من عبر الزلزال
كانت فترة حاسمة تلك التي قضيتها أمام دور الأصنام المحطمة،- التي أحالها الزلزال، إلى شبه أطلال، والتي،- عندما تراءت لعيني- وجدتني أتمتم بقول الشاعر:
بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه
حقا، وقفت أمام هذه الدور المحطمة الوقفة التي وقفها هذا الشاعر قبلي على أطلال من أحبهم قلبه، وصفا لهم وده، بل لعل هذه الوقفة أدعى إلى الحزن وأبعث على الألم والحسرة، وأين تقع فجيعة من أضاع خاتمه من فجيعة من أضاع شعبة من قلبه أو حطم أحد جناحيه.
وقفت خاشعا واجما ساكنا كأنني أحد هذه الأعمدة الباقية بعد الضربة القاضية، وتراءت أمام خيالي- خلال هذه الفترة- أطياف عابرة من الأمم الغابره، التي طواها الزمان، وعفى عليها النسيان، وطفرت- أمام عيني- أطياف أخرى من مواكب الأزمنة المتلاحقة، وما يخبئه الغد الرهيب لهذه الفلول الباقيه من تعساء الإنسانية التائهة في بيداء هذه الحياة التافهة، من هذا المصير المحتوم، فيصبح- مثل هؤلاء الذين نقف الآن على أطلالهم- أثرا بعد عين، وهكذا الحياة من بدايتها إلى نهايتها، رواية متشابهة الفصول متماثله المشاهد، والإنسان هو الإنسان من ولادته إلى موته، لا تموم هذه الأحداث من صغره، ولا يعتبرآخره بأوله. وبينما أنا مستغرق في هذه التأملات، أستجلي العبر من هذه المثلات، وأسكب ما صنته من عبرات، على هذا الجانب الخصيب، من الوطن الحبيب، الذي استحال حطاما وعاد أنقاضا، وإذا
стр. 282
بأحد الرفاق في هذه الرحلة، يجذبني من طرف ثوبي ويلفتني إليه قائلا: تعال واسمع، فهذا زلزال آخر ينسيك هذا الزلزال الذي ما يزال أثره عالقا بنفسك، آخذا بلبك، فالتفت في فزع ودهش، واستفسرته النبأ فقال: الآن وصلت رسالة من طفل إلى والده يقول له: إن لم تسرع إلي انتحرت،- ذلك لأن هذا الطفل من هؤلاء الأطفال الذين اضطرهم هذا الزلزال إلى أن يأووا إلى معهد من المعاهد الدينية الكاثوليكية خارج البلاد المصابة بالزلزال- وأخذ الطفل بعد ذلك يقص على والده كيف أنهم سلموا إلى راهب ناولهم نوعا من الحلوى أنكروها وكرهوها، وأنهم لا يكادون يذوقون مناما، لما يحسونه من ضغط على شعورهم من هذا الجو الجديد الذي لا يرون فيه إلا هذه الصلبان على رؤوسهم وإلا هذه الطقوس الدينية التي لم يعتادوها ولم ينشأوا عليها والتي أحسوا معها بالخوف على عقيدتهم التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم ما حمل هذا الطفل الذكي اليقظ على أن يبادر بهذه الرسالة إلى والده ليبادر بإنقاذه، وإلا انتحر سريعا قبل أن يخسر عقيدته الدينيه التي يرى أصغر طفل في المسلمين أنها كل شيء.
نعم، هذا هو الزلزال الذي يجب أن نكون منه على بال، فليس الزلزال أن تموت مسلما شهيدا تحت الأنقاض، ولكن الزلزال حقا أن تخسر دينك الإسلام، ولو عشت بعد ذلك ألف عام، وأن الموت المفزع لهو موت الروح لا موت الجسد، وأن الإسلام إنما جاء لينقذنا من موت الروح لا من موت الجسد.
إن الذي نخشاه إذن- من هذا الزلزال هو أن يمتد أثره إلى الأرواح التي هي كل شيء، لا قدر الله.
وإني- في النهاية- لأحيى ذلك الطفل الذكي الكيس الذي تنبه في عروقه دم أجداده، دم الحفاظ على التراث الغالي، الذي كاد يضيع بتأثير الوضع الحالي، فكتب تلك الرسالة الثائرة، على الأوضاع الجائرة، ولو كان المسلمون كلهم كهذا الغلام، لانتصر الإسلام. أكثر الله فينا من أمثال هذا الغلام.
стр. 283
طريق العظمة
مهداة إلى الدعاة
نذكر بهذا الشهر- شهر ربيع الأول- ميلاد مصلح البشرية الأعظم: محمد ابن عبد الله ﷺ ، فكلما استنشقنا نسيم هذا الشهر، شممنا في طياته عرف هذه الذكرى العطر، وأنعش أرواحنا عبيرها الزكي، فنجد لذلك يقظة في شعورنا، وقوة في عزائمنا، وانشراحا في صدورنا، وإيمانا بديننا، وتشبثا بآمالنا.
وقد تعودنا أن نأخذ من هذه الذكرى أعظم الدروس، وأبلغ العبر، وقد آثرت هذه المرة أن آخذ من هذه الروضة المعطار، زهورا عبقة الشذا، وأهديها إلى القادة والمصلحين في الأمة الإسلامبة، علهم يجدون فيها ما يجلب العزاء إلى نفوسهم، ويطرد اليأس من قلوبهم، ويزيح العراقيل من طريقهم:
خرج النبي ﷺ يوما إلى الكعبة ليصلي كعادته، فلما كان في الصلاة قال أبو جهل: من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته؟ فقام عبد الله بن الزبعرى فأخد فرثا ودما فلطخ به وجه النبي ﷺ وظهره، فأتى عمه أبا طالب وقال: يا عم ألا ترى ما فعل ب؟ فقال له أبو طالب: من فعل بك هذا؟ فروى له الحادث، فتقلد سيفه ومضى مع النبي ﷺ حتى أي مجلس القوم، فلما رأوه قد أقبل قاموا له، فقال لهم أبو طالب: والله إن قام رجل جللته بسيفي هذا!
ثم قال: يا بني من فعل بك هذا؟ قال: عبد الله بن الزبعرى، فأخذ أبو طالب فرثا ودما، فلطخ وجوههم ولحاهم وثيابهم وأساء لهم القول، فنزل- إذ ذاك- قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ فقال النبي ﷺ : يا عم نزلت فيك آية،
стр. 284
قال: وما هي؟ قال: تمنع قريشا أن يؤذوني وتأبى أن تؤمن بي، فقال أبو طالب:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا
فاذهب لأمرك قد زعمتك ناصحى ... فلقد صدقت وكنت ثم أمينا
وعرضت دينا قد علمت بأنه ... من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتنى سمحا بذاك يقينا
ولا يعجب القارىء من موقف أبي طالب، هذا الموقف من دعوة لا يؤمن بها، فإن في ذلك لآية من آيات الله في نصر دينه والقائمين على نشره وتمكينه، إذ يهيء الأسباب لذلك من قرب أبي طالب من صاحب الرسالة وتربيته له وشدة محبته إياه، بل إن أبا طالب ليصر على موقفه هذا حتى النهاية ويكون آخر وصيته لقومه أن يوصيهم بمحمد ﷺ خيرا أو يحرضم على نصره وتأييده بل الدخول في دينه، فيروى أن أبا طالب حين حضرته الوفاة أوصى قومه وصية جامعة، ولكن كان ما فارق عليه دنياه قوله:
وأنا أوصيكم بمحمد خيرا، فإنه الأمين في قريش، والصديق في العرب، وهو جامع لكل ما أوصيكم به، وقد جاء بأمر قبله الجنان، وأنكره اللسان، مخافة الشنآن، وأيم الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب، وأهل الوبر في الأطراف، والمستضعفين من الناس، قد أجابوا دعوته، وصدقوا كلمته، وأعظموا أمره، فخاض بهم غمرات، فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا، ودورها خرابا، وضعفاؤها أربابا، وإذا أعظمهم عليه، أحوجهم إليه، وأبعدهم عنه، أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها وأصفت له فؤادها، وأعطته قيادها، يا معشر قريش: ابن أبيكم كونوا ولاة لحزبه حماة، والله لا يسلك أحد منكم سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد، ولو كان لنفسي مدة ولأجلي تأخير، لكففت عنه الهزاهز، ولدفعت عنه الدواهي.
وإنما بنصر الله الثابثين على الحق، الدائبين على نصره، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ فإن أبا طالب ما استمات في نصرة الرسول ﷺ حتى رآي استماتته هو في ثباته على ما دعا إليه وإصراره على الحياة له والموت عليه، ويفسر هذا موقفه ﷺ الخالد عندما رأت قريش نشاطه الفذ في بث دعوته ونشرها، ومما نال
стр. 285
آلهتهم وعباداتهم الزائفة، من هذه الدعوة من سهام نافذة فذهبوا إلى عمه أبي طالب فقالوا له: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على ما نحن عليه، من خلافه، فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا وودهم ودا جميلا ثم عادوا إليه مرة أخرى، فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين، فاشتد الأمر على أبي طالب، ولقى النبي ﷺ فقال له: يا ابن أخي إن قومك لد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا- ما كانوا قالوه له- فأبق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، فماذا كان منه ﷺ أيسلم في دعوته وينفض يده مما وكل إليه، كما يفعل ذلك ضعفاء الإيمان وجبناء القلوب في مثل هذه الظروف؟ كلا، بل وقف وقفة المؤمن بربه الواثق بدعوته، وكأنه يسمع هتاف القرآن في أذنه يقول له: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقال كلمته العظيمة الخالدة التي سارت مثلا أعلى في الثبات على المبدإ: "والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر، حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته" ثم قام وذهب فقال له أبو طالب: أقبل يا ابن أخي، فأقبل ﷺ فقال له: إذهب وقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا.
وهكذا العظماء يلحقهم من الأذى ما تنوء به الجبال، ولكن قوة عقيدتهم وصلابة عزيمتهم واطمئنانهم إلى أن الله ناصرهم وأن العاقبة لهم، كل ذلك يهون عليهم ما يقف في طريقهم ويصادفهم في سيرهم من عقبات ومكاره وأتعاب، فيمضون مصممين حتى يصلوا إلى الغاية، ويجنوا ثمر النصر في النهاية.
فلا يضق قادتنا ودعاتنا ذرعا إذا لاقوا ما لاقى أسلافهم من رهق وعنت، فتلك سنة الله في الأولين والآخرين، وليعتقدوا بأن الله سينصرهم- إن كانوا محقين- ولو بعد حين، ولو من غير المسلمين، كما نصر الله نبيه بعمه أبي طالب، ولكن الذي يمضني ويؤلمني أنه يوجد اليوم كثير من المسلمين يمثلون دور أبي طالب: يكتبون ويخطبون داعين إلى تعاليم الاسلام، وهم أبعد ما يكون عن تعاليم الإسلام فصدق عليهم بذلك قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ الذي نزل في أبي طالب!
стр. 286
العظمة التي لم يدركها الهرم
"بأبي من لم ينم على السرير ولم يشبع من خبز الشعير" (عائشة ﵁ ترثي النبي ﷺ
لله ما أعلم عائشة ﵁ بمقاييس العظمة.
الصحيحة، في هذه الكلمة الفصيحة!
ولا عجب، فهي قد فتحت عينيها- كامل المدة التي صاحبت فيها الرسول ﷺ على أكبر عظمة في تاريخ الإنسان قديمه وحديثه، وأتيح لها أن تعيش في جو هذه العظمه، وتعب من فيضها وترشف من عبيرها وتقبس من نورها كل عمرها حتى تلفظ آخر أنفاسها (بين سحرها ونحرها).
فسيرة محمد العظيم ﷺ التي كانت بجميع مشاهدها وفصولها نصب عين هذه الزوجة المثالية- هي التعبير الصحيح عن العظمة الإنسانية، والغاية البعيدة لما يمكن أن يصل إليه الإنسان من عظمة، والتصحيح الأخير لمعنى العظمة، فلا عجب أن تكون عائشة ﵁ من أعلم الناس بمقاييس العظمة.
لو كانت عظمة العظيم بما يملك من مال، أو بما يصل إليه- بخير الوسائل وشرها- من متاع الحياة الدنيا وطيباتها، لكان رصيد محمد من العظمة ضئيلا، ونصيبه منها قليلا، ولكن العظمة- كما ترى هذه الزوجة العظيمة- أبعد ما تكون عن ذلك، فهي قد رأت زوجها العظيم لم ينم على السرير، ولم يشبع من خبز الشعير، (أي السرير الذي ينام عليه كسرى وقيصر وأضرابهما، وإلا فقد كان للني ﷺ سرير
стр. 287
ولكن أي سرير؟، إنه من ليف وكان يؤثر في جسده ﷺ ولقد روي أن عمر ﵁ دخل عليه يوما فلفت نظره خدش في جنب النبي ﷺ من أثر هذا السرير الذي يتعب أكثر مما يريح، فبكى عمر فقال له النبي ﷺ : ما يبكيك؟ قال: تذكرت كسرى وقيصر وما هما فيه من لذة ونعيم، وأنت رسول الله، وقد أثر الشريط في جنبك فقال له ﷺ : "أولئك قوم عجلت لهم طيباتم في حياتهم الدنيا، ونحن قوم أخرت لنا طيباتنا في الآخرة"، وإن تأثير الشريط في جنب الرسول يدل على أن السرير لا فراش عليه، بل ما اتخذ إلا ليكون فراشا أو أن عليه فراشا لا يغطي سائره.- إذن- فالعظمة، هي أن تكبح جماح نفسك، وتخضع شهوتك لعقلك وتشقى في سبيل إسعاد غيرك، وأن تكون كحبة القمح تموت في باطن الأرض ليحيى الناس على ظهرها، وليست العظمة أن تحيى وحدك ولو هلك الناس جميعا كما نسمع عن أكثر عظماء العالم، ولا يحرم الإسلام على الناس طيبات الحياة الدنيا، ولكن العظمة فوق ما يخضع له الناس، فالعظيم يعيش بين الناس، ولكن لا يعيش كما يعيش الناس، وليس الحصول على أطايب العيش مما يعجز العظيم فلقد عرض على النبي ﷺ أن تكون له بطاح مكة ذهبا، فأبى وقال: بل أشبع يوما وأجوع يوما، فإذا شبعت حمدتك وشكرتك، وإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، ولكن في ملاقاة الشدائد والتمرس بالصعاب والمكاره، خير إعداد للعظمة وأعظم توجيه للعظيم، ليستطيع بعد ذلك أن يصمد للعظائم، ويتغلب على الشدائد، والتاريخ أصدق شاهد، فما تغلبت تلك القلة من المسلمين الأولين على الجيوش الجرارة، إلا بعد التغلب على الشهوات التي تخنث الرجولة وتعصف بالبطولة، فلا عجب أن سمى الرسول ﷺ مخالفة الشهوات مكافحتها: الجهاد الأكبر! عندما كان عائدا من إحدى غزواته المظفرة وقال: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، وقيل له: ما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟ فقال: جهاد النفس".
وقد طبع محمد ﷺ أصحابه بطابعه، فكانت عظمتهم احتذاء وامتدادا لعظمته، فكان لهم السلطان المطلق على أهوائهم، وكان انتصارهم على أعدائهم ثمرة انتصارهم على أهوائهم، وكان تقللهم من الطعام، قد عوضهم صحة في الأجسام، وصفاء في العقول والأفهام، وشعورا بما يعانيه تعساء الحظ وأنضاء الحرمان من غصص وآلام، ولا عجب، فالبطنة تذهب الفطنة، والمصطلى بالنار أعلم بحرها.
стр. 288
هذه هي عظمة محمد، وأصحاب محمد: عظمة روحية، ضحوا فيها بالجسم للروح، وبالشهوة للعقل، وبالدنيا للدين، فكانوا المثل الأعلى في الأرض، ونقطة الاتصال بين السماء والأرض، والقدوة والمثال لخلافة الله في الأرض، صلى الله على محمد وصحبه ما بقيت السماء والأرض!.
стр. 289
نماذج من الأخلاق النبوية
اقترح أحد الإخوان عرض نماذج من الأخلاق النبوية، فقلت له: إن أخلاق محمد ﷺ يجب أن تكون قدوة تتبع لا مقالات تكتب، ولا خطبا تلقى، فإن هذا ربما قلل من قيمتها وجعلها من قبيل الحديث المعاد، والمنظر المتكرر الذي لا يلفت النظر، ولا يشغل الذهن، بل لقد ظهرت بوادر هذه الآفة واضحة للعيان، فمنذ أصبحت السيرة النبوية خطبا تلقى في الحفلات، ومقالات تكتب في الجرائد والمجلات، قل تأثر الناس بها، واهتداؤهم بنورها، عكس ما كان عليه سلف هذه الأمة، الذين لم يكونوا يعرفون هذه الحفلات، أو لم يكونوا بحاجة إليها، لأن صلتهم بهذه السيرة لم تنقطع حتى يجدوا أنفسم في حاجة إلى تجديدها بحفلات يقيمونها ليلة المولد من كل سنة، كما نفعل نحن الآن، وإنما كانت هذه السيرة دستورهم في الحياة على مدى الحياة، يسيرون على هداها، ويعملون بمقتضاها، ويدركون جيدا معنى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
ورغم ذلك فإني أعرض- لقرائي الأفاضل- هذه النماذج الحية، والأقباس الروحيه، من الأخلاق النبوية، وأنا خجل من أنني ربما أعرضها للهوان والابتذال، لأنني أعلم أن حظها من أكثر القراء لا يتجاوز حد قراءتها، والإعجاب بها، ثم تنسى كما تنسى مواد القانون المنسوخة وشفيعي في ذلك قوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾.
كان ﷺ عائدا بجيشه من بعض الغزوات، فأدركتهم شدة الحر، فتفرقوا في ظلال الأشجار، طلبا للراحة، وقصد الرسول ﷺ شجرة، علق فيها سيفه ونام
стр. 290
تحتها، فأقبل أعرابي يدعي الغوث من الحارث، فأخذ السيف وأستله وهم بقتله فانتبه النبي ﷺ ، والرجل على رأسه والسيف في يده، وهو يقول: من يمنعك مني يا محمد؟ قال: الله! فسقط السيف من يد الأعرابي، فأخذه النبي ﷺ وقال له ومن يمنعك مني؟ فقال الرجل: كن. خير آخذ، فتركه وعفا عنه، ولما جاء الصحابة وعلموا الخبر، أرادوا قتله فمنعم ﷺ ، فأسلم الرجل ورجع إلى قومه وحدثهم بما جرى فأسلموا جميعا.
وباعه يهودي شيئا إلى أجل، فجاءه قبل الأجل يتقاضاه ثمنه، فقال له النبي ﷺ : لم يحل الأجل، فقال اليهودى: إنكم لمطل يا بني عبد المطلب، فقام إليه الصحابة، وأرادوا قتله، فمنعهم ﷺ ، فقال الهودي: كل شيء منك قد عرفته من علامات النبوة، وبقيت واحدة، وهي أنك لا تزيدك شدة الجهل عليك إلا حلما فأردت أن أعرفها، فأسلم.
"وهذا سر قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. وتقاضاه غريم له دينا، فأغلظ عليه، فهم به عمر بن الخطاب ﵁، فقال له النبي ﷺ : (مه يا عمر، كنت أحوج إلى أن تأمرني بالوفاء، وكان أحوج إلى أن تأمره بالصبر).
وجاءه مال من البحرين، لم يجئه مال أكثر منه فطرحه على حصير، ثم قسمه، فما رد سائلا حتى فرغ منه، ثم جاءه رجل فسأله، فقال: ما عندي شيء، ولكن ابتع علي، فإذا جاءنا شيء قضيناه، فقال عمر: يارسول الله، أكلفك الله مالا تقدر عليه؟ فكره النبي ذلك، فقال الرجل: (أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا).
فتبسم النبي ﷺ وعرف السرور في وجهه.
وسأله رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه وقال: أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقه.
وقال رافع:- مولى رسول الله عليه وسلم-: نزل به ضيف فقال: قل لفلان اليهودي: نزل بي ضيف فأسلفني شيئا من الدقيق إلى رجب، فقال اليهودي: والله
стр. 291
ما أسلفته إلا برهن، فأخبرته فقال: والله، إني لأمين في السماء، أمين في الأرض، ولو أسلفني لأديته، فاذهب بدرعي وأرهنه عنده.
وجاء أسامة بن زيد ليشفع في امرأة سرقت، ووجب عليها حد السرقة، فغضب وقال: أتشفع في حد من حدود الله، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها.
وبعثت زينب بنت الحرث زوجة سلام بن مشكم اليهودي بشاة مسمومة إلى النبي ﷺ ، فجيء بها إليه، فاعترفت بأنها أرادت قتله فقال: ما كان الله ليسلطك على ذلك، فقال بعض الصحابه: أفلا نقتلها؟ فقال: لا.
وكان في سفر فأمر أصحابه بإعداد شاة، فقال أحدهم: علي ذبحها، وقال آخر: علي سلخها، وقال ثالث علي طبخها، فقال ﷺ : علي جمع الحطب، فقالوا: يا رسول الله نكفيك العمل، فقال: قد علمت أنكم تكفونني، ولكنني أكره أن أتميز عليكم، فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه.
وخرج إلى بئر يغستل عندها، فأمسك حذيفة بن اليمان الثوب وقام يستر رسول الله حتى اغتسل، ثم جلس حذيفة ليغتسل فتناول النبي ﷺ الثوب وقام يستر حذيفه عن الناس، فأبى حذيفة وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا تفعل، فابى ﷺ إلا أن يستره حتى اغتسل.
إن هذا الذي يقضي حياته كلها متحريا العدل والإنصاف، وإعطاء كل ذي حق حقه، يقول في حجة الوداع التي ختم بها سفر حياته.
أيها الناس: (من أخذت له مالا، فهذا مالي فليأخذ منه، ومن كنت شتمت له عرضا، فهذا عرضي، ومن ضربته ضربة، فليقتص مني قبل يوم القيامة) ﷺ .
стр. 292
خيار عباد الله
قال أبو بكر الصديق ﵁: (أربع من كن فيه، كان من خيار عباد الله: من فرح بالتائب، واستغفر للمذنب، ودعا المدبر، وأعان المحسن).
حقا، إنها لصورة حية لخيار عباد الله، يرسمها رجل من خيار عباد الله.
إن الرجل من خيار عباد الله- عند أبي بكر- هو من اجتمعت فيه أربع خلال كلها تهدف إلى شيء واحد نبيل، هو نفع عباد الله من الجانب الأسمى، وهو الجانب الروحي الديني.
ولا شيء يتقرب به إلى الله بعد توحيده- كنفع عباده، لقوله ﷺ : "الخلق عيال الله، فأحبهم إليه أنفعهم لعياله"، ولا سيما من ناحية تهذيب طباعهم، وتقويم أخلاقهم، والسمو بأرواحهم، فتلك أكبر ناحية جاء الإسلام لتكميلها، حتى قال ﵊: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
الأولى من هذه الأربع: أن تفرح بالتائب، تفرح بنجاته من سخط الله وتحرره من عبودية نفسه وهواه، وخلاصه من شقاء دنياه وأخراه، وإن في الفرح بالتائب لدليلا على كرم العنصر، وطهارة القلب، وحب للإنسانية وحرص على خيرها وسعادتها، ولا يفرح بالتائب إلا الذي يرى في توبة المذنب أخا جديدا يكسبه ويدخل في خضيرته، ويكثر به عدد إخوانه في الله، كيف لا يفرح المؤمن بما يفرح به ربه؟ ففي البخاري ومسلم والترمذي عن الحرث بن يزيد قال: (قال ابن مسعود ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض
стр. 293
وبيئة مهلكة، معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ فإذا راحلته عنده عليها زاده شرابه، فالله أشد فرحا بتوبه العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده"
والتوبة مطهر فيجب أن تتجدد كلما تجدد الذنب، فإن تأخرت وجبت التوبة من هذا التأخر الذي يعتبر ذنبا آخر، لأن الذنب إذا ترك بدون توبة، كالوسخ الذي يظهر بالثوب فلا يطهر منه، حتى يكثر ويؤثر في الثوب بالبلى، لأن الذنوب إذا تراكمت على القلب تكون منها غشاء عليه يحول دون إحساسه وتأثره بأدوية القلب، وهو الذي سماه القرآن بالران، في قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
ومن هنا يقول الله- : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
ومن رحمة الله بنا، أننا نذنب فإذا تبنا، تاب الله علينا، فكأننا لم نذنب، كما قال ﷺ : "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" لأن الله لم يجعل من طباعنا العصمة من الخطيئة لأننا لسنا ملائكة، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ وإنما نحن بشر معنا أهواؤنا وضعفنا، بل إنه ﷺ يقول: "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون".
وهنا تأتي الثانية من هذه الأربع: وهي الإستغفار للمذنب، فإن الأخوة الدينية تقتضيك أن ترحم أخاك المريض كما تفرح بأخيك الصحيح، والمذنب هو أخوك المريض الذي ضعف عن مقاومة هواه، فإن هذا أحق بأن يهمك وأحرى بأن تعني به، وإن أقل ما تستوجبه رحمتك بأخيك المذنب أن تستغفر له، كما أن أقل ما تستوجبه رحمتك بأخيك المريض أن تدعو له، وإذا كانت التوبة مطهرا، فإن الاستغفار - كذلك- طلبك من الله تطهير من عجز عن تطهر نفسه، وإن الله قد أباح لنا أن نستغفر لإخواننا، بل إن الإسلام يعتبر الإستغفار عبادة، إذ ليس الإستغفار إلا دعاء، والدعاء مخ العبادة، كما في الحديث، ومن صفات كماله تعالى، أنه غفار يغفر كل ما دون الإشراك به، كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ولكن حذار ثم حذار من الاقتصار - على الاستغفار، بل تجب مضاعفة الجهد
стр. 294
في إنقاذ الغرقى، غرقى الذنوب والآثام، وإخراجهم إلى ساحل الحياة، بالمواظبة على الإرشاد والتذكير، والإنذار والتبشير.
وهنا تأتي الثالثة من هذه الأربع: وهي دعوة المدبر أن يقبل والمتخلف أن يلحق والمسيء أن يحسن، وهذا أهم جانب في الموضوع، فإن المسلم جنده الله للدعوة وجعلها مناط شرفه ومعقد عزه بمجرد انتسابه إلى هذه الأمة إذ قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ فهو لم يقرن بالدعوة غير الإيمان فالدعوة إلى الله والإيمان بالله، شرطان أساسيان لبقاء هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس كما أراد لها الله، وشيئان متلازمان للجندية إلإسلامية الحازمة القوية، ومن هنا نعلم أنه ما أدبر المدبر وتخلف السابق وأساء المحسن وسادت الفوضى في المجتمع الإسلامي، إلا بسبب ما أصاب هذا الجانب الأهم جانب الدعوة الرشيدة الحازمة من ضعف وفتور، بل من موت ودثور، فيجب- إذن- أن نضاعف الجهود لتقوية هذا الجانب وتجهيزه بكل ما يلزم له من أدوات ليقبل المدبر، ويلحق المتخلف، ويحسن المسيء، ويجتمع شمل المجتمع المبدد ويتلاقي قطيعه المشرد، ثم هذا الجانب، فأقبل المدبر ولحق المتخلف وأحسن المسيء، وجب الاحتياط لهذا المطيع والسهر على حفظه ورعايته، حتى لا يشرد مرة أخرى، وهو المراد من الصفة الرابعة والأخيرة لخيار عباد الله، فليس من الحكمة أن تجهد، وتنصب مما تنصب للعثور على ضالتك حتى إذا عثرت عليها وأظفرك الله بها، فرطت فيها وتركتها للضياع مرة أخرى.
وهكذا خيار عباد الله يقضون أعمارهم في نفع عباد الله، ليفوزوا بالكنز الذي لا يفنى وهو محبة الله الموعود بها في قوله ﵊: "الخلق عيال الله فأحبهم إليه أنفعهم لعياله".
فكن- أيها المسلم- نفاعا إنسانيا، ولا تكن إنتفاعا أنانيا، فليس أسمى من رسالة النفع العام، التي جاء بها الإسلام، ولا أحط دركة من الإنتفاعيين الأنانيين الذين لا يحسون إلا بوجودهم، ولا يعملون إلا لحسابهم.
стр. 295
سعة الأفق
لا شيء يقف في طريق النجاح كضيق الصدر، ولذا كان من أعظم ما أمتن الله به على نبيه ﷺ أن شرح صدره، ليصبر ويتحمل فينجح في مهمته العظمى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، هكذا ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ وأي ذكر رفعه الله كذكره ﷺ الذي قرنه الله بذكره، كلما أذن مؤذن، وأقام مصل؟ وأي ذكر، ورفعة قدر، كأن تكون كلمة الشهادة مركبة من جملتين، لا يقبل إسلام أحد إلا بالنطق بهما معا هكذا: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد رسول الله)؟ وأن تكون هذه الكلمة:- أشهد أن محمدا رسول الله- آخر مما يطبق عليه المسلم فاه، إذا ودع دنياه؟
وإنما رفعة الذكر، وعظم القدر، من انشراح الصدر، الذي أوجد له ﷺ الأتباع والأنصار، في كل زمان ومكان، ولو كان حرج الصدر، ضيق الأفق، لانفض الناس من حوله، كما قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، ولكن الله حبا محمد ﷺ من سعة الصدر ما جعل سبعمائة مليون من المسلمين (١) تهتف باسمه في كل يوم خمس مرات.
وإن الله إذ يمن على محمد ﷺ سعة قلبه، ورحابة صدره، ليلفت نظرنا إلى أن أصحاب الدعوات، وقواد الحركات، لا يحتاجون إلى شيء كما يحتاجون إلى صدر رحب وقلب كبير، يسع الناس جميعا، وأي دعوة أضخم وأوسع، وأي عبء أثقل وأفدح كالرسالة؟ ولا سيما إذا كانت عامة كرسالة محمد ﷺ .
стр. 296
وقد أدرك موسى- قبل محمد ﷺ عظم التبعة التي ألقيت عليه وخطورة المهمة التي كلف بها، فسأل ربه أن يعينه عليها وييسرها له بانشراح الصدر، وأتساع أفق النفس: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي .. ﴾ وإنها لدعوة شاملة تتجة كلها في خط واحد: إلى ما يعين على القيام بهذا العبء الباهض: قوة جنان، وفصاحه لسان، ومستشار ناصح من الإخوان، إن هذه الأدوات ما اجتمعت لدعوة من الدعوات، إلا كان النصر حليفها، والفوز أليفها، وحبات القلوب تنجذب إليها.
وقد استجاب الله لكليمة دعوته، وآتاه بغيته، يشهد لذلك الواقع التاريخي الذي لا يكذب، إذ أظهره الله على ذلك الطاغية الجبار الذي لم يعرف مثله تاريخ البشرية الطويل، وهو فرعون الذي لم يجد ما يرضي طموحه، ويشبع غروره، إلا أن يرتفع فوق مستوى البشرية ويدعي الربوبية ويقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، بل لا يرضيه إلا أن ينفي الربوبية عن غيره ويدعي انفراده بها ويقول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، كبرت كلمة، وعظمت فرية.
كما يدلنا منطق الآية الصريح إذ يقول- بعد الآية المتقدمة-: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾.
إذن هذا هو السلاح، إنه الصبر في دنيا الكفاح، إنه سعة الصدر، ورباطة الجأش، وثبات القدم، إنه قوة الإيمان، ونصاعة البيان، وفصاحة اللسان، وهذا ما يريد الإسلام، أن يسلحنا به من إيراد قصة موسى ﵇، وهو ما تقوم عليه دعوة جمعية العلماء، بهذه الديار.
إن دعوة جمعية العلماء- سدد الله خطاها- تقوم على تكوين مجتمع إسلامي أصيل يتسلح أفراده بالعقيدة الصحيحة، والخلق النبيل، وتترابط أجزاؤه بالتضامن والتشاور، وتتعامل أسره وطبقاته، بالحب والتآخي، وحسن الجوار، وبذلك تصبح الأمة وحدة قوية متماسكة، تصمد لعوادي الزمان، ونبوات الظلم والطغيان، فموسى لم يتغلب على فرعون بقوة جند أو سلاح، وإنما تغلب عليه بمثل هذا السلاح.
стр. 297
وجمعية العلماء- لرشدها- تؤمن بأن استقلال الشخصية، أولى الخطوات في طريق الإستقلال، لذلك تعطى لمقومات الإسلامية أكبر اهتمامها، ولا تقيم أي وزن لاستقلال لا تصلا إليه الأمة إلا بفقدان شخصيتها، واندماجها في غيرها، وإنما هي تقيم استقلالها على الأسس الصحيحة للشخصية الإسلامية من لغة ودين وتاريخ وعادات.
وبعد، فلا ننسى مما صدرنا به الفصل، من أن انشراح الصدر، خير نعمة وأفضل أداة للنجاح في الحياة، وإذا كانت الحياة الرخية السخية لا تتم إلا بالتعاون، فإن انشراح الصدر من أفضل الوسائل لكسب الأعوان والأنصار بل ما تزال سعة الصدر توسع دائرة الأصدقاء وتكثر عددهم، حتى تكتسح كل شبح للعداوة، ولا يبقى يرف في الأفق إلا روح الصداقة الكاملة، والأخوة الشاملة، وذلك ما يهدف إليه الإسلام في تعاليمه السمحة السامية، وعندما يبلغ العالم هذه الغاية ستطيع أن نقول: إن الإنسانية بلغت رشدها، وقضت من الحضارة وطرها ..
فليتذرع المسلم بهذه الوسيلة، إلى غايته النبيلة، وليتذرع بهذه العدة فهي- وحدها- بكل خير كفيلة، وليتخلق بسعة الصدر، ومرونة الخلق، إن أراد أن تكثر أعوانه، ويلتف حوله إخوانه، وينتفع بما ورد: (من نعم عوده، كثفت أغصانه)، وما أحكم ما فاه به الإسكندر - عندما قيل له-: بم نلت هذه الملكة العظمى- على حداثة سنك- إذ قال: نلت ذلك باستمالة الأعداء، وتصييرهم بالبر والإحسان أصدقاء وتعاهد الأصدقاء بأعظم الإحسان وأبلغ الإكرام.
وإذا كانت في التخلق بهذا الخلق ما يشق على النفس، فلنذكر المثل الحكيم:
(لن تنال ما تحب إلا بالصبر على كثير مما تكره).
стр. 298
الأخوة
لابد لهذا المجتبع الإنساني (تلك الأسرة الكبيرة المتشعبة) من روابط قوية تؤلف بينها، وتمكنها من تعاونها من لغة، ودين، ووطن، ومصاهرة، وأخوة، الخ .. ، وقد راعى الإسلام كل هذه الروابط ومكن لها ودعا إليها، وحث عليها، لأنها تعين على تحقيق ما جاء به من جعل الناس- بالتآخي والتآلف والتعاون- أسرة واحدة، ومن هنا كانت رسالة الإسلام عامة.
والذي يعنينا- هنا- من هذه الروابط، هو الأخوة، إذ هي التي كاد يطويها الزمان، ويعفى عليها ذيل النسيان، مع أن الإسلام قد اعتبرها الرابطة العامة، والجامعة الكبرى بين أبناء الإسلام، إذ قال- تعالى-: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ بل، إن هذا التعبير بأداة الحصر هكذا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ يؤدي أكثر من ذلك، إذ ينفي ويمنع أن يكون المسلم غير أخ للمسلم.
وللأخوة الإسلامية فوائدها وثمراتها، والحديث الصحيح يتكفل ببيان ذلك إذ يقول: "المؤمن كثير بإخوانه" وإذ يقول: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما، ستره الله يوم القيامة".
إنه- ﷺ يريد أن الإسلام يجعل من الأخوة قوة أي يجعل من القلة كثرة، ومن الفرد جماعة، وينقل قلة الفرد، إلى كثرة الجماعة، ذلك لأن الأخوة تجعل الأخ لا يظلم أخاه ولا يسلمه، بل يعينه ويحترمه، كما في الحديث
стр. 299
المتقدم،- وإذن- فالوحده التي هي دعامة القوة، أساسها تحقيق معنى الأخوة، ومن هنا باء بالخيبة والفشل هؤلاء الذين بحت أصواتهم في الدعوه إلى توحيد كلمة الأمة، وجمع شتاتها، قبل تحقيق الأخوة بين أفرادها، لأنهم يبنون على غير أساس، كيف تتحد الآراء، وقد تنافرت القلوب؟
وقد نجح الإسلام في توحيد المسلمين، لأنه وحد- قبل ذلك- قلوبهم برباط الأخوة الإسلامية التي أقام أساسها على صخرة صلبه تنبو المعاول عنها، وهي تقوى الله، والحب في الله،: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾، ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾، ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾.
إن هذه الأخوة- أخوة الروح لا الجسد، وأخوة الدين لا الدنيا، وأخوة في الله، لا في المصلحة- التي ربط الإسلام بها ما بين القلوب- لو بقيت للمسلمين لبقي لهم كيانهم وسلطانم، ولكن هذه الأخوة تبدد شملها، ودالت دولتها، وخلفتها أخوة المصالح والأغراض، وأخوة الكاسات والخليلات، تلك الأخوة التي يتباهى بها الشاعر الماجن إذ يقول:
فإن يشرب أبو فروخ أشرب ... وإن كانت معتقة عقارا
وإن يأكل أبو فروخ آكل ... وإن كانت خنانيصا صغارا
والتي يحدثنا عنها التاريخ إذ يقول:
ولي خالد بن عبد الله بن إبي بكرة قضاء البصرة، فجعل يحابي فقيل له في ذلك فقال: وما خير رجل لا يقطع لأخيه قطعة من دينه.
تلك الأخوة التي يعصى بها الله ويطاع الشيطان، والتي تفرق أكثر مما تجمع، والتي يقضى عليها حياته أكثر شباب اليوم.
ولله در ابن المقفع إذ يقول: أبذل لصديقك دمك ومالك، ولمعرفتك رفدك ومحضرك، وللعامة بشرك وتحيتك، ولعدوك إنصافك وعدلك، وصن بدينك وعرضك عن كل أحد.
стр. 300
أيها المسلم: إنه لا بد لك في هذه الحياة الطافحة بالمصائب والويلات من أخ تبثه شكواك، ويعينك على بلواك، فاختره من ذوي الدين والمعرفة، ومن أهل الصدق والمروءة، من مثل أولئك الذين عناهم الشاعر بقوله:
إن أخاك الحق من كان معك ... ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الرمان صدعك ... شتت فيه شمله ليجمعك
فإذا ظفرت بهذا الأخ فحافظ عليه، واحذر أن يفلت من يديك، فقد قيل: أعجز الناس من فرط في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم، والرجل بلا إخوان كاليمين بلا شمال، ولله در القائل:
لعمرك ما مال الفتى بذخيرة ... ولكن إخوان الثقات الذخائر
وإياك ان تصحب كل من سرك لقاؤه، وأعجبك كلامه، فكثيرا ما سر المظهر، وساء المخبر، وفي الناس المنافق، وذو الوجهين، ولا سيما في هذا العصر المادي، وإن الإخوان- كما قال المأمون:- ثلاث طبقات: طبقة كالغذاء لا يستغنى عنه، وطبقة كالدواء لا يحتاج إليه إلا أحيانا، وطبقة كالداء لا يحتاج إليه أبدا.
وإذا تطلعت نفسك إلى المثل الأعلى للصديق، فاقرأ الأمثلة التالية:
قال محمد الباقر، لأصحابه: أيدخل أحدكم يده في كم صاحبه فيأخذ حاجته من الدراهم والدنانير؟ قالوا: لا، قال: فلسم إذن بإخوان.
وقال ابن عباس: ثلاثة لا أكافئم: رجل بدأنى بالسلام، ورجل وسع لي في المجلس، ورجل اغبرت قدماه في المشي إلي، إرادة التسليم علي، فأما الرابع فلا يكافئه عني إلا الله ، قيل: ومن هو؟ قال: رجل نزل به أمر فبات ليلته يفكر بمن ينزله، ثم رآني أهلا لحاجته فأنزلها بي.
ولما طلب عبد الحميد بن يحيى الكاتب (كاتب مروان- آخر خلفاء بني أمية) حين تغلب بنو العباس عليهم-،كان صديقا لابن المقفع- فاجأهما الطلب وهما معا في بيت، فقال الذين كلفوا بالقبض عليه: أيكما عبد الحميد؟ فكل واحد منهما قل: أنا- خوفا على صاحبه- وخشي عبد الحميد أن يسرعوا إلى ابن المقفع، فقال: ترفقوا
стр. 301
بنا فإن كلا منا له علامات، فوكلوا بنا بعضكم ويمضي البعض الآخر، ويذكر تلك العلامات لمن وجهكم، ففعلوا، وأخذ عبد الحميد.
стр. 302
هل نضب معين الرحمة ؟
كان يوم الأحد- السابع والعشرون من فبراير- وهو آخر أيام الشتاء- يوما عبوسا قمطريرا - اشتد برده، وهطل مطره، وتلبد غيمه، وتسمم جوه، كأن الشتاء الذي لم يبق له من عمره إلا هذا اليوم ثم يقضي نحبه ويلفظ آخر أنفاسه، أراد أن يجمع في مرحلته الأخيرة كل ما فاته في هذا العام من هجماته القاسية، وضرباته القاضية، حتى وجدتني مضطرا للبقاء في المنزل.
وأتاحت لي عزلتي وفراغي، أن أفكر في أشياء كثيرة- وليس الفراغ شرا كله- وقلت: ها أنا الآن في بيتى، مجتمع الشمل بأسرتي، وبين يدي موقد فحم ادفع به غائلة البرد الشديد، وأتقي مفعول الرطوبة المبيد، لا يمسني سوء، ولا ينالني مكروه، من هذه المعركة الدائرة رحاها خارج منزلي، بين الطبيعة، وبين من ساء حظه من أبنائها، فليت شعري، ما حال ذلك الكائن الحقير، الذي يسمونه الفقير؟ وسرعان ما مرت بذاكرتي صور مختلفه متلاحقه، وكان أول ما تمثل لي منها منظر حمالي سوق الخضر، وهم يتلقون ضربات المطر، بأجسام ضاوية، تخرقت عنها أسمال بالية، ومن فوقها السلال الكبيرة الملآى تكاد تعقرها، بحملونها ويسرعون بها إلى السوق على طريق تلبد فوقه الوحل الذي قلما ينجو الماشي عليه من الانزلاق، في مقابل أجز زهيد لا يكاد يسد رمق أطفالهم، الذين ينتظرون عودتهم بفارغ الصبر، قبل أن يهلكم الجوع، الذي لا يرحم.
ثم منظر أولئك الذين يفترشون الثرى، ويلتحفون السماء، دون وطاء ولا غطاء، ويبيتون للعناصر الهوجاء، تفرى جلودهم وتمزق جسومهم وتخدر أعصابهم وتجمد الدماء
стр. 303
في عروقهم، وإذا استغاثوا أغيثوا بهمسات إبليس في أذن البوليس، ليعطف عليهم بركلات، تزيحهم عن الطريق، وتلف بعضهم ببعض، ولا أنسى- ما حييت- ما لفت نظري بين هؤلاء بصفة خاصة من مشهد تلك الأم التعسة التي أحاط بها أربعة كزغب القطا، وقد بدوا- وهم عراة- كأنهم قطع من اللحم قد صبغت بلون أزرق، إذ ظهر أثر جمود الدم في شرايينهم، زرقة على أبدانهم، ولكن الذي لا أنساه أكثر من كل شيء- هو تلك الكلمة التي سمعتها من أحد المارة- وقد آني أحدق- شاود النظر، ذاهل اللب- في هذا المشهد المؤثر (المخجل) فقال لي- بكل وقاحة-: لا يهمك أمر هؤلاء، فليسوا غير تجار فجار، فكأنما طعنت في قلبي بخنجر مسموم، وما تمالكت أن قلت: هؤلاء أيضا تجار قد استولوا على أموالكم؟ ألا ما أربحها تجارة، وما أعلمكم بالتجار الحقيقيين الذين استغنوا على حسابكم، وسلبوكم خيرات بلادكم، أما كفاك ما يتمرغ فيه هؤلاء من تعاسة وبلاء، حتى تطعنهم هذه الطعنة النجلاء؟ لله درك من فيلسوف خطير!
أما صورة أولئك الطوافين والطوافات على المزابل والكناسات، وصناديق القمامات، فكانت آخر الصور تمثلا لخاطري، ومرورا بذاكرتي لأنها- لكثرة مما نشاهدها في عالم الحس- أصبحت مألوفة لنا، لا تثير عجبا، ولا تلفت نظرا.
أيها المسلم: هذه هي الحال السيئة التعسة الشاذة، التي تعيش عليها الآلاف بل الملايين من أبناء دينك ووطنك، فإن كان لك إيمان، فيجب أن تكون لك غيرة، فإن النبي ﷺ الذي آمنت به، يقول: "لا إيمان لمن لا غيرة له"، وإذا كنت تنام قرير العين، لأنك تتمتع بفراش وثير، وغطاء كثيف، ومسكن صحي نظيف، فاذكر أولئك البؤساء التعساء من إخوانك في الدين والوطن، الذين لا يذوقون للنوم طعما، لأنهم لا يتمتعون بما تتمتع به، وإنما تبيت سياط البرد تلهب أبدانهم الهزيلة العليلة، فإن كان لك إيمان، فاذكر قول النبي ﷺ الذي آمنت به-: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، وإذا جعل الله ما توقد من نار، تذكرة بنار أشد منها، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ فإن هذا البرد الشديد يجب أن يذكرك ببرد أشد منه وهو الزمهرير الذي إذا استغاث أهل النار من النار،
стр. 304
أغيثوا به، فيكون ما يلقونه منه أشد عليهم من النار، فيطلبون أن يعودوا إلى النار، فاقتصد قليلا من كمالياتك فقط، لتقوم بواجب الشرف، كما قمت بواجب الجسد، ولتشارك في رسالة النفع العام، ولا يكن همك بطنك وحده، فذلك حظ السوام والأنعام، وحظ الذين كفروا بنعم الله كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾.
فلا جرم كان عمر ﵁، يأخذ درته، ويذهب إلى سوق اللحم، فمن رآه يشتري اللحم يومين متواليين ضربه بالدرة، وقال له:
"هلا طويت بطنك لجارك وابن عمك؟ ".
стр. 305
فروق ...
كتب إلي أحد الموظفين يثني على هذه الفصول ويلاحظ علي أنني أقحمته- أو أدمجته- في الموظفين ولم أستثنه من بينهم- في فصل (حسن التوجيه) إذ يرى أنه- وإن كان موظفا بالاسم والشكل- متميز عن الموظفين بيقظة الشعور وسلامة الطوية وحسن السيرة.
وجوابي إليك وإلى أمثالك ممن امتازوا امتيازك- أيها الموظف الممتاز- أنني- أولا- تحريت الدقة في هذا الموضوع ولم أعمم، بل التزمت القصد إذ قلت- عن الفقيد الرئيس-: لو كان موظفا لربما كان (كأكثر) هؤلاء الموظفين ... فكلمة (أكثر) تخرجك وتحرج أمثالك من هؤلاء الذين لا يهمهم إلا ما يتقاضونه- في نهاية كل شهر- على وظيفة لم يرشحم لها أنهم أحق بها وأهلها، بل لم يرشحم لها إلا عكس ذلك تماما وهو ما يجرح ويقدح فيها، ويعين على القضاء عليها والتخلص منها، هذا إذا كنت كما ذكرت لا ينطبق عليك ما عليه زملاؤك الموظفون، أما إذا كنت عبد الوظيف وعبد الدينار والدرهم، فمكانك من هذه (الأكثرية) لا أستطيع أن أزحزحك عنه لا أنا ولا أي شخص آخر، وإنما أنت وحدك الذي تستطيع أن تفعل ذلك.
ثانيا- إن الوظيف- من أصله طوق من ذهب، يغري بلمعانه البسطاء الأغرار ولكنه يستعبد الأحرار، فمنذ كان الوظيف وقبل أن تعرف الدنيا بلاء الاستعمار، وهو ذلك المخدر القوي الذي يشل الأعصاب عن الحركة، ويكم الأفواه عن النطق، ويحرم صاحبه نعمة حرية الرأي والعقيدة، وفضيلة مقاومة المنكر ومحارلة البغي والعدوان وهذا ما جعل أحرار الفكر، وأحياء القلوب، يعافونه ويتحامون الوقوع في شركه،
стр. 306
ويربأون بأفكارهم أن تقيد، وبضمائرهم أن تخدر، وبدينهم تعبث به الأهواء، ويتعرضون في امتناعهم من قبول الوظيف لألوان من البلاء: من سجن وضرب بالسياط، وإحراق للمنازل:
عرض أبو جعفر المنصور القضاء على أبي حنيفة الإمام، فلم يقبل، فضرب مائة سوط حتى تفصد دمه وسال على عقبيه، فقال للمنصور، عمه عبد الرحمن علي بن عباس: سللت على نفسك مائة ألف سيف، هذا فقيه أهل العراق، فقيه أهل المشرق، فأمر له أبوجعفر بثلاثين ألف درهم- كالتعويض عن إساءته إليه- فلم يقبلها، فقيل له: لو تصدقت بها، فقال: أيوجد عندهم الحلال؟ ذلك لأنه يذكر قوله في هذا الباب: (من جعل قاضيا فهو كالغريق إلى متى يسبح وإن كان سابحا؟).
واستقضى عبد الله بن وهب، فدخل داره وأغلق بابه فهدم عليه بعض داره، فبصر به أسد بن سعد- وهو يتوضأ في صحن الدار- فقال له: ألا تخرج إلى الناس فتقضي بكتاب الله، وسنة رسوله؟ فرفع رأسه وقال: إلى هنا انتهى عقلك؟ أما علمت أن العلماء يحشرون مع الأنبياء، وأن القضاة يحشرون مع السلاطين؟
وقال الإمام سحنون: (ما أشقى المفتي والحاكم ... ها أنا ذا يتعلم مني ما تضرب به الرقاب، وتوطأ به الفروج، وتؤخذ به الحقوق، أما كنت عن هذا غنيا؟).
وفرق كبير بين من يعرض عليه الوظيف، وبين من يعرض نفسه على الوظيف، ويتوسل إليه بعمل غير شريف، بل إن الإسلام لا يخول الوظيف من يطلبه، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: دخلت على النبي ﷺ أنا ورجلان من بني عمي فقال أحدهما: "يا رسول الله أمرنا على بعض ما ولاك الله ، وقال الآخر، مثل ذلك، فقال: إنا والله لا نولي هذا العمل أحدا حرص عليه" وعن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبي ثم قال: يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها".
وهل موظفوا اليوم قائمون بحق هذه الأمانة مؤدون لما عليهم فيها؟ أم أن الأمر من مضحكات المتنبي إذ يقول في مصر عندما رآى ملكها عبدا (على عهد كافور الإخشيدي)
وكم ذا بمصر من المضحكات ... ولكنه ضحك كالبكاء
стр. 307
حقا، فشر المصائب ما يضحك كما يقول من قصيدة أخرى.
ثالثا، نحن لا يهمنا هؤلاء الموظفون الذين بادروا بوضع هذا الغل في أعناقهم، ولم يفكروا في عاقبة أمرهم، فإن الكلام معهم لا يجدي ولا يأتي بفائدة، بل هو مضيعة للوقت الثمين، إذ لا يستطيعون اليوم أن يتخلوا عما ألفوه من هذه العيشة الناعمة الخاملة والمبالغ المالية الطائلة، وإنما يهمنا من بقي بعد لم يوضع الطوق الدهبي في عنقه، يهمنا الجيل الجديد الذي تنتظره أمته بفارغ الصبر، والذي رأيناه أخذ يتهافت على هذا الباب تهافت العصافير على حبة القمح التي تخفى تحتها الموت الزؤام في الفخ الذي أعد لاصطيادها، ولعل هذا ما حدا بالفقيد عبد الحميد أن يورد كلمة أستاذه: (يا عبد الحميد إياك والوظيف).
стр. 308
لنتطهر
أخشى- أكثر ما أخشى- قوله ﵊: "كل لحم نبت من حرام، فالنار أولى به".
فأي بطن خلا من الحرام، في هذا العصر الذي عم فيه الحرام، وعطل فيه العمل بالإسلام، وأصبح الربا هو النظام الاقتصادي العام، يعيش عليه الخاص والعام؟ فمن لم يتعاطه مباشرة، تناوله من وظيفته أو من شركته، أو مما يوفره من مرتبه ويودعه المصرف أو دار البريد، وهل قوله- ﵊: "كل لحم نبت من حرام، فالنار أولى به"، إلا قبس من قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا)؟ وهل اللحم الذي ينبت من الحرام، إلا كالنبات الطفيلي الخبيث الذي يعوق الزرع النافع الطيب عن النمو والاكتمال والاستواء، يجب أن يستأصل وتطهر منه الأرض التي اعدت لأطيب الزرع، وأنفع النبات؟
ثم إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال- تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ الآية، وقال- تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟؟ " ولما تليت هذه الآية-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾، قام سعد بن أبي وقاص فقال: يا رسول الله أدع الله أن يجعلني مستجاب
стр. 309
الدعوة، فقال النبي ﷺ : "أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده، إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه، ما يتقبل الله منه عملا أربعين يوما، وأيما عبد نبت لحمه من سحت، فالنار أولى به، وقال ابن عباس ﵁: (لا يقبل الله صلاة امرىء في جوفه حرام)، وروى الإمام أحمد عن ابن عمر ﵁ قال: من اشترى ثوبا بعشرة دراهم في ثمنه درهم حرام، لم يتقبل الله له صلاته ما كان عليه، ثم أدخل أصبعيه في أذنيه فقال: صمتا: (أصابهما الصمم) إن لم أكن سمعته من رسول الله ﷺ وأخرج.
وأخرج الطبراني عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: إذا خرج الرجل حاجا بنفقة طيبة ووضع رجله في الغرز (الركاب) فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لبيك وسعديك، وزادك حلال، وراحلتك حلال، وحجك مبرور، غير مأزور، وإذا خرج الرجل بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام، ونفقتك حرام، وحجك غير مبرور.
ومعنى أن الله لا يستجيب لنا أنه يقطع صلته بنا، وفي هذا ما فيه من شقاء دنيانا وأخرانا، وهل معنى عبادتنا إياه بصلاتنا وصيامنا ونحوهما إلا السعي وراء ما يقوي صلتنا به فيهبنا ما به صلاحنا وفلاحنا وإذا لم يقبل دعاءنا، لم نكن على ثقة من قبول سائر عباداتنا، فالدعاء ليس إلا نوعا من العبادة بل هو مخ العبادة، كما في الحديث. وإذن فأكل الحرام لا يرد الدعاء فقط، وإنما يرد كل ما نقرب به من أنواع الطاعات والعبادات لأن الله طيب، لا يقبل إلا طيبا، وإذا كان غذاؤنا حراما، فمعنى ذلك أننا نبتنا من حرام، والنبات الخبيث لا يثمر إلا خبيثا، والله تعالى يقول: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ بل يقول: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾.
فإذا أردنا أن نتطهر، فأول ما نبدأ به أن ننتقي الغذاء الطاهر والمطعم الطيب كي نوجد المنبت الطيب للأعمال الطيبة، ثم نتطهر من الذنوب السالفة، بالتوبة، ومن الحاضرة بالإقلاع ومن الآتبة بالتوقي والإبتعاد، فإذا صدر منا بعد ذلك عمل أو
стр. 310
دعاء كان صادرا من قلب طاهر، فكان جديرا بالقبول من الله ، قيل لسعد بن أبي وقاص- وكان مجاب الدعوة- تستجاب دعوتك من بين أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: ما رفعت إلى في لقمة إلا وأنا عالم من أين مجيئها، ومن أين خرجت.
فإذا لم نفعل فلا نطمع في قبول دعوة أو عبادة، قال مالك بن دينار: أصاب بني إسرائيل بلاء فخرجوا مخرجا، فأوحى الله تعالى إلى نبيهم أن أخبرهم أنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة، وترفعون إلي أكفا، قد سفكتم بها الدماء، وملأتم بها بيوتكم من الحرام، الآن اشتد غضي عليكم، ولن تزدادوا مني إلا بعدا.
نحن ندعو الإله في كل كرب ... ثم ننساه عند كشف الكروب
كيف نرجو إجابة لدعاء ... قد سددنا طريقه بالذنوب؟.
стр. 311
التقوى هاهنا
قال لي أحد الإخوان: إن من يقرأ عنوان مقالك (لنتطهر) يشعر بأن سيقرأ مقالا في التطهر من الذنوب عامة، ولكنه يخرج بكلام في الربا وحده.
قلت له: وأي ذنب كالربا أولى بأن نبدأ به ونجعله الحلقة الأولى لسلسلة تتناول أشياء كثيرة يجب أن نتطهر منها؟
وإن أكل الحرام أول شيء يجب أن نتطهر منه، ولا غرابة في ذلك فقبل بذر الحب يجب إعداد الأرض للزرع، وقبل الصلاة- التي هي تطهر قلب- يجب الوضوء- الذي هو تطهر بدن- ولكن هذا البدن المتنجس بالغذاء الحرام، لا يفيد فيه الوضوء قبل أن يتطهر من الغذاء الحرام، والربا هو الحرام الذي عمت به البلوى، والسحت الذي نبت منه- اليوم- كل لحم، والذي يقول ﷺ في مدى خطره-: "كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به"، ولا يصرفنا عن التعرض لهذا المرض أن الأكثرية الساحقة من الأمة قد أصيبت به، بل إن المرض العام والأكثر انتشارا هو الذي يجب أن يلفت الأنظار، وتتظافر- لمقاومته- الجهود.
نحن- اليوم- ويا للأسف.- نسبح في خضم متلاطم الأمواج من الذنوب لأننا نعيش في بيئة، أقل ما يقال فيها: أنها بيئة ذنوب، والوازع الديني فيها والخلقي، فقد كل ما كان له من تأثير وسلطان على النفوس وما أسرع فشو الذنوب في بيئة فقدت وازع الدين والخلق، فهناك أشياء في قانون الدين والخلق، تعين على تضييق دائرة الذنوب أو تقضي عليها من أصلها، وتأتي على بنيانها من القواعد، خلت منها بيئتنا منذ خلت من الوازع الديني والخلقي، كالغيرة والحياء، اللذين طالما وقفا سدا منيعا في
стр. 312
طريق الذنوب، وتمثلا حارسا قويا لضعاف القلوب، يهم الفتى أو الفتاة بالفاحشة، فسرعان ما يستيقظ بين جوانحهما عامل الغيرة، الغيرة على رأس المال الحقيقي، الذي هو الشرف، الذي ميز الله به الإنسان عن الحيوان فإذا لم يستيقظ عامل الغيرة، أو استيقظ ولكنه لم يقو على المقاومة والوقوف في وجه التيار، استيقظ عامل الحياء والخوف من الفضيحة وذهاب هذه الذخيرة الغالية، التي تسمى الشرف، ضحية شهوة تفنى ويخلد عارها.
ولكن، أين الغيرة والحياء اليوم؟ لقد تقلص ظلهما، واختفى شبحهما، منذ زمن بعيد، وحل محلهما النظام الغربي الجديد الذي لا يقيم للوازع الديني والخلق وزنا، والذي يرى أن الغيرة ضيق أفق، والحياء جمود فكر، وأصبحنا نرى الشاب المسلم يغار على شعره أكثر مما يغار على أهله، ويستحي من دخول المسجد، ولا يستحي من دخول دور اللهو والعبث والفسق والفجور، ونرى الكواعب الأبكار قد خلعن العذار، وهجرن الديار، وبرزن في كل ميدان واستسلمن إلى كل تيار، وتجردن من كل ما يسمى غيرة أو حياء، وتجاهلن كل اعتبار ..
إن موت الغيرة والحياء ساقنا إلى الدمار، وجلب كل عار، وحسبنا خزيا أن لحوما كثيرة في مجتمعنا نبتت من حرام، وليس لذلك من سبب إلا انطفاء نار الغيرة، ونضوب ماء الحياء اللذان سببا اختلاط النساء بالرجال، فجاء من هذا الإختلاط الحرام، نبات (نبت) من حرام.
إنه لو بقيت الغيرة والحياء، لما عرفنا هذا البلاء، ولكن كيف تبقى الغيرة أو الحياء، وهما من الإيمان؟ والنبي ﷺ يقول: "لا إيمان لمن لا غيرة له"، كما يقول: (الحياء من الإيمان)، بل يقول (قلة الحياء كفر)، والإيمان قد خلا مكانه من القلوب، فما بقاء الفرع، بعد ذهاب الأصل؟
إنه لو بقي في القلوب إيمان، لبقي السلك الكهربائي الذي يصل ما بين القلوب، فإذا خوطبت بالأمر والنهي ومست بالكلام المثير، تحرك فيها ذلك السلك الكهربائي، فاهتزت واستيقظت واتجهت في طريق الرشد والسداد.
إن للحياة مصدرا هو القلب، وإن صاحب القلب الميت لا ينتفع بالأمر والنهي، فلا عجب أن نرى القرآن- كتاب التوجيه الخالد- لا يوجه نداءاته إلا للقلوب
стр. 313
الحية التي تعي ما يوجه إليها من تذكير وإنذار: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾، ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾.
والمراد بالعمى، عمى القلوب، وهو موتها وذهاب نزرها، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.
فلا غرو- بعد ذلك- أن يجعل نبي الإسلام- ﵊ هذه القلوب الواعية المستيقظة الحية، الموطن الأصلي والمصدر الحقيقي للتقوى، إذ يقول: "التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا)، ويشير إلى قلبه.
ولكن لا بأس، فالمسلم لا يدين باليأس، ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾، وما دام المسلمون ممسكين بخيط- ولو كان ضعيفا واهيا- من الإيمان الذي هو حبل الإنقاذ والهداية، فإن العاقبة لهم بحول الله.
﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
стр. 314
من هنا نبدأ
بينما كنت أجوب شوارع العاصمة، في أمسية حالمة- وأنا أفكر فيما يجب أن نتناوله من (عملية التطهير) التي دعوت إليها في (نفس هذا المكان) من الأسبوع الماضي- إذ مررت بمقهى مزدحم بالنالس وهم مكبون على موائد النرد والووق في نهم شديد، وصخب بالغ، وضوضاء تصم الآذان، فتأملتهم وتفرست وجوههم، فإذا هم شبان، من أبناء البلاد، وأحفاد العروبة والاسلام، وإذا بي أقف فجأة كأن قدمي سمرتا أو قيدتا أو اعترض وجهتي سد منيع، وقلت: من هنا نبدأ، فقد عثرت على ضالتي، وإن غصصت بريقي، وشرقت بدمعي، وليسمح لي القراء، بإرجاء ما وعدتهم به إلى فرصة أخرى.
فهؤلاء الشبان- الذين يذوون زهرة شبابهم، ويبلون غض إهابهم، في عبث لا طائل تحته هم عماد الأمة، ورأس مالها، وزهرة أملها، وثمرة مستقبلها، وإذا تركوا هكذا، قضوا على أملها، وجنوا على مستقبلها، وعجلوا بشر مآلها، وحضور أجلها- لا قدر الله- هؤلاء الشبان يجب أن ننقدههم من هذه البيئة الفاسده التي تقضي على البقية الباقية من تراث العروبة والإسلام، ونستبدلهم بها بيئة صالحة طاهرة ينمو في ثراها عنصر الدين والخلق والعزة والشرف، يجب أن ننقلهم من بيت الشيطان إلى بيت الله، يجب أن نخرجهم من المقهى وندخلهم إلى المسجد، يجب أن نطهرهم سريعا، وإلا قضت عليهم الجراثيم المبيدة سريعا.
ولكن كيف السبيل إلى هذا؟ ومن أين الوصول إلى هؤلاء؟ إن الدرس والخطبة في المسجد والمدرسة، لا في الشارع والمقهى، وهؤلاء منقطعون الصلة بالمسجد والمدرسة
стр. 315
وصوت الواعظ أو الخطيب لا يبلغ هذه السراديب، وإن النور والهواء لفي القمم الشماء لا في أعماق الأرض وباطن الثرى، وبينما أنا أفكر في حل لهذه العقدة، قدحت في خاطري فكرة، إذ ذكرت قوله- ﵊: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب" ولكن أين الشاهد من الشبان الذي يبلغ الغائب منهم في أوكار الشيطان، فإنه لا يؤثر في الشاب إلا شاب من طبقته، ولم أيأس، وواصلت التفكير والبحث عن الرائد الصالح، للشباب الطالح حتى انتهى بي المطاف إلى بيت الله، ولما فرغت من الصلاة التفت حولي، أرتاد الرائد وأبحث عن الشاهد الذي يبله الغائب، إذا بالحال غير الحال والناس غير الناس، وإذا بصفوف المصلين تتألف أكثريتها من (الشبان المسلمين) فقلت الآن، آن الأوان لبعث المسلمين وعودة الأمة الإسلامية من جديد، فإن الله أناط حياة كل أمة بحياة شبابها، وإذا بي أنشد من غير شعور، قول أبي العتاهية:
"روائح الجنة في الشباب"
وقلت: الآن وجدت الشاهد، الذي يبلغ الغائب، فليقم هؤلاء الشبان بإنقاذ من بقي لهم من الإخوان، وإبلاغهم ساحل الأمان، ولكن لأمر ما خطر ببالي قول القائل:
ولا ينفع الجرباء قرب صحيحة ... إليها، ولكم الصحيحة تجرب
وخفت على هذا الفريق أن يغرق في سبيل إنقاد الغريق، خوف التاجرا الحريص على رأس ماله المحقق، أن يذهب في سبيل طلب ربح غير محقق ولكن لا، فالخوف آفة النجاح والعقبة في سبيل كل تقدم، كم شل من حركة وقاد إلى تهلكة وأن زين لأصحابه أنه ينجيهم من التهلكة، والجبان مقتول بالخوف، قبل أن يقتل بالسيف.
فيا أيها الشبان! أذكروا نعمة الله عليكم إذ هداكم للإيمان، واشكروه بإنقاذ من بقي لكم من الإخوان، حليف الشيطان، فأنتم في الأمة، تناط بكم كل مهمة، واذكروا قوله ﷺ : "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم"، احملوهم- قبل كل شيء- على الحضور إلى المسجد، فإنه (المطهر) وإن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر، وإن النبي ﷺ يقول: "أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقي من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقي من
стр. 316
درنه شيء، قال: فكذلك الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا"، فإن لم تستطيعوا أن تحملوهم إلى المسجد، فاحملوا إليهم صوت المسجد.
стр. 317
الجهل بالدين
يجب أن نتطهر من الجهل ونتخلص من قيده الثقيل، ولا سيما الجهل بالدين الذي وقف حائلا قويا دون الانتفاع بكنزنا الثمين، وكم صادفني في هذا الباب، من عجب عجاب، رأيت بعض الناس يحسبون أن الدين هو مجرد هذه الركعات التي يؤدونها بشعور غاف، وقلب غافل، وحركات سريعة خاطفة كحركة الآله الدائرة والتي يصدق عليها وصف النوع الثاني في قوله ﷺ : "إذا أحسن الرجل الصلاة فأتم ركوعها وسجودها قالت الصلاة: حفظك الله كما حفظتني، فترفع، وإذا أساء الصلاة فلم يتم ركوعها وسجودها، قالت الصلاة: ضيعك الله كما ضيعتني، فتلف كما يلف الثوب الخلق (البالي) فيضرب بها وجهه" هذا الضرب من الناس يرى أنه بمحافظته على مثل هذه الصلاه قد حافظ على الدين كله، ولكن هذا الدين الذي يتمثل في هذه الصلاة الهزيلة سرعان ما يختفي شخصه ويتقلص ظله عندما يتعرض لصاحبه، فقير معدم يسأله ما يسد به خلته ويكسر به حدة جوعه، أو مندوب لمشروع إسلامي يحتضر يدعوه للمساهمة في إنقاذه، أو يمر بمنكر يرتكب، أو حرمة من حرمات الله تنتهك، هذا إذا الم يقتحم هو نفسه المعركة، فيأتي ما يأتي من منكر، ويرتكب ما يرتكب من إثم، جاهلا أن الصلاة مطهر لأنها صلة بين العبد وربه، ولأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، إذ أن لكل عمل ثمره وهيهات أن تكون صلتنا بربنا، خالية من أي ثمر إلا هذه الحركات الآلية، وإلا:
" فما تصنع بالسيف إذا لم تك قتالا؟ "
بل إن هذه الصلاة كانت وما زالت عند كثير من الناس شبكة اصطياد ووسيلة
стр. 318
استرزاق، وأداة خداع، وجسرا للأطماع، وبدأ ذلك منذ بدأ النفاق، والناس منذ القدم- ينخدعون للمتجرين بالدين، فهذا عبد الله بن عمر ﵁ كان لا يعجبه شيء من ماله أو عبيده إلا تقرب به إلى الله عملا بقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، فعرف منه عبيده ذلك فأخذوا يحسنون من سمتهم ويجتهدون في عبادتهم (ويسبقونه إلى المسجد) طلبا للحرية الغالية، فكان ابن عمر يعتق كل من أعجبه دينه من عبيده، فقال له بعض أصحابه: إنما يقومون بذلك خداعا لك لتمن عليهم بالعتق فقال: (من خدعنا بالله انخدعنا له).
وإن الناس لو تطهروا من الجهل وأدركوا حقيقة الصلاة وفهموا معنى ركوعها وسجودها وما يتلى فيها من كلام الله لانتفعوا بالصلاة ولنهتهم عن كل ما يسخط الله، أو لاتحدت صفوفهم خارج الصلاة كما اتحدت صفوفهم في الصلاة.
وأعجب من هذا الضرب ما سمعته من ضرب آخر من الناس، من أن الدين مجرد أخلاق، نعم فإن النبي ﷺ يقول: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ولكن هذه غاية لا بد لها من وسائل تحققها وتمكن من الوصول إليها، كالصلاة، والصيام والجهاد، فالصلاة: ﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، والصيام يروض عليها، والجهاد يحرسها ويحميها.
ومن حكمة الله أنه رصد لكل غاية دعانا إليها وسائلها التي تعيننا عليها وتمهد لنا السبيل إليها، ولكن جهلنا وغلبة شهواتنا يقعدان بنا عن كل غاية لأنهما يحولان بيننا وبين وسائلها، وهيهات مقصوص الجناح يطير.
وأعجب من ذلك كله ذلك السؤال المضحك المبكي الذي مازال يثير عجبي ويشغل مشاعري ويطن في أذني، ذلك أن شابا أعرفه محافظا متدينا، عرض لي ذات يوم، وأعتذر لي قبل أن يسألني: هل في الدين من مبرر لشاب مثلي ليس له على الزواج قدرة، ولا على العزوبة صبر، أن ... ؟ قلت له- في دهش-: ماذا تقول؟ إحترم دينك، أو لست مسلما؟ قال: بل أنا مسلم، ولكنني مضطر، قلت له: إن الله لا يأمر بالفحشاء، وليس في الأمر ضرورة، إنما الضرورة في القوت الذي من عدمه يموت، والله تعالى يقيد هذه الضرورة بذلك إذ يقول: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ والمخمصة! الجوع، وليس هذا من ذلك، وأن الله إذ شرع دينه كفل بقاءه بما أحاطه
стр. 319
به من ضمانات، فإنه- يعلم ضعف عباده فما حرم شيئا إلا جعل مما حلل منه عوضا فهو إذا حرم الربا حلل البيع، وإذا حرم الزنا حلل الزواج، ولكنه الجهل وغلبة الشهوات، فأنت يا أخي- الآن- لست مضطرا لأنك تستطيع أن تتزوج، وإنما لتحكم الجهل فينا تحكمت فينا عادات، فنحن نحافظ عليها أكثر مما نحافظ على ديننا، ونحن نحاول أن نحمل الدين ضرورة غير مشروعة، ولا نحاول مثل ذلك في هذه العادات، فهي حرم مقدس عندنا، فمثلا بدل أن يتزوج ذو الطبقة العليا من الطبقة المتوسطة أو الطبقة الدنيا في حال ما إذا كان غير ميسور الحال يفضل أن يبقى عزبا، أو يتسرى بصلة غير شرعية، وفي هذه تضحية بالدين في سبيل المحافظة على العادة، فأين الإضطرار- إذن- إن المضطر يأكل الميتة (ولكن الميتة هنا كانت هي المرأة التي لم يعقد عليها)، وكذلك ترضى الأسرة أن يبقى الشاب فيها عزبا، والبنت عانسا ولا ترضى بزواج ينقصه شيء كمالي من النفقات أو طقوس الزواج.
إن الدين- يا قوم- ليس مجموعة ضرورات، ولا مجرد صلوات، ولا محض أخلاق، ولكنه قانون اجتماعي شامل، لا ينتفع به إلا من عمل به كله، إنه قانون الله لعباده وليس من صنع مخلوقه ضعيف تستبد به مشاعر، وتدفعه مصالح، وتتحكم فيه ظروف، وإننا لو فهمناه حق الفهم وطبقناه على حياتنا خير تطبيق لما احتجنا إلى هذه الإستعارة المفضوحة من غيرنا.
стр. 320
القديم والجديد
كان لقضية (القديم والجديد) وولع الناس- في هذا العصر بصفة خاصة- بكل جديد، سلطان كبير على العقول والميول، وتأثير شديد على القيم الأخلاقية، والمقومات الإنسانية، ورغم ذلك لم أكن لأشغل الفراغ المخصص لهذه الفصول، بهذا الموضوع، لولا رأي خطير، لصديق كريم، لأن هذا الموضوع- فيما أرى- قد طرقه كتاب كثيرون وقتلوه بحثا إنما أتناوله أنا من ناحية أخرى، خصصت لها هذه الفصول- وهي الناحية الدينية المحضة:
قال الصديق: ألاحظ أن كل ما يكتب اليوم ليس بجديد، ففوجئت بشيء جديد، ولعل هذا هو نفس ما قصد إليه هذا الصديق ليثبت أنه أتى بجديد لكني قلت له: لك رأيك على كل حال، ولكن أضف إلى هذا أيضا: أنه ليس كل جديد صالحا تجب الدعوة إليه، ولا كل قديم غير صالح تجب الثورة عليه والقرآن- قانون الله الذي لا ينسخ بقانون الإنسان يعطينا هذه القاعدة إذ يقول- منددا بالجامدين الذين كلما جاءهم من الله رسول- بجديد مفيد ينسخ قديمهم الفاسد-: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾، بل أصرح من هذا في الموضوع قوله- تعالى-: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾.
هكذا: فانتقمنا منهم، لأنهم وقفوا في طريق التجديد الصالح، ولم يقبلوا الجديد النافع، وأصروا على قديمهم الذي فسد وتعفن أو كان من أصله فاسدا عفنا.