Полный текст (352 стр.). Показаны 316–352 · переход к 321.
стр. 316
درنه شيء، قال: فكذلك الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا"، فإن لم تستطيعوا أن تحملوهم إلى المسجد، فاحملوا إليهم صوت المسجد.
стр. 317
الجهل بالدين
يجب أن نتطهر من الجهل ونتخلص من قيده الثقيل، ولا سيما الجهل بالدين الذي وقف حائلا قويا دون الانتفاع بكنزنا الثمين، وكم صادفني في هذا الباب، من عجب عجاب، رأيت بعض الناس يحسبون أن الدين هو مجرد هذه الركعات التي يؤدونها بشعور غاف، وقلب غافل، وحركات سريعة خاطفة كحركة الآله الدائرة والتي يصدق عليها وصف النوع الثاني في قوله ﷺ : "إذا أحسن الرجل الصلاة فأتم ركوعها وسجودها قالت الصلاة: حفظك الله كما حفظتني، فترفع، وإذا أساء الصلاة فلم يتم ركوعها وسجودها، قالت الصلاة: ضيعك الله كما ضيعتني، فتلف كما يلف الثوب الخلق (البالي) فيضرب بها وجهه" هذا الضرب من الناس يرى أنه بمحافظته على مثل هذه الصلاه قد حافظ على الدين كله، ولكن هذا الدين الذي يتمثل في هذه الصلاة الهزيلة سرعان ما يختفي شخصه ويتقلص ظله عندما يتعرض لصاحبه، فقير معدم يسأله ما يسد به خلته ويكسر به حدة جوعه، أو مندوب لمشروع إسلامي يحتضر يدعوه للمساهمة في إنقاذه، أو يمر بمنكر يرتكب، أو حرمة من حرمات الله تنتهك، هذا إذا الم يقتحم هو نفسه المعركة، فيأتي ما يأتي من منكر، ويرتكب ما يرتكب من إثم، جاهلا أن الصلاة مطهر لأنها صلة بين العبد وربه، ولأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، إذ أن لكل عمل ثمره وهيهات أن تكون صلتنا بربنا، خالية من أي ثمر إلا هذه الحركات الآلية، وإلا:
" فما تصنع بالسيف إذا لم تك قتالا؟ "
بل إن هذه الصلاة كانت وما زالت عند كثير من الناس شبكة اصطياد ووسيلة
стр. 318
استرزاق، وأداة خداع، وجسرا للأطماع، وبدأ ذلك منذ بدأ النفاق، والناس منذ القدم- ينخدعون للمتجرين بالدين، فهذا عبد الله بن عمر ﵁ كان لا يعجبه شيء من ماله أو عبيده إلا تقرب به إلى الله عملا بقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، فعرف منه عبيده ذلك فأخذوا يحسنون من سمتهم ويجتهدون في عبادتهم (ويسبقونه إلى المسجد) طلبا للحرية الغالية، فكان ابن عمر يعتق كل من أعجبه دينه من عبيده، فقال له بعض أصحابه: إنما يقومون بذلك خداعا لك لتمن عليهم بالعتق فقال: (من خدعنا بالله انخدعنا له).
وإن الناس لو تطهروا من الجهل وأدركوا حقيقة الصلاة وفهموا معنى ركوعها وسجودها وما يتلى فيها من كلام الله لانتفعوا بالصلاة ولنهتهم عن كل ما يسخط الله، أو لاتحدت صفوفهم خارج الصلاة كما اتحدت صفوفهم في الصلاة.
وأعجب من هذا الضرب ما سمعته من ضرب آخر من الناس، من أن الدين مجرد أخلاق، نعم فإن النبي ﷺ يقول: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ولكن هذه غاية لا بد لها من وسائل تحققها وتمكن من الوصول إليها، كالصلاة، والصيام والجهاد، فالصلاة: ﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، والصيام يروض عليها، والجهاد يحرسها ويحميها.
ومن حكمة الله أنه رصد لكل غاية دعانا إليها وسائلها التي تعيننا عليها وتمهد لنا السبيل إليها، ولكن جهلنا وغلبة شهواتنا يقعدان بنا عن كل غاية لأنهما يحولان بيننا وبين وسائلها، وهيهات مقصوص الجناح يطير.
وأعجب من ذلك كله ذلك السؤال المضحك المبكي الذي مازال يثير عجبي ويشغل مشاعري ويطن في أذني، ذلك أن شابا أعرفه محافظا متدينا، عرض لي ذات يوم، وأعتذر لي قبل أن يسألني: هل في الدين من مبرر لشاب مثلي ليس له على الزواج قدرة، ولا على العزوبة صبر، أن ... ؟ قلت له- في دهش-: ماذا تقول؟ إحترم دينك، أو لست مسلما؟ قال: بل أنا مسلم، ولكنني مضطر، قلت له: إن الله لا يأمر بالفحشاء، وليس في الأمر ضرورة، إنما الضرورة في القوت الذي من عدمه يموت، والله تعالى يقيد هذه الضرورة بذلك إذ يقول: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ والمخمصة! الجوع، وليس هذا من ذلك، وأن الله إذ شرع دينه كفل بقاءه بما أحاطه
стр. 319
به من ضمانات، فإنه- يعلم ضعف عباده فما حرم شيئا إلا جعل مما حلل منه عوضا فهو إذا حرم الربا حلل البيع، وإذا حرم الزنا حلل الزواج، ولكنه الجهل وغلبة الشهوات، فأنت يا أخي- الآن- لست مضطرا لأنك تستطيع أن تتزوج، وإنما لتحكم الجهل فينا تحكمت فينا عادات، فنحن نحافظ عليها أكثر مما نحافظ على ديننا، ونحن نحاول أن نحمل الدين ضرورة غير مشروعة، ولا نحاول مثل ذلك في هذه العادات، فهي حرم مقدس عندنا، فمثلا بدل أن يتزوج ذو الطبقة العليا من الطبقة المتوسطة أو الطبقة الدنيا في حال ما إذا كان غير ميسور الحال يفضل أن يبقى عزبا، أو يتسرى بصلة غير شرعية، وفي هذه تضحية بالدين في سبيل المحافظة على العادة، فأين الإضطرار- إذن- إن المضطر يأكل الميتة (ولكن الميتة هنا كانت هي المرأة التي لم يعقد عليها)، وكذلك ترضى الأسرة أن يبقى الشاب فيها عزبا، والبنت عانسا ولا ترضى بزواج ينقصه شيء كمالي من النفقات أو طقوس الزواج.
إن الدين- يا قوم- ليس مجموعة ضرورات، ولا مجرد صلوات، ولا محض أخلاق، ولكنه قانون اجتماعي شامل، لا ينتفع به إلا من عمل به كله، إنه قانون الله لعباده وليس من صنع مخلوقه ضعيف تستبد به مشاعر، وتدفعه مصالح، وتتحكم فيه ظروف، وإننا لو فهمناه حق الفهم وطبقناه على حياتنا خير تطبيق لما احتجنا إلى هذه الإستعارة المفضوحة من غيرنا.
стр. 320
القديم والجديد
كان لقضية (القديم والجديد) وولع الناس- في هذا العصر بصفة خاصة- بكل جديد، سلطان كبير على العقول والميول، وتأثير شديد على القيم الأخلاقية، والمقومات الإنسانية، ورغم ذلك لم أكن لأشغل الفراغ المخصص لهذه الفصول، بهذا الموضوع، لولا رأي خطير، لصديق كريم، لأن هذا الموضوع- فيما أرى- قد طرقه كتاب كثيرون وقتلوه بحثا إنما أتناوله أنا من ناحية أخرى، خصصت لها هذه الفصول- وهي الناحية الدينية المحضة:
قال الصديق: ألاحظ أن كل ما يكتب اليوم ليس بجديد، ففوجئت بشيء جديد، ولعل هذا هو نفس ما قصد إليه هذا الصديق ليثبت أنه أتى بجديد لكني قلت له: لك رأيك على كل حال، ولكن أضف إلى هذا أيضا: أنه ليس كل جديد صالحا تجب الدعوة إليه، ولا كل قديم غير صالح تجب الثورة عليه والقرآن- قانون الله الذي لا ينسخ بقانون الإنسان يعطينا هذه القاعدة إذ يقول- منددا بالجامدين الذين كلما جاءهم من الله رسول- بجديد مفيد ينسخ قديمهم الفاسد-: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾، بل أصرح من هذا في الموضوع قوله- تعالى-: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾.
هكذا: فانتقمنا منهم، لأنهم وقفوا في طريق التجديد الصالح، ولم يقبلوا الجديد النافع، وأصروا على قديمهم الذي فسد وتعفن أو كان من أصله فاسدا عفنا.
стр. 321
وبهذا يكون الإسلام هو واضع الأساس الصحيح، والقاعدة الثابتة لما يجب أن يقبل عليه الناس من قديم أو جديد، وهي قاعدة تتلخص في هذه الكلمات القليلة: الحرص على المفيد، وجد في القديم أو في الجديد.
ومن هنا، لم يتناول الإسلام في ثورته الكبرى كل شيء، إنما ثار على الفاسد الضار، أما الصالح النافع، كرعي الذمام، وإكرام الضيف وحسن الجوار، فلم يثر عليه، بل أبقاه وأقره ودعا إليه، ومن هنا- كذلك- ندد ببني إسرائيل عندما سئموا ما فيه نفعهم، فثاروا عليه، وطلبوا شيئا جديدا تافها، بالنسبة لما سئموه وثاروا عليه فقال تعالى-: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾؟ وليتأمل جيدا، الرد الحاسم في قوله: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ فهو التطبيق الكامل للقاعدة المتقدمة في الآية السابقة.
هذا هو الجديد الذي جاء به الإسلام والذي ثار عليه عبيد- الشهوات من أعداء الإسلام وأبناء الإسلام الذين لم يعرفوا الإسلام.
أما الجديد الذي جاء به هؤلاء، وحرصوا عليه ودعوا إليه فهو- لعمر الحق- جديد كجديد الموت، يقضى على كل ما تقضي به المروءة والغيرة والعفة والحياء، كهذا الجديد الذي نراه في الشارع وفي عربات الترام، وفي دور السينما وفي الحدائق العامة هذا الجديد الذي يسمونه تمدنا وتقدما ويسميه الإسلام فسوقا وفجورا، هذا التبذل االفاضح والتخلع الوقح، والتحلل الممقوت، هذا الجديد الحر المنطلق، الذي لا تقف في طريقه، حدود أدبية، ولا قوانين أخلاقية، ولا ضمائر حية، هذا الجديد الذي سموه مدنية، هو الهمجية بعينها التي ثار عليها الإسلام، وأتى على بنيانها من القواعد، وأقام على أنقاضها مدنيته العظيمة التي هي من وحي الله لا من وحي الشيطان، والتي تجدد صلة الإنسان بخالق الإنسان، والتي تقوم على قيادة العقل، لا على قيادة الهوى.
ليعلم أعداء الإسلام، والعاقون للإسلام، من أبناء الإسلام، أن الإسلام تجديد وثورة، واندفاع إلى الأمام، وهو دين الله الخالد الذي جعله يساير تطور الزمن ولا يجمد أمام مقتضيات كل عصر، لأنه الدين الذي ختم به رسالات السماء، فلا بد أن يصلح لكل جيل، ويتلاءم مع حاجات كل عصر، إنما يجب أن نميز بين جديد
стр. 322
وجديد، وبين قديم، وقديم، على مقتضى القاعدة الإسلامية السابقة، فثم أشياء تبقى جديدة، ولو عمرت أمادا مديدة، كالعفة والإنصاف، والغيرة، والحياء، فإذا طغى تيار المدنية الغربية فجرف كل شيء، فإن أمثال هذه الصخور الضخمة تبقى ثابته تتحدى كل تيار، وتشير إلى ضعف الإنسان، وانهزامه أمام مغريات الحياة وتعلن عن أصالة أهداف الإسلام، فإذا رأينا رجل الغرب يتحلب ريقه كلما تراءى له شبح شهوة، وربما بلغ به إلحاح الرغبة في الوصول إلى هذه الشهوه أن ينتحر إذا رآها قد افلتت من يده، فيجب أن نتماسك ولا نندفع في التيار متأثرين برجل الغرب في رغائبه الحيوانية التي لا تعترف بالحدود، بل علينا أن نتشبث بذلك الحبل الوثيق الذي أرشدنا إليه القرآن بأن نقول- كلما لوح لنا الشيطان بشهوة محرمة-: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، فتلك هي العفة التي لا تتأثر بقديم ولا بجديد،- بل تبقى خالدة تشير إلى ميزة الإنسانية الخالدة، وإذا رأينا رجل الغرب لا يعرف للإنصاف معنى، ولا يحس لغيره وجودا وينفق كل عمره في اختراع الوسائل التي يجعل بها أحرار الناس عبيدا وأدوات يستغلها لأغراضه، فلا نقل: أن مسايرتنا لجيراننا وأبناء عصرنا تقتضينا أن نكون أنانيين استغلاليين مثلهم، ولا نقل: ذلك هو جديد في هذه الأيام، بل يجب أن نقول: إن هناك شيئا يسمى إنصافا، وإن هذا الشيء يبقى جديدا لا يؤثر فيه مرور الزمن لأنه يشير إلى ميزة أصيلة في الإنسان تفصله عن الحيوان، وإلا فلا فرق بين الإنسان والحيوان، وإذا رأينا رجل الغرب تسمح نفسه بأن يترك امرأته أو ابنته تسهر الليل إلى ساعة متأخرة، حيث تشاء ومع من تشاء، فيجب أن تستيقظ في نفوسنا غريزة تسمى الغيرة، جعلها الله من مميزات هذا الإنسان، وجعلها رسول الإنسانية الأعظم ﷺ من خصائص الإيمان إذ قال: "لا إيمان لمن لا غيرة له"، بل جعلها مفتاح الدخول إلى الجنة إذ قال: "مكتوب على باب الجنة: لا يدخلها ديوث"، وإذا رأينا الإختلاط سنة المجتمع الأروبي ورأينا رمال الشاطىء تجمع بين الشبان والشابات في عري فاضح، واستهتار شنيع، فيجب أن لا ننسى أننا مسلمون، وأن نبي الإسلام- ﵊ يقول: "الحياء هو الدين كله".
وبالجملة، يجب أن يكون رائدنا دائما، هو المفيد النافع قديما كان أو جديدا. وتلك هي وجهة نظر الإسلام في الموضوع.
стр. 323
ليس لي وقت
حدثني صديق مطلع قال: سافر أحد الأهالي الجزائريين إلى باريس، وفيما هو يزور صديقا له فرنسيا قال له هذا الصديق: لماذا لا تخرج للاصطياف مع ما فيه من فوائد جمة؟ قال: ليس لي وقت لأن لي أعمالا كثيرة، فما كان من الفرنسي إلا أن فتح نافذته المطلة على المقبرة وقال له: انظر، فهؤلاء كلهم ماتوا دون أن يقضوا حاجاتهم، أو يفرغوا من أعمالهم.
قلت للصديق الكريم،- وقد أعجبت بما في القصة من نكتة طريفة ولفتة بارعة-: ما أبلغها موعظة، ولا سيما: هي صادرة من فرنسي لمسلم: فرنسي يذكر الموت فينتفع بالحياه، ومسلم ينسى الموت فلا ينتفع بالحياة، وكيف ينسى المسلم الموت، وكل ما في دينه يذكر بالموت؟ ثم ما هذه الأعمال التي لا تعين على التمتع بالحياة؟
إن كل عمل في الحياة هو- قبل كل شيء- وسيلة للتمتع بالحياة، فكيف تكون الوسيلة إلى الشيء عائقة عنه لولا غباوة الإنسان؟ وأي شقاء كأن يقضي الإنسان كل عمره الطويل عاملا كادحا ثم لا ينتفع بما يعمل حتى إذا أدركه الأجل فارق دنياه دون أن ينتفع بها، وأقبل على أخراه دون أن يعمل لها، لأنه عاش لدنياه لا يعمل إلا لها.
ولكن، ما الحيلة، وما العمل؛ وهذا ما عليه أكثر الناس في هذه الحياة، ولا سيما في هذا العصر الذي يدعونه عصر المدنية؟ فإن الناس قد كثرت حاجاتهم، وتعددت مطالبهم، فتعقدت حياتهم، إذ تراكمت أعمالهم، وقلت فترات راحتهم،
стр. 324
فزادت بذلك همومهم وأتعابهم وأسقامهم، وبذلك لم يحصلوا من المدنية إلا على الإسم، ولا من السعادة إلا على القشر، ولا من الحياة إلا على العمل المتواصل كالآلة المتحركة على الدوام، ومن العجيب أن أعظم الطبقات شقاء بهذا وأكثرها شكوى منه هي طبقة الأغنياء وأرباب رؤوس الأموال الذين كان ينبغي أن يكونوا أكثر الناس راحة وأوفرهم حظا من السعادة، ولكن لحكمة سامية حق عليهم قول القائل:
ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي صنع الفقر!
وانطبق عليهم قول الله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، إنما يشقون بما جمعوا ثم يموتون قبل أن يتمتعوا بما جمعوا ويتركونه بعدهم غنيمة باردة لمن يبددها فيما لا يعود عليهم بأجر ولا بحسن ذكر، فهم كما قيل:
كدودة القز ما تبنيه يهدمها ... وغيرها بالذي تبنيه ينتفع
أما هذه الكلمة الآثمة: (ليس لي وقت) التي يكثر دورانها على الألسنة فهي الكذبة الضخمة، والفرية العامة التي قلما ينجو منها لسان ناطق قصد أو لم يقصد، فإن الله منح الوقت، كل من منحه الحياة وإنما يتفاوت الناس في حظهم من الحكمة التي هي المنحة الإلاهية العظمى التي لا يخص الله بها إلا من أحبه وأراد هدايته وتوفيقه كما قال- تعالى- ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
هذه الحكمة، هي التي تناقصنا في الإنتفاع بالوقت، وفي حسن تنظيمه وتوزيعه، وتقديم الأهم على المهم من الأعمال، حتى لا تتراكم الأعمال فتأكل لنا أثمن ما في الحياة وهو الوقت، ثم نظل نشكو زحمة الأعمال ونقول: ليس لنا وقت، والحقيقة الناصعة هي: ليس لنا حكمة حسن التصرف في الوقت.
ولكن الإسلام، دين النظام، وأكبر ما يتمثل هذا النظام في الوقت الذي تظهر دقة عناية الإسلام به في أعظم شعائره، وهي الصلاة، التي فرضت في اليوم خمس مرات، في خمسة أوقات، بحيث يعتبر تأخير أي صلاة عما حدد لها من الأوقات، من أكبر الخطايا، وأعظم المخالفات، وذلك إشعار بعظم قيمة الوقت، وتعليم لحسن التصرف فيه، والمحافظة على كل جزء منه
стр. 325
ونبي الإسلام- ﵊ ينبه إلى أن الوقت- لعظم قيمته عند الله- أول شيء يحاسب عنه يوم القيامة، إذ يقول: "لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله فيم أنفقه ومم اكتسبه وعن علمه ماذا عمل به"، وينبه إلى كسب مما يغفل الناس عنه من الوقت ويسمى ذلك بركة، أي زيادة ربح، لأنه زيادة وتوسيع في الوقت إذ يقول: "باكروا فإن في البكور بركة"، ويدعو إلى التخفف من الأعمال لكسب فائض من الوقت ولئلا تتزاحم الأعمال فيعجز عن القيام بها جميعا فيضطر إلى تركها جميعا إذ يقول: "اكلفوا من الأعمال ما تطيقون" ولذا لما سألت عائشة ﵁: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: أدومها وإن قل".
هذا وأن الذي يؤلم حقا أن تكون الأمة التي هذا دينها، هي اليوم أبعد الناس عن الانتفاع بالوقت، حتى يعظها ذلك الفرنسي الذي لا يدين بالإسلام، بتلك الموعظة البليغة التي تذكرنا بحسن الإنتفاع بالوقت.
ولا يفوتني- أخيرا- أن أنبه الإخوان الوعاظ إلى كلمة قلما يخلون منها خطبهم وهي قولهم: (لولا ضيق الوقت لبسطنا القول بأكثر من هذا) أو ما أشبهه، فهي كلمة لا تؤدي شيئا، ولكنها تقتطع جزءا- ولو كان قليلا- من الوقت.
стр. 326
مجد يجب أن يحتذى
ما أعظم مجد محمد ﷺ في قول ربه له: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، إنه مجد الدنيا والآخرة في قرن، وماذا ينتظر أصحاب الهمم الكبرى من دنياهم وأخراهم غير هذا؟: أن يظفروا بالمجد الأخلاقي في الدنيا وبالأجر الباقي الذي يتزودونه للأخرى، ولكن لنبحث ولنجل الطرف فيما جعل أجر- محمد ﷺ غير ممنون، أي مستمرا غير مقطوع، إنه بلا شك وبدون إطالة نظر، ما ترك من كثرة الإتباع الذين أخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين جعلوا همهم في الحياة أن يجاهدوا في الله حق جهاده ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، وإنه ﷺ ليقول: "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس" فكيف من هدى الآلاف المؤلفة، الذين هدوا إلى حظيرة هذا الدين مئات الملايين؟ وما ضعف أمر هذا الدين إلا بعد أن وقف تيار الدعوة إلى الله فكثر أهل الدنيا، وقل أهل الدين، ومما يتصل بهذا المعنى قوله ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، فالرسول الكريم- لحرصه على أن تبلغ أمته المنزلة السامية والقدر العظيم- يرشدها إلى ما يكفل لها دوام النفع، واستمرار الأجر، وخلود الذكر، وهو وما يشهد به القرآن الكريم، لهذا النبي العظيم، إذ يقول: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وفي ذلك إشارة إلى أن من يخلف (محمدا) في أمته، أو يدعو مثل دعوته، يجب عليه أن يتخلق بخلقه، ويتصفب بصفته، وإن في قوله ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله ... ، (الحديث) لخير بشارة للذي يشفق أن ينقضي هذا العمر القصير في
стр. 327
غير ما ينفع، أو يشفع عند الله، فيحرص على أن يمد هذه الحياة بأسباب من رضا الله بعمل إحدى ثلاث أو عملها كلها.
أولا- (صدقة جارية) - أي دائمة- لها أصل ثابت يؤتي أكله يوميا كالمسجد والمدرسه وكالحمام والعين، أو شهريا كمحلات الكراء من حانوت ودار، أو سنويا كأرض تزرع وشجر يثمر.
ثانيا- (علم ينتفع به) وأي شيء ينتفع به كالعلم، الذي جعله الله نور هذا الكون وجمال هذا الوجود، وقوام هذه الحياة، بتخريج تلاميذ صلحاء أماثل يصلحون ما أفسد الناس، وينيرون من هذا الوجود ما أظلم بالجهل والدجل والادعاء، أو بتأليف كتب نافعة تبقى على وجه الدهر ينابيع ثرة ينفق الناس منها، دون أن تنضب، أو يغيض لها معين، أو ببث النصائح الغالية والتوجيهات النافعة، التي تنشيء الجتمعات الصالحة، وتكون الأمم الراقية، وتوقظ الشعوب النائمة.
ثالثا- (ولد صالح يدعو له) - والولد الصالح هو الذي صلح في دينه ودنياه، فقويت صلته بالله، فإذا دعاه إستجاب دعاءه وأبلغه مناه، فهذا الولد ينفع أمه وأباه وفي الحديث- زيادة على ذلك- خير حل لمشكلة كبرى من مشاكلنا الراهنة، هي مشكلة مشاريعنا الحرة، التي تضطلع بأعبائها الأمة وحدها، والتي ليس لها سند مادي تقوم عليه، غير هذه التبرعات الطفيفة، أو هذه الاشتراكات القليلة التي لو توقفت لتوقف معها سير هذه المشاريع، فلا ينقذ هذه المشاريع من السقوط المتوفع لها، كالصدقة الجارية، التي يدعو إليها الحديث أول ما يدعو، ثم يقول الله لنبيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، لماذا- يا ترى- كان هذا بعد قوله: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾؟ ذلك سر من أسرار التعبير المعجز، إنه كالسبب لما تقدم فكأن الله يقول: إن هذا الأجر العظيم الذي لا ينقطع نتيجة ذلك الخلق العظيم، الذي تنقطع دونه الأطماع، وأي زلفى إلى الله كأن تكون حسن الخلق مع الناس كما تكون حسن المعاملة مع الله، لذا يقول- ﵊: "حسن الخلق من الإيمان" وهل رسالته ﷺ إلا رسالة أخلاق؟ كما قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
ولكن، ما هذا الخلق العظيم، الذي شهد الله به لنبيه الكريم؟ إن هذا يظهر في الخلق الذي كان به نجاحه في دعوته أكثر من أي خلق آخر، فإن الله ليطلعنا على سر
стр. 328
نجاح نبينا في دعوته، لنجعله قدوتنا فيما يقوم به من دعوة إلى الله فيقول: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ يدلنا على الطريق إلى بلوغ هذا المقام الأسنى إذ يقول: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، هكذا يجمل بالعاقل أن لا يقف في وجه التيار، إنما يجانبه ويدعه يمر بسلام، فلا يقابل السيئة بالسيئة شأن كلاب الهراش، وإنما الإنسان يحمل معنى إنسانيته في اسمه حتى لا يضل ولا ينسى، لذا يقول القائل: (من ذا يعض الكلب إن عضا؟) أي أنك إذا جاريت من جهل عليك فقد صرت مثله، أما إذا ترفعت عنه فقد كسبت الموقف وحفظت رأس المال بمحافظتك على إنسانيتك وبذلك ينقلب عدوك صديقك، وليس ذلك بالشيء اليسير، وهو ما عقب الله به على الآية السابقة إذ قال: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾، والتعبير بإذا الفجائية يفيد السرعة ويشعر بكسب الموقف حالا، فليت الناس فهموا دعوة القرآن، أو على الأقل ليت كل إنسان يشعر في مثل هذا الموقف بأنه إنسان، فلا يخرجه الغضب عن دائرة الإنسان إلى الحيوان.
ثم ما أغبى من يتقدم إلى الرئاسات ويتطلع إلى قيادة الحركات بوجه عابس وجبين مقطب وصدر ضيق حرج كأنما يصعد في السماء.
стр. 329
القضاء على الداء
بعد كتابة الفصل السابق (مجد يجب أن يحتذى) وقراءته ومراجعته خطرت لي فكرة، وهي أن طب النفوس- مثل طب الجسوم- يجب أن يكون الغرض منه القضاء على الداء، بالمواظبة على الدواء، لا مجرد تناول الدواء، وهو على هذا يجب أن لا يخضع لفكرة اختيار الجديد من الموضوعات، إذ الأهم والأنفع لأمة مثلنا، هو تكوين مجتمع طاهر وتهيئة جو صالح، وإعداد جيل أمثل، وإذن فمتى اكتشفنا داء من أدوائنا الاجتماعية وأخذنا في مقاومته، بالدواء الذي رأيناه ناجعا في إبادته وجب أن لا نترك الدواء قبل القضاء على الداء، ومعنى ذلك أنه لا يجب أن تكون هذه الفصول كفصول الرواية وأدوارها تعرض عرضا سريعا متلاحقا، إذ أن أكثر ما تطلب له مشاهدة الرواية هو التسلية وحب الاستطلاع، أما الأمر في مقاومة الأدواء فعلى العكس من ذلك، يجب الإمعان في العلاج والمواظبة على الدواء، حتى يقضي على الداء، والداء الذي أدركنا خطره، ولمسنا أثره، وشاهدنا صرعاه أكثر من غيره، هو هذا الضعف الإنساني، والمرض النفساني، الذي يستبد بالرجل الأناني فينزع من قلبه الرحمة والمحبة والإخاء، ويدس في زواياه النقمة والحقد والبغضاء، يدخل البيوت فيشتت شملها، وتسرى عدواه إلى الاحزاب والهيئات فيمزق وحدتها، ويصيب رابطة الأخوة، فيزعزع كيانها، ويصدع بنيانها، ذلك هو حمى الغضب وشهوة الانتقام، وغريزة مقابلة السيئة بالسيئة التي لا تطفيء الشر، بل تزيد ناره ضراما، وشدته عراما.
إن داء كهذا الداء، ينطوي على أخطار كهذه الأخطار، لا يكفي في استئصاله فصل واحد، بل ولا كاتب واحد، بل ما أحراه بأن تحبر فيه فصول وترصد له جهود من
стр. 330
كتاب أعلام تمرسوا بحرب الأقلام، لهذا لم أكتف- في هذا الموضوع- بما كتبت في الفصل السابق، وفي فصول أخرى سبقته ولأمر ما سميت الدعوة إلى الله تذكيرا والقائم بها مذكرا، فالأمر الهام، لا يكتفي فيه باليسير من الكلام، بل لا بد فيه من الإلمام، بعد الإلمام، وتكرار الدعوة إلى شيء تذكير به، (وآفة العلم النسيان) كما يقول- ﵊ وقبل كل شيء يجب أن نعلم أن لكل ما يسر ثمنا مما يضر، وثمن بلوغ المكارم، تحمل المكاره وما أبلغ قوله ﷺ : "ليأخذ العبد من نفسه، لنفسه"، وهل تنال الجنة التي ﴿فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ إلا بمخالفة ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين مما حرمه الله على الأنفس والأعين؟ وهو معنى قوله ﷺ : "حفت الجنة بالمكاره"، فإن لم يأخذ العبد من نفسه لنفسه، ندم في غده على تفريطه في أمسه:
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل
وعلى هذا يجىء قول المتنبي:
[لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر، والإقدام قتال]
وقول الآخر:
ومن يخطب الحسناء يصبر على البذل
وبهذا- لا بغيره- يدفع جهل الجاهل،،إساءة المسيء، وإنما أوردنا كل هذه الأمثلة لئلا يقول ضعاف النفوس وأسرى النزوات: أن تحمل الإساءة شيء يشق على النفس وينبو عن الطبع، وما كان فضل الحلم على غيره- حتى قيل-: الحلم سيد الأخلاق- إلا لأن مقاومة الطبع تبدو فيه أكثر من سائر الأخلاق، وعلى هذا الأساس جاء قوله:﵊: (ما من جرعة يتجرعها العبد خير له وأعظم أجرا من جرعة غيظ في الله"، وروى أنس ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله ما أشد من كل شيء؟ قال: غضب الله، قال: فما ينجي من غضب الله! قال: أن لا تغضب" وليس الغضب الذي ينهي عنه رسول الله، هو الغضب لله، عندما تنتهك حرمة من حرمات الله، وإنما هو غضب المرء لنفسه الذي تمليه الأثرة الجامحة والأنانية الطاغية عندما يسمع كلمة تطمئن من غروره، أو يفقد درهما من ماله. وقبل كل شيء وبعد كل شيء فإن الإسلام قام على الأخلاق أكثر من أي شيءآخر، ونبي
стр. 331
الإسلام- ﵊ نجح في دعوته بحسن خلقه، ورحابة صدره أكثر مما نجح بشيء آخر، كما قال- تعالى-: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، فمن كان سيء الخلق، ضيق الصدر، فهو أبعد ما يكون عن الإسلام، وأجهل ما يكون بروح الإسلام، وتعاليم الإسلام، وإذا قال- ﵊: "بشروا ولا تنفروا"، فإنه لا يبشر بالإسلام كحسن الخلق، وسعة الصدر، كما لا ينفر من الإسلام مثل سوء الخلق، وضيق الصدر. وإذا كان الناس بحاجة أكيدة إلى هذا الخلق، فإن حاجة رجل العلم إليه أوكد، لأن للعلماء وظيفة الأنبياء، وهي الدعوة إلى الله، ومن هنا قيل: (ما قرن شيء إلى شيء، أفضل من حلم قرن إلى علم).
стр. 332
الحياة والموت
طويت الرسالة التي حملت إلي نعي أخي- كسير القلب كسيف البال- وفزعت إلى المصحف ألتمس فيه شفاء جرحي وعزاء نفسي، وإذا بي أجدني أتلو هذه الآيات: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾.
نعم، تبارك الذي بيده الملك: ملك كل شيء، ملك نفوسنا التي بين جنوبنا، وملك أجسادنا التي تحل فيها، وملك الكون الذي نعيش فيه، وملك الهواء الذي نستنشقه فمثل هذا الملك يستحق صاحبه أن يقال فيه (تبارك) فلا عجب أن يعقب الله على ذلك بقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ومن أقدر على الشيء من مالكه؟ فما غرور هذا الإنسان بما يملك، وهو- وما يملك- ملك لله، ووديعة في ملك الله؟
(ولابد يوما أن ترد الودائع)
وما اطمئنانه إلى وجود، ينتهي إلى أمل محدود؟ فوجودنا- وإن طال- مهدد بالزوال فما الأسف على فائت؟ وما الحزن على مائت؟
وإذا بي أجدني مشدودا إلى هذه الآية، مأخوذا بروعتها وتأثيرها، ناسيا- ولو إلى حين- صدمة النبأ المفاجيء، بما فتحت أمامي من آفاق، متابعا التفكير في مراميها القريبة والبعيدة، مستشعرا في أعماقي قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
стр. 333
وإذا بي أجد في أنسى روعة الملك- في التعبير عن قدرة الله- بجانب روعة الخلق الي تتلوها في قوله تعالى-: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾، فإن الملك قد يبدو لبسطاء العقول أنه غير خاص بالله وحده، قياسا على ما يملكون من توافه الأشياء، أما الخلق فهو الصفة الخاصة بالله وحده التي لا يشاركه في جزء من أجزائها أحد من خلقه ولذلك تحدى الله بها عبدة الأوثان وما يعبدون، إذ قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، وإن كل ما وصل إليه العلم، وما سيصل إليه في المستقبل من عجائب الاختراع، لا يبلغ أن يخلق ذبابا، وسيبقى الفارق بين المخلوق والخالق، ينطق به المعنى الذي في اسم المخلوق، وفي اسم الخالق، وإلى هذا الفارق يشير قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾؟، والموت والحياة أعظم ما خلق الله، إذ يدخل تحتهما كل ما خلق الله، ولذلك يجيء التمثيل للخلق بالغا- في الشمول والقدرة- منتهاه، وإن في الجمع بين الموت والحياة لحكمة سامية، فإن لكل منهما مسؤلية في أعناق الناس، فلا بد من العمل للحياة، التي خلقها الله لأن نحياها كما أمر الله، ولابد من العمل للموت الذي جعله الله بابا للحياة الأخرى التي يلقى فيها كل عامل جزاء ما قدمت يداه، وبالموت والحياة تتم الحكمة الإلهية من خلق الإنسان، وهو ابتلاؤه بطاعة الله، وامتحان سلوكه في الحياة وجزاؤه عليه بحسابه في أخراه، لذلك جاء التعقيب على خلق الموت والحياة، بقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، بالغا في تجلية هذه الحكمة مداه.
ثم أحس بسر عميق يكمن في ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ﴾، وهو أن الناس يغفلون عن حقيقة الموت، ويعتقدون أنه عدم محض، لا ينتاوله الخلق، فجعله هذا التعبير القرآني المعجز، كائنا وجوديا قائما بنفسه، يتناوله الخلق، وتتوقف عليه حكمة الحياة، ويحسب له كل حساب، بل إن مرحلة الحياة ليست إلا استعدادا للمرحلة الطويلة التي تبتديء بالموت، وتنتهي إلى الحياة التي لا تنتهي بالموت، وهي الحياة الحقيقية، التي أحسن التعبير عنها أبو العلاء المعري إذ قال:
خلق الناس للبقاء فضلت ... أمة يحسبونهم للنفاد
إنما ينقلون من دار أعما ... ل، إلى دار شقوة أو رشاد
هذا الموت، هذا الكائن الجبار، هذا العملاق الهائل المفزع الذي تطأطيء
стр. 334
له الرؤوس، وتعنو له الجباه، ويأتي على كل عظيم وحقير في الحياة، هو الذي يجب أن يكون الدرس العملي الذي يذكركم- أيها العتاة الطغاه- بالنهاية الحتمية للحياة، فتحدون من غروركم، وتطمئنون من كبريائكم، وتستعدون للقائكم بجبار السموات والأرض، ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.
وبعد، فإن فلسفة الموت، هي فلسفة الحياة، فمن عرف الموت، فقد عرف الحياة، ومن هنا قال- ﵊: "كفى بالموت واعظا" أي كاشفا عن تفاهة الحياة، صارفا عن الغرور بها، مذكرا بوجوب الاستعداد للقاء الله، ولله در عمر إذ يقول: (فضح الموت الدنيا).
стр. 335
الغرور
ما أقوى مفعول هذا المرض، وما أشد فتكه بالنفوس، وما أكثر ما يتوالد عنه من أمراض، وما أسرعه إلى رجال الفكر والعمل، وما أبعد المبتلى به عن معرفته بنفسه وتواضعه لإخوانه وانقياده للحق، واعترافه بالخطأ ورجوعه إلى الصواب!!!
والمغترون أنواع وأشكال: فمنهم المغتر بماله وولده، ومنهم المغتر بعلمه وعمله ومنهم المغتر بشعره وأدبه، ومنهم المغتر بمنصبه ووظيفته، ومنهم المغتر بزيه وشارته، ومنهم المغتر بجماله ووسامته، والكل جاهل لقدره، غافل عن حقيقته، مستدرج بما سيق إليه، مفتتن بما منح إياه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾، ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ ..
فلا عجب- وهذا المرض بهذه الخطورة- أن يقاومه الإسلام مقاومة تستأصل جذوره، وأن يزيح الستار عن مخازيه بما يفضح كل مغرور ويكشف غروره.
ولما كان الغرور ينشأ من غفلة المغرور عن أصل خلقته ومادة تكوينه، كان القرآن لا يفتأ يقرع سمعه بمثل قوله- تذكيرا بأصله-: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾.
قال عبد الله بن مطرف، للمهلب بن أبي صفرة- وقد رآه لابسا حلة، وهو يسحب ذيلها على الأرض ويمشي الخيلاء-: ما هذه المشية التي يبغضها الله ورسوله؟ قال: أما تعرف من أنا؟ قال: بلى، أعرفك أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة،
стр. 336
وحشوك فيما بين ذلك- بول وعذرة ففيم الخيلاء؟ وعلام الكبرياء؟ فخلع المهلب الحلة ورمى بها إلى خادمه.
وإذا كان كل من الإنس والجن يرى أنه المخلوق الممتاز فتحدثه نفسه بالغرور فقد أشعر الله كلا منهما بأنه خلق من شيء تافه ضعيف لا يوحي بالغرور، إذ يقول للإنس: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾، كما يقول عن الجن: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ وإن هذه الومضة المشرقة التي تواجهنا في لفظة (مهين) لتذكرنا وتفتح بصائرنا على المادة الأولى التي خلق منها هذا المخلوق المغرور المتكبر، وهي التراب التافه الرخيص الذي تدوسه الأقدام وتطؤه النعال.
وإذا منح الله الإنسان قوة شخر له بها كل ما في البر والبحر، فكانت هذه القوة من أعظم دواعي الغرور في نفسه، فليتذكر أن بقة واحدة تسبب له من الآلام، ما يمنع جفونه أن تنام، ولله در ابن أبي طالب ﵁ إذ قال: "مسكين إبن آدم: محدود الأجل، محسوب العمل، طويل الأمل تؤلمه البقة، وتنتنه العرقة، وتقتله الشرقة".
فمن أية الطرق- يا ترى- يأتي الغرور إلى الإنسان؟ وهو لو اجتمعت له كل أسباب النجاح، وتوفرت لديه كافة ألوان السعادة، لأبعد خيال الغرور عن نفسه، علمه أنه صيد الحمام، وأنه- لا محالة- مفارق كل ما يغتر به ويعتز بوجوده في يوم من الأيام؟ ولله در من قال: (ما أصنع بدنيا، لو بقيت لها لم تبق لي، ولو بقيت لي لم أبق لها). ولما حضرت معاوية الوفاة، جمع أهله فقال لهم: (ألستم أهلي، وعليكم حزني، ولكم كدي وكسبي؟ قالو!: بلى قال: فهذه نفسي خرجت من قدمي، فردوها علي إن استطعتم، ثم بكى وقال: من تغره الدنيا بعدي"؟ ولكن المغرور أبعد ما يكون عن ذكر الموت، لأن من ذكر الموت نسي الغرور، فإن كل ما في هذه الحياة من متع وملذات، سماه الله متاع غرور، إذ قال: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.
ومن علامات المغرورين التطلع للشهرة وحب الثناء، وذيوع الصيت، والإستئثار بالمناصب والاستبداد بالرأي، واللجاج في الخصومة، كل ذلك قاومه الإسلام، دين التواضع والتسامح، والتشاور والتعاون، والتضامن، والرجوع إلى الحق، والرضوخ لرأي الجماعة.
стр. 337
والنبي ﷺ قد أعلن حربا شعواء على هذا الداء الوبيل، بأفعاله وأقواله، فكان مثال التواضع لأصحابه، بحيث لا يتميز من بينهم وإذا رآهم يقومون له قال: لا تقوموا لي كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضا، وإذا رآهم يطرونه (يمدحونه) قال: لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم، إنما أنا عبد الله فقولوا: عبد الله ورسوله، ودخل عليه أعرابي فجعل يرتعد هيبة من رسول الله ﷺ فقال له: هون عليك، فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد، وسمع بعض أصحابه يثني على رجل في المجلس، فقال له: عقرت ظهر أخيك" وما أبلغ هذا التعبير في أبراز عاقبة هذا الثناء الذي يحرك دواعي الغرور ويوهم المغرور أنه بلغ غاية الكمال، فلم يعد بحاجة إلى مواصلة السعي في طريق الكمال، فيكون هذا الثناء كأنه عقر لظهره، ولذا كان ﵊ يقول: "إذا رأيتم المداحين، فاحثوا في وجوههم التراب" حتى لا يغتر الناس بهذا المدح فيصرفهم عن طلب الكمال، والناس يغرهم الثناء، لا الغواني فحسب، كما يقول شوقي:
(والغواني يغرهن الثناء) حاشا أحياء الضمائر، وأيقاظ القلوب أمثال عمر بن عبد العزيز الذي قيل له: (جزاك الله عن الإسلام خيرا) فقال: بل جزى الله الإسلام عني خيرا.
стр. 338
الكفاءة
قال ﵊: "إذا وسد- أسند- الأمر إلى غير أهله، فانتظروا الساعة). ينبهنا هذا الحديث العظيم إلى علة مبيدة متلفة، من عللنا الاجتماعية المختلفة وهي قيام نهضتنا على جهاز تندس فيه بعض العناصر التي لا تصلح لأن تكون في الأساس لأن الأساس يجب أن يتكون من حجارة قوية صلبة تثبت لما يقوم عليها من بناء، وإلا تضعضع البناء ثم انهار، وأدركه الدمار.
لذلك نرى المجتمع الإسلامي الأول قد قام على دعائم ثابته قوية، من أمثال إلى بكر وعمر وعثمان، وعلي وباقي العشرة المشهود لهم بالجنة وما ثبتت لهم شهادة الصادق الأمين بالجنة، حتى ثبتوا معه، ثبوت الأطواد في إقامة دعوته على دعائم ثابتة، راسخة، ضمنت لها الخلود والبقاء، ومن أحق بالجنة من هؤلاء الذين تكونت منهم أسرة الإسلام الأولى؟.
هذه العلة تولدت من علل أخرى كثيرة، أبرزها تلك العلة الفاتكة، التي خصصنا لها الفصل السابق، وهي: الغرور ولا عجب فالعلل تتوالد، كما تتوالد الجراثيم.
فهذا الغرور زين لكثير من السطحيين وبسطاء التفكير، أن يبرزوا في الميدان ويزاحموا بمنكبهم الضعيفة، ذوي المناكب القوية، في تشييد صرح النهضة وإقامه أساسها ويمكننا أن نسمي هذا النوع من الغرور تطفلا، إذ يحمل أصحابه على التطلع لمراتب لم يخلقوا لها، ويوحى إليهم بالتطاول إلى مقامات ليسوا من أربابها، ومن ثم يمكننا كذلك أن نسميه تنطعا، والتنطع أن تتكلف ما لا تحسن، أو ما لا يتسع له طوقك
стр. 339
وذرعك، وهو داء قلما سلم المصابون به من آثاره السيئة، وعواقبه الوخيمة، ومن هنا قال- ﵊: "هلك المتنطعون"، إذ لو عرف كل متنطع منزلته فوقف عندها، أو تواضع لله فوقف دونها لما ارتطمنا بهذه المشكلة، ولما تعرض هنا لآفتها وسوء عاقبتها.
وأيا كان اسم هذا الداء، فإن الحديث يبرز سوء عاقبته في صورة مهوله مفزعة، تقشعر منها الأبدان، وتبعث الرعب في النفوس، وتثير الخوف في القلوب، وتشعر اليأس من تلا في الأمر، وإمكان النجاة إنها قيام الساعة، وكفى بها هولا وفظاعة، هكذا: "إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة".
وقيام الساعة كناية عن اختلال الأمور، وانتشار الفوضى، وانقلاب الأوضاع، وخراب المجتمع، كما يحدث عند قيام الساعة، ولا غرابة في ذلك فإن العالم يقوم على قواعد ثابتة، وأنظمة محكمة فمتى سرى الاختلال والفساد إلى هذه القواعد والأنظمة فقد قامت قيامة العالم وإدركته نهايته.
وقد عرف العرب قديما، هذا الداء فقالوا: (أعط القوس باريها) وقال شاعرهم:
يا باري القوس بريا لست تحسنها ... لا تفسدنها وأعط القوس باريها
فهذه العلة- أن يقوم بالأمر من لا يحسنه- عله قديمة، أصطلى الناس بنارها مند القدم، ولم يتمكنوا من الإفلات منها إلى اليوم، وهي كذلك عامة في كل حركة من الحركات، وفي كل ناحية من نواحي الحياة، تقوى هنا وتضعف هناك، وتعلم في ناحية، وتجهل في أخرى.
فكم متهافت على الزعامة، متهالك عليها، وهو ليس من أهلها ولا من طرازها، ولكن الغرور، وعدم الإعتراف بالقصور، قاداه إلى ما لا تحمد عقباه، فقاد أمته إلى الحمام، وهو يقول: (إلى الأمام).
كم متطفل على التعليم، أفنى عمره في إفساد النشء الصالح وتضليل
стр. 340
الشباب الطامح، فقلب الحقائق، وطمس المعالم، وجاءت على يده البصائر حولا، كما يقول شوقي:
وإذا المعلم ساء لحظ بصيرة ... جاءت على يده البصائر حولا
وكم مدع للطب، جلب الداء، وضاعف البلاء، وأهلك الحرث والنسل وكان كأبي منذر المتطبب الذي يقول فيه الشاعر:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك، بعض الشر، أهون من بعض
وكم من مباشر لمهنة، جهل مهنته، فأضاع وقته، وخان أمته، من حيث يدري أو من حيث لا يدري.
إن تنسيق الأوضاع، وترتيب الكفاءات، وإعطاء القوس باريها، وإسناد الأمر إلى أهله، أمور لابد منها لكل أمة تريد الحياة، ولا سيما هذه الأمة الفتية التي تقف اليوم على عتبة الحياة ة فليعرف كل مواطن، واجبه في إخلاصه لأمته، ولا يتكلف ما لا يحسن، وليجعل شعاره قول عمرو بن معد يكرب:
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
стр. 341
دواء القلب
قال إبراهيم الخواص: دواء القلب خمسة أشياء:
(قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين).
لا مرض، كمرض القلب، ولا صحة كصحة القلب، لأن القلب هو مبعث المرض والصحة لهذا الإنسان، فإذا مرض قلبه فهو مريض، وإذا صح، فهو صحيح، "ألا وإن في الجسد مضغه، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب".
ذلك هو رأي نبي الإسلام- ﵊ في القلب، منذ ما يقرب من أربعة عشر قرنا، وما زال هو الرأي الصحيح، الذي يجب الرجوع إليه، والاعتماد عليه، فما زال قلب الإنسان هو نقطة البدء في صحته ومرضه، ومازال قلب الإنسان هو العامل الأول في سعادته وشقائه، ومازال قلب الإنسان هو السبب الرئيسي في رقيه وانحطاطه، وفي عزه وهوانه، وفي حربه وسلمه، وعلى قدر قيمة هذا القلب وتأثيره في حياة الإنسان، كانت العناية به من ذوي الرأي والحكمة ودعاة الإصلاح، فهم لا يفتأون حراسا على هذا القلب، الذي هو كل شيء في حياة الإنسان، يحمون حماه من كل دخيل، ويبادرون بالعلاج كلما ألم بساحته مرض.
وهذا دواء من أدوية القلب، يتقدم به إلى مرضى القلوب، أحد أطباء القلوب، وهو يتركب من خمسة أشياء كل واحد منها دواء قائم بنفسه يكفي للقضاء على كل داء ينزل بساحة القلب، إذا استعمل بصدق وإخلاص. وأول هذه الأشياء الخمسة:
стр. 342
قراءة القرآن بتدبر، وأي دواء للقلب كالقرآن الذي جعله الله شفاء للقلب، إذ يقول: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ والذي له من التأثير ما يعبر الله عنه بقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ وبقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ أي لكن هذا القرآن، ولكن المشكلة أننا لا نقرأ القرآن بقلوبنا، أو نقرؤه بقلوب مقفلة، أي أننا لا نتدبر القرآن كما قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾؟ وكيف نبيح لأنفسنا قراءة القرآن بلا تدبر، وقارىء القرآن كالمتحدث مع الله؟ كما قال ﵊ "إذا أحب أحدكم أن يحدث ربه فليقرأ القرآن".
ثانيها: خلاء البطن، وكيف لا يكون خلاء البطن دواء للقلب وكل ما نشكوه من بلاء، ناشيء عن هذا الامتلاء، لذا يقول ﷺ : "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن" الحديث، لأن البطن إذا امتلأ ضغط على القلب فران عليه الصدأ، وتكاثف عليه البخار فحجب عنه أنوار الفكر، ومن هنا قيل: (البطنة تذهب الفطنة)، فضلا عن أن امتلاء البطن يورث الكسل، ويجلب النوم الذي طالما فوت على أصحابه كثيرا من أعمال البر، ومن هنا قال عيسى ﵇: يا بني إسرائيل.: لا تأكلوا كثيرا، فتشربوا كثيرا، فتناموا كثيرا فيفوتكم خير كثير.
ثالثها: قيام الليل، أي إحياؤه بضروب من الطاعات والقربات، من صلاة وتسبيح ودعاء واستغفار وإنما كان لعبادة الليل هذا الفضل والإمتياز عن عبادة النهار، لأن الليل أفرغ للبال، وأجمع للفكر، وأبعد عن الضوضاء، وأدعى للسلامة من الرياء، فالعبادة فيه أقرب إلى الإخلاص والصدق، ومن ثم فهي أقرب إلى الله وأحق بالقبول، وأدعى إلى إصلاح القلب وتطهير الوجدان، وتهديب الخلق، ومن هناك كان حث الشارع عليها أكثر:
روى الترمذي عن عبد الله بن سلام ﵁ أن النبي ﷺ : قال: "أيها الناس افشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام"، وروى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ إمرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء".
стр. 343
ولا يندهش القارىء لقوله ﷺ : "فإن أبت نضح في وجهها الماء"، وليكن شجاعا في الله وفي سبيل إقامة بيته على دعائم ثابتة قوية، ولا يقل أن هذا اعتداء على حق الزوجة فإن الله تعالى يقول: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾، ولكن عفوا، فأين الزوج الذي يقوم الليل في زمن قل فيه المحافظون على أداء الفريضه في وقتها، فكيف بقيام الليل الذي لا يتعرض الشيطان لشيء كما يتعرض له؟
أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يعمد الشيطان على قافيه رأس أحدكم، إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله تعالى انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقده كلها، فأصبح نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان".
رابعها: التضرع عند السحر، والتضرع هو الخضوع والتذلل في الإلتجاء إلى الله والرجوع إليه في طلب الحاجات، وخير ظرف لذلك هو وقت السحر حيث يكون القلب على نقائه وطهره وفراغه من شواغله المادية، وبعد أن يكون قد توسل إلى الله بخير الوسائل وأحبها إليه وهي قيام الليل، فالدعاء المرجو الإجابة، ما كان بعد توثيق الصلة بالله، وتوكيد الزلفة إليه بما رغب فيه من طاعة وشرعه من عباده.
خامسها: مجالسة الصالحين، وما أعظم نفع هذا الدواء، ولكن ما أعظم زهدنا فيه، وأشد غفلتنا عنه، فإن عدوى الآفات الروحيه أشد تأثيرا من عدوى الآفات البدنية، والبذرة الصالحة تفسدها البيئة الفاسدة، وشياطين الإنس أشد ضراوة وأكثر شرا من شياطين الجن، بل لولا شياطين الإنس لما كان لشياطين الجن كل هذا السلطان علينا، وخير للعاقل الحازم إذا أعوزه الجليس الصالح أن يفزع إلى مجالسة المصحف، أو مصاحبة الكتاب، أو ملازمة المسجد، متى فرغ من كفاحه الاجتماعي في الخارج، وأن يكون على حد قول القائل:
وحدة الإنسان خير ... من جليس السوء عنده
وجليس الخير خير ... من جلوس المرء وحده
стр. 344
فلنجرب هذه الخمسة في إصلاح قلوينا، فنحن أحوج ما نكون إلى إصلاح قلوبنا ولا سيما في هذا الدور الحاسم الذي تجتازه الأمة، والذي ألزم ما يلزم له، قلوب طاهرة نقية متحدة متآخية ..
стр. 345
الحسد
كتب إلي أحد القراء الأدباء يقترح علي أن أتناول هذا الداء من أدواء القلوب، بفصل من هذه الفصول، وكان ذلك منذ أيام ... وبعد كتابة الفصل السابق في مرض القلب ودوائه، رأيت أن الفرصة قد سنحت لتلبية هذا الطلب، وتحقيق رغبة هذا الأخ.
قيل للحسن البصرى: أيحسد المؤمن أخاه؟ قال: لا أبا لك، أنسيت إخوة يوسف؟ يشير الحسن بذلك إلى حسد أبناء يعقوب ليوسف- أخيهم لأبيهم- وإلقائهم له في الجب، لما رأوه من إيثار أبيهم إياه ولاسيما بعد أن سمع منه رؤياه، التي يشير إليها قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، وليس مبعث هذا الكيد من أبناء- يعقوب لأخيهم إلا الحسد.
- إذن- فالحسد، لا يكاد يسلم منه أحد، وهو داء قديم مزمن، رافق الخليقة منذ نشأتها، حتى قيل: (الحسد أول ذنب عصى الله به في السماء- يعني حسد إبليس- وأول ذنب عصى الله به في الأرض- يعني حسد أحد أبناء آدم لأخيه حتى قتله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، وليس مبعث قتل هذا الأخ لأخيه إلا
стр. 346
الحسد، ومن هنا قال حاتم الأصم: "أصل الطاعة ثلاثة أشياء: الخوف، والرجاء، والمحبة، وأصل المعصية ثلاثه أشياء: الكبر، والحرص، والحسد" نعم يبعث على الطاعة واحد من ثلاثة، أو ثلاثة مجتمعة: خوف عقاب، أو رجاء ثواب، أو محبة صادقة، كتلك المحبة التي تحدثت عنها رابعة العدوية عندما قال لها سفيان الثوري لكل عبد شريطة، ولكل إيمان حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ قالت له: ما عبدت الله خوفا من النار، فأكون كالأمة السوء، إن خافت عملت، ولا حبا في الجنة، فأكون كالأمة السوء، إن أعطيت عملت، ولكني عبدته حبا له وشوقا إليه وأول ما دفع إلى المعصية ثلاثه أشياء: الكبر ويتمثل في تكبر إبليس عن السجود لآدم، والحرص، ويتمثل في حرص آدم وحواء على الأكل من الشجرة المحرمة، والحسد، ويتمثل في كيد إبليس لهما حتى أخرجهما من الجنة، وفي قتل قابيل لأخيه هابيل ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾.
وإذا كان الحسد قديما أصيلا، فهو داء عقام عياء، يعز دواؤه، ويتعذر شفاؤه، كالشجرة كلما غاصت أصولها في الأرض استعصى اقتلاعها:
[كل العداوات قد ترجى إماتتها ... إلا عداوة من عاداك من حسد]
وقال معاوية: كل الناس أستطيع أن أرضيه إلا حاسد نعمة، فإنه لا يرضيه إلا زوالها. ولكن الحاسد ينال- على ذلك- جزاءه العادل العاجل بما يعتلج في إحشائه، من نار الحسد القاتل، (ولله در الحسد ما أعدله، بدأ بصاحبه فقتله)، بل إن بلاء الحاسد ليتفاقم ويتزايد حتى يستلفت نظر المحسود ويسترعى انتباهه، فيستدر رحمته وعطفه بمثل قول القائل:
إني لأرحم حاسدي لحرما ... ضمنت صدورهم من الأوغار
نظروا صنيع الله بي فعيونهم ... في جنة وقلوبهم في نار ...
لا ذنب لي قد رمت كتم فضائلي ... فكأنني برقعت وجه نهار ...
وسترتها بتواضعي فتطلعت ... أعناقها تعلو على الأستار ...
وقال ابن المقفع: (أقل ما لتارك الحسد في تركه أن يصرف عن نفسه عذابا ليس بمدرك به حظا، ولا غائظ به عدوا، فإنا لم نر ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد، طول أسف،
стр. 347
ومحالفة كآبة، وشدة تحرق، ولا يبرح زاريا على نعمة الله ولا يجد لها مزالا، ويكدر على نفسه ما به من النعمة، فلا يجد لها طعما، ولا يزال ساخطا على من لا يترضاه، ومتسخطا لما لن ينال فوقه، فهو منغص المعيشه، دائم السخطة، محروم الطلبة، لا بما قسم له يقنع، ولا على ما لم يقسم له يغلب، والمحسود يتقلب في فضل الله مباشرا للسرور، منتفعا به ممهلا فيه إلى مدة، ولا يقدر الناس لها على قطع وانتقاص. فإذا كان الحسد ينال من صاحبه هذا المنال، ويجر عليه هذا الوبال، دون أن يصل إلى غرضه السيء من أبطال تدبير الله وصرف نعمه عن خلقه فلم لا يريح نفسه من جهد بلا فائدة، وعناء بلا غناء، ويصنع ما يصنعه التاجر الكيس الذي لا يقدم على تجارة يتحقق فيها الخسارة، أو يفعل ما فعله ذلك الأعربي الفطن، الذي يروي لنا الأصمعي قصته اذ يقول: رأيت أعرابيا قد أتت له مائة وعشرون سنة، فقلت له: ما أطول عمرك! فقال: تركت الحسد فبقيت! ثم لماذا الحسد، كل ما يتكالب عليه الحساد، يؤول إلى زوال، ويصير إلى نفاد؟.
[لو فكر العاشق في منتهى ... حسن الذي يسبيه لم يسبسه]
وإذا كان في هذه الحياة شيء يستحق أن يتحاسد الناس عليه، فهو ما أشار ﷺ إليه إذ قال: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها".
على أن المراد بالحسد في الحديث هو التنافس أو الغبطة التي هى تمني مثل ما للنايس من نعمة، لا الحسد على بابه، وهو تمني زوال النعمة على الغير، أو أن المراد، أن الحسد إذا حسن في شيء ففي هذين، أي في أن تنفع المجتمع بأحد شيئين: وهما المال والعلم، وأي شيء أنفع من المال، الذي هو قوام الأعمال؟ ومن العلم الذي صلح عليه أمر الدنيا والدين، والذي لا يصلح عمل ولا عبادة بدونه، فكان- لذلك- أول ما نادى به هذا الدين، في أول آية نزلت من كتابه المبين؟ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ ولكن يجب أن لا يغتر الأغنياء أو العلماء، فلا عبرة بمجرد الغنى أو العلم، وإنما العبرة بالنفع في الغنى والعلم، وهو ما يصرح به ﷺ في هذا الحديث إذ قال عن صاحب المال: (فسلطه على هلكته- إفنائه- في الحق) وإذ قال عن صاحب الحكمة- أي العلم-: (فهو يقضي بها ويعلمها).
стр. 348
أما الغني لحب التفوق والاستعلاء، والعلم لحب الظهور، وللجبروت والطغيان (وللعلم طغيان كطغيان المال) فلا يجلبان إلا الحقد والبغضاء من الناس، والسخط والمقت من الله، وتلك هي التبعة بلا ثمرة، والتجارة بلا ربح، وهو ما وقع فيه أكثر أغنيائنا، ومعظم علمائنا: (وما تصنع بالسيف إذا لم تك قتالا؟) وبعد، فإن الحسد آفة من آفات المجتمع التي تفتك بوحدته وتنخر في هيكل تضامنه، ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى الوحدة والتضامن ومن ثم فنحن أحوج ما نكون إلى مقاومة هذه الآفة والتطهر منها، وقانا الله شر الحسده.
стр. 349
الحرص
بعد كتابة مقال (الحسد) خطر لي أن أستوفي الكلام في أصول المعصية الثلاثة التي هي (الحسد) و (الكبر) و (الحرص)، بالكلام على (الحرص)، أما الكبر فقد أخذ حظه في مقال الغرور.
الحرص، شبيه بأخويه: (الحسد) و (الكبر)، فإذا كان الحسد عدو الإنسانية لأنه يتمنى لها الحرمان، وكان (الكبر) لا يقل عن الحسد عداوة للإنسانية، لأنه يتكبر عليها ويطلب الاستعلاء على أبنائها بغير حق، فإن الحرص لا يتخلف عن أخويه في المضمار فهو يريد الإستئثار بكل شيء، والاستيلاء على الضروري والكمالي من مطالب العيش، ووسائل الحياة، إنه جوع النفس الذي لا يسده شيء، والذي عبر عنه أحسن تعبير قوله ﵊: (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى الثالث ينفق منه) الحديث، هكذا: (لتمنى الثالث ينفق منه) فهو دائما يطلب المزيد، لا يقف عند حد كالذي يجرى وراء خياله، وكأن شاعر المهجر قد طاف خياله في هذا الأفق إذ قال:
جوع النفوس، هو الجوع الذي عجزت ... عن سده هذه الدنيا وما تسع
نعم جوع النفوس، هو الجوع الذي لا يشبع، هو الجوع الذي لا يسده شيء في هذه الدنيا، هو الجوع الذي شرد النوم عن عيون الأغنياء، ونفى الطمأنينة عن قلوبهم، حرمهم الكنز الذي لا يفنى، وهو القناعة، فعاشوا جياعا، لمان كانوا شياعا، وقضوا
стр. 350
دنياهم فقراء، وإن كانوا أغنياء، وهم في أخراهم، أشد ضرا منهم في دنياهم، لأن حرصهم في دنياهم أعماهم، وأنساهم أخراهم، فحق عليهم بذلك قول علي ﵁
في البخيل-: (يعيش البخيل في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء)، ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾، إنه الجوع الذي ولد التذلل والخضوع، لأنه ولد الطمع والجشع، والنفاق والملق، والبخل والجبن، وولد الغش والخداع، والسرقة والخيانة، وولد الشر والفساد، والظلم والإستعباد، وولد الحرب والاستعمار، والخراب والدمار، وأهلك الحرث والنسل.
ذلك هو الحرص، داؤنا القديم، الذي لقحت به دماء أبينا الأول وجعله لا يقنع بكل ما في جنان الخلد من الطيبات، وأفانين المشتهيات ودفع به إلى معصية ربه، الذي خلق الجنة من أجله، وأغراه بالأكل من الشجرة التي نهاه عنها، فكان جزاؤه إخراجه من الجنة وحرمانه منها، إلى دار حلالها حساب، وحرامها عقاب، وبذلك كان الحرص أحد أصول المعصية الثلاثة، وبقى لقاحا خبيثا في دمائنا لا نتخلص منه قبل أن نقضي أيامنا المعدودة في هذا المنفى البغيض اذي أخرجنا إليه من جنة الخلد ودار الكرامة، عقابا
لنا على مخالفة الأمر الإلاهي التي أغرانا بها الحرص اللجوج، عقابا يبقى لنا درسا بليغا وذكرى خالدة أليمة، تذكرنا بعاقبة الحرص الوخيمة، حتى لا نقع في حبائله مرة أخرى فنحرم الجنة إلى الأبد، ولنعلم أن ما أخرجنا من الجنة- وهو الحرص- لا ندخلها قبل أن نتطهر منه، ونبتعد مدى حياتنا عنه، ولكن إبليس- عدونا الأكبر- الذي دبر هذه المؤامرة، وجرب هذا اللقاح، واستغل فينا هذه الغريزة اللجوج لحرماننا من دار النعيم المقيم، مازال لم يطفيء غلته ما أحرزه من نصر على خصمه، فيقف لأبنائه في طريق عودتهم إلى الجنة يصدهم عنها، ويستغل فيهم نفس الغريزة التي استغلها في أبيهم من قبل، وأوتي من الحرص في هذا الإغواء ما لا يماثله إلا حرص الأنبياء على الإهداء، وما أبدع قول الأستاذ الإبراهيمي في أحد دروسه النافعة، عند قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ الآية: (من طبيعة الشيطان الحرص، فهو إذا وجد منا يقظة لم ييأس، بل خنس بنتظر أن تحين منا غفلة، ليعيد الكرة)، ولسوء حظنا اجتمع- لإغوائنا- حرصان حرصنا المركوز في طبائعنا، وحرص إبليس على إغوائنا، فلا عجب أن يقول ﵊: "يشيب ابن آدم وتشيب معه خصلتان: الحرص، وطول الأمل"، وطول الأمل هو علة العلل، وهو الباعث على
стр. 351
الحرص، وهو الذي يجعل الحرص على الحياة، أبعد مدى وأطول عمرا من الحياة، "خط رسول الله ﷺ على الأرض خطين، أحدهما أبعد من الآخر، وقال: هنا الأمل- وأشار إلى الخط الأقرب- ثم قال: وهنا الأمل- وأشار إلى الخط الأبعد-"، أي أن الإنسان يؤمل أبعد مما يعمر، وإذا طغى طول الأمل بصاحبه إلى هذا الحد، ران على قلبه، وأعماه، وأنساه أخراه، وجعل إلاهه هواه، وذلك هو الأمل الذي يعصف برؤوس الذين لا يؤمنون بالله، في قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، وليس من ذلك الضروري من الأمل الذي يبعث على صالح العمل، ولا الحرص الممدوح الذي هو الطموح إلى معالي الأمور، فإن النبي ﷺ يقول: "إن الله يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها﴾.
فلولا هذا الطموح، لما كان سعي إلى خير، ولا تنافس في فضل، ولا تسابق إلى كمال، ولغدت الحياة صحراء جرداء خرابا يبابا.
فخير- إذن- من الحرص وطول الأمل، الطموح إلى معالي الأمور، والسعي الموفور في ميادين العمل.
стр. 352
كلمة إلى القارئ
والآن وقد فرغت من كتابة هذه الفصول وتقديمها إليك- يا قارىء العزيز- فقد بقي عليك أن تقوم بالدور الإيجابي والخطوة الحاسمة بجعل هذه الفصول حية تعيش كما يعيش الأحياء في سلوكك وعملك وذلك بإخضاع سلوكك وعملك لها، وتطبيقك لمنطوقها ومفهومها، وبذلك تعطي لهذه الفصول قيمتها الأساسية وتبرز أثرها العملي في دنيا الواقع، فما كتبت هذه الفصول لتقرأ ثم تطوى وتصبح نسيا منسيا، كما يفعل الناس بالروايات والأقاصيص، وإنما كتبت لتحقق أغراضها وتصل إلى أهدافها بتغيير أوضاعنا السيئة والتمهيد لإعادة المجتمع الإسلامي الأفضل.
فهل تعين على تحقيق هذا الغرض، وإصابة هذا الهدف، وبلوغ هذه الأمنية يا قارىء العزيز-؟ ...