب؟ ورجح سماحة العلامة ابن باز أن غسلَ الجمعة سنة مؤكدة، وينبغي للمسلم أن يحافظ عليه خروجاً من خلاف من قال بالوجوب، وأقوال العلماء في غسلِ الجمعة ثلاثة: منهم من قال بالوجوب مطلقاً وهذا قول قوي، ومنهم من قال: بأنه سنة مؤكدة مطلقاً، ومنهم من فصَّل فقال: غسل يوم الجمعة واجب على أصحاب الأعمال الشاقة؛ لما يحصل لهم من بعض التعب والعرق، ومستحب في حق غيرهم، وهذا قول ضعيف، والصواب أن غسل الجمعة سنة مؤكدة، أما قوله ﷺ : ((غسل الجمعة واجب على كل محتلم))، فمعناه عند أكثر أهل العلم متأكد كما تقول العرب: ((العدة دين وحق عليَّ واجب)). ويدل على هذا المعنى اكتفاؤه ﷺ بالأمر بالوضوء في بعض الأحاديث .. وهكذا الطيب والاستياك، ولبس الحسن من الثياب، والتبكير

стр. 69

إلى الجمعة، كله من السنن المرغَّب فيها، وليس شيء منها واجباً (١). ٢ - غسل الإحرام ؛ لحديث زيد بن ثابت ﵁ أن النَّبي ﷺ ((تجرَّد لإهلاله واغتسل)) (٢). ٣ - الاغتسال عند دخول مكة ؛ لأن ابن عمر ﵁ كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح، ويغتسل، ويَذْكُرُ ذلك عن النَّبي ﷺ (٣). ٤ - الاغتسال لكل جماع ؛ لحديث أبي رافع ((أن النَّبي ﷺ طاف ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه))، قال: فقلت: يا رسول الله، ألا تجعله غسلاً واحداً؟ قال: ((هذا أزكى وأطيب)) (٤). ٥ - الاغتسال من غسل الميت ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه: ((من غسَّل الميت فليغتسل)) (٥)؛ ولحديث عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت)) (٦). ويدل على عدم الوجوب أن أسماء بنت عميس -

стр. 70

امرأة أبي بكر - غسلت أبا بكر ﵁ حين توفي، ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين، فقالت: إني صائمة وهذا يوم شديد البرد، فهل عليَّ من غسل؟ فقالوا: ((لا)) (١). وبيّن العلامة ابن باز ﵀ أن هذا يدل على أن الغسل من غسل الميت معلوم عند الصحابة؛ ولكنه سنة (٢). ٦ - الاغتسال من دفن المشرك ؛ لحديث علي بن أبي طالب ﵁ أنه أتى النَّبي ﷺ فقال: إن أبا طالب مات، فقال: ((اذهب فواره))، قال: إنه مات مشركاً. قال: ((اذهب فواره)) فلما واريته رجعت إليه، فقال لي: ((اغتسل)) (٣). ٧ - الاغتسال للمستحاضة لكل صلاة (٤)، أو عند الجمع بين الصلاتين؛ لحديث عائشة ﵂ أن أم حبيبة ﵂ استحيضت في عهد رسول الله ﷺ فأمرها بالغسل لكل صلاة)) (٥). وفي حديث حمنة بنت جحش ﵂ أن النَّبي ﷺ قال لها: ((سآمرك بأمرين أيهما فعلت أجزأ عنك من الآخر، وإن قويت عليهما فأنت أعلم)). ثم قال في آخر الحديث: ((وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين

стр. 71

بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي، وصومي إن قدرت على ذلك)). قال ﷺ : ((وهذا أعجب الأمرين إليَّ)) (١). والواجب على المستحاضة هو الغسل عندما تخرج من عادة الحيض، أما بعد ذلك فيستحب لها الغسل كما تقدم، ويجب عليها أن تتوضأ في وقت كل صلاة، أما الغسل فمندوب كما تقدم (٢). وهذا ما يفتي به شيخنا العلامة ابن باز رحمه الله تعالى. ٨ - الاغتسال من الإغماء ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ثقل النَّبي ﷺ فقال: ((أصلَّى الناس))؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك، قال: ((ضعوا لي ماء في المخضب)) (٣) قالت: ففعلنا فاغتسل، فذهب لينوء (٤) فأُغمي عليه، ثم أفاق، فقال ﷺ : ((أصلَّى الناس))؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: ((ضعوا لي ماء في المخضب)) فقعد فاغتسل ... (٥). فعل ذلك ثلاث مرات وهو مثقل بالمرض، فدل ذلك على استحبابه (٦). ٩ - الاغتسال من الحجامة ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن

стр. 72

غسل الميت)) (١). ١٠ - غسل الكافر إذا أسلم عند من يقول باستحبابه ، ومنهم من قال بالوجوب؛ لحديث قيس بن عاصم ﵁، قال: أتيت النَّبي ﷺ أريد الإسلام، فأمرني أن أغتسل بماء وسدر (٢). ورجح سماحة العلامة ابن باز أن غسله سنة (٣). ١١ - غسل العيدين ؛ قال العلماء لم يرد في ذلك حديث صحيح عن النَّبي ﷺ (٤). قال العلامة الألباني: وأحسن ما يستدل به على استحباب الاغتسال للعيدين: ما روى البيهقي من طريق الشافعي عن زاذان قال: سأل رجل عليّاً عن الغسل؟ قال: ((اغتسل كل يوم إن شئت)). فقال: لا، الغسل الذي هو الغسل؟ قال: ((يوم الجمعة، ويوم عرفة (٥)، ويوم النحر، ويوم الفطر)) (٦). وعن سعيد بن المسيب أنه قال: ((سنة الفطر ثلاث: المشي إلى المصلى، والأكل قبل الخروج، والاغتسال)) (٧)، وثبت أن عبد الله بن عمر ﵄: ((كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يَغدُوَ إلى المصلى)) (٨). ١٢ - غسل يوم عرفة (٩).

стр. 73

المبحث الثامن: التيمم التيمم في اللغة: القصد، وفي الشرع: التعبد لله تعالى بقصد الصعيد الطَّيّب لمسح الوجه واليدين به بنية رفع الحدث لمن فقد الماء أو عجز عن استعماله (١). أولاً: حكمه: مشروع بالكتاب، والسنة، والإجماع، أما الكتاب؛ فلقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مّنكُم مّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النساء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مّنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢). وأما السنة؛ فلأحاديث كثيرة، منها حديث عمران بن حصين ﵁ قال: كنا في سفر مع النَّبي ﷺ فصلى بالناس، فلما [انصرف] من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصلّ مع القوم، قال: ((ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم))؟ قال: يا نبي الله أصابتني جنابة ولا ماء، قال: ((عليك بالصعيد فإنّه يكفيك)) (٣). وأما الإجماع: فأجمع أهل العلم على مشروعية التيمم في الجملة (٤). والمسلمون لهم طهارتان: طهارة بالماء، وطهارة بالتيمم لمن لم يجد

стр. 74

الماء أو عجز عن استعماله، فمن وجد الماء وقدر على استعماله وجب عليه أن يتطهر به، ومن تعذر عليه استعماله أو لم يجده قام مقامه التيمم وهو رافع إلى وجود الماء على الصحيح، فيجب لما تجب له الطهارة بالماء، ويستحب لما تستحب له الطهارة بالماء، والصواب أنَّ المسلم إذا عجز عن الماء أو لم يجده تيمم في أي وقت شاء، وأجزأه حتى يجد الماء، أو يأتي بناقض من نواقض الوضوء، أو موجب من موجبات الغسل، ويجزئ التيمم الواحد عن جميع الأحداث الكبرى والصغرى إذا نواها (١). ثانياً: من يجوز له التيمم ؟ يجوز التيمم ويشرع لمن حصل له ناقض من نواقض الوضوء، أو موجب من موجبات الغسل في الحضر أو السفر إذا وُجد سبب من الأسباب الآتية: ١ - إذا لم يجد الماء ؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيّبًا﴾ (٢)؛ولحديث عمران بن حصين ﵁: ((عليك بالصعيد فإنه يكفيك)) (٣). ٢ - إذا لم يجد من الماء ما يكفيه في وضوئه أو غسله فإنه يتوضأ بما وجد، أو يغتسل إذا كان عليه جنابة ثم يتيمم للأعضاء التي لم يصل إليها الماء؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤)؛ ولقوله ﷺ : ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) (٥). ٣ - إذا كان الماء شديد البرودة ، ويحصل له ضرر باستعماله، بشرط أن

стр. 75

يعجز عن تسخينه؛ لحديث عمروبن العاص ﵁ قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فلما قدمنا ذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: ((يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب))؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (١) فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا)) (٢). ٤ - إذا كان به جراحة أو مرض إذا استعمل الماء زاد المرض أو تأخر الشفاء ؛ لحديث جابر بن عبد الله، وابن عباس ﵁،أن رجلاً أصابه جرح في عهد رسول الله ﷺ ثم احتلم، فسأل أصحابه هل له رخصة في التيمم؟ فقالوا له: لا، فاغتسل فمات، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: ((قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العِيّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ... )) (٣). ٥ - إذا حال بينه وبين الماء عدو، أو حريق، أو لصوص ، وخاف على نفسه، أو ماله، أو عرضه، أو كان مريضاً لا يقدر على الحركة ولا يجد
следующие страницы →