وَاجِبَاتُ الإِمَامِ وَحُقُوقِهِ:
إذا اختار أهل الشورى إمامًا وبايعوه، ثبتت له الإمامة بالبيعة، وثبوت الإمامة له يلزمه واجبات يسأل عن أدائها، ويجعل عليه مسؤوليات لا حصر لها، ولكنه في الوقت نفسه يرتب له حقوقًا على الأمة تظل قائمة ما قام الإمام بواجباته ولم يقصر في القيام على مسؤولياته.
وَاجِبَاتُ الإِمَامِ:
تنحصر واجبات الإمام على كثرتها في واجبين أحدهما إقامة الإسلام، والآخر إدارة شؤون الدولة في حدود الإسلام.
وإذا قلنا أن من واجب الإمام إدارة الدولة في حدود الإسلام، فمعنى ذلك أن من واجبه أن يدير شؤون الدولة في حدود الشورى، لأن الإسلام يجعل الشورى فريضة على
стр. 247
المسلمين، ويلزم الحكام أن يستشيروا المحكومين في كل أمور الحكم ويأخذوا برأيهم أو برأي أكثريتهم إن لم يجمعوا على رأي واحد.
وقد حاول بعض الفقهاء أن يعدد واجبات الإمام فحصرها في عشرة أشياء (١):
أحدهما: حفظ الدين على الأصول التي أجمع عليها سلف الأمة أي إقامة الدين على وجهه الصحيح بتعبيرنا العصري.
الثاني: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بينهم، أي إقامة العدل بين الناس وتنفيذ الأحكام.
الثالث: حماية البيضة والذب عن الحوزة ليتصرف الناس في المعايش وينتشروا في الأسفار آمنين، أي نشر الأمن في الداخل.
الرابع: إقامة الحدود لتصان محارم الله عن الانتهاك، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك. أي تنفيذ عقوبات جرائم الحدود وجرائم القصاص.
الخامس: تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة حتى لا يظفر الأعداء بغرة ينتهكون بها محرمًا ويسفكون فيها دَمًا
стр. 248
لمسلم أو معاهد. أي حماية الأمن الخارجي بالعدة والاستعداد الدائمين.
السادس: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة.
السابع: جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصًا واجتهادًا من غير عسف.
الثامن: تقدير العطاء وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقصير ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير. التاسع: استكفاء الأمناء وتقليد العظماء فيما يفوضه إليهم من الأعمال.
العاشر: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال ليهتم بسياسة الأمة وحراسة الملة.
هذه هي واجبات الإمام كما حددها بعض الفقهاء وهي تدخل جميعًا تحت واجبين اثنين هما إقامة الدين وإدارة شؤون الدولة في حدوده.
مَسْؤُولِيَةُ الإِمَامِ فِي أَدَاءِ وَاجِبَاتِهِ:
والإمام في أدائه لواجباته مسؤول عن أخطائه وإهماله وتقصيره وسوء استعماله للسلطة الممنوحة له، فضلاً عما يتعمده من خروج على حدود سلطاته وما يرتكبه من جور أو
стр. 249
عسف أو ظلم، وهو في هذا كله خاضع للنصوص العامة، لأن الإسلام لا يفرق بين فرد وفرد، ولا بين حاكم ومحكوم بل الكل سواء يسري على هذا ما يسري على ذاك دون تمييز.
ويؤكد مسؤولية الإمام وعدم تمييزه عن أي فرد آخر من أفراد الأمة قول الرسول ﷺ «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالأَمِيرُ رَاعٍ عَلَى رَعِيَّتِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ، وَالعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْهُ» وقوله: «لاَ يَسْتَرْعِي اللَّهُ ﵎ عَبْدًا رَعِيَّةً، قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ، إِلاَّ سَأَلَهُ اللَّهُ ﵎ عَنْهَا يَوْمَ القِيَامَةِ، أَقَامَ فِيهِمْ أَمْرَ اللَّهِ ﵎ أَمْ أَضَاعَهُ؟ حَتَّى يَسْأَلَهُ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ خَاصَّةً» وقوله: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلاَّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ» وفي رواية «فَلَمْ يَحُطْهَا بِنُصْحِهِ لَمْ [يَجِدْ] رَائِحَةَ الجَنَّة» وقوله: «مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أُمُورَ المُسْلِمينَ، ثُمَّ لا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ لَهُمْ، إلا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الجَنَّةَ».
بل أن أحاديث الرسول ﷺ تؤكد أن مسؤولية الإمام أكثر من مسؤولية أي فرد عادي وذلك ظاهر مِمَّا سبق ومن قوله «مَنْ وَلاهُ اللهُ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ المُسْلِمِينَ، فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ، احْتَجَبَ اللهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وقوله: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَكُونُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ هَذِهِ الأُمَّةِ [قَلَّتْ أَمْ كَثُرَتْ] فَلاَ يَعْدِلُ فِيهِمْ إِلاَّ كَبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ»، وقوله:
وعمر بن الخطاب الذي أوجع قلبه هذا الحديث هو الذي كان يقول: «لَوْ مَاتَتْ شَاةٌ عَلَى شَطِّ الفُرَاتِ ضَائِعَةً لَظَنَنْتُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى سَائِلِي عَنْهَا يَوْمَ القِيَامَةِ». وهو الذي رآه على ابن أبي طالب على قتب يغدو فقال له: «يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَيْنَ تَذْهَبُ؟»، فَقَالَ: «بَعِيرٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ أَطْلُبُهُ»، فَقَالَ عَلِيٌّ: «لَقَدْ أَذْلَلْتَ الخُلَفَاءَ بَعْدَكَ»، قَالَ: «لاَ تَلُمْنِي يَا أَبَا الحَسَنِ فَوَالذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالنَّبَوَّةِ لَوْ أَنَّ عِنَاقًا ذَهَبَتْ بِشَاطِئِ الفُرَاتِ لأُخِذَ بِهَا عُمَرُ يَوْمَ القِيَامَةِ».
عمر بن الخطاب الذي أوجع قلبه هذا الحديث هو الذي كان يهنأ بنفسه إبل الصدقة، وهو الذي كان يقتص من نفسه ويقتص من عُمَّالِهِ، وهو الذي عزل أحد عُمَّالِهِ لأنه لاَ يُقَبِّلُ وَلَدَهُ، وهو الذي عزل أحد قواده لأنه أنزل جنديا في الماء يرتاد مخاضة ليجوز منها الجيش فمات الجندي من البرد ولم يترك عمر القائد حتى ألزمه الدية.
عمر بن الخطاب الذي أوجع قلبه هذا الحديث هو الذي لاَنَ قلبه في الله حتى لهو ألين من الزبد، واشتد قلبه في الله حتى لهو أشد من الحجر، وهو الذي قال فيه رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ». كان إذا أتاه الخصمان برك على ركبتيه وقال: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمَا فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُرِيدُنِي عَلَى دِينِي». وكلمته امرأته في أحد عماله فقال: «يَا عَدُوَّةَ اللَّهِ، وَفِيمَ أَنْتِ وَهَذَا، إِنَّمَا أَنْتِ لُعْبَةٌ يُلْعَبُ بِكِ، ثُمَّ تُتْرَكِينَ».
وأرسل إليه عامله على أذربيجان
стр. 252
سفطين من الخبيص فلما ذاقه وجد شيئًا حلوًا، فقال للرسول: «أَكُلَّ الْمُسْلِمِينَ يَشْبَعُ مَنْ هَذَا فِي رَحْلِهِ؟» قَالَ: لاَ، قال: «أَمَّا لاَ فَارْدُدْهُمَا»، ثم كتب إلى عامله: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَدِّكَ وَلَا مِنْ كَدِّ أَبِيكَ، وَلَا مِنْ كَدِّ أُمِّكَ أَشْبِعِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّا تَشْبَعُ مِنْهُ فِي رَحْلِكَ».
وأرسل إلى امرأة بلغه أن الرجال يتحدثون عنها، فلما جاءها الرسول ضربها المخاض من الخوف فألقت غلاما، فوداه عمر لا من بيت المال وإنما من مال عاقلته.
والقاعدة في الشريعة أن الإمام يقتص منه في كل ما تعمده من جور فجار به على الناس، فإذا قتل إنسانا قتل به وإذا قطع إنسانا قطع به سواء باشر الفعل كأن ضربه بسيف أو تسبب فيه كأن حكم عليه ظلمًا بالقتل أو القطع.
ولكن الإمام لا يسأل جنائيًا إذا أدى عمله طبقًا للحدود المرسومة للعمل، أما إذا تعدى هذه الحدود فهو مسؤول جنائيًا عن عمله إذا كان يعلم أن لا حق له فيه، أما إذا حسنت نيته فأتى العمل وهو يعتقد أن من واجبه إتيانه فلا مسؤولية عليه من الناحية الجنائية.
وكما يسأل الإمام عن عمده يسأل عن خطأه، لكنهم اختلفوا في ضمان الخطأ فرأى البعض أن الضمان على الإمام وعاقلته لأنه ضمان وجب بخطئه فمسؤوليته عنه كمسؤولية أي مخطئ، ورأى البعض أن ضمان الخطأ في بيت المال لأن خطأ الإمام يكثر فلو وجب الضمان في ماله ومال عاقلته لأجحف
стр. 253
بهم فضلاً عن أن الحاكم يعمل للجماعة وليس لنفسه (١).
حُقُوقُ الإِمَامِ:
وللإمام حقان في مقابل قيامه بواجباته، أحدهما حق له على الناس، والثاني حق له في مال المسلمين.
حَقُّ الإِمَامِ عَلَى النَّاسِ:
وحق الإمام على الناس هو حق السمع والطاعة، ولكن هذا الحق ليس حقًا مطلقًا وإنما هو مقيد بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩]. فالطاعة واجبة لأولي الأمر في حدود ما أنزل الله بدليل أن ما يتنازع فيه يرد إلى أمر الله ورسوله، فمن أمر منهم بما يتفق مع ما أنزل الله فطاعته واجبة ومن أمر بخلاف ما جاء به الرسول فلا سمع له ولا طاعة.
وقد بين الرسول ﷺ حدود طاعة الناس لأولي الأمر فقال «لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ» وقال:
стр. 254
«إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ» وقال: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ» وقال: «إِنَّهُ سَيَلِي أَمْرَكُمْ مِنْ بَعْدِي رِجَالٌ يُطْفِئُونَ السُّنَّةَ، وَيُحْدِثُونَ بِدْعَةً، وَيُؤَخِّرُونَ الصَّلاَةَ عَنْ مَوَاقِيتِهَا»، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ بِي إِذَا أَدْرَكْتُهُمْ؟ قَالَ: «لَيْسَ يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ طَاعَةٌ لِمَنْ عَصَى اللَّهَ». قَالَهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ.
وهكذا قطع القرآن والسنة في أن طاعة أولي الأمر لا تجب إلا في طاعة الله، وأن ليس لأحد أن يطيع فيما يخالف كتاب الله وسنة رسوله.
حَقُّ الإِمَامِ فِي مَالِ المُسْلِمِينَ:
عرفنا أن الإمام نائب عن الأمة، والنيابة لا تقتضي بطبيعتها أن يأخذ النائب أجرًا على عمله، ولكن لما كان تفرغ الإمام للنيابة يمنعه من تحصيل عيشه فقد رؤي أن يفرض للإمام من بيت مال المسلمين ما يقوم بعيشه وعيش أهله الذين يعولهم فضلاً عما يصيبه كفرد من الأموال العامة التي تقسم بين الجميع كنصيبه في الفيء وحقه في العطاء.
ولم يكن الرسول ﷺ وهو رئيس الدولة يختص نفسه بشيء من الأموال العامة مقابل تفرغه لشؤون الدولة، وكان يكتفي بما أفاء الله عليه من أموال بني النضير، بل كان لا يستبقي من هذا الفيء لنفسه وأهله إلا القليل، أما
стр. 255
الباقي فينفقه في سبيل الله وعلى ذوي الحاجة وما عرض له محتاج إلا آثره على نفسه، تارة بطعامه وتارة بلباسه، بل كان ينفق ما في يده وهو وأهله في حاجة إليه.
ولما ولي أبو بكر مكث ستة أشهر يدير شؤون الدولة ويقوم بعمله الخاص وهو التجارة التي كان يزاولها قبل أن يكون خليفة، ثم رأى أن أمور الناس لا تصلح مع التجارة، وأنه ما يصلحهم إلا التفرغ لهم والنظر في شأنهم، فَحَدَّثَ المُسْلِمِينَ وَحَدَّثُوهُ في ذلك، ورأوا أن يتفرغ لشؤون الدولة، فقال لهم لا بد لعيالي مِمَّا يصلحهم، ففرضوا في كل سنة ستة آلاف درهم وهو ما يقوم بحاجته وحاجة عياله مقابل تفرغه لشؤون الدولة، ولكن لما حضرته الوفاة، قال لأهله: انظروا كم أنفقت منذ وليت من بيت المال فاقضوه عني، فوجدوه ثمانية آلاف درهم، فأمر بأن يعطي بيت المال أرضًا يملكها مقابل ما أخذ من المال.
وقال لابنته عائشة عند موته: «إنَّا مُنْذُ وُلِيِّنَا أَمْرَ المُسْلِمِينَ لَمْ نَأْكُلْ لَهُمْ دِينارًا وَلاَ دِرْهَمًا، وَلَكِنَّنَا قَدْ أَكَلْنَا جَرِيشَ طَعَامِهِمْ وَلَبِسْنَا خَشِنَ ثِيَابِهِمْ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ فَيْءِ المُسْلِمِينَ إلاَّ هَذَا العَبْدُ وَهَذَا البَعيرُ وَهَذِهِ القَطِيفَةَ، فَإِذَا مِتُّ فَاِبْعَثِي بِالجَمِيعِ إِلَى عُمَرَ». فلما مات بعثته إلى عمر، فجعل يبكي ويقول: «رَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ، لَقَدْ أَتْعَبَ مَنْ بَعْدَهُ»، وعرض عبد الرحمن بن عوف على عمر أن يرد هذه الأشياء على عيال أبي
стр. 256
بكر، فقال: «وَالذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا، لاَ يَكُونُ هَذَا فِي وِلاَيَتِي، يَخْرُجُ أَبُو بَكْرٍ مِنْهُ وَأَتَقَلَّدُهُ أَنَا».
فهذا أبو بكر يعمل للمسلمين ستة أشهر بلا مقابل، وسنة وأربعة أشهر بمقابل يرده عند وفاته، وهذا عمر يرفض أن يمنح عيال أبي بكر عبدًا وقطعة قطيفة أمر أبو بكر بردها لبيت المال، ولو كان غير أبي بكر من حكام هذا الزمان لأتخم نفسه ثروة في ولايته، ولو كان غير عمر من حكام هذا الزمان لمنح عيال سلفه معاشًا أو أقطعهم إقطاعًا.
ثم يلي عمر أمر المسلمين بعد أبي بكر فيمكث زمانًا لا يأكل من مال المسلمين شيئًا حتى دخلت عليه في ذلك خصاصة، فأرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ فاستشارهم فقال: «قَدْ شَغَلْتُ نَفْسِي بِهَذَا الأَمْرِ فَمَا يَصْلُحُ لِي مِنْهُ؟» فَقَالَ عُثْمَانُ: «كُلْ وَأَطْعِمْ»، وَقَالَ ذَلِكَ سَعِيدُ بْنَ زَيْدٍ، وَقَالَ لِعَلِيٍّ: «مَا تَقُولُ أَنْتَ؟» قَالَ: «غَدَاءٌ وَعَشَاءٌ»، فَأَخَذَ عُمَرُ بِمَا قَالَ عَلِيٌّ، وفي رواية أخرى أن عليًا قال له: «لَيْسَ لَكَ فِي هَذَا المَالِ إِلاَّ مَا أَصْلَحَكَ وَأَصْلَحَ أَهْلَكَ بِالمَعْرُوفِ»، فَقَالَ عُمَرُ: «القَوْلُ مَا قَالَهُ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ».
وتساءل البعض ماذا يحل لأمير المؤمنين من مال الله أي مال الدولة فسمع عمر فقال: «أَنَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا أَسْتَحِلُّ مِنْهُ، تَحِلُّ لِي حُلَّتَانِ حُلَّةٌ فِي الشِّتَاءِ وَحُلَّةٌ فِي القَيْظِ، وَمَا أَحُجُّ عَلَيْهِ وَأَعْتَمِرُ مِنَ الظُّهْرِ، وَقُوتِي وَقُوتِ أَهْلِي كَقُوتِ رَجُلٍ مِنْ
стр. 257
قُرَيْشٍ لَيْسَ بِأَغْنَاهُمْ وَلاَ أَفْقَرِهِمْ، ثَمَّ أَنَا بَعْدَ رَجُلٍ مِنْ المُسْلِمِينَ يُصِيبُنِي مَا أَصَابَهُمْ»، وَقَالَ أَيْضًا: «لاَ يَحِلُ لِي مِنْ هَذَا المَالِ إلاَّ مَا كُنْتُ آكِلاً مِنْ صُلْبِ مَالِي».
وكان عمر ينفق كل يوم درهمين له ولعياله وأنفق في حجته ثماني ومائة درهم.
وكان يقول: «إِنِّي أَنْزَلْتُ مَالَ اللهِ - أي مال الدولة - مِنِّي بِمَنْزِلَةِ مَالِ اليَتِيمِ، فَإِنْ اسْتَغْنَيْتُ عَفَفْتُ عَنْهُ، وَإِنْ افْتَقَرْتُ أَكَلْتُ بِالمَعْرُوفِ»، وكان ينظر في هذا إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦].
وجيء لعمر بمال فبلغ ذلك حفصة أم المؤمنين، فجاءت فقالت: يا أمير الؤمنين حق أقربائك من هذا المال، قد أوصى الله بالأقربين. قال: يا بنية حق أقربائي في مالي، وأما هذا ففيء المسلمين، غششت أباك ونصحت أقرباءك، قومي. فقامت تجر ذيلها.
ورأى عمر في سكة من سكك المدينة صبية تطيش على وجه الأرض تقوم مرة وتقع أخرى، فقال عمر: «يَا وَيْحَهَا يَا بُؤْسَهَا مَنْ يَعْرِفُ هَذِهِ مِنْكُمْ؟»، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنَ عُمَرَ: «أَوَ مَا تَعْرِفُهَا يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟»، قَالَ: «لاَ وَمَنْ هِيَ؟»: قَالَ: «هَذِهِ إِحْدَى بَنَاتِكَ، هَذِهِ فُلاَنَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ»، قَالَ: «وَيْحُكَ وَمَا صَيَّرَهَا إِلَى مَا أَرَى؟»، قَالَ: «مَنْعُكَ مَا عِنْدَكَ»، قَالَ: «وَمَنْعِي مَا عِنْدِي مَنَعَكَ أَنْ تَطْلُبَ لِبَنَاتِكَ مَا يَكْسِبُ الأَقْوِيَاءُ لِبَنَاتِهِمْ؟ إِنَّهُ وَاللهِ مَالَكَ عِنْدِي غَيْرَ
стр. 258
سَهْمِكَ فِي المُسْلِمِينَ وَسِعَكَ أَوْ عَجَزَ عَنْكَ، هَذَا كِتَابُ اللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ».
وكان عمر يقول: «إِنَّ اللهَ جَعَلَنِي خَازِنًا لِهَذَا المَالِ وَلَمْ يَجْعَلْنِي قَاسِمًا بَلْ اللهُ يُقَسِّمُهُ».
ويقول: «مَا مَثَلِي وَمَثَلُ هَؤُلاَءِ إِلاَّ كَقَوْمٍ ساَفَرُوا فَدَفَعُوا نَفَقَاتِهِمْ إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَقَالُوا لَهُ: أَنْفِقْ عَلَيْنَا، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَأْثِرَ مِنْهَا بِشَيْءٍ؟»،قَالُوا: لاَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ. قال: «فَكَذَلِكَ مَثَلِي وَمَثَلُهُمْ».
ولم يكن أبو بكر وعمر فيما فَعَلاَ مبتدعين وحاشاهما أن يفعلا، وإنما كانا فيما فَعَلاَ متبعين لرسول الله ﷺ وعاملين بسنته، وبما جاء من عند ربه، ذلك أن الإسلام جعل الاستخلاف في الأرض والاستخلاف في الحكم أمانة.
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. وقد أمر الله المسلمين بأداء الأمانات إلى أهلها، وليس ثمة أمانة كالحقوق، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. وحرم عليهم خيانة الله ورسوله بعصيان أمر الله، كما حرم عليهم خيانة أماناتهم في الحكم والعدل وغير ذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧]. كذلك حرم الله على المسلم أن يغل، والغلول هو الأثرة على الناس، أو عدم القسمة بالعدل، أو
стр. 259
الخيانة ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١]. ولقد قامت رسالة محمد ﷺ على العدل بين الناس ﴿وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥]. وجعل الله من سيرة رسوله في الناس أسوة حسنة لهم ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وما يعدل بين الناس ولايكون لهم أسوة حسنة من يؤثر نفسه عليهم، أو يمز بعضهم على بعض.
وإذا كان الحكم أمانة وكان على الحاكم أن يؤدي أمانته فلا يخون الناس ولا يؤثر نفسه بشيء دونهم، وكان عليه أن يعدل بينهم في كل شيء، وأن يتأسى بسيرة رسول الله ﷺ فسيسير بمثلها في الناس، إذا كان هذا من واجب الحكام فما فعل أبوبكر وعمر إلا أنهما أَدَّيَا ما أوجبه الله عليهما، وَتَأَسَّيَا بسيرة رسول الله وَتَابَعَا فعله.
وَعَمَلُ الرَّسُولِ وَقَوْلُهُ في الأموال العامة معروف مشهور، فعن عمر بن الخطاب قال: «كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ، مِمَّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ، وَلاَ رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِ، - وفي لفظ: يَحْبِسُ لأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ - وَيَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي السِّلاَحِ وَالكُرَاعِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
وَعَنْ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -
стр. 260
كَانَ إِذَا أَتَاهُ الفَيْءُ قَسَمَهُ فِي يَوْمِهِ، فَأَعْطَى الآهِلَ حَظَّيْنِ، وَأَعْطَى العَزَبَ حَظًّا».
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا أُعْطِيكُمْ وَلاَ أَمْنَعُكُمْ، إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ» ويحتج بهذا الحديث في أن الفيء مَالٌ عَامٌّ جعلت قسمته للرسول على الوجه الذي أراه الله.
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فِي قِصَّةِ هَوَازِنَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَنَا مِنْ بَعِيرٍ فَأَخَذَ وَبَرَةً مِنْ سَنَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّهُ لَيْسَ لِي مِنْ هَذَا الْفَيْءُ شَيْءٌ وَلاَ هَذِهِ إلاَّ الخُمُسَ، وَالخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ فَأَدُّوا الخَيْطَ وَالمِخْيَطَ».
ويروى عن علي بن أبي طالب أنه سمع رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لاَ يَحِلُّ لِلْخَلِيفَةِ مِنْ مَالِ اللَّهِ، إِلاَّ قَصْعَتَانِ، قَصْعَةٌ يَأْكُلُهَا هُوَ وَأَهْلُهُ، وَقَصْعَةٌ يَضَعُهَا بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ».
فالإمام ليس له من مال الدولة إلا ما يسد حاجته وما يصلح عياله وما زاد عن ذلك فهو خيانة وغلول. وقد يكون أحد الأئمة كثير العيال فيحتاج إلى أكثر مِمَّا يحتاجه غيره، ولكن هذا وذاك لا يصح أن يأخذ مِمَّا يسد حاجته وحاجة عياله. فقد كان أبو بكر يأخذ ستة آلاف درهم
стр. 261
في العام وكان عمر يأخذ كل يوم درهمين على كثرة الأموال العامة في عهد عمر وازدياد الفيء أضعافًا مضاعفة.
على هذا الهدى سار الأئمة المهديون وبه تمسكوا، فهذا علي بن أبي طالب يموت وهو خليفة المسلمين فما يترك صفراء ولا بيضاء كما قال ابنه الحسن إلا ثمانية مائة أو سبعمائة درهم أرصدها لخادمه. ولقد كان علي وهو خليفة يلبس إزارًا غليظًا اشتراه بخمسة دراهم، وكانت حمائل سيفه من الليف، وعرض سيفه للبيع ليشتري لنفسه إزارًا، وكان يقول: «مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي هَذَا السَّيْفَ؟ فَوَالذِي فَلَقَ الحَبَّةَ لَطَالَمَا كَشَفْتُ بِهِ الكَرْبَ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَوْ كَانَ عِنْدِي ثَمَنُ إِزَارٍ مَا بِعْتُهُ».
وما كان المال بعيدًا عن علي بن أبي طالب لو حرص على المال، فقد كان يربط الحجر على بطنه من الجوع، ويعرض سيفه للبيع ليشتري به إزارًا، في حين أن الإيراد اليومي للأموال التي تصدق بها وأوقفها صدقة جارية على الفقراء أربعة آلاف دينار.
وما كان المال بعيدًا عن علي لو رضى أن يمد يده للأموال العامة ويأخذ منها حاجته (كما فعل من سبقه من الخلفاء) ولكنه حرم نفسه ذلك يوم بويع للخلافة حيث قال: «أَلاَ وَإِنَّهُ لَيْسَ لِي أَمْرٌ دُونَكُمْ، أَلاَ إِنَّ مَفَاتِيحَ مَالِكُمْ مَعِي، أَلاَ وَإِنَّهُ لَيْسَ لِي أَنْ آخُذَ مِنْهُ دِرْهَمًا دُونَكُمْ، أَرَضِيتُمْ؟» قَالُوا: نعم،
стр. 262
قال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ». وكما حرم على نفسه أن يأخذ شيئًا من المال العام فإنه حرم على نفسه أن يبقى على شيء من ماله الخاص، فقد كانت يده تمتلئ بماله الخاص فينفقه كله في سبيل الله، وعلى الفقراء، وَلاَ يُبْقِي لنفسه إلا ما دون الكفاف.
وجاء عمر بن عبد العزيز خليفة على المسلمين فلم يرتزق من بيت مال المسلمين شيئًا ولم يرزأه حتى مات، بل لقد رد عمر كل ما كان يملكه قبل أن يكون خليفة إلى بيت مال المسلمين ولم يترك لنفسه إلا عينًا بالسويداء كان استنبطها بعطائه، فكان يأتيه من غلتها كل سنة مائة وخمسون دينارًا أو أقل أو أكثر وكان أكثر طعامه العدس، ولم يكن له إلا ثوب واحد، وبلغ من ورعه أنه كان يطفئ شمعة بيت المال إذا ما انتهى من عمل الدولة ويجلس في سراجه الخاص ورفض أن يتوضأ أو يغتسل بماء ساخن على حجر مطبخ بيت المال إلا بعد أن دفع ثمن الحطب كله، بالرغم من أن صاحب المطبخ أخبره أن الماء سخن على حجر ولو ترك لخمد حتى يصير رمادًا.
ونخرج مِمَّا سبق بأن الإمام إذا كان له مال يقوم بحاجته وحاجة عياله فليس له أن يأخذ من مال المسلمين إلا بمقدار ما يأخذ أي فرد آخر، فإذا كان ماله لا يكفي حاجته أخذ من بيت المال ما ينقصه وإن لم يكن له مال أصلاً أخذ من بيت المال ما يقوم بحاجته وحاجة عياله كرجل من أوسط الناس ليس بأغناهم ولا أفقرهم.
стр. 263
حُقُوقُ الأَفْرَادِ فِي الإِسْلاَمِ:
قرر الإسلام من يوم نزوله حقوقًا للأفراد على الجماعة لم تعرفها القوانين الوضعية إلا بعد أن أتى بها الإسلام بثلاثة عشر قرنًا تقريبًا، وهذه الحقوق يقصد منها رفع مستوى الأفراد وتمكينهم من المشاركة في العمل لخير الجماعة وإسعادهم، والاحتفاظ للفرد بكرامته الإنسانية، وتنمية مواهب الأفراد، ومساعدتهم على استغلال قواهم العقلية والجسمانية.
وأهم الحقوق التي قررها الإسلام للأفراد هي المساواة ، والحرية.
المُسَاوَاةُ:
يقرر الإسلام أن المساواة بين البشر جميعًا ويفرضها على
стр. 264
المسلمين فرضًا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وفي قول الرسول ﷺ «النَّاسُ سَوَاسِيَةٌ كَأَسْنَانِ المُشْطِ الوَاحِدِ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ إِلاَّ بِالتَّقْوَى»، وقوله: «إِنَّ اللهَ قَدْ أَذْهَبَ بِالإِسْلاَمِ نَخْوَةَ الجَاهِلِيَّةِ وَتَفَاخُرِهِمْ بِآبَائِهِمْ، النَّاسُ مِنْ آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، وَأَكْرَمُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ».
ويلاحظ على هذه النصوص أنها فرضت المساواة بصفة مطلقة، فلا قيود ولا استثناءات، وأنها فرضت المساواة على الناس كافة أي على العالم كله، فلا فضل لفرض على فرض، ولا لجماعه على جماعه، ولا لجنس على جنس، ولا لون على لون، ولا لسيد على مسود، ولا لحاكم على محكوم وهذا هو نص القرآن يذكر الناس أنهم خلقوا من أصل واحد من ذكر وأنثى، ولا تفاضل إذا تساوت الأصول وإنما مساواة، وهذا هو قول الرسول يذكر الناس أنهم جميعًا ينتمون إلى رجل واحد فهم إخوة متساوون ويشبههم في تساويهم بأسنان المشط الواحد، وما تفضل سن المشط سنه الأخرى بحال.
وإذا كان البشر أبناء رجل واحد وامرأة واحدة فإن وحدة أصلهم ترشحهم إلى المساواة في حقوقهم وواجباتهم ومسؤولياتهم، فلا فضل لرجل على رجل كما يفضل اليوم أبناء إنجلترا وفرنسا على أبناء المستعمرات التابعه لهاتين الدولتين،
стр. 265
ولا فضل لأبيض على اسود كما يفضل اليوم الأمريكي الأبيض على الأمريكي الأسود، ولا فضل لجنس على جنس كما ادعت ألمانيا وغيرها أفضليتها على سائر الأجناس.
وجميع المسلمين على اختلاف ألوانهم وثقافاتهم وبلادهم سواء أمام الإسلام، فحقوقهم الشرعيه واحدة، وواجباتهم واحدة، وهم متساوون أمام الدولة، وأمام القضاء، وليس لأحدهم من الحقوق أكثر مِمَّا للآخر، ولا يلزم أحدهم بواجبات أكثر مِمَّا يلزم به غيره لو كان في مركزه.
ويسوي الإسلام بين المسلمين والذميين في كل مكان فيه متساوين، ولا يختلف المسلمون عن الذميين إلا فيما يتصل بالعقيده، ولذلك كان كل ما يتصل بالعقيده لا مساواة فيه، لأن معني المساواة هو حمل المسلمين على ما يتفق مع عقيدتهم وحمل الذميين على ما يختلف مع عقيدتهم والقاعدة في الإسلام أن لهم ما لنا وعليهم ما علينا، مع تركهم وما يدينون حيث ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
وإذا كان الإسلام يترك الذميين وما يدينون وينزلهم فيما عدا ذلك منزلة المسلمين، فمعنى هذا أن اليهود والمسيحيين في أرض الإسلام يكادون لا يخضعون في الحقيقه إلا لأحكام دينهم، ذلك أنه من أصول الإسلام الإيمان بكل الرسالات والكتب السابقه: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى
стр. 266
وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦]. وما جاء القرآن إلا مصدقًا لما سبقه من الكتب ومهيمنًا عليها ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨]. فإذا ترك الذميون وما يدينون فيما يخالف الإسلام وطبق عليهم حكم الإسلام في كل الذي لا يدينون به، فما حكموا إلا دينهم وما حكم عليهم بغير شريعتهم، وهم في هذا لا يختلفون عن المسلمين الذين يحكمون الإسلام في كل ما شجر بينهم، كِلاَ الفريقين يحكم دينه ولا يخضع لما يخالف شريعته هي المساواة التي ما بعدها مساواة.
الحُرِّيَّةُ:
وجاء الإسلام معلنا حرية الأفراد في أروع مظاهرها، فأعلن حرية التفكير ، وحرية الاعتقاد، وحرية القول، وحرية العلم، وحرية التملك.
حُرِّيَّةُ التَّفْكِيرِ:
جاء الإسلام معلنًا حرية التفكير محررًا العقول من الأوهام والخرافات والتقاليد داعيًا إلى نبذ كل ما لا يقبله العقل، ولقد قامت الدعوة الإسلامية نفسها على أساس العقل، فالقرآن يعتمد في إثبات وجود الله ويعتمد في إقناع الناس بالإسلام على
стр. 267
استثارة تفكيرهم، وإيقاظ عقولهم فيدعوهم إلى التفكير في خلق السماوات والأرض، وفي خلق أنفسهم ويدعوهم الى التفكير فيما تقع عليه أبصارهم، وما تسمعه آذانهم ليصلوا من وراء ذلك الى معرفة الخالق، وليستطيعوا التمييز بين الحق والباطل.
ويعيب القرآن على الناس أن يلغوا عقولهم، ويعطلوا تفكيرهم، ويقلدوا غيرهم، ويؤمنوا بالخرافات والأوهام، ويتمسكوا بالعادات والتقاليد، دون تفكير فيما يأتون وما يدعون، ويصف من كانوا كذلك بأنهم كالأنعام بل أضل سبيلاً من الأنعام.
ونصوص القرآن صريحه في تقرير هذه المعاني واقرأ إن شئت قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ: ٤٦]. ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاّض بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الروم: ٨]. ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ
стр. 268
يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
حُرِّيَّةُ الاعْتِقَادِ:
وشريعة الإسلام هي أول شريعة أباحت حرية الاعتقاد، وعملت على صيانة هذه الحرية وحمايتها إلى آخر الحدود. فلكل إنسان طبقًا للشريعة الإسلامية أن يعتنق من العقائد ما شاء، وليس لأحد أن يحمله على ترك عقيدته أو اعتناق غيرها.
وكانت الشريعة الإسلامية عملية حين قررت حرية العقيدة، فلم تكتف بإعلان هذه الحرية، وإنما اتخذت طريقين:
أحدهما: إلزام الناس أن يحترموا حق الغير في اعتقاد ما يشاء وفي تركه يعمل طبقًا لعقيدته، فإن كان ثمة معارضة فلتكن بالحسنى ولبيان وجه الخطأ فإن قبل صاحب العقيدة أن يغيرها عن اقتناع فلا حرج، وإن لم يقبل فلا يجوز إكراهه ولا تهديده، واقرأ هذا المعنى صريحًا في قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩].
الثاني: إلزام صاحب العقيدة أن يعمل على حماية عقيدته،
стр. 269
وأن لا يقف موقفا سلبيًا، فإذا عجز عن حماية نفسه كان عليه أن يهاجر إلى بلد آخر يحترم أهله العقيدة ويتمكن فيه من إعلان ما يعتقد، فإن لم يهاجر وهو قادر على الهجرة فقد ظلم نفسه وارتكب إثمًا عظيمًا ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا، إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً [النساء: ٩٧، ٩٨].
حُرِّيَّةُ القَوْلِ:
جعلت الشريعة الإسلامية حرية القول حقًا لكل إنسان، بل جعلت القول واجبًا على المسلم في كل ما يمس الأخلاق والمصالح العامة والنظام العام، وفي كل ما أوجبت فيه الشريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وإذا كان لكل إنسان أن يقول ما يعتقد أنه الحق، ويدافع بلسانه وقلمه عما يعتقده، فإن حرية القول ليست خارجًا على نصوص الشريعة وروحها.
стр. 270
ولقد قررت الشريعة حرية القول من يوم نزولها، وقيدت في الوقت نفسه هذه الحرية بالقيود التي تمنع من العدوان وإساءة الاستعمال، وكان أول من قيدت حريته في القول محمد ﷺ ، وهو رسول الله الذي جاء مبشرًا بالحرية وداعيًا لها، ليكون قوله وعمله مثلاً يحتذى، وليعلم الناس أن لا يمكن أن يعفى أحد من هذه القيود إذا كان رسول الله أولى من قيد بها على ما وصفه به ربه من قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
لقد أمر الله رسوله أن يبلغ رسالته للناس، وأن يدعوهم جميعًا إلى الإيمان بالله وأن يحاج الكفار والمكذبين، ويخاطب عقولهم وقلوبهم، ولكن الله - جَلَّ شَأْنُهُ - لم يترك لرسوله حرية القول على إطلاقها، فرسم له طريق الدعوة، وبين له منهاج القول والحجاج، وأوجب عليه أن يعتمد في دعوته على الحكمة والموعظة الحسنة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وأمره أن يعرض عن الجاهلين ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وأن لا يجهر بالسوء من القول ﴿لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]، وأن لا يسب الذين يدعون من دون الله ﴿وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨].
وحرية القول في هذه الحدود تعود على الأفراد والأمم
стр. 271
بالنفع، وتؤدي إلى نمو الإخاء والاحترام بين الأفراد والهيئات، وتجمع الكلمة على الحق، وتجعل الجماعة في حالة تعاون دائم، وتقضي على النعرات الشخصية والطائفية .. وهذا كله ينقص العالم اليوم أو يبحث عنه العالم فلا يهتدي إليه.
حُرِّيَّةُ التَّعْلِيمِ:
ولا يكتفي الإسلام بأن يقرر حرية التعليم، بل يجعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]، وفي قول الرسول ﷺ «طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» وقوله أيضًا: «اطْلُبُوا الْعِلْمَ وَلَوْ بِالصِّينِ».
ولقد رفع الإسلام من قدر العلم ما لم يرفع من شيء آخر، فقال - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، وفرق الله بين العالم والجاهل بالعلم وحده في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وجعل الإسلام العلم وسيلة لمعرفة الله وخشيته ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، ولمعرفة حقائق الأشياء والأفعال ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، بل جعل الإسلام العلم الوسيلة الوحيدة لفهم كتاب الله: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الأعراف: ٥٢]، ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ
стр. 272
بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]
واعتبر الإسلام العلم طريقًا للخير، فقال رسول الله ﷺ : «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَيُلْهِمْهُ رُشْدَهُ»، واعتبر العلماء ورثة الأنبياء، فوضعهم في أسمى المراتب، اذ لا رتبة فوق رتبة النبوة، وذلك قول الرسول: «العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ».
وإذا كان الإسلام قد جعل طلب العلم فريضة ووضع العلم هذا الموضع السامي فقد أصبح من واجب كل فرد أن يتعلم ما استطاع للعلم سبيلاً، ووجب على الحكومة الإسلامية نشر العلم والقيام على أمره وتمكين الجميع منه. ولقد سن الرسول ﷺ للحكومة الإسلامية كل هذا يوم جعل فداء الأسرى المتعلمين أَنْ يُعَلِّمَ كل منهم عددًا من أبناء المسلمين الكتابة والقراءة.
حُرِّيَّةُ التَّمَلُّكِ:
وقد أطلق الإسلام الحرية للبشر في أن يتملكوا ما يشاؤون من العقار والمنقول والأشياء ذات القيمة في حدود نظرية الإسلام في ملكية المال، فلكل إنسان أن يملك أي قدر شاء من الأموال على اختلاف أشكالها وأنواعها على أن لا يكون له إلا ملكية الانتفاع بها، وعلى أن ينتفع منها بقدر حاجته في غير سرف ولا تقتير، وعلى أن يؤدي ما يوجبه الإسلام للغير في المال من حقوق على الوجه الذي بَيَّنَّا في صدر هذا الكتاب.
стр. 273
وَحْدَةُ الأُمَّةِ الإِسْلاَمِيَّةِ:
جعل الإسلام المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أمة واحدة على تعدد أوطانهم واختلاف ألوانهم وألسنتهم ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢]، ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢]، وأمرهم بالاتحاد والالتفاف حول راية القرآن ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وحرم عليهم التنازع وَبَيَّنَ لهم أنه يفضي الي الإخفاق والضعف ﴿وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]، وحذرهم من أن يؤدي بهم الخلاف إلى الفرقه كما حدث للذين من قبلهم ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وأوصاهم إذا تنازعوا في شيء أو اختلفوا فيه أن يردوه إلى الله وإلى ما جاء به الرسول ﷺ ، ويأخذوا فيه
стр. 274
بحكم الله وحده، فيقضى بذلك على الخلاف والنزاع، وتبقى الوحدة قائمة والصفوف سليمة، ولا يكون للأهواء والأغراض من سبيل على المسلمين ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠].
ولقد صنع الإسلام للوحدة الإسلامية كل ما يقتضيه التوحيد، وأقام الوحدة على دعائم ثابتة دائمة لا يتطرق إليها الخلل ما دام المسلمون متمسكين بدينهم حريصين على طاعة ربهم.
وحد الإسلام بين المسلمين جميعًا بما أوجب عليهم من الإيمان برب واحد، والخضوع لإله واحد، واتباع كتاب واحد، وشرع واحد، وبما جعل للأمة الإسلامية على تعدد أفرادها من هدف واحد، وتفكير واحد، ونهج واحد، وبما طبع عليه المسلمين من آداب واحدة، وسياسة واحدة، وسلوك واحد، وأمر لا يختلف عن أصوله اثنان.
وآخى الإسلام بعد ذلك بين المسلمين، وأقام المجتمع الإسلامي على أساس متين من الأخوة الإسلامية ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، تلك الأخوة الإسلامية التي تربط بين المسلمين، وتوحد اتجاهاتهم، وتقوي صفوفهم، وتجعلهم
стр. 275
أهلاً للتعاون والتضامن والبر والتراحم.
وفرض الإسلام على المسلمين أن يتعاونوا على البر والتقوى وطاعة الله، وحرم عليهم أن يتعاونوا على إثم أو عدوان ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
وجعل الإسلام المسلمين متضامنين في الدعوة إلى الخير، وعمل الخير، والأمر بالطاعات، والنهي عن المحرمات وتغييرها ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٢].
وجعل الإسلام المسلمين متضامنين في كل ما يصيبهم من خير وما يحيق بهم من شر، حتى لقد اعتبرهم كالبنيان يشد بعضه بعضًا ويمسك بعضه البعض الآخر أن يميل أو يقع، بل اعتبرهم كـ «الجَسَدِ الوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»، وذلك قول رسول الله ﷺ «المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»، وقوله: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ الوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى»، وقوله «المُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنِ اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ، وَإِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ».
стр. 276
وألزم الإسلام كل مسلم أن يحفظ أخاه المسلم، فلا يضيعه ولا يظلمه، ولا يتهاون في أمره ولا يخذله، ولا يحقره، كما ألزم كل مسلم أن يعين أخاه المسلم وأن يرحمه، وأن يكون في حاجته أن يستر عليه، وأن يحوطه من ورائه، وذلك قول رسول الله ﷺ : «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ»، وقوله: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ، وَلاَ يَحْقِرُهُ، وَلاَ يَخْذُلُهُ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ - التَّقْوَى هَاهُنَا، التَّقْوَى هَاهُنَا، التَّقْوَى هَاهُنَا، يُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثًا، بِحَسْبُ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ»، وقوله: «المُؤْمِنُ مِرْآةُ المُؤْمِنِ، وَالمُؤْمِنُ أَخُو المُؤْمِنِ، يَكُفُّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ»، وقوله: «مَنْ لاَ يَرْحَمْ لاَ يُرْحَمْ».
وحرم الإسلام على المسلمين أن يسخر بعضهم من بعض، أو يتجسس بعضهم على بعض، كما حرم عليهم الغيبة والتنافس والتحاسد والتباغض والتدابر والتنابز بالألقاب والسباب، وذلك [في] قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١]، وقوله: ﴿وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ
стр. 277
بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]. وذلك قول الرسول ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَنَافَسُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا»، وقوله: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ».
تلك هي الأمة الإسلامية، وحدها الله وجمعها على كلمة التقوى، وأقام وحدتها على دعائم ثابتة من الأخوة والتعاون والتضامن والتراحم والأخلاق الكريمة.
وفي سبيل حفظ هذه الوحدة قضى الإسلام على الحواجز الجغرافية والعصبيات الإقليمية والقبلية، وقضى على اختلافات اللغة والجنس واللون، فسوى بين المسلمين تسوية عامة مطلقة غير مقيدة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]. وجعلهم في التسوية بينهم كأسنان المشط الواحد، فلا يفضل أحدهم أخاه إلا بقدر ما تفضل سن المشط الأخرى، ولا فضل بين السنين وذلك قول الرسول ﷺ : «النَّاسُ سَوَاسِيَةٌ كَأَسْنَانِ المُشْطِ الوَاحِدِ».
لقد وضع الإسلام الأحساب والأنساب ولم يجعل لهم في ميزان التفاضل نصيبًا، وحطم العصبية والجنس ولم يجعل لهما في الإسلام شأنًا، وأقام التفاضل على الدين والعمل الصالح والتقوى، وجعل التفاخر بالأحساب والأنساب والعصبيات
стр. 278
والأجناس والألوان عملاً جاهليًا ليس من الإسلام في شيء، وفي ذلك كله يقول الرسول ﷺ : «إِنَّ أَنْسَابَكُمْ هَذِهِ لَيْسَتْ بِسِبَابٍ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنَّمَا أَنْتُمْ وَلَدُ آدَمَ، طَفُّ الصَّاعِ لَمْ تَمْلَئُوهُ، لَيْسَ لأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلٌ إِلاَّ بِالدِّينِ أَوْ عَمَلٍ صَالِحٍ» ويقول: «انْظُرْ فإنَّكَ لَسْتَ بِخَيْرٍ مِنْ أحَمَرَ ولا أسْودَ إلاَّ أنْ تَفْضُلَهُ بِتَقْوَى». ويقول: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلاَ إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلاَ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلاَ لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلاَ أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلاَ أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلاَّ بِالتَّقْوَى، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ»، ويقول: «إِنَّ اللهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عَيْبَةَ الجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ، النَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْخَرُونَ بِرِجَالٍ، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللهِ مِنَ الجِعْلاَنِ التِي تَدْفَعُ النَّتِنَ بِأَنْفِهَا»، ويقول: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ» ويقول: «مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ، يَغْضَبُ لِلْعَصَبِيَّةِ، أَوْ يُقَاتِلُ لِلْعَصَبِيَّةِ فَلَيْسَ مِنْ أٌمَّتِي».
هذا هو حكم الإسلام في المسلمين، جعلهم أمة واحدة وجعل منهم دولة واحدة، وجعل لهم إمامًا واحدًا يحكم هذه الدولة الواحدة وتلك الأمة الواحدة يقيم فيها الإسلام ويصرف شؤونها في حدود الإسلام.
стр. 279
إِقْلِيمُ الدَّوْلَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ:
وإذا كان الإسلام يوجب أن يكون المسلمون أمة واحدة لهم دولة واحدة فإن هذا يقتضي أن يكون إقليم الدولة الإسلامية شاملاً لكل البلاد الإسلامية.
والأصل في الإسلام أنه شريعة عالمية لا مكانية، جاءت للعالم كله لا لجزء منه، وللناس جميعًا لا لبعضهم، وهو شريعة الكافة، لا يختص بها قوم دون قوم، ولا جنس دون جنس، ولا قارة دون قارة، وهو شريعة العالم كله، يخاطب بها المسلم وغير المسلم، ولكن لما كان الناس جميعًا لا يؤمنون بها، ولا يمكن فرضها عليهم فرضًا فقد قضت ظروف الإمكان أن لا تطبق الشريعة إلا على البلاد التي يدخلها سلطان المسلمين دون غيرها من البلاد، وهكذا أصبح تطبيق الشريعة الإسلامية مرتبطًا بسلطان المسلمين وقوتهم، فكلما اتسعت الأقاليم التي يتسلط انكمش سلطانها، فالظروف والضرورة هي التي جعلت من الشريعة الإسلامية شريعة إقليمية، وإن كانت الشريعة في أصلها عالمية.
وقد نظر الفقهاء إلى هذا الاعتبار حين قسموا العالم كله إلى قسمين لا ثالث لهما، الأول يشمل كل بلاد الإسلام ويسمى دار الإسلام، والثاني يشمل كل البلاد الأخرى ويسمى دار الحرب.
стр. 280
دَارُ الإِسْلاَمِ:
تشمل دار الإسلام البلاد التي تظهر فيها أحكام الإسلام أو يستطيع سكانها المسلمون أن يظهروا فيها أحكام الإسلام، فيدخل في دار الإسلام كل بلد سكانه أو أغلبهم مسلمون، وكل بلد يحكمه المسلمون، ولو كانت غالبية سكانه من غير المسلمين.
دَارُ الحَرْبِ:
وتشمل دار الحرب كل البلاد غير الإسلامية التي لا تدخل تحت سلطان المسلمين ولا تظهر فيها أحكام الإسلام، سواء أكانت هذه البلاد تحكمها دولة واحدة أو تحكمها دول متعددة، ويستوي أن يكون بين سكانها المقيمين بها إقامة دائمة مسلمون، أو لا يكون ما دام المسلمون عاجزين عن إظهار أحكام الإسلام.
والمقصود من تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب إنما هو تقسيم العالم إلى قسمين: أحدهما دار أمن وسلام للمسلمين، والثاني دار خوف وعداء للمسلمين، وبيان الأحكام التي تسري على المسلمين في كل دار.
وقد اعتبرت البلاد الإسلاميةعلى تعددها واتساعها دار واحدة، لأنها محكومة بقانون واحد هو الشريعة الإسلامية، ولأنها تخضع لدولة واحدة هي الدولة الإسلامية فهي من هذه
стр. 281
الوجهة وحدة سياسية ووحدة قانونية لا تتعدد فيها الحكومات، ولا تختلف فيها الأحكام باختلاف الجهات.
أما البلاد غير الإسلامية فانها تعتبر دارًا واحدة لأن الأحكام التي تسري عليها طبقًا للشريعة الإسلامية أحكام واحدة لا تختلف باختلاف الجهات، ولا باختلاف الحكومات.
الجِنْسِيَّةُ فِي الإِسْلاَمِ:
وتقوم الجنسية في الإسلام على أساس الدار، فأهل دار الإسلام لهم جنسية واحدة هي الجنسية الإسلامية، سواء أكانوا مسلمين أو ذميين، ومهما تميز المصري عن السوري، أو العراقي، أو المغربي، فذلك تمييز محلي لا ينبني عليه حكم شرعي ولا يؤدي إلى تمييز في الخارج.
وأهل دار الحرب لهم جنسية واحدة مهما تعددت بلادهم وحكوماتهم، ومهما تميز الإنجليزي عن الفرنسي أو الأمريكي فذلك تمييز داخلي بينهم، ولكن أحكام الإسلام واحدة بالنسبة لهم جميعًا. على أن الإسلام لا يمنع من النظر إلى الدول الأجنبية المختلفة كل على حدة بحسب ظروفها، فيجوز أن يكون بين المسلمين وبين الإنجليز حرب، ويجوز أن يكون بين المسلمين وبين الأمريكيين عهد أو هدنة.
وأساس الجنسية في دار الإسلام هو اعتناق الإسلام، أو التزام أحكامه، فمن اعتنق الإسلام فهو مسلم، ومن التزم
стр. 282
أحكام الإسلام ولم يسلم فهو ذمي، وكلا المسلم والذمي رعية من رعايا الدولة الإسلامية، وجنسية كل منهما الجنسية الإسلامية.
стр. 283
أَيْنَ أَوْضَاعُنَا الحَالِيَّةُ مِنَ الإِسْلاَمِ ؟:
نحن معشر المسلمين في العالم كله ننتسب للإسلام، ونحرص على الانتساب إليه، ونفخر بهذا النسب الإلهي الكريم، ولكنا مع الأسف لا نعرف كثيرًا عن الإسلام، ولا يعرف أكثرنا حقائق الإسلام، ويكاد الإسلام لا يتصل بقلوبنا وأعمالنا وإن اتصل بألسنتنا وأقوالنا.
وليس يهمنا أن نعرف كيف وصل المسلمون إلى هذه الحال، ما دمنا نعرف أن الجهل بالإسلام يؤدي إلى البعد عن أحكام الإسلام، وأن البعد عن الإسلام وهجر بعض أحكامه يؤدي إلى الخروج على الإسلام، بل يؤدي إلى هدم الإسلام.
ولقد جهل أكثر المسلمين الإسلام حتى بعدوا عن حقائق الإسلام وأحكامه، وبعد المسلمون عامة عن الإسلام وهجروا أحكامه حتى خرجوا على الإسلام وهدموا معالم الإسلام.
стр. 284
وإن شئنا أن نعرف إلى أي حد بعدنا عن الإسلام فلقد رأينا فيما سبق كثيرًا من أحكام الإسلام فلننظر أين نحن من هذه الأحكام؟
إن الإسلام يجعل من المسلمين وحدة سياسية واحدة، ولقد كَوَّنَ المسلمون هذه الوحدة وحرصوا عليها من يوم أن تجمع المسلمون في المدينة، وظلت هذه الوحدة تتسع وتقوى حتى بلغت من المنعة والقوة ما لم تبلغه أية وحدة سياسة أخرى قبلها، ثم أخذ المسلمون بعد ذلك يستجيبون للأهواء والمطامع، ويفتنهم عن دينهم الحكم والسلطان، وتحركهم المنافع الشخصية والعصبيات القبلية، فانقضوا على هذه الوحدة المقدسة التي صنعها الله وأمر بالمحافظة عليها فمزقوها شر ممزق، وقطعوها إمارات وسلطنات وممالك وجمهوريات باسم الإسلام وباسم الاستقلال في ظاهر الأمر وباسم الاستغلال وباسم الاستعلاء وباسم العصبيات في حقيقته، وما فعلوا إلا أن مزقوا قوتهم ومنعتهم، وأضعفوا ملكهم وسلطانهم، هيأوا لأعداء الإسلام أن ينالوا من الإسلام، وأن يضعوا أيديهم على هذه الإمارات والسلطنات والممالك والجمهوريات باسم الاحتلال وباسم الحماية وباسم الانتداب وباسم التحالف وبغير ذلك من الأسماء التي يستظل بها الاستعباد ويستتر فيها الاستعمار، ويستعان بها على إذلال الشعوب وإخضاع الأمم.
ويوم كان للمسلمين دولة واحدة كانت دول الأرض
стр. 285
جميعًا تخافهم وترجوهم وتتود إليهم وتتهافت عليهم، وكانت كلمة هذه الدولة الواحدة هي الكلمة العليا في السياسة الدولية، بل كانت سياستها هي السياسة العالمية، أما اليوم ودول الإسلام بضع عشرة دولة عدا الإمارات والسلطنات فقد خفت صوت الإسلام والمسلمين وأصبح المسلمون سخرية أهل الأرض، وأهونهم على الناس، وأضيعهم في ميدان السياسة الدولية، وما نفعتهم هذه الدول المتعددة شيئًا وما حفظت لهم حقًا ولا ردت عنهم حيفًا، وما كانت إلا ذيلاً لغيرها من الدول تستتبع فتتبع، ويشار إليها فتخضع.
ولقد تغير الزمن فأخذ الأقوياء يتوحدون خشية الاستضعاف ويتكتلون رجاء الانتصاف ويواجهون أعداءهم الأقوياء بمثل قوتهم وبما هو أكثر منها، ولكن المسلمين لا يزالون في غمرتهم ساهون، يتفرقون ولا يتوحدون والأصل فيهم التوحد، ويتمزقون ولايتكتلون والأصل فيهم التكتل، كل وحدة وحداتهم تؤول إلى وحدات وكل دولة إلى دويلات وكل جماعة إلى جماعات وكل حزب إلى أحزاب، حتى ضيعوا قوتهم وأهلكوا أنفسهم، ومكنوا لأعدائهم بأيديهم.
والإسلام يجعل من المسلمين إخوانا متحدين متعاونين متضامنين متراحمين، ولكن المسلمين خرجوا على مبادئ الإسلام فاتخذوا لهم من أنفسهم أعداء يناوئ بعضهم بعضًا،