← Джавами‘

Джавами‘ · id 96557

دراسات وتوجيهات إسلامية

أحمد سحنون

Полный текст (352 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يعين الله عليها ولا يتحدى القدر فيطلب المال من غير وجوه الحلال، فإن واهب النعم هو الله ذو الجلال والإكرام، ولا يخطف أبصارنا بريق الذهب الذي نراه في أيدي الظلمة فذلك باب آخر، باب ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ باب ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ باب تسمين الشاة للذبح كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ وقد علم الله دبيب هذا الخاطر من خلقه فردهم عنه بقوله: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. وإذا كان الرامي هو الله، والإنسان ليس إلا آلة لهذا الرمي فكيف لا تنتصر القلة على الكثرة وكيف لا ينتصر الحق على الباطل وكيف لا ينتصر الإيمان على الشرك في يوم بدر؟ ومن هنا أيضا نفهم معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾. ونفهم السر في المدد الإلاهي بإنزال الملائكة ومشاركتهم في القتال لأن المعركة إنما هي معركة الحق والباطل ولأن مديرها هو الله الذي يـ ﴿قْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ ونفهم السر كذلك في قوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ لأن هذه الفئة القليلة هي حزب الله الذي يقاتل لإعلاء كلمة الله، وهذه الفئة الكثيرة حزب الشيطان الذي يقاتل ليجعل كلمة الله هي السفلى كلمة الكفر هي العليا، وغزوة بدر هي الغزوة الكبرى التي تلاقي فيها الحزبان حزب الله وحزب الشيطان- وجها لوجه- وظهر فيها الجندان- جند الحق وجند الباطل - متقابلين، جند الحق بقلة عدده وضعف عدته، وجند الباطل بكثره عدده وقوة عدته، حتى أشفق قائد جند الله- ﷺ أن يكون لكثرة العدد وقوة العدة تأثير في الموقف فاتجه ببصره إلى السماء- قبلة الدعاء- وتضرع إلى الله قائلا في لهفة وتأثر: "اللهم إن تهلك هذه العصابة فإنك لا تعبد في الأرض بعد اليوم" وما زال مستغرقا في دعائه حتى قال له أبو بكر ﵁: بعض منا شدتك ربك فإن الله منجز لك ما وعدك، وأغفى ﷺ ثم انتبه وهو يقول: "أبشر أبا بكر أتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده في ثنايا النقع" ثم خرج رسول الله ﷺ إلى الناس فحرضهم على القتال وقال: "والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة" وسرى هتاف الرسول في نفوس جنود الإسلام مسرى الكهرباء في الأجسام وتهافتوا على حياض المنية في شوق ولهفة حتى ظهرت المعجزه وانتصرت القلة العزلاء إلا من الإيمان على الكثرة المسلحة إلا من الإيمان،

стр. 72

وغلبت الثلاثمائة والثلاثة عشر من المسلمين الألف من المشركين، فسقط منهم في الميدان سبعون قتيلا، واختطف من ظهور الخيل سبعون أسيرا، وأمر رسول الله ﷺ بالقتلى فطرحوا في القليب ثم وقف عليهم وجعل قول: "يا أهل القليب: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا" وهكذا لم ينس ﷺ أن هذا النصر نعمة من الله ووعد أنجزه الله ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وفي غزوة بدر لم يرحم الله أعداء الإسلام ولم يقبل منهم صرفا ولا عدلا ولم يرض بما رضي به المسلمون من قبول الفدية منهم والإبقاء عليهم بل نزل الحكم من السماء صارما حاسما بعتاب النبي ﷺ : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ كما كان المسلمون في هذه المعركة مثال الصرامة والحمية لله ولدينه فكان المسلم يقتل أباه أو ابنه أو أخاه في سبيل الله بلا مبالاة لأنه باع نفسه لله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾. فهذا أبو عبيدة يقتل أباه عبد الله وهذا مصعب بن عمير يقتل أخاه وهذا عمر يقتل خاله العاص بن هشام، وهذا أبو بكر يهم بالخروج ليقتل ابنه عبد الرحمن فيرده ﷺ قائلا: "متعنا بنفسك" فينزل قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. صدق الله العظيم.

стр. 73

٦ - على مائدة القرآن العبرة من غزوة بدر إن في غزوة بدر لخير عبرة للضعفاء أمثالنا ممن يهولهم ضعفهم المادي فتجتاح عواصف اليأس كل ما ينعش نفوسهم من آمال وينزوون في عقر ديارهم وبنطوون على أنفسهم وينفضون أيديهم من دنياهم، وهذا من مداخل الشيطان الخفية على النفوس الغبية إذ سول لهم أن من كان في مثل حالهم يستحيل عليهم تحطيم أغلالهم وبلوغ آمالهم، فينامون على الضيم ويستسلمون للعبودية الخالدة ويخلصون لمستعبديهم لقمة سائغة وغنيمة باردة، وما أصدق مصطفى لطفي المنفلوطي إذ يقول: اليأس هو الخديعة الكبرى التي يدسها الشيطان دائما في نفوس الأمم الضعيفة التي يريد الفتك بها والقضاء عليها. وما أحكم التربية القرآنية للنفوس إذ تحرم اليأس تحريمها للكفر في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾. وإن في غزوة بدر لمحوا لليأس وإبادة لجراثيمه من النفس فهي تقيم لنا الدليل على أن القوة المعتبرة هي القوة المعنوية من إيمان بالله وثقة بالنفس وثبات في مواطن اليأس وقوة أمل في المستقبل، أما الكثرة في العدد بلا قوة في الروح فلم تكن في يوم من الأيام بمفيده ولا مؤثرة في ساحات الوغى ومصائر الحروب، والمسلمون في غزواتهم مع الرسول ﷺ وخلفائه الراشدين- لم يكونوا ولا مرة واحدة- أكثر من أعدائهم ولا أغنى عتادا ومع ذلك فالنصر دائما حليفهم، ولقد أرى الله المسلمين في يوم حنين رأي العين أن الاعتداد بالكثرة وحدها لا يفيد بل هو من أسباب الهزيمة وذلك إذ يقول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾. وإذن فلنستفد من غزوة بدر هذا الدرس القيم

стр. 74

ولا نقل أننا قلة ولا أننا عزل أو ليس لنا مدافع ولا قنابل ولا طائرات ولا دبابات ولا قنابل ذريات، إنما ينقصنا ما كان متوفرا لأسلافنا من القوة المعنوية، فحسب. فتح مكة في رمضان: إن رمضان شهر الآنتصارات الحاسمة في تاريخ الإسلام على اعتبار أن الغزوتين اللتين كان لهما أبعد الأثر في دعوته وهما: غزوتا بدر وفتح مكة كانتا في هذا الشهر الخالد في الشهور على مدى الدهوه، وقد مر الكلام في غزوة بدر، أما فتح مكة فتشير إليه فاتحة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾. وأبرز ما تصوره هذه الآيات أنها تبني لنبي الإسلام مجدا لا يطاول ولا تمتد إليه الأوهام، يبدأ هذا المجد من اعتباره مكافأة من الله لنبيه ﷺ الذي تؤديه لفظتا (فتحنا لك) هكذا فالفاتح هو الله لا محمد لأن الله هو الموفق والمعين أو أنه الفاعل الحقيقي لما يجري في الكون تناسقا مع مما تقدم في قوله تعالى: في يوم بدر ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ وفي قوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾. وليست سواعد المسلمين وعزائمهم إلا آلات تحركها يد القدر المدبرة الموجهة، والمفتوح له هو محمد ﷺ الذي أخرج من مكة بلده المحبوب في سبيل نشر دين الله وجعل كلمته العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، وإذن فالجزاء العادل يقتضى هذه المكافأه وتقديمها في عبارة مشعرة ولافتة إلى المعنى الذي اقتضاها، ففتح مكة- إذن- زيادة على أنه نصر لدين الله هو مكافأة ضخمة لمحمد ﷺ وتكريم فخم له على كفاحه العظيم وحرصه الشديد على هداية قومه وصبره العجيب على ما لقيه في سبيل ذلك من آلام وأتعاب ومرارة واغتراب ثم يأتي بعد ذلك التفصيل: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾. وأي تكريم بقي بعد هذا التكريم؟ وأي إنعام يأتي بعد هذا الإنعام؟ وأي أمل بقي لمحمد ﷺ لم يصل إليه بعد أن يغمر الله ذنبه ويتم نعمته عليه ويهديه صراطه المستقيم وينصره النصر الذي سيعقبه كل نصر والذي أعزه الله به بعد ذل وقواه بعد ضعف وأشعر مهابته كل قلب.

стр. 75

ولقد قابل- ﵊ هذه النعمة بما ينبغي لها من تواضع لله وحلم على الجناة فبعد أن دخل مكة في ذلك المشهد المهيب والمهرجان التاريخي الهائل وعمد إلى البيت الحرام فحطم ما علق فيه من أصنام- وكان به ثلاثمائة وستون صنما- وهو يقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ وبعد أن توسط البلد الذي أخرج منه ظلما وأتجه يبصره إلى أهله الذين أخرجوه منه قال لهم: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: إني لا أقول إلا ما قال أخي يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم: أذهبوا فأنتم الطلقاء. وهكذا الرجل العظيم لا تطغيه النعمة ولا يبطره إجتماع أسباب القوة، وهكذا عقبي الصابرين المتقين. و ﴿لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.

стр. 76

٧ - على مائدة القرآن خير موجه إن في القرآن ما يفتح عيوننا على عالم أفضل، وحياة أكمل، ويوجهنا الوجهة الصالحة الرشيدة لبلوغ الأهداف البعيدة، واقتطاف الثمار اليانعة للحياة السعيدة. وإن الله قد وصف القرآن بعدة أوصاف كلها شائق، وكلها لعطف النفوس الشاردة عن القرآن إلى حضيرة القرآن، ويملأها بالطهر والصفاء والإيمان. إن الله يصف القرآن بأنه الهادي إلى الصراط الأقوم إذ قال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ وإذ قال: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾، ويصفه بقوة التأثير في النفوس، وشدة الأسر للقلوب إذ قال: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، ويصفه بالإحاطة والشمول والعمق وغزارة المادة إذ قال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ ويصفه بأنه شفاء ورحمة إذ قال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ويصفه بأنه ميسر لمن أراد أن يتدبر أو يتذكر إذ قال: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ولكن القلوب تصرفها الشهوات عن التذكر والتدبر، فلا يتذكر ويتدبر إلا من خشي الله وتوتقت صلته بالله، لذلك يقول الله تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾، ولما كانت خشية الله تقوم على معرفة الله قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، وإذن فالعلم هو الأساس في كل خير، فلا عجب أن تكون الدعوة إلى قراءة العلم هي غرة القرآن، وأول ما نزل منه، وإذن فأعدى عدو لك هو منيقف في طريقك لطلب العلم ويحول بينك وبين ورود مناهله العذبة.

стр. 77

إرادة الله: كنت أقرأ سورة البروج في صلاة الصبح وإذا بي أقف فجأة عند قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ فلم أستطع أن أتجاوزها لا لأنني نسيت ما بعدها، ولكن لشدة شعوري بها وقوة إحساسي بتأثيرها، فلم أستطع أن أنتقل إلى ما بعدها، وأحسست بقشعريرة تستولى على بدني كله إذ شعرت بضعف الإنسان أمام قوة الله الفعال لما يريد، ومرت بي برهة من الزمن لم أستطع- خلالها- أن أمضي في القراءة فقد أسرتني هذه الآية وقيدتني وردتنى إلى صوابي وفتحت لي مغالق لمواقف وحالات مثيرة، مرت بي في حياتي، إذ جعلتني أفقه السر في خيبه آمالنا وفشل مساعينا، لأن هناك إرادة تسيطر على إرادتنا وقوة فوق قوتنا ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ إن أحدنا يريد الخير لأمته ويبالغ في نصحها، ويلهم الأساليب الصالحة لهدايتها والطرق الحكيمة لسعادتها، ولكنه لا ينجح، ولعل هذه الحال هي التي أوحت إلى الإمام الغزالي أن يقول: (ليست المشكلة النصيحة، إنما المشكلة قبولها، وأدركت للحال أمثال هده الحال التي كانت تعرض له ﷺ أثناء دعوته، فيستولي عليه الجزع ويكرب صدره ما يصدمه من عناد قومه وصلابتهم وقوة تمسكهم بضلالهم القديم حتى يسمع التنبيه مما يوحي إليه من مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ ومثل قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، ومثل قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، وينهاه عن إعنات نفسه وإرهاقها في هذا السبيل، بمثل قوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ وبمثل قوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ بل ينجده أحيانا ببيان السبب في هذا الإصرار على الضلال بمثل قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ وبمثل قوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾، ثم ذكرت كيف أنه ﷺ رغم ما بذله من جهد لم يستجب لدعوته خلال الست سنوات الأولى لبعثته غير أربعين رجلا وامرأة بدخول عمر بن الخطاب ﵁ في الإسلام في السنة السادسة للبعثة إذ لم يجد من المسلمين غير تسع وثلاثين رجلا وامرأة، وفي هذا خير درس لمقاومة اليأس، ولله در أبى العلاء المعري إذ يقول: (والعقل زين ولكن فوقه قدر)

стр. 78

- وإذن- فلا يفت في أعضادنا ما يقوم في طريقنا من صعوبات وعراقيل، فما علينا إلا السعي المتواصل في سبيل الدعوة إلى الله، وإسعاد الإنسانية في العاجلة والآجل. و ﴿اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾.

стр. 79

٨ - على مائدة القرآن ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ إن المجد الحق هو مجد الخلود، الذي توج الله به كتاب هذه الأمة، وهذه الآية حي مفتاح عظمة القرآن، لأنها آية خلوده وبقائه على تعاقب الدهور والأنمان. إن هذه الآية لترغم أنف الشيطان، فتنبت في القلوب المجدبة من الايمان، شجرة الإيمان فالناس يتلون هذه الآية منذ اربعة عشر قرنا إلى الآن، ولم يروا ما يغير معناها أو يفند خبرها، فمازال القرآن يتحدى الزمان، ويهزأ بالحدثان، لم تستطع أية قوة في الدنيا أن تنقص منه حرفا أو تزيد كلمة، أو تغير عبارة، ومازالت هذه الآية الكريمة تقرع الآذان وتجلجل الأسماع، مذكرة لهذا التحدي مجددة لهذا الإقناع، معلنة في الناس بأن هذا الكتاب لو كان من صنع البشر، لبان ذلك وظهر، ولفضحت دعوة محمد وانتهى أمر هذا الكتاب، إلى ما انتهى إليه أمر الكتب التي تقدمته، ولكنه كلام الله الذي ميزه دون ما سبقه من الكتب، بالخلود أبد الدهر. ورغم ذلك فليست عظمة القرآن في خلوده بقدر ما هي في سبب خلوده فإن السبب في أن الله تكفل بحفظه، أنه كتاب دين جعله خاتمة الأديان، فيجب أن يبقى على وجه الزمان، لأن الله جعله صالحا لكل زمان. ولذا لم يتكفل بحفظ الكتب الأخرى، لأنها أنزلت لزمن خاص ولجيل معين من الناس، فحفظها لا تترتب عليه فائدة، وبهذا تقوم الحجة، على من لم يذعن لدعوة الإسلام، وناصب أهله العداء ولج في الخصام. ولهذا فإنني أكاد لا أومن بأن الباعث على التنكر للإسلام ديني محض، بل هو باعث سياسى أكثر مما هو ديني، فإن الإيمان بالاسلام لا يتنافى- بحال-

стр. 80

مع الايمان بالأديان السماوية الأخرى بل إن الأمر على العكس، فإن الأديان إذا كان مصدرها واحدا- أي أن باعث أنبيائها واحدا وهو الله- فإن الإيمان بأحدهما لا يكفي، ولاسيما إذا نبه الأنبياء إلى ذلك ودعوا- جميعا- إلى الإيمان بها جميعا- والقرآن مفعم بالأدلة على ذلك، وحسبنا قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾، بل إن الفائدة لا تتم إلا بذلك فإن الله إذ يبعث إلينا بنبي، بعد نبي، وبدين بعد دين، ليبعث بالقانون الإجتماعي الصالح لكل زمن ولكل جيل، فكلما اقتضى حال جيل من الأجيال، قانونا جديدا، نسخ الله القانون السابق أو عدله بقانون آخر، هكذا تطورت الأديان، حسب تطور حال الإنسان، فلما بعث الله محمدا ﷺ كان الإنسان قد وصل إلى الطور الكامل الذي يتطلب تشريعا يتناسب مع ما وصل إليه من كمال، فجاءت شريعة محمد ﷺ بالتعاليم الملائمة لهذا الطور، والصالحة لكل طور يأتي بعده، لأنها بلغت الحد الأعلى في الكمال، فكل تشريع سبق شريعة الإسلام لم يعد صالحا لهذا الزمان، ولاسيما بعدما دخل عليه من تحريف، وزيادة، ونقصان، كما يعترف به كثيرين من أهل الأديان. ولكنها المادية التي طغت على أبناء هذا الزمان، فأفمدتهم كل تعقل وكل اتزان، وإلا فأي عذر ينهض، وأية حجة لا تدحض، لهؤلاء الذين تنكروا لدين يحمل معه آية صدقه وآية إقناعه وعدة دفاعه؟ إنهم لا يجنون إلا على أنفسهم، إذ يقفون في طريق سعادتم، ويعيشون في ظمأ روحي لافح يحرق لهواتهم، ويحرمهم أسمى شهواتهم، فالحياة المجدبة المظلمة الشقية هي التي لا تشع فيها الأقباس الروحية، ولا تستمد خصبها ونماءها من الإطمئنان إلى قوة إلاهية تسندها وتحميها وتحنو عليها، وإن حفلت بكل أطايب الدنيا ومباهج الحياة، وإني لأرثى لأولئك الذين يقضون أعمارهم طلابا دارسين ثم يعودون أجساما بلا أوراح تتحرك كما تتحرك الساعة، ولكن لا تعرف محركها يذهبون إلى المدية بجهلهم ويعودون بكفرهم وإلحادهم، إن العلم الذي لا ينفع خير منه الجهل الذي لا يضر، وليس كل علم ينفع، ولا كل جهل يضر، ولولا ذلك لما قال ﵊: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع" بل لما قال: "إن من العلم لجهلا" وقد كان الكثير من أصحاب رسول الله، لا يعلمون من العلم ما يعلم هؤلاء الضالون المضلون، ولكنهم نعموا بهدوء بال لم يصل إليه أكبر

стр. 81

مخترعي العالم اليوم، إن كل ألوان السعاده في سكينة النفس وهدوء البال، وهذا ما يظفر به المؤمن الموقن، وما هدى إليه الإسلام، فإذا لم يظفر العالم بسكينة نفسه وهدوء باله، فهو في جحيم من الشقاء، وإن عرف كل خصائص الذرة، وأدرك كل أسرار الوجود. حقا إن هذه الآية لتدخل على النفس من برد اليقين ما لا يفعل ألف درس في الفلسفة وصدق الله إذ يقول لنبيه- مطمئنا لنفسه-: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾.

стр. 82

٩ - على مائدة القرآن ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ إذا كانت الآية السابقة-: "إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون) - عنوان مجد الخلود للقرآن فهذه الآية عنوان مجد الكمال للاسلام فهي تغلق الباب في وجه المبتدعين الذين لا تطيب لهم الحياه إلا على تعدى الحدود وتسور الأبواب، والإتيان- دائما- بجديد لا تسيغه إلا عقولهم الشاذة، فيحدثون في دين الله ما لم يأت به نص، ولم يقم عليه دليل، بدعوى الاستحسان فلا يجنون من صنيعهم إلا عكس ما أرادوا، وإذا بهذا الذي أدخلوه على دين الله هو الذي يخرجهم منه جزاء وفاقا، وذلك معنى قوله- ﵊: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، وخفي عنهم أن الله ما سكت عما تبجحوا به إلا رحمة بهم وشفقة عليهم، قال- ﵊: "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم، غير نسيان، فلا تبحثوا عنها" وأدهى وأمر، من كل ما مر، تلك الرسالة المفتعلة المنتحلة عن رسول الله التي يروجها (الشيخ أحمد خادم القبر الشريف) كما هو مثبت في صدر هذه الرسالة، التي أثارت ضجة وكثر حولها اللغط، وشغلت بال كثير من الناس، حتى كتب إلينا بعضهم يسأل عن حقيقة أمرها، إنها لجراءة منكرة على رسول الله، ودناءة مفضوحة في الاتجار بدين الله، وتحيل بارد ممقوت، للعيش على هامش الحياة، إن محمدا ﷺ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونام قرير العين مرتاح الضمير، ناعم البال، لأنه ما انتقل إلى جوار ربه حتى نزل عليه من ربه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ أبعد هذا كله يأتي (الشيخ أحمد) أو غيره يكذب على الله ويتجرأ على رسول الله، ويأتينا برسالة جديده

стр. 83

من عنده ويطمع أن نصدقه؟ اللهم لا سبحانك، هذا بهتان عظيم، إنما ذلكم الشيطان يستعمل أعوانه ويستعمل ﴿سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ وإنها الغباوة تفرض على أصحابها الشقاوة، والبلادة، تحرم أهلها السعادة، وإلا فكيف عدم (صاب الرسالة) كل حيلة لكسب قوته، غير الكذب على رسول الله، الذي يقول- في الحديث الذي أتفق أئمة الحديث على أنه أصح حديث-: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" على أن هذه النغمة ليست جديدة على أسماع الناس، فلربما كانت أكبر من عمر (الشيخ أحمد) فإن هذه الفرية لقدمها قد تكون متوارثة، لأنها جربت فصادفت عند بعض العامة تربة صالحة، وإنما راجت بصفة مدهشة، في هذه الفترة الحاسمة من حياة هذه الأمة، لغرض آخر جديد غير غرض (الشيخ أحمد) وأكبر منه، غرض تعين على فهمه وتفسيره الحالة الحاضرة، لعله يراد به صرف تفكير الأمة عما يسبب القلق لمستغليها وتخدير شعورها، فتخلد إلى الدعة، والسكون، وذلك ما لا يكون. كما أن هذه الآية الكريمة تقطع حجة الذين يرون أن الإسلام أصبح بحاجة أكيدة إلى أن تلحق به أشياء كثيره وتضاف إليه مسائل جديدة اقتضتها حالة العصر وأوضاعه الحديثة، فنقول لهم- على ضوء هذه الآية-: إن الإسلام غني عن كل زيادة، بريء من كل نقص، ولو كان يحتاج إلى زيادة أو بقي على شيء من النقص، لتكفل الله بتلك الزيادة ولسد ذلك النقص خصوصا وهو الدين الذي جعله الله خاتمة الأديان، وجعله صالحا لكل جيل ولكل زمان، فكيف يترك الباب مفتوحا لهؤلاء المتطفلين المتفلسفين. ولكن الله أغلق الباب في وجه كل متطفل متفلسف، قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، والكلمات: (أكملت)، (أتممت)، (رضيت) في الآية، تنطق كلها بالعناية البالغة بهذا الدين وبهذه الأمة. إن هذه الآية براعة الاختتام لهذا السفر الخالد، وتاج المجد لهذه الأمة التي أودع الله بذور حياتها فيه، فمهما تتأخر عن ركب الحياة، ومهما تفقد من وسائل الحياة، فإنها لابد ستتقدم الركب وتأخذ بالزمام، لأن القرآن الذي تكفل الله بحفظه، وأناط به حياتها مازال محفوظا في الصدور، منذ قال الله: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر﴾

стр. 84

أوضاع منذ قال الله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. ولذا روى الأئمة عن طارق بن شهاب قال: (جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرءونها لو علينا أنزلت معشر اليهود لاتخدنا ذلك اليوم عيدا ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، فقال عمر: "إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه، نزلت على رسول الله ﷺ بعرفة يوم جمعة". على أن هذه الأمة مازالت تقيم للقرآن ثلاثين عيدا كلما أقبل رمضان، شهر نزول القرآن، ولكن العبرة بالعمل بالقرآن، لا بمجرد إقامة عيد أو احتفال بالقرآن.

стр. 85

١٠ - على مائدة القرآن ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ ما شاء الله! إنها لصورة طبق الأصل لطبقة كبيرة في المجتمع، يخدعك مظهرها اللماع المتبجح عما يخفي وراءه من تفاهة وحقارة وزيف، طبقة تعيش على حساب المجتمع- ما دام لم لبلغ رشده ويعمق تفكيره- بهذا المظهر الخادع الذي يغري السذج والبسطاء، كما يغري الظامئ الضارب في البيداء، وقد اشتد لفح الهجير، بالصراب الذي يحسبه ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، وكما يشير إليه ذلك المثل الطريف من أمثال الحيوان الذي يحدثنا عن القرد الذي أبصر طبلا معلقا في شجرة كلما هزت الريح أغصان الشجرة سمع لذلك الطبل دوي مفزع فلم يجرؤ على الدنو منه مخافة أن يكون هذا الصوت المدوي عنوانا لخطر عظيم يشتمل عليه الطبل حتى إذا طال به الأمر وتكرر المنظر وذهب عن القرد ما كان يجده من فزع دنا من الطبل ثم شقه فإذا هو فراغ فقال: لعل أعظم المخلوقات صوتا وأكثرها تبجحا وثرثرة أقلها غناء وجدوى، وإن الصورة القرآنية إذ تقابل بين الجسم واللسان- ترجمان الجنان- لتعطى المقياس الصحيح للمفاضلة بين إنسان وإنسان، فلا يدل على قيمة الإنسان، كاللسان، ومن هنا قال علي ﵁: "تكلموا تعرفوا، فإن المرء مخبوء وراء لسانه" وقال سقراط لشاب في مجلسه لم يتكلم: (تكلم لأراك)، وما أجمل التعبير عن السماع بالرؤية والله لم يمتن على عبده بنعمة بعد نعمة خلقه أعظم من نعمة لسانه: إذ يقول: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾. إنها لصورة رائعة من صور القرآن تهيب بالناس أن يتعلموا ولا يكتفوا بالمظاهر الكاذبة التي لا يطول أمدها إذ سرعان ما يفضحها الواقع، وإنني ما قرأت هذه الآية إلا ذكرت قول الشاعر الماكر:

стр. 86

لا بأس بالقوم من طول ومن عظم ... جسم البغال، وأحلام العصافير فإنه يكاد يكون نظما لها، فنضر الله وجوه الشعراء. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ هكذا ينبغي للمؤمن أن يكون- دائما- على احتراس من عدوه الذي يرصد غفلته ويتربص به الدوائر، فإن الشيطان لا ينفذ إلى قلب الإنسان إلا من هذه الثغرة- عندما يغفل عن ذكر ربه- الذي هو الحارس، القوي الأمين، على القلوب، فإذا كان المؤمن دائم الذكر لربه، لم يجد الشيطان ثغرة ينفذ منها إلى قلبه، وأولائك هم عباد الله حقا، الذين يعيشون في حمى منيع من ذكر الله والذين شرفهم الله بإضافتهم إليه في قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾، نعم كيف يكون عبدا للشيطان، من كان عبدا لله واحتمى بحماه، فإذا غافلهم الشيطان، وخادعهم ومسهم منه طائف- وقلما يكون- ﴿تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾، تذكروا الله، وصلتهم به وتذكروا وعده ووعيده، وثوابه وعقابه، فأبصروا حقيقة موقفهم وعاقبة أمرهم، فأنكفأوا راجعين إلى ربهم، تائبين من ذنبهم، محتاطين لمستقبلهم غير متورطين مرة أخرى في مثل غفلتهم، فيعاملهم الله بما هو أهل له وما هم جديرون به من غفرانه وفيض إحسانه، فإنه يقول: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ بله قوله ﷺ : "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابين". هكذا المعدن النفيس لا يقضى عليه ما يمتد إليه من صدأ أو غبار، بل مجرد شيء من تطهير بصلحه ويرد إليه نفاسته، وإن الله- لواسع رحمته وفضله- لا يرد عن بابه ولا يطرد من رحابه كل من هفا أو زلت به القدم من عباده، إنما يرد المستهترين بدينه المصرين على مخالفته، من ذوي المعادن الزائفة والدخائل السيئة. إنها لآية موجهة تعطى درسا عظيما في يقظة القلب وسد منافذه جميعا في وجه الشيطان، وفي الوقوف موقف الحزم أمام هو اجس النفس، ونوازع الهوى. ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ هكذا يملي الله للظالمين، ويمدهم في طغيانهم ويغرهم بما يوفر عليهم من وسائل

стр. 87

المتعة وألوان النعيم، وبما يفتح عليهم من أبواب كل شيء، وهكذا ليفتنهم بكثرة ما يشغلهم به عن التفكير في عقباهم والنظر في مصيرهم والاستعداد لمعادهم، وبينما هم كذلك غارقون في ملذاتهم منهمكون في شهواتهم منصرفون عن ربهم فرحون بما أوتوا من أفانين سعادتهم، إذا هم يؤخذون على غفلة ويبطش بهم على غرة، وإذا هم أثر بعد عين، ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾، فلا يغتر عاقل بما يرى فيه الظالم من نعمة أتيحت له ليكون فيها حتفه ويضاعف بها إثمه، ثم يتركها لمن يخلفه يأكلها ويلعنه: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾. والعبرة التي تؤخذ من الآية أن توفر أسباب النعيم في هذه الدنيا لا يكون- دائما- دليلا على السعادة الحقة، بل كثيرا ما كان من أسباب النقمة، ومن علامات غضب الله، كما نرى ذلك متوفرا عند الطغاة والجبابرة بصفه تلفت النظر إلى هذا المعنى وتثبته في النفس ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ وبذلك ينظر المؤمن- إلى هذا الظل الزائل وإلى هذه الحبائل التي تنصب لهذا الصيد الأبله الجاهل الذي هو الإنسان- نظرة استخفاف وأزدراء.

стр. 88

١١ - على مائدة القرآن عباد الرحمن ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤) أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ إنها لصورة كاملة واضحة لعباد الرحمان، ولما يجب أن يطمح إليه من كمال، كل إنسان، لا تحتاج إلى شرح أو بيان، بل كل شرح أو بيان يحط من قيمتها ويشوه من جمالها، وصدق الله العظيم إذ يقول لنبيه الكريم: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾، وصدق جعفر الصادق إذ يقول: "لقد تجلى الله لعباده في كلامه، ولكن لا يبصرون) إنما نتناول الآية من موضع العبرة فيها لا غير، بأن نقارن ما تضمنته من وصف عباد الرحمن، بما نحن عليه الآن، ليكون ذلك حافزا لنا على السير على منهاجهم والتخلق بأخلاقهم، وهذا نفس ما قصد إليه القرآن. فعباد الرحمن يصفهم القرآن، بالتواضع والوقار إذ يقول: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾، ونحن قلما نمشي هونا، لأننا نمشي

стр. 89

مسوقين بدوافع من دنيانا ومقودين بجواذب من هوانا، وما أحكم الإسلام، إذ يلحظ سلوكنا حتى في مشيتنا لنعطى للأمم المثل الأعلى في كل شيء. ويصفهم بأن لهم أحلاما، إذ يقول ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾، وأين منا نحن أولو الأحلام وتصرفاتنا تتحكم فيها القوة الغضبية، فحياتنا كلها شجار وخصام. ويصفهم يأنهم لا يبيتون نياما، وإنما يبيتون سجدا وقياما، إذ يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ وأين اليوم هؤلاء، إنهم لأعز من الكبريت الأحمر، وإنما الذين يوجدون بكثرة هم الذين يتهاونون بالفرض ويسهون عن المكتوبة فيستحقون الويل الذي وعد الله به أمثالهم إذ قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ويصفهم بأنهم لا يعرف الغرور سبيلا إلى نفوسهم بل هم دائما كما قال الله: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ لذلك فهم دائما يطلبون الكمال ويطمحون إلى المزيد من صالح الأعمال ولا يفتأون مع ذلك- يستغفرون وإلى ربهم يتضرعون ويقولون: ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾، أما نحن فما أسرع ما يقف بنا الغرور في منتصف الطريق، يوحي إلينا بأننا قمنا بكل ما علينا. ويصفهم بالرشد والكياسة وحسن التصرف إذ يقول: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾، أما نحن فما أبعد الرشد وحسن التصرف منا فنحن- إذ ننفق- إما مسرفون أو مقترون، وكلا الأمرين ذميم. ويصفهم بصحة العقيدة والإخلاص في العمل، والوقوف عند حدود الله، إذ يقول: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ ونحن لو صحت عقيدتنا في الله وأخلصنا العمل لله ووقفنا عند حدود الله لما سلط علينا من لا يرحمنا ولا يخاف الله. ويصفهم بتحري الحق في كل ما يأتون فلا يشهدون الزور، ولا يحضرون اللغو إذ يقول: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾، ونحن أطلقنا لألسنتنا العنان تمدح بغير حق وتذم بغير حق، وتلك هي شهادة الزور بعينها، أما

стр. 90

اللغو فقد أصبحت سوقه هي السوق الرائجة النافقة لدينا، وليس اللغو إلا هذا الهراء مما يسمى أدبا وهذا الفحش مما يدعى غناء، وهذا الرقص الداعر والتمثيل السخيف الذي يسمى فنا. ويصفهم القرآن بأن لهم قلوبا رقيقة تتأثر بكلام الله وتعتبر بآيات الله إذ يقول: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾، ونحن على النقيض من ذلك تماما قد قست قلوبنا ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾. ويصفهم بالطموح إلى معالي الأمور في الدنيا والدين إذ يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، ونحن قد رضينا بالدون في الدنيا والدين. الحق أننا في واد وعباد الرحمن الذين وصفهم القرآن في واد، لأننا في واد، والقرآن في واد، حتى كأننا موكلون بمخالفة القرآن، فإذا أردنا أن نكون من عباد الرحمن، فلنتأدب بآداب القرآن. والعبرة البليغة في هذه الآية الكريمة، والدرة اليتيمة في هذا العقد الثمين، أن كل ما ذكر من وصف لعباد الرحمن يرجع إلى شيء واحد، هو الصبر فمن ظفر بذخيرة كبيرة من الصبر، فقد ظفر بما يؤهله لأن يكون من عباد الرحمن، ويسلكه في هذه القائمة النابهة من أهل الإيمان، التي خلد القرآن ذكرها على توالي الأزمان، فلا غرو أن يكون التعقيب الأخير على هذا الوصف المغري المثير، هو قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ (بِمَا صَبَرُوا) وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ هكذا (بِمَا صَبَرُوا) مع أن الصبر الذي استحق به عباد الرحمن هذه الكرامة لم يذكر في جملة أوصافهم، ذلك هو موضع العبرة، ومكمن السر، فكل ما ذكر من هذه الفضائل هو الصبر بعينه، ولولاه لما كان شيء منها، وهل نبلغ ما نحب إلا بالصبر على ما نكره؟ وهل تقع فيما نكره إلا بحرصنا على ما نحب؟ ذلك الحرص الذي أغرى آدم وزوجه بالأكل من الشجرة التي نهى الله عنها، فكان البذرة الأولى للمعصية، فلا عجب أن يحرم من الجنة كل عبد للشهوة وأن يوضع على باب الجنة هذه اللافتة العجيبة من كلام رسول الله: "حفت الجنة بالمكاره".

стр. 91

١٢ - على مائدة القرآن ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ بهذا الفصل- أيها القراء الكرام- تودعون رمضان، وتصدرون عن فائدة القرآن، بعد أن تناولتم منها ما فيه غذاء الأرواح، وشفاء النفوس، وإيقاظ الشعور، وإرهاف الوجدان. فحذار أن تنسوا ما سمعتم، أو تهملوا ما حصلتم، أو تحولوا عما كنتم، أو تقطعوا من حبال الله ما وصلتم، فتكونوا ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾، ونبي القرآن يقول: "حسن العهد من الإيمان"، فرمضان الذي رافقتموه ثلاثين مرحلة، وعاشرتموه ثلاثين يوما ليأخذ عليكم من الله ثلاثين عهدا، فلا تخونوا عهده، ولا تخونوا ذمته، ولا تسيئوا إلى ذكراه، فبعد أحد عشر شهرا تلقونه، فبأي وجه تلقونه، فاذكروا هذا بجانب ما قرأتم في مائدة القرآن، ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾، ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ﴾. "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان" هكذا، أقام الله العمران، على تبادل الإحسان، فالإحسان هو الرباط الوثيق بين بني الإنسان ولذا لم يكف الأمر بالعدل في القرآن، بل قرنه الله بالإحسان، إذ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، وإذا كان للعدل مزية حفظ الحقوق، فإن للإحسان مزية بذلها والسخاء بها، وهذا لا شك أفضل، ولا عجب أن يكون النفل أفضل من الواجب في بعض الأحيان، فالسلام أفضل من رده، وإن كان الأول سنة والثاني فرضا، وهذا بالنسبة للأمة، أما بالنسبة للإمام فلا أفضل من العدل الذي يحفط لكل فرد في الأمة حقه، بل إن الذي مكنته من حقه قد أحسنت إليه

стр. 92

كل الإحسان، والإحسان- مع ذلك- يرتفع إلى مرتبة الواجب، متى أصبح جزاء، ومن هنا كان رد السلام- إذن- واجبا، لأنه جزاء الإحسان بالسلام، كما قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾؟، ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾، وهو معنى المثل السائر: (الإحسان قروض)، وإذن، فالمحسن إلى غيره محسن إلى نفسه، كما قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾، وهذا مما يجعل العاقل يحرص على بذل الإحسان، فكل محسن سيجني ثمره ما زرع من الإحسان، وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. إن الإحسان في الأمة قوة تسند كيانها، وتوثق بنيانها، وتوطد أركانها، إذ تربط بين قلوب أفرادها، وتؤلف بينها، بما تبث فيها من محبة وتزرع من مودة، ولا عجب فقد (جبلت النفوس على حب من أحسن إليها)، ولا عجب- لذلك- أن يكون الله مع المحسنين كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، فمن تدرع بهذه القوة وكان الله معه فلا سبيل لأحد عليه ولا تمتد يد ظالم إليه، وهو وعد الله الذي لا يتخلف إذ قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾، ومن هنا قال ابن عباس ﵁: (صاحب المعروف لا يقع، وإن وقع وجد متكأ). هذا باذل الإحسان، أما باذل الإساءة وباذر الشر- وهو الظالم- فلابد أن يقع، وإذا وقع فلا يجد متكأ، كيف يجد الظالم متكأ وهو لم يمهد لهذا المتكأ، وإنما بذر بظلمه وإساءته بذور الشوك في طريقه، والحسك في فراشه، وهو قد حاد الله باعتدائه على خلقه، وارتكابه ما حزم على نفسه قبل خلقه، إذ قال في الحديث القدسي: (يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا!) وإذا لم يجعل الله على المحسنين إلى خلقه سبيلا لظالم من خلقه، فإن الظالم بعكس ذلك قد عرضه للمهالك، وجعله بادي المقاتل لكل رام، إذ قال:- بعد الآية المتقدمه-: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ وذلك هو دفاع الله الناس بعضهم ببعض، الذي حفط به ملكه من فساد عباده، إذ قال: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾، وذلك هو تسليط ظالم على ظالم ليبيد الظلم بعضه بعضا كما قال الشاعر: "وما ظالم إلا سبيلي بظالم"

стр. 93

إن الظالم- إذن- لا يجني إلا على نفسه، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ فهو في الدنيا يبيت على وجل، لا يستقر به مضجع، ولا ينام له جفن، ولا يهدأ له قلب، وكيف وقد أطار الهدوء من كل قلب وأثار البغضاء في كل نفس، وفي الآخرة لا يجد أمامه إلا ظلاما يعلوه ظلام، كما قال- عليه الصلام والسلام-: "الظلام ظلمات يوم القيامة" فتستبد به الندامة التي يعبر عنها القرآن بذلك الأسلوب المفزع إذ يقول: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾، وإذ يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. ولكن هنالك تنقطع الحجج وترفض المعاذير ويرد الشفعاء، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾، و ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾، لأنها دار الجزاء، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾، والويل لمن تزود إثما ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾.

стр. 94

١٣ - على مائدة القرآن وداعا يا رمضان ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ ها هو رمضان الكريم قد توارى من الأفق هلاله الحبيب بعد أن لقننا أعظم الدروس، وترك آثاره الطيية في النفوس، كما يترك الغيث أثره في المكان الجديب فيحيى الأرض بعد موتها فإذا هي جنه وارفة الظلال، دانية القطوف يانعة الثمار: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾. إن أعظم درس لقنه رمضان للنفوس المؤمنة أن راضها على خلق الصبر العظيم، فأصبحت أربط جأشا في الملمات، وأصلب عودا على مكاره الحياة، ويرشدنا إلى ذلك قائدنا العظيم بأسلوبه الحكيم إذ يقول: "ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر" نعم: ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر، فليس أمد الامتحان إلا فترات عابرة من الزمان ثم تنقضي ويبقى الأثر الصالح أو السيء في نفس الإنسان، وهو معنى قوله ﵊: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى" فمن لم يصبر لطارق الحدثان- وليس الصبر إلا أمدا يسيرا- كانت مصيبته مضاعفة بشدة وقعها وسوء أثرها، ومن اعتصم بالصبر عند نزول المكروه هانت عليه المصيبة، لأنه كان أصلب عودا أو أقوى تحملا، وجنى بعد ذلك ثمرة الصبر الحلوة، والصبر غالبا لا يكون من حظ ضيق الأفق ولا ضعيف الإيمان لأنهما ليس لهما من هاتين الدعامتين القويتين ما يحملهما على الثبات لآثار الصدمات ليجنيا بعدها ثمرات الصبر على الملمات، فكم من نفوس عصفت بها الحوادث والأزمات كما تعصف الريح العاتية بضعيف النبات. فالصبر إذن يقوم على دعامة قوية من الإيمان، فمن عدم الإيمان عدم الصبر، ولذا يفزع ضعاف الإيمان كلما أقبل رمضان- بل إننا نسمع عن كثير من

стр. 95

المسلمين- أنهم ينصبون موائد الطعام في ساعة الزوال من رمضان، ومنهم من يستحي من الناس ولا يستحي من الله فيفر إلى أوروبا كلما أوشك هلال رمضان على الطلوع ليهدر كرامة دينه هناك ويجلس على موائد الخنزير والخمر في نهار رمضان فينتهك حرمات الله ويملأ جوفه مما حرم الله ويقطع صلته بإخوانه في الله، ولكن هذا الصنف في الأمة لا يكون إلا ممن تلقى تعليمه وثقافته في معاهد أروبا التي ليست إلا أجهزة للتبشير ظاهرها التثقيف وباطنها التنصير، وقد ظهر أثر هذه المعاهد في نفوس أبنائنا الذين تلقيا تعليمهم فيها بصفة مفزعة محزنه، وإني إن نسيت كل شيء فهيهات أن أنسى تلك الكلمة الخبيثة الرعناء التي فاه بها ذلك الفم القذر بأم الخبائث إذ قال له أحد أقاربه: إن الصيف قد أقبل بحره الشديد ولا نأمن على أولادنا غائلة البحر، وإن خير ما ينقذنا منها أن ندخل أولادنا المدارس العربية التي لا تعطل تعليمها في الصيف فقال له: إنني أفظل أن يغرق أولادي في البحر على أن يقرأوا العربيه، إن المسلم العربي ما كان ليفوه بهذه الكلمة النكراء لو لم تتلق نفسه بذورها الخبيثة السامة في المعاهد الإفرنجية، فيالله لهذه اللغة التي يحاربها أعداؤها وأبناؤها على السواء! وإذن فمن رزق الصبر فقد أعطي العصا السحرية التي تصنع المعجزات، وهل صنع المسلمون ما صنعوا من معجزات في فجر تاريخهم إلا بهذه العصا السحرية التي هي الصبر؟ وهل يغلب عشرون مائتين إلا بالصبر؟ كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ وكما قال: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ وهل وصلت إلينا هذه الذخيرة الغالية من تعاليم الإسلام السامية إلا على جسر عظيم من الصبر؟ فصبر أولئك الجدود الأبطال على ما أصابهم في سبيل الإحتفاظ بالإسلام من أعداء الإسلام هو الذي أوصل إلينا الإسلام. وهل سائر الفضائل إلا نابعة من الصبر، فالشجاعة صبر على المكروه، وبذل المال صبر على فقده، والحلم صبر على جهل الجاهل وهكذا. وفي السلوك الديني يبرز أثر الصبر أكثر حتى قيل: الصبر ثلاثة، صبر على طاعة الله بمعنى الثبات عليها، وصبر عن معصية الله بمعنى كبح النفس عنها، وصبر على قضاء الله بمعنى حبسها عن الجزع، فلا عجب إذن أن يقول الله تعالى:

стр. 96

﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ فيجعل الجزاء بدار النعيم على الصبر وحده لأنه الفضيلة الجامعة لسائر الفضائل والمنبع القوي لجميع الكمالات.

стр. 97

هذا القرآن هذه ألوان من مائدة القرآن رأينا حاجة الناس إليها في رمضان أشد حاجتهم إلى ما يملؤون به موائدهم من ألوان نرجو أن تكون غذاء نافعا لأرواحهم وعقولهم، ودواء شافيا لنفوسهم وقلوبهم ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وبعد فإذا كنا حقا نقاسي أزمة أخلاقية عامة تتطلب منا ثورة أخلاقية عامة، ترد إلينا رصيدنا العظيم من الخلق العظيم، وإذا كان نبينا هو المثل الأعلى للخلق العظيم، وإذا كان كتابنا هو المصنع العظيم للخلق العظيم، والمورد العذب لخلق الرسول العظيم، وهو لم يزل بين أيدينا مكتوبا، وفي صدورنا محفوظا، فلم لا نعود إليه نصحح أخطاءنا عليه؟ ولم نهجر القرآن ومفتاح سعادتنا لديه؟ لنخش- على الأقل- فضيحتنا يوم يقوم الأشهاد فيشهد علينا من لا ترد شهادته، يشهده الله الذي يقول له: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ يشهد علينا نبينا بأننا هجرنا القرآن: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾. إن دواءنا في أيدينا فلسنا مرضى، وإن كنزنا في أيدينا فلسنا فقراء، وإن سعادتنا في أيدينا فلسنا أشقياء، شيء واحد ينقصنا ويجب أن يكون، هو المبادرة بالعلاج والمسارعة إلى الخير والعمل بالقرآن "كلكم يدخل الجنة إلا من أبى" كما يقول ﵊ من حديث.

стр. 98

من معاني العيد ألقيت نظرة على المجتمع الإسلامي في هذا البلد يوم العيد فأحسست بشيء من الغبطة والإبتهاج يغمر نفسي ويهز كياني لأني لمحت على الوجوه وميضا من هذه الغبطة وشعاعا من هذا الابتهاج، وكنت قبل ذلك أرى الكآبة مرتسمة على الوجوه وأتبين العبوس مخيما على الجباة، فعلمت أن معنى من معاني الأخوة الإسلامية التي أقفرت منها البيئة الإسلامية، قد تسرب إلى النفوس، فأحدث فيها هذا التغير المحسوس ثم نقلت قدمي هنا وهناك مطوفا في شوارع العاصمة المزدحمة بالناس، المكتظة بمختلف الأنماط والأجناس، محولا طرفي من وجه إلى وجه، أتفحص وجوه المسلمين من بين الوجوه كلها واستفسر سحناتها من بين السحنات أجمعها، عما تكنه النفوس وتنطوي عليه الضلوع، و (الوجوه مرايا النفوس تضيء بضيائها، وتظلم بظلامها) كما يقول أحد الكتاب المعاصرين، فلم أر إلا البشر تطفح به النفوس وتنضح به الوجوه، ثم تتبعت الأنحاء التي تكثر فيها عادة أشباح البؤس وأنضاء الحرمان والفقر، فلم أجد أي أثر مما كانت تموج به أمثال هذه الأنحاء من مناظر تشمئز منها النفس، وينقبض لها الصدر، وتقذى بها العين، فازددت غبطة وسرورا، ولكني قلت في نفسي: ما الذي يمنع المسلمين- يا ترى- أن يكونوا دائما هكذا كالأسرة الواحدة التي يشترك سائر أعضائها، في نعماء الحياة وبأسائها؟ ومن أولى من المسلمين بأن يكونوا كذلك ونبيهم صلى عليه وسلم يقول: "مثل المؤمنين في تواددهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"؟

стр. 99

ومن أولى من المسلمين بأن يكونوا متكافلين متضامنين متعاونين ونبيهم الحريص على سعادتهم يقول: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا؟ وحالتهم اليوم أدعى إلى أن يكونوا كذلك، إنهم أضعف شوكة وأهون شأنا من سائر الأمم، إنهم غنيمة باردة في يد المحتل ولقمة سائغة في فم المستعمر، ومن أولى من الضعفاء بالإتحاد والتضامن؟ يا أمة التوحيد: إنه لا ينقذك إلا التوحيد توحيد الصفوف، وتوحيد الجهود، وتوحيد الكلمة، وتوحيد الهدف، فإن لم يوحدك دينك فإن لك من وضعك الشاذ، وحالتك السيئة، وحياتك البائسة، ما يوحدك ويجمع كلمتك، ويدفع بك إلى أن تقفي صفا واحدا في وجه من يريد ابتلاعك ومحو إسمك من سجل الأحياء وليكن لك من الدرس الذي ألقاه عليك دينك في رمضان وفي يوم العيد، ما ينير سبيلك ويسدد خطاك، حيث وحدك يسوي بين غنيك وفقيرك في الحرمان، بصيام رمضان، ووحدك وسوى بين مرزوقك ومحرومك في الابتهاج والبشر، بما أوجبه في العيد من زكاة الفطر ...

стр. 100

هدايا العيد يتهادى الناس في أعيادهم أنواعا من الهدايا تختلف باختلاف أصحابها، وقد فكرت في شيء أتحف به القراء- في هذا العيد- فلم أجد أسمى ولا أغلى من هذه الصفحة الرائعة من سير أجدادهم ومنتخب أقوالهم، فعسى أن يقتفوا خطواتهم، ويسيروا على آثارهم: لما غضب الصالح إسماعيل على العز بن عبد السلام وطرده من الشام، وصار الشيخ في الطريق، بعث إليه بعض صنائعه يسترضيه ويقول له: بينك وبين أن ترد إلى مناصبك وما كنت عليه وزيادة أن تنكسر للسلطان وتقبل يده لا غير، وهنا تعلن نفس الشيخ عن كرم معدنه، وتجرى على لسانه هذه الكلمات القوية المتحدية ويقول له: والله يا مسكين ما أرضاه يقبل يدي فضلا عن أن أقبل يده، يا قوم أنتم في واد، ونحن في واد، والحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به. لما آلت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز ﵁ مما توج به أعماله، أن رد المظالم التي أقدم عليها من سبقه من الخلفاء الأمويين، وقال: إنه لا ينبغي أن لا أبدأ بأول من نفسي، فنظر إلى ما في يده من أرض أو متاع، فخرج منه، ثم نظر إلى فص خاتم وقال: هذا مما كان الوليد أعطانيه مما جاء من أرض المغرب، فخرج منه، ولما جاءته عمته ترجوه أن يرد إلى بني أمية ما وصل إليهم من طريق من سبقه أبى، فقالت له: إني رأيتهم يتكلمون، وإني، أخاف أن يهيجوا عليك يوما عصبيا- كأنما تهدده بثورتهم- فقال- واثقا-: كل يوم أخافه دون يوم القيامة فلا وقاني الله شره، ثم سطوا- بعد ذلك- ابنه عبد الملك قائلين له: إن من كان

стр. 101

قبله من الخلفاء كان يعطينا ويعرف لنا مواضعنا، وإن أباك قد حرمنا ما في يده، فأخبر عبد الملك أباه بذلك فقال: قل لهم: إن أبي يقول لكم: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. كان عمر بن الخطاب ﵁ يسير مع بعض أصحابه، فلقيته امرأة من قريش، وكان واضعا يده على كتف صاحبه، فقالت له: يا عمر، فوقف لها، قالت: كنا نعرفك مدة عميرا ثم صرت من بعد عمير عمر ثم صرت من بعد عمر أمير المؤمنين، فاتق الله يا بن الخطاب، وانظر في أمور الناس، فإن من خاف الوعيد قرب عليه البعيد، ومن خاف الموت خشى الفوت، فقال لها صاحبه: يا أمة الله، أبكيت أمير المؤمنين، فقال له عمر: أسكت، أتدري من هذه؟ هذه خولة بنت حكيم التي سمع الله قولها من سمائه، أي صاحبة القصة التي نزل فيها قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ (الآيات)، فعمر أحرى بأن يسمع قولها ويقتدي به. قدم عمر بن الخطاب الشام فلقيه الجنود وعليه إزار وخفان وعمامة، وهو آخذ برأس راحلته يخوض الماء قد خلع خفيه وجعلهما تحت إبطه، فقالوا له: يا أمير المؤمنين الآن تلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على هذه الحال، قال عمر العظيم- إذ ذاك-: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فلا نلتمس العز من غيره. هكذا، فلا نلتمس العز من غيره، ليت المسلمين- مسلمي اليوم- فهموا جيدا هذه الكلمة، فهم لو فهموها ثم تأثروا بها لما توددوا للأجنبي بمحاكاته في مظاهره وعاداته ولما استحوا بما يلبس عمر، واعتزوا بما يلبسوا من كان عمر يتقرب إلى الله بمعاداته. وما أبرع أحد الشعراء المعاصرين في استخدامه معنى ترجل عمر عند دخوله الشام، وسبكه في بيت رائع من قصيدة يناجي بها دمشق إذ يقول: عمر الذى وطئت سنابك خيله ... إيوان كسرى قد ترجل فيك

стр. 102

قال عمر بن ذر لأبيه: يا أبت، ما لك إذا تكلمت أبكيت الناس وتكلم غيرك لم يبكهم؟ فقال: يا بني ليست النائحة الثكلي مثل النائحة المستأجرة. تكلم الحسن يوما حتى أبكى الناس فقال: عجيج كعجيج النساء ولا عزم، وخدعة كخدعة إخوة يوسف إذ جاءوا أباهم عشاء يبكون. قال جعفر الصادق ﵁: عجبت لمن خاف كيف لا يفزع إلى قوله سبحانه: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ فإني سمعت الله يقول بعقبها: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾؟ وعجبت لمن اغتم كيف لا يفزع إلى قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فإني سمعت الله سبحانه يقول بعقبها: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾؟ وعجبت لمن مكر به كيف لا يفزع إلى قوله: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. فإني سمعت الله يقول بعقبها: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾؟ وعجبت لمن أراد الدنيا وزينتها كيف لا يفزع إلى قوله تعالى: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، فإني سمعت الله يقول بعقبها: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾؟

стр. 103

حال المسلمين اليوم دخل أحد الزهاد على الرشيد فقال له: ما أزهدك! قال: أنت أزهد مني يا أمير المؤمنين، قال: كيف؟ قال: لأني أزهد في الدنيا وأنت تزهد في الآخرة، والدنيا فانية والآخرة باقية. ماذا يقول هذا الزاهد لو قدر له أن يعيش في هذا الزمن ويرى المسلمين؟ لاشك أنه يحكم عليهم جميعا بأنهم أزهد منه ومن صاحبه، لأنه يزهد في الدنيا وصاحبه يزهد في الآخرة، ونحن نزهد في الدنيا والآخرة معا لأن أسباب السعادة في الدنيا هي أسباب السعادة في الآخرة ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾. ونحن لم نأخذ بهذه الأسباب وإنما تركنا الأخذ بالأسباب وجنحنا للراحة وأخلدنا إلى الأرض واتبعنا الهوى وقطعنا صلتنا بالله- مصدر القوة- فأصبحنا صورة بارزة للضعف، ولقمة سائغة للمستعمر. فنحن اليوم نعيش في مجتمع قد أصابه الضعف في جميع أجزائه كالمريض المجهد الذي يغالب أمراضا مختلفة تكاد تقضي عليه، وأكبر البلاء أن المرض يحتل أكبر مراكز القوه فيه وهو الشباب الذي توزعته المخامر والمقامر، وتقسمته المقاهي والملاهي، فهو صورة من الشهوة العارمة الصارمة الطاغية الباغية التي لا تبالي بأي شيء يقف في طريقها من حياء أو دين أو مروءة أو ضمير، فشبابنا يضعف عقله بالخمر ويضعف ماله بالقمار ويضعف صحته بالبغاء والتدخين ويضعف صلته بالله بقطع صلته بالدين، ويضعف صلته بتاريخه بقطع صلته بلغته، ويضعف صلته بأسرته بتقوية صفته بالمقهى والملهى ويضعف صلته بأمته بفرط أنانيته وعبادة شهوته، كل ذلك راجع إلى شيء واحد هو تنكبه الطريق الذي رسمه دينه وسار عليه سلفه فاهتدوا وهدوا وشادوا وبنوا، ولكن

стр. 104

المجتمع الإسلامي رغم ذلك كله يرجى له الشفاء لأن جراثيم الصحة تكمن في جسمه كما تكمن فيه جراثيم الداء، فداؤه منه ودواؤه فيه، ولأن ثورة نفسية عنيفة بدأت تهز كيانه وتحاول أن تنفس عن نفسها بالآنفجار، ولطول ما قاسى من ألوان الظلم والاضطهاد والإرهاق، صار لا يبالي بالموت في سبيل الخلاص، الخلاص بالموت أو الخلاص بالتحرر من العبودية التي هي أشد على المسلم من الموت: والموت لا يكون إلا مره ... والموت خير من حياة مره والحياة الشقية خير منها ملاقاة المنية، ونعم المربي الشدائد، وكما يربي الله عباده ببعثة أنبيائه يربيهم بمضاعفة بلائه، فالعالم الإسلامي قد أيقظه من سباته وقع أزماته، ونبهه إلى واجباته، وليس بعد هذه اليقطة إلا الحياة السعيدة، حياة الحرية في ظل راية الإسلام والعربية، ولكن الرجاء في الشفاء لا يغني عن الدواء، وليس لنا إلا دواء واحد وهو لا يوجد عند طبيب نصراني ولا صيدلي يهودي وإنما يوجد في كتاب الله الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ وإن في قوله ﷺ "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" لشفاء للعالم الإسلامي كله من دائه كله، لأن الذي مزق العالم الإسلامي وفكك أجزاءه هو الأنانية، الفناء في المصلحة الشخصية. ولكن إذا كان في ديننا دواؤنا فإن أكبر دائنا أننا نعرض عن دوائنا إذ نعرض عن ديننا فلنعتصم بحبل الله فلا ينقذنا من هذا الغرق إلا الاعتصام بحبل الله، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

стр. 105

حول سفر الحجاج كنت قريبا من شابين مثقفين يتحدثان بإزاء إحدى السيارات التي تنقل وفود الحجاج إلى البقاع المقدسة- عندما جئت لتوديع صديق من بينهم- وكان حديث الشابين يتناول موضوع هؤلاء الحجاج وتهافت أكثرهم على فريضة الحج دون غيرها مما قد يكون أوكد منها وأحق بالأداء فقلت: هذا موضوع طريف لا أبخل به على القراء الكرام. قال أحد الشابين: ألا ترى- ياصاحبي- إلى هذه القطعان البلهاء من أبناء وطنك كيف يتدافعون تدافع أمواج اليم حول هذه السيارة التي وقفت تنتظرهم لتحملهم كما تحمل البضاعة الرخيصه إلى أراضي الحجاز النائية؟ فأجابه الشاب الثانى مؤنبا: دع عنك هذا الكلام وطهر لسانك من الوقوع في أعراض ضيوف الله ووفود البيت الحرام، وماذا عليهم في القيام بشعيرة من شعائر الإسلام؟ - الأول: لا يا سيدى إن أكثر هؤلاء لا يفقهون معنى لشعائر الإسلام، وهب أنهم على أتم علم بها أليس في شعائر الإسلام ما هو أحق بالتقديم وأولى بالعناية ولاسيما في بلد كهذا لم يزل في بداية الطريق ولم يزل يعيش بمعزل عما تتمتع به سائر الأمم من حياة العزة والكرامة، وهذه الأموال الطائلة التي يبعثرها هؤلاء السذج البسطاء لو جمعت في كل عام لأنقذت هذه المشاريع الضرورية من الموت الزؤام؛ وإنك لو سألت واحدا من هؤلاء المغفلين مائة فرانك لبناء مدرسة حرة يتعلم فيها أبناؤه لما أجابك إلا بالرفض المشفوع بالآنتهار أو بالشكوى من الافتقار. - الثاني: ولكن لا تنس أن أهل تلك البقاع قد جعل الله أقواتهم من أموال هؤلاء البسطاء الأغرار، لأن جيران البيت الحرام يقيمون بواد غير ذي زرع وإن في

стр. 106

تدفق المسلمين عليهم من كافه بقاع العالم الإسلامى لاستجابة لدعوة جدهم إبراهيم ﵇ إذ قال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ - الأول: كيف بك لو علمت أن كثيرا من هؤلاء لم يكن حجه واجبا لأنه قد حج الواجب والسنة والمستحب، ولم يبق له إلا المكرره أو الحرام، نعم الحرام. لأن السنة إذا عاقت عن أداء الواجب كانت حراما، وهؤلاء الذين يحجون للسنة بعد أداء الحج الواجب ألا نحتاج أموالهم لأمور أخرى واجبة وجوبا تتوقف عليه حياة الأمة وتتكون منه الخطوط الأولية لسعادة البلاد، كالتعليم بكافة فروعه ومراحله وكيف وهؤلاء- إلا القليل منهم - لا ينتفعون بحجهم لأنهم لا يعرفون من الحج إلا مظاهره وشكلياته التي لا توقظ شعورهم ولا تهذب سلوكهم ولا تغير من نفوسهم شيئا- بل على العكس- رأينا الكثير ممن عاد من حجه أحرص ما كان على الدنيا وأزهد ما كان في نفع أمته. أما أن يذكروا بالحج ما كان لهم من مجد في هذه الدنيا نبتت أصوله في تلك التربة الكريمة، وأشرقت شمسه من ذلك الأفق الحبيب، كيف سعدت تلك البقاع الطاهرة بمولد الإسلام في رحابها كيف كانت موطئا لأقدام نبي الإسلام وأصحابه الأعلام الذين حملوا مشعل الهداية إلى سائر الأنام، وركزوا في كل موضع من العالم راية الإسلام، وأن هذا كله لم يبق منه للمسلمين إلا لهفة الذكرى في كل عام، وإنه يجب التفكير في عودته، وأن المسلمين- لذلك- يجب أن يتصل بعضهم ببعض من مختلف الجهات والبقاع ويتفاوضوا فيما بينهم ويتدارسوا مشكلاتهم، ويعودوا إلى بلدانهم لتحقيق ما أجمعوا عليه، فهذه كلها أمور لا تخطر لهم على بال. وطال الجدال بين الشابين بحيث لم يسعني وقتي لسماع بقية الحديث. والعبرة التي نستخلصها من موقف الشابين هي أن المسلمين أصبحوا يشعرون بحالهم ويهتمون بمشاكلهم، وأن هؤلاء الحجاج يجب عليهم أن يعرفوا الواجبات الأخرى ولا يقتصروا على الحج وحده، ومن أدى الحج الوجب فالأولى له أن لا يحج

стр. 107

مرة أخرى، وإنما يجب أن يقوم بالمساهمة في الواجبات الأخرى التي تنتظره في بلاده، ومن ذهب منهم إلى الحج فيجب أن يذهب بقلبه ليعود بروح جديدة وفكرة جديدة واستعداد للخير جديد. أيقظ الله شعور المسلمين.

стр. 108

العيد قيل لراهب: متى عيدكم؟ قال: يوم لا نعصي الله، ولا يبعد أن يكون هذا عيدا حقيقيا، فإن معصية الله تعطل حكمته، التي بنى عليها نظام الكون، وتسبب غضبه، الذي يفضي إلى شقاء البشرية. وإذا كان من معاني العيد الشعور بالفرح والسرور، فأي شيء أدعى للفرح وأبعث على السرور، كأن تنتصر على طغيان هواك، وتتغلب على جموح طبعك، وتحرز على رضا ربك، ومدبر أمرك؟ ومما يرمز إليه العيد- ولاسيما عيد الأضحى- من معان إنسانية، التضحيه، والتضحية في معناها الكامل الشامل هي الإيثار: إيثار أخيك على نفسك، وعقلك على هواك، ودينك على دنياك، أو بعبارة أخرى، إيثار مما فيه حسن العاقبة على ما فيه اللذة العاجلة، فتؤثر السماحة على البخل، والثبات على الفرار، والعفو على الإنتقام، والصبر على الجزع، والطاعة على المعصية، وبذلك تستكمل تهذيب نفسك، وسمو روحك، ووثاقة خلقك، ومتانة دينك. وما أجل معنى الإيثار في العيد، وما أقل من يشعر بمعنى الإيثار في العيد، لأن الذي وقر في نفوس الناس، وظاهرته سلطة العرف والعادة، أن العيد، ميدان لانتهاب الملذات، وإطلاق العنان للشهوات. ولكن المؤمن يجب أن يكون مرهف الشعور، شديد الآنتباه، فهو إذ يتصور محيا العيد الباسم، ومظهر أهل اليسار، وذوي الكفاف، يكسو وجوههم البشر، ويطفو على ملامحهم السرور، ويرنح أعطافهم الشعور بالسعادة، وثبت به ذاكرته، وانطلق به خياله، إلى أكواخ الفقراء، وجحور البؤساء التعساء، قد احتجبوا فيها عن الناس، حتى لا يزيدهم مظهر سعادتهم شقاء، ورؤية نعيمهم بلاء، وحتى لا يثيروا في النفوس، شماتة العدو،

стр. 109

ورثاء الصديق، ورثاء الصديق، كشماتة العدو، كلاهما يثير كامن الألم ويهيج ساكن الهم والحزن، وإذا بالعيد ينقلب في عينه حسرة وألما، ثم عطفا ومرحمة، ثم إيثارا ومكرمة. على أن هذا لا يعني أن الإسلام يحول دون التمتع طيبات الحياة، أو أن العيد يجب أن يكون مأتما، وإنما يجب أن تكون لنا نظرة فاحصة عميقة، لا تقف عند الظواهر، ولا تكتفي بصور مشهودة، عن صور محجوبة بل إن هذه الصور المشهودة، يجب أن تنبهنا، وتلفت أنظارنا إلى الصور المحجوبة، وإن هذه الوجوه الباسمة، يجب أن تذكرنا بوجوه أخرى عابسة، خصوصا وأن العيد مظهر عام لعظمة الأمة، فالشخوص المحتجبة يجب أن تظهر، ليكثر عدد الأمة في عين العدو فيبتئس، وفي عين الصديق فيغتبط، والوجوه العابسة يجب أن تبسم ليتحد مظهر الأمة، ويتحقق تضامنها، فيعلم الناس أننا أمة متحدة متضامنة، ذات كيان وشخصية، واستعداد لأن تعيد تمثيل الدور، الذي مثلته في عهدها الزاهر، فانتظم به سير العالم، وصلح عليه أمر الدين والدنيا، وشمل الناس منه عهد رخاء وصفاء وراحة البال، وفي ذلك ما يبعث على تقديرها واحترامها وأن يحسب لها حسابها ولاسيما في هذا العصر، الذي تسيره القوة، لا الحكمة، ويحكمه الأقوى، لا الأصلح، وتوجهه الشهوة، لا العقل. فيا أيها المترفون، اذكروا الذين لا يجدون ما ينفقون، ويا أيها المعيدون اذكروا الذين عيدوا في السجون، ويا أيها الآباء الذين مازالوا يتمتعون باجتماع الشمل، ورؤية الأولاد والأهل، أذكروا اليتامى الذين أغتال الموت آباءهم، والأيامى اللائي حصد الرصاص أزواجهن، ويا أيها المسلمون جميعا، لا تخدعكم المظاهر والأزياء، وأمعنوا النظر في بواطن الأشياء، ولا تحسبوا أن أمتكم هي كل ما ترون، فإن من وراء ما ترون، من هذا العدد الضئيل، عددا ليس بالقليل، ممن عدم الكساء والقوت، ولفظته البيوت، ولم يبق إلا أن يموت، وأعلموا أن العيد، يجب أن يعم الأمة كلها وإلا فليس بعيد، وأي عيد لمن ينعم بالعيش الرغيد، ومن حوله إخوان له في جهد جهيد؟ وكيف ينعم بالعيد، من يرى أطفال جاره، الذي أبعد عنهم، دون أن يعلموا له رجوعا يقضون ليلهم يتضورون جوعا، ولا يذوقون هجوعا، وأذكروا كيف كان عيدكم الدنيا بأجمعها، إذ كان علمكم يرفرف على بقاعها بأجمعها، وما بلغتم ذلك، إلا بتضامنكم وتعاونكم، وعملكم بقول نبيكم: "المؤمن للمؤمن

стр. 110

كالبنيان يشد بعضه بعضا" وبقوله: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" واليوم! "أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد ... تجده كالطير مقصوصا جناحاه" "ويح العروبة كان الكون مسرحها ... فأصبحت تتوارى في زواياه" ولكن تبدو على ملامح هذا العيد، مخايل عهد جديد، وتلوح في الأفق القربب- لا البعيد- طلائع مستقبل سعيد. حقق الله الأمل، وأدني الرجاء، وأبدل المسلمين من ضيقهم فرجا.
следующие страницы →