العربية إلا عندما تغلق المدارس الأجنبية أو تضيق عنهن، ولكن لابأس فقد عثرنا على المفتاح، إن مفتاح المشكلة في إصلاح البيت هو إصلاح البنت، هو إعدادها إعدادا إسلاميا، هو إنقاذها من إعداد الأجنبي الذي يرمي إلى فرنجة البيت الإسلامى، هو إيجاد خلف لأمثال خديجة وعائشة وأم سلمة وسكينة بنت الحسين وخوله بنت الأزور ونسيبة المازنية وليلى بنت طريف وأمثالهن من عظيمات الإسلام، فليس ذلك بالمستحيل إذ ليس هؤلاء إلا من الجنس الذي منه نساؤنا، ولم يكن نبيات وإنما هو الإعداد الإسلامي وتغليب الجانب الروحي على الجانب المادي.
أما ما دامت البنت في هذا المتجه الأجنبي وما دامت الأم على هذه السيرة الأجنبية من إخلائها لبيتها وتعميرها لبيوت ما أنشئت إلا لفسادها، وما دام هم الزوجة أن تتزين وتتعطر وتخرج نصف عارية لتعين الأجنبي على إفساد المجتمع، فهيهات أن تصلح البيوت إن الدواء إذن هو الإعداد الإسلامي الصحيح.
стр. 37
قيمة الوقت
أليس من الخسران أن لياليا ... تمر بلا نفع وتحسب من عمري؟
الله أكبر! صدق رسول الله إذ قال: "إن من الشعر لحكمة" وصدق هذا الشاعر الذي عرف قيمة ما أضاع من لياليه التي مرت بلا نفع وحسبت عليه فبكاها بهذا البيت المؤثر ورثاها بهذا اللحن الحزين الذي بندب فيه حظه ويحكم على نفسه بالخسران وأي خسارة كخسارة الوقت التي لا تعوض لأن الوقت من ذهب لا يعود منه ما ذهب بل ربما عاد الذهب أما الوقت فلو اجتمع الخلق كلهم على أن يعيدوا منه دقيقة واحدة لما قدروا، فلا أنفس- إذن من الوقت ولا أخسر صفقة ولا أضل سعيا ممن أضاع وقته في التفاهات والأباطيل، ورغم هذا لا نرعى للوقت حرمة ولا نقم له وزنا ولا نعرف له قيمة ولا نسرف في شيء كما نسرف في إنفاقه في غير طائل ولا جدوى وإني لأعرف جيوشنا جرارة من شبابنا ينفقون كل بياض نهارهم في المقاهي منكبين على النرد أو الورق لا يلتفتون لشيء ولا يهمهم شيء ولا يعملون أي عمل ينفعهم أو ينفع أهلهم أو وطنهم كأن الله لم يخلقهم إلا ليكونوا كذلك.
وإذا جهلنا نحن قيمه الوقت فإن الاستعمار يدرك جيدا ما للوقت من قيمة يخسر الملايين في بناء المسارح والمراقص، والسينمات ليشغل الناس بالكماليات ويصرفهم عن الضروريات ويسلبم الآنتفاع بالأوقات.
ألا ما أشد جهل الإنسان خلق لأمر عظيم فحسب أنه خلق ليملأ بطنه ويكسو جلده وينام ملء جفنيه ولا يفكر فيما قطع وراءه من مراحل عمره ولا فيما بقي له منها
стр. 38
وإذا فكر فلا يكون ذلك إلا حينما تمر به جنازة أخيه محمولا إلى مرقده الأخير أو حينما يدفن بيديه عزيزا عليه ولكن دون أن يحمله الفكر على العمل بل سرعان ما يعود إلى غفلته الطويلة وآماله العريضة فمثلنا ما قيل:
تروعنا الجنائز مقبلات ... ونلهو حين ترجع مدبرات
كروعة هجمة لمغار ذئب ... فلما غاب عادت راتعات
ما أشد جهل الإنسان إذ يكون أسير حواسه ولا يكون أسير عقله وهو لا يمتاز عن الحيوان بحواسه وإنما يمتاز عنه بعقله، وهؤلاء الكفرة الظلمة الذين نراهم يستطيعون خراب العالم في بضع ساعات فنحسبهم يفوقوننا عقلا هم الذين يقول الله فيهم ﴿إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ ويقول: حاكيا عنهم وهم في سواء الجحيم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ ويقول: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ فيقول الله لهم تبكيتا وتيئيسا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ وما أبلغ العبرة في قوله ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ فالله- لرحمته بنا- قد وهبنا من العمر ما يكفي للتذكر وما يتسع للإعداد وأخذ الاحتياط، ولكننا لغفلتنا وجهلنا ولا نستغل هذه المساحة الصالحة للزراعة فيما ينفع وإنما نزرعها شوكا وحسكا وكل ما يضر، فأي غبن كهذا الغبن؟ لذلك يذرف ﷺ هذه الدمعة السخينة على هذه الإنسانية البلهاء إذ يقول: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ".
إن مسؤولية الوقت أضخم مسؤولية، والعاقل الكيس من خرج من هذه المسؤولية راضيا مرضيا راضيا عن نفسه مرضيا عند ربه لأنه علم أن "أنفاس المرء خطاه إلى أجله" (وكل يوم مضى يدنى من الأجل) فعمر كل يوم بالنافع المثمر من الأعمال واتعظ بقوله ﷺ : "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني" إن المسلم خلقه الله ليكون نموذجا صالحا للبشرية ومثلا أعلى للإنسانية وقيضه الله لهذا العالم التائه في ضلاله المتخبط في ظلامه يحمل في يديه سعادتيه، سعادته قبل الموت وسعادته بعد الموت أي أن المسلم بعثه الله إلى الناس برسالة الخلود وسعادة الأبد، فقبيح بالدليل أن يضل وبالمنقذ أن يهلك، لكن المسلم بعد أن طوف ما طوف في أرجاء السعادة وحلق ما حلق في سماء المجد أخلد
стр. 39
إلى الأرض واتبع هواه وهو اليوم يسير في مؤخر القافلة ذليلا صاغرا تابعا بعد أن كان متبوعا ومقودا بعد أن كان قائدا وعبدا بعد أن كان سيدا يستهدى قوانين الأرض فلا تزيده إلا ضلالا بعد أن كانت وجهته في الحياة تأتيه وحيا من الله وخططا مرسومة من السماء.
إننا اليوم بين شاب سحرت عينيه مفاتن أوربا وعرى أوربا ومراقص أوربا وبين شيخ عجز عن مكافحة هذه التيارات الجارفة فأستسلم للقضاء وأغمض عينيه أو بين كهل ترك العمل وتعلق بسراب الأمل عاكفا على ذنبه وهو يرجو الفوز من ربه، وهذا الطراز هو الذي عناه الحسن البصري بقوله: "إن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا وليس لهم حسنة يقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي وكذب لو أحسن الظن لأحسن العمل ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ إن المسلمين ما سلط الله عليهم هذا الشيطان الآدمي الذي وفد عليهم من وراء البحار يتبعون خطواته ويعملون بإشاراته حتى جعلا الإسلام- وهو إمامهم- وراء ظهورهم وألقوا بالمصحف من أيديهم وهو معني قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
فلنتدارك الأمر ولنكسب الوقت ولنحاسب أنفسنا على كل دقيقة ماذا فعلنا فيها ... لنعرف قيمة الوقت فلا جريمة كإضاعة الوقت لندرك أننا مسؤولون عن هذا الوقت الذي ننفقه في كل شيء إلا فيما يفيد، إن الذي يجمع صلواته لا يعرف قيمة الوقت وإن الذي يقضي في المقهى أو الملهى كل أوقاته لا يعرف قيمة الوقت، بل إن الذي ينام الليل كله لا يعرف قيمة الوقت.
فيا أيها المسلم أعيذك- وقد كان نهارك جهادا أو ليلك قياما- أن تكون كما قال الشاعر:
نهارك بطال وليلك نائم ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم
وأنت أيها الشاب المسلم ليكن شعارك قول القائل:
سأنفق ريعان الشبيبة ... آنفا على طلب العلياء أو طلب الأجر
стр. 40
الدعوة إلى الله
الدعوة إلى الله واجب كل مسلم بل هي الطابع الذي طبع الله به هذه الأمة وميزها به عن غيرها من سائر أمم الأرض وجعله آية فضلها وشارة سؤددها إذ قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ولكن العلماء أوفر حظا من هذا الواجب لأنهم ورثة الأنبياء في الدعوة إلى الله وإصلاح المجتمع ولأنهم أعلم من غيرهم بطرق الدعوة وأساليبها، وقد بين الله لنبيه ﵊ أدوات الدعوة إلى الله إذ قال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي أدع إلى الإسلام ومبادئه بالدليل الموضح للحق والدافع للشبهة وبإيراد العبر البليغة المنبهة للأذهان بضرب الأمثلة التاريخية على أخذ الله للذين تمردوا على دينه واتبعوا أهواءهم، أخذ عزيز مقتدر فإذا عاندك معاند أو جادلك جاحد، فجادله بالحسنى من الرفق واللين فإن في ذلك جلبا للقلوب وتأثيرا على النفوس (وطالما استعبد الإنسان إحسان) هذه هي أدوات الدعوة إلى الله:
دليل واضح وموعظة بالغة وقول يحيل الخصم صديقا كما يقول الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ هكذا: فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، هنا السر كامن ومن هنا أخذ محمد ﷺ مفتاح الدعوة الذي فتح به القلوب ثم فتح به الممالك لذلك يقول الله له: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ وصدقت عائشة إذ سئلت عن
стр. 41
خلق النبي ﷺ فقالت: كان خلقه القرآن، إننا نستطيع أن نعرف سياسة الإسلام كلها من هذه الكلمة: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ وإذا كانت الكلمة اللينة والصدر الرحب من خير أدوات الدعوات بحيث تجعل العدو صديقا كما تشير إليه الآية، فبعكس ذلك تكون الكلمة الجافية والصدر الضيق من شر أسباب النفور بحيث يجعلان الصديق عدوا، وهذا ما آل إليه حال المسلمين بعد أن انحرفوا عن منهج القرآن وأدب الإسلام، فقد كانت أخلاقهم تفتح لهم القلوب وتفسح أمامهم الطريق وتجعل من أولئك الأعداء الأشداء والخصوم الألداء أخدانا وإخوانا وعلى الدعوة إلى الله ونصره دينه أنصارا وأعوانا، فأصبحت اليوم أخلاقهم وبالا عليهم: تجعل من أصدقائهم خصوما ومن أنصارهم أعداء فإلى الله المشتكي غير أن الضربة التي أصابت الدعوة الإسلاميه في الصميم هي أن الدعاة- إلا قليلا منهم- ليسوا على شيء مما يدعون إليه فلم يبدأوا بأنفسهم في تأييد دعوتهم ولم يعطوا الشهادة العملية على ما يدعون إليه، فشككوا الناس في دعوتهم التي لم يحترمونها ولم يؤيدوها بأعمالهم وهذا هو المقت الذي حذر منه القرآن إذ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ ذلك أن الداعي قدوة لمن يدعوه ولذا لما سئل ﵊: ما هو البلاء؟ قال: العلماء إذا أفسدوا، وهذا هو السر في نجاح الدعوة الإسلامية يوم أن كان على رأسها محمد ﷺ وأصحابه لأنهم المثل الأعلى للكمال الإنسانى والصورة الحية الناطقة لما يدعون إليه لأن الناس يؤثر فيهم حسن العمل أكثر مما يؤثر فيهم حسن القول، فقبيح أن يدعو داع إلى شيء لم يفعله أو إلى خلق لم يتحل به، ولذلك جعل الله العمل الصالح من صفات القول الحسن وهذا من بدائع القرآن التي أنفرد بها إذ يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فليتعظ بذلك دعاتنا فكثير منهم أحوج إلى الموعظة ممن يعظونهم وهذه فضيحة لهم في الدنيا قبل الآخرة. فليست الدعوة إلى الله- إذن- كلاما مجردا عاديا يستطيع أن يملأ به شدقيه كل من لاحظ له من دين أو خلق ولا خلاق له من إيمان أو استقامة، وإنما هي كفاح مرير ينبغي إن لا يخوض غماره إلا من تسلح له بسعة الصدر ولين القول واستقامة السيرة وبلاغة المنطق وقوة الحجة، ثم تأتي بعد ذلك مسؤلية الجمهور الذي يجب عليه أن يبلغ ما سمع إلى إخوانه الذين
стр. 42
شردوا عن مواطن الإصلاح وأتبعوا أهواءهم، لتعم دعوة الإصلاح سائر الطبقات، تلك المسئولية العامة التي يفرضها الإسلام على كل مسلم بالآية المتقدمة "كنتم خير أمة الخ" وبقوله ﷺ "ليبلغ الشاهد منكم الغائب".
هذه بعض أو أهم أدوات الدعوة إلى الله، أما الدعوة نفسها فالقرآن كله دعوة إلى الله حتى قسم القصص والأخبار منه كما حكي أن المنصور قال لعمرو بن عبيد: عظني قال: نعم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾.
وأكبر ما أبتليت به الدعوة الإسلامية في هذا العصر هذه الدعوة الإلحادية التي تقوم بها الكثرة الغالبة من شبابنا الذي قضت عليه ظروفه السيئة أن يتلقى ثقافته عن قوم ليس لهم عدو إلا الإسلام حتى أصبح مقياس الرقي عندهم عقوق هذا الدين الذي بذل شباب الإسلام الأولون في الدعوة له والدفاع عنه دماءهم وأرواحهم، ولكن سينصره الله وإن خذله المسلمون كما نصره قبل أن يخلقوا والعالم كله يتيه في الشرك والوثنية ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾
وإذن فالدعوة التي تتناسب مع هذا الظرف الذي تغلبت فيه المادة على الروح والكفر على الإسلام هي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فإن الله لا يقبل الإسلام المبعض الذي لم يقبله من بني إسرائيل إذ قال فيهم: ﴿تُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ ولا يقبل الإسلام المؤقت لأن الأعمال بالخواتم ولأن الله يقول: (وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ)
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
стр. 43
نماذج من محاسن الدعوة إلى الله
حسن التمثيل يزيد الفكرة وضوحا والصورة جمالا، وقد رسمنا للدعوة إلى الله صورة كما بينها القرآن وكما فهمها السلف الصالحون، وزيادة في البيان والوضوح وحرصا على فائدة القارئ الكريم نعرض في هذا الفصل النماذج التالية التي نرجو من رجال الدعوة إلى الله أن يتخذوها مادتهم في دروسهم وأن يحتفظوا بها كزاد في طريق الدعوة إلى الله: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾. ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ ودخل أعرابي على هشام بن عبد الله فقال: عظني يا أعرابي فقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثم قال: يا أمير المؤمنين هذا جزاء من يطفف الكيل والميزان فما ظنك بمن أخذه كله؟
وخطب النبي ﷺ أول بعثه فقال: "إن الرائد لا يكذب أهله والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم ولو غششت الناس جميعا ما غششتكم والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ولتجزون بالإحسان إحسانا وبالسؤ سؤا وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا" وقال ﷺ : "كلكم يدخل الجنة إلا من أبى، وقالوا:
стр. 44
ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" ووفد أعرابي على النبي ﷺ فقال له: متى الساعة يا رسول الله؟ قال ﷺ : وماذا أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كثرة صلاة ولا صوم وإنما أحب الله ورسوله قال: ﷺ "المرء مع من أحب". وما أعظم العبرة في قوله ﷺ للأعرابي "وماذا أعددت لها" إذ صرفه من الإهتمام بالموت إلى الإهتمام بالإستعداد له فكأن النبي ﷺ يقول: إن الموت آت لابد منه فالتفكير فيه لا يهدي إلى حيلة تصرفه أو تؤخر وروده، وإذن فلا فائدة في التفكير فيه إنما الذي يفيد ويهم هو الإستعداد وأخذ الزاد، ومن غفلة الإنسان أن يسأل عن القيامة كأن كل إنسان لا يموت حتى تقوم القيامة مع أنه يرى الموت بعينيه كل يوم ويدفن بيديه كل عزيز لديه وفيمن يموتون ويدفنون الصبي الذي لم يفطم والطفل الذي لم يبلغ الحلم والشاب الذي لم يجن بعد ثمرات المنى، يرى كل هذا بعينيه ويحسب أنه لا يموت حتى تقوم الساعة، والساعة تقوم كل يوم (ومن مات قامت قيامته).
وقال عمر بن الخطاب ﵁: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا وتزينوا للعرض الأكبر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية" وقال: "سيأتي على الناس زمان يكون صالحهم فيه من لا يأمر بمعروف ولا ينهي عن منكر فيقول الناس: ما رأينا منه إلا ضرا لكونه لم يغضب الله تعالى" وكان إذا مر بمزبلة يقول: "هذه دنياكم التي تحرصون عليها" وهو شبيه بقول علي وقد مر بقذر في مزبلة أيضا: "هذا ما بخل به الباخلون".
وقال علي ﵁: "إذا كان يوم القيامة أتت الدنيا بأحسن زينتها ثم قالت: يا رب هبني لبعض أوليائك فيقول الله لها: إذهبي بلا شيء فلأنت أهون من أن أهبك لبعض أوليائي" فتطوي كما يطوب الثوب الخلق فتلقي في النار" وشيع جنازة فلما وضعت في لحدها عج أهلها وبكوا فقال: "ما بيكون؟ أما والله لو عاينوا ما عاين ميتهم لأذهلتم معاينته عن ميتهم وإن له فيهم لعودة ثم عودة حتى لا يبقي منهم أحد" وسئل عن الخير ما هو؟ فقال: "ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ولكن الخير أن يكثر علمك وأن يعظم حلمك وأن تباهي الناس بعبادة ربك فإن أحسنت حمدت الله وإن أسأت استغفرت الله ولا خير في الدنيا إلا لرجلين رجل أذنب ذنوبا
стр. 45
فهو يداركها بالتوبة ورجل يسارع في الخيرات" وقال: "استح من الله بقدر قربه منك وخلفه بقدر قدرته عليك، وأطعه يقدر حاجتك إليه واعصه بقدر صبرك على النار واعمل للدنيا بقدر إقامتك بها واعمل للآخرة بقدر بقائك فيها" وقال أبو عبيدة ﵁: "ألا رب مبيض لثيابه مدنس لدينه" ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين". وقال حاتم الأصم: "فاتتني مرة صلاة الجماعة فعزاني أبو إسحاق البخاري وجده ولو مات لي ولد لعزاني أكثر من عشرة آلاف إنسان لأن مصيبة الدين عند الناس أهون من مصيبة الدنيا" وسمع بشر الحافي أو الشبلي قارئا يقرأ: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ فصرخ وقال: "فأين الذين يريدون وجه الله تعالى".
ودخل عمرو بن عبيد على المنصور فقال: "يا أمير المؤمنين إن الله يقفك ويسائلك عن مثقال ذرة من الخير والشر وإن الأمة خصماؤك يوم القيامة وإن الله لا يرضى منك إلا بما ترضاه لنفسك ألا وإنك لا ترضى لنفسك إلا بأن يعدل عليك إن الله لا يرضى منك إلا بأن تعدل في الرعية، يا أمير المؤمنين إن وراء بابك نيرانا تتأجج من الجور والله لا يحكم وراء بابك بكتاب الله ولا بسنة نبيه ﷺ " فبكى المنصور فقال سليمان بن مجالد وهو واقف على رأس المنصور: يا عمرو قد شققت على أمير المؤمنين، فقال عمرو: يا أمير المؤمنين من هذا؟ قال: أخوك سليمان بن مجالد قال عمرو: ويلك يا سليمان إن أمير المؤمنين يموت وإن كل ما تراه يفقد وإنك جيفة غدا بالفناء لا ينفعك إلا عمل صالح قدمته ولقرب هذا الجدار أنفع لأمير المؤمنين من قربك إذ كنت تطوي عنه النصيحة وتنهي من ينصحه، يا أمير المؤمنين إن هؤلاء اتخذوك سلما إلى شهواتهم قال المنصور: فأصنع ماذا؟ ادع لي أصحابك أولهم قال: أدعهم أنت بعمل صالح تحدثه ومر بهذا الخناق فليرفع عن أعناق الناس واستعمل في اليوم الواحد عمالا كلما رابك منهم ريب أو أنكرت على رجل عزلته ووليت غيره فو الله لئن لم تقبل منهم إلا العدل ليتقربن به إليك من لا نية له فيه".
ودخل على الرشيد بعض الوعاظ فقال له: عظني قال:
أما بيوتك في الدنيا فواسعة ... فليت قبرك بعد الموت يتسع
فبكي ثم قال له: زدني فقال: تصور نفسك في فلاة لا ظل فيها ولا ماء والفصل صيف والحر شديد وقد اشتد بك العطش ولم تجد ماء ثم جاءك شخص بما يطفئ عطشك
стр. 46
من الماء ليبيعه لك فماذا كنت تدفع له فيه؟ قال: نصف مملكتي، قال: فإن تعذر خروجه فماذا كنت تعطي مخلصك؟ قال: النصف الآخر، قال: فاحر بمملكه تبيع نصفها بشربة ماء ونصفها الآخر ببولة أن لا تشغلك عن طاعة الله تعالى".
هذه أقباس من الدعوة إلى الله اختلفت مصادرها واتحدت غايتها نرجو أن تثمر ثمرتها وتصيب هدفها فتوقظ المشاعر من هذه الغفوة وترطب القلوب من هذا الجفاف، وتكون للنفوس خير ذكرى. ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
стр. 47
غرور الحياة
إن المغرور حقا هو الذي، خدعه بريق هذه الحياة فأمل فيها أكثر مما يبلغه، وهو لا يبني هذا الأمل إلا على شفير هار وإن العاقل هو الذي لم ينخدع بهذا البريق ولم يغتر بهذا السراب وإنما فكر وقدر ثم فكر وقدر فبان له أن هذه الحياة غرور في غرور وإن كانت فيها لحظات سعيده فإنها لا تفي بما يغمرها من بؤس وشقاء.
كنت أفكر في هذا إذ أقبل إلي أحد أقاربي ينعي إلي ابنه الذي مات ولم يتجاوز عامين ولم يمرض إلا خمسة أيام وقد وضعت أمه طفلا: لفظ هذه الكلمات في جهد وإعياء ثم ألقي بنفسه على مقعد بحانبي خائرا متضعضعا لأن الحزن قد شل أعضاءه وعقد لسانه حتي لا يكاد يبين، فأدركت إذ ذلك أن سبب شقائنا بالحياة هو جهلنا بالحياة وعدم توطيننا أنفسنا على مكروهها لأننا لم نرها إلا جميلة جذابة مغرية حينما رأينا جانبها المشرق اللماع ولم نر جانبها المظلم العابس، ولو عرفنا الحياة كما عرفها الأنبياء والحكماء والعارفون بالله لهان علينا كل مما فيها من نعيم وبؤس وعادة وشقاء، فلم نفرح بإقبالها ولم نغتم بإدبارها بل لقلنا ما قال المتنبي:
عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا ... فلما دهتنى لم تزدني بها علما
إنها حياة لا يقوم خيرها بشرها ولا يفي سرورها بحزنها وإلا فما معنى حزن هذا الذي لم يمت له ولد حتى ولد له ولد؟ ذلك هو معنى ما يقول أبو العلاء:
إن حزنا في ساعة الموت أضعا ... ف سرور في ساعة الميلاد
стр. 48
لذلك كان هذا الوالد الثاكل مصروفا عن السرور بالحزن ومشغولا عن الإبتسام بالعبوس لأن سروره بما ولد لم يف بحزنه على ما فقد، إن هذا المخلوق الذي خلق للإبتلاء لو خير لاختار أن لا يجد حتى لا يفقد وأن لا يلد حتى لا يموت له، أما وهو غير مخير فأولى له ثم أولى أن يوطن نفسه على مكروه هذه الحياة ويروضها على بأسائها حتى لا تصدمه المفاجأة وتضجضعه المباغتة:
وأعظم شيء حين يفجأك البغت
إن خير خطة لنا مع دنيانا أن لا نكون معها في حرب ومعنى ذلك أن لا تجد عندنا ما تحاربنا عليه فلا تعطينا ثم تسلبنا ولا تطعمنا العسل وقد مزجته بالسبم (وليس نعيم الحياة إلا السم في الدسم) ولذا كان خير ما في هذه الحياة العافية أي أن خير ما نجنيه من الحياة أن نسلم من أذاها كما يقول الطغرائي في صحابه:
وخير صحابي من كفاني نفسه ... وكان كفافا لا علي ولا ليا
من أجل هذا يقول ﵊: "إذا سألتم الله فاسألوه العافية" ولذا لم يفتتن الأنبياء بالدنيا ولم يغتروا بزخرفها وإنما كان جل همهم في الدنيا أن يضعفوا تأثيرها في القلوب ويحاربوا سلطانها على النفوس ويجعلوا من المجتمع الإنساني كله عائلة واحدة قنوعة متحابة متآلفة لا تفسد بينهم الدنيا ولا تفرق بينهم المطامع ولا تتحكم فيهم الأهواء، ولو عمل الناس بتعاليم الأنبياء ورسالات السماء لما كانت حروب ولا مجازر ولقنع كل بما قسم له فلا تمتد يده لغيره لا بالسلب ولا بالأذى، ولكن الناس حادوا عن شرائع السماء وعادوا إلى شريعة الغاب يفتك أقواهم بأضعفهم، وأصبحت الدنيا كلها معامل لصنع الأسلحة وأصبح المال وسيلة شر بعد أن كان وسيلة خير، وأصبحت قوة الإنسان كلها موجهة إلى الفتك بأخيه فلا يبيت منه إلا على وجل.
وهكذا إذا استقلت الأرض عن السماء واستغنى الناس عن تعاليم الأنبياء تعود حياة الجاهلية الأولى من جديد ويفسد ذوق الناس فيرون الضلال هدى والهدى ضلالا ويسيرون إلى الوراء ويحسبون أنهم تقدموا إلى الأمام، ذلك بأنهم يقيسون بالحواس ما يقاس بالعقول والقلوب، فلا عجب أن ينزلوا إلى دركة الحيوان بحكم القرآن ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ ولا عجب أن يختاروا الكفر على الإيمان
стр. 49
المعصية على الطاعة إذا كان في الكفر والمعصية إرضاء لشهواتهم ولا عجب أن يستعبد الشيطان من استعبدته شهواته ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
стр. 50
استقبال رمضان
سمعت في هذه الأيام حوارا دار بين رجلين، قال أحدهما- وهو شاب إفرنجي النزعة والزي واللسان ها هو رمضان قد جاء يزحف فاغرا فاه كالأفعوان يريد أن يبتلعنا، أو كأنه الرقيب يفرق بين الحبيب والحبيب، إنه جاء ليختم على أفواهنا ويبدل شبعنا جوعا ورينا ظمأ ونومنا سهرا وراحتنا تعبا. فأجابه الثاني- وهو كهل وقد خط الشيب عارضيه، وبعث بأول رسله إليه-: أما أنا فإنني متشوق إلى رمضان، اشتياق الظمآن إلى البارد العذب.
فقهقه الشاب إستخفافا بهذا الجواب وأردف قائلا: وماذا يشوقك من شهر يمنعك في النهار لذيذ الطعام، ويمنعك في الليل لذيذ المنام؟
فأجابه الكهل الوقور بقهقهة مثل قهقهته وأردف-هو الآخر- قائلا: ما أشد غباوتك، إن الذي يبغض إليك رمضان هو الذي يحببه إلي، ويجعله أثيرا لذي، فإن هذا الإضراب عن الطعام والشراب هو الذي يحفظ على صحتي، ويمسك علي توازني، ولذلك فإني لا أجد راحتي وصحتي واعتدال مزاجي إلا في هذا الشهر الجميل الطلعة الميمون النقيبة، أما في غيره فإني أقضي أيام السنة كلها مريضا متألما فكيف لا يشتاق المريض إلى شفائه وذهاب دائه؟ ولكنكم أيها الشبان لا تعنون إلا باللذة العاجلة وإن كان فيها تلفكم، وقلما تفكرون فيما وراء ذلك، وهذا ما يجعلكم تحكمون على الأشياء أحكاما زائفة خاطئة. إن هذا الحوار القصير الذي دار بين الرجلين ليكشف لنا عن حقيقة مرة يجب أن لا نغفل عنها وهي جهل الكثير من أبنائنا بتعاليم دينهم
стр. 51
وأسرار تشريعه جهلا جعل هذا الشاب يرى في رمضان أفعوانا فاغرا فاه يهم بابتلاعه هذا الجهل الفاضح بالإسلام هو الذي حمل الكثيرين من شبابنا على التنكر للإسلام، والتمرد على تعاليم الإسلام، (ومن جهل شيئا عاداه) ومن هنا دخل معظم البلاء على المجتمع الإسلامي الحاضر وأي بلاء أشد من أن يعادي المسلم دينه ويصبح حربا عليه وهو ما عرف العز ولا تبوأ مكانه في تاريخ الوجود إلا به، ولذا لما اكتشف ذلك الكهل منفعة الصوم له أبدى شوقه إليه.
إن كلمة الكهل للشاب هي كالمفتاح لجميع أسرار الصيام، إنه يقول له: "إنني مريض لا أجد شفائي وراحتي إلا في الصوم"، إن معنى هذه الكلمة هو نفس المعنى لقوله ﷺ : "جوعوا تصحوا" وإني أفهم كلمة تصحوا عامة في سائر أنواع الصحة: صحة البدن وصحة العقل وصحة الشعور.
فأما صحة البدن فإن المعدة وسائر أجهزة الغذاء تستريح بالإمساك عن الطعام والشراب وتتطهر من فضلات الغذاء ... وأما صحة العقل فإن في سلامة الجسم سلامة العقل، لأن العقل السليم في الجسم السليم، ولأن البطنة تذهب الفطنة، وأما صحه الشعور فإن الجائع يحس بالجائع (والمصطلى بالنار أعلم بحرها) وما ألطف تلك القصة التي تروي عن تلك المرأة العربية إذ كانت في عطفها على الفقير والحدب عليه موضع العجب والدهشة بحيث لفت ذلك نظر إخوتها فحبسوها ومنعوها الطعام والشراب حتى إذا ذاقت مرارة الجوع والحرمان احتفظت بما لها فلا تبدده ولكنها- وقد ذاقت مرارة الجوع والحرمان وأخرجها إخوتها من حبسها- قدموا إليها صرة دراهم ليستوثقوا من ثمرة الدرس فما كان منها إلا أن دفعت بالصرة كاملة الأول متسول قايلة: إني كنت ارحم الجائع والمحروم قبل أن أتجرع ما يتجرعه الجائع والمحروم من مرارة الألم أما اليوم وقد عرفت بالتجربه ما يعانيه أنضاء الجوع والحرمان فإني لا أعود أمسك شيئا يقع بيدي.
وهكذا فرمضان مصحة عامة، يجد فيها كل مريض دواء مرضه، بل ليس الدين في حقيقته غير علاج عام لأمراض البشرية، البدنيه والعقلية والشعورية ولكننا جهلناه فأعرضنا عنه بل عاديناه (ومن جهل شيئا عاداه).
فيا أيها المسلمون: إن رمضان خير فرصة لفهم دينكم على حقيقته، فانتهزوا هذه الفرصة الثمينة وتسابقوا إلى حلقات الدروس في ليالي رمضان الزاهرة، فجمعية العلماء
стр. 52
قد جندت لهذا الميدان خير رجالها ووزعتهم على القطر، فاجعلوا من رمضان شفاء لنفوسكم ومظهرا لوحدتكم وتضامنكم وتجديدا لصلتكم بدينكم وعلماء دينكم، والله يهديكم ويوففكم.
стр. 53
شهر التوبة
نحن الآن في أول رمضان، وهو خير ميدان، لتسابق أهل الإيمان، فلنعرف كيف نكسب الرهان، في هذا الميدان، ولنعرف كيف نجني ثمرة الصيام، في هذا العام، ونتطهر من أوضار الذنوب والآثام، وإلا كان صيامنا في كل عام، تعبا بلا فائدة، وشجرة بلا ثمرة.
لنحرص على أن يكون صيامنا عبادة لا عادة، لنستغل هذه الأيام المباركة والليالي النيرة، إن رمضان شهر نزول القرآن وشهر ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر وشهر يوم بدر العظيم القدر، وشهر الصيام والقيام، وشهر ضيافة الله ومدارسة كتاب الله، وشهر تغلب الروح على المادة، وانتصار العقل على الشهوة، فلنعرف لهذا الشهر ما خصه الله به من شرف وقدر، ولا ندنس شرفه بأفعالنا المنكرة، وألوالنا الآثمه، ونياتنا السيئة.
لنكن رشداء، فلا تذهب أتعابنا سدى، ونحن استقامتنا في هذا الشهر كفارة لما قبله وتدريبا على ما بعده.
إن رمضان شهر التوبة والإنابة، فلنغتنم هذه الفرصة قبل أن تفوت، ولنتب قبل أن نموت، فالتوبة إسراع ومبادرة لا إبطاء ومماطلة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
стр. 54
وليست التوبة للذين يتعرفون إلى الله في رمضان، ويتمردون على دينه في شوال، ولا للذين يصلون إذا صاموا ويجعلون بينهم وبين الصلاة سدا إذا أفطروا، ولا للذين يعرفون الطريق إلى المسجد في رمضان، ويأخذون طريقهم إلى الحان بعد رمضان، ولسان حالهم يقول:
رمضان ولى هاتها يا ساقي ... مشتاقة تسعى إلى مشتاق
إن رمضان شهر التوبة، فلنتب من ذنوبنا، وشهر التطهر فلنتطهر من عيوبنا، وشهر المحبة فلنتحاب من صميم قلوبنا، وشهر اجتماع الشمل فلنجعله نواة لجمع شملنا، وشهر الصبر والثبات والتغلب على الشهوات، فلنصبر ولنثبت ولنتغلب على شهواتنا.
إن الذي أصبح يحز في نفوسنا أكثر من كل شيء، أن مجتمعنا اليوم مجتمع غريب عنا لا يصح أن نسميه مجتمعا إسلاميا بالمعنى الصحيح، فلنجعله مجتمعا إسلاميا ولو في رمضان على الأقل، ولكن فريقا من المسلمين الذين باعوا دينهم في سوق الشهوات، بدراهم معدودات، يعز عليهم أن يروا المجتمع الإسلامي ينبعث في رمضان، واضح الملامح والسمات، يبعث في النفوس الأمل والرجاء، ويحي في القلوب روح الغبطة والتفاؤل.
لذلك نراهم يضاعفون نشاطهم كلما جاء رمضان، لا ليجعلوا منه مجتمعا إسلاميا، بل ليجعلوا منه سوق مجون وخلاعة وصورة من الإباحية الغربية التي لا تتلاقى مع الإسلام في طريق، فهل نسمي هؤلاء مسلمين وهم قد ضربوا الإسلام في الصميم، وحادوا الله في شهر يعود فيه المخطئون إلى الله؟ فحيثما توجه المسلم في ليالي رمضان، راعه ما يسمعه من ألحان وضرب عيدان، يطغى على صوت الآذان وترتيل القرآن، فكأن هؤلاء المفسدين الذين تسموا رغم أنوفنا مسلمين قد وكلوا بالإسلام يحاربونه ويطاردونه ويقعدون له كل مرصد، والعجب العجيب أن يجد هؤلاء الضالون من يشجعونهم على ضلالهم ويؤيدونهم بأموالهم، ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾. وهكذا فالتعاون على الإثم والعدوان الذي نهى الله عنه قد حل محل التعاون على البر والتقوى الذي أمر الله به، وهكذ عكس المسلمون الآية؟ ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. وهذا التشجيع للمبطلين قد غرهم
стр. 55
وزادهم ضلالا إذ حسبوا أنهم على الحق فتمادوا في الباطل وأصبحوا كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. ولا أضل ممن ضل وحسب أنه على هدى لأن الذي يشعر بمرضه يتداوى منه، وهذا هو الضلال المركب كما يقال: الجهل المركب وهو جهل الجاهل بأنه جاهل كما يقال فيه: لا يدرى ولا يدرى أنه لا يدري.
فيا أيما المسلمون: أظهروا لأعدائكم في رمضان أنكم قد عزمتم على إعادة المجتمع الإسلامى إلى الوجود، فإنه لا يقض مضاجعهم ويطير النوم من أجفانهم ويذهب الطمأنينة من نفوسهم كأن يروا الحركة الإسلامية تمد مدها وتثبت وجودها وتزاحم حركات الشعوب بمنكبها.
ويا أيها المسلمون: لا تؤيدوا المفسدين ولا تكثروا سواد المبطلين وكونوا في رمضان- على الأقل- مسلمين.
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾.
стр. 56
روحانية الصوم
إن أيام رمضان ولياليه فرصة ثمينة يتيحها الله لنا في كل عام لو عرفنا كيف نستغلها ونستفيد منها ومرحلة من مراحل العمر التي يجب أن نقف عندها في كل سنة من هذا السفر الطويل الموصول نستجم ونستريح ونتجرد من تكاليف المادة ونتحرر من شهوات الجسد ومطالب الحواس لنستطيع بعد ذلك أن نستأنف سيرنا في خفة ونشاط وقوه ومن أجل ذلك قول ﵊: "صوموا تصحوا" ولكن الناس- وقد صيروا صومهم عادة- جردوه من روحانيته وحولوه ميدانا يتسابقون فيه إلى إشباع شهواتهم الجسدية مبالغين مسرفين.
لقيني أحد معارفي من سكان العاصمة فسألته عن حاله فقال لي: إننا في جهد جهيد من الإستعداد لرمضان فقلت له: بماذا تستعد لرمضان؟ فأخذ يعدد لي ألوانا من مشتهيات الجسد، منها اللوز والسمن والعسل الخ ... فقلت له: يا أخي لقد جانبتم الصواب وحدتم عن الرشاد في هذا الاستعداد إن الاستعداد للصيام ليس في إعداد الحلوى أو الطعام، وإنما الاستعداد للصيام، بتنقية البطن من الحرام وتطهير القلب من الآثام، إن الصيام مخالفة للشهوات وليس مسابقة وتفرغا واستعدادا للشهوات، إن الصيام عبادة لا شهوة وإن الجنة حفت بالمكاره وإن النار حفت بالشهوات كما يقول عليه الصلاة، السلام: "إن الصيام تغليب للروح على المادة" وإن الصيام فترة راحة من الحركة الدائبة التي يقوم بها الجهاز الهضمي الضعيف سائر العام وإن الصوم جهاد للنفس ورياضة على التغلب على مكاره الحياة، وليس الصوم تدليلا للنفس وإرضاء لأنانيتها وتملقا لأهوائها والجانب الحيواني فيها وإن في الصيام مظهر تسوية
стр. 57
بين الغني والفقير ويقظة للضمير الإنساني، والشعور الأخوي بما يقاسيه أنضاء الحرمان وتعساء الحظ من عنت وبؤس وشقاء في هذه الحياة وفي يقظة الضمير شفاء الإنسانية من كوارثها ونكباتها يروي أن امرأة من العرب كانت جوادة مفرطة ولاسيما على الفقراء المساكين حتى تضرر منها أهلها فحبسوها ومنعوها الطعام والشراب أياما متتابعة ظنا منهم أن الجوع يجعلها تعرف قيمة المال فتحافظ عليه ولا تضيعه، ولكن تجربتهم أخفقت ودرسهم العملي أحدث عكس المطلوب منه إذ بعد أن وثقوا من تأديب الجوع لها أخرجوها وناولوها كيسا من الدراهم، وما إن رأت أول سائل حتى ناولته الكيس جميعه قائلة: إنني أبذل ما أبذل وأنا لا أعرف ما يقاسيه المعدمون من بلاء، أنا الآن وقد ذقت طعم الجوع وتجرعت مرارته فإني أعاهد الله أن لا أجد شيئا إلا أسرعت ببذله في الحال (١).
ودخل على بشر الحافي أحد أصدقائه في يوم شديد البرد وقد تعرى من الثياب فقال له: "يا أبا نصر: إن الناس ليزيدون الثياب في مثل هذا اليوم وأنت تتعرى فقال: ذكرت الفقراء وما هم فيه ولم يكن لي ما أواسيهم به فأردت أن أشاركهم في مقاساة البرد" إن يقظة الضمير هذه هي التي خلت منها ضمائر الناس وحل محلها أنانية مفرطة ملحة شغلتهم عن كل خير وحالت بينهم وبين التفكير في الغير.
إن المسلمين- مع الأسف- جردوا صيامهم من كل ما هو روحي وتركوه هيكلا فلم ينتفعوا به ولم ينبه مشاعرهم ولم يوقظ ضمائرهم، كيف ينبه المشاعر أو يوقظ الضمائر هذا الصوم الآلي المادي الذي هو أشبه بالعادة منه بالعبادة؟ فليس فيه إلا تكالب على الشهوات وانهماك في إعداد (الحلويات) والعناية بالشكليات دون المعنويات.
كم أعجب حينما أرى انهماك سكان العاصمة في (تبييض) بيوتهم استعدادا لرمضان وأقول: لو كانت العناية بالقلوب كالعناية بالجدران، ولو (بيضنا) قلوبنا كما (نبيض) بيوتنا لما غضب الله علينا وسلط علينا من لا يرحمنا، والإسلام دين النظافة ولكن ليست نظافة الثوب والبدن (والمنزل) فقط، ولكن نظافة القلب قبل ذلك، والدين لا يتصل بالثوب كما يتصل بالقلب:
ما بال دينك ترضي أن تدنسه ... وثوب جسمك مغسول من الدنس؟
стр. 58
وإن الله لا ينظر إلى صورنا وإنما ينظر إلى قلوبنا، فإن هذه العناية بالشكل والصورة يقابلها إهمال تام لجانب القلب والروح، فإن حرمة الصوم لا تردنا عن كل ما يفسد القلب ويسيئ إلى الروح من الغيبة والنميمة والكذب وشهادة الزور والحنث في الإيمان وما إليها مما يتنافى مع قدسية الصوم.
إذا لم يكن للسمع منى تصاون ... وفي بصري غض وفى منطقي صمت
فحظي إذن من صومي الجوع والظما ... وإن قلت: إني صمت يوما فما صمت
إن في رمضان لفرصة ثمينة يجب أن نستغلها وأن نستفيد منها، إنه يجمع شمل الأمة في المسجد ويلاقي بين طبقات منها لا تتلاقي إلا في هذه المناسبة الطيبة وإني لأعرف أفرادا كثيرين من شبابنا لا يعرف لهم مكان إلا في المخمرة فإذا جاء رمضان لم أرهم إلا في المسجد، واستغلال هذه الفرصة هي أن نعرف كيف ننقذ هذه الطبقات التي لا تشعر بواجبها ولا تعرف ربها إلا في رمضان، يجب أن نشعرها بمسؤليتها، يجب أن نوقظ ضميرها ووجدانها، يجب أن نقاوم فيها أنانيتها واستسلامها لشهواتها يجب أن نحارب فيها هذه المعاملة الجائرة لدينها إذ تقبل عليه شهرا واحدا في السنة وتتفرغ لشهواتها سائر شهور السنة، يجب أن ننبهها إلى أن التوبة في رمضان ونقضها في شوال استهزاء بالله ونقض لعهده ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.
стр. 59
١ - على مائدة القرآن
بمناسبة شهر رمضان رأينا أن ندعوك- أيها المسلم- إلى مائدة القرآن لتتناول منها هذه الألوان من الهدى والفرقان فلا يكفي- في رمضان أن تجلس إلى مائدة الطعام ولا تقبل على مائدة القرآن.
النظر والتفكر
من مبادئ القرآن العظيمة النافعة توجيهه إلى النظر في هذا الكون وإلى التفكر في ملكوت السموات والأرض وفائدة ذلك أن نعرف ما في هذا الكون من صنع بديع وما في ملكوت السموات والأرض من نظام عجيب فنزيد إيمانا بالله واعتمادا عليه والتجاء إليه ونخلص من ذلك إلى استغلال ما أوده الله في ضمير هذا الوجود من كنوز وما طوى عليه أحشاءه من أسرار، فالمعرفة هي باب هذه الكنوز والأسرار، والنظر أو التفكر هو مفتاح هذا الباب فإذا لم نفكر لم نعرف وإذا لم نعرف لم نصل إلى هذه الكنوز والأسرار فنبقى بمعزل عن هذا الكون ونحن نعيش فيه فلا عجب إذن أن يكون أول ما نزل من القرآن الأمر بالقراءة وأن يكون أكثر من ثلث القرآن نزل في التنبيه على النظر أو التفكر- مفتاح هذا الباب- من مثل قوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ ولكننا- رغم هذا- لم ننتفع بهذا المبدأ شأننا مع مبادئ القرآن الأخرى بل أعرضنا عن النظر في آيات الله والتدبر في بدائع الكون فلم ننتفع بما وهبنا الله من عقل وقد نعى القرآن نفسه علينا هذا الإعراض إذ قال: ﴿وَكَأَيِّنْ
стр. 60
مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ وهذا الإعراض عن تدبر آيات الله وبدائع صنعه إنما جاءنا من إعراضنا عن تدبر القرآن جملة الذي أنكره القرآن علينا بقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ فكأن الله أنزل القرآن لنعرض عنه هذا الإعراض أو لنستعمله في أتفه الأغراض، فإعراضنا عن تدبر القرآن حرمنا كل خير يوجه إليه القرآن، فلنتدبر القرآن ولاسيما في هذا الشهر شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن لنصل إلى كل خير يدعو إليه القرآن.
الرغبة والرهبة
للإنسان طبيعتان بارزتان هما باعثه في كل مما يأني يما ياع وهما: الخوف والطمع أو الرغبة والرهبة فلا يفعل شيئا من المعروف أو يتركه ولا يقول شيئا من المنكر أو يدعه إلا مدفوعا بهاتين الطبيعتين ومسوقا بهذين العاملين وإن الله الذي يعلم طبائع خلقه وما فطرهم عليه من غرائز وميول قد علم مبلغ تأثير الرغبة والرهبة في الإنسان فرغبه ورهبه وجعل صلاحه متوقفا على هاتين الطبيعتين فيه: الرغبة والرهبة، أو الطمع والخوف لذلك أثني على الراغبين الراهبين الخائفين الطامعين فيه فقال: ﴿يَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ وقال: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ الآية ... ولذلك نجد القسم الكبير من القرآن تدور آياته على الترغيب والترهيب فآية ترهب من النار كقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ وآية ترغب في الجنة كقوله بعد: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ وهكذا جعلنا الله في سيرنا إلى الكمال مدفوعين بعاملين من الرغبة والرهبة رحمة منه بنا حتى لا نتخلف في سيرنا عن ركب السائرين إلى الكمال بحيث إذا لم يحركنا عامل الطمع حركنا عامل الخوف.
فليست الجنه في الحقيقة مقصودة بالذات والنار كذلك، وإنما العمل الذي يثمر دخول الجنة والنجاة من النار هو المقصود بالذات، إنما الجنة كالجائزة على السبق في الرهان أو الفوز في الامتحان والنار إنما هي كالسوط لهذا المخلوق الحرون يسوقه إلى سعادته ولذا ورد: "إن الله خلق النار سوطا يسوق به عباده إلى الجنه".
стр. 61
إن خير الزاد التقوى
إن للإنسان زادين زادا للدنيا وهو غذاؤه الذي به ينمو ويقوى، وزادا للأخرى وهو زاد التقوى ومن صنع الله لنا ورحمته بنا أن كفل لنا أحد الزادين وهو زاد الدنيا وكلفنا بالآخر وهو زاد الأخرى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ ولكننا- لجهلنا- ننفق حياتنا في طلب ما كفله الله لنا ونفرط فيما به كلفنا ولولا جهلنا وغباوتنا وقصر نظرنا ما شغلنا ما يفنى عما يبقى مع أن الله الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا قد اختار لنا إذ قال: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ وفضل زاد الروح على زاد الجسد إذ قال: ﴿إِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ وفاضل بين الناس على هذا الأساس إذ قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ولكن هذه الكلمة- كلمة التقوى- قد فقدت عند الناس قيمتها وثقل على الأسماع وقعها وأصبح من يقول: اتقوا الله رجلا ثقيلا جافيا ليس على شيء من ذوق العصر ... في عرف أهل هذا العصر فكأن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ يعني رجل هذا العصر ولكن لا خير في عصر لا يسير على مقتضى هذه الكلمة.
قال رجل لعمر بن الخطاب- وهو على المنبر-: اتق الله فانتهره رجل آخر فقال له عمر: "دعه فلا خير فينا إذا لم نسمعها ولا خير فيهم إذا لم يقولوها" وإنما كانت هذه الكلمة: بهذه المنزلة لأنها الكلمة الجامعة لما يجب أن يكون عليه المسلم مع الله والناس لذلك كان ﷺ يفتتح بها خطبه لأنها كالإجمال لما يذكر بعدها ولكننا اليوم أسأنا فهمها فاستثقلنا سماعها إذ فهمنا منها أنها الإعراض عن الدنيا بالمرة ونحن لا نستطيع أن نعرض عن الدنيا بالمرة. مع أن التقوى ليست إلا السير على مقتضى القرآن الذي يقول: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾.
стр. 62
٢ - على مائدة القرآن
مصارع الطغاة
يكاد القسم القصصي من القرآن يتلخص في تصوير مصارع الطغاة ومصائر الظلمة، فهذا مصرع فرعون يبتلعه البحر: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾ وهذا مصرع قارون تبتلعه الأرض: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ وهذا مصرع مدينة برمتها- هي مدينة سبأ-: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ وهذه مصارع أقوام عديدين كذبوا الرسل وعتوا عن أمر ربهم وتكبروا في الأرض بغير الحق مثل قوم هود وقوم صالح وقوم لوط وهذا عالم بأسره يلقي مصرعه في فترة من فترات التاريخ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ وهكذا كل طاغية تتحكم فيه الأنانية ويعميه الغرور فيتحدى الخلق والخالق لا بد أن يلقي مصرعه على نحو من الأنحاء وعلى صورة من الصور: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾،والعبرة التي نستخلصها من مصارع الطغاة ومصائر الظلمة هي أن الأقوياء يجب أن لا يغتروا وأن الضعفاء يجب أن لا يقنطوا فإن لهذا العالم حارسا من عناية الله وكافلا من رعايته وتدبيره فلا يتركه تعبث به أيدي المفسدين وتتحكم فيه شهوات الظالمين المستبدين: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾.
стр. 63
حظ الكافر
تتحرك عوامل الغيرة والتذمر في نفس المسلم إذ يرى ما يتقلب فيه الكافر من النعيم وما يبسط عليه يده من البلاد ولكنه حيثما يفزع إلى القرآن سرعان ما يجد عنده الدواء الشافي لهذه الخواطر المؤلمة والأفكار المقلقة، يفتح المصحف فيقع نظره على قوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ثم يفتحه مرة أخرى فيرى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ إنها لصورة مضحكة حقا، صورة شخص لا يهمه إلا أن يأكل ويملأ بطنه من شهواته غير ناظر إلى عاقبته ولا مفكر فيما يجني عليه أكله فأهون به من نعيم يفضي إلى العذاب الأليم، وتبا لها من سعادة عقباها الشقاء المقيم، وبعدا له من حظ هو حظ الشاة التي تسمن للذبح، إلا أن الفرق بينهما أن ما ينتظر الشاة هو شفرة الذابح وما ينتطر الكافر هو نار جهنم، وأدن فما جدوى هذا العمل الجبار الذي يأتيه منه كفر بالله واعتدى على خلقه وما قيمة هذا العلم الذي لم يزدد به من الله إلا بعدا، وما تغني هذه الاكتشافات والاختراعات التي أفنى عمره في الوصول إليها ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ إن أفضل نعمة يهبها الله لعباده هي توفيقهم لعمل ما يرضيه ويقربهم إليه وصدق ﷺ إذ يقول: "إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا من يحب".
فيا أيها المؤمن الذي تغره الظواهر ولا ينظر إلى العواقب فتذهب نفسه حسرات على ما يرى فيه أهل الكفر والضلال من متاع هذه الحياة: إن ذرة واحدة مما في قلبك من إيمان لخير لك من كل مما يتقلب فيه أعداء الله من أعطاف اللذائذ والشهوات واقرأ- إن شئت- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ أو قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
على أن الإسلام لا يحرم على المسلم الأخذ بالأسباب التي تجعله موفور الكرامة في حياته مرهوب الجانب في عين أعدائه ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ كلا نمد
стр. 64
هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾.
﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾
القنوط واليأس
إن القنوط واليأس ليس من شأن المسلم مهما عظم كربه واشتد خطبه، وإنما المسلم لا ينقطع رجاؤه من ربه إلا إذا انقطع وجوده من هذه الدنيا ولذا يجعل القرآن اليأس من روح الله كفرا والقنوط من رحمته ضلالا، ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾.
وعلام اليأس وليس لحالة دوام في دنيا الفناء والتحول؟ وكيف تدوم الشدة والرخاء لم يدم؟ ولو دام الرخاء لما جاءت الشدة وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ وإذا خفي عنا هذا فلنذكر كيف كان المسلمون في بداية أمرهم يقاسون من أعداء دينهم كل شدة وكل بلاء ثم أعبهم الله النصر وجاءهم بالفتح وأبدلهم من خوفهم أمنا، فليس اليأس- إذن- إلا خديعة من الشيطان يريد بها قطع صلة العبد بربه ورجائه فيه.
وما أصدق كلمة مصطفى لطفي المنفلوطي في هذا المعنى إذ يقول: "اليأس هو الخديعة الكبرى التي يدسها الشيطان دائما في نفوس الأمم الضعيفة التي يريد الفتك بها والقضاء عليها".
стр. 65
٣ - على مائدة القرآن
إحسان العمل والثبات عليه
يتجه الإسلام بدعوته إلى تحقيق غرضين عظيمين يتلخص فيهما الكمال الإنساني كله، هما الإحسان في العمل والثبات عليه وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فلا يكفي أن تحسن العمل ثم لا تثبت عليه كما لا يكفي أن تثبت عى عملك دون أن تحسنه وتأتيه على الوجه الأكمل، وإنما يجب أن تجمع بينهما فتحسن العمل وتثبت عليه، ولكن الناس بين رجلين: أحدهما يحسن عمله ولكنه لا يثبت عليه والآخر يثبت عليه ولكنه لا يحسنه، أما الذي يجمع الكمال من طرفيه فقل أن يظفر به أو يعثر عليه.
إن الاسلام يجعل الإحسان- بمعنى إتقان العمل وتجويده- ثالث ثلاثة هي الدين كله كما في حديث جبريل بعد أن أجابه ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان قال: "هذا جبريل جاء يعلمكم دينك" فجعل مجموع هذه الثلاثة هو الدين، ويفسر ذلك رفضه ﷺ أعمالا لم يأت بها أصحابها على الوجه الأكمل كقوله للأعرابي: "صل فإنك لم تصل" وكقوله: "اذا أحسن الرجل الصلاة فأتم ركوعها وسجودها قالت الصلاة: حفظك الله كما حفظتني فترفع، وإذا أساء الصلاة فلم يتم ركوعها وسجودها قالت الصلاة: ضيعك الله كما ضيعتني فتلف كما يلف الثوب فيضرب بها وجهه" وكقوله: "كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش". لأن الإحسان في العمل هو ثمرة يقظة الضمير وحياة الشعور في الإنسان فيعمل أعماله وهو يشعر أنه يرى الله أو أن الله يراه وهو معنى قوله ﷺ : (وقد سأله جريل ﵇ عن الإحسان). "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" ولقيمة
стр. 66
الإحسان هذه أوجبه الله في كل شيء إذ يقول ﷺ : "إن الله كتب الإحسان في كل شيء" الحديث.
هذا من ناحية الإحسان في العمل وهو لا يكفي بدون الثبات عليه لأن عدم الثبات على العمل إبطال له والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ ولأن في الوقوف دون تمام العمل إضاعة لثمرة العمل فإن قيمة العمل ببدايته ونهايته ولذا يقول ﷺ : "الأعمال بالخواتم" بل إنه ﷺ ليعتبر ذلك حتى في أعمار الناس فلا يحكم بصلاح شخص بمجرد النظر إلى حسن بدايته بل يقول: "لا تعجبوا بعمل عامل حتى تنظروا بم يختم الله له" ولا عجب بعد ذلك أن يقول أبو الطيب المتنبي:
ولم أر في عيوب الناس شيئا ... كنقص القادرين على التمام
البعث والجزاء
إن في البعث والجزاء لتأثيرا ودخلا كبيرا فيما يأتي الناس وما يدعون من أعمال في هذه الحياة، فلولا إيمان الناس بأنهم يبعثون من بعد موتهم ويجازون على أعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر، لشل حركتهم اليأس ولأقبلوا على لذائذهم يتناهبونها لا يبالون أصابوا حلالا أم حراما كما نرى في المجتمعات التي لا تؤمن ببعث ولا جزاء ولا تؤمن إلا بحاجات غرائزها وأهواء نفوسها، فلا غرو أن نرى القرآن- يهتم بهذا الجانب اهتماما زائدا ويقيم الأدلة القوية عليه: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ وروي أن العاص بن وائل أخذ عظما رميما ففته وقال للنبي ﷺ : أترى يحي الله هذا بعدما بلى ورم؟ فقال ﷺ : نعم ويدخلك النار، ونزل فيه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾. وهذه كلها أدلة قوية على أن من خلق الخلق قادر على أن يعيدهم ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ ولكن الذين استحبوا العمى على الهدى ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ
стр. 67
غِشَاوَةٌ﴾ لذلك لا يخلو زمان ولا مكان من منكرين للبعث والجزاء ولا سيما هذا العصر المادي الذي لا يؤمن أهله إلا بكل مادي محسوس ولقد رأينا كثيرا من المسلمين اليوم جرفهم هذا التيار، تيار الإنكار لعالم الغيب وعدم الإيمان بغير المادي المحسوس من الأشياء، ولاسيما من تثقف ثقافة غربية، فإذا حدثتهم عن العالم الآخر سخروا منك وضحكوا ملء أفواهم على بقائك متمسكا بهذه القشور (هكذا). ولولا أن الله لم يرد بهم خيرا لرأوا أن الإيمان بالبعث والجزاء لا يفوت عليهم شيئا من رغباتهم كما يفوته عليهم إنكارهم وكفرهم، وليتهم- على الأقل - آمنوا إيمان أبي العلاء المعري إذ يقول:
قال المنجم والطبيب كلاهما ... لا تحشر الأجساد قلت إليكما
ان صح قولكما فلست بخاسر ... أو صح قولي فالخسار عليكما
стр. 68
٤ - على مائدة القرآن
صوم رمضان
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ يستعمل القرآن أسلوله الجذاب الآخذ مجامع القلوب والألباب، إذ يدعو إلى الصيام الذي فيه مصادمة للطبيعة ومقاومة لحاجة الغريزة من الطعام والشراب والمباشرة التي هي من مقومات الحياة، فهو يقرر أولا- أن الصوم وإن ظهر أنه مقاومة للطبيعة- فإنه قد استعمل وجرب ممن قبلكم، فلستم في تكليفكم به مظلومين ولا مكلفين بما ليس في إمكان الطاقة البشرية، ولستم في صومكم بمقدمين على مجهول أو غير مأمون العاقبة. ثم يقول ثانيا- إنه مع ذلك ليس إلا ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ ثلاثين أو تسعة وعشرين يوما من كل عام. ثم يقرر ثالثا- مبالغة في تهوينه وتيسييره على النفس- بأن من عجز عنه لمرض أو سفر تركه إلى أن يزول عجزه وعوضه بأيام أخر يكون فيها قادرا على الصوام. ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فأي سماحة كسماحة هذا الدين؟ ثم أي أسلوب في الدعوة إلى المبادئ العليا كهذا الأسلوب؟
التوبة
من كرم الله ولطفه أنه يقبل التوبة عن عباده ليريهم أنه غني عنهم ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ولكن التوبة التي يقبلها الله هي التي تأتي عقب الذنب مباشرة ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أما الذين يقضون أيامهم في اجتراح السيئات وارتكاب الموبقات غير حاسبين لذلك حسابا ولا متخوفين عقابا، فأولئك لا يستحقون عفو الله ولا ينالون كرمه ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ
стр. 69
السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ هكذا يحب الله من عباده أن يسارعوا إلى الخيرات ويبادروا بالطاعات ﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ الآية .....
إن باب التوبة لمفتوح في كل وقت، وإن الموت لمتوقع في كل وقت، فعلى العاقل أن لا يفوت الفرصة ولا يترك هذ الباب يغلقه الموت فقد ورد: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" وهذا رمضان شهر التوبة وشهر الرجوع إلى الله وشهر تفتح القلوب وتيقظ المشاعر، وشهر يوم بدر وليلة القدر ونزول القرآن، وشهر عودة المجتمع الإسلامي إلى الوجود. فاغتنموا الفرصة- أيها المسلمون- ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾.
стр. 70
٥ - على مائدة القرآن
بدر في القرآن
إن آية واحدة مما نزل في يوم بدو لتوضح كل ما جرى في يوم بدر، كما تزيد توضيحا هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
فالمفتاح الواحد لكل مغالق الأسرار هو قوله: يعذبهم بأيديكم هكذا. فليس الإنسان إلا آله تحركها يد القدر والفاعل الحقييقي لكل ما يجري في هذا الكون إنما هو الله خالق الكون ومدبره، ومن هنا نعرف معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ عندما أخذ ﷺ قبضة من حصى ورمى بها في وجوه المشركين وقال: "شاهت الوجوه" فكانت تلك القبضة من الحصى هي القنبلة الذرية التي كسب بها المسلمون النصر في يوم بدر فلم تبق عين من أعين المشركين إلا أصابها نصيبها من هذه القبضة أو من شظايا هذه القنبلة الربانية الهائلة فعموا عن الطريق واضطربوا وأصابهم الوهن فلكي لا يزد هي المسلمين- وفيهم رسول الله- ما كسبوه من نصر فينسوا صلتهم بالله وينسبوا نصرهم إلى أنفسم، عطفهم الله بقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ فالرامي هو الله والآلة هي الإنسان، وليس في هذا جبر أو توكل أشل وإنما هو جار على قاعدة أن الله واهب القوى جميعها فهذا المال الذي يبدو أن تحصيله نتيجه جد وكد وثمرة خبرة ومعرفه بوجوه الكسب لا ينسبه الله إلى صاحبه، وإنما يقول: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ كما يقول: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ وليس في هذا أيضا ما يشل من عزيمة الإنسان وإرادته أو يقعد به عن السعي والطلب، بل بالعكس يجعله قوي الثقة بالله وثيق الصلة به فيطلب المال من وجوه الحلال التي
стр. 71
يعين الله عليها ولا يتحدى القدر فيطلب المال من غير وجوه الحلال، فإن واهب النعم هو الله ذو الجلال والإكرام، ولا يخطف أبصارنا بريق الذهب الذي نراه في أيدي الظلمة فذلك باب آخر، باب ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ باب ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ باب تسمين الشاة للذبح كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ وقد علم الله دبيب هذا الخاطر من خلقه فردهم عنه بقوله: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. وإذا كان الرامي هو الله، والإنسان ليس إلا آلة لهذا الرمي فكيف لا تنتصر القلة على الكثرة وكيف لا ينتصر الحق على الباطل وكيف لا ينتصر الإيمان على الشرك في يوم بدر؟ ومن هنا أيضا نفهم معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾. ونفهم السر في المدد الإلاهي بإنزال الملائكة ومشاركتهم في القتال لأن المعركة إنما هي معركة الحق والباطل ولأن مديرها هو الله الذي يـ ﴿قْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ ونفهم السر كذلك في قوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ لأن هذه الفئة القليلة هي حزب الله الذي يقاتل لإعلاء كلمة الله، وهذه الفئة الكثيرة حزب الشيطان الذي يقاتل ليجعل كلمة الله هي السفلى كلمة الكفر هي العليا، وغزوة بدر هي الغزوة الكبرى التي تلاقي فيها الحزبان حزب الله وحزب الشيطان- وجها لوجه- وظهر فيها الجندان- جند الحق وجند الباطل - متقابلين، جند الحق بقلة عدده وضعف عدته، وجند الباطل بكثره عدده وقوة عدته، حتى أشفق قائد جند الله- ﷺ أن يكون لكثرة العدد وقوة العدة تأثير في الموقف فاتجه ببصره إلى السماء- قبلة الدعاء- وتضرع إلى الله قائلا في لهفة وتأثر: "اللهم إن تهلك هذه العصابة فإنك لا تعبد في الأرض بعد اليوم" وما زال مستغرقا في دعائه حتى قال له أبو بكر ﵁: بعض منا شدتك ربك فإن الله منجز لك ما وعدك، وأغفى ﷺ ثم انتبه وهو يقول: "أبشر أبا بكر أتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده في ثنايا النقع" ثم خرج رسول الله ﷺ إلى الناس فحرضهم على القتال وقال: "والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة" وسرى هتاف الرسول في نفوس جنود الإسلام مسرى الكهرباء في الأجسام وتهافتوا على حياض المنية في شوق ولهفة حتى ظهرت المعجزه وانتصرت القلة العزلاء إلا من الإيمان على الكثرة المسلحة إلا من الإيمان،
стр. 72
وغلبت الثلاثمائة والثلاثة عشر من المسلمين الألف من المشركين، فسقط منهم في الميدان سبعون قتيلا، واختطف من ظهور الخيل سبعون أسيرا، وأمر رسول الله ﷺ بالقتلى فطرحوا في القليب ثم وقف عليهم وجعل قول: "يا أهل القليب: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا" وهكذا لم ينس ﷺ أن هذا النصر نعمة من الله ووعد أنجزه الله ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وفي غزوة بدر لم يرحم الله أعداء الإسلام ولم يقبل منهم صرفا ولا عدلا ولم يرض بما رضي به المسلمون من قبول الفدية منهم والإبقاء عليهم بل نزل الحكم من السماء صارما حاسما بعتاب النبي ﷺ : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ كما كان المسلمون في هذه المعركة مثال الصرامة والحمية لله ولدينه فكان المسلم يقتل أباه أو ابنه أو أخاه في سبيل الله بلا مبالاة لأنه باع نفسه لله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾.
فهذا أبو عبيدة يقتل أباه عبد الله وهذا مصعب بن عمير يقتل أخاه وهذا عمر يقتل خاله العاص بن هشام، وهذا أبو بكر يهم بالخروج ليقتل ابنه عبد الرحمن فيرده ﷺ قائلا: "متعنا بنفسك" فينزل قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
صدق الله العظيم.
стр. 73
٦ - على مائدة القرآن
العبرة من غزوة بدر
إن في غزوة بدر لخير عبرة للضعفاء أمثالنا ممن يهولهم ضعفهم المادي فتجتاح عواصف اليأس كل ما ينعش نفوسهم من آمال وينزوون في عقر ديارهم وبنطوون على أنفسهم وينفضون أيديهم من دنياهم، وهذا من مداخل الشيطان الخفية على النفوس الغبية إذ سول لهم أن من كان في مثل حالهم يستحيل عليهم تحطيم أغلالهم وبلوغ آمالهم، فينامون على الضيم ويستسلمون للعبودية الخالدة ويخلصون لمستعبديهم لقمة سائغة وغنيمة باردة، وما أصدق مصطفى لطفي المنفلوطي إذ يقول: اليأس هو الخديعة الكبرى التي يدسها الشيطان دائما في نفوس الأمم الضعيفة التي يريد الفتك بها والقضاء عليها. وما أحكم التربية القرآنية للنفوس إذ تحرم اليأس تحريمها للكفر في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾.
وإن في غزوة بدر لمحوا لليأس وإبادة لجراثيمه من النفس فهي تقيم لنا الدليل على أن القوة المعتبرة هي القوة المعنوية من إيمان بالله وثقة بالنفس وثبات في مواطن اليأس وقوة أمل في المستقبل، أما الكثرة في العدد بلا قوة في الروح فلم تكن في يوم من الأيام بمفيده ولا مؤثرة في ساحات الوغى ومصائر الحروب، والمسلمون في غزواتهم مع الرسول ﷺ وخلفائه الراشدين- لم يكونوا ولا مرة واحدة- أكثر من أعدائهم ولا أغنى عتادا ومع ذلك فالنصر دائما حليفهم، ولقد أرى الله المسلمين في يوم حنين رأي العين أن الاعتداد بالكثرة وحدها لا يفيد بل هو من أسباب الهزيمة وذلك إذ يقول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾. وإذن فلنستفد من غزوة بدر هذا الدرس القيم
стр. 74
ولا نقل أننا قلة ولا أننا عزل أو ليس لنا مدافع ولا قنابل ولا طائرات ولا دبابات ولا قنابل ذريات، إنما ينقصنا ما كان متوفرا لأسلافنا من القوة المعنوية، فحسب.
فتح مكة في رمضان:
إن رمضان شهر الآنتصارات الحاسمة في تاريخ الإسلام على اعتبار أن الغزوتين اللتين كان لهما أبعد الأثر في دعوته وهما: غزوتا بدر وفتح مكة كانتا في هذا الشهر الخالد في الشهور على مدى الدهوه، وقد مر الكلام في غزوة بدر، أما فتح مكة فتشير إليه فاتحة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾.
وأبرز ما تصوره هذه الآيات أنها تبني لنبي الإسلام مجدا لا يطاول ولا تمتد إليه الأوهام، يبدأ هذا المجد من اعتباره مكافأة من الله لنبيه ﷺ الذي تؤديه لفظتا (فتحنا لك) هكذا فالفاتح هو الله لا محمد لأن الله هو الموفق والمعين أو أنه الفاعل الحقيقي لما يجري في الكون تناسقا مع مما تقدم في قوله تعالى: في يوم بدر ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ وفي قوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾. وليست سواعد المسلمين وعزائمهم إلا آلات تحركها يد القدر المدبرة الموجهة، والمفتوح له هو محمد ﷺ الذي أخرج من مكة بلده المحبوب في سبيل نشر دين الله وجعل كلمته العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، وإذن فالجزاء العادل يقتضى هذه المكافأه وتقديمها في عبارة مشعرة ولافتة إلى المعنى الذي اقتضاها، ففتح مكة- إذن- زيادة على أنه نصر لدين الله هو مكافأة ضخمة لمحمد ﷺ وتكريم فخم له على كفاحه العظيم وحرصه الشديد على هداية قومه وصبره العجيب على ما لقيه في سبيل ذلك من آلام وأتعاب ومرارة واغتراب ثم يأتي بعد ذلك التفصيل: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾. وأي تكريم بقي بعد هذا التكريم؟ وأي إنعام يأتي بعد هذا الإنعام؟ وأي أمل بقي لمحمد ﷺ لم يصل إليه بعد أن يغمر الله ذنبه ويتم نعمته عليه ويهديه صراطه المستقيم وينصره النصر الذي سيعقبه كل نصر والذي أعزه الله به بعد ذل وقواه بعد ضعف وأشعر مهابته كل قلب.
стр. 75
ولقد قابل- ﵊ هذه النعمة بما ينبغي لها من تواضع لله وحلم على الجناة فبعد أن دخل مكة في ذلك المشهد المهيب والمهرجان التاريخي الهائل وعمد إلى البيت الحرام فحطم ما علق فيه من أصنام- وكان به ثلاثمائة وستون صنما- وهو يقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ وبعد أن توسط البلد الذي أخرج منه ظلما وأتجه يبصره إلى أهله الذين أخرجوه منه قال لهم: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: إني لا أقول إلا ما قال أخي يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم: أذهبوا فأنتم الطلقاء.
وهكذا الرجل العظيم لا تطغيه النعمة ولا يبطره إجتماع أسباب القوة، وهكذا عقبي الصابرين المتقين.
و ﴿لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.