← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96550

صلاة المؤمن

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

أما إذا تخلف عن إمامه بركعة أو ركعتين أو أكثر، فإنه يتابع إمامه، وبعد سلام الإمام يقضي ما تخلف به عن إمامه (١). القسم الثاني: تخلف أو تأخر بغير عذر ، فإما أن يكون تخلفاً في ركن أو تخلفاً بركن، والتخلف في ركن: هو أن يتأخر المأموم في المتابعة لكن يدرك الإمام في الركن الذي انتقل إليه، مثل: أن يركع الإمام وقد بقي على المأموم آية أو آيتين فيكملها ثم يدرك الإمام في ركوعه قبل أن يرفع، فالركعة هنا صحيحة لكن الفعل مخالف للسنة. أما التخلف بالركن، فهو: أن يتأخر المأموم حتى يسبقه الإمام بركن، مثل: أن يركع ويرفع من الركوع قبل أن يركع المأموم، فهذا كما قال الفقهاء ﵏: ((التخلف عن الإمام كسبقه))، فهذا تكون صلاته باطلة على الصحيح، سواء كان الركن ركوعاً أو سجوداً أو غيرهما؛ لأن المأموم تخلف بغير عذر (٢). الحال الرابع: المتابعة ، وهي أن يشرع المأموم في أفعال الصلاة، من: الركوع، والرفع، والسجود بعد فراغ الإمام، وكذلك يتابعه في التكبير فلا يكبر حتى يكبر. وهذا هو السنة، وهو المطلوب من المأموم (٣)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنما جُعل الإمام ليُؤْتَمَّ به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبّر فكبّروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع،

стр. 667

وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجد، وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون)) (١). ٤ - ارتفاع مكان الإمام اليسير على المأمومين لا يضر ؛ لحديث سهل بن سعد ﵁ وفيه: أن النبي ﷺ جلس على المنبر في أول يوم وُضِعَ فكبر وهو عليه، ثم ركع، ثم نزل القهقرى (٢) فسجد في أصل المنبر، ثم عاد فلما فرغ أقبل على الناس فقال: ((أيها الناس، إنما صنعت هذا؛ لتأتموا بي؛ ولتعلَّموا صلاتي)). وفي لفظ: ((وقام عليه رسول الله ﷺ حين عمل ووُضِع فاستقبل القبلة، كبَّر وقام الناس خلفه فقرأ وركع، وركع الناس خلفه، ثم رفع رأسه ثم رجع القهقرى حتى سجد بالأرض، ثم عاد إلى المنبر، ثم قرأ، ثم ركع، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقرى حتى سجد بالأرض، فهذا شأنه، قال أبو عبد الله (٣): قال علي بن المديني: سألني أحمد بن حنبل ﵀ عن هذا الحديث، قال: فإنما أردت أن النبي ﷺ كان أعلى من الناس بهذا الحديث ... )) (٤)؛ ولحديث أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ سقط عن فرسه فجحش (٥) ساقه أو كتفه، وآلى من نسائه (٦) شهراً، فجلس في مَشْرُبة (٧) له درجتها من جذوع، فأتاه أصحابه

стр. 668

يعودونه فصلى بهم جالساً وهم قيام، فلما سلم قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتمَّ به، فإذا كبَّر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإن صلى قائماً فصلوا قياماً)) (١). وهذان الحديثان فيهما جواز الارتفاع اليسير لمكان الإمام على المأموم عند الحاجة لذلك. أما حديث أبي مسعود: ((أن حذيفة ﵁ أمَّ الناس بالمدائن (٢) على دكان (٣) فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه، فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى، قد ذكرت حين مددْتني)) (٤). وحديث حذيفة في قصته مع عمار بن ياسر وأخذه على يديه وإنزاله من الصلاة على الدكان المرتفع، فاتَّبعه عمار حتى أنزله حذيفة فلما فرغ عمار من صلاته قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله ﷺ يقول: ((إذا أمَّ الرجل القوم، فلا يقم في مكان أرفع من مقامهم)) أو نحو ذلك (٥)، فهذان الحديثان وما في معناهما يدلان على كراهة علوّ الإمام على المأموم علوّاً أكثر مما فعل النبي ﷺ ، جمعاً بين الأخبار (٦)، والله أعلم (٧).وسمعت شيخنا الإمام

стр. 669

عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((يكره العلو الكثير من الإمام على المأمومين، أما العلو اليسير فلا بأس به عند أحمد وجماعة، ولعل الحكمة في ذلك والله أعلم؛ لأنه قد يؤثر في نفس الإمام شيئاً، فمن التواضع أن يصلي مساوياً لهم، وهذا إذا لم يكن حاجة، أما إذا كان هناك حاجة [مثل]: الزحمة، زالت الكراهة، ثم إذا كان معه بعض الصفوف زالت الكراهة، أما علو المأموم فلا كراهة في ذلك، كما يفعل الناس أيام الجمع من الصلاة فوق السطوح، وإنما جاءت الكراهة للإمام، وإذا كان العلو للتعليم والتوجيه زالت الكراهة)) (١). أما إذا كان مع الإمام في المكان المرتفع بعض الصفوف من المأمومين زال المنع فلا حرج ولا كراهة؛ لأن الإمام في هذه الحالة لم ينفرد بمكانه (٢)، فحينئذ يُصلى معه وفوقه، وتحته (٣). أما علوّ المأموم على الإمام فلا بأس به، مثل أن يصلي على السطوح أو في مكان أعلى من الإمام بحيث لا يكون فذّاً وحده؛ لأن أبا هريرة ﵁ صلى على سقف المسجد بصلاة الإمام (٤)؛ ولما جاء من الآثار عن ابن عمر ﵄ والحسن البصري (٥). أما إذا كان المؤتم فوق الإمام

стр. 670

وكان ارتفاعه ارتفاعاً مفرطاً بحيث يكون فوق ثلاثمائة ذراع على وجه لا يمكن المؤتم العلم بأفعال الإمام فهو ممنوع بالإجماع، وإن كان دون ذلك فالأصل الجواز حتى يقوم الدليل على المنع، ويعتضد هذا الأصل بفعل أبي هريرة ﵁ ولم ينكر عليه (١). وقيل يكره دخول الإمام في الطاق الذي يقال له: المحراب؛ لآثار وردت في ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁ وغيره من السلف الصالح (٢)؛ ولأنه إذا دخل في الطاق استتر عن بعض المأمومين فلا يرونه لو أخطأ في الركوع أو السجود، فإن لم يمنع المحراب رؤية الإمام لم يكره، وكذلك إذا احتاج إليه الإمام لكثرة الزحام فلا بأس أن يتقدم فيدخل (٣) فيه (٤). ٥ - الاقتداء بالإمام داخل المسجد وخارجه، والحوائل بينه وبين المأمومين على النحو الآتي: أولاً: يصح اقتداء المأموم بالإمام في المسجد وإن لم يره ولا من وراءه إذا سمع التكبير؛ حتى لو لم تتصل الصفوف؛ لأنهم في موضع الجماعة ويمكنهم الاقتداء به بسماع التكبير، أشبه المشاهدة، ولو كان بينهما حائل إذا علم حال الإمام بالتكبير أو غيره (٥)؛ لحديث عائشة

стр. 671

رضي الله عنها قالت: ((كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل في حجرته (١) وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص النبي ﷺ فقام أناس يصلون بصلاته ... )) الحديث (٢). ثانياً: إذا كان المأموم خارج المسجد والإمام داخله صحّ الاقتداء إن رأى المأموم الإمام أو بعض المأمومين الذين وراء الإمام ولو كانت الرؤية في بعض الصلاة، أو من شباك ونحوه (٣)، والله أعلم (٤). ثالثاً: إذا كان المأموم خارج المسجد والإمام داخله وفصل بينهم نهر أو طريق كبير لم تتصل فيه الصفوف مع رؤية المأمومين للإمام أو بعض الصفوف خلفه فقيل تصحّ (٥)،وقيل لا تصح (٦). قال الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: ((إذا كان المأمومون خارج المسجد ويرون بعض الصفوف أمامهم ولو فصل بينهم بعض الشوارع فلا حرج في ذلك؛ لوجوب الصلاة في الجماعة، وتمكنهم منها بالرؤية للإمام أو بعض

стр. 672

المأمومين، لكن ليس لأحد أن يصلي أمام الإمام؛ لأن ذلك ليس موقفاً للمأموم)) (١).وقد جاء بعض الآثار في ذلك عن بعض السلف الصالح، قال الإمام البخاري ﵀: ((بابٌ: إذا كان بين الإمام وبين القوم حائطٌ أو سُترةٌ)). وقال الحسن: ((لا بأس أن تُصلّي وبينك وبينه نهر)) (٢). وقال أبو مجلز: ((يأتم بالإمام - وإن كان بينهما طريق أو جدار - إذا سمع تكبير الإمام)) (٣). ورجح العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀: ((أن المأموم إذا أمكنه الاقتداء بإمامه أوسماع الصوت، أنه يصح اقتداؤه به؛ سواء كان في المسجد، أو خارج المسجد، وسواء حال بينهما نهر، أو طريق؛ لأنه لا دليل على المنع، ولا على التفريق، وإن قدَّرنا أن الطريق لا تصح فيه الصلاة فلا يضر حيلولته بينه وبين إمامه، إذا كان الموضع الذي يصلي فيه الإمام لا مانع فيه، والذي يصلي فيه المأموم كذلك)) (٤).وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((من أهل العلم من يقول: لا يجوز الحائل ولو في المسجد، ولو سمع الصوت؛ لأنه قد ينقطع الصوت، وهناك من يقول: إذا كان في المسجد فلا بأس؛ لأنه محل التعبد؛ ولأنه قد لا ينقطع الصوت عنه، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة. ولعل الأقرب أنه لا حرج إذا كانوا في المسجد، بخلاف خارج المسجد فلابد من رؤية الإمام أو المأموم، ولو سمع الصوت، ولا بأس لو انقطعت الصفوف، لأنه يرى المأمومين)) (٥).

стр. 673

٦ - المسبوق إذا أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ وفيه: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)) (١).وعنه ﵁ يرفعه: ((إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئاً، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة)) (٢).وفي لفظ لابن خزيمة والدارقطني والبيهقي: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل أن يقيم الإمام صلبه)) (٣). والمسبوق يصلي ما أدرك مع الإمام، فإذا سلم إمامه صلى ما بقي من صلاته من غير زيادة؛ لأن النبي ﷺ حينما تأخر هو والمغيرة في غزوة تبوك، صلى عبد الرحمن بن عوف ﵁ بالناس صلاة الفجر، فأدرك النبي ﷺ والمغيرة الركعة الثانية، فلما سلم عبد الرحمن قاما فقضى كل واحد منهما ركعة (٤). وما يدركه المأموم مع الإمام هو أول صلاته؛ لقوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: ((فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)) (٥). والمأموم إذا أتى والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام، ثم يتم ما فاته من صلاته (٦). ٧ - اقتداء الصف الأول ومن بعده بالإمام، واقتداء الثاني بالأول، والصف الثالث بالثاني ، ونحوه أو بمن يبلغ عن الإمام؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخراً فقال لهم: ((تقدموا فأتموا بي وليأتمَّ بكم مَنْ بعدَكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرَّهم الله)) (٧). ولفظ أبي داود: ((لا يزال قوم يتأخّرون عن الصف

стр. 674

الأول حتى يؤخرَّهم الله في النار)) (١). قال الإمام النووي ﵀: ((معنى وليأتمّ بكم مَنْ بعدكم: أي يقتدوا بي مستدلين على أفعالي بأفعالكم، ففيه جواز اعتماد المأموم في متابعة الإمام الذي لا يراه ولا يسمعه على مُبلّغ عنه، أو صف قدامه يراه متابعاً للإمام)) (٢). ٨ - الاقتداء بمن أخطأ بترك شرط أو غير ذلك ولم يعلم المأموم ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((يصلون لكم فإن أصابوا فلكم [ولهم] وإن أخطأوا فلكم وعليهم)) (٣)؛ ولحديث سهل بن سعد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الإمام ضامن فإن أحسن فله ولهم، وإن أساء - يعني - فعليه ولا عليهم)) (٤)؛ ولحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من أمَّ الناس فأصاب الوقت فله ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئاً فعليه ولا عليهم)) (٥). وقد ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه صلى بالناس الصبح ثم غدا إلى أرضه بالجرف (٦) فوجد في ثوبه احتلاماً، فاغتسل وغسل الاحتلام من ثوبه، وأعاد صلاته بعد أن طلعت الشمس ولم يعد الناس (٧).

стр. 675

وكذلك عن عثمان بن عفان ﵁ (١)،وروي عن علي ﵁ من قوله (٢). وقد دلّت هذه الأحاديث والآثار على أن صلاة الإمام إذا فسدت لم تفسد صلاة المأمومين إذا لم يعلموا فساد صلاة إمامهم، وحتى لو علموا بعد انتهاء الصلاة لا يؤثر ذلك في صحة صلاتهم، ويعيد الإمام ولا يعيد المأمومون (٣). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((والإمام إذا أخل بشيء عن اجتهاد، أو تأويل، أو عن جهل، أو نسيان، ولم يعلم به المأمومون فصلاتهم صحيحة، وعليه الإعادة هو، إذا كان ما فعله يوجب الإعادة، كمن صلى ناسياً حدثه، ولم يعلم إلا بعد الصلاة، أو علم واستحى ولم يقل لهم شيئاً (٤) فإنه يعيد ولا يعيدون، وهكذا لو اعتقد أن ما خرج منه لا ينقض وضوءه: كالحجامة، فإن الجمهور يرون أنها لا تنقض الوضوء، فصلاة المأمومين صحيحة، وصلى عمر بالناس ثم ذكر أنه جنب فأعاد ولم يعيدوا، وهكذا فعل عثمان وعلي، فمن صلى صلاة يعتقد أنها مجزئة فصلاة المأمومين صحيحة، أو صلاها يعتقد طهارته ثم بان أنه على غير وضوء، فإنه يعيد ولا يعيدون؛ فهم معذورون؛ لأنهم ما علموا، وإذا علم أثناء الصلاة فلا يجوز له أن يمضي [في صلاته]، [ولكن] لو جهل ومضى ولم ينبههم فصلاتهم صحيحة، [حتى] لو علموا بعد الصلاة لا يعيدون، [و]

стр. 676

الواجب عليه إذا علم أنه ليس على طهارة أو سبقه الحدث (١) [أن] يستخلف: يقدم واحداً يكمل بهم الصلاة، كما فعل عمر لما طُعِنَ قَدّم عبد الرحمن بن عوف وصلى بالناس. وقال بعض أهل العلم: إنه إن دخل بغير وضوء ينتظرونه ويستأنف بهم الصلاة، أو يقدم واحداً يستأنف بهم الصلاة، ولكن الصواب لا يستأنف، [بل] يقدم واحداً يكمل بهم ما بقي؛ لأنهم معذورون، ما أخطأوا هم، لكن لو أعاد بهم من جديد صحت إذا كان يرى هذا المذهب وهذا الرأي فلا بأس، لكن الأفضل أن يكمل بهم)) (٢). ٩ - الاقتداء بمن ذكر أنه مُحدث أو خرج لحدث سبقه وحكم الاستخلاف: عن أبي بكرة ﵁ أن رسول الله ﷺ استفتح الصلاة فكبّر ثم أومأ أن مكانكم، ثم دخل فخرج ورأسه يقطر فصلى بهم، فلما قضى صلاته قال: ((إنما أنا بشر وإني كنت جنباً)) (٣). وفي لفظ أبي داود: ((دخل في صلاة الفجر [فكبر] فأومأ بيده أن مكانكم، ثم جاء ورأسه يقطر فصلى بهم فلما قضى الصلاة قال: ((إنما أنا بشر مثلكم، وإني كنت جنباً)) (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: ((أقيمت الصلاة وعُدّلت الصفوف قياماً فخرج إلينا رسول الله ﷺ ، فلمّا قام في مصلاه ذكر أنه جنب، فقال لنا: ((مكانكم))، ثم رجع فاغتسل ثم خرج إلينا ورأسه يقطر فكبر فصلينا

стр. 677

معه)) (١). وفي رواية: ((أن رسول الله ﷺ خرج وقد أقيمت الصلاة وعُدّلَت الصفوف حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر انصرف، قال: ((على مكانكم ... )) (٢). وفي لفظ لمسلم: ((حتى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر ذكر فانصرف، وقال لنا: ((مكانكم)) فلم نزل قياماً ننتظره حتى خرج إلينا وقد اغتسل ينطف رأسه ماءً فكبر فصلى بنا)). وفي لفظ: ((فأومأ إليهم بيده أن مكانكم)) (٣). في حديث أبي بكرة دلالة على أن الإمام إذا صلى بالناس وهو جنب وهم لا يعلمون بجنابته أن صلاتهم صحيحة ولا إعادة عليهم، وعلى الإمام الإعادة، وذلك أن الظاهر أنهم قد دخلوا في الصلاة مع النبي ﷺ ثم استوقفهم إلى أن اغتسل وجاء فأتم الصلاة بهم (٤). وفي حديث أبي هريرة ﵁ دلالة صريحة على أنه ﷺ انصرف بعدما قام في مصلاه وقبل أن يكبر، وحديث أبي هريرة هذا معارض لحديث أبي بكرة (٥)،وقد أشكل ذلك على كثير من العلماء فقال الحافظ ابن حجر ﵀: ((ويمكن الجمع بينهما بحمل قوله ((كبّر)) على أراد أن يكبر، أو بأنهما واقعتان، أبداه عياض والقرطبي احتمالاً، وقال النووي إنه الأظهر، وجزم به ابن حبان كعادته، فإن ثبت وإلا فما في الصحيح أصح)) (٦).وقال النووي-﵀ عن حديث أبي بكرة: ((فتحمل هذه

стр. 678

الرواية على أن المراد بقوله: دخل في الصلاة أنه قام في مقامه للصلاة وتهيأ للإحرام بها، ويحتمل أنهما قضيتان وهو الأظهر)) (١). وقال القرطبي ﵀: ((وقد أشكل هذا الحديث على هذه الرواية على كثير من العلماء؛ ولذلك سلكوا فيه مسالك: فمنهم من ذهب إلى ترجيح الرواية الأولى (٢) ورأى أنها أصح وأشهر، ولم يعرج على هذه الرواية (٣). ومنهم من رأى أن كلتيهما صحيح، وأنه لا تعارض بينهما إذ يحتمل أنهما نازلتان في وقتين فيقتبس من كل واحدة منهما ما تضمنته من الأحكام)) (٤). وعن عمرو بن ميمون قال: ((إني لقائم ما بيني وبين عمر - غداة أصيب - إلا عبد الله بن عباس، فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه، وتناول عمر عبد الرحمن بن عوف فقدمه فصلى بهم صلاة خفيفة)) (٥). وعن أبي رزين قال: ((صلى عليٌّ ﵁ ذات يوم فرعُف، فأخذ بيد رجل فقدمه ثم انصرف)) (٦). وقال أحمد بن حنبل ﵀: ((إن استخلف الإمام فقد استخلف عمر وعليّ، وإن صلوا وحداناً فقد طُعن معاوية وصلى الناس وحداناً من حيث طعن أتموا صلاتهم)) (٧). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀

стр. 679

يقول: ((هذه الأحاديث فيما يتعلق بصلاة الإمام وهو محدث، أو سبقه الحدث بعدما دخلها وهو على طهارة: حديث أبي بكرة وما جاء في معناه كلها تدل على أن الإمام إذا دخل وهو على غير طهارة ثم ذكر أنه على غير طهارة فإنه ينفتل ويتطهر ويأتيهم على حالهم ويكمل بهم؛ لأنه ﷺ قال: ((مكانكم)) وبقوا صفوفاً. وقد اختلفت الروايات في هذا، ففي روايات أبي بكرة وبعض روايات أبي هريرة أنه كبَّر ودخل في الصلاة، وفي رواية في الصحيحين أنه وقف وانتظر الناس تكبيرهُ ثم قال لهم: ((مكانكم)) قبل أن يكبر وذهب واغتسل. اختلف العلماء في ذلك: هل هما قصتان أو قصة واحدة؟ فذهب قوم إلى أنهما قصة واحدة ورجحوا رواية الصحيحين وأنه لم يكبر وإنما ذكر قبل أن يكبر ثم ذهب واغتسل وجاء ﵊. وقال آخرون: كالنووي، وابن حبان، وجماعة: إنهما قصتان: قصة فيها أنه كبَّر، وقصة فيها أنه لم يكبر، وكل واحدة لها حكمها، فالتي فيها أنه كبر بنى على صلاته بالنسبة إليهم، فإنهم بقوا على حالهم، فلما جاء كبر وصلى بهم فدل ذلك على أن صلاتهم لا تبطل بسبقه الحدث، أو تَذَكَّر أنه محدث وهذا هو الصواب، فإذا صلى بهم مثلاً: ركعة أو ركعتين ثم بان له أنه ليس على طهارة فإن شاء قال: مكانكم، ثم ذهب فتطهر، ثم جاء وكمل بهم، ثم ينتظرونه حتى يكمل ما عليه. وإن شاء استخلف كما استخلف عمر لما طعن قدّم عبد الرحمن وصلى بالناس وهذا أرفق بالناس، ولا سيما إذا كان مكانه بعيداً؛ لأن الرسول ﷺ مكانه قريب في المسجد؛ ولهذا ذهب بسرعة ورجع ﵊ وصلى بهم. وإن صلوا وحداناً كلٌّ صلى لنفسه، وكمَّل لنفسه كما فُعِل في قصة معاوية فلا حرج، لكن الأفضل أن يفعل كما فعل عمر، وأن يقدّم من

стр. 680

يصلّي بهم، فيتم ما بقي على الإمام؛ ولا ينتظرون؛ لأن الانتظار قد يكون فيه مشقة كبيرة في بعض الأحيان. أما إذا تذكر وهو واقف قبل أن يكبّر فحينئذ إن أمرهم أن ينتظروه فلا بأس، وإن أمرهم أن يصلوا حتى لا يشق عليهم فعل، والناس يحتاجون مثل هذا: منهم من يكون محله قريباً يستطيع أن يرجع عليهم بسرعة، ومنهم من يكون محله بعيداً يشق عليهم الانتظار، فالإمام ينظر ما هو الأصلح، وفعله ﷺ يدل على أن انتظارهم هو الأولى إذا كان قريباً ولا مشقة في ذلك؛ لأنه قال: ((مكانكم)) ولم يستخلف، فيدل على أن هذا هو الأفضل إذا تيسر ولم يكن فيه مشقة، أما إذا كان هناك مشقة فالأدلة الشرعية تدل على أنه يشرع الرفق بالجماعة، وعدم المشقة، والاستخلاف يكون أصلح في هذه الحالة وأرفق بالمأمومين، كما فعل عمر ﵁)) (١)، والله أعلم (٢). ١٠ - اقتداء الجالس القادر على القيام بالجالس المعذور ؛ لحديث عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: صلى رسول الله ﷺ في بيته وهو شَاكٍ فصلى جالساً وصلى وراءه قوم قياماً فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: ((إنما جُعل الإمامُ ليؤتمَّ به فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً)) (٣). وعن أنس ﵁ قال: سقط النبي ﷺ عن فرس فجُحِشَ شقّه الأيمن فدخلنا عليه نعوده فحضرت الصلاة فصلى بنا قاعداً فصلينا وراءه قعوداً، فلما قضى الصلاة قال: ((إنما جُعل الإمامُ ليؤتمَّ به، فإذا كبر

стр. 681

فكبروا، [فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً] وإذا سجد فاسجدوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون)) (١). وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: اشتكى رسول الله ﷺ فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر يسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قياماً فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعوداً، فلما سلم قال: ((إن كدتم آنفاً لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم، إن صلى قائماً فصلوا قياماً، وإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً)) (٢).وفي حديث أبي هريرة: ((وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون)) (٣). وهذه الأحاديث فيها حجة على أن الإمام إذا عجز عن القيام صلى جالساً ويصلي الناس قعوداً متابعة له، أما صلاة النبي ﷺ جالساً في مرضه والناس قياماً فهذا يدل على الجواز، ولكن الأفضل إذا صلى الإمام قاعداً أن يصلي المأمومون خلفه قعوداً (٤).

стр. 682

١١ - اقتداء القائم بالجالس المعذور جائز ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((مرض رسول الله ﷺ ، فقال: ((مُروا أبا بكر فليصلّ بالناس))، فخرج أبو بكر يصلي فوجد النبي ﷺ في نفسه خفة فخرج يهادى (١) بين رجلين، فأراد أبو بكر أن يتأخر، فأومأ إليه النبي ﷺ أن مكانك، ثم أتيا به حتى جلس إلى جنبه عن يسار أبي بكر، وكان أبو بكر يصلي قائماً، وكان رسول الله ﷺ يصلي قاعداً، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ ،والناس بصلاة أبي بكر)).وفي لفظ للبخاري: ((فخرج يهادى بين رجلين في صلاة الظهر)).وفي لفظ لمسلم: ((وكان النبي ﷺ يصلي بالناس وأبو بكر يسمعهم التكبير)) (٢).قال الإمام الشوكاني- ﵀: ((وقد استدل بحديث الباب القائلون بجواز ائتمام القائم بالقاعد)) (٣). وقرر الحافظ ابن حجر ﵀: أن الروايات تضافرت عن عائشة ﵂ بالجزم بما يدل على أن النبي ﷺ كان هو الإمام في تلك الصلاة، ثم بيّن بعد أن ذكر الخلاف أن من العلماء من سلك الترجيح فقدّم الرواية التي فيها أن أبا بكر كان مأموماً للجزم بها، ومنهم من سلك عكس ذلك ورجّح أنّ أبا بكر كان إماماً، ومنهم من سلك الجمع فحمل القصة على التعدد، وأنه ﷺ صلى تارة إماماً وتارة مأموماً في

стр. 683

مرض موته هذا (١). ١٢ - اقتداء الجالس المعذور بالقائم لا بأس به ؛ لحديث أنس ﵁ قال: ((صلى رسول الله ﷺ في مرضه خلف أبي بكر قاعداً في ثوب متوشحاً به)) (٢)؛ ولحديث عائشة ﵂ قالت: ((صلى رسول الله ﷺ خلف أبي بكر في مرضه الذي مات فيه قاعداً)) (٣). قال الإمام الشوكاني ﵀ عن هذين الحديثين: ((فيهما دليل على جواز صلاة القاعد لعذر خلف القائم، ولا أعلم فيه خلافاً)) (٤). وقد تقدم الجمع بين الأحاديث التي تُبَيّن هل كان النبي ﷺ في هذه الصلاة إماماً أو مأموماً (٥). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((لا بأس أن يصلي القاعد خلف القائم، يكون الإمام قائماً والمأموم قاعداً إذا عجز عن ذلك ولا حرج، كالعكس: كما يصلي المأموم قائماً والإمام قاعداً، لا حرج أن يكون الإمام قاعداً والمأموم قائماً كما تركهم النبي ﷺ في بعض الأحيان لم يأمرهم بالجلوس، وفي بعض الأحيان أمرهم بالجلوس، فقال: ((إذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون)) (٦).

стр. 684

والمحفوظ في الصحيحين أن صلاته ﷺ مع أبي بكر كان هو الإمام، وكان الصديق مأموماً مبلغاً عنه، أما رواية من روى أنه كان مأموماً ففيها نظر، وإنما المحفوظ أنه كان مأموماً في قصة عبد الرحمن بن عوف في تبوك، لما جاء وقد صلى بهم عبد الرحمن الركعة الأولى من صلاة الفجر، فصلى النبي ﷺ هو والمغيرة معهم الركعة الثانية، فلما سلم عبد الرحمن قاما فقضيا ما عليهما، ولما سلم ﷺ قال: ((أصبتم وأحسنتم)) (١). ويحتمل أنه ﷺ صلى خلف أبي بكر في مرض موته في بعض الأحيان، حينما كان أبو بكر إماماً للناس)) (٢). ١٣ - قراءة المأموم خلف الإمام واجبة على القول الصحيح في الصلاة السرية والجهرية ؛ لحديث عبادة بن الصامت ﵁ يرفعه، وفيه: ((لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟)) قلنا: نعم هذّاً يا رسول الله، قال: ((لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها)) (٣)؛ ولحديث محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لعلكم تقرؤون والإمام يقرأ؟)) قالوا: إنا لنفعل، قال: ((لا، إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب)) (٤). وقد اختلف العلماء - رحمهم الله تعالى - في حكم قراءة الفاتحة خلف الإمام في صلاة الجماعة على أقوال ثلاثة: فقيل: القراءة خلف الإمام واجبة فيما يجهر فيه وفيما لا يجهر فيه، وقيل: لا يقرأ المأموم في الصلاة الجهرية ولا في السرية، وقيل: يقرأ المأموم فيما أسرّ به الإمام، ولا يقرأ

стр. 685

فيما جهر به (١). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((هذه الروايات تدل على أن قراءة الفاتحة فرض، واختلف في قراءتها للمأموم: فقيل: فرض مطلقاً، وهذا أرجح الأقوال وأظهرها في الدليل، وقيل لا تجب مطلقاً، وقيل: إنها فرض في السرية لا في الجهرية، والراجح القول الأول، لكن إن تركها المأموم جهلاً، أو نسياناً، أو تقليداً صحت صلاته، أما إذا تركها عمداً مع علمه بالأدلة فهذا محل الخطر)) (٢). عاشراً: آداب الإمام في الصلاة على النحو الآتي: ١ - تخفيف الصلاة مع الكمال والتمام ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إذا أمَّ أحدكم الناس فليخفف؛ فإن فيهم الصغير، والكبير، والضعيف، والمريض [وذا الحاجة] فإذا صلى وحده فليصلّ كيف شاء)) (٣)؛ولحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن معاذ بن جبل ﵁ كان يصلي مع النبي ﷺ صلاة العشاء ثم يرجع فيؤمُّ قومه، فصلى العشاء فقرأ بالبقرة، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: ((يا معاذ أفتانٌ أنت؟ أو فاتنٌ أنت؟)) ثلاث مرات. ((فلولا صليت بـ ﴿سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعلى﴾، و ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾؛فإنه يصلي وراءك: الكبير، والضعيف، وذو الحاجة)) (٤)؛ ولحديث أبي مسعود ﵁ قال: جاء رجل

стр. 686

إلى رسول الله ﷺ فقال: والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان، مما يطيل بنا، فما رأيت النبي ﷺ غضب في موعظة قطّ أشدَّ مما غضب يومئذٍ، ثم قال: ((أيها الناس، إن منكم منفّرين (١)، فأيكم أمَّ الناس فليخفف؛ فإن فيهم [المريض]، والضعيف، والكبير، وذا الحاجة)) (٢)؛ ولحديث أبي قتادة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطوّل فيها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوَّز (٣) في صلاتي كراهية أن أشق على أمّه)) (٤)؛ ولحديث عثمان بن أبي العاص، وفيه: ((أمَّ قومك، فمن أمَّ قوماً فليخفف؛ فإن فيهم الكبير، وإن فيهم المريض، وإن فيهم الضعيف، وإن فيهم ذا الحاجة، وإذا صلى أحدكم وحده فليصل كيف شاء)) (٥)؛ ولحديث أنس ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ يوجز في الصلاة ويكمّلُها)) (٦). والتخفيف أمر نسبي يُرجع فيه إلى ما فعله النبي ﷺ ، وواظب عليه، وهديه الذي واظب عليه هو الحاكم على كل ما تنازع فيه الناس، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة تبيّن قراءة النبي ﷺ في الصلوات الخمس، وسبق بيان ذلك في صفة الصلاة، فَفِعل النبي ﷺ هو التخفيف الذي أمر به؛ ولهذا قال ابن عمر ﵄: ((كان رسول الله ﷺ يأمر بالتخفيف

стр. 687

ويؤمُّنا بالصافات)) (١)، قال الإمام ابن القيم ﵀: ((فالقراءة بالصافات من التخفيف الذي أُمِرَ به والله أعلم)) (٢). والتخفيف المطلوب من الإمام ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: تخفيف لازم ، وهو ألا يتجاوز ما جاءت به السنة؛ فإن تجاوز ما جاءت به السنة فهو مطول، والدليل على ذلك قوله ﷺ : ((إذا أمَّ أحدكم الناس فليخفف)) (٣). القسم الثاني: تخفيف عارض ، وهو أن يكون هناك سبب يقتضي الإيجاز عما جاءت به السنة فيخفف أكثر مما جاءت به السنة، والدليل على ذلك تخفيف النبي ﷺ الصلاة عند سماعه بكاء الصبي مخافة أن يشقَّ على أمه (٤)، وهذان النوعان كلاهما من السنة (٥). ٢ - تطويل الركعة الأولى أكثر من الثانية ؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ((لقد كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يأتي أهله فيتوضأ، ثم يرجع إلى المسجد ورسول الله ﷺ في الركعة الأولى مما يطيلها)) (٦). واستثنى العلماء مسألتين: المسألة الأولى: إذا كان الفرق يسيراً فلا حرج ، مثل: سبح والغاشية في يوم الجمعة وفي يوم العيد؛ فإن الغاشية أطول، ولكن الطول يسيراً. المسألة الثانية: الوجه الثاني في صلاة الخوف ؛ فإن من الأوجه أو

стр. 688

الأنواع التي وردت أن الإمام يقسم الجيش إلى قسمين، قسم يبقون أمام العدو، وقسم يدخل مع الإمام يصلي، فإذا قام إلى الركعة الثانية انفرد الذين يصلون معه وأتموا صلاتهم، والإمام واقف، ثم انصرفوا إلى مكان الطائفة الثانية، وجاءت الطائفة الثانية ودخلوا مع الإمام وصلوا معه الركعة التي بقيت، فإذا جلس للتشهد قاموا وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم. فهذا جاءت به السنة مراعاة للطائفة الثانية (١). ٣ - تطويل الركعتين الأوليين وتقصير الأخريين من كل صلاة ؛ لحديث جابر بن سمرة ﵁ وفيه أن سعداً ﵁ قال لعمر بن الخطاب: ((إني لأصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ ، فأمدُّ في الأوليين وأحذف في الأخريين، ولا آلو ما اقتديت به من صلاة رسول الله ﷺ )) (٢). ٤ - مراعاة مصلحة المأمومين بشرط ألا يخالف السنة ؛ لحديث جابر ﵁ فقد راعى فيه النبي ﷺ مصلحة الناس فيؤخر العشاء إذا لم يجتمع أصحابه، قال جابر: ((والعشاء أحياناً وأحياناً: إذا رآهم اجتمعوا عجَّل، وإذا رأهم أبطؤوا أخَّر)) (٣).فالصلاة هنا يسن تأخيرها، ولكن النبي ﷺ يراعي أحوالهم ولا يشق عليهم فيقدمها إذا اجتمعوا، أما غير العشاء من الصلوات الأخرى فكان يصليها في أول وقتها ما عدا الظهر في شدة الحر (٤). فظهر أن أحوال المأمومين يراعيها الإمام إذا لم يخالف بمراعاته السنة، ومما يدل على هذه المراعاة: إيجاز النبي ﷺ في الصلاة عند سماعه بكاء الصبي مخافة أن يشقَّ على أمه، وتطويله الركعة الأولى في الصلاة؛ ليدرك الناس الركعة الأولى، وانتظاره الطائفة الثانية في صلاة

стр. 689

الخوف، ويؤخذ من هذا استحباب انتظار الداخل أثناء الركوع حتى يدرك الركوع ما لم يشق على المأمومين، والله أعلم (١). ٥ - لا يصلي في موضعه الذي صلى فيه المكتوبة ؛ لما روي عن المغيرة بن شعبة ﵁ يرفعه: ((لا يصلي الإمام في الموضع الذي صلى فيه، حتى يتحوّل)) (٢). وقد جاءت آثار في كراهة تطوع الإمام في مكانه الذي أمَّ فيه الناس حتى يتحوّل من مكانه، فعن علي ﵁ قال: ((إذا سلم الإمام لم يتطوع حتى يتحول من مكانه أو يفصل بينهما بكلام)) (٣). وعن ابن عمر: ((أنه كره إذا صلى الإمام أن يتطوع في مكانه ولم ير به لغير الإمام بأساً)) (٤). وعن عبد الله بن عمرو: ((أنه كره للإمام أن يصلي في مكانه الذي صلى فيه الفريضة)) (٥). وعن سعيد بن المسيب والحسن أنهما كانا يعجبهما إذا سلم الإمام أن يتقدم)) (٦). وعن علي ﵁ قال: ((لا يتطوع الإمام في المكان الذي أمَّ فيه القوم حتى يتحوّل أو يفصل بكلام)) (٧). قال الإمام البخاري - رحمه الله تعالى -: ((قال لنا آدم،

стр. 690

حدثنا شعبة عن أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر يصلي في مكانه الذي صلى فيه الفريضة، وفعله القاسم (١)، ويذكر عن أبي هريرة رفعه: ((لا يتطوع الإمام في مكانه، ولم يصح)) (٢). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وروى ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي قال: ((من السنة أن لا يتطوع الإمام حتى يتحول من مكانه)) (٣). وحكى الإمام ابن قدامة في المغني عن الإمام أحمد أنه كره ذلك (٤). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وكأن المعنى في كراهة ذلك: خشية التباس النافلة بالفريضة)) (٥). وعن السائب بن يزيد أن معاوية ﵁ قال له: ((إذا صليت الجمعة فلا تَصِلْها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج؛ فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك: أن لا توصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج)) (٦).قال الإمام النووي-﵀: ((هذا فيه دليل لما قاله أصحابنا أن النافلة الراتبة وغيرها يستحب أن يتحوّل لها عن موضع الفريضة إلى موضع آخر، وأفضله التحوّل إلى بيته، وإلا فموضع آخر من المسجد، أو غيره؛ ليكثر مواضع سجوده؛ ولتنفصل صورة النافلة عن صورة الفريضة، وقوله: ((حتى يتكلم)) دليل إلى أن الفصل بينهما يحصل بالكلام أيضاً، ولكن بالانتقال أفضل، لما ذكرناه والله أعلم)) (٧). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: ((ففي هذا إرشاد إلى طريق

стр. 691

الأمن من الالتباس، وعليه تحمل الأحاديث المذكورة ويؤخذ من مجموع الأدلة: أن للإمام أحوالاً؛ لأن الصلاة: إما أن تكون مما يتطوع بعدها أو لا يتطوع، الأول: اختلف فيه هل يتشاغل قبل التطوع بالذكر المأثور ثم يتطوع؟ وهذا الذي عليه عمل الأكثر. وعند الحنفية يبدأ بالتطوع. وحجة الجمهور حديث معاوية، ويمكن أن يقال: لا يتعين الفصل بين الفريضة والنافلة بالذكر؛ بل إذا تنحَّى من مكانه كفى، فإن قيل لم يثبت الحديث في التنحي؟ قلنا: قد ثبت في حديث معاوية: ((أو تخرج)) (١)، ويترجح تقديم الذكر المأثور بتقييده في الأخبار الصحيحة بدبر الصلاة))، ثم قال ﵀: ((وأما الصلاة التي لا يُتطوع بعدها فيتشاغل الإمام ومن معه بالذكر المأثور، ولا يتعين له مكان، بل إن شاؤوا انصرفوا وذكروا، وإن شاؤوا مكثوا وذكروا .. )) (٢). وعن أبي هريرة مرفوعاً: ((أيعجز أحدكم أن يتقدم أو يتأخر، أو عن يمينه أو عن شماله في الصلاة)) يعني في السبحة (٣). وقال الإمام الشوكاني ﵀ بعد الكلام على حديث المغيرة، وحديث أبي هريرة هذا: ((والحديثان يدلان على مشروعية انتقال المصلي عن مصلاه الذي صلى فيه لكل صلاة يفتتحها من أفراد النوافل، أما الإمام بنص الحديث الأول، وبعموم الثاني، وأما المؤتم والمنفرد فبعموم الحديث الثاني، وبالقياس على الإمام، والعلة في ذلك تكثير مواضع

стр. 692

العبادة، كما قال البخاري والبغوي؛ لأن مواضع السجود تشهد له ... وهذه العلة تقتضي أن ينتقل إلى الفرض من موضع نفله، وأن ينتقل لكل صلاة يفتتحها من أفراد النوافل، فإن لم ينتقل فينبغي أن يفصل بالكلام؛ لحديث النهي عن أن توصل صلاة بصلاة حتى يتكلم المصلي أو يخرج. أخرجه مسلم وأبو داود)) (١)، والله تعالى أعلم)) (٢) وأحكم (٣). ٦ - يمكث في مكانه بعد السلام يسيراً ؛ لحديث أمّ سلمة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه، ومكث يسيراً قبل أن يقوم)).وفي لفظ: ((كان يسلم فينصرف النساء فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله ﷺ )).قال ابن شهاب: فأرى والله أعلم أن مكثه لكي ينفذ النساء قبل أن يدركهن من انصرف من القوم (٤). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وفي الحديث مراعاة الإمام أحوال المأمومين، والاحتياط في اجتناب ما قد يفضي إلى المحذور، وفيه اجتناب مواضع التهم، وكراهة مخالطة الرجال للنساء في الطرقات فضلاً عن البيوت)) (٥). ولفظ النسائي: ((أن النساء في عهد رسول الله ﷺ كنَّ إذا سلّمْنَ من الصلاة قمْنَ وثبت رسول الله ﷺ ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا

стр. 693

قام رسول الله ﷺ قام الرجال)) (١). ٧ - يستقبل المأمومين بوجهه إذا سلم ؛ لحديث سمرة بن جندب ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه)) (٢)،والمعنى: إذا صلى صلاة ففرغ منها وسلم استقبل المأمومين بوجهه؛ لأن استدبار الإمام المأمومين إنما هو لحقّ الإمامة، فإذا انقضت الصلاة زال السبب، فاستقبالهم حينئذ يرفع الخيلاء والترفع على المأمومين. والله أعلم (٣). ٨ - لا يخصّ نفسه بالدعاء الذي يؤمن عليه المأمومون دونهم ؛ لِمَا روي عن أبي هريرة ﵁ يرفعه، وفيه: ((لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤمَّ قوماً إلا بإذنهم، ولا يختصَّ نفسه بدعوة دونهم (٤)؛فإن فعل فقد خانهم)) (٥). ٩ - لا يصلي في مكان مرتفع جدّاً عن المأمومين إلا أن يكون معه بعض الصفوف فلا حرج ، أما المأموم فلا يكره إذا كان الإمام هو الذي في الأسفل (٦). ١٠ - لا يصلي في مكان يستتر فيه عن جميع المأمومين (٧). ١١ - لا يطيل القعود بعد السلام مستقبل القبلة ؛ لحديث عائشة

стр. 694

رضي الله عنها قالت: كان النبي ﷺ لا يقعد إلا مقدار ما يقول: ((اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام)) (١) ثم يستقبل الناس بوجهه كما تقدم في حديث سمرة ﵁ (٢). ١٢ - ينصرف إلى الناس بعد السلام تارة عن يمينه وتارة عن شماله، لا حرج في شيء من ذلك ؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ((لا يجعل أحدكم للشيطان شيئاً من صلاته يرى أن حقّاً عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه، لقد رأيت النبي ﷺ كثيراً ينصرف عن يساره)). ولفظ مسلم: ((أكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن شماله)) (٣). وعن أنس ﵁ قال: ((أما أنا فأكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن يمينه)). وفي رواية لمسلم: ((كان ينصرف عن يمينه)) (٤). قال الإمام النووي ﵀: ((وجه الجمع بينهما أن النبي ﷺ كان يفعل تارة هذا، وتارة هذا، فأخبر كل واحد بما اعتقد أنه الأكثر فيما يعلمه، فدلّ على جوازهما، ولا كراهة في واحد منهما، وأما الكراهة التي اقتضاها كلام ابن مسعود فليست بسبب أصل الانحراف عن اليمين أو الشمال، وإنما هي في حق من يرى أن ذلك لابد منه؛ فإن من اعتقد وجوب واحد من الأمرين مخطئ؛ ولهذا قال: يرى أن حقّاً عليه؛ فإنما ذم من رآه حقّاً عليه، ومذهبنا أنه لا كراهة في واحد من الأمرين، لكن يستحب أن ينصرف في جهة حاجته، سواء كانت عن يمينه أو شماله، فإن استوت الجهتان في الحاجة وعدمها فاليمين أفضل لعموم الأحاديث المصرحة بفضل اليمين في باب المكارم ونحوها. هذا

стр. 695

صواب الكلام في هذين الحديثين، وقد يقال فيهما خلاف الصواب، والله أعلم)) (١). ١٣ - يتخذ سترة؛ لأنها سترة له ولمن خلفه ؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ يرفعه: ((إذا صلى أحدكم فليصلّ إلى سترة وليدنُ منها)) (٢)؛ ولأن ابن عباس ﵄ سار بحماره بين يدي بعض الصف الأول ثم نزل عنه ولم ينكر ذلك أحد (٣)، فدل ذلك على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه (٤). الحادي عشر: آداب المأموم في الصلاة على النحو الآتي: ١ - إذا سمع الإقامة فلا يسرع وعليه السكينة والوقار ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)). وفي لفظ: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)) (٥). ٢ - لا يركع قبل الدخول في الصف ؛ لحديث أبي بكرة ﵁ أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: ((زادك الله حرصاً ولا تعد)) (٦). ٣ - لا يقوم المأموم إذا أقيمت الصلاة حتى يخرج الإمام ؛ لحديث

стр. 696

أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني [قد خرجت])). وفي لفظ للبخاري: ((وعليكم السكينة)) (١). ٤ - يُبَلّغ صوتَ الإمام عند الحاجة ؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: ((صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر وأبو بكر خلفه، فإذا كبر رسول الله ﷺ كبَّر أبو بكر يُسمعنا)) (٢). وأصله في البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ وفيه: ((وكان أبو بكر يصلي قائماً وكان رسول الله ﷺ يصلي قاعداً يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس بصلاة أبي بكر)). وفي لفظ لمسلم: ((وكان النبي ﷺ يصلي بالناس وأبو بكر يسمعهم التكبير)) (٣). ٥ - يقول خلف الإمام ((ربنا لك الحمد)) بعد قول الإمام ((سمع الله لمن حمده)) ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه وفيه: ((وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد .. )) (٤)؛ ولقول عامر الشعبي: ((لا يقول القوم خلف الإمام: سمع الله لمن حمده، ولكن يقولون: ربنا لك الحمد)) (٥). ٦ - إذا تأخر الإمام تأخراً ظاهراً قدَّم المأمومون أفضلهم ؛ لحديث سهل بن سعد في تقديم الصحابة ﵃ لأبي بكر حينما ذهب النبي ﷺ يصلح بين بني عمرو بن عوف فتأخر (٦)؛ ولحديث المغيرة بن شعبة في تقديم الصحابة لعبد الرحمن بن عوف في غزوة تبوك، فصلى بهم صلاة

стр. 697

الفجر، فقال النبي ﷺ : ((أحسنتم أو قد أصبتم)) (١). ٧ - إذا أقيمت الصلاة فلا يصلي إلا المكتوبة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) (٢). ٨ - لا يتطوع مكان المكتوبة حتى يفصل بينهما بكلام أو يخرج ؛ لحديث السائب بن يزيد عن معاوية أنه قال له: إذا صليت الجمعة فلا تَصِلْها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج؛ فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك: ((أن لا نصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج)) (٣). ٩ - لا ينصرف قبل الإمام، بل ينتظر حتى يستقبل الإمام الناس ؛ لحديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ صلى بهم يوماً فلما قضى الصلاة أقبل عليهم بوجهه فقال: ((أيها الناس إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف (٤))) (٥). فيستحب أن لا ينصرف المأموم قبل انصراف إمامه عن القبلة؛ لئلا يذكر سهواً فيسجد، إلا أن يخالف إمامه السنة في إطالة الجلوس مستقبل القبلة، فلا بأس بانصراف المأموم حينئذٍ (٦).

стр. 698

١٠ - لا يصفّ في صفٍّ بين السواري إلا لحاجة ؛ لحديث أنس ﵁ قال: ((قد كنا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ )) (١)؛ ولحديث قرة ﵁: ((كُنّا نُنهى أن نصفَّ بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ، ونُطرد عنها طرداً)) (٢). ١١ - يدخل مع الإمام إذا سبقه على أي حال يدركه ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه وفيه: ((فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)) (٣). ١٢ - لا يلازم بقعة بعينها في المسجد لا يصلي إلا فيها ؛ لحديث عبد الرحمن بن شبل أن رسول الله ﷺ نهى عن ثلاث: ((عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يوطن الرجل المقام للصلاة كما يوطن البعير)) (٤). ١٣ - الفتح على الإمام إذا لُبّس عليه في القراءة ؛ لحديث المسور بن يزيد المالكي ﵁: أن رسول الله ﷺ ، وفي لفظ: شهدت رسول الله ﷺ يقرأ في الصلاة، فترك شيئاً لم يقرأه، فقال له رجل: يا رسول الله، تركت آية كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ : ((هلا أذْكَرْتَنِيها))؟ [قال: كنت أُرَاها نسخت])) (٥). عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ صلى صلاة فقرأ فيها فَلُبِسَ عليه، فلما انصرف قال: لأبيٍّ: ((أصليت معنا))؟ قال: نعم، قال: ((فما منعك))؟ (٦).

стр. 699

١٤ - لا يصلي قدَّام الإمام (١)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه، وفيه: ((إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به)) (٢). وذكر المرداوي ﵀: أن ذلك في غير الكعبة؛ فإن المأمومين إذا استداروا حول الكعبة والإمام منها على ذراعين والمقابلون له على ذراع صحَّت صلاتهم، وذكر أن المجد قال في شرحه: لا أعلم فيه خلافاً. وقال أبو المعالي: صحت إجماعاً. هذا إذا كانوا في جهات، أما إذا كانوا في جهة فلا يجوز تقدم المأمومين عليه (٣). والله أعلم وأحكم.

стр. 700

المبحث السابع والعشرون: صلاة المريض أولاً: مفهوم المرض: المرض: السُّقم، نقيض الصحة، ويقال: المرض والسُّقم في البدن والدين جميعًا، كما يقال الصحة في البدن والدين جميعًا، والمرض في القلب يطلق على كل ما خرج به الإنسان عن الصحة في الدين، وأصل المرض: النقصان، يقال: بدن مريض: ناقص القوة، ويقال: قلب مريض: ناقص الدين، والمرض في القلب: فتورٌ عن الحق، وفي الأبدان، فتورُ الأعضاء (١)، والمرض: جمع أمراض؛ فساد المزاج وسوء الصحة بعد اعتدالها، ومرض الموت: العلة التي يقرر الأطباء أنها علة مميتة (٢). وعلى هذا فالمريض: هو الذي اعتلت صحته، سواء كانت في جزء من بدنه أو في جميع بدنه (٣). ثانيًا: صبر المريض واحتسابه . المريض يجب عليه أن يصبر ويحتسب على الله الثواب الذي وعده سبحانه الصابرين، قال الله : ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٤).وقال : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (٥). وقال : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٦). وقال : ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا

стр. 701

فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَالله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ الله وَمَن يُؤْمِن بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ وَالله بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ*أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مّن رَّبّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٥). وقال رسول الله ﷺ : (( ... والصبر ضياء)) (٦). وعن صهيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضّراء صبر فكان خيرًا له)) (٧). وعن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوَّضته منهما الجنة)) يريد عينيه (٨). وعن عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله ﷺ عن الطاعون فأخبرها ((أنه كان عذابًا يبعثه الله على من شاء فجعله رحمة للمؤمنين (٩)، فليس من عبد

стр. 702

يقع في الطاعون فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد)) (١). وقال ﷺ : (( ... إنما الصبر عند الصدمة الأولى)) (٢). وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((ما يصيب المسلم من نصب (٣)، ولا وصب (٤)، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غمّ، حتى الشوكة يُشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه)) (٥). وعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مسلم يُصيبه أذى من مرض فما سواه إلاّ حطَّ الله سيئاته كما تحطّ الشجرة ورقها)) (٦). وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها، إلا كُتب له بها درجة ومُحيت عنه بها خطيئة)) (٧).

стр. 703

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من يُرد الله به خيرًا يُصبْ (١) منه)) (٢). وعن أنس ﵁ يرفعه: ((إن عِظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السُّخط)) (٣). وعن مصعب بن سعد عن أبيه ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: ((الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صُلبًا، اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقةٌ ابتلي على حسب دينه، فما يبرحُ البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة)) (٤). ثالثًا: المسلم يسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة ، ولا يسأل البلاء؛ لحديث العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قلت: يا رسول الله علمني شيئًا أسأله الله؟ قال: ((سل الله العافية))، فمكثت أيامًا ثم جئت فقلت: يا رسول الله علمني شيئًا أسأله الله، فقال لي: ((يا عباسُ يا عمَّ رسول الله: ((سل الله العافية في الدنيا والآخرة)) (٥)؛ ولحديث أبي بكر الصديق ﵁ أن

стр. 704

النبي ﷺ قال على المنبر: ((سلوا الله العفو والعافية؛ فإن أحدًا لم يُعْطَ بعد اليقين خيرًا من العافية)) (١)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ : ((اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك)) (٢)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ ((كان يتعوذ من سوء القضاء، ومن درك الشقاء، ومن شماتة الأعداء، ومن جهد البلاء)) (٣). رابعًا: الاجتهاد في حال الصحة في الأعمال الصالحة ؛ لتكتب له كاملة في حال عجزه عن العمل؛ لحديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا مرض العبد أو سافر كُتِبَ له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا)) (٤) خامسًا: يُسْر الشريعة الإسلامية وسهولتها، وكمالها ، قال الله : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٥). وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٧). وقال النبي ﷺ : ((دعوني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)) (٨).وقال ﷺ : ((إن الدين يسر)) (٩).

стр. 705

سادسًا: كيفية طهارة المريض على النحو الآتي: ١ - يجب على المريض أن يتوضأ من الحدث الأصغر: (نواقض الوضوء)، ويغتسل من الحدث الأكبر: (موجبات الغسل). ٢ - يجب أن يزيل ما على السبيلين من النجاسة بالما ء قبل الوضوء؛ لأن النبي ﷺ كان يستنجي بالماء (١). والاستجمار بالحجارة، أو ما يقوم مقامها يقوم مقام الاستنجاء بالماء، ويقوم مقام الحجارة ما في معناها من كل جامد طاهر ليس له حرمة: كالخشب، والخرق، والمناديل، وكل ما أنقى به فهو كالحجارة على الصحيح (٢)؛ لقوله ﷺ : ((إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن؛ فإنها تجزئ عنه)) (٣). ولابد في الاستجمار من ثلاثة أحجار أو ما يقوم مقامها فأكثر؛ لحديث سلمان ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ : ((لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو نستنجي باليمين، أو نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو نستنجي برجيع (٤) أو بعظم)) (٥). فإن لم تكفِ ثلاثة أحجار زاد رابعًا، وخامسًا حتى ينقي المحل، والأفضل أن يقطع الاستجمار على وتر؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن
следующие страницы →