Полный текст (309 стр.). Показаны 281–309 · переход к 286.
стр. 281
الوجهة وحدة سياسية ووحدة قانونية لا تتعدد فيها الحكومات، ولا تختلف فيها الأحكام باختلاف الجهات.
أما البلاد غير الإسلامية فانها تعتبر دارًا واحدة لأن الأحكام التي تسري عليها طبقًا للشريعة الإسلامية أحكام واحدة لا تختلف باختلاف الجهات، ولا باختلاف الحكومات.
الجِنْسِيَّةُ فِي الإِسْلاَمِ:
وتقوم الجنسية في الإسلام على أساس الدار، فأهل دار الإسلام لهم جنسية واحدة هي الجنسية الإسلامية، سواء أكانوا مسلمين أو ذميين، ومهما تميز المصري عن السوري، أو العراقي، أو المغربي، فذلك تمييز محلي لا ينبني عليه حكم شرعي ولا يؤدي إلى تمييز في الخارج.
وأهل دار الحرب لهم جنسية واحدة مهما تعددت بلادهم وحكوماتهم، ومهما تميز الإنجليزي عن الفرنسي أو الأمريكي فذلك تمييز داخلي بينهم، ولكن أحكام الإسلام واحدة بالنسبة لهم جميعًا. على أن الإسلام لا يمنع من النظر إلى الدول الأجنبية المختلفة كل على حدة بحسب ظروفها، فيجوز أن يكون بين المسلمين وبين الإنجليز حرب، ويجوز أن يكون بين المسلمين وبين الأمريكيين عهد أو هدنة.
وأساس الجنسية في دار الإسلام هو اعتناق الإسلام، أو التزام أحكامه، فمن اعتنق الإسلام فهو مسلم، ومن التزم
стр. 282
أحكام الإسلام ولم يسلم فهو ذمي، وكلا المسلم والذمي رعية من رعايا الدولة الإسلامية، وجنسية كل منهما الجنسية الإسلامية.
стр. 283
أَيْنَ أَوْضَاعُنَا الحَالِيَّةُ مِنَ الإِسْلاَمِ ؟:
نحن معشر المسلمين في العالم كله ننتسب للإسلام، ونحرص على الانتساب إليه، ونفخر بهذا النسب الإلهي الكريم، ولكنا مع الأسف لا نعرف كثيرًا عن الإسلام، ولا يعرف أكثرنا حقائق الإسلام، ويكاد الإسلام لا يتصل بقلوبنا وأعمالنا وإن اتصل بألسنتنا وأقوالنا.
وليس يهمنا أن نعرف كيف وصل المسلمون إلى هذه الحال، ما دمنا نعرف أن الجهل بالإسلام يؤدي إلى البعد عن أحكام الإسلام، وأن البعد عن الإسلام وهجر بعض أحكامه يؤدي إلى الخروج على الإسلام، بل يؤدي إلى هدم الإسلام.
ولقد جهل أكثر المسلمين الإسلام حتى بعدوا عن حقائق الإسلام وأحكامه، وبعد المسلمون عامة عن الإسلام وهجروا أحكامه حتى خرجوا على الإسلام وهدموا معالم الإسلام.
стр. 284
وإن شئنا أن نعرف إلى أي حد بعدنا عن الإسلام فلقد رأينا فيما سبق كثيرًا من أحكام الإسلام فلننظر أين نحن من هذه الأحكام؟
إن الإسلام يجعل من المسلمين وحدة سياسية واحدة، ولقد كَوَّنَ المسلمون هذه الوحدة وحرصوا عليها من يوم أن تجمع المسلمون في المدينة، وظلت هذه الوحدة تتسع وتقوى حتى بلغت من المنعة والقوة ما لم تبلغه أية وحدة سياسة أخرى قبلها، ثم أخذ المسلمون بعد ذلك يستجيبون للأهواء والمطامع، ويفتنهم عن دينهم الحكم والسلطان، وتحركهم المنافع الشخصية والعصبيات القبلية، فانقضوا على هذه الوحدة المقدسة التي صنعها الله وأمر بالمحافظة عليها فمزقوها شر ممزق، وقطعوها إمارات وسلطنات وممالك وجمهوريات باسم الإسلام وباسم الاستقلال في ظاهر الأمر وباسم الاستغلال وباسم الاستعلاء وباسم العصبيات في حقيقته، وما فعلوا إلا أن مزقوا قوتهم ومنعتهم، وأضعفوا ملكهم وسلطانهم، هيأوا لأعداء الإسلام أن ينالوا من الإسلام، وأن يضعوا أيديهم على هذه الإمارات والسلطنات والممالك والجمهوريات باسم الاحتلال وباسم الحماية وباسم الانتداب وباسم التحالف وبغير ذلك من الأسماء التي يستظل بها الاستعباد ويستتر فيها الاستعمار، ويستعان بها على إذلال الشعوب وإخضاع الأمم.
ويوم كان للمسلمين دولة واحدة كانت دول الأرض
стр. 285
جميعًا تخافهم وترجوهم وتتود إليهم وتتهافت عليهم، وكانت كلمة هذه الدولة الواحدة هي الكلمة العليا في السياسة الدولية، بل كانت سياستها هي السياسة العالمية، أما اليوم ودول الإسلام بضع عشرة دولة عدا الإمارات والسلطنات فقد خفت صوت الإسلام والمسلمين وأصبح المسلمون سخرية أهل الأرض، وأهونهم على الناس، وأضيعهم في ميدان السياسة الدولية، وما نفعتهم هذه الدول المتعددة شيئًا وما حفظت لهم حقًا ولا ردت عنهم حيفًا، وما كانت إلا ذيلاً لغيرها من الدول تستتبع فتتبع، ويشار إليها فتخضع.
ولقد تغير الزمن فأخذ الأقوياء يتوحدون خشية الاستضعاف ويتكتلون رجاء الانتصاف ويواجهون أعداءهم الأقوياء بمثل قوتهم وبما هو أكثر منها، ولكن المسلمين لا يزالون في غمرتهم ساهون، يتفرقون ولا يتوحدون والأصل فيهم التوحد، ويتمزقون ولايتكتلون والأصل فيهم التكتل، كل وحدة وحداتهم تؤول إلى وحدات وكل دولة إلى دويلات وكل جماعة إلى جماعات وكل حزب إلى أحزاب، حتى ضيعوا قوتهم وأهلكوا أنفسهم، ومكنوا لأعدائهم بأيديهم.
والإسلام يجعل من المسلمين إخوانا متحدين متعاونين متضامنين متراحمين، ولكن المسلمين خرجوا على مبادئ الإسلام فاتخذوا لهم من أنفسهم أعداء يناوئ بعضهم بعضًا،
стр. 286
ويحسد بعضهم بعضًا، ويتجسس بعضهم على بعض، ويتحسس بعضهم على البعض الآخر ويغتابه ويقع في عرضه، فهم في تقاطع وتدابر متنافرين متنابذين، بأسهم بينهم شديد لا تجتمع كلمتهم إلا على هوى، وما تفترق إلا على هوى، لا يتعاونون وقد فرض عليهم الإسلام التعاون، ولا يتضامنون وقد أوجب عليهم الإسلام التضامن، ولا يتراحمون وقام الإسلام على التراحم، وليس هذا شأن الأفراد وحدهم وإنما هو شأن الدول الإسلامية أيضًا، فهي على تقاطع وتدابر لا تجتمع إلا على هوى وما تفرقت إلا عن هوى، ليس لها منهج تسير عليه، ولا هدف تنظر إليه، ولا تتعاون في أمر الإسلام الذي تنتسب إليه.
والإسلام يفرض على المسلمين أن يكون لهم إمام واحد، ويوجب قتل من ينازعه في إمامته أو يشاركه فيها أو يعمل على تمزيق وحدة الجماعة، ولكن أئمة المسلمين اليوم لا تعد كثرة حتى لقد خال أحدهم في معرض السخرية أن الإسلام جعل للمسلمين إمامًا واحدًا وجعل للكفر أئمة، فإذا زاد عدد أئمة المسلمين عن واحد فهم أئمة الكفر، وهذه السخرية لا تبعد عن الحقيقة فما ليس إسلامًا فهو كفر، وإذا أوجب الإسلام على المسلمين أن تكون لهم دولة واحدة وإمام واحد فلم يفعلوا ما يوجبه عليهم إسلامهم وجعلوا لأنفسهم دولاً وأئمة فما هم بمسلمين حقيقين بوصف الإسلام، وعملهم كفر خالص إن فعلوه متعمدين غير متأولين.
стр. 287
والإسلام يوجب على المسلمين أن يكون أمرهم شورى بينهم، وأن يختاروا رئيس الدولة الأعلى، ولكن أكثر رؤساء الدول الإسلامية لا يختارهم المسلمون، إنما يفرضون على المسلمين فرضًا بقوة القانون أو بقوة العصبية أو بقوة الاستعمار وما في ذلك كله من الشورى شيء.
ورئيس الدولة الأعلى يستمد سلطانه من الأمة ويستند في وظيفته إلى رضاء الأمة عنه وهذا هو الأصل في الإسلام، ولكن التاريخ يشهد أن أكثر رؤساء الدول الإسلامية لم يستمدوا سلطانهم من الأمة ولم يعتمدوا عليها ولم يستندوا في بقائهم في مناصبهم إليها، وإذا كان بعضهم استمد سلطانه من قوته أو استند إلى عصبيته، فإن الكثيرين استمدوا سلطانهم من أعداء الإسلام واستندوا في مناصبهم إلى قوة الاستعمار، ولقد طال ما عمل الاستعمار على اقتطاع بعض أجزاء الدولة الإسلامية ليجعل منها إمارات ودويلات ويقيم فيها أمراء ورؤساء يسبحون بحمده، ويعتبرهم بعض جنده، بل لقد حرص الاستعمار من زمن طويل على أن يوقع بين الشعوب ورؤسائها حتى إذا وقعت الواقعه تدخل الاستعمار لحماية الرؤساء من الأمة ولحماية الأمة من الرؤساء، فأما من يخضع له الرئيس فيسنده ويؤيده، وأما من يأبى يجيء بغيره ممن يعتبر نفسه مدينًا بمنصبه للاستعمار أو ممن يعجز عن مناهضة الاستعمار.
стр. 288
والإسلام يجعل مهمة رئيس الدولة أن يقيم الإسلام وأن يدير شؤون الدولة في حدوده، ولكنا لا نجد دولة إسلامية واحدة تقيم الإسلام أو تعنى بأمره أو تجعل له صلة بشؤون الدولة والحكم، حتى أصبح الإسلام مضيعًا في بلاده مهملاً من المنتسبين إليه.
والإسلام يوجب أن يكون أمر الحكم شورى بين الناس، ولكن الحكم في البلاد الإسلامية قائم على الهوى والاستبداد، وإن اصطنعت أكثر البلاد الإسلامية لنفسها نظمًا ديمقراطية، ففي كل الأحوال يستبد الرؤساء والحكام والزعماء بأمور الشعب ولا يتركون له من أمره شيئًا، ولا يجعلون له إلى الشورى الصحيحه سبيلاً.
والإسلام يحرم استغلال الأفراد للأفراد، ويحرم استغلال الشعوب للشعوب ويحرم استغلال الحكام للمحكومين، ويحرم الاستغلال من أي نوع كان، ولكن المسلمين اليوم تقوم حياتهم ونظامهم على الاستغلال الذي حرمه الإسلام، فالقوي يستغل الضعيف والغني يستغل حاجة الضعيف، والحاكم يستغل المحكوم، والشعوب الإسلامية على تعددها يستغلها المستعمرون، ويستأثر بخيراتها وأقوات أبنائها الإنجليز والفرنسيون وغيرهم من الأوروبيين والغربيين.
والإسلام يوجب على المسلمين أن يكونوا أقوياء أعزاء،
стр. 289
وأن يعدوا لعدوهم ما استطاعوا من القوة ليرهبوا عدو الله وعدوهم، وليخيفوا من تحدثه نفسه بالاعتداء عليهم، فيظل في أمن وسلام وقوة وعزة، ولكن المسلمين تركوا أمر الله فلم يعدوا ولم يستعدوا حتى أخذتهم الصيحه من كل مكان، فتغلب عليهم أعداؤهم، واحتلوا بلادهم وتقاسموا خيراتهم وأصبح المسلمون ضعفاء أذلاء لا حول لهم ولا قوة، ولا عاصم لهم مِمَّا هُمْ فيه إلا أن يرجعوا إلى الله وأن يعملوا بكتابه، وأن يطيعوا أمره، وأن يعدوا لعدوهم ويعملوا على إخراجه من بلادهم.
والإسلام يوجب على المسلمين أن يحاربوا أعداء الإسلام حتى يستسلموا كارهين ويعطوا الجزية صاغرين، ولكن المسلمين اليوم يسالمون أعداء الإسلام الذين يحاربونهم ويستسلمون لهاؤلاء الأعداء وهم يستطيعون أن يمتنعوا منهم، ويتخذون من هؤلاء الأعداء أئمة يأتون بهم ويأتمرون بأمرهم، ويطيعونهم حتى في أنفسهم وكرامتهم، ويحكمونهم في أموالهم وأوطانهم، بعد أن أطاعوهم في الله وفي الإسلام، وحكموهم في كتاب الله وفي تعاليم الإسلام.
والإسلام يوجب على المسلمين أن يحكموا بما أنزل الله ويحكموا في كل شؤونهم كتاب الله، ويجعل من لم يحكم بما انزل الله كافرًا، وهو ينفى الإيمان عمن لا يتحاكم إلى كتاب الله، ولكن المسلمين في كل بقاع الأرض تقريبًا يحكمون بغير
стр. 290
ما أنزل الله، ويتحاكمون إلى أهوائهم وشهواتهم يصوغونها قوانين ومراسيم ولوائح وغيرها من المسميات، حتى أحلوا لأنفسهم ما حرمه الله وحرموا على الناس ما أحله الله.
والإسلام يوجب على المسلمين أن يدعوا للخير وأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ولكن المسلمين تخلوا عن هذا الواجب كما تخلوا عن كل واجباتهم الإسلامية فهم لا يدعون إلى الخير وقد فشى فيهم الشر، ولا يأمرون بالمعروف وهم في أشد الحاجه الى الأمر بالمعروف، ولا يتناهون عن المنكر وقد عمهم الفساد وضلوا سبيل الرشاد.
والإسلام يجعل المساواة فريضة من فرائضه والعدالة دعامة من دعائمه، ولكن المسلمين وهو القوام على الإسلام لم يتركوا فريضة من فرائض الإسلام إلا وضعوها، ولا دعامة من دعائمه إلا هدموها، فليس في البلاد الإسلامية اليوم مساواة، وليس فيها عدالة، وإنما فيها أثرة كاملة ومحاباة صارخة، وفيها استعلاء على الضعفاء واستطالة على الفقراء، وفيها عون للباطل ومناهضة للحق، وفيها ظلم فادح وجور فاضح.
والإسلام يجعل المال كله لله، ويجعل للبشر المستخلفين في الأرض الانتفاع به، في حدود أمر الله، وبعد أن يؤدوا للغير حقه في هذا المال، ولكن المسلمين جعلوا لأنفسهم مال الله وحرموا الغير حقه في هذا المال، حتى أصبح المال دُولَةً بين أغنيائهم ممنوعًا عن فقرائهم، وحتى ضاق الفقراء بالفقر
стр. 291
وبالأغنياء، ويا ويل أمة يمنع أغنياؤها حقوق فقرائها، ويضيق فقراؤها بأغنيائها.
والإسلام جاء لمحاربة الظلم والاستبداد والإقطاع، ولكن علماء السوء وحكام آخر الزمان أرادوا أن يجعلوا من الإسلام سندًا للظلم ودعامة للاستبداد والإقطاع ومورد رزق حرام للمفتين المأجورين الذين يسودون أوراقهم ليسكتوا المسلمين عن محاربة الظلم ومقاومة الاستبداد وقطع دابر الإقطاع، وما كان الإسلام ليقيم ما جاء بحربه والقضاء عليه، ولكنها عقلية الحكام الظالمين والمفتين المأجورين لا تتغير بتغير الزمان والمكان، ومن شأنها أن تظل مغلقة لا تتقبل الحقائق ولا تتفتح على الواقع حتى يأتيهم الطوفان وتأخذهم الصيحة من كل مكان.
هذا هو بعض شأن الإسلام الذي اختاره الله للناس دِينًا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]. ورضي للناس أن يتدينوا به. ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وأعلمهم أنه لن يتقبل منهم دينًا غيره: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وحذرهم من أن يموتوا على غيره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
هذا هو بعض شأن الإسلام الذي جعله الله نورًا يخرج الناس من الظلمات، ويهديهم إلى الصراط المستقيم، ويردهم
стр. 292
عن سبيل الضلال والهلاك إلى سبل الرشاد والسلام " ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦].
لقد علمنا الله - جَلَّ شَأْنُهُ - أن الحق شيء واحد لا يتعدد، وأنه ليس في الدنيا إلا حق أو باطل، وأنه ليس بعد الحق إلا الباطل وليس بعد الهدى إلا الضلال ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢]. وعلمنا الله - جَلَّ شَأْنُهُ - أنه لم يرسل رسوله ﷺ إلينا إلا بالحق، وأن الكتاب الذي أنزل عليه هو الحق، وأن الدين الذي جاء به هو دين الحق. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [النساء: ١٠٥]. ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣].
فإذا كان محمد ﷺ قد جاء بالهدى ودين الحق فكل ما خالف الإسلام فهو الضلال ودين الباطل، وإذا كان في غير الإسلام شيء يشبه الإسلام وشيء يختلف عنه، فما يماثل الإسلام حق وما يخالف الإسلام باطل، وهذا وذاك في مجموعة حق تلبس بباطل، وباطل تلبس بحق، وقديمًا فعل الناس هذا ولايزالون يفعلونه كلما أرادوا أن يخرجوا على أمر الله ويخرجوا عن طاعته، وقد نهى الله عن هذا وحرمه في قوله: ﴿وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢]، وكفل
стр. 293
للذين لا يلبسون الحق بالباطل والإيمان بالكفر أن يرزقهم الأمن والهداية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].
وإذا كان الإسلام هو الدين الذي رضيه لنا الله، وهو الحق الخالص الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو النور الذي يخرج الناس من الظلمات والهدى الذي يخرجهم من الضلال، إذا كان الإسلام هو هذا، فما بالنا معشر المسلمين نحول وجوهنا شطر أوروبا وأمريكا نطلب منها النور وما فيهما إلا الظلام، ونرجو منهما الهداية وما عندهما إلا الضلال، ونبحث عندهما عن الحق وما يعرفان إلا الباطل أو الحق متلبسًا بالباطل.
لقد غشيتنا الظلمات يوم أدرنا ظهرنا للإسلام، وولينا وجوهنا شطر أوروبا وأمريكا، ودخلنا المتاهة يوم تركنا القرآن طريق الله المستقيم، وتعلقت أبصارنا بالمذاهب الأوروبية من ديموقراطية واشتراكية وشيوعية وغيرها، وضاع منا الحق يوم هجرنا كتاب الله الذي أنزله على رسوله بالحق، وتعلقنا بكتب جان جاك روسو وكارل ماركس ولينين وأشباههم من الفسقة الكفرة أئمة الكفر والضلال.
وما فعل بنا هذا وصيرنا إليه في أكثر الأحوال إلا جهل أكثر المسلمين للاسلام، ذلك الجهل الذي بلغ ببعض المسلمين أن يؤمنوا بالديموقراطية أو بالاشتراكية أو بالشيوعية وهم
стр. 294
في الوقت نفسه يؤمنون بالإسلام، ويتعبدون به في حدود علمهم ويرجون في كل صباح ومساء أن يلقوا الله عليه، وما يتفق الإسلام مع أحد هذه المذاهب ولا هي منه في شيء، وإذا كان فيها من الحق الذي جاء به الإسلام شيء ففيها من الباطل أشياء، بل فيها كل الباطل وما تقوم في واقع الأمر على الباطل.
ولقد بلغ الجهل ببعض المسلمين أن يقرن الإسلام بهذه المذاهب القائمة على الهوى والضلال فيقول: ديموقراطية الإسلام، واشتراكية الإسلام، وشيوعية الإسلام، وهو يقوله ليروج للاسلام ويرفع منه في أعين الناس، وهو دون شك يظلم الإسلام بهذه التسميات التي ما أنزل الله بها من سلطان، إذ الإسلام أرفع وأفضل من الديموقراطية والاشتراكية والشيوعية متفرقة ومتجمعة، وهو أوسع منها جميعًا وأجمع للخير، وأنه ليجمع كل ما في هذه المذاهب من خير قليل إلى ما فيه من خير كثير لا يحصى ولا يستقصى، كما أنه يخلو من الأهواء والأباطيل والشرور التي تعج بها هذه المذاهب وتقوم عليها، وأن الإسلام مشتق من السلام وكل ما فيه يدعو إلى السلام، وما جاء إلا ليحقق السلام، وليس في هذه المذاهب ما يحقق السلام ولا ما يدعو إليه، وإنما تدعو هذه المذاهب جميعًا إلى الحرب والفتنة والفساد في الأرض، وإحياء طائفة وإماتة أخرى، وإسقاط جماعة لإعلاء أخرى، وتاريخ هذه المذاهب يشهد عليها أنها لا شيء، فقد نشأت الديموقراطية لمحاربة الفساد
стр. 295
وإصلاح الجماعات وإسعاد الناس، فزادتهم فسادًا على فسادهم وشقاء على شقائهم، فاتخذ البعض الاشتراكية مذهبًا لاصلاح ما عجزت عنه الديموقراطية، فكانت الاشتراكية أعجر من الديموقراطية، فاصطنع بعض الشيوعية فكانت أبعد المذاهب عن الإصلاح، وأعونها على الفساد والإفساد، وما أن وقفت على قدميها في روسيا بفضل البطش والإرهاب حتى غشي العالم كله الشقاء وغرق في بحر من الدماء.
ولو عرف المسلمون حقائق الإسلام لتورعوا عن أن يقرنوا عمل الناس بعمل الله، وتسميات الناس بتسميات الله، ودين الحق بأهواء الشر وضلالاتهم.
стр. 296
مَنْ المَسْؤُولُ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ ؟:
إن المسلمين جميعًا مسؤولون عما نحن فيه وعما انتهى إليه أمر الإسلام، وقد تختلف مسؤولية بعضهم عن مسؤولية بعض، فتخف مسؤولية فريق وتشتد مسؤولية فريق، ولكنهم جميعًا مسؤولون عما هم فيه من جهل وفسق وكفر، وعما هم فيه من تفرق وضعف وذلة، وعما يعانون من فقر واستغلال، وعما يحملون من نير الاستعمار وبلاء الاحتلال.
مَسْؤُولِِيَّةُ الجَمَاهِيرِ:
إن جماهير المسلمين مسؤولة عما انتهى إليه أمر الإسلام، فما وصل إلى هذا الذي هو فيه إلا بجهل هذه الجماهير للإسلام، وبانحرافها شيئًا فشيئًا عن الإسلام حتى كادت تنسلخ عنه دون أن تدري أنها انسلخت عن الإسلام.
стр. 297
إن جماهير المسلمين قد ألفت الفسق والكفر والإلحاد حتى أصبحت ترى كل ذلك فتظنه أوضاعًا لا تخالف الإسلام، أو تظن أن الإسلام لا يعنى بمحاربة الفسق والكفر والإلحاد، ولا يعنيه من أمر ذلك كله شيء.
إن الإسلام يوجب على المسلمين أن يتعلموا الإسلام وأن يتفقهوا فيه وأن يُعَلِّمَ بعضهم بعضًا ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]، ولقد طالما نفرت طوائف من المسلمين فأنذروا قومهم وحاولوا تفقيههم في الدين، ولكن الحكومات الإسلامية أخذت على نفسها أن تحارب هذه الطوائف، وأن تحول بينها وبين ما يوجبه الإسلام إرضاء للاستعمار، وإطاعة للطواغيت، وموالاة لأعداء الإسلام، ورضيت الجماهير هذا الوضع من الحكومات وما كان لها أن ترضاه، فشارك الجمهور الحكومات في خنق الإسلام وهدم الجماعات العاملة للاسلام.
إن جماهير المسلمين قد فقدوا القوة والعزة والكرامة فهم يعيشون عبيدًا للأقوياء، عبيدًا للاستعمار، وعبيدًا للحكام، يسلبونهم أقواتهم، ويستنزفون قواهم، ويدوسون كرامتهم، ويهدرون حريتهم، وما أتى المسلمون إلا من تركهم دينهم دين القوة والعزة والكرامة، ولو عادوا له لعادت لهم القوة التي فقدوها، والعزة التي حرموها، والكرامة التي يتطلعون إليها.
стр. 298
إن جماهير المسلمين في غفلة قاتلة: إنهم في غفلة عن دينهم، في غفلة عن دنياهم، وفي غفلة عن أنفسهم، ويوم تتفتح أعينهم على الحقائق سيعلمون أنهم خسروا دنياهم وآخرتهم بما فرطوا في جنب الله، وبما انحرفوا عن كتاب الله.
مَسْؤُولِيَّةُ الحُكُومَاتِ الإِسْلاَمِيَّةِ:
والحكومات الإسلامية مسؤولة إلى أكبر حد عما أصاب الإسلام من الهوان، وعما أصاب المسلمين من الذل والخبال.
إن الحكومات الإسلامية قد أبعدت الإسلام عن شؤون الحياة، واختارت للمسلمين ما حرمه عليهم الله، وحكمت فيهم بغير حكم الله.
إن الحكومات الإسلامية تدفع المسلمين إلى الضلالات الأوروبية، وتدفعهم عن الهداية الربانية، فتحكم بحكم القوانين الوضعية، ولا تحكم فيهم بحكم الشريعة الإسلامية.
إن الحكومات الإسلامية خرجت على الإسلام في الحكم والسياسة والإدارة، وخرجت على مبادئ الإسلام فلا حرية ولا مساواة ولا عدالة، ونبذت ما يوجبه الإسلام فلا تعاون بين المسلمين ولا تضامن ولا تراحم، وشجعت ما يحرمه الإسلام من الظلم والمحاباة، ومن الاستغلال والإقطاع، وأقامت المجتمع الإسلامي على الفساد والإفساد، وعلى الفسوق والعصيان، وعلى الأثرة والطغيان.
стр. 299
إن الحكومات الإسلامية تحول دون المسلمين أن يتعلموا دينهم، ويعرفوا ربهم، ويؤدوا واجباتهم.
إن الحكومات الإسلامية توالي أعداء الإسلام، وقد حرم عليها الإسلام أن توالي أعداءه، وتطيع في المسلمين أعداء الله وما لهم عليها من طاعة.
إن الحكومات الإسلامية هي التي أورثت المسلمين الضعف والذل، وجلبت عليهم الاستغلال والفقر، وأشاعت فيهم الفسد والبغي.
مَسْؤُولِيَةُ رُؤَسَاءِ الدُّوَلِ:
ورؤساء الدول الإسلامية هم أكثر الناس مسؤولية عن الإسلام، وعما أصاب الإسلام، وإذا أعفتهم القوانين الوضعية من المسؤولية فما يعفيهم الإسلام أن يسألوا عن صغير الأمور وكبيرها، وما يمنع إنسانًا أن يواجههم بالواقع، ويفتح عيونهم على الحقائق.
إن في يدكم معشر الرؤساء الحكم والسلطان، لكم القوة وفيكم القدرة على أن تعودوا بالإسلام إلى ما كان عليه، ولكنكم ورثتم أوضاعًا مخالفة للإسلام عن أسلافكم فأنتم تعيشون فيها، وتقيموا سلطانكم عليها، على علم أو جهل بمخالفتها للإسلام، وهذه الأوضاع الموروثة هي أول ما يضعف الإسلام ويؤخر أهله عن النهوض، وكل ضعف للإسلام عائد عليكم،
стр. 300
وكل قوة له إنما هي قوتكم، وإنه لخير لكم أن تكونوا أفرادًا من الأفراد في دولة قوية من أن تكونوا ملوكًا وأمراء ورؤساء في دولة ضعيفة مستعبدة يتسلط عليها موظف صغير من موظفي الدولة المستعمرة، يأمر وينهى، فيسقط الحكومات ويقيمها، ويهز أمره العروش، ويزلزل أقدام الرؤساء والأمراء.
إنكم معشر الرؤساء متفرقون! ومن الخير لكم وللإسلام أن تتجمع قواكم، وإنكم متنابذون أو متباعدون، ومن الخير لكم وللإسلام أن تتعاونوا وأن تتحدوا وإنه أن يخضع بعضكم لبعض ويتولى بعضكم بعضًا خير لكم وأهدى من أن تخضعوا جميعًا للاستعمار ويتولاكم المستعمرون.
إنكم معشر الرؤساء مسلمون من قبل كل شيء، فضعوا الإسلام فوق كل شيء، وحكموه في أنفسكم، واجعلوه أساس حكمكم، وأقيموا عليه الدولة الإسلامية، ولا تجعلوا أشخاصكم حجر عثرة في سبيل قيام هذه الدولة، فأشخاصكم فانية وليس بعد الموت إلا الجنة أو النار، ولن ينفع أحدكم ملكه أو ماله أو أهله، إنما ينفعه العمل الصالح والقيام على أمر الله، وإنه لخير لكم أن يذكر لكم التاريخ أنكم عاونتم على إعادة الدولة الإسلامية والحكم الإسلامي، وإنكم لم تؤخروا قيام هذه الدولة بتشبثكم بمناصبكم وبأوضاعكم التي لا يرضاها الإسلام للمسلمين.
стр. 301
وان الأمر كله لن يحتاج إلا قوة عزائمكم، والتغلب على أنفسكم، فإن تتغلبوا على أنفسكم فقد تغلبتم على كل شيء، وإن تضعفوا أمام منافعكم وأمام مغريات الحكم والسلطان فسيظل المسلمون جميعًا في فرقة وتخاذل وضعف وذلة، يتسلط عليكم وعليهم الأقوياء، يخيفكم المستعمرون، ويحرككم ويحركهم الدول ذات المطامع والنفوذ، ويستغلكم ويستغلهم أولئك الذين عرفوا حق المعرفة أن القوة في الاتحاد، وأن الغلبة لأصحاب القوة.
أيها الرؤساء لا تحرصوا على الإمارة والسلطان، ولا تتشبثوا بالألقاب والتيجان فإن هذا الحرص هو الذي أذل المسلمين وأضعف فيهم روح الإسلام، ومزقهم ممالك ضعيفة، ودويلات صغيرة، وإمارات لا تدفع عن نفسها عدوًا، ولا تحمي لنفسها حَقًّا، حتى أصبح المسلمون على كثرة عددهم، واتساع أقطارهم، وتوفر المواد الخام والأيدي العاملة في بلادهم، وتهيؤ أسباب السيادة والعزة لهم ... أصبح المسلمون مع كل هذا أضعف أهل الأرض وأذلهم وأهونهم على الدول شأنًا.
فإذا غلبكم الحرص على منافعكم وعلى مناصبكم وعلى ألقابكم وسلطانكم، فاحرصوا على أن تتجمعوا في شكل من الأشكال، وأن تتحدوا وتوحدوا قوة بلادكم، ليكون المسلمون جميعًا قوة واحدة، ويدًا واحدة.
стр. 302
يا رؤساء الدول الإسلامية: إن مناصبكم وألقابكم لن تغني عنكم من الله شيئًا، وإن الله سائلكم وأسلافكم عن الإسلام والمسلمين، سيسألكم عن الإسلام الذي أصبح غريبًا في بلادكم، مهملاً في حكمكم. وسيسألكم عن المسلمين الذين فرقتهم وحدتهم، وضيعتم قوتهم، ومزقتم دولتهم وجعلتموهم أنتم وأسلافكم مثلاً على الفرقة المصطنعة، والقوة الضعيفة، والكرامة المهدرة، والأطماع التي تذل الرجال الكرام، توطئ ظهور الأبطال، وتضع أنوف السادة في الرغام.
يا رؤساء الدول الإسلامية لا تحرصوا على الإمارة والسلطان فإن مُحَمَّدًا ﷺ يقول: «إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ».
واعلموا أن الإمارة أمانة، فمن أخذها بحقها، أدى ما يجب عليه فيها سلم يوم القيامة، فأدوا الأمانات الى أهلها فإن الله سائلكم عنها، واذكروا قول الرسول الكريم لأبي ذر لما سأله أن يستعمله،: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ القِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلاَّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الذِي عَلَيْهِ فِيهَا».
مَسْؤُولِيَّةُ عُلَمَاءِ الإِسْلاَمِ:
وعلماء الإسلام يحملون وِزْرَ ما نحن فيه وإثم ما أصيب
стр. 303
به الإسلام ... يحملون أوزار المستعمرين والاستعمار، وأوزار الحكام والحكومات ... وأوزار الجماهير الغافلة عن الإسلام والخارجة عليه.
وعلماء الإسلام أهل لأن ينسب لهم هذا، لأنهم يظاهرون الاستعمار أو يسكتون عليه، ولأنهم يظاهرون الحكومات الإسلامية حينًا ويسكتون عليها حينًا، ولأنهم تركوا جماهير المسلمين جاهلة بأهم أحكام الإسلام، غافلة عما يراد بالإسلام.
وعلماء الإسلام بهذا قد حالوا بين المسلمين والإسلام لأنهم لم يبنوا لجماهير المسلمين حكم الإسلام في الاستعمار والمستعمرين، وحكم الإسلام في الحكومات التي تظاهر الاستعمار وتوالي المستعمرين، فسكنت الجماهير إلى الاستعمار، وأطاعت الحكومات التي تخدم الاستعمار، وضاع الإسلام بسكوت السادة العلماء، ورضيت الجماهير بضياع الإسلام وساعدت عليه، لأنها تعتقد أن علماء الإسلام لا يسكتون إلا على ما يتفق مع الإسلام وَيُرْضِي رَبَّ الأَنَامِ.
إن علماء الإسلام أغمضوا أعينهم وأطبقوا أفواههم ووضعوا أصابعهم في آذانهم وناموا عن الإسلام ولما استيقظوا من عدة قرون فنام وراءهم المسلمون، وهم يعتقدون أن الإسلام في أمان وإلا ما نام عنه علماؤه الأعلام.
إن علماء الإسلام ناموا عن الإسلام من زمن طويل فما
стр. 304
هاجموا وضعًا من الأوضاع المخالفة للإسلام، ولا حاولوا إيقاف أمر أو حكم مخالف لأحكام الإسلام، وما اجتمعوا مرة يطالبون بالرجوع لأحكام الإسلام.
لقد ارتكب الحكام المظالم، واستحلوا المحارم، وأراقوا الدماء، وانتهكوا الأعراض، وأفسدوا في الأرض، وتعدوا حدود الله، فما تحرك العلماء للمظالم، لا غضبوا من استحلال المحارم، كأن الإسلام لا يطلب إليهم شيئًا، ولا يفرض عليهم فرضًا ولا يوجب عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يلزمهم نصيحة الحكام والمطالبة بالرجوع لأحكام الإسلام.
واحتلت مصر مثلاً فما غضب علماؤها على الاحتلال، ولا بينوا للناس حكم القرآن والسنة في جهاد المحتلين ومقاومة الاحتلال وفي مسألة المحتلين وموالاة الاحتلال.
وكان المفروض في علماء الإسلام أن يقاطعوا المحتلين الكفار، ولكنهم مع الأسف والوا أعداء الإسلام واتخذوا من دار عميد الدولة المحتلة مَقَرًّا لإحياء بعض مواسم الإسلام.
ونفذت القوانين الوضعية في مصر وغيرها من بلاد الإسلام، وهي تخالف أحكام الإسلام، وأدى تنفيذها إلى تعطيل الإسلام، وإباحة ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، فما انزعج العلماء لتحطيم الإسلام، وغضبوا لمستقبلهم وهم يطعمون ويلبسون ويعيشون على حساب الإسلام، ولا اجتمعوا وتشاوروا فيما يحفظ مستقبلهم ومستقبل الإسلام.
стр. 305
وانتشر الفجور والاباحة، وأنشئت الحانات والمراقص، ورخصت الحكومات الإسلامية للمسلمات بالدعارة، وجهر الناس بما يخالف الإسلام، فانكمش العلماء واكتفوا بهز الرؤوس ومصمصة الشفاه.
وأنشئت المدارس المدنية وهي لا تعترف بتعليم الدين، فكان علماء الدين أول من أقبل عليها وأدخل أولاده فيها، وأنشئت المدارس التبشيرية التي تبشر بالمسيحية وتفتن أبناء المسلمين عن الإسلام، فأدخل السادة العلماء بناتهم فيها ليرطن بلغة أجنبية وليتعلمن الرقص والديانة المسيحية.
وكلما حزب الأمر إحدى الحكومات لجأت إلى علماء الإسلام فأسرعوا يردون المسلمين إلى طاعة الحكومات التي تبيح الخمر والزنا والربا والكفر والفسق، وتستبدل بحكم الإسلام أهواء الناس ونزوات الحكام والأحزاب.
وطال هذا الأمر بالمسلمين حتى ظن جمهرة المسلمين أن ما نحن فيه من فسوق وعصيان هم الإسلام الصحيح، ففشا الفسق والفجور وعم الفساد وعز الإصلاح، وكل ذلك بفضل علماء الإسلام وتهاونهم في إقامة أحكام الإسلام.
إن العلماء هم ورثة الأنبياء، وما يليق بالعلماء أن يقفوا هذا الموقف من ميراث الأنبياء، ولقد فرض الإسلام على العلماء واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فمن يقوم بهذا الواجب إذا أهمله السادة العلماء؟
стр. 306
ولكن الله - جَلَّ شَأْنُهُ - قد فتح على علماء مصر فتكلموا أخيرًا وانطلقوا على غير عادتهم يتجمعون ويخطبون، ويدعون إلى الإضراب والاعتصام. أفترى ذلك كان من أجل الإسلام وإقامة أحكام الله؟ لا والله، ولكنهم ثأروا لأجل المرتبات والعلاوات والدرجات المالية، والكرامة الشخصية، وأصدروا في سبيل ذلك البيانات، وعقدوا الاجتماعات، وتشدقوا بالخطب وزينوها بالأحاديث والآيات.
إنهم فعلوا هذا من أجل أنفسهم ولحفظ كراماتهم، ولم يفعلوه من أجل الإسلام كان الإسلام أهون عليهم من أنفسهم وكأن كرامته أدنى من كراماتهم، ومن المؤلم أن بعضهم أراد في هذه الاجتماعات أن يذكرهم بالإسلام، وأن يوجه هذه الغضبة للإسلام، فأسكتوه وأنكروا ما أتاه، كأن العمل للإسلام منكر في نظر علماء الإسلام.
يا علماء الإسلام اتقوا الله في أنفسكم وفي الإسلام.
يا علماء الإسلام إنكم لم تهونوا على الدول والحكام إلا بعد أن هان عليكم الإسلام.
يا علماء الإسلام ان عزتكم من عزة الإسلام، وقوتكم من قوة الإسلام، فإن شئتم أن تشعروا بالعزة والقوة فاعملوا لعزة الإسلام ولقوة الإسلام.
يا علماء الإسلام ليس من الإسلام في شيء أن تمسكوا
стр. 307
ألسنتكم عن بيان حكم الله وتغضوا أبصاركم عن أعداء الله حتى ينتهكوا حرمات الله.
يا علماء الإسلام ليس من الإسلام في شيء أن تقوموا في المعاهد لتعلموا طلبتها أحكام الإسلام في حين أن الحكومات لا تقيم هذه الأحكام.
يا علماء الإسلام ليس من الإسلام أن تقفوا على المنابر لتعلموا الناس محاسن الأخلاق وأداء العبادات، وتتركوهم جهالاً بما يوجبه الإسلام في الحكم والحكام والتشريع والقضاء وفي الاقتصاد والاجتماع، وفي معاملة الأعداء والأصدقاء.
لماذا لا تبينون للناس ووظيفتكم البيان؟
لماذا لا تبينون للناس حكم الإسلام في الاحتلال، ومن يولونه ويوادونه، ومن يحاربونه ويمقتونه؟
لماذا لا تبينون للناس حكم الإسلام في الحكام الذين يلزمون المسلمين ما يخالف الإسلام وهل يوجب الإسلام طاعتهم واتباع أهوائهم، أم يجب عصيانهم والخروج عليهم؟
لماذا لا تبينون للناس حكم الإسلام في القوانين الوضعية، وما يوجبه على المسلمين من طاعتها أو عصيانها؟
لماذا لا تبينون للناس حكم الإسلام في المال وفي الاستغلال والاحتكار، مع تطبيق هذا الحكم على أوضاعنا المالية وأحوالنا الاقتصادية؟
стр. 308
لماذا لا تبينون للناس حكم الإسلام في هذا الغنى الفاحش، وفي ذاك الفقر القاتل؟
لماذا لا تبينون للناس حكم الإسلام فيمن يحارب دعاة الإسلام، ويعين على حرب العاملين للاسلام؟
لماذا لا تبينون حكم الإسلام فيما يخالفه من أوضاع، وهل يوجب السكوت عليها أم يوجب محاربتها وهدمها؟
لماذا لا تبينون للناس حكم الإسلام في النصيحة والبيان، وهل لا يجب أحدهما إلا مرة واحدة طول الحياة، أم التكرار واجب كلما استمر ما يستوجب النصيحة والبيان ليذكر الناس حكم الإسلام في كل وقت وآن؟
لماذا لا تبينون للناس حكم الإسلام في المسلم الذي يطالب باحترام شخصه، ويرفض أن يطالب باحترام الإسلام؟
أيها العلماء إني لا أنكر عليكم أن فيكم فئة قليلة كريمة عملت بكتاب الله، واستقامت على أمره، وإن منكم من بذلوا من علمهم وقوتهم وحياتهم في سبيل إقامة حكم القرآن، لم تأخذهم في الله لومة لائم، ولكنها والله قلة يسوءها أن تحسب عليكم وأن تنتسب إليكم، وما يغير عمل هذه الفئة القليلة الخيرة من سوء عملكم، ولا يهون من أوزاركم، ولا يرفع عنكم وصمة التفريط والإهمال.
стр. 309
أيها العلماء تشبهوا بهذه الفئة الصالحة، وسيروا على أثرها، واعملوا للإسلام فقد طال مَا سَكَتُّمْ عن الإسلام، وإن هذا والله لهو الخير لكم وللإسلام.
* * *