← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96550

صلاة المؤمن

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وبعض أهل العلم يمنع الجمع بين الظهر والعصر في البلد للمطر ونحوه: كالدحض الذي تحصل به مشقة، والصواب جواز ذلك كالجمع بين المغرب والعشاء، إذا كان الدحض أو المطر شديدًا تحصل به المشقة، فإذا جمع بين الظهر والعصر جميع تقديم فلا بأس كالمغرب والعشاء، سواء جمع في أول الوقت، أو في وسطه)) (١). وأما صلاة العصر في جميع الأعذار فلا يصح أن تجمع إلى صلاة الجمعة؛ لأن الجمعة صلاة منفردة مستقلة في شروطها، وهيئاتها، وأركانها، وثوابها، والسنة إنما وردت في الجمع بين الظهر والعصر، ولم يرد عن النبي ﷺ أنه جمع العصر إلى الجمعة، فلا يصح أن تقاس الجمعة على الظهر، ولكن لو صلى المسافر ظهرًا يوم الجمعة ولم يصل الجمعة مع المقيمين فلا حرج أن يجمع إليها العصر؛ لأن المسافر لا جمعة عليه؛ ولأن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر في حجة الوداع، يوم الجمعة يوم عرفة، بأذان واحد وإقامتين ولم يصل جمعة، ومن جمع من أهل الأعذار صلاة العصر مع الجمعة فعليه أن يعيد صلاة العصر؛ لأنه صلى قبل الوقت على وجه لا يجوز فيه الجمع، فلا يجوز الجمع بين صلاة الجمعة والعصر: لا في سفر، ولا مطر، ولا وحل، ولا غير ذلك، وإنما يجب على من صلى الجمعة من أهل الأعذار أن يصلي العصر في وقتها (٢).

стр. 772

المبحث التاسع والعشرون: صلاة الخوف أولاً: مفهوم صلاة الخوف: الصلاة: لغة الدعاء، واصطلاحًا: عبادة لله ذات أقوال وأفعال معلومة، مخصوصة، مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، وسميت صلاة لاشتمالها على: دعاء العبادة، ودعاء المسألة (١). والخوف لغة: الفزع والذُّعر، قال ابن فارس ﵀: ((الخاء، والواو، والفاء أصل واحد يدل على الذُّعر والفزع، يقال: خفت الشيء خوفًا، وخيفة .. )) (٢) مصدر خاف. واصطلاحًا: اضطراب في النفس؛ لتوقع نزول مكروه، أو فوات محبوب، ومنه إخافة السبيل (٣). قال الإمام الحافظ المعروف بابن الملقن ﵀: ((والخوف غمٌّ على ما سيكون، والحزن غمٌّ على ما مضى)) (٤). ثانيًا: سماحة الإسلام ويسر الشريعة ومحاسنها مع الكمال ورفع الحرج ، لا شك أن دين الإسلام: دين الرحمة، والبركة، والإحسان، والحكمة، ودين فطرة، ودين العقل، والصلاح، والفلاح، والشرع الإسلامي لا يأتي بما تحيله العقول، ولا بما ينقضه العلم الصحيح، وهذا من أكبر الأدلة على أن ما عند الله محكم ثابت، صالح لكل زمان ومكان (٥).

стр. 773

وقد دلت الأدلة من القرآن العظيم، والسنة النبوية الشريفة على يسر الشريعة الإسلامية وسماحتها، وعلى رفع الحرج، ومن هذه الأدلة ما يأتي: أ - من القرآن الكريم آيات كثيرة وهي على نوعين: النوع الأول: الآيات الكريمة التي تنص على نفي الحرج، ومنها: ١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١)، أي لم يجعل عليكم في الدين مشقةً، وعسراً، بل يسره غاية التيسير، وسهّله غاية السهولة، فلم يُلزم إلا بما هو سهل على النفوس: لا يُثقلها، ثم إذا عرض بعض الأسباب الموجبة للتخفيف خفَّف ما أمر به: إما بإسقاطه، أو إسقاط بعضه، ويؤخذ من هذه الآية قاعدة شرعية: وهي أن المشقة تجلب التيسير، والضرورات تبيح المحظورات، فيدخل في ذلك من الأحكام الفرعية شيء كثير معروف في كتب الأحكام (٢). ٢ - قال الله : ﴿مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣) لم يجعل الله علينا فيما شرع لنا من حرج، ولا مشقة، ولا عسر، وإنما هو رحمة منه بعباده (٤). ٣ - قال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لله وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٥)،وهذه الآية أصل في سقوط التكاليف عن

стр. 774

العاجز، فكل من عجز عن شيء سقط عنه، فتارة إلى بدل هو فعل، وتارة إلى عزم هو غرم، ولا فرق بين العجز من جهة المال، والعجز من جهة القوة (١)، ويستدل بهذه الآية على قاعدة وهي: أن من أحسن إلى غيره في نفسه أو في ماله، ونحو ذلك، ثم ترتب على إحسانه نقص أو تلف أنه غير ضامن، ولا سبيل على المحسنين، كما أنه يدل على أن غير المحسن وهو السيئ: كالمفرط والمتعدي أن عليه الضمان (٢). ٤ - قال الله تعالى: ﴿لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (٣)، فأصل الأوامر والنواهي ليست الأمور التي تشق على النفوس، بل هي غذاء للأرواح، ودواء للأبدان، وحمية عن الضرر، فالله أمر العباد بما أمرهم به رحمة وإحسانًا، ومع هذا إذا حصل بعض الأعذار التي هي مظنة المشقة حصل التخفيف والتسهيل، إما بإسقاطه عن المكلف أو إسقاط بعضه، كما في التخفيف عن المريض، والمسافر، والخائف، وغيرهم (٤) وغير ذلك من الآيات. النوع الثاني: الآيات التي تدل على التيسير والتخفيف، ومنها: ١ - قال الله : ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٥) أي يريد الله تعالى أن ييسّر عليكم الطرق الموصلة إلى رضوانه أعظم تيسير، ويسهّلها أبلغ تسهيل؛ ولهذا كان جميع ما أمر به عباده في غاية السهولة في أصله، وإذا حصلت بعض العوارض الموجبة لثقله سهَّله تسهيلاً آخر: إما

стр. 775

بإسقاطه، أو تخفيفه بأنواع التخفيفات، وهذه جملة لا يمكن تفصيلها؛ لأن تفاصيلها جميع الشرعيات، ويدخل فيها جميع الرخص والتخفيفات (١). ٢ - قال ﵎: ﴿يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفًا﴾ (٢) أي بسهولة ما أمركم به وما نهاكم عنه، ثم مع حصول المشقة في بعض الشرائع أباح لكم ما تقتضيه حاجاتكم، وذلك لرحمته التامة، وإحسانه الشامل، وعلمه، وحكمته بضعف الإنسان من جميع الوجوه: ضعف البنية، وضعف الإرادة، وضعف العزيمة، وضعف الإيمان، وضعف الصبر، فناسب ذلك أن يخفف الله عنه ما يَضْعُف عنه، وما لا يطيقه إيمانه وصبره وقوته (٣). ٣ - قال تعالى: ﴿وَنُيَسّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ (٤) وهذه بشارة كبيرة أن الله ييسّر رسوله ﷺ لليسرى في جميع أموره، ويجعل شرعه ودينه يسرًا (٥). ٤ - قال : ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (٦) هذه بشارة عظيمة أنه كل ما وُجد عسر وصعوبة فإن اليسر يقارنه، حتى لو دخل العسر جحر ضب لدخل عليه اليسر فأخرجه، كما قال الله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (٧) وتعريف ((العسر)) في الآيتين يدل أنه واحد، وتنكير ((اليسر)) يدل على تكراره، فلن يغلب عسرٌ يسرين، وفي تعريف العسر بالألف واللام الدالة على استغراق العموم يدل على أن

стр. 776

كل عسر وإن بلغ من الصعوبة ما بلغ فإن في آخره التيسير ملازم له (١). ب - الأدلة من السنة على اليسر والسماحة والسهولة كثيرة منها: ١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن الدين يسر، ولن يشادَّ الدين أحدٌّ إلا غلبه (٢)، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا: بالغدوة، والروحة، وشيء من الدُّلجة (٣) [القصد القصد (٤) تبلغوا))] (٥). ٢ - قال الإمام البخاري ﵀: بابٌ: الدين يسرٌ، وقول النبي ﷺ : ((أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة)) (٦)، والمقصود أن أحب خصال

стр. 777

الدين الحنيفية، وخصال الدين كلها محبوبة، لكن ما كان منها سمحًا - أي سهلاً - فهو أحب إلى الله تعالى، والحنيفية: ملة إبراهيم، والحنيف في اللغة ما كان على ملة إبراهيم، وسمي إبراهيم حنيفًا؛ لميله عن الباطل إلى الحق؛ لأن أصل الحنف الميل، والسمحة: السهلة: أي إنها مبنية على السهولة (١). ٣ - وعن أسامة بن شريك ﵁ قال: شهدتُ الأعراب يسألون النبي ﷺ : أعلينا حرج في كذا؟ أعلينا حرج في كذا؟ فقال لهم: ((عباد الله وضع الله الحرج إلا من اقترض من عرض أخيه شيئًا فذلك الذي حرج)) (٢)، فقالوا: يا رسول الله، هل علينا جناح أن نتداوى؟ قال: ((تداووا عباد الله، فإن الله سبحانه لم يضع داءً إلا وضع معه شفاء، إلا الهرم)) قالوا: يا رسول الله، ما خير ما أُعطي العبد؟ قال: ((خلق حسن)) (٣). ٤ - وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((يسّروا ولا تعسّروا، وبشّروا ولا تنفّروا)) (٤). ٥ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ بعثه ومعاذ بن جبل إلى اليمن فقال: ((يسّرا ولا تُعسّرا، وبشّرا ولا تُنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا)) (٥). قال الإمام النووي ﵀: ((إنما جمع هذه الألفاظ بين الشيء وضده؛ لأنه قد يفعلهما في وقتين، فلو اقتصر على ((يسّروا)) لصدق ذلك على من يسر مرة أو مرات وعسر في معظم الحالات، فإذا قال ((ولا تُعسّروا)) انتفى

стр. 778

التعسير في جميع الأحوال من جميع وجوهه وهذا هو المطلوب، وكذلك يقال في ((يسّرا ولا تُعسّرا، وتطاوعا ولا تختلفا)) (١).وغير ذلك من السنة كثير (٢). ج - منهج الصحابة ﵃ ومن تبعهم بإحسان: اتباع اليُسر والسماحة، والصحابة ﵃ هم الذين يطبقون الكتاب والسنة، وقد جاء عنهم أخبار كثيرة طبقوا فيها الإسلام كما جاء، وعملوا بالتيسير وتركوا التعسير؛ وذلك لفهم الكتاب والسنة، وعدم التنطع في الدين؛ ولهذا جاء عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: ((من كان منكم مستنًّا فليستنَّ بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد؛ فإنهم كانوا أبرَّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلَّها تكلُّفًا، وأقومَها هديًا، اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه، [ولإقامة دينه] فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم)) (٣). وما تقدم من أدلة الكتاب والسنة، وهدي الصحابة يدل على رفع الحرج عن الأمة، وأن الإسلام دين اليسر والسماحة (٤). ثالثًا: الأصل في مشروعية صلاة الخوف: الكتاب والسنة، والإجماع: ١ - أما الكتاب ؛ فلقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ

стр. 779

وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ الله أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ (١). ٢ - وأما السنة ، فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ صلى بأصحابه صلاة الخوف مرات متعددة على صفات متنوعة (٢). ٣ - وأما الإجماع ، فأجمع الصحابة على فعلها، فكان الصحابة في الخوف يصلون صلاة الخوف، جاء ذلك عن علي ﵁ ليلة صِفّين، وجاء عن أبي هريرة، وأبي موسى الأشعري، وعن سعيد بن العاص، وحذيفة ﵃ (٣) ولا ينظر إلى الأقوال الشاذة التي تخالف ذلك (٤). رابعًا: أنواع صلاة الخوف: جاءت صلاة الخوف في أحاديث كثيرة، وأشكال متباينة (٥)، والصواب أن كل صفة ثبتت عن النبي ﷺ جائزة

стр. 780

حسب مواطنها، يتحرَّى المسلمون فيها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة، فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى، ومن هذه الأنواع الثابتة في الأحاديث الصفات الآتية: النوع الأول: ما يوافق ظاهر القرآن: يقسم الأمير أو القائد من معه إلى طائفتين: طائفة وجاه العدو؛ لئلا يهجم، وطائفة تصلي معه، فيصلي بهذه الطائفة ركعة، فإذا قام إلى الركعة الثانية نووا الانفراد وأتموا لأنفسهم ركعة والإمام واقف، وسلموا قبل ركوعه، ثم ذهبوا إلى الطائفة التي وجاه العدو، ثم تأتي الطائفة التي كانت تحرس وجاه العدو إلى الإمام فتجده ينتظرها واقفًا في الركعة الثانية فتدخل معه فيها وتصلي معه هذه الركعة، فإذا جلس للتشهد قامت فقضت ركعة والإمام ينتظرها في التشهد، فإذا تشهدت سلم بهم؛ لحديث صالح بن خوَّات عمن صلى مع رسول الله ﷺ (١) يوم ذات الرقاع (٢) صلاة الخوف، أن طائفة

стр. 781

صفت معه وطائفة وجاه (١) العدو فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائمًا وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم)) (٢)، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((وهذا أيسر الأنواع، والصحابي المبهم في سند الحديث هو سهل بن أبي حثمة)) (٣) وهذا النوع اختاره الإمام أحمد بن حنبل، لموافقته ظاهر القرآن، وأقر جميع الأنواع الأخرى، وأن كل حديث صح في صلاة الخوف يجوز العمل به (٤). النوع الثاني: إذا كان العدو في جهة القبلة ولا يخفى بعضهم على المسلمين صف الإمام المسلمين خلفه صفين، فيكبر ويكبروا جميعًا، ثم يركع فيركعوا جميعًا، ثم يرفع من الركوع ويرفعوا جميعًا معه، ثم ينحدر فيسجد ويسجد معه الصف الأول الذي يليه، ويبقى الصف الثاني قائمًا يحرس مواجهة العدو، فإذا صلى بالصف الأول سجدتين وقام إلى الركعة الثانية سجد الصف الثاني الذي كان يحرس سجدتين، ثم قاموا فتقدموا إلى مكان الصف الأول، وتأخر الصف الأول مكانهم، ثم يركع الإمام ويركعوا معه جميعًا، ثم يرفع ويرفعوا جميعًا، ثم يسجد ويسجد

стр. 782

معه الصف الأول الذي كان في الركعة الأولى هو الثاني، فإذا سجد سجدتين وجلس للتشهد سجد الصف الثاني ولحقوه في التشهد، وتشهدوا جميعًا، ثم سلم بهم جميعًا (١)؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف فصفنا صفين: صف خلف رسول الله ﷺ والعدو بيننا وبين القبلة فكبر النبي ﷺ وكبرنا جميعًا، ثم ركع وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو (٢) فلما قضى النبي ﷺ السجود وقام الصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي ﷺ وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي ﷺ السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي ﷺ ، وسلمنا جميعًا)) (٣). النوع الثالث: يقسم الإمام أصحابه إلى طائفتين: فرقة تجاه العدو وفرقة تصلي معه، فيصلي بإحدى الطائفتين ركعة ثم تنصرف قبل أن تسلم وهي في صلاتها إلى مكان الفرقة الأخرى، ثم تأتي الفرقة الأخرى إلى مكان هذه خلف الإمام فتصلي معه الركعة الثانية، ثم يسلم

стр. 783

وحده، وتقضي كل طائفة ركعة؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄، قال: غزوت مع النبي ﷺ قِبَل نجدٍ فوازينا (١) العدو، فصاففناهم، فقام رسول الله ﷺ يصلي لنا، فقامت طائفة معه وأقبلت طائفة على العدو، فركع رسول الله ﷺ بمن معه وسجد سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة (٢) التي لم تصلّ، فجاؤوا فركع رسول الله ﷺ بهم ركعة وسجد سجدتين، ثم سلَّم، فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة (٣) وسجد سجدتين)) وفي لفظ لمسلم: ((ثم سلم النبي ﷺ ،ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة)) وفي لفظ لمسلم أيضًا: ((ثم قضت الطائفتان: ركعة ركعة)) (٤)، وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((صلى بهم ركعة ثم انصرفوا، وجاءت الطائفة الثانية فركع بهم ركعة ثم سلم، فقام كل واحد فركع لنفسه ركعة، قضوا الركعة كلهم بعد سلام النبي ﷺ ،وسمح لهم في

стр. 784

هذه الحركة؛ للحاجة، وانصراف الطائفة الأولى قبل سلامهم، وهذا جائز والنوع الأول أسهل)) (١). النوع الرابع: أن يصلي الإمام بكل طائفة صلاة منفردة: فيصلي بالطائفة الأولى ركعتين ثم يسلم بها، ثم تأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم ركعتين ثم يسلم بهم؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄: أن النبي ﷺ صلى بطائفة من أصحابه ركعتين، ثم سلم، ثم صلى بآخرين أيضًا ركعتين، ثم سلم)) (٢)؛ ولحديث أبي بكرة ﵁، قال: صلى النبي ﷺ في خوفٍ الظهر فصف بعضهم خلفه وبعضهم بإزاء العدو، فصلى بهم ركعتين ثم سلم، فانطلق الذين صلوا معه فوقفوا موقف أصحابهم، ثم جاء أولئك فصلوا خلفه، فصلى بهم ركعتين، ثم سلم، فكانت لرسول الله ﷺ أربعًا، ولأصحابه ركعتين)) وبذلك كان يفتي الحسن، قال أبو داود في المغرب؛ يكون للإمام ستُّ ركعات، وللقوم ثلاث ثلاث)) (٣). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، ثم يسلم، ويصلي بالطائفة الثانية ركعتين، ثم يسلم، وروى مسلم ما رواه النسائي وأبو داود، ورواه البخاري معلقًا مجزومًا به، وهذا دليل على جواز إمامة المتنفل)) (٤). وعن جابر ﵁، قال: كنا مع النبي ﷺ بذات الرقاع، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبي ﷺ ، فجاء رجل من المشركين وسيف النبي ﷺ

стр. 785

معلق بالشجرة فاخترطه فقال له: تخافني؟ فقال له: ((لا)) قال: فمن يمنعك مني؟ قال: ((الله)) فتهدده أصحاب النبي ﷺ وأقيمت الصلاة فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، وكان للنبي ﷺ أربعٌ وللقوم ركعتان)) (١)، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وهذا مثل الوجه الذي قبله (٢) إلا أنه لا يسلم في الركعتين الأوليين)) (٣). وقال الإمام النووي ﵀ عن حديث جابر هذا ((صلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكانت لرسول الله ﷺ أربع ركعات وللقوم ركعتان)). قال [النووي] ((صلى بالطائفة الأولى ركعتين وسلم وسلموا، وبالثانية كذلك .. )) (٤). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: ((هذه صفة من أنواع صلاة الخوف: صلى ركعتين ثم سلم، ثم صلى بطائفة أخرى ركعتين ثم سلم، وهذا هو الصواب، ومن قال: إنه صلى بدون سلام فقد غلط، ومن أهم شيء عند طالب العلم إذا أشكل عليه بعض الأحاديث أن يجمع الروايات وطرقها حتى يتضح له الأمر)) (٥). النوع الخامس: يصلي الإمام بإحدى الطائفتين ركعة ثم تذهب ولا تقضي شيئًا، ثم تأتي الطائفة الأخرى فتصف خلفه ويصلي بهم ركعة ثم يسلم ولا تقضي شيئًا؛

стр. 786

لحديث ابن عباس ﵄ قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف بذي قرد: أرض من أرض بني سليم (١)، فصلى الناس خلفه صَفَّين: صفًّا يوازي العدو، وصفًّا خلفه، فصلى بالصف الذي يليه ركعة، ثم نهض هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وهؤلاء إلى مصاف هؤلاء فصلى بهم ركعة أخرى)). ولفظ النسائي: ((أن رسول الله ﷺ صلى بذي قرد فصفّ الناس خلفه صَفَّين: صفًّا خلفه وصفًّا موازي العدو، فصلى بالذين خلفه ركعة ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا)) (٢)؛لحديث حذيفة ﵁: ((أن النبي ﷺ صلى صلاة الخوف بهؤلاء ركعة، وبهؤلاء ركعة، ولم يقضوا)) (٣)،وسمعت شيخنا الإمام يقول: ((صلى بطائفة ركعة وبطائفة ركعة، ولم يقضوا فكان له ركعتان)) (٤). وعن ابن عباس ﵄ قال: ((فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ : في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة)) (٥)،قال الإمام الصنعاني ﵀: ((صلاة الخوف ركعة واحدة في حق الإمام والمأموم)) (٦)، وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول عن هذا النوع: ((صلاة الخوف ركعة على أي حال كان، يعني للإمام والمأمومين)) (٧)، وهذه الأنواع الستة ثبتت، وذكرها أهل العلم (٨).

стр. 787

خامسًا: صلاة الخوف في الحضر تؤدى بدون قصر ، قال الإمام ابن القيم ﵀: ((وكان من هديه ﷺ في صلاة الخوف أن أباح الله قصر أركان الصلاة وعددها إذا اجتمع الخوف والسفر، وقصر العدد وحده إذا كان سفر لا خوف معه، وقصر الأركان وحدها إذا كان خوف لا سفر معه، وهذا كان من هديه ﷺ وبه تُعلم الحكمة في تقييد القصر في الآية بالضرب في الأرض والخوف)) (١). وهذا يبيّن أن صلاة الخوف جائزة في الحضر إذا احتاج الناس إلى ذلك؛ لنزول العدو قريبًا من البلد (٢). فإن خاف الناس وقت الإقامة صلَّى الإمام الصلاة الرباعية بكل طائفة ركعتين وأتمت الطائفة الأولى بالحمد لله في كل ركعة، والطائفة الثانية تتم بالحمد لله وسورة (٣). قال الخرقي ﵀: ((وإن كانت الصلاة مغربًا، صلى الإمام بالطائفة الأولى ركعتين، وأتمت لأنفسها ركعة تقرأ فيها بالحمد لله، ويصلي بالطائفة الأخرى ركعة وأتمت لأنفسها ركعتين، تقرأ فيهما بالحمد لله وسورة)) (٤).

стр. 788

والله أعلم (١). قال الإمام الحافظ ابن المنذر ﵀: ((ويصلي صلاة الخوف في الحضر، يجعلهم طائفتين، فيصلي بالطائفة الأولى ركعتين، وينتظرهم في التشهد جالسًا، ويتمون لأنفسهم، وينصرفون، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم ركعتين، ويثبت جالسًا ويصلون لأنفسهم، فإذا جلسوا وتشهدوا سلم بهم، وإذا كانت صلاة المغرب صلى بالطائفة الأولى ركعتين، وبالطائفة الثانية ركعة على هذا المثال)) (٢)، والله أعلم (٣). سادسًا: صلاة الخوف حال القتال والتحام الحرب ، قال الله تعالى: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لله قَانِتِينَ * فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ

стр. 789

رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ الله كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ (١). قال الإمام ابن كثير ﵀: ((لما أمر الله تعالى عباده بالمحافظة على الصلوات والقيام بحدودها، وشدد الأمر بتأكيدها ذكر الحال التي يشتغل الشخص فيها عن أدائها على الوجه الأكمل، وهي حال القتال والتحام الحرب، فقال: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا﴾ أي فصلوا على أي حال كان: رجالاً أو ركبانًا، يعني مستقبلي القبلة وغير مستقبليها (٢)، كما قال مالك عن نافع: إن ابن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها، ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالاً قيامًا على أقدامهم، أو ركبانًا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها، قال مالك: قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ ))، ولفظ مسلم: ((فإذا كان خوف أكثر من ذلك فصلّ راكبًا، أو قائمًا، تومئ إيماءً)) (٣)، وفي حديث عبد الله بن أنيس ﵁ لما بعثه رسول الله ﷺ إلى خالد بن سفيان الهذلي وكان نحو عرنة وعرفات فقال: ((اذهب فاقتله)) قال فرأيته وقد حضرت صلاة العصر، فقلت: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخر الصلاة فانطلقت أمشي وأنا أصلي، وأومئ إيماءً نحوه ... )) الحديث (٤). وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: ((باب صلاة الطالب والمطلوب راكبًا وإيماءً، وقال الوليد: ذكرت للأوزاعي صلاة شرحبيل بن السمط

стр. 790

وأصحابه على ظهر الدابة، فقال: كذلك الأمر عندنا إذا تُخُوّفَ الفوت، واحتج الوليد بقول النبي ﷺ : ((لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة)) (١) قال الحافظ ابن حجر ﵀: قال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه من أهل العلم يقول: إن المطلوب يصلي على دابته يومئ إيماءً، وإن كان طالبًا نزل فصلى على الأرض، قال الشافعي: إلا أن ينقطع عن أصحابه فيخاف عود المطلوب عليه، فيجزئه ذلك، وعرف بهذا أن الطالب فيه التفصيل، بخلاف المطلوب، ووجه الفرق أن شدة الخوف في المطلوب ظاهرة؛ لتحقق السبب المقتضي لها، وأما الطالب فلا يخاف استيلاء العدو عليه، وإنما يخاف أن يفوته العدو، وما نقله ابن المنذر متعقب بكلام الأوزاعي؛ فإنه قيده بخوف الفوت ولم يستثنِ طالبًا من مطلوب)) (٢)، ثم ذكر ابن حجر ﵀ حديث عبد الله بن أنيس المتقدم وحسّن إسناده (٣). وقال البخاري رحمه الله تعالى: ((باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو. وقال الأوزاعي: إن كان تهيّأ الفتح وعقدوا على الصلاة صلوا إيماءً كل امرئ لنفسه، فإن لم يقدروا على الإيماء أخّروا الصلاة حتى ينكشف القتال، أو يأْمَنوا فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا فلا يجزيهم التكبير ويؤخرونها حتى يأْمَنوا، وبه قال مكحول. وقال أنس بن مالك: حضرت عند مناهضة حصن تُستر (٤) عند إضاءة الفجر - واشتد اشتعال القتال - فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصلّ إلا بعد ارتفاع النهار فصليناها ونحن مع أبي موسى فَفُتِحَ لنا، وقال

стр. 791

أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها)) (١)،ثم ساق البخاري عن جابر بن عبد الله قال: جاء عمر يوم الخندق فجعل يسب كفار قريش، ويقول: يا رسول الله، ما صليت العصر حتى كادت الشمس أن تغيب. فقال النبي ﷺ : ((وأنا والله ما صليتها بعد)) قال: فنزل إلى بطحان فتوضأ وصلى العصر بعدما غابت الشمس، ثم صلى المغرب بعدها)) (٢). مما تقدم من الأدلة على صلاة الخوف عند اشتداد الحرب اختلف العلماء على قولين: ١ - قال جمهور العلماء: لا تؤخر الصلاة عند اشتداد الحرب والتحام القوم بعضهم ببعض، بل يصلون على حسب أحوالهم على أي صفة كانوا ولو ركعة واحدة إيماءً سواء كانوا مستقبلين القبلة أو مستدبرين، وسواء كانوا رجالاً على الأقدام أو ركبانًا على الخيل والإبل وغيرها، فقالوا تكون الصلاة على ما ورد به القرآن ووردت به الأحاديث، وأن الصلاة لا تؤخر، أما تأخير الصلاة يوم الخندق؛ فلأن صلاة الخوف لم تشرع بعد (٣). ٢ - وذهب قوم من أهل العلم إلى أن صلاة الخوف في اشتداد القتال يجوز تأخيرها إلى الفراغ من التحام القتال إذا لم يستطع المجاهدون أن يعقلوا صلاتهم، وهذا أحد القولين في مذهب الإمام أحمد ﵀ وغيره، واختاره البخاري، والأوزاعي، ومكحول، وهو الذي عمل به الصحابة ﵃ زمن عمر بن الخطاب في فتح تستر، وقد اشتهر ولم ينكر عليهم تأخير صلاة الفجر إلى أن

стр. 792

استتم الفتح ضحى فصلوها بعد ارتفاع الشمس (١)، ورجح شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ أنه يجوز تأخير الصلاة في حال المسايفة إلى أن يتمكن من فعلها، فسمعته يقول: ((والصواب أن غزوة ذات الرقاع قبل الأحزاب، وأنه إذا اشتد الخوف أخّر الصلاة كما فعل الصحابة يوم تستر أخَّروا صلاة الفجر إلى الضحى لشدة الحرب)) (٢).ورجح ذلك أيضًا العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀، وبيّن أنه يجوز تأخير الصلاة إذا اشتد الخوف بحيث لا يتدبر الإنسان ما يقول، وذكر أن تأخير صلاة النبي ﷺ يوم الأحزاب ليس منسوخًا، بل هو محكم إذا دعت الضرورة القصوى إلى ذلك، بحيث لا يقر للمقاتلين قرار، ثم قال: ((ونحن في هذا المكان لا ندركه وإنما يدركه من كان في ميدان المعركة)) (٣)، قال ابن رشيد ﵀: ((من باشر الحرب، واشتغال القلب، والجوارح، إذا اشتغلت عرف كيف يتعذر الإيماء)) (٤).

стр. 793

المبحث الثلاثون: صلاة الجمعة أولاً: مفهومها: الجمعة لغة: قال ابن فارس ﵀: ((الجيم، والميم، والعين أصل واحد يدل على تضامّ الشيء، يقال جمعت الشيء جمعاً)). ((وتقول: استجمع الفرس جرياً. وجَمْع: مكة سُمّي لاجتماع الناس فيه، وكذلك يوم الجمعة)) (١). سمّي به لاجتماع الناس فيه (٢)، وجمعة جمعها: جُمَع، وجُمُعات، والذين قالوا: الجمعة ذهبوا بها إلى صفة اليوم، ويقال: الجمعة، والجُمَعة (٣) (٤).

стр. 794

والجمعة اصطلاحاً: بضم الجيم والميم، ويجوز سكون الميم وفتحها، يوم من أيام الأسبوع، تُصلَّى فيه صلاة خاصة هي صلاة الجمعة (١). وصلاة الجمعة: صلاة مستقلة بنفسها، تخالف الظهر: في الجهر، والعدد، والخطبة، والشروط المعتبرة لها، وتوافقها في الوقت (٢). وأول جمعةٍ جُمّعَتْ بعد جمعةٍ في مسجد رسول الله ﷺ في مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين)) (٣). ثانياً: الأصل في وجوب صلاة الجمعة: الكتاب والسنة والإجماع: ١ - أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجمعة فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤) فأمر بالسعي، ومقتضى الأمر الوجوب، ولا يجب السعي إلا إلى واجب، ونهى عن البيع؛ لئلا يشتغل به عنها، فلو لم تكن فرضاً لَمَا نهى

стр. 795

عن البيع من أجلها، والمراد بالسعي هنا الذهاب إليها لا الإسراع؛ فإن السعي في كتاب الله لم يُرَدْ به العَدْوُ (١). ٢ - وأما السُّنَّة ؛ فلحديث ابن عمر وأبي هريرة ﵃ أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول: ((لينتهينَّ أقوام عن وَدْعهم (٢) الجُمُعاتِ أو ليختمنَّ الله على قلوبهم، ثم ليكونُنَّ من الغافلين)) (٣)؛ ولحديث أبي الجعد الضمري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((من ترك ثلاث جُمَع تَهَاوُناً بها طبع الله على قلبه)) (٤)، ولفظ الترمذي وابن ماجه: ((من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاوناً بها طبع الله على قلبه)) (٥). وعن حفصة ﵂، أن النبي ﷺ قال: ((رواح الجمعة واجب على كل محتلم)) (٦). ٣ - وأما الإجماع ، فأجمع المسلمون على وجوب الجمعة (٧)، وقال ابن المنذر ﵀: ((وأجمعوا على أن الجمعة واجبة على الأحرار،

стр. 796

البالغين، المقيمين الذين لا عذر لهم)) (١). ثالثاً: حكم صلاة الجمعة: من تجب عليه، ومن لا تجب عليه: صلاة الجمعة فرض عين على كل مسلم، بالغ، عاقل، حُرٍّ (٢)، مستوطن ببناء يشمله اسم واحد ولا تفرق يسيراً، فإن كان في البلد الذي تقام فيه الجمعة لزمته، ولو كان بينه وبين موضعها فراسخ، ولو لم يسمع النداء؛ لأن البلد كالشيء الواحد مثل: اسم: مكة، والمدينة، والرياض، فما دام البناء يشمله اسم واحد فهو بلد واحد، ولو فرض أن هذا البلد اتسع وصار بين أطرافه أميال كثيرة، أو فراسخ فتلزم الجمعة من بأقصاه الشرقي، كما تلزم من بأقصاه الغربي، وهكذا الشمال والجنوب؛ لأنه بلد واحد ليس بينه وبين المسجد أكثر من ثلاثة أميال

стр. 797

تقريباً إذا لم يكن له عذر؛ لأن الموضع الذي يسمع منه النداء في الغالب، إذا كانت الأصوات هادئة، والموانع منتفية، والريح ساكنة، والمؤذن صيّتاً على موضع عال، والمستمع غير ساهٍ ثلاثة أميال أو ما يقاربها، فحُدَّ بذلك تقريباً، والله أعلم (١). هذا إذا كان خارج البلد، أما إذا كان البلد واحداً، فإن الجمعة تلزمه ولو كان بينه وبين موضع الجمعة فراسخ كما تقدم. وخلاصة القول: أن صلاة الجمعة تلزم من توفرت فيه هذه الثمانية شروط، وهي: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والذكورية، والحرية، والاستيطان، وإمكان سماع النداء إذا كان لا يشمل المستمع اسم البلد، وانتفاء الأعذار (٢). ١ - أما الإسلام ؛ فلأن الكافر لا تصح منه الصلاة، ولا أي عبادة؛ لقول الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٤)، والكافر مخاطب بفروع الشريعة الإسلامية كما هو مخاطب بأصولها، ولكن لو عمل بفروع الشريعة ولم يدخل في الإسلام لا تقبل منه حتى يدخل في الإسلام (٥). ٢ - وأما البلوغ ؛ فلحديث علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم،

стр. 798

وعن المجنون حتى يعقل)) (١)؛ ولحديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق)) (٢). ٣ - وأما العقل ؛ فلحديث علي وعائشة ﵄ كما تقدم.٤ - وأما الذكورية، فذكر ابن المنذر الإجماع على أنه ليس على النساء جمعة (٣). ٥ - وأما الحرية ؛ فلحديث طارق بن شهاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض)) (٤). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: ((هذا يدل على أن الجمعة حق واجب)) (٥).

стр. 799

٦ - الاستيطان ببناء معتاد ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((كل قوم كانوا مستوطنين ببناء متقارب، لا يظعنون عنه شتاءً ولا صيفاً، تقام فيه الجمعة إذا كان مبنياً بما جرت به عادتهم: من مدر (١) وخشب، أو قصب، أو جريد، أو سعف، أو غير ذلك؛ فإن أجزأ البناء ومادته لا تأثير لها في ذلك، إنما الأصل أن يكونوا مستوطنين، ليسوا كأهل الخيام، والحلل الذين يتتبعون في الغالب مواقع القطر، ويتنقلون في البقاع، وينقلون بيوتهم معهم، إذا انتقلوا، وهذا مذهب جمهور العلماء ... وقال الإمام أحمد: ليس على البادية جمعة؛ لأنهم ينتقلون، فعلَّل سقوطها بالانتقال، فكل من كان مستوطناً لا ينتقل باختياره فهو من أهل القرى)) (٢). والمسافر لا جمعة عليه؛ لأن رسول الله ﷺ كان يسافر أسفاراً كثيرة: قد اعتمر ثلاث عمر سوى عمرة حجته، وحج حجة الوداع، ومعه ألوف مؤلفة، وغزا أكثر من عشرين غزوة ولم ينقل عنه أحد قط أنه صلى في السفر لا جمعة ولا عيداً، بل كان يصلي ركعتين ركعتين في جميع أسفاره، ويوم الجمعة يصلي ركعتين كسائر الأيام، وكان يوم عرفة في حجة الوداع يوم الجمعة، وصلى ظهراً، ففي صحيح مسلم من حديث جابر ﵁: ((أن النبي ﷺ لَمّا وصل بطن الوادي يوم عرفة نزل فخطب الناس، ثم بعد الخطبة أذَّن بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر)) (٣). وهذا نص واضح صريح صحيح أنه ﷺ لم يصلّ الجمعة، وإنما صلى

стр. 800

ظهراً (١) هذا هو الحق الذي لا شك فيه (٢). ٧ - سماع النداء ؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجمعة فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣) فالمعتبر في رواية عن الإمام أحمد: إمكان سماع النداء، ويمكن سماعه في الغالب على بعد فرسخ، وهو: ثلاثة أميال تقريباً إذا كانت الأصوات هادئة، والموانع منتفية، والريح ساكنة، والمؤذن صيّتاً، على موضع عالٍ، والمستمع غير ساهٍ، وهذا إذا كان خارج البلد، أما إذا كان داخل البلد، ويشمل موضعه اسم البلد وجبت

стр. 801

عليه الجمعة ولو كان بينه وبينها فراسخ (١)، ولو لم يسمع النداء؛ لأن البلد كالشيء الواحد (٢). ٨ - انتفاء الأعذار ، فإذا كان من توفرت فيه شروط الجمعة غير معذور وجبت عليه، أما إذا كان معذوراً فلا تجب عليه الجمعة، وقد ذكرت هذه الأعذار بأدلتها في آخر صلاة الجماعة (٣)، وهذه الشروط تنقسم إلى أربعة أقسام: القسم الأول: شرط للصحة والانعقاد، وهو: الإسلام والعقل . القسم الثاني: شروط للوجوب والانعقاد ، وهي: الحرية على قول، والذكورية، والبلوغ، والاستيطان. القسم الثالث: شرط لوجوب السعي فقط ، وهو انتفاء الأعذار. القسم الرابع: شرط الانعقاد: وهو الإقامة بمكان الجمعة على قول (٤). رابعاً: من حضر الجمعة ممن لا تجب عليه من المسلمين العقلاء ، أجزأته عن الظهر، وانعقدت به، وصحّ أن يؤم فيها على الصحيح؛ إلا المرأة، فلا يصح أن تكون خطيباً ولا إماماً، ولا تنعقد بها الجمعة: أي لا تحسب من العدد الذي تصح به صلاة الجمعة، ولكن لو حضرتها أجزأتها عن صلاة الظهر، قال ابن المنذر ﵀: ((وأجمعوا على أنهن إذا حضرن الإمام

стр. 802

فصلين معه أن ذلك يجزئ عنهن)) (١) (٢). خامساً: عقوبة تارك صلاة الجمعة عظيمة ؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: ((لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس ثم أُحرّق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم)) (٣)، ولحديث أبي هريرة وابن عمر ﵃ أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول: ((لينتهينَّ أقوام عن ودعهم الجُمعات أو ليختمنَّ الله على قلوبهم، ثم ليكونُنَّ من الغافلين)) (٤)؛ ولحديث أبي الجعد الضمري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من ترك ثلاث جُمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه)) (٥). سادساً: حكم السفر في يوم الجمعة لمن تلزمه: لا يجوز إذا أذن المؤذن بعد دخول وقتها؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجمعة فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٦) (٧) إلا إذا خاف فوات رفقته، فإن خاف فواتهم فله أن

стр. 803

يسافر؛ لأن هذا عذر في ترك الجمعة نفسها، فكذلك يكون عذراً في السفر بعد دخول وقت الجمعة بعد الزوال. وكذلك يجوز له السفر إذا كان يمكنه أن يأتي بصلاة الجمعة في طريقه في مسجد آخر من غير كراهة (١)، والله أعلم (٢). سابعاً: فضائل يوم الجمعة، له فضائل كثيرة، منها ما يلي: ١ - هداية هذه الأمة ليوم الجمعة فضل عظيم ؛ لحديث أبي هريرة ﵁

стр. 804

قال: قال رسول الله ﷺ : ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد (١) أنهم أُوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم اختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غداً، والنصارى بعد غدٍ)) وفي لفظ للبخاري: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد كل أمة أُوتوا الكتاب من قبلنا وأُوتيناه من بعدهم ... )) ولفظ مسلم: ((نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة، بيد أنهم أُوتوا الكتاب من قبلنا وأُوتيناه من بعدهم، فاختلفوا فهدانا الله لِمَا اختلفوا فيه من الحق، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه هدانا الله له - قال يوم الجمعة (٢) - فاليوم لنا، وغداً لليهود، وبعد غد للنصارى)) (٣). وقد فسرته الرواية الأخرى عند مسلم من حديث حذيفة ﵁ ((أضلّ الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة، والسبت، والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة المقضيُّ لهم قبل الخلائق)).وفي رواية واصل: ((المقضي بينهم)) (٤). ٢ - يوم الجمعة خير يوم طلعت عليه الشمس ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة: فيه خُلِقَ آدم، وفيه أُدْخِلَ الجنة، وفيه أُخْرِجَ منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة)) (٥)، ولفظ أبي داود: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم

стр. 805

الجمعة: فيه خُلِق آدم، وفيه أُهبط، وفيه تِيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مسيخة (١) يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقاً من الساعة، إلا الجن والإنس، وفي ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله حاجة إلا أعطاه إياها)) قال كعب: ذلك في كل سنة يوم؟ فقلت: بل في كل جمعة، قال: فقرأ كتب التوراة فقال: صدق النبي ﷺ ، قال أبو هريرة: ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب، فقال عبد الله بن سلام: قد علمت أي ساعة هي! قال أبو هريرة: فقلت له: أخبرني بها؟ فقال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة من يوم الجمعة، فقلت: كيف هي آخر ساعة من يوم الجمعة وقد قال رسول الله ﷺ : ((لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي)) وتلك الساعة لا يُصلَّى فيها؟ فقال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله ﷺ : ((من جلس مجلساً ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي)) قال: فقلت: بلى، قال: هو ذاك)) (٢). ٣ - يوم الجمعة سيد الأيام ؛ لحديث أبي لبابة بن عبد المنذر، قال: قال النبي ﷺ : ((إن يوم الجمعة سيد الأيام، وأعظمها عند الله، وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى، ويوم الفطر، فيه خمس خلال: خلق الله فيه آدم، وأُهبط فيه آدم إلى الأرض، وفيه تَوفَّى الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل اللهَ فيها العبدُ شيئاً إلا أعطاه ما لم يسأل حراماً، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض، ولا رياح، ولا جبال، ولا بحر إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة)) (٣).

стр. 806

٤ - يوم الجمعة أفضل الأيام ؛ لحديث أوس بن أوس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فيه خُلِق آدم، وفيه قُبِضَ، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضة عليَّ)). قال: قالوا: يا رسول الله! وكيف تُعرض صلاتنا عليك وقد أرَمْتَ؟ - يقولون: بليت - فقال: ((إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)) (١). ٥ - يوم الجمعة عيد الأسبوع، ويوم المزيد لأهل الجنة ؛ لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: عرضت الجمعة على رسول الله ﷺ ، جاء جبريل في كفه كالمرآة البيضاء، في وسطها كالنكتة السوداء، فقال: ((ما هذه يا جبريل))؟ قال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيداً ولقومك من بعدك، ولكم فيها خير، تكون أنت الأول، ويكون اليهود والنصارى من بعدك، وفيها ساعة لا يدعو أحد ربه بخير هو قِسْمٌ إلا أعطاه، أو يتعوذ من شر إلا دفع عنه ما هو أعظم منه، ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد، وذلك أن ربك اتخذ في الجنة وادياً أفيح من مسك أبيض، فإذا كان يوم الجمعة نزل من عليين فجلس على كرسيه، وحُفّ الكرسي بمنابر من نور، فجلس عليها النبيون، وحُفَّ المنابر بكراسي من ذهب مكللة بالجواهر، وجاء الصديقون والشهداء، فجلسوا عليها، وجاء أهل الغرف من غرفهم حتى يجلسوا على الكثيب وهو كثيب أبيض من مسك أذفر، ثم يتجلَّى لهم ذو الجلال والإكرام، فيقول: أنا الذي صدقتكم وعدي، وأتممت عليكم نعمتي، وهذا محل كرامتي فسلوني، فيسألونه الرضى، [فيقول: رضاي أحلكم داري، وأنالكم كرامتي، فسلوني، فيسألونه الرضا] فيشهد عليهم على

стр. 807

الرضا ثم يفتح لهم ما لم ترَ عينٌ، ولم يخطر [على] قلب بشر، إلى مقدار منصرفهم من الجمعة، وهي زبرجدة خضراء، أو ياقوتة حمراء، مُطَّرِدة فيها أنهارها متدلية فيها ثمارها، فيها أزواجها وخدمها، فليس هم في الجنة بأشوق منهم إلى يوم الجمعة، ليزدادوا نظراً إلى ربهم وكرامته، ولذلك دعي يوم المزيد)) (١). وعن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((إن في الجنة لسوقاً يأتونها كل جمعة، فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسناً وجمالاً، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسناً وجمالاً، فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً)) (٢). قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: ((وسمي سوقاً؛ لقيام الناس فيها على ساق، وقيل: لسوق الناس بضائعهم إليها، فيحتمل أن يكون سوق الجنة عبارة عن مجتمع أهل الجنة، ومحل تزاورهم، وسمّي سوقاً بالمعنى الأول، ويؤيد هذا أن أهل الجنة لا يفقدون شيئاً حتى يحتاجوا إلى شرائه من السوق، ويحتمل أن يكون سوقاً مشتملاً على محاسن ومشتهيات مستلذات تجتمع هنالك مرتبة، محسَّنة، كما تجتمع في الأسواق، حتى إذا جاء أهل الجنة فرأوها فمن اشتهى شيئاً وصل إليه من غير مبايعة ولا معاوضة، ونعيم الجنة وخيرها أعظم وأوسع من ذلك كله، وخصّ يوم الجمعة بذلك لفضيلته، ولِمَا خصّه الله تعالى به من الأمور التي تقدم ذكرها؛ ولأنه يوم المزيد: أي الذي يُوفَّى لهم ما وُعِدوا من الزيادة، وأيام الجنة تقديرية إذ لا ليل

стр. 808

هناك ولا نهار، وإنما هناك أنوار متوالية لا ظلمة معها)) (١). ٦ - يوم الجمعة فيه ساعة إجابة الدعوات ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو القاسم ﷺ : ((إن في الجمعة لساعة لا يوافقها [عبد] مسلم قائم يصلي يسأل الله خيراً إلا أعطاه إياه)) وقال بيده يُقَلّلُها يُزهّدها. وفي لفظ للبخاري: وأشار بيده يقللها. وفي رواية لمسلم: ((وهي ساعة خفيفة)) (٢). وقد اختلف الناس في تعيين ساعة الإجابة يوم الجمعة أي ساعة هي (٣)؟ قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ((وأرجح هذه الأقوال قولان تضمنتهما الأحاديث الثابتة وأحدهما أرجح من الآخر)) (٤)، ثم ذكر أنها من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة، والقول الآخر: أنها آخر ساعة بعد العصر (٥)، والقولان تفصيلاً على النحو الآتي: القول الأول: إنها من جلوس الإمام على المنبر إلى انقضاء الصلاة ، وحجة هذا القول؛ حديث أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، قال: قال لي عبد الله بن عمر: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله ﷺ في شأن ساعة الجمعة؟ قال: قلت: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((هي ما

стр. 809

بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة)) (١). القول الثاني: إن ساعة الإجابة في يوم الجمعة آخر ساعة بعد العصر ، قال الإمام ابن القيم: ((وهذا أرجح القولين وهو قول: عبد الله بن سلام، وأبي هريرة، والإمام أحمد، وخلق)) (٢)، وحجة هذا القول أحاديث كثير، منها، حديث جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة [فيها ساعة] لا يوجد فيها عبد مسلم يسأل الله شيئاً إلا آتاه إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر)) (٣)، وحديث عبد الله بن سلام قال:

стр. 810

قلت - ورسول الله ﷺ جالس -: إننا لنجد في كتاب الله تعالى في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله فيها شيئاً إلا قضى له حاجته. قال عبد الله: فأشار إليَّ رسول الله ﷺ : ((أو بعض ساعة)) فقلت: صدقت، أو بعض ساعة. قلت: أي ساعة هي؟ قال: ((هي آخر ساعات النهار)) قلت: إنها ليست ساعة صلاة؟ قال: ((بلى، إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يحبسه إلا الصلاة فهو في صلاة)) (١)؛ ولحديث: ((التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس)) (٢)؛ ولحديث أبي سعيد، وأبي هريرة ﵄ (٣)، وحديث أبي هريرة عن عبد الله بن سلام من قوله، وفيه مناظرة أبي هريرة له في ذلك، واحتجاج عبد الله بن سلام بأن منتظر الصلاة في صلاة (٤)، قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن أن ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ اجتمعوا فتذاكروا ساعة الجمعة ثم افترقوا فلم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة)) (٥)، والله الموفق (٦).
следующие страницы →