← Джавами‘

Джавами‘ · id 96557

دراسات وتوجيهات إسلامية

أحمد سحنون

Полный текст (352 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

أحمد سحنون دراسات وتوجيهات إسلامية الطبعة الثانية المؤسسة الوطنية للكتاب ٣، شارع زيروت يوسف - الجزائر-

стр. 2

المؤسسة الوطنية للكتاب. الجزائر ١٩٩٢ رقم النشر ٠٢. ٠١. ٩٢. ٠٩

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4

الإهداء من الإنصاف أن أسجل أن صاحب الفضل في كتابة هذه الفصول هو أستاذنا الإمام (محمد البشير الإبراهمي) فهو الذي عهد إلي بأن أضطلع بمهمه تحرير القسم الديني من (البصائر) ونفخ في روح الثقة بالنفس حين أسند الي هذه الأمانة العظمى ورآني أهلا لهذه اللهمة الشاقة التي تهيبها كثير ممن سبقني إلى هذا الميدان، وشجعني برسائله القيمة التي كان يكتبها إلي من مصر معجبا بهذه الفصول مثنيا عليها. أذكر من هذه العبارة وأنا خجل:- إن ما تكتبه في (البصائر) هو حلية (البصائر) - كما لا أنسى كلمة قالها لي عندما رآى (البصائر) يسمو نجمها ويتضاعف رواجها والإقبال عليها حتى يطبع منها ٨٠٠٠ نسخة فتنفد كلها، وعندما رآى كتابها تعظم شهرتهم وتلتمع في سماء المجد الأدبي أسماؤهم، وتصبح لأسرتها ثروة أدبية كبيرة، قال لي عند ذلك: (أرأيت كيف أننا أردنا أن نخدم البصائر فخدمتنا). ولا عجب! ففد كان الإمام الإبراهبمى من بناة النهضة الكبار الذين عاشوا كل حياتهم، وأعظم همهم تكوين عدد ضخم من حملة الأقلام، وإنشاء جيل قوي يحسن التعبير باللسان والقلم يكون الغرة الوضاءة في جبين (الجزائر)، والكتيبة الأولى في معركة تحريرها. وهكذا، فالمقياس الصحيح عندي لعظمة الرجال هو قدرتهم على تكوين عظماء الرجال. وإذن -فأقل مكافأة لهذا الرجل العظيم- أن أهدي إلى روحه هذا الأثر الضئيل فما هو إلا نفحة من توجيهه، ونفخة من روحه. أحمد سحنون

стр. 5

هذا الكتاب هذه فصول دينية واجتماعية كانت قد نشرت في جريدة (البصائر) لسان حال (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين). أي إن هذا الجهد المتواضع هو من أعمال جمعية العلماء ومن كفاحها ومن خطواتها المباركة التي مهدت لانفجار البركان، واشتعال الثورة. إن كل شيء كنا نعمله لهذا الشعب، وكل ما نبذله لهذا الوطن، إنما كان بوحي من روح هذه الجمعية، ووفق الخطة التي رسمتها لتطهير هذه الأرض العربية المسلمة من وجواد الاستعمار ومن سيطرة الأجنبي، ومن عار الحكم بغير ما أنزل الله. لقد كانت معركة، وكانت جنود، وكانت أسلحة، كان جنود هذه المعركة العلماء والمعلمين والطلاب، وكانت الأسلحة هي المقالة والقصيدة والنشيد والخطبة والدرس، كما كان من الأسلحة: الإيمان بالله وبحق الشعب والحماس لهذا الحق والغيرة عليه، والحقد المتأجج في صدر كل مسلم على كل ما هو أجنبي ودخيل من الأشخاص والمبادئ والعادات والمذاهب. وكانت كل مناسبة كببرة أو صغيرة تستغل لتعبئة الأفكار والعواطف بهذه الأفكار والعواطف وشحنها بكل متفجرات الحقد والكراهية لهذا المتطفل البغيض والضيف الثقيل الذي فرض نفسه وحكمه ولغته وعاداته على هذا البلد المسلم المتحمس لإسلامه، ليقضي على شخصيته، وينسيه لغته ودينه وكل مقوماته، ويخمد غيرته على تاريخه وما يحفل به من مفاخر، وأمجاد، تبعث الروح في الجماد. كانت مناسبات الزواج والختان والاحتفالات بالمولد النبوي ورأس السنة الهجرية وليلة السابع والعشرين من رمضان وما إليها، هي المجالات التي تلقن فيها الأمة ما يجب أن تعرفه من مبادئ وتقوم به من أعمال وتتخذه من وسائل للتخلص من هذا الكابوس الخانق الجاثم

стр. 6

على صدرها، -الذي هو: الاستعمار- فتخرح من هذه المناسبات وقد شحنت بكل ما هو إسلامي، وحقنت بإثارة الغيرة على شخصيتها ولغتها ودينها، وبث روح الحقد والكراهية على المستعر الذي لا صلة له ولا رابطة تربطه بها، إلا صلة الظالم بالمظلوم، أو رابطة المستعمر بالمستعمر، مما فوت على دعاة التجنيس في هذه الرقعة من الوطن الإسلامي غرضهم، وأوغر صدور أرباب السلطة على رجال الجمعية، لاسيما وقد رأوهم يمثلون سلطة تناهض سلطتهم: فقد كان رجال الجمعية يحرصون كل الحرص على أن يقوموا بمهمة: حكومة مؤقتة فيباشروا كل مهام هذا الشعب، ويرعوا مصالحه، ويسووا مشاكله، ويقضوا على كل ما يقع من خلاف وما يحدث من نزاع بين المواطنين المسلمين. لقد آلت هذه الجماعة على نفسها أن تبذل كل ما في وسعها، لتعيد إلى هذه الديار، المجتمع الإسلامي الذي بذل الحكم الفرنسي كل ما في وسعه للقضاء عليه، ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾. فإلى كل من يغار على دينه، ويعتز بأمجاده، ويحرص على سيادة المجتمع الإسلامي والعمل بمبادئ الإسلام ..... أقدم هذا الكتاب راجيا من الله أن يكون لبنة متواضعة في صرح الدعوة الإسلامية. أحمد سحنون

стр. 7

من آراء الإخوان راقت هذه الفصول المتواضعة أثناء نشرها بجريدة (البصائر) أخانا الداعية الكبير، والمجاهد المستميت: الشيخ الفضيل الورتلاني، فبعث من مصر بهذه الكلمة القيمة إلى الجريدة، بعنوان: (طر في هذه الأجواء يا سحنون) واجبته عنها بكلمة أخرى بعنوان: (قسوة القلوب)، ونحن نثبت نص كلمة الأخ الفاضل في أول هذه الفصول كمقدمة لها كرأي صريح لكاتب إسلامي له منزلته السامية ومكانته المرموقة في هذا المجال، كما نثبت بعدها ردنا عليها. وجزى الله كل عامل للإسلام أو معين على العمل له أو مشجع عليه. أحمد سحنون

стр. 8

طر في هذه الأجواء يا سحنون لقد كنت ضيق الصدر من خلو البصائر من التوجيه الديني، وهي ميدانه وسوقه، ضيقا صرفني عن قراءة ما يكتبه الأستاذ أحمد سحنون، حتى وقعت في يدي الأعداد الأخيرة من جريدة البصائر فاجتذبني منها عنوان إلى قراءة ما تحته، فقرأت، فصادف مني هوى فأعدت قراءته ة فأثر في تأثيرا أجرى دموعي، تأثرا بالمعاني وفرحا بظفري بما كنت أنشده من النوع الحي المشرق المنتزع من مأثور السلف في أعمالهم وأقوالهم وأحوالهم. وفي غمرة ذلك التأثر والإعجاب تناولت رزمة من البصائر كانت أمامي، وأعدت قراءة ما فيها من كلمات الأستاذ سحنون، قراءة وتأملا وموازنة، فازددت إيمانا بأنها صنف واحد في الإصابة وحسن التنزيل، وعمق التحليل لأمراضنا النفسية وعلاجها بأخلاق أسلافنا الطاهرين التي ملكوا بها أنفسهم أولا، وملكوا بها الكون ثانيا. هذا هو الدواء الذي جرب فصح، ولا تجربة أصح من هذه الأمة التي تسمى (العرب)، فقد كانت على أسوإ ما تكون عليه الأمم، فجاء الإسلام بعقائده وأخلاقه فنقلها في لحظ العين من عمر الأمم من ذات الصدع إلى ذات الرجع، لأنه عالج أمراضها بهذه الأدوية، فاشتفت وشفت العالم، واهتدت وهدت الناس، وحكمت القرآن في أنفسها، فحكمت الدنيا بعدله وإحسانه. وليست الجزائر اليوم في حاجة إلى أدب الدرس، وإنما هي في حاجة أكيدة إلى ثوره -كتلك التي- عصفت بالبدع في أوائل حركة جمعية العلماء -تستأصل عيوب النفس وتطهرها من الرذائل، وفي مقدمتها الذبذبة والأنانية والغرور والخور

стр. 9

والاستكانة والجبن والكسل والتحلل، ثم تغرس في نفوس أضدادها من الفضائل حتى ينشأ جيل مسلم متسلح بالأخلاق المتينة القويمة، فينشئ بها حياة جديدة عزيزة منيعة، ولا سبيل إلى ذلك إلا التربية الدينية والرياضة الروحية من طريق التعليم المدرسي الأول ثم المحاضرات الجامعة المتكررة والدروس الأخلاقية المنظمة والخطب الجمعيه ثم المقالات. أعجب العجب أن تكون عندنا هذه الهداية ونضل، ومعنا هذا الدواء ونمرض، ولكن ماذا ينفع المريض إذا كان الدواء في رحاله ولم يستعمله؟ وكذلك حالتنا، إن معنا القرآن ولكننا لا نفهمه فإذا فهمناه فلا نعمل به، ومعنا سيرة محمد ﷺ ولكننا لا نستغلها، ومعنا هذه الكنوز من كلام السلف وأعمالهم وآثار أعمالهم، ولكنا لا نقتدي بهم فيها، وإن في إشارة الأستاذ سحنون لها على هذا النحو من التحليل والتنزيل لبشارة بأنه ما تزال فينا بقيه تهدي، وستكون من ورائها بقايا تهتدى، إن الخير هو وجود رأس المال وخير الخير أن يستغل، وكمال الخير أن يعرف صاحبه كيف يستغله، وكيف يتصرف فيه وأين يضعه. لقد قام الفوج الأول من رجالنا الذين شيدوا جمعيه العلماء بهدم الضلال والباطل هدما شغلهم عن كل شيء، ولكنهم قاموا بالك ومعهم زاد عظيم من الذخائر الخلقية الإسلامية تعاون على تثبيتها فيهم الفطرة السليمة والتلقين المحكم، ولو اعتمدوا على علمهم الغزيز وبيانهم البليغ وحدهما لما نجحوا في هدم الضلال العريق والبدع المستحكمة، أما هذا الجيل الناشئ في معمعان الحركة فقد فتح عينيه في غبار المعركة، وشهد مراحل الإنتصار ولكنه لم يفقد أسباب النصر وأسلحته النفسية، فظن أن ذلك الهدم هو الغاية وأن معاوله هو العلم والبيان، فالتفت اليهما وسعى في تحصيلهما، وغفل عن السلاح الحقيقي للهدم والبناء معا، وهو قوة الروح ومتانة الأخلاق واستكمال الفضائل، وإن الهدم ليس مقصودا إلا للبناء، وإن البناء لا يتم إلا بوسائله الصحيحة وأدواته، وإن القدوة على الهدم ليست دليلا على القدرة على البناء، وإن أسلافنا ما أعلوا ذلك البناء الشامخ للإسلام إلا بعد أن بناهم الإسلام على فضائله وطبعهم على أخلاقه وهيأهم للاستخلاف في الأرض.

стр. 10

ولهذه الغفلة عن هذه المعاني قل نصيب هذا الجيل منها، وأخشى أن تؤدي الغفلة عنها إلى ضعف فيها، ويؤدي الضعف إلى تحلل وانهيار، ونكون قد هدمنا باطلا ولم نبن حقا، بل نكون قد هدمنا الباطل والحق معا، وهي أخسر الصفقات. من أمهات الفضائل التي يحض عليها الإسلام المحبة الملتزمة للتعاون، بل هي نقطة البدء في التربية الإسلامية، وتتشعب منها الرحمة والرفق، وقد أمر المسلم بمحبة أعدائه ومن محبتهم إرادة الخير لهم، ومحبة الحيوان الأعجم، ومن محبته الرحمة له والرفق به وأين حظنا من هذا؟ الذي نراه ونلمس آثاره آسفين محزونين هو أننا كدنا نفلس في هذا الباب، -باب المحبة- إفلاسا تاما، ومن أفلس في أصل أفلس في فروعه والمحبة سائق عنيف يسوق النفوس بعضها إلى بعض ثم يسوقها جميعا إلى الخير، فإذا فقدت النفوس هذا السائق ساقها الشيطان إلى مثل ما نحن فيه من الشر والتخاذل والهلاك. أما كلمة المحبة التي تتردد على ألسنتنا وتكتبها أقلامنا فهي كلمة فارغة من معناها، فهي كاذبة، لأنها لم تأت بشهودها من التعاون والنتائج، ولا بلوازمها من الإيثار والإحسان، فأصبحت جوفاء عادية مثل كلمة: (بخير) و (صباح الخير). ونحن في حاجة إلى تربية نفوسنا وأبنائنا وأهلينا على الفضائل الإسلامية بعد تربيتهم على العقائد الإسلاممة، وما العقيدة إلا أساس يمسك البناء أن ينهار، أما مصدر النفع والآنتفاع فهو ما يرفع على الأساس من مرافق. وأنا حين أسجل حزني وتطيري من التدهر الأخلاقي الذي أشاهده - أسجل اغتباطي بما قرأته للأخ سحنون وأعتبره من الأغذية الصالحة والأدويه النافعة، وأعده بداية يجب أن تتسع، وواجبا يطلب التعاون، وطريقة مثلى في إحياء التأسي والاتباع بسوق الأمثلة وضرب الأمثال. فطر في هذه الأجواء الروحية يا سحنون، وعسى أن تكون هذه الكلمة شادة لعضدك حافزة لك على المزيد، ومازلت أذكر قولهم: (البركة في سحنون) ... الفضيل الورتلاني

стр. 11

قسوة القلوب إلى الزعيم الروحي العظيم الأستاذ الفضيل الورتلاني حياك الله، أيها الأخ في الله، الذي لا يخط حرفا إلا بوحي من هذه الأخوة الروحية، السامية الشاملة التي تداعت دعائمها وتجاهلها المسلمون، فقلت عدتهم رغم كثرتهم، وذلت نفوسهم بعد عزتهم. ورعاك الله وزادك رفعة على هذا التواضع الرفيع، فبدلا من أن أكون السابق في هذا الميدان، ميدان شكر أمثالك من العاملين المجدين، لخير المسلمين، كنت السابق -كعادتك- فقد عرفتك سباقا إلى كل خير، مشجعا لكل عامل، ولو كان بطيء الخطى، قريب المدى، كهذا الضعيف. إنه خلق خبرناه فيك، ولمسناه في مواقفك كلها، يوم كان لعيوننا حظ الاستمتاع برؤيتك، ولأرواحنا لذة القرب منك، ولعقولنا نعمة الآنتفاع بمواهبك، والاقتباس من نورك، وزاد هذا الخلق سموا وسعة وشمولا يوم سعدت بك ربوع الشرق. وحظي بقربك وادي النيل، وحلقت روحك في تلك الأجواء الحرة الطليقة، تعب من فيضها، وتنهل من عبيرها. إنني أيها الأخ الكريم، لأعتبر تحيتك الطيبة التي نفحتني بها، وكلمتك القيمة التي خصصتني بإهدائها خير مشجع لي على السير في هذا الطريق، وخير مكافأة أتلقاها من صديق، على هذه الفصول المتواضعة، التي كونت لي أعداء، كانوا يوم أقرض الشعر وأعمل في حقل الأدب أصدقاء، ولا عجب فالناس عبيد ما ألفوا، حرب على من تحدثه نفسه بتحويل وجوههم عن هواهم، ولو كان فيه

стр. 12

شقاء دنياهم وأخراهم، ولكن ما أتفه ما خسرت من هذه الصداقة الزائفة، التي تنقلب إلى عداوة عند الله: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾،- وكن واثقا بأنني سأعمل بإشارتك، وسأطير في هذه الأجواء الحبيبة إلى نفسك المغذية لأرواح بني جنسك، ما وسعني أن أطير، وما قدر جناحاي على التحليق. ولكن المسألة لا تنتهي هنا، والمشكلة- كما يقول الإمام الغزالي- ليست النصيحة إنما المشكلة قبولها، إن قلوب الناس- يا أخي- قد صارت من القسوة بحيث لم يؤثر فيها الكلام المؤثر، ولا الوعظ البليغ الموجه، ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، ليست مشكلتنا في عدم الدواء ولكن في عدم استعماله، وقد وضعت- أنت- يدك على موضع الداء، إذ قلت: ماذا ينفع المريض إذا كان الدواء في رحاله ولم يستعمله؟ وإذا قلت: إن معنا القرآن الخ .. نعم، إن معنا القرآن الذي بلغ من تأثيره أن يصفه الله بقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ومع ذلك لا نتأثر به، ومن هنا يقول علي- كرم الله وجهه- عندما قابل أصحابه رأيه بالعصيان-: (لا رأي لمن لا يطاع)، وما الفائدة من وصف الدواء إذا كان لا يستعمله ذوو العلل والأمراض؟ ولمن تعد الأغذية الشهية إذا قوبلت بالصد والإعراض؟ فلا عجب أن نرى الغزالي بعد أن عرف المشكلة وقال كلمته المتقدمة يشفعها بقوله: "غزلت لهم غزلا رقيقا فلم أجد ... لغزلي نساجا فكسرت مغزلي" لذلك كثيرا ما أعود على نفسي بالاتهام، وأشك في صدق نيتي وأقول: لعل الكدر من المنبع والمرض في الطبيب والدواء لم ينبت في أرض طيبة، والموعظة لم تصدر عن قلب صادق النية شريف القصد، (فإن الكلمة إذا خرجت من القلب، نفذت إلى القلب، وإذا خرجت من اللسان، لم تتجاوز الآذان)، وإذا كان المنبع كدرا كان المصب كدرا وإذا عجز الطبيب عن علاج نفسه، فهو عن علاج غيره أعجز، وإذن فلا يلم من أعرض عن دوائه ولم يثق بعلاجه، ولذا قال أبو بكر الصديق ﵁: " أصلح نفسك، يصلح لك الناس"، كما كان عمر ﵁ قبل أن يذهب ليعظ

стр. 13

الناس، يتفقد أهله وقول لهم: (إن الناس ينظرون إليكم، وإني ذاهب إليهم لآمرهم بكذا فلا تفضحوني، ومن هنا يقول الله- : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فجعل حسن القول، مقرونا بحسن العمل، والدعوة إلى معروف مسبوقة بالعمل به. وعلى كل حمال، سنمضي في الطريق إلى النهاية، وسنواصل التحليق في هذه الأجواء حتى نوفي على الغاية، وسنبذل كل ما في وسعنا لإصلاح نفوسنا، ليكون ذلك عونا لنا على إصلاح غيرنا، وسنطرد من أمامنا كل شبح لليأس، ولا داعي لليأس فما نحن إلا سائرون على آثار نبينا الذي قال الله له: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾، وإننا غير تاركين هذه المهمة التي شرفنا الله بها، وأورثنا إياها نبينا، حتى إننا إذ نضيق بسوء حالنا الذي تسبب من إعراضنا عن دوائنا، لم يكن ذلك إلا من حرص على هداية قومنا، ورثناه هو الآخر عن نبينا الذي بلغ فيه إلى الحد الذي قال الله فيه: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾. أعاننا الله وإياكم على ما فيه خير هذه الأمة وصلاحها.

стр. 14

إصلاح القلوب إن الله الذي جعل الأرض تحيا بالمطر جعل القلوب تحيا بالموعظة، فلم بقيت الأرض تحيا بالمطر ولم تبق القلوب تحيا بالموعظة؟ ولم تقدم الناس في طب الأبدان ولم يتقدموا في طب القلوب؟ ولم يصيب أحدنا الألم اليسير أو الجرح الصغير فلا يقر له قرار حتى يلقى الطبيب، ويموت قلبه فلا يشعر به، فهل مرض البدن أخطر من مرض القلب، وهل يمكن أن يحيا البدن والقلب ميت؟ إنه لا ينفعنا أن نحيا وقلوبنا ميتة، فلم- إذن- كل هذا الزهد فيما لا صلاح لدنيا ولا لأخرى إلا به؟ لذلك لم تبق لنا دنيا ولا دين يوم أضعنا قلوبنا، ومما ساعد على موت هذه القلوب اصطدامنا: بهذه المدنية الزائفة التي تخدع بالطلاء وتغري بالبهرج وتعني من الحياة بجانبها المادي فقط، ولا تحسب للقلب والروح أي حساب، إن القلوب ماتت يوم ولدت هذه المدنية التي تستحل أن تقضي على أجهزة القلوب كلها في سبيل عبادة الجسد والوصول إلى سيادة المادة، وإذا صلحت هذه المدنية لأروبة التي لا دين لها فإفها لا تصلح للمسلمين الذين يجعلون لدينهم السيادة على كل شيء، إن هذه المدنية تعبد الصور، ولكن الإسلام لا ينظر إلى الصور، وإنما ينظر إلى القلوب والرسول ﷺ يقول: إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم. وإن الإسلام جعل صلاح هذه القلوب وشفاءها ويقضتها في العكوف على مدارسة القرآن وتدبره، والله تعالى يقول: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ولكن القرآن معنا ولا مقبل عليه ولا متدبر له فكيف تحيا قلوبنا وهي لا تستمد الحياة من مصدر الحياة ومنبع النور؟، وكيف

стр. 15

نقضي على الداء ونحن نعرض عن الدواء؟ والعجب أن دواءنا معنا وداؤنا يكاد يقضي علينا: كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول فلنبدأ من هنا ولننزع من قلوبنا كل ما علق بها من فساد فإذا صلحت صلح كل شيء، ولذا يقول ﵊: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) ولنستعن على إصلاح قلوبنا بتدبر القرآن وأن الله ما أنزل القرآن إلا لنتدبر آياته ولنتدكر به لا لنهجره وليقول الرسول ﷺ شاهدا علينا عند ربه: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ كما أنه لم ينزله علينا لنشقى والله تعالى يقول: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾. فاللهم يا محيى القلوب ويا باعث الموتى هب لقلوبنا حياة فإن دينك لا يحي إلا في القلوب الحية.

стр. 16

إصلاح الألسنة إن إصلاح الألسنة منوط بإصلاح القلوب، فهيهات أن تصلح الألسنة والقلوب فاسدة، وهل يستقيم الظل والعود أعوج؟ لأن اللسان ترجمان الجنان فلا ينطق اللسان إلا بما أملاه الجنان! إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا. وما أروع قول ابن المعتز: (الحكمة شجرة تنبت في القلب وتثمر في اللسان) وليس صلاح الألسنة في قدرتها على الكلام الكثير والتعبير الجميل فذلك قد يتاح لذوي القلوب الفاسد والنيات السعيئة وللذين يقولون ما لا يفعلون، وأن النبي ﷺ ليبغض هذه المظاهر الفارغة المتكلفة وينتهر أصحابها بمثل قوله: (إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيقهون) ولأن كثرة الكلام والمبالغة في توشيته وزخرفته قد تخرجانه عن الصدق والصواب، وتجران صاحبهما إلى ما يذم ويعاب، من النبز والهمز والاغتياب، ومن أجل ذلك كان النبي ﷺ وأصحابه والصفوة المختارة من هذه الأمة يتحامون الكلام جهدهم لأنهم- لتربيتهم الإسلامية السامية- يأنفون من أن يزيد قولهم على فعلهم، فهم لا يتكلمون إلا إذا رأوا في الكلام عملا صالحا يؤتي ثمرته عاجلا أو آجلا، لا يتكلمون إلا دعاة إلى الله آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، لا يتكلمون إلا إذا رأوا حرمة الله تنتهك أو حدا من حدود الله يستباح، أو منكرا من المنكرات يرتكب، فليس صلاح اللسان كما نفهمه اليوم، زيادة في النطق وزخرفة في اللفظ، وإنما صلاح اللسان في النطق بما يليق وفي الصمت عما لا يليق، وهي الخطة القويمة

стр. 17

التي رسمها لنا ﵊، إذ قال: (رحم الله امرأ قال خيرا فغنم أو سكت فسلم) ولكن هذه الخطة القويمه الحكيمة التي تعصم من الزلل في النطق وتعصم من الاثم في الصمت، نسخناها بعملنا فلا نتكلم إلا اكتسابا للإثم، ولا نسكت إلا إمساكا عن خير، ولا تتكلم إلا بالزور والكذب والنفاق والملق، ولا نتكلم إلا اغتيابا ونميمة أو تعريضا بشخص أو تحريضا على فتنة، ولا نسكت إذا سكتنا- إلا عن خير ندعو إليه أو شر ننهى عنه أو خطر نحذر منه، وكثير جدا من الشرور لم يساعد على انتشارها إلا سكوت من قبلنا عنها فلما قويت واشتدت ورسخ أصلها في الأرض وامتدت فروعها في السماء صعب اقتلاعها واستئصالها، ولولا السكوت لكانت يوم ولادتها تموت، فيجب أن نعرف للسكوت أضراره كما للكلام أضراره، إن هذا اللسان كالفرس الجموح فإن عرفت كيف تروضه وتضبطه أوصلك إلى ما تريد وقضيت به كل ما تروم قضاءه وإن أهملت رياضته ولم تحسن سياسته رماك على رأسك في هاوية، وأفرس الفرسان من تغلب على جموح اللسان، ومن هنا كانت للسان مسؤوليته العظمى بحيث يحصى على الإنسان كل ما يفوه به اللسان قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ وقال ﵊ من حديث: (وهل يكب الناس على وجوههم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم؟) ولذا كان الصديق ﵁ كثيرا ما يمسك بطرف لسانه ويقول: (هذا الذي أوردني الموارد) وإذا كانت هذه شكوى الصديق من لسانه فماذا يكون قولنا نحن وألسنتنا تظل تحصد ما نزع وتهدم ما نبني؟ إن الفرق الواضح بيننا وبين تلك الصفوة الكريمة من عباد الله هو هذا الشعور الدائم بالتقصير وهذه اليقظة الواعية للمسؤولية التي لا تتركهم يطمئنون إلى قول أو عمل دون أن يزنوه بميزان الشرع. أما نحن فقد قضي على هذا الشعور فينا وهذه اليقظة منا ما تراكم على قلوبنا من آثام ومخالفات فلم نتركها تشعر أو تحس أو تتيقظ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فلنحترس من ألسنتنا دائما فرب كلمة أوقدت فتنة وأراقت دماء ولنعرض عن كلام السفهاء ولا نجيبهم على سفههم وإلا كنا سفهاء مثلهم: إذاجاريت في خلق سفيها ... فأنت ومن تجاريه سواء والمثل يقول: (من ذا يعض الكلب إن عض) وإنما الناس أوعية فلينفق كل مما عنده، ومن كان وعاء للخير فلا يصدر منه إلا خير، والمؤمن ينبغي أن لا يكون إلا

стр. 18

كذلك، وليذكر المؤمن أن كل إنسان رهين بعمله وليكن قدوته أبا بكر الصديق ﵁ وقد قال له بعض السفهاء: والله لأسبنك سبا يدخل معك قبرك فقال له أبو بكر: (يدخل معك قبرك أنت). ولكن لنذكر قبل كل شيء وبعد كل شيء أن صلاح الألسنة من صلاح القلوب فلنصلح قلوبنا لنستطيع إصلاح ألسنتنا فإذا استطعنا إصلاح القلب واللسان استطعنا أن نصل إلى إصلاح كل فساد، والإنسان ليس بإنسانا إلا بالقلب واللسان وهو معنى قولهم: المرء بأصغريه قلبه ولسانه، ومعنى قول الشاعر: لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم و ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾

стр. 19

إصلاح البيئة إن للبيئة- وهي الوسط الذي يعيش فيه الفرد- لتأثيرا مباشرا في سلوكه وتوجهه كتأثير التربة في النبات، بل إن الطفل لينزل دنياه متأثرا بعاملين قويين في سلوكه: ما ورثه عن أبويه، وما يتأثر به في بيئته، ونحن اليوم لا نعيش في بيئة إسلامية تساعد على التربية الإسلامية، وإنما نعيش في مجتمع يقوم على أرضاع أجنبية وقوانين مدنية، وليس هذا الوضع المقلوب الشاذ قاصرا علينا نحن الذين نرزح تحت حكم أجنبي مفروض علينا، بل هو عام حتى في المجتمعات الإسلامية التي تنعم بنوع من الحكم الذاتي. وإلى القارئ ما كتبه الأستاذ سيد قطب في كتابه الخالد: (العدالة الاجتماعية في الإسلام) ص ٢٢٥ من الطبعة الثالثة: "إن المجتمع الإسلامي الحاضر ليس إسلاميا بحال من الأحوال فقد سبق أن أثبتنا نصا من القرآن لا سبيل إلى تأويله بغير الاحتيال عليه، ذلك قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ونحن لا نحكم بما أنزل الله في المجتمع الحاضر، فلدينا مؤسسات تربوية هي قوام حياتنا الاقتصادية، ولدينا قوانين تبيح البغاء ولا تعاقب عليه، والزكاة لا تجبى، ولا تصرف بطبيعة الحال. ولندع أمر السرف والترف الذي يحرمه الإسلام، وأمر الجوع والحرمان الذي يقول فيه الرسول ﷺ : "أيما عرصة أصبح فيهم أمرؤ جائعا فقد برئت منهم ذمة الله ﵎" والذي يفتي فيه الإمام ابن حزم بأنه إذا مات رجل جوعا أعتبر أهله

стр. 20

قتلة، وأخذت منهم دية القتيل ... لندع هذا وأمثاله مما قد يجادل فيه بعض المجادلين بالباطل ... فالنص القرآني ينطبق بدون حاجة إلى هذا أو أمثاله، ينطبق بحكم القوانين، السائدة في المجتمع الحاضر والتي تبيح الربا وتبيح الزنا وتبيح القعود عن أداء الزكاة، وتعطل حدود الله المنصوص عليها في القرآن." هذه البيئة الكافرة التي يصورها سيد قطب: بهذه العبارات الواضحة السافرة هي التي يعيش عليها المسلمون اليوم في أكثر بقاع العالم الإسلامي، إن لم نقل كلها، وهذه البيئة الفاسدة الطافحة بالشرور هى التي يجب إصلاحها قبل كل شيء وإلا لما استطعنا إصلاح شيء من الأشياء فإن إصلاح الأرض قبل بذر الحب وإلا فسد النبات بفساد الأرض هذه الأرضاع الفاسدة المقلوبة يجب إصلاحها قبل كل شيء، والإسلام ما جاء إلا ليصلح هذه الأرضاع لا ليعيش فيها ويجاريها ويساير تيارها، فمثلا جاء الإسلام فوجد نظام الربا سائدا في البيئة العربية فأبطله وقضى عليه، فإذا جاءت المدنية الأروبية المادية وأباحت الربا فيجب أن لا نسير في تيارها وننسخ بحكمها حكم الإسلام، وجاء الإسلام فوجد السفور والاختلاط وما يجران إليه من الزنا وفساد النسل واختلاط الأنساب فحرم ذلك وهاجمه وقضى عليه، فإذا جاءت المدنية المادية الكافرة وأباحت ذلك فلبس من الإسلام ولا من المدنية الصحيحة أيضا أن نجاريها ونقضي على تعاليم الإسلام وعلى الأصول الصحيحة للمدنية الصحيحة التي تحترم العنصر الأخلافي في الإنسان لا أن تتملق غرائزه وشهواته، ولكن المسلمين- ويا للأسف- ولاسيما من تثقف منهم ثقافة أجنبية جرفهم تيار هذه المدنية الزائفة وخطف أبصارهم برقها الخلب، وأصبح المتخلف عن ركبها يعد متخلفا عن ركب الحياة، والمحتفظ بتعاليم الإسلام والمتأدب بآدابه يعتبر رجعيا ومتعصبا وجامدا. إن الإسلام لم يبتل في تاريخه الطويل بمثل هذه البلية التي يدعونها المدنية العصرية التي خدرت عقول الناس، وحولت مجرى حياتهم من طريق الخير إلى طريق الشر، وهدمت الحواجز وأطلقت لأهواء النفوس حريتها وقلبت المقاييس الأخلاقية وحررت الغرائز الجنسية وقضت على الوازع الديني في النفوس فأصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالنافخ في غير ضرم، وقست القلوب فهي كالحجاوة أو أشد قسوة، فهذه البيئة التي بلغت هذه الدرجة من الفساد والفوضى والآنحلال لا يمكن أن تنشئ جيلا صالحا فاضلا يؤدي وظيفته الإنسانية في الحياة، ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ

стр. 21

لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا.﴾ فالواجب على المسلم أن يهتم بإصلاح مجتمعه كما يهتم بإصلاح نفسه أو أكثر ليضمن لنفسه الحصانة من عدوى المجتمع الموبوء وليتقي سخط الله الذي يعاقب على الشر من فعله ومن سكت عن إنكاره ولم يغيره، ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ لأن الشر يبدأ صغيرا ثم يكبر وقليلا ثم يكثر فيعم ضرره المجتمع كله، وهو معنى المثل: اطفئى النار في دار جارك، قبل أن تصل إلى دارك، ومن خصائص هذه الأمة أن الله جعل كل فرد فيها مصلحا وداعيا إلى الله إذ يقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. وهذا موضوع آخر ربما عرضنا له في فصل آخر إن شاء الله، ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾

стр. 22

توجيه الشباب لا شيء أضر على الأمم التي تريد أن تتحرر من قيودها، من ميوعة شبابها وضعف نفوسهم واندفاعهم في تيار الشهوات، كما أنه لا أجدى على هذه الأمم من رجولة شبابها وقوة نفوسهم،،الحقيقة المرة والواقع البغيض أن شبابنا- إلا القليل النادر - يلهو والحياة تجد، ويضحك وأفقه عابس، ويرقص والقيود في رجليه ويبذر أمواله في شهواته المحرمة من خمر وتدخين وشهود أفلام داعرة وحفلات خليعة وميزانية مشاريعه الحرة تشكو الإفلاس، وألوف البائسين يشكون الجوع والعرى والحرمان، يحز ف نفسي أن أجيل بصري في جوانب المسجد فلا أرى شبابنا في الصفوف الأمامية ونحن نأمل أن يكون الشباب في الصفوف الأمامية ... ولكن شبابنا يجيبوننا بأنهم جنود الكفاح لا جنود الصلاة، ولكنا نجيبهم بأن صفوف الصلاة هي التجربة الأولى والتمرينات الرياضية لدخول معركة الكفاح، هي عملية التطهير قبل خوض معمعة التحرير هي إعداد النفوس للابتلاء والصبر والاحتمال، فمن فر من صفوف الصلاة لا بؤمن أن يفر من صفوف الكفاح: ومن عجز عن جهاد نفنسه فهو في جهاد عدوه أعجز، ومن خسر في الامتحان الأول لم يفز في الامتحان الثاني، ولكن شبابنا لقن غير هذا وتلعم غير هذا وأعد ليكون جنديا في صفوف أعدائه لا ليكون جنديا ضد أعدائه، إن شبابنا لم يجد البيئة الصالحة لهذا الإعداد الصالح وهذا التجنيد المقدس وإنما وجد بيئة صنعها الاستعمار بيده وطبعها بطابعه فكيف يقاوم شبابنا هذه الآفات كلها وكيف يحارب في هذه الواجهات جميعها؟ كيف يقاوم البيئة، والثقافة ويجاهد نفسه وعدوه؟

стр. 23

إن إصلاح البيئة هو الذي يجب أن يسبق كله إصلاح وإلا فشلت كل محاولة للإصلاح إن القلة الصالحة لفي خطر من الكثرة الفاسدة، إن الفساد إذا كان في زيادة لا يلبث أن يغمر البقية الصالحة، وكيف يسلم من البلل من القي في البحر مكتوفا؟ ألقاه في اليم مكتوفا وقال له: ... إياك. إياك. أن تبتل بالماء! إن شبابنا لفي حاجة شديدة إلى إصلاح، وإن الأمة لأحوج منه إلى إصلاح شبابها لأنها لا تستطيع أن تستغني عن سواعدها، وإن الشباب لهم سواعد الأمة التي تحمي حماها وتذود عن كيانها، وإن مما يصلح الشباب تأسيس معاهد ليلية تنظم له فيها دروس توجيهية تشعره بمسئوليته وبأثره في نهضات الشعوب وحركات التحرير وتلهب فيه غيرته على ما وصلت إليه بلاده وأمته من هذه الحال السيئة التي لا يغضى عليها كل من له أدنى إحساس بالكرامة الإنسانية ويقرن ذلك مما كان لأمته من العزة القعساء والمنزلة السامية بين الأمم فإن شبابنا لا يعرف من تاريخه إلا ما ألصقه به أعداؤه فنشأ فاقد الشعور بتاريخه المجيد وماضيه العظيم، ومن جهل ماضيه ضل طريقه في حاضره وقعد عن العمل لمستقبله! وإذا فاتك التفات إلى الما ... ضي غاب عنك وجه التأسي إنه لابد لكل أمة تريد أن تستأنف سيرها إلى حياة العزة والكرامة من ثلاثة أشياء يتألف منها كيانها وتثبت بها شخصيتها: لغتها ودينها وتاريخها، وإن شبابنا اليوم ضعيف الصلة: بهذه الثلاثة جميعا، فكيف- إذن- نعول على شبابنا وهو ضعيف الصلة بلغته ودينه وتاريخه، وهذه الثلاثة هي كل ما يربطه بأمته ومن الخطأ أن نشغله بشيء قبل أن نقوي صلته: بهذه الثلاثة التي تجعله قوي الشعور والاعتداد بأمته، إن الشباب هو الدعامة التي تقوم عليها نهضة الأمة فلنجعل هذه الدعامة صحيحة قوية لنكون على ثقة من هذه النهضة لنوجه شبابنا الوجهة الصالحة، لنتعهده بالرعاية لنجنبه مزالق الطريق، لنقده إلى شاطئ السلامة، فالطريق محفوف بالأخطار، مليئ بالأشواك، وإن أروبا الفاجرة إذ وجهت عنايتها إلى إفساد شبابنا كانت يصيرة بمقاتلنا، خبيرة بمستودع الذخيرة والعتاد الذي تعتمد عليه البلاد، فلننقذ شبابنا إن كنا نريد أن ننقذ بلادنا (١)

стр. 24

إصلاح المال (قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد) المال مال الله قبل كل شيء يدل على ذلك صريح القرآن: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ وإنما عباده مستخلفون فيه يشهد لذلك صريح القرآن أيضا: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ ولكن أرباب المال حسبوا أنفسهم أربابا للمال، ولم يفهموا - أو لم يريدوا أن يفهموا- أن المال مال الله وهم خلفاؤه عليه، ومن هنا تبدأ العقدة فهم إذ حسبوا أن المال مالهم ضربوا دونه الأسداد وشحوا به على المحتاجين والفقراء من إخوانهم ثم أطلقوا فيه أيديهم يبعثرونه في شهواتهم وملذاتهم فجمعوا بين رذيلتي الشح والإسراف وتسابقوا إلى إسخاط الله وإسخاط إخوانهم الفقراء الذين فرض الله حقوقهم في هذه الأموال، وأصبحت هذه الأموال تصرف في كل شيء إلا فيما ينفع هذه الأمة ويصلح شأنها ويحفظ كيانها، وإذا كان للأمة أعداء حقيقيون فهم أغنياؤها الذين جمعوا أموالهم منها ثم بخلوا بها عنها، والمال جعله الله وقود الأعمال فإذا شح الناس بالمال تعطلت الأعمال وصاحب هذه الجريمة والمسئول عنها هم أغنياؤنا (المحترمون) الذين لا يشعرون إلا بأنفسهم ولا يحترمون إلا شهواتهم ولا يحتفلون بالأمة التي أغنتهم فأفقروها وسمنتهم فأهزلوها، حاشا فئة منهم عرفت ما لها وما عليها وتغلبت على أنانيتها وأشركت إخوانها في ماليتها فظهر عليها فضل الله ونعمته وكافأها بمحبة الخلق في الدنيا وبخلود الذكر على الألسنة، والقلوب ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾. أما أولئك الذين بخلوا بما أوتوا وشحوا بما منحوا ومنعوا عباد الله من مال الله، ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ

стр. 25

لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ وبشرهم قبل ذلك بالمقت والاحتقار والازدراء من إخوانهم الذين أودع الله حقوقهم عندهم فاستولوا عليها وخانوا أمانه الله فيها. على أن متوسطي الحال مسؤولون كذلك بل هم أكثر مسؤولية لأنهم الطبقة التي بقيت تشعر بواجبها ولم يفسد الترف عليها ذوقها ولم يقتل الغنى وعيها الديني وشعورها الإنساني وبقيت وحدها في الميدان تبني لأمتها وتؤسس المشاريع النافعة وتنشر العربية والإسلام بفضل تضحياتها بضرورياتها، فإذا كان الإسراف قبيحا فهو منها أقبح، وإذا كان البذل في سبيل الله فضيلة فهو منها أفضل، وإذا كان الاقتصار على الضروريات لأجل القيام بالواجبات جميلا ومتأكدا فهو منها أجمل وعليها أوكد، وإذا كان غشيان محلات اللهو والعبث وارتياد حفلات الخلاعة والمجون ومؤازرة من يعملون لإبادتنا واستئصال شأفتنا، إذا كان كل ذلك جريمة وطنية ودينية كبرى فهي في حقهم أكثر جرما وأكبر إثما، فلتكن الطبقة التي نعدها هي الأمة وهي طبقة متوسطي الحال، على بال ولا تحتقر شيئا من مالها تنفقه في غير ما يعود عليها بالنفع في دينها أو دنياها، فمن القطرات يجتمع السيل ومن الذرات ينشأ الكثيب، والله الغني عن عباده لم يحتقر شيئا من أعمال عباده إذ يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ وإذ يقول: ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾. وأنتم أيها الأغنياء: إن الله جعل في أيديكم عصب الحياة، ووقود الأعمال والحركات، وهو المال فمسؤوليتكم عند الله وعند الأمة عظيمة ومنزلتكم من الابتلاء والامتحان كبيرة فلا تحسبوا أن الله اصطفاكم على خلقه أو فضلكم على عباده إذ زادكم بسطة في المال وإنما جعلكم موضع امتحان وابتلاء، ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ فلا تفرحوا بما آتاكم إن لم يكن لشكره هداكم، وليس شكره أن تقولوا بالسنتكم فقط: نحمد الله ونشكره وأيديكم مغلولة إلى أعناقكم لا تبسطونها بإحسان ولا تمدونها في تضحية، وأيدى إخوانكم الذين جعل الله حظهم في أيديكم لا تبرح ممدودة إليكم بالسؤال وإلى الله بالدعاء فإن لم تستجيبوا لهم بالعطاء، استجاب الله دعاءهم فيكم لأنهم مظلومون بمنعه حقهم، ودعاء المظلوم مستجاب، لأن المال مال الله والخلق عيال الله فلا تمنعوا مال الله عيال الله، ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ واحرصوا على أن تخرجوا

стр. 26

من امتحانكم فائزين، وفوزكم في أيديكم وهو أن تبذلوا لله مما في أيديكم وإلا عذبكم الله بأيديكم، ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾.

стр. 27

إصلاح الخلق إذا أردت أيها المسلم تعريفا شاملا ومختصرا للخلق الصالح أو لحسن الخلق فهو كل ما دعا إليه دينك وبعث نبيك الذي يقول: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" فهو إذ يقول: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن نفس عن مسلم كربة نفس الله عليه كربة من كرب يوم القيامة، من ستر مسلما ستره الله" إنما يريد حسن الخلق، وهو إذ يقول: "من غشنا فليس منا" إنما يريد حسن الخلق، وهو إذ يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" إنما يريد حسن الخلق، وهو إذ يقول: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الآخر، من أجل أن ذلك يحزنه" إنما يريد حسن الخلق، وهكذا كل تعاليم الإسلام تدور على هذا المحور الكبير: حسن الخلق- فإن حسن الخلق هو الذي بحعلك قادرا على الإحسان إلى كل إنسان لأنه يسع ما لا يسع المال، وهو معنى قوله ﷺ : "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم" والإحسان هو الرباط الوثيق الذي يربط بين إنسان وإنسان، وحسن الخلق هو الذي يحيل العدو صديقا، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ وحسن الخلق هو الذي يجعلك صالحا للحياة لأنه يجعلك صالحا لمعاشرة الأحياء، وهذه وظيفة الإسلام فإنه جاء ليصلح المجتمع بإصلاح الفرد، وليصلح الفرد بإصلاح خلقه، فلا عجب بعد ذلك أن يحصر

стр. 28

النبي ﷺ كل ما جاء به في هذا الجانب إذ يقول: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ولا عجب أن يقول شاعرنا شوقي: وإذ أصيب القوم في أخلاقهم ... فأقم عليهم مأتما وعويلا وما انحط المسلمون إلا بعد أن انحطوا في أخلاقهم وما انحطوا في أخلاقهم حتى انحرفوا عن دينهم الذي لم يكن إلا دستور أخلاق بشهادة الحديث المتقدم وهل أعجب في الآنحطاط من أن تكون الأمة التي يقول نبيها "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" هي الأمة التي يضرب بها المثل اليوم في انحطاط الأخلاق حتى اتخذ أعداؤنا ذلك حجة على ديننا لأننا أعطيناهم الشهادة العملية بفساد أخلاقنا، وبعد أن كانت أخلاق المسلم دعاية إلى الدخول في الإسلام أصبحت أخلاقه دعاية ضد الإسلام، ذلك هو ضعف الإيمان و "حسن الخلق من الإيمان" الإيمان هو الشجرة والخلق الحسن والعمل الصالح هو الثمرة، فمنذ ضعف الإيمان ضعفت الأخلاق، وأعان على فساد الأخلاق هذا المجتمع الغربي الذي لا إيمان له، والذي قدر علينا أن نعيش فيه ونتأثر به وأن نتخذه أستاذنا في كل شيء إن هذا المجتمع ليتناقض مع المجتمع الإسلامي تماما فما يراه أحدهما كمالا يراه الآخر نقصا فمثلا نشأ المجتمع الإسلامي على خلق الحياء لأن دينه يجعله من الإيمان إذ يقول ﷺ "الحياء من الإيمان" بل يجعله محورا للفضائل كلها وأساسا لآداب الإسلام جميعها إذ يقول: "الحياء هو الدين كله" بحيث إذا زال الحياء انقلب الإنسان وحشا كاسرا لذلك يقول ﷺ "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فافعل ما شئت" أما هذا المجتمع الذي ينعتونه- ظلما وزورا- بأنه متحضر فهو لا يقيم للحياء وزنا ولا يعرف له طعما، وهذا قد شاهده سائر من سكن الحواضر فلا سبيل إلى الشك فيه وصبياننا وشبابنا إذا نشأوا على مشاهدة المناظر المهدر فيها الحياء كالمغازلة في الشوارع والمقاهي والسيارات العامة، يصعب بعد ذلك أو يستحيل إقناعهم بأن ذلك مخالف للتربية الصحيحة والخلق الفاضل اللذين يهدف إليهما الإسلام في سائر تعاليمه إن المجتمع الصالح هو المجتمع الذي استقامت أخلاق أفراده وتهذبت طباعهم وسمت نفوسم فلا يصدر عنهم إلا الفعل الجميل ولا تلفظ شفاههم إلا الكلام الطيب ولا يفكرون إلا فيما فيه خير أمتهم وصالح بلادهم وأصبحوا قدوة لأبنائهم ومثالا

стр. 29

صالحا لغيرهم فانفعوا بأخلاقهم الطيبة وسيرتهم العطرة ونفعوا غيرهم بالقدوة الصالحه والأسوة الحسنة والمثال المحتذى، وهذا ما كان عليه سلف هذه الأمة الصالح، ففتحوا القلوب بأخلاقهم قبل أن يفتحوا البلاد بسيوفهم، وكانوا قدوة للناس بأعمالهم قبل أن يطلبوا إليهم أن يعملوا بأقوالهم، ولنا في رسول الله أسوة حسنة فهو -مثلا- ما دعا إلى الصدق وإلى الأمانة حتى لقب لصدقه ولأمانته بالصادق وبالأمين، وهو لم يقل، "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" حتى أيدته السماء بشهادة الوحي: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. فكيف نعرض عن هذا التراث العظيم من الأخلاق العظيمة. ونهجر هذا المعين الصافي من الشيم الكريمة ولا نجد في تعاليم ديننا ولا في أخلاق نبينا ما نتخذه منهاجا أخلاقيا في حياتنا، ثم نجد في أخلاق أوربا الكافرة وعاداتها الفاسدة الداعرة ما نجعله أساسا لتربيتنا ومنهاجا لأخلاقنا؟ إن هذا لهو الضلال البعيد والخسران المبين.

стр. 30

نماذج من الخلق الحسن ضاق نطاق المقال السابق عن إيراد نماذج وأمثلة من الخلق الحسن، لذا نوردها هنا- وقد كنا ذكرنا- فيما سبق- أن خلق المسلم كان خير دعوة إلى الإسلام فأصبح خلق المسلم اليوم منفرا من الإسلام وحجه على الإسلام ولكن ما ذنب الحسام إذا ما أحجم البطل والحقيقة التي يجب أن لا تغيب عن البال هي أن المبادئ العظيمة إذا لم تعش في أشخاص وتتمثل في سير أفراد نسيها الناس واختفت من مسرح الحياة، والإسلام -وهو المثل الأعلى للمبادئ الإنسانية العظيمة- لو لم يعش في أشخاص أناس ويتمثل في سيرهم ويحيا في سلوكهم لما بقي إلى اليوم، ذلك أن المبادئ الإنسانية والأخلاق العظيمة قدوة وعمل وليست مجرد أقوال تقال أو الفاظ تكتب أو دعاوي يتبجح بها، وما دعا إلى مبدإ كالعمل به، وما نهى عن خلق قبيح كاجتنابه، لذلك يقول الله ﵎ على لسان نبيه شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ فإذا أردنا لعصر الإسلام الذهبي عودة فلنتخلق بأخلاق عظماء الإسلام، والرسول ﷺ يقول: " الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار كذلك" وشكا قوم إلى المسيح ﵇ ذنوبهم فقال: "اتركوها تغفر لكم" والشاعر يقول: وما المرء إلا حيث يجعل نفسه ... ففي صالح الأعمال نفسك فاجعل وإلى القارئ هذه الذخائر الغالية من الأخلاق العالية في ناحية واحدة من نواحي الخلق وهي سماحة النفس وسخاء اليد، لأن المقام لا يتسع لسائر النواحي ولأن كل ناحية من هذه النواحي ستأتي أمثلتها في موضعها إن شاء الله:

стр. 31

جاء رجل إلى النبي ﷺ يسأله فأعطاه غنما بين جبلين فرجع إلى قومه وقال لهم: أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة، وأعطى صفوان بن أمية مائه من الإبل ثم مائة أخرى ثم مائة أخرى فكان صفوان يقول: كان محمدا أبغض الناس إلي فما زال يعطيني حتى صار أحب الناس إلي، وهكذا كان رسول الله ﷺ يجعل من الدنيا وسيلة إلى الدين، ومن المال مناقذا الضلال وهو ﷺ قدوة لأمته في كرم الفعال وطيب الخلال فاقتدى به أصحابه وسار على منهاجه أتباعه فلم يكن المال في أيديهم إلا زلفى إلى الله وأداة إصلاح للمجتمع. فهذا أبو بكر الصديق ﵁ خرج من ماله لله ثلاث مرات وورد عليه في أول خلافته مال من بعض العمال فصبه في المسجد وأمر مناديا ينادي: من كان له عند رسول الله دين أو عدة فليحضر، فجاء أبو أيوب وقال: إن رسول الله ﷺ قال لي: إن جاءني مال أعطيتك هكذا أو هكذا وهكذا وأشار بكفيه فقال له أبو بكر: فاذهب فخذ، قال: فحفنت حفنة فقال: عدها، فوجدت فيها خمسمائة دينار فقال: عد مثليها، فانصرفت بألف وخمسمائة، ثم قسم الباقي على المسلمين. وهذا عمر بن الخطاب ﵁ يضيق على نفسه ويوسع على المسلمين ويغمرهم بالعطاء وقول: إذا أعطيت فاغمر، ولما فتح العراق وجيئ إليه من المال بما لم ير مثله قيل له: أدخله بيت المال، قال: لا ورب الكعبة لا يرى تحت سقف بيت المال حتى يقسم فغطى في المسجد بالأنطاع وحرسه رجال من أصحاب رسول الله ﷺ فلما أصبح ورآى الذهب والفضة والياقوت والزبرجد بكى، فقال له بعض الصحابة: ما هذا يوم بكاء ولكنه يوم شكر وسرور فقال: والله ما كثر هذا في قوم إلا رجع بأسهم بينهم ثم توجه إلى القبلة وقال: اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجا فإني سمعتك تقول: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ثم قال لهم: أين سراقة؟ فأتى به أشعر االذراعين فأعطاه سواري كسرى وقال: إلبسهما، ففعل فقال: قل: الله أكبر، ففال: الله أكبر، فقال: قل الحمد لله الذي سلبهما كسرى لكفره وألبسهما أعرابيا من بني مدلج لإيمانه ولم يعط سراقة شيئا زائدا على السوارين فإن فيهما غنى الدهر، وكان ذلك تصديقا لما تنبأ به ﷺ إذ نظر يوما إلى ذراعي سراقة فقال له: كأني بك وقد لبست سواري كسرى فقال سراقة: ملك الملوك؟ قال: نعم، وقال عمر لما قسم تلك الأموال:

стр. 32

إن الذي أدى إلينا هذا الأمين فقال رجل: لما كنت أنت أمينا كان الناس كلهم أمناء ولو رتعت لرتعوا قال: نعم. وهذا عثمان ﵁ لما أراد ﷺ غزو تبوك رغب الناس في النفقة في سبيل الله- قال عثمان: (علي مائة بعير بأقتابها وأحلاسها، ثم رغب ﷺ في النفقة في سبيل الله فقال عثمان ﵁: وعلي مائة أخرى بأقتابها وأحلاسها ثم فعل ذلك في الثالثة فقال رسول الله ﷺ إذ ذاك ما على عثمان ما فعل بعد هذه، وكانت في المدينة بئر لرجل من اليهود لا يستقى منها أحد إلا بثمن فاشتراها عثمان بأربعين ألفا وأباحها للمسلمين، وكان بجوار المسجد بيت فقال رسول الله ﷺ : من اشتراه وزاده في المسجد فله الجنة، فاشتراه عثمان بعشرين ألفا وأدخله في المسجد، وأصاب الناس قحط في خلافة أبي بكر فلما اشتد بهم الأمر جاءوا إليه وقالوا: يا خليفة رسول الله إن السماء لم تمطر والأرض لم تنبت فماذا نصنع؟ قال: انصرفوا واصبروا فإني أرجو الله أن لا تمسوا حتى يفرج الله عنكم، فلما كان في آخر النهار ورد الخبر بأن عيرا لعثمان جاءت من الشام فخرج الناس يتلقونها فإذا هي ألف بعير موسوقة برا وزيتا وزبيبا فأناحت بباب عثمان فأقبل التجار فقال لهم: ما تريدون؟ قالوا: إنك لتعلم ما نريد بعنا من هذا المال الذي وصل إليك فإنك تعلم ضرورة الناس إليه قال: حبا وكرامة كم تربحوني على شرائي؟ قالوا: الدرهم درهمين قال: أعطيت زيادة على هذا، قالوا: أربعة قال: أعطيت زيادة على هذا قالوا: خمسة قال: أعطيت أكثر من هذا قالوا: يا أبا عمرو ما بقي في المدينة تجار غيرنا وما سبقنا إليك أحد فمن ذا الذي أعطاك؟ قال: إن الله أعطاني بكل درهم عشرة أعندكم زيادة؟ قالوا: لا قال: فإني أشهد الله أنني جعلت ما حملت هذه العير صدقة لله على المساكين وفقراء المسلمين. وهذا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وجد درعه عند نصراني فأتى به شريحا قاضيه يخاصمه مخاصمة رجل من رعاياه- وهو خليفة- وقال: إنها درعي ولم أبع ولم أهب فسأل شريح النصراني: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين؟ فقال النصراني: ما الدرع إلا درعي وما أمير المؤمنين عندي بكاذب، فالتفت شريح إلى علي يسأله: يا أمير المؤمنين هل من بينة؟ فضحك علي وقال: أصاب شريح مالي بينة، فقضى شريح بالدرع للنصراني فأخذها ومشى وأمير المؤمنين ينظر إليه ... إلا أن النصراني لم يخط خطوات حتى عاد يقول أما أنا فأشهد أنها أحكام أنبياء، أمير

стр. 33

المؤمنين يدينني إلى قاضيه فيقضي عليه، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين اتبعت الجيش وأنت منطلق إلى صفين فخرجت من بعيرك الأورق فقال علي: أما إذا أسلمت فهي لك، وأمثال هذا كثير. وهكذا كانت أخلاق المسلمين تغزو القلوب وتدعو إلى الإسلام، وهكذا كانت سماحة نفوسهم بما في أيديهم تأسر لهم نفوس الناس فتحبب إليهم الإيمان ويدخلون في دين الله أفواجا، وهكذا- بعد أن كان المسلمون يضحون بكل شيء في سبيل الله وفي سبيل نشر دينهم- أصبحوا يضحون بكل شيء في سبيل أغراض دنياهم حتى بدينهم، ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.

стр. 34

إصلاح البيت من هنا يبدأ البناء! فمن البيت ينشأ المجتمع، فالبيت هو المجتمع الصغير ولكنه نواة المجتمع الكبير، وما نشكوه من المجتمع الكبير إنما هو ناتج عن فساد المجتمع الصغير الذي هو البيت، وليس إصلاح البيت هو تأثيثه وتفريشه وترتيب أدواته كما هو معتبر اليوم في بيوتنا وإلا كان أحط بيت في ذلك يفضل بيت محمد بن عبد الله ﷺ ، وإنما إصلاح البيت بإصلاح أهله، وهنا تأتي مسألة الدور، فأهل البيت إنما هم أفراد من المجتمع، فكيف يصبح البيت قبل إصلاح المجتمع؟ وبناء البيت يقوم على أحجار من المجتمع أي على افراد منه كما أن المجتمع الذي يتكون من مجموع بيوت لا يمكن إصلاحه إذا كانت هذه البيوت فاسدة فمثلا إن أول حجر في بناء البيت هو الزوجة الصالحة، وهذه الزوجة من أين نأتي بها إذا فسد المجتمع؟ ولكننا قد عثرنا- خلال هذا البحث- على المفتاح، فصلاح البيت أو فساده من صلاح المرأة أو فسادها، وإذا أردنا أن نعرف: هل بيوتنا صالحة أو فاسده فلننظر إليها من هذه النافذة، لننظر إلى المرأة هل هي صالحة للإدارة الصالحة؟ إدارة هذه المدرسة التي هي البيت، فالبيت هو المدرسة الأولى التي يتلقى فيها الطفل دروسه الأولى، والأم هي التي يشرفها الله بإدارة هذه المدرسة التي لا تؤتي أية مدرسة ثمرتها إذا لم تؤت هي ثمرتها ولكن بنظرة عابرة تصد منا الحقيقة الجارحة وهي أن هذه المدرسة التي اسمها البيت ليس فيها مديرة صالحة بل فيها امرأة جاهلة هي منشأ كل فساد وكل فوضى في البيت، وإذا فسدت الأم فكيف يصلح الأولاد؟ ونوع الثمرة من نوع الشجرة ولا يجنى من الشوك العنب.

стр. 35

ولكننا نجهل هذه الحقيقة أو لا نهتم بها عندما نريد الاقتران بامرأة لا نختار المرأة التي تصلح لإدارة هذه المدرسة أي أننا لا ننشد في المرأة جانبها الأهم من خلق ودين وإنما نختار في المرأة متعة الحواس، نختار بياض وجهها وسواد عينيها، نختار حسن الظاهر ونغفل عما يخفيه وراءه من ظلمة نفس وانحطاط خلق والقبح في الحسناء كما يقول الشاعر لأن حسن المظهر كثيرا ما تسلح به القدرة المبدعة قبيحة المخبر (أي سيئه الخلق) لئلا يبقي في المعرض إلا لاهي لوحات لا قيمة لها وما أحذق شاعرنا ذا الرمة بصنعته إذ يقول: على وجه مي مسحة من ملاحة ... وتحت الثياب الشين لو كان باديا وهو يريد ما قلناه من أن حسن المظهر كثيرا ما يكون خادعا عن حسن المخبر وهو لا يريد بما تحت الثياب إلا النفس ويزيد معناه وضوحا بالتمثيل له بقوله: ألم تر أن الماء يخبث طعمه ... وإن كان وجه الماء أبيض صافيا؟ إن الجمال الحقيقى هو جمال النفس الذي يعبر عنه حسن الخلق حسن التدين وحسن السلوك، لا فرق في ذلك بين رجل وامرأة. أقبل علي النفس فاستكمل فضائلها ... فأنت بالروح لا بالجسم إنسان أما جمال القلب فالأولى أن يأتي في الدرجة الثانية وإذا كان رسول الله ﷺ أرحم بنا من أنفسنا كما قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فلم ير شيئا يصلح من شأننا إلا نبهنا إليه وحثنا عليه فإنه لم يتركنا في شيء أساسي كبناء البيت إلى عقولنا القاصرة بل لقد هدانا سواء السبيل إذ قال: "تنكح المرأه لأربع، لمالها ولحسبها وجمالها ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك". ولكن أين ذات الدين اليوم؟ هل نظفر بها في هذا المجتمع الأروبي المادي الذي لا يقيم للدين وزنا؟ هل تخرج لنا المدارس الأجنبية هذه المرأة؟ هل تتربى بناتنا في هذه المدارس على الخلق الإسلامي الذي يعصمها من كل فساد ويحوطها من كل إثم لتقيم لنا من بيتها- يوم أن تتزوج- معهدا إسلاميا يتقدم به المجتمع الإسلامي أم الأمر بالعكس؟ الجواب الشافي عند الآباء الذين لا يوجهون بناتهم في طريق المدرسة

стр. 36

العربية إلا عندما تغلق المدارس الأجنبية أو تضيق عنهن، ولكن لابأس فقد عثرنا على المفتاح، إن مفتاح المشكلة في إصلاح البيت هو إصلاح البنت، هو إعدادها إعدادا إسلاميا، هو إنقاذها من إعداد الأجنبي الذي يرمي إلى فرنجة البيت الإسلامى، هو إيجاد خلف لأمثال خديجة وعائشة وأم سلمة وسكينة بنت الحسين وخوله بنت الأزور ونسيبة المازنية وليلى بنت طريف وأمثالهن من عظيمات الإسلام، فليس ذلك بالمستحيل إذ ليس هؤلاء إلا من الجنس الذي منه نساؤنا، ولم يكن نبيات وإنما هو الإعداد الإسلامي وتغليب الجانب الروحي على الجانب المادي. أما ما دامت البنت في هذا المتجه الأجنبي وما دامت الأم على هذه السيرة الأجنبية من إخلائها لبيتها وتعميرها لبيوت ما أنشئت إلا لفسادها، وما دام هم الزوجة أن تتزين وتتعطر وتخرج نصف عارية لتعين الأجنبي على إفساد المجتمع، فهيهات أن تصلح البيوت إن الدواء إذن هو الإعداد الإسلامي الصحيح.

стр. 37

قيمة الوقت أليس من الخسران أن لياليا ... تمر بلا نفع وتحسب من عمري؟ الله أكبر! صدق رسول الله إذ قال: "إن من الشعر لحكمة" وصدق هذا الشاعر الذي عرف قيمة ما أضاع من لياليه التي مرت بلا نفع وحسبت عليه فبكاها بهذا البيت المؤثر ورثاها بهذا اللحن الحزين الذي بندب فيه حظه ويحكم على نفسه بالخسران وأي خسارة كخسارة الوقت التي لا تعوض لأن الوقت من ذهب لا يعود منه ما ذهب بل ربما عاد الذهب أما الوقت فلو اجتمع الخلق كلهم على أن يعيدوا منه دقيقة واحدة لما قدروا، فلا أنفس- إذن من الوقت ولا أخسر صفقة ولا أضل سعيا ممن أضاع وقته في التفاهات والأباطيل، ورغم هذا لا نرعى للوقت حرمة ولا نقم له وزنا ولا نعرف له قيمة ولا نسرف في شيء كما نسرف في إنفاقه في غير طائل ولا جدوى وإني لأعرف جيوشنا جرارة من شبابنا ينفقون كل بياض نهارهم في المقاهي منكبين على النرد أو الورق لا يلتفتون لشيء ولا يهمهم شيء ولا يعملون أي عمل ينفعهم أو ينفع أهلهم أو وطنهم كأن الله لم يخلقهم إلا ليكونوا كذلك. وإذا جهلنا نحن قيمه الوقت فإن الاستعمار يدرك جيدا ما للوقت من قيمة يخسر الملايين في بناء المسارح والمراقص، والسينمات ليشغل الناس بالكماليات ويصرفهم عن الضروريات ويسلبم الآنتفاع بالأوقات. ألا ما أشد جهل الإنسان خلق لأمر عظيم فحسب أنه خلق ليملأ بطنه ويكسو جلده وينام ملء جفنيه ولا يفكر فيما قطع وراءه من مراحل عمره ولا فيما بقي له منها

стр. 38

وإذا فكر فلا يكون ذلك إلا حينما تمر به جنازة أخيه محمولا إلى مرقده الأخير أو حينما يدفن بيديه عزيزا عليه ولكن دون أن يحمله الفكر على العمل بل سرعان ما يعود إلى غفلته الطويلة وآماله العريضة فمثلنا ما قيل: تروعنا الجنائز مقبلات ... ونلهو حين ترجع مدبرات كروعة هجمة لمغار ذئب ... فلما غاب عادت راتعات ما أشد جهل الإنسان إذ يكون أسير حواسه ولا يكون أسير عقله وهو لا يمتاز عن الحيوان بحواسه وإنما يمتاز عنه بعقله، وهؤلاء الكفرة الظلمة الذين نراهم يستطيعون خراب العالم في بضع ساعات فنحسبهم يفوقوننا عقلا هم الذين يقول الله فيهم ﴿إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ ويقول: حاكيا عنهم وهم في سواء الجحيم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ ويقول: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ فيقول الله لهم تبكيتا وتيئيسا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ وما أبلغ العبرة في قوله ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ فالله- لرحمته بنا- قد وهبنا من العمر ما يكفي للتذكر وما يتسع للإعداد وأخذ الاحتياط، ولكننا لغفلتنا وجهلنا ولا نستغل هذه المساحة الصالحة للزراعة فيما ينفع وإنما نزرعها شوكا وحسكا وكل ما يضر، فأي غبن كهذا الغبن؟ لذلك يذرف ﷺ هذه الدمعة السخينة على هذه الإنسانية البلهاء إذ يقول: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ". إن مسؤولية الوقت أضخم مسؤولية، والعاقل الكيس من خرج من هذه المسؤولية راضيا مرضيا راضيا عن نفسه مرضيا عند ربه لأنه علم أن "أنفاس المرء خطاه إلى أجله" (وكل يوم مضى يدنى من الأجل) فعمر كل يوم بالنافع المثمر من الأعمال واتعظ بقوله ﷺ : "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني" إن المسلم خلقه الله ليكون نموذجا صالحا للبشرية ومثلا أعلى للإنسانية وقيضه الله لهذا العالم التائه في ضلاله المتخبط في ظلامه يحمل في يديه سعادتيه، سعادته قبل الموت وسعادته بعد الموت أي أن المسلم بعثه الله إلى الناس برسالة الخلود وسعادة الأبد، فقبيح بالدليل أن يضل وبالمنقذ أن يهلك، لكن المسلم بعد أن طوف ما طوف في أرجاء السعادة وحلق ما حلق في سماء المجد أخلد

стр. 39

إلى الأرض واتبع هواه وهو اليوم يسير في مؤخر القافلة ذليلا صاغرا تابعا بعد أن كان متبوعا ومقودا بعد أن كان قائدا وعبدا بعد أن كان سيدا يستهدى قوانين الأرض فلا تزيده إلا ضلالا بعد أن كانت وجهته في الحياة تأتيه وحيا من الله وخططا مرسومة من السماء. إننا اليوم بين شاب سحرت عينيه مفاتن أوربا وعرى أوربا ومراقص أوربا وبين شيخ عجز عن مكافحة هذه التيارات الجارفة فأستسلم للقضاء وأغمض عينيه أو بين كهل ترك العمل وتعلق بسراب الأمل عاكفا على ذنبه وهو يرجو الفوز من ربه، وهذا الطراز هو الذي عناه الحسن البصري بقوله: "إن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا وليس لهم حسنة يقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي وكذب لو أحسن الظن لأحسن العمل ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ إن المسلمين ما سلط الله عليهم هذا الشيطان الآدمي الذي وفد عليهم من وراء البحار يتبعون خطواته ويعملون بإشاراته حتى جعلا الإسلام- وهو إمامهم- وراء ظهورهم وألقوا بالمصحف من أيديهم وهو معني قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. فلنتدارك الأمر ولنكسب الوقت ولنحاسب أنفسنا على كل دقيقة ماذا فعلنا فيها ... لنعرف قيمة الوقت فلا جريمة كإضاعة الوقت لندرك أننا مسؤولون عن هذا الوقت الذي ننفقه في كل شيء إلا فيما يفيد، إن الذي يجمع صلواته لا يعرف قيمة الوقت وإن الذي يقضي في المقهى أو الملهى كل أوقاته لا يعرف قيمة الوقت، بل إن الذي ينام الليل كله لا يعرف قيمة الوقت. فيا أيها المسلم أعيذك- وقد كان نهارك جهادا أو ليلك قياما- أن تكون كما قال الشاعر: نهارك بطال وليلك نائم ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم وأنت أيها الشاب المسلم ليكن شعارك قول القائل: سأنفق ريعان الشبيبة ... آنفا على طلب العلياء أو طلب الأجر

стр. 40

الدعوة إلى الله الدعوة إلى الله واجب كل مسلم بل هي الطابع الذي طبع الله به هذه الأمة وميزها به عن غيرها من سائر أمم الأرض وجعله آية فضلها وشارة سؤددها إذ قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ولكن العلماء أوفر حظا من هذا الواجب لأنهم ورثة الأنبياء في الدعوة إلى الله وإصلاح المجتمع ولأنهم أعلم من غيرهم بطرق الدعوة وأساليبها، وقد بين الله لنبيه ﵊ أدوات الدعوة إلى الله إذ قال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي أدع إلى الإسلام ومبادئه بالدليل الموضح للحق والدافع للشبهة وبإيراد العبر البليغة المنبهة للأذهان بضرب الأمثلة التاريخية على أخذ الله للذين تمردوا على دينه واتبعوا أهواءهم، أخذ عزيز مقتدر فإذا عاندك معاند أو جادلك جاحد، فجادله بالحسنى من الرفق واللين فإن في ذلك جلبا للقلوب وتأثيرا على النفوس (وطالما استعبد الإنسان إحسان) هذه هي أدوات الدعوة إلى الله: دليل واضح وموعظة بالغة وقول يحيل الخصم صديقا كما يقول الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ هكذا: فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، هنا السر كامن ومن هنا أخذ محمد ﷺ مفتاح الدعوة الذي فتح به القلوب ثم فتح به الممالك لذلك يقول الله له: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ وصدقت عائشة إذ سئلت عن
следующие страницы →