← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96550

صلاة المؤمن

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَالله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ الله وَمَن يُؤْمِن بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ وَالله بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ*أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مّن رَّبّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٥). وقال رسول الله ﷺ : (( ... والصبر ضياء)) (٦). وعن صهيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضّراء صبر فكان خيرًا له)) (٧). وعن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوَّضته منهما الجنة)) يريد عينيه (٨). وعن عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله ﷺ عن الطاعون فأخبرها ((أنه كان عذابًا يبعثه الله على من شاء فجعله رحمة للمؤمنين (٩)، فليس من عبد

стр. 702

يقع في الطاعون فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد)) (١). وقال ﷺ : (( ... إنما الصبر عند الصدمة الأولى)) (٢). وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((ما يصيب المسلم من نصب (٣)، ولا وصب (٤)، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غمّ، حتى الشوكة يُشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه)) (٥). وعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مسلم يُصيبه أذى من مرض فما سواه إلاّ حطَّ الله سيئاته كما تحطّ الشجرة ورقها)) (٦). وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها، إلا كُتب له بها درجة ومُحيت عنه بها خطيئة)) (٧).

стр. 703

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من يُرد الله به خيرًا يُصبْ (١) منه)) (٢). وعن أنس ﵁ يرفعه: ((إن عِظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السُّخط)) (٣). وعن مصعب بن سعد عن أبيه ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: ((الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صُلبًا، اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقةٌ ابتلي على حسب دينه، فما يبرحُ البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة)) (٤). ثالثًا: المسلم يسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة ، ولا يسأل البلاء؛ لحديث العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قلت: يا رسول الله علمني شيئًا أسأله الله؟ قال: ((سل الله العافية))، فمكثت أيامًا ثم جئت فقلت: يا رسول الله علمني شيئًا أسأله الله، فقال لي: ((يا عباسُ يا عمَّ رسول الله: ((سل الله العافية في الدنيا والآخرة)) (٥)؛ ولحديث أبي بكر الصديق ﵁ أن

стр. 704

النبي ﷺ قال على المنبر: ((سلوا الله العفو والعافية؛ فإن أحدًا لم يُعْطَ بعد اليقين خيرًا من العافية)) (١)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ : ((اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك)) (٢)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ ((كان يتعوذ من سوء القضاء، ومن درك الشقاء، ومن شماتة الأعداء، ومن جهد البلاء)) (٣). رابعًا: الاجتهاد في حال الصحة في الأعمال الصالحة ؛ لتكتب له كاملة في حال عجزه عن العمل؛ لحديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا مرض العبد أو سافر كُتِبَ له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا)) (٤) خامسًا: يُسْر الشريعة الإسلامية وسهولتها، وكمالها ، قال الله : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٥). وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٧). وقال النبي ﷺ : ((دعوني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)) (٨).وقال ﷺ : ((إن الدين يسر)) (٩).

стр. 705

سادسًا: كيفية طهارة المريض على النحو الآتي: ١ - يجب على المريض أن يتوضأ من الحدث الأصغر: (نواقض الوضوء)، ويغتسل من الحدث الأكبر: (موجبات الغسل). ٢ - يجب أن يزيل ما على السبيلين من النجاسة بالما ء قبل الوضوء؛ لأن النبي ﷺ كان يستنجي بالماء (١). والاستجمار بالحجارة، أو ما يقوم مقامها يقوم مقام الاستنجاء بالماء، ويقوم مقام الحجارة ما في معناها من كل جامد طاهر ليس له حرمة: كالخشب، والخرق، والمناديل، وكل ما أنقى به فهو كالحجارة على الصحيح (٢)؛ لقوله ﷺ : ((إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن؛ فإنها تجزئ عنه)) (٣). ولابد في الاستجمار من ثلاثة أحجار أو ما يقوم مقامها فأكثر؛ لحديث سلمان ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ : ((لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو نستنجي باليمين، أو نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو نستنجي برجيع (٤) أو بعظم)) (٥). فإن لم تكفِ ثلاثة أحجار زاد رابعًا، وخامسًا حتى ينقي المحل، والأفضل أن يقطع الاستجمار على وتر؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن

стр. 706

النبي ﷺ وفيه: ((ومن استجمر فليوتر)) (١). والأفضل أن يستجمر الإنسان بالحجارة ثم يتبعها بالماء؛ لأن الحجارة تزيل عين النجاسة والماء يطهر المحل، فيكون أبلغ في الطهارة، وهو مخير بين الاستجمار بالحجارة، أو الاستنجاء بالماء أو الجمع بينهما وهو الأفضل، وإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل؛ لأنه يطهر المحل ويزيل العين والأثر. والاستنجاء يكون من الخارج الرطب من السبيلين: كالبول والغائط، أما النوم، والريح، وأكل لحم الإبل، ومس الفرج فلا يُستنجى منها؛ لأن الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة من السبيلين (٢). ٣ - إذا كان المريض لا يستطيع الحركة ؛ فإنه يوضئه شخص آخر، وإذا كان عليه حدث أكبر ساعده في الغسل، ولا ينظر إلى عورته. ٤ - فإن كان المريض لا يستطيع أن يتطهر بالماء ؛ لخوفه تلف النفس، أو تلف عضو، أو حدوث مرض، أو لعجزه، أو خوف زيادة المرض أو تأخر برئه؛ فإنه يتيمم؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٣). و كيفية التيمم: أن ينوي رفع الحدث، ثم يضرب بيديه على التراب الطاهر ضربة واحدة فيمسح جميع وجهه، بباطن أصابعه، ثم يمسح كفيه براحتيه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مّنكُم مّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النساء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ الله كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (٤)؛ ولقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مّنَ الْغَائِطِ أَوْ

стр. 707

لاَمَسْتُمُ النساء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مّنْهُ مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١). ٥ - فإن لم يستطع أن يتيمم بنفسه ؛ فإنه ييممه من عنده من المرافقين أو الحاضرين، يحضر التراب الطاهر ثم ييممه به. ٦ - من به جروح أو كسر أو مرض يضره استعمال الماء ؛ فإنه يتيمم سواء كان محدثًا حدثًا أصغر أو أكبر، لكن لو أمكنه أن يغسل الصحيح من جسده أو أعضائه وجب عليه ذلك وتيمم للباقي؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢)؛ ولقوله : ﴿لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٣). ٧ - إذا كان في بعض أعضاء الطهارة جرح يستطيع أن يغسله بالماء غسله ، فإن كان الغسل بالماء يؤثر عليه مسحه بالماء مسحًا، فإن كان المسح يؤثر عليه أيضًا فإنه يشد عليه جبيرة أو لزقة ويمسح عليها، فإن عجز فحينئذ يتيمم عنه بعد الطهارة. أما إذا كان الجرح مستورًا بجبس أو لزقة أو جبيرة، أو ما أشبه ذلك ففي هذا الحال يمسح على الساتر ويغنيه عن الغسل، ولا يشترط لبس الجبيرة على طهارة على القول الراجح، وليس للمسح على الجبيرة توقيت؛ لأن مسحها لضرورة فيقدر بقدرها، ويمسح عليها في الحدث الأكبر والأصغر (٤).والصواب أنه إذا مسح على العضو يكفيه عن التيمم، فلا يجمع بين المسح والتيمم إلا إذا كان هناك عضو آخر لم يستطع المسح

стр. 708

عليه (١). ٨ - إذا تيمم لصلاة وبقي على طهارته إلى وقت الصلاة الأخرى ؛ فإنه يصليها بالتيمم الأول؛ ولا يعيد التيمم للصلاة الثانية؛ لأنه لم يزل على طهارته ولم يحصل ما يبطلها من نواقض الطهارة؛ لأن التيمم لا يبطل إلا بما يبطل الوضوء. ٩ - يجب على المريض أن يطهر بدنه وثيابه، وموضع صلاته من النجاسات ، فإن عجز عن شيء من ذلك ولم يجد من يقوم بتطهير النجاسة صلى على حسب حاله وصلاته صحيحة ولا إعادة عليه، ولكن لو استطاع أن يبدل ثيابه النجسة بثياب أخرى طاهرة أو يفرش على الفراش النجس فراشًا طاهرًا وجب عليه ذلك. ١٠ - لا يجوز للمريض أن يؤخر الصلاة عن وقتها من أجل العجز عن الطهارة ، بل يتطهر بقدر ما يستطيع، ويطهر بدنه وثوبه والبقعة التي يصلي عليها؛ فإن عجز عن استعمال الماء تيمم، فإن عجز عن استعمال التيمم سقطت عنه الطهارة وصلى على حسب حاله (٢). ١١ - المريض المصاب بسلس البول، أو استمرار خروج الدم، أو الريح ، ولم يبرأ بمعالجته، عليه أن يتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها، ويغسل ما يصيب بدنه، وثوبه، أو يجعل للصلاة ثوبًا طاهرًا إن تيسر له ذلك، ويحتاط لنفسه احتياطًا يمنع انتشار البول أو الدم في ثوبه أو جسمه، أو مكان صلاته، وله أن يفعل في وقت الصلاة ما تيسر من صلاة، وقراءة في المصحف حتى يخرج الوقت فإذا خرج الوقت فعليه أن يعيد الوضوء أو التيمم إن عجز عن الوضوء؛ لأن النبي ﷺ أمر المستحاضة

стр. 709

أن تتوضأ لوقت كل صلاة (١)؛ولقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢)، وهذا فيه الدلالة على يسر الشريعة وسماحتها (٣). سابعًا: كيفية صلاة المريض على النحو الآتي: ١ - يجب على المريض الذي لا يخاف زيادة مرضه أن يصلي الفريضة قائمًا ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لله قَانِتِينَ﴾ (٤). ٢ - إن قدر المريض على القيام بأن يتكئ على عصا أو يستند إلى حائط أو يعتمد على أحد جانبيه لزمه القيام؛ لحديث وابصة ﵁ عن أم قيس ﵂: أن رسول الله ﷺ لما أسنَّ وحمل اللحم اتخذ عمودًا في مصلاه يعتمد عليه (٥)؛ ولأنه قادر على القيام من غير ضرر؛ لحديث عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال له: ((صلّ قائمًا ... )) (٦). ٣ - إن قدر المريض على القيام إلا أنه يكون منحنيًا على هيئة الراكع ؛ كالأحدب، أو الكبير الذي انحنى ظهره وهو يستطيع القيام لزمه القيام؛ لحديث عمران ﵁ المتقدم. ٤ - المريض الذي يقدر على القيام لكنه يعجز عن الركوع أو السجود لا يسقط عنه القيام ، وعليه أن يصلي قائمًا ويومئ بالركوع قائمًا إن عجز عنه، وإن لم يمكنه أن يحني ظهره حنى رقبته، وإن تقوّس ظهره فصار كأنه راكع زاد في انحنائه قليلاً، ثم يجلس فيومئ بالسجود جالسًا إن عجز

стр. 710

عنه ويقرب وجهه إلى الأرض في السجود أكثر ما يمكنه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لله قَانِتِينَ﴾ (١)؛ ولقول النبي ﷺ لعمران بن حصين ﵄: ((صلّ قائمًا)) (٢)؛ ولأن القيام ركن قدر عليه فلزمه الإتيان به (٣). ٥ - المريض الذي يزيد القيام في مرضه، أو يشق عليه مشقة شديدة، أو يضره ، أو يخاف زيادة مرضه يصلي قاعدًا؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤)؛ ولقوله : ﴿لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٥)؛ ولقوله : ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٦)، ولقوله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٧)؛ ولحديث عمران بن حصين ﵄ وفيه: ((صلّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا ... )) (٨)؛ ولحديث أنس ﵁ قال: سقط النبي ﷺ عن فرس فجُحش شقه الأيمن فدخلنا عليه نعوده فحضرت الصلاة فصلى بنا قاعدًا (٩). وقد أجمع العلماء على أن من لا يطيق القيام له أن يصلي جالسًا (١٠). ٦ - الأفضل للمريض إذا صلى جالسًا أن يكون متربعًا في موضع القيام ، والصحيح أنه إذا ركع يركع وهو متربع؛ لأن الراكع قائم؛

стр. 711

لحديث عائشة ﵂ قالت: ((رأيت النبي ﷺ يصلي متربعًا)) (١)، والسنة له أن يجعل يديه على ركبتيه في حال الركوع، أما في حال السجود فالواجب أن يسجد على الأرض، فإن لم يستطع وجب عليه أن يجعل يديه على الأرض وأومأ بالسجود؛ لما ثبت عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين)) (٢)؛ فإن لم يستطع جعل يديه على ركبتيه وأومأ بالسجود وجعله أخفض من الركوع؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣)؛ ولقوله ﷺ : (( ... وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم (٤))) (٥). ٧ - إن عجز المريض عن الصلاة قاعدًا صلى على جنبه مستقبل القبلة بوجهه ، والأفضل أن يصلي على جنبه الأيمن؛ لحديث عمران ﵁ وفيه: ((صلّ قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب)) (٦)؛ ولحديث عائشة ﵂ قالت: ((كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعُّله، وترجُّله، وطهوره، وفي شأنه كله)) (٧). ٨ - فإن عجز المريض عن الصلاة على جنبه صلى مستلقيًا رجلاه إلى

стр. 712

القبلة؛ لحديث عمران بن حصين ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال له: ((صلّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب)) (١)، زاد النسائي: ((فإن لم تستطع فمستلقياً لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها)) (٢). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((وزاد النسائي: ((فإن لم تستطع فمستلقيًا))، ثم قال: فكانت الصفات: ((قائمًا، جالسًا، على جنب، مستلقيًا)) (٣). ٩ - فإن عجز المريض عن الصلاة إلى القبلة ولم يوجد من يوجهه إليها صلى على حسب حاله؛ لقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٤). ١٠ - فإن عجز المريض عن الصلاة مستلقيًا صلى على حسب حاله على أي حال كان؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٥). ١١ - فإن عجز المريض عن جميع الأحوال السابقة صلى بقلبه: فيكبّر، ويقرأ، وينوي الركوع والسجود، والقيام والقعود بقلبه، فإن الصلاة لا تسقط عنه مادام عقله ثابتًا بأي حال من الأحوال؛ للأدلة السابقة (٦). ١٢ - إذا قدر المريض في أثناء صلاته على ما كان عاجزًا عنه: من قيام أو قعود، أو ركوع، أو سجود، أو إيماء انتقل إليه وبنى على ما مضى من

стр. 713

صلاته، وهكذا لو كان قادرًا فعجز أثناء الصلاة أتم صلاته على حسب حاله؛ لأن ما مضى من الصلاة كان صحيحًا فبنى عليه كما لو لم يتغير حاله (١). ١٣ - إن عجز المريض عن السجود على الأرض؛ فإنه يومئ بالسجود في الهواء ولا يتخذ شيئًا يسجد عليه؛ لحديث جابر ﵁ يرفعه: أن رسول الله ﷺ عاد مريضًا فرآه يصلي على وسادة فأخذها فرمى بها، فأخذ عودًا ليصلي عليه فأخذه فرمى به، قال: ((صلّ على الأرض إن استطعت وإلا فأومِ إيماءً واجعل سجودك أخفض من ركوعك)) (٢). ١٤ - يجب على المريض أن يصلي كل صلاة في وقتها ، ويفعل كل ما يقدر عليه مما يجب فيها؛ فإن شق عليه فعل كل صلاة في وقتها فله الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، إما جمع تقديم بحيث يقدم العصر مع الظهر، والعشاء مع المغرب، وإما جمع تأخير بحيث يؤخر الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء، حسبما يكون أيسر له، أما صلاة الفجر فلا تجمع مع ما قبلها ولا مع ما بعدها؛ لأن وقتها منفصل عما قبلها وعما بعدها (٣)، ومما يدل على جواز الجمع للمريض الذي

стр. 714

يشق عليه فعل الصلاة في وقتها ويضعف عن ذلك حديث ابن عباس ﵄ قال: ((صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا في غير خوف ولا سفر)). وفي لفظ: ((جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر)) فسئل ابن عباس لم فعل ذلك؟ فقال: ((أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته))، وفي لفظ: ((أراد أن لا يحرج أمته)) (١). والصواب في تأويل هذا الحديث قول من قال: هو محمول على الجمع بعذر المرض أو نحوه مما هو في معناه من الأعذار (٢). وقد ثبت أن النبي ﷺ أمر حمنة بنت جحش ﵂ لما كانت مستحاضة بتأخير الظهر وتعجيل العصر، وتأخير المغرب وتعجيل العشاء (٣)، وهذا هو الجمع الصوري. ١٥ - لا يجوز للمريض ترك الصلاة بأي حال من الأحوال مادام عقله ثابتًا ، بل يجب على المكلف أن يحرص على الصلاة أيام مرضه أكثر من حرصه عليها أيام صحته ويصليها في وقتها المشروع حسب استطاعته، فإذا تركها متعمدًا وهو عاقل عالم بالحكم الشرعي مكلف يقوى على أدائها ولو إيماءً فهو آثم، وقد ذهب جمع من أهل العلم إلى كفره بذلك (٤)؛ لقول النبي ﷺ : ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)) (٥)؛ ولحديث جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((بين

стр. 715

الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)) (١)؛ ولحديث معاذ ﵁ وفيه: ((رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد)) (٢). ١٦ - إذا نام المريض عن صلاته، أو نسيها وجب عليه أن يصليها حال استيقاظه ، أو ذكره لها، ولا يجوز له تركها إلى دخول وقت مثلها ليصليها فيه؛ لحديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((من نسي صلاته فليصلّها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك))، وفي لفظ لمسلم: ((من نسي صلاته أو نام عنها ... )) الحديث (٣). ويقضي الصلاة المغمى عليه ثلاثة أيام فأقل؛ لأنه يلحق بالنائم، أما إذا كانت المدة أكثر من ذلك فلا قضاء عليه؛ لأنه يلحق بالمجنون لجامع زوال العقل (٤). ١٧ - إذا كان المريض مسافرًا يعالج في غير بلده، فإنه يقصر الصلاة الرباعية ، فيصلي الظهر، والعصر، والعشاء، ركعتين ركعتين مادام مسافرًا لم يُجمِعْ على إقامة أكثر من أربعة أيام (٥)،أما صلاة المغرب فيصليها ثلاثًا سفرًا وحضرًا، وهكذا صلاة الفجر يصليها اثنتين سفرًا وحضرًا، ويصلي سنة الفجر قبلها: ركعتين؛ لأن النبي ﷺ كان يصليهما حضرًا وسفرًا، قالت عائشة ﵂: ((لم يكن يدعهما أبدًا)) (٦)،ويصلي الوتر كذلك؛ لحديث

стр. 716

ابن عمر ﵄ قال: ((كان النبي ﷺ يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به يومئ إيماءً صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته)). وفي لفظ: ((كان يوتر على راحلته)) (١). أما السنن الرواتب فالسنة أن لا يصليها في السفر؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: ((صحبت رسول الله ﷺ في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله)) (٢). أما التطوع المطلق فمشروع في الحضر والسفر مطلقًا، مثل: صلاة الضحى، وصلاة الليل، وسنة الوضوء وغيرها من النوافل، قال النووي ﵀: ((وقد اتفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر ... )) (٣). وهذا لمن لم يعزم على إقامة أكثر من أربعة أيام، أو لا يدري متى يرتحل؛ فإنَّ له أحكام السفر حتى يعزم على إقامة أكثر من أربعة أيام أو يرجع إلى وطنه. والأحوط للمسلم أن لا يقصر في أقل من مسافة يوم وليلة للإبل والمشاة بالسير العادي، وذلك يقارب ثمانين كيلو تقريبًا؛ لأن هذه المسافة تعتبر سفرًا عُرفًا عند الجمهور، فإن عزم على الإقامة أكثر من أربعة أيام، أو كانت المسافة أقل من مسيرة يوم وليلة فالأحوط للمؤمن أن لا يأخذ بأحكام السفر، بل يتم الصلاة أربعًا كالمقيمين: الظهر، والعصر، والعشاء (٤) والله الموفق (٥).

стр. 717

ثامنًا: الصلاة في السفينة والطائرة، والقطار، والسيارة، أو على الراحلة على النحو الآتي: ١ - تصح صلاة الفرض في السفينة والباخرة والقطار، قائمًا عند القدرة ؛ لحديث ابن عمر ﵄، قال: ((سئل النبي ﷺ عن الصلاة في السفينة، فقال: كيف أصلي في السفينة؟ قال: ((صلّ فيها قائمًا إلا أن تخاف الغرق)) (١). وعن عبد الله بن أبي عتبة قال: ((صحبت جابر بن عبد الله، وأبا سعيد الخدري، وأبا هريرة في سفينة فصلوا قيامًا في جماعة، أمّهم بعضهم، وهم يقدرون على الجُدَّ (٢))) (٣)،قال الإمام الشوكاني ﵀: ((والمراد أنهم يقدرون على الصلاة في البر، وقد صحت صلاتهم في السفينة مع اضطرابها، وفيه جواز الصلاة في السفينة وإن كان الخروج إلى البر ممكنًا)) (٤). ولا تصح صلاة الفرض في السفينة قاعدًا لقادر على القيام، فإن عجز عن القيام صلى جالسًا؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٥)، فيصلي على حسب حاله ويأتي بما يقدر عليه من القيام وغيره على حسب ما تقدم في صفة صلاة المريض (٦)،ويصلون فيها جماعة على حسب استطاعتهم، ويستقبلون القبلة في الفرض، وكلما انحرفت السفينة

стр. 718

عن القبلة اتجهوا إليها (١). ٢ - الصلاة المفروضة في الطائرة صحيحة ؛ لأن الطائرة في الجو على متن الهواء كالباخرة في البحر على متن الماء، ولكن يجب على المسلم أن يفعل ما يجب عليه في الصلاة: من القيام بالأركان، والواجبات، والشروط مثل: الطهارة، واستقبال القبلة، والقيام، والقعود، والركوع، والسجود، وغير ذلك مما يجب، وإذا كان لا يستطيع القيام بذلك فلا يصلي في الطائرة بل ينتظر حتى تهبط إلا إذا علم أن الهبوط بعد خروج الوقت، وكانت الصلاة التي أدركته في الجو لا يمكن جمعها مع ما بعدها، مثل: العصر والفجر ويعلم بأن هبوط الطائرة بعد خروج وقتها لزمه أن يصليها في الطائرة ولا يؤخرها عن وقتها، فيصليها كالصلاة في السفينة كما تقدم، فإن استطاع أن يصلي قائمًا صلى قائمًا، فإن لم يستطع صلى قاعدًا ويكون مستقبل القبلة ويدور مع القبلة حيث دارت، ويومئ بالركوع والسجود ويكون أخفض من الركوع، ويقوم بما يستطيع؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾﴾ (٢)، أما إذا كانت الصلاة مما يجمع جمع تقديم أو تأخير، فإن الأفضل للمسلم أن يصليها إذا أدركه وقت الأولى قبل الإقلاع، فيصلي التي أدركه وقتها كالظهر مثلاً ثم يصلي العصر، وهكذا المغرب والعشاء إذا كان مسافرًا قد خرج من بلده، أما إذا لم يدخل وقت الأولى وأقلعت الطائرة أو القطار أو السفينة قبل دخول الوقت فإنه يؤخرها إلى وقت الثانية فيصلي جمع تأخير مع قصر الرباعية إذا كان مسافرًا. أما إذا دخل الوقت أثناء السير وهو يعلم أن وقت الصلاة الثانية يخرج قبل الهبوط وجب عليه أن يصليها قبل خروج وقت الثانية على حسب استطاعته.

стр. 719

٣ - الصلاة في السيارة أو على الراحلة على النحو الآتي: أ- إذا كانت السيارة كبيرة وفيها مكان واسع للصلاة يستطيع الإنسان أن يصلي الفرض قائمًا راكعًا ساجدًا، مستقبل القبلة، وقد تطهر، فلا حرج عليه أن يصلي فيها، كما يصلي في السفينة والطائرة والقطار كما تقدم. ب- إذا كان لا يستطيع أن يقوم بما يجب عليه في صلاة الفريضة فإنه لا يصلي في السيارة إلا إذا لم يستطع النزول منها وخشي خروج وقت الصلاة، فإنه حينئذ يصلي على حسب حاله كما تقدم. جـ- أما الصلاة على الرواحل: كالإبل، والخيل، والبغال ، وغيرها فلا تصح إلا عند خشية التأذي بمطر، أو وحل إذا نزل على الأرض ولا يستقر في صلاته فإنه حينئذ يصلي ولكن يستقبل القبلة، ويعمل ما يستطيع في صلاته، وكذا يصح الفرض على الراحلة إذا خاف انقطاعًا عن رفقته بنزوله، أو خاف على نفسه من عدو أو عجز عن ركوب إن نزل، وعليه أن يستقبل القبلة إن قدر على ذلك، وعليه أن يركع ويسجد ويجعل سجوده أخفض من ركوعه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾﴾ (١)، ولقوله سبحانه: ﴿لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٢). ٤ - صلاة النافلة في السفر تصح على جميع وسائل النقل ، سواء كانت: من السفن، أو البواخر، أو الطائرات، أو السيارات، أو الراحلة؛ لأن النبي ﷺ كان يصلي النافلة وهو على راحلته حيث توجهت به، وقد رآه ابن عمر ﵄ يصلي الوتر كذلك على الراحلة (٣)؛ لكن الأفضل

стр. 720

أن يستقبل القبلة عند تكبيرة الإحرام ثم يصلي كيفما توجهت به (١) السفينة، أو الطائرة، أو الراحلة أو غير ذلك (٢)، ولو لم يستقبل القبلة في النافلة عند تكبيرة الإحرام فلا حرج في ذلك، ولكن هذا من باب الاستحباب. والله أعلم وأحكم، وهو الموفق .

стр. 721

المبحث الثامن والعشرون: صلاة المسافر أولاً: مفهوم السفر ، والمسافر: السُّفْرُ: جمع سافر، والمسافرون: جمع مسافر، والسفر والمسافرون بمعنىً. وسُمّي المسافر مسافرًا؛ لكشفه قناع الكنّ عن وجهه، ومنازل الحضَرِ عن مكانه، ومنزل الخفض عن نفسه، وبروزه إلى الأرض الفضاء، وسمي السفر سفرًا؛ لأنه يسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، فيظهر ما كان خافيًا منها (١)، فظهر أن السفر: قطع المسافة؛ سمي بذلك؛ لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، ومنه قولهم: سفرت المرأة عن وجهها: إذا أظهرته، والسفر هو الخروج عن عمارة موطن الإقامة قاصدًا مكانًا يبعد مسافة يصحُّ فيها قصر الصلاة (٢). ثانيًا: أنواع السفر على النحو الآتي: ١ - سفرٌ حرام ، وهو أن يسافر لفعل ما حرمه الله أو حرمه رسوله ﷺ ، مثل: من يسافر للتجارة في الخمر، والمحرمات، وقطع الطريق، أو سفر المرأة بدون محرم (٣). ٢ - سفر واجب ، مثل: السفر لفريضة الحج، أو السفر للعمرة الواجبة، أو الجهاد الواجب. ٣ - سفر مستحب ، مثل: السفر للعمرة غير الواجبة، أو السفر لحج التطوع، أو جهاد التطوع. ٤ - سفر مباح ، مثل: السفر للتجارة المباحة، وكل أمر مباح.

стр. 722

٥ - سفر مكروه ، مثل: سفر الإنسان وحده بدون رفقة إلا في أمر لابد منه (١)؛ لقوله ﷺ : ((لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده)) (٢). فهذه أنواع السفر التي ذكرها أهل العلم، فيجب على كل مسلم أن لا يسافر إلى سفر محرم، وينبغي له أن لا يتعمد السفر المكروه، بل يقتصر في جميع أسفاره على السفر الواجب، والمستحب، والمباح (٣). ثالثًا: آداب السفر والعمرة والحج: الآداب التي ينبغي للمسافر والمعتمر والحاج المسافر معرفتها والعمل بها؛ ليحصل على عمرة مقبولة، ويُوفَّق لحج مبرور، وسفر مبارك آداب كثيرة منها: آداب واجبة وآداب مستحبة، وأذكر منها على سبيل المثال لا الحصر الآداب الآتية:

стр. 723

١ - يستخير الله سبحانه في الوقت، والراحلة، والرفيق، وجهة الطريق إن كثرت الطرق، ويستشير في ذلك أهل الخبرة والصلاح. أما الحج؛ فإنه خير لا شك فيه. وصفة الاستخارة أن يصلي ركعتين ثم يدعو بالوارد (١). ٢ - يجب على الحاج والمعتمر أن يقصد بحجه وعمرته وجه الله تعالى ، والتقرب إليه، وأن يحذر أن يقصد حطام الدنيا أو المفاخرة، أو حيازة الألقاب، أو الرياء والسمعة؛ فإن ذلك سبب في بطلان العمل وعدم قبوله. قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢). ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدًا﴾ (٣). والمسلم هكذا لا يريد إلا وجه الله والدار الآخرة؛ ولهذا قال الله : ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ (٤)، وفي الحديث القدسي: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)) (٥). وقد خاف النبي ﷺ على أمته من الشرك الأصغر فقال: ((إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر)) فسُئل عنه فقال: ((الرياء)) (٦). وقال ﷺ : ((من سمَّع سمَّع الله به، ومن يُرائي يُرائي الله به)) (٧). قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا

стр. 724

إِلا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيّمَة﴾ (١). ٣ - على الحاج والمعتمر التفقه في أحكام العمرة والحج، وأحكام السفر قبل أن يسافر: من القصر، والجمع، وأحكام التيمم، والمسح على الخفين، وغير ذلك مما يحتاجه في طريقه إلى أداء المناسك قال ﷺ : ((من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين)) (٢). ٤ - التوبة من جميع الذنوب والمعاصي، سواء كان حاجًّا أو معتمرًا ، أو غير ذلك فتجب التوبة من جميع الذنوب والمعاصي، وحقيقة التوبة: الإقلاع عن جميع الذنوب وتركها، والندم على فعل ما مضى منها، والعزيمة على عدم العودة إليها، وإن كان عنده للناس مظالم ردّها وتحللهم منها، سواء كانت: عرضًا أو مالاً، أو غير ذلك من قبل أن يُؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أُخِذَ من سيئات أخيه فطرحت عليه (٣). ٥ - على الحاج أو المعتمر أن ينتخب المال الحلال لحجه وعمرت ه؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيّبًا؛ ولأن المال الحرام يسبب عدم إجابة الدعاء (٤)، وأيما لحم نبت من سحت فالنار أولى به (٥). ٦ - يستحب للمسافر أن يكتب وصيته، وما له وما عليه فالآجال بيد الله تعالى: ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ

стр. 725

وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١)، وقال ﷺ : ((ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده)) (٢). ويشهد عليها، ويقضي ما عليه من الديون، ويرد الودائع إلى أهلها أو يستأذنهم في بقائها. ٧ - يستحب للمسافر أن يوصي أهله بتقوى الله تعالى، وهي وصية الله تعالى للأولين والآخرين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ الله وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لله مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ الله غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ (٣). ٨ - يستحب للمسافر أن يجتهد في اختيار الرفيق الصالح ، ويحرص أن يكون من طلبة العلم الشرعي؛ فإن هذا من أسباب توفيقه وعدم وقوعه في الأخطاء في سفره وفي حجه وعمرته؛ لقول النبي ﷺ ((الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)) (٤)؛ولقوله ﷺ ((لا تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي)) (٥)، وقد مثل النبي ﷺ الجليس الصالح بحامل المسك، والجليس السوء بنافخ الكير (٦).

стр. 726

٩ - يستحب للمسافر أن يودع أهله، وأقاربه، وأهل العلم: من جيرانه ، وأصحابه، قال ﷺ : ((من أراد سفرًا فليقل لمن يخلّف: أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه)) (١)، وكان النبي ﷺ يودع أصحابه إذا أراد أحدهم سفرًا فيقول: ((أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك)) (٢)، وكان ﷺ يقول لمن طلب منه أن يوصيه من المسافرين: ((زوَّدك الله التقوى، وغفر ذنبك، ويسَّر لك الخير حيثُ ما كنتَ)) (٣). وجاء رجل إلى النبي ﷺ يريد سفرًا فقال: يا رسول الله أوصني، فقال: ((أوصيك بتقوى الله والتكبير على كل شرف))، فلما مضى قال: ((اللهم ازوِ له الأرض، وهوّن عليه السفر)) (٤). ١٠ - لا يصطحب معه الجرس والمزامير والكلب في السفر ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس)) (٥).وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((الجرس مزامير الشيطان)) (٦). ١١ - إذا أراد السفر بإحدى زوجاته إن كان له أكثر من واحدة أقرع بينهن فأي زوجة وقعت عليها القرعة خرجت معه؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج

стр. 727

سهمها خرج بها معه)) (١). وهذا هو السنة، إذا أراد أن يسافر ببعض نسائه، فالقرعة فيها راحة عظيمة (٢). ١٢ - يستحب له أن يخرج للسفر يوم الخميس من أول النهار؛ لفعله ﷺ - قال كعب بن مالك ﵁: ((لقلَّما كان رسول الله ﷺ يخرج إذا خرج في سفر إلا يوم الخميس)) (٣). ودعا لأمته ﷺ بالبركة في أول النهار فقال: ((اللهم بارك لأمتي في بكورها)) (٤). ١٣ - يستحبُّ له أن يدعو بدعاء الخروج من المنزل فيقول عند خروجه: ((بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله (٥)، اللهم إني أعوذ بك أن أضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أزلَّ أو أُزَلَّ، أو أظلِمَ أو أُظلَمَ، أو أجهلَ أو يُجهلَ عليَّ)) (٦). ١٤ - يستحبّ له أن يدعو بدعاء السفر ، إذا ركب دابته، أو سيارته، أو الطائرة، أو غيرها من المركوبات فيقول: ((الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر))

стр. 728

﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ*وَإِنَّا إِلَى رَبّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ (١)، ((اللهمّ إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهمّ هوّن علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهمّ أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهمّ إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب: في المال، والأهل .. )) وإذا رجع من سفره قالهن وزاد فيهن: ((آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون)) (٢). ١٥ - يستحبّ له أن لا يسافر وحده بلا رفقة ؛ لقوله ﷺ : ((لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده)) (٣).وقال ﷺ : ((الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، الثلاثة ركب)) (٤). ١٦ - يؤمِّر المسافرون أحدَهم؛ ليكون أجمعَ لشملهم، وأدعى لاتفاقهم ، وأقوى لتحصيل غرضهم، قال ﷺ : ((إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمّروا أحدهم)) (٥). ١٧ - يستحب إذا نزل المسافرون منزلاً أن ينضمّ بعضهم إلى بعض ، فقد كان بعض أصحاب النبي ﷺ إذا نزلوا منزلاً تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال ﷺ : ((إنما تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان)) (٦). فكانوا بعد ذلك ينضمُّ بعضُهم إلى بعض حتى لو بسط

стр. 729

عليهم ثوب لوسعهم. ١٨ - يستحبّ إذا نزل منزلاً في السفر أو غيره من المنازل أن يدعو بما ثبت عنه ﷺ -: ((أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق))؛ فإنه إذا قال ذلك لم يضرَّه شيء حتى يرتحل من منزله ذلك (١). ١٩ - يستحبّ له أن يكبّر على المرتفعات ويسبح إذا هبط المنخفضات والأودية ، قال جابر ﵁: ((كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبحنا)) (٢)، ولا يرفعوا أصواتهم بالتكبير، قال ﷺ : ((يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنه معكم، إنه سميع قريب)) (٣). ٢٠ - يستحبّ له أن يدعوَ بدعاء دخول القرية أو البلدة فيقول إذا رآها: ((اللهم ربَّ السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، أسألك خير هذه القرية وخير أهلها، وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها)) (٤). ٢١ - يستحبّ له السير أثناء السفر في الليل وخاصة أوله ؛ لقوله ﷺ : ((عليكم بالدُّلجة؛ فإن الأرض تُطوَى بالليل)) (٥).

стр. 730

٢٢ - يستحبّ له أن يقول في السحر إذا بدا له الفجر: ((سمّع سامعٌ بحمد الله وحسن بلائه علينا. ربنا صاحبنا، وأفضل علينا عائذًا بالله من النار)) (١). ٢٣ - يستحبّ له أن يكثر من الدعاء في السفر ؛ فإنه حريٌّ بأن تجاب دعوته، ويُعطى مسألته؛ لقوله ﷺ : ((ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده)) (٢)، ويكثر الحاج من الدعاء كذلك على الصفا والمروة، وفي عرفات، وفي المشعر الحرام بعد الفجر، وبعد رمي الجمرة الصغرى، والوسطى أيام التشريق؛ لأن النبي ﷺ أكثر في هذه المواطن الستة من الدعاء ورفع يديه (٣). ٢٤ - يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر على حسب طاقته وعلمه ، ولابد من أن يكون على علم وبصيرة فيما يأمر وفيما ينهى عنه، ويلتزم الرفق واللين، ولا شك أنه يُخشى على من لم ينكر المنكر أن يعاقبه الله بعدم قبول دعائه؛ لقوله ﷺ : ((والذي نفسي بيده لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر أو ليوشكنَّ الله أن يبعث عليكم عقابًا منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم)) (٤). ٢٥ - يبتعد عن جميع المعاصي ، فلا يؤذي أحدًا بلسانه، ولا بيده، ولا يزاحم الحجاج والمعتمرين زحامًا يؤذيهم، ولا ينقل النميمة ولا يقع في

стр. 731

الغيبة، ولا يجادل مع أصحابه وغيرهم إلا بالتي هي أحسن، ولا يكذب، ولا يقول على الله ما لا يعلم، وغير ذلك من أنواع المعاصي والسيئات قال سبحانه: ﴿الحج أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج﴾ (١)،وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ (٢)، والمعاصي في الحرم ليست كالمعاصي في غيره، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣). ٢٦ - يحافظ على جميع الواجبات، ومن أعظمها الصلاة في أوقاتها مع الجماعة ، ويكثر من الطاعات: كقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، والإحسان إلى الناس بالقول والفعل، والرفق بهم، وإعانتهم عند الحاجة. قال ﷺ : ((مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) (٤). ٢٧ - يتخلق بالخلق الحسن، ويخالق به الناس، والخلق الحسن يشمل: الصبر، والعفو، والرفق، واللين، والحلم، والأناة وعدم العجلة في الأمور، والتواضع، والكرم والجود، والعدل، والثبات، والرحمة، والأمانة، والزهد والورع، والسماحة، والوفاء، والحياء، والصدق، والبر والإحسان، والعفة، والنشاط، والمروءة؛ ولعظم فضل حسن الخلق قال النبي ﷺ : ((أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا .. )) (٥)، وقال ﷺ : ((إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة

стр. 732

الصائم القائم)) (١). ٢٨ - يعين الضعيف، والرفيق في السفر: بالنفس، والمال، والجاه ، ويواسيهم بفضول المال وغيره مما يحتاجون إليه، فعن أبي سعيد ﵁ ((أنهم كانوا مع رسول الله ﷺ في سفر فقال: ((من كان معه فضل ظهر فليعُدْ به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعُدْ به على من لا زاد له))، فذكر من أصناف المال حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل)) (٢). وعن جابر ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ يتخلف في المسير فيزجي الضعيف (٣)، ويردف، ويدعو لهم)) (٤). وهذا يدل على رأفته ﷺ وحرصه على مصالحهم؛ ليقتدي به المسلمون عامة، والمسؤولون خاصة. ٢٩ - يتعجّل في العودة ولا يطيل المكث في السفر لغير حاجة ؛ لقوله ﷺ : ((السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه، ونومه، فإذا قضى أحدكم نهمته فليعجل إلى أهله)) (٥). ٣٠ - يستحبّ له أن يقول أثناء رجوعه من سفره ما ثبت عن النبي ﷺ - أنه كان إذا قفل من غزو، أو حج، أو عمرة، يكبّر على كل شرف من

стр. 733

الأرض ثلاث تكبيرات ثم يقول: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)) (١). ٣١ - يستحبّ له إذا رأى بلدته أن يقول: ((آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون)) . ويردّد ذلك حتى يدخل بلدته؛ لفعله ﷺ (٢). ٣٢ - لا يقدم على أهله ليلاً إذا أطال الغَيْبة لغير حاجة إلا إذا بلَّغهم بذلك ، وأخبرهم بوقت قدومه ليلاً؛ لنهيه ﷺ عن ذلك، قال جابر بن عبد الله ﵄: ((نهى النبي ﷺ أن يطرق (٣) الرجل أهله ليلاً)) (٤). ومن الحكمة في ذلك ما فسرته الرواية الأخرى: ((حتى تمتشط الشعثة، وتستحدَّ المغيَّبة))، وفي أخرى: ((نهى رسول الله ﷺ أن يطرق الرجل أهله ليلاً يتخوّنهم، أو يلتمس عثراتهم)) (٥). ٣٣ - يستحبّ للقادم من السفر أن يبتدئ بالمسجد الذي بجواره ويصلي فيه ركعتين ؛ لفعله ﷺ ؛ فإنه ((كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين)) (٦).

стр. 734

٣٤ - يستحب للمسافر إذا قدم من سفر أن يتلطف بالوِلْدَان من أهل بيته وجيرانه ويحسن إليهم إذا استقبلوه، فعن ابن عباس ﵄ قال: لما قدم النبي ﷺ مكة استقبله أُغيلمة بني عبد المطلب فحمل واحدًا بين يديه والآخر خلفه (١).وقال عبد الله بن جعفر ﵁: ((كان ﷺ إذا قدم من سفر تُلُقّي بنا، فَتُلُقّيَ بي وبالحسن أو بالحسين فحمل أحدنا بين يديه والآخر خلفه حتى دخلنا المدينة)) (٢). ٣٥ - تستحبّ الهدية، لما فيها من تطييب القلوب وإزالة الشحناء، ويستحب قبولها، والإثابة عليها ، ويكره ردّها لغير مانع شرعي؛ ولهذا قال ﷺ : ((تهادوا تحابّوا)) (٣)، والهدية سبب من أسباب المودة بين المسلمين؛ ولهذا قال بعضهم: هدايا الناس بعضهم لبعض ... تولد في قلوبهم الوصالا وقد ذُكِرَ أن أحد الحجاج عاد إلى أهله فلم يقدّم لهم شيئًا فغضب واحد منهم وأنشد شعرًا فقال: كأن الحجيج الآن لم يقربوا منى ... ولم يحملوا منها سواكًا ولا نعلاً أتونا فما جادوا بعود أراكة ... ولا وضعوا في كف طفل لنا نقلا (٤) ومن أجمل الهدايا ماء زمزم؛ لأنها مباركة، قال ﷺ في ماء زمزم: ((إنها

стр. 735

مباركة، إنها طعام طعم [وشفاء سقم])) (١). وعن جابر ﵁ يرفعه: ((ماء زمزم لما شُرِبَ له)) (٢). ويُذكر أن النبي ﷺ ((كان يحمل ماء زمزم في الأداوي والقرب، فكان يصب على المرضى ويسقيهم)) (٣). ٣٦ - إذا قدم المسافر إلى بلده استحبت المعانقة ؛ لما ثبت عن أصحاب النبي ﷺ كما قال أنس ﵁: ((كانوا إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا)) (٤). ٣٧ - يستحب جمع الأصحاب وإطعامهم عند القدوم من السفر ؛ لفعل النبي ﷺ ، فعن جابر بن عبد الله ﵄: ((أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة نحر جزورًا أو بقرة)). زاد معاذ عن شعبة عن محارب سمع جابر بن عبد الله يقول: ((اشترى مني النبي ﷺ بعيرًا بأوقيتين ودرهم أو درهمين، فلما قدم صرارًا (٥) أمر ببقرة فذبحت فأكلوا منها ... )) الحديث (٦). وهذا الطعام يقال له: (النقيعة)، وهي طعام يتخذه القادم من السفر (٧)، وهذا الحديث وما جاء في معناه يدل على إطعام الإمام

стр. 736

والرئيس أصحابه عند القدوم من السفر، وهو مستحب عند السلف (١). رابعًا: الأصل في قصر الصلاة في السفر: الكتاب والسنة والإجماع: ١ - أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ (٢). وعن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ فقد أمن الناس، فقال: عجبتُ مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: ((صدقةٌ تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)) (٣). ٢ - وأما السنة فقد تواترت الأخبار أن رسول الله ﷺ كان يقصر في أسفاره: حاجًّا، ومعتمرًا، وغازيًا، قال عبد الله بن عمر ﵄: ((صحبت رسول الله ﷺ فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كذلك، ﵃)) (٤). وعن عائشة ﵂ قالت: ((فرض الله الصلاة حين فرضها: ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فَأُقرَّت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر)). وفي لفظ للبخاري: ((فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي ﷺ ففرضت أربعًا وتركت صلاة السفر على الأولى)) (٥). زاد أحمد: إلا المغرب، فإنها وتر النهار، وإلا الصبح، فإنها تطول فيها

стр. 737

القراءة)) (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: ((فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة)) (٢)، وعن عبد الله بن مسعود ﵁: ((صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر الصديق ﵁ بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب ﵁ ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان)). وفي لفظ: ((صليت مع النبي ﷺ ركعتين، ومع أبي بكر ﵁ ركعتين، ومع عمر ﵁ ركعتين، ثم تفرقت بكم الطرق، يا ليت حظي من أربع: ركعتان متقبلتان)) (٣). ٣ - وأما الإجماع ، فقد أجمع أهل العلم على أن من سافر سفرًا تقصر في مثله الصلاة: في حج، أو عمرة، أو جهاد أن له أن يقصر الرباعية فيصليها ركعتين (٤)، وأجمعوا على أن لا يقصر في المغرب ولا في صلاة الصبح (٥). خامسًا: القصر في السفر أفضل من الإتمام ؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله يحب أن تؤتى رُخصُه كما يكره أن تؤتى معصيته)) (٦)، وفي رواية: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصُه كما يحب أن تؤتى عزائمُه)) (٧). ولكن لو أتم المسافر الصلاة

стр. 738

الرباعية أربعًا فصلاته صحيحة ولكنه خالف الأفضل؛ لأن عائشة ﵂ كانت تتم في السفر بعد موت النبي ﷺ ، وأتم عثمان ﵁ بمنى (١)، ولكن ما داوم عليه رسول الله ﷺ في أسفاره أفضل بلا شك (٢)، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((أصل الصلاة ركعتان كما فرضها الله تعالى، ثم زاد فيها سبحانه في الحضر بعد الهجرة ثنتين، في العشاء، والظهر، والعصر، وبقيت صلاة السفر على حالها: الظهر، والعصر، والعشاء ركعتان، وهذا يؤيد الأصل، والمغرب والفجر بقيت على أصلها، فالقصر سنة مؤكدة، ولكن لا مانع من الإتمام في السفر، والقصر صدقة من الله، فمن صلى أربعًا فلا حرج، وقد كانت عائشة ﵂ تتم في السفر، وتأولت أنه لا يشق عليها، ولم ينكر عليها الصحابة، وهي من أعلم الناس)) (٣).

стр. 739

وإذا نسي صلاة الحضر فذكرها في السفر فعليه أن يصليها صلاة حضر تامة من غير قصر إجماعًا؛ لأن الصلاة تعيَّن عليه فعلها أربعًا، فلم يجز له النقصان من عددها؛ ولأنه إنما يقضي ما فاته وقد فاته أربعٌ، وأما إن نسي صلاة السفر فذكرها في الحضر، فقال الإمام أحمد: عليه الإتمام احتياطًا، وبه قال الأوزاعي، وداود، والشافعي في أحد قوليه، وقال مالك والثوري وأصحاب الرأي: يصليها صلاة سفر؛ لأنه إنما يقضي ما فاته، ولم يفته إلا ركعتان (١)، والله أعلم (٢). وإن نسيها في سفر وذكرها فيه أو ذكرها في سفر آخر قضاها مقصورة؛ لأنها وجبت في السفر وفُعلت فيه (٣). سادسًا: مسافة قصر الصلاة في السفر: قال البخاري ﵀: ((بابٌ: في كم يقصرُ الصلاة، وسمَّى النبي ﷺ يومًا وليلة سفرًا، وكان ابن عمر وابن عباس ﵃ يقصران ويفطران في أربعة برد وهي ستة عشر فرسخًا)) (٤)، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: ((قوله: بابٌ في كم

стр. 740

يقصر الصلاة؟ يريد بيان المسافة التي إذا أراد المسافر الوصول إليها ساغ له القصر، ولا يسوغ له في أقل منها ... وقد أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام وأورد ما يدل على اختياره أن أقل مسافة القصر يوم وليلة)) (١). وقول البخاري ﵀: ((وسمى النبي ﷺ يومًا وليلة سفرًا)). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((والمعنى سمى مدة اليوم والليلة سفرًا، كأنه يشير إلى حديث أبي هريرة المذكور عنده في الباب)) (٢)، قلت: وهو قوله ﷺ : ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة)) (٣)، وفي لفظ لمسلم: ((لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو محرم منها)). وفي لفظ: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم)). وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم))، وفي لفظ: ((لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا مع ذي محرم)). وفي لفظ لمسلم: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم)) (٤). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا إلا ومعها أبوها، أو ابنها، أو زوجها، أو أخوها، أو ذو محرم منها)) (٥). ومن حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : ((لا يخلونَّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم)) (٦).
следующие страницы →