الأعلى، وليقضي الرسول بين الناس على مقتضى أحكامه كما علمه الله ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥].
ونعرف أن الله - جَلَّ شَأْنُهُ - نفى الإيمان عن العباد وأقسم بنفسه على ذلك حتى يحكموا الرسول فيما يشجر بينهم ليحكم فيه بحكم الله، ولم يكتف الله تعالى في إثبات الإيمان لهم بهذا التحكيم المجرد بل اشترط لاعتبارهم مؤمنين أن ينتفي عن صدورهم الحرج والضيق من قضاء الرسول وحكمه، وأن يسلموا تسليمًا وينقادوا انقيادًا لما حكم به، ولن يحكم إلا بما أنزل الله وبما أراه إياه ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
ومن هذه النصوص القاطعة نعرف أن الله أمر أن يتحاكم الناس إلى ما أنزله على رسوله ويحكموا به وأنه تعالى حذر من اتباع الأهواء والحكم بها، وأمر أن يكون الحكم كله مطابقًا لما أوحي به، كما حذر الحاكم من أن يترك بعض ما أنزل الله أو أن يفتن عنه ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨]. ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩]. ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٧].
стр. 72
ومن هذه النصوص نعرف أن الله جعل الحكم بما أنزله أحسن حكم وأفضله، وأنه نسب الحكم بما أنزل إلى نفسه فجعله حكم الله وأنه جعل الحكم بما عداه حكمًا جاهليًا يقوم على الباطل، وأنه وصف من يبتغي غير حكم الله بأنه يبغي حكم الجاهلية القائم على الأهواء والضلال ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
ومن هذه النصوص القاطعة نعرف أن الله حَرَّمَ الحكم بغير ما أنزل، كما حَرَّمَ عليهم الكفر والظلم والفسوق والعصيان، وجعل من لم يحكم بما أنزل الله كافرًا وظالمًا وفاسقًا، فقال - جَلَّ شَأْنُهُ - ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧].
ولقد عبر القرآن عن الكفر بلفظ الظلم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]. كذلك عبر القرآن عن الكفر والظلم بالفسق من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩]، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]، وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]. وقوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩].
стр. 73
وقوله: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥].
وإذا كان الظلم والفسق بمعنى الكفر فيكون فسق من لم يحكم بما أنزل الله وظلمه هو الكفر، ويكون من لم يحكم بما أنزل الله كافرًا في كل الأحوال بنص القرآن.
ولكن بعض المفسرين يفسرون الظلم بالإنحراف عن الحق، ويفسرون الفسق بالعصيان، ويجمعون بين الآيات الثلاث في التفسير، فيرون أن من يستحدث من المسلمين أحكامًا غير ما أنزل الله ويترك بالحكم بها كل أو بعض ما أنزل الله من غير تأويل يعتقد صحته، فإنه يصدق عليه ما قاله الله، كل بحسب حاله، فمن أعرض عما أنزل الله لأنه يفضل عليه غيره من أوضاع البشر فهو كافر قطعًا، ومن لم يحكم به لعلة أخرى غير الجحود والنكران فهو ظالم إن كان في حكمه مُضَيِّعًا لحق أو تاركًا لعدل أو مساواة، وإلا فهو فاسق.
الحُكْمُ مِنْ طَبِيعَةِ الإِسْلاَمِ:
هذه بعض نصوص القرآن التي تعرضت للحكم، وليس بعد ما ذكرنا حُجَّةً لمحتج ولا سبيل لجدال، فليعرف المسلمون أحكام دينهم ونصوص شريعتهم، ثم ليأخذوا عن بَيِّنَةٍ وليدعوا عَنْ بَيِّنَةٍ، أما أن ينطلقوا وراء تلاميذ المبشرين وأذناب المستعمرين ويدعون مثلهم أن الإسلام لا علاقة له بالحكم، ولم ترد فيه
стр. 74
نصوص عن الحكم فذلك هو الجهل المطبق والجدل المنكر، وأي جهل أشد من جهل رجل يدعي لنفسه صفة لا يعرف ماهيتها، فيدعي لنفسه الإسلام وهو يجهل حقيقة الإسلام، وأي جدل أنكر من جدال جاهل يحتج على الناس بجهله، ويريد منهم أن ينكروا ما علموه لأنه يجهل أو لا يريد أن يتعلمه.
إن الإسلام يلزم الناس باتباع ما أنزل الله ويوجب عليهم أن يتحاكموا إلى ما جاء من عند الله ويحكموا به وحده دون غيره، وليس لذلك معنى إلا أن الحكم هو الأصل الجامع في الإسلام، والدعامة الأولى التي يقوم عليها الإسلام.
إن كل من له إلمام بالإسلام يعلم حق العلم أن الحكم في الإسلام تقضي به طبيعة الإسلام أكثر مِمَّا تقضي به نصوص القرآن، ففي طبيعة الإسلام أن يسيطر على الأفراد والجماعات ويوجههم ويحكم تصرفاتهم، وفي طبيعة الإسلام، أن يعلو ولا يعلى عليه، وأن يفرض حكمه على الدول، وأن يبسط سلطانه على العالم كله.
إن الإسلام ليس عقيدة فقط، ولكنه عقيدة ونظام، وليس دينًا فحسب ولكنه دين ودولة، ومن المؤلم حقًا أن يجهل أكثر المسلمين ذلك لأنهم يجهلون كل شيء عن حقيقة الإسلام، ولا يعلمون عنه إلا عبادات يتلقونها عن طريق التقليد والمحاكاة.
الإِسْلاَمُ عَقِيدَةٌ وَنِظَامٌ:
والإسلام عقيدة ومبدأ ما في ذلك شك ولكنه ما كان عقيدة
стр. 75
تعتقد ومبدأ يعتنق إلا بعد أن استوى نظامًا دقيقًا شاملاً ينظم كل شأن من شؤون النفس البشرية، وينظم كل ما تحيط به النفوس من المعاني وما تدركه من المحسوسات، سواء اتصلت بالأفراد أو الجماعات، وسواء اتصلت بدنيانا التي نعيش فيها أو بالحياة الأخرى التي نرجوها حياة طيبة.
والإسلام كعقيدة هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولكنه كنظام يسيطر على الإنسان سيطرة تامة ويرسم له منهاجًا في الحياة وهدفه منها، كما يرسم له طرائق العمل التي تؤدي إلى السعادة في الدنيا والآخرة.
الإسلام كنظام يسيطر على المسلم في كل حركاته وسكناته، يسيطر عليه في تفكيره ونيته، وفي قوله وعمله، يسيطر عليه في سره وجهره وفي خلوته وجلوته، يسيطر عليه في قيامه وقعوده وفي نومه ويقظته، يسيطر عليه في طعامه وشرابه وفي ملبسه وحليته، يسيطر عليه في بيعه وشرائه وفي تصرفاته ومعاملاته، يسيطر عليه في جده ولهوه وفي فرحه وحزنه وفي رضاه وغضبه، يسيطر عليه في بأسائه ونعمته وفي مرضه وصحته وفي ضعفه وقوته، يسيطر عليه غنيًا وفقيرًا صغيرًا وكبيرًا عظيما وحقيرًا، يسيطر عليه في بَنِيهِ وَأَهْلِهِ وفي صداقته وعداوته وفي سلمه وحربه، يسيطر عليه فردًا وفي جماعة وحاكمًا ومحكومًا ومالكًا وصعلوكًا، وليس ثمة تصرف يتصوره العقل أو حال يكون عليها الإنسان إلا سيطر فيها الإسلام على المسلم ووجهه الوجهة التي رسمها.
стр. 76
والذين يظنون أن الإسلام عقيدة وليس نظامًا إنما هم جهال لا يعلمون من الإسلام شيئًا، أو هم أغبياء لا يستطيعون أن يفقهوا حقيقة الإسلام، فالإسلام في حقيقته صبغة يصبغ الله بها عباده المؤمنين ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨]. ولا يكون المسلم مسلمًا إلا إذا اصطبغ بصبغة الإسلام، وَلَوَّنَ نفسه وأهله وتصرفاته وما يحيط به باللون الإسلامي الخالص.
وأجهل من هؤلاء وأشد غباء من يظنون أن مصلحة المسلمين في أن يحافظوا على الإسلام عقيدة وينبذوه نظامًا، ذلك أن العقائد والمبادئ الإسلامية لا يمكن أن تعيش وتنتشر إلا في ظل النظام الإسلامي الذي تكفل بوضعه الخلاق العليم.
ولست أدري كيف يؤمن هؤلاء بالإسلام عقيدة ولا يؤمنون به نظامًا، أتراه عقيدة من عند الله، ونظامًا من عند غير الله؟ ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨].
إن الله الذي جعل الإسلام دينًا هو الذي جعله عقيدة ونظامًا، وأن الله ليأبى على الناس أن يبتغوا لأنفسهم دينًا غير هذا الدين ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]. ولقد أكمل الله الدين الإسلامي وأتم بإكماله نعمته على الخلق ورضيه دينًا للناس فما يجوز لهم أن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه، وما يجوز لهم أن يرضوا لأنفسهم غير ما رضيه الله لهم ﴿الْيَوْمَ
стр. 77
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وإذا كان اللهُ - جَلَّ شَأْنُهُ - قد اختار الإسلام دينًا ورضيه للناس عقيدة ونظامًا، فكيف يكون لمؤمن أن يختار وقد حرم الله عليه الاختيار: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
أفلا يعلم هؤلاء أن أحكام الإسلام لا تتجزأ ولا تقبل الإنفصال، وأن نصوصه تمنع من العمل ببعضها وإهمال البعض الآخر كما تمنع من الإيمان ببعضها والكفر ببعض، وأن الله - جَلَّ شَأْنُهُ - توعد من يفعل ذلك بالخزي في الحياة الدنيا وبالعذاب الشديد في الآخرة ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٨٥].
ولقد تمنى قوم في عهد رسول الله ﷺ أن يترك الرسول بعض ما أنزل الله ليحكم بما يتفق مع أهوائهم فنزل الوحي يأمر الرسول بأن يتمسك بما أنزل الله ويحذره من اتباع أهواء هؤلاء الفساق، ويعلمه أن تحكيم الأهواء هو حكم الجاهلية، وأن أفضل حكم وأحسنه هو ما اختاره الله لعباده " ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ
стр. 78
النَّاسِ لَفَاسِقُونَ، ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٤٩، ٥٠].
إن الذين يريدون أن يفصلوا بين العقيدة الإسلامية والنظام الإسلامي إنما هم أعداء الإسلام عن عمد أو جهل، فالنظام الإسلامي أشبه ما يكون بالآلة التي تنتج الكهرباء والعقيدة الإسلامية هي النور الذي تعمل الآلة لإنتاجه، فإذا عطلت الآلة انقطع النور وانتهى الإسلام.
إن الدين الإسلامي يمتاز بأنه استطاع أن يوحد بين الأجناس والألوان والأمم، وأن يوجههم جميعًا وجهة واحدة، وأن يحملهم على نهج واحد وغاية واحدة، وما استطاع الدين الإسلامي أن يصل لهذا إلا لأنه عقيدة ونظام.
ولقد جاءنا الإسلام بعقائد معينة ولكنه لم يأتنا بها مجردة، وإنما أتى معها بالنظام الذي تقوم عليه وتحيا به، وألزمنا اتباعه والتزامه، وهو نظام دقيق من التربية والتوجيه، يشمل كل شيء كما قدمنا، ويتدخل في كل حالة من حالات الإنسان، وينتقل بالفرد من مرحلة إلى مرحلة حتى ينتهي به إلى مرحلة التخلي عن أنانيته وأهوائه ويصل به إلى مرحلة التجرد لخدمة المبادئ القرآنية والفناء فيها.
وهكذا يربي الإسلام المسلمين تربية واحدة ويوجههم توجيهًا موحدًا، ويجردهم لخدمة أهداف واحدة، فما يطلبه أحدهم هو ما يطلبه الآخر، وما تعمل له مجموعة منهم هو نفسه
стр. 79
ما تعمل له كل مجموعة أخرى، وما يأمله صغيرهم هو ما يأمله كبيرهم، وما يضر أحدهم يضر مجموعهم، فهم على تعدد أشخاصهم وتباعد بلادهم نفس واحدة، وقلب واحد، ورجل واحد، وعلى هذا الأساس شبه الرسول ﷺ المسلمين بـ «الجَسَدِ الوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».
وإذا كان الإسلام في حقيقته عقيدة ونظامًا، فإن طبيعته تقتضيه أن يكون حكمًا، ذلك أن قيام العقيدة يقتضي قيام النظام الذي أعد لخدمتها، ولا يمكن أن يقوم النظام الإسلامي إلا في ظل حكم إسلامي يماشي النظام الإسلامي ويؤازره، إذ أن كل حكم غير إسلامي لا بد أن يؤدي إلى تعطيل النظام الإسلامي، وإذا كان قيام النظام الإسلامي يقتضي قيام حكم إسلامي فمعنى ذلك أن الحكم الإسلامي من مقتضيات الإسلام أو هو من طبيعة الإسلام.
الإِسْلاَمُ دِينٌ وَدَوْلَةٌ:
والإسلام ليس دينًا فحسب وإنما هو دين ودولة وفي طبيعة الإسلام أن تكون له دولة، ولو حذفنا النصوص الصريحة التي أوردناها فيما سبق والتي توجب الحكم بما أنزل الله، لما غير ذلك شيئًا من طبيعة الإسلام التي تقتضي قيام الحكم الإسلامي والدولة الإسلامية، فكل أمر في القرآن وَالسُنَّةِ يقتضي تنفيذه قيام حكم إسلامي ودولة إسلامية لان تنفيذه كما يجب غير
стр. 80
مأمون إلا في ظل حكم إسلامي خالص ودولة إسلامية تقوم على أمر الله. وقيام الإسلام نفسه في الحدود التي رسمها الله وبينها الرسول يقتضي قيام دولة إسلامية تقيم الإسلام في حدوده المرسومة، وذلك منطق لا يجحده إلا مكابر، إذ أن الإسلام لا يمكن أن يقوم على وجهه الصحيح في ظل دولة غير إسلامية لا يهمها أن يقام، ولا يضرها أن ينتقص منه، ولا يمنعها شيء من تعطيله أو الانحراف به، وإنما يقوم الإسلام على وجهه الصحيح في ظل دولة تقوم على مبادئ الإسلام وتتقيد بحدوده.
وأكثر ما جاء به الإسلام لا يدخل تنفيذه في اختصاص الأفراد وإنما هو اختصاص الحكومات وهذا وحده يقطع بأن الحكم من طبيعة الإسلام ومقتضياته وأن الإسلام دين ودولة.
فالإسلام قد أتى بتحريم كثير من الأفعال، واعتبر اتيانها جريمة يعاقب عليها، وفرض لهذه الجرائم عقوبات، ومن هذه الجرائم القتل العمد وعقوبته القصاص: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. والسرقة عقوبتها قطع اليد: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. والقذف وعقوبته الجلد: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤].ولا جدال في تحريم الأفعال واعتبارها جرائم وفرض العقوبات عليها إنما هو من مسائل الحكم ومن أخص ما تقوم به الدولة، ولو لم يكن الإسلام دينًا ودولة لما سلك هذا المسلك.
стр. 81
ولا شك أن القرآن لم يأت بالنصوص الخاصة بالجرائم عَبَثًا، وإنما جاء بها لتنفذ وتقام، وإذا كان القرآن قد أوجب على المسلمين إقامة هذه النصوص وتنفيذها، فقد أوجب عليهم أن يقيموا حكومة ودولة تسهر على إقامة هذه النصوص، وتعتبر تنفيذها بعض ما يجب عليها.
والإسلام يوجب المساواة بين الناس في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، وفي قول الرسول ﷺ : «النَّاسُ سَوَاسِيَةٌ كَأَسْنَانِ المُشْطِ الوَاحِدِ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ إِلاَّ بِالتَّقْوَى» وأخذ الناس بالمساواة داخل في اختصاص الحكومات ولا يدخل في اختصاص الأفراد.
والقرآن يوجب العدالة في الحكم: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]. والعدالة في الحكم من أخص شؤون الحكومات والدول.
والإسلام يحرم الاحتكار في قول الرسول ﷺ : «لاَ يَحْتَكِرُ إِلاَّ خَاطِئٌ». ويحرم الربا في قوله: تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. ويحرم استغلال النفوذ والرشوة في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]. وتحريم الاحتكار والربا
стр. 82
والاستغلال والرشوة من أول ما تعمل له الحكومات الصالحة ومن أهم اختصاصاتها.
والإسلام يفرض ضرائب على الأموال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَ﴾ [التوبة: ١٠٣]. ويفرض في أموال الأغنياء حقوقًا للفقراء ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥]. ويحمل الثروات أحمالاً من الضرائب التي تنفق في سبيل الله وعلى ذوي الحاجة على ما رأينا في فصل المال ويقيد من يدهم المال بقيود شتى، وكل هذا من أخص أعمال الحكومات في أقدم العهود وأحدثها بل هو أهم ما يقيم الحكومات ويسقطها.
والإسلام يوجب أن يكون الحكم شورى بقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]. وقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وإقامة حكم الشورى تقتضي قيام حكم إسلامي ودولة إسلامية، ولو لم يكن الإسلام دينًا ودولة لما تعرض لشكل الحكومة وَبَيَّنَ نوعها.
والإسلام بعد ذلك قد جاء بنصوص يصعب حصرها تنظم صِلاَتَ الأفراد بالحكومات، وصلة الحكومات بالأفراد، وتنظم التصرفات والمعاملات من بيع وإيجار وهبة ووصية وزواج وطلاق إلى غير ذلك، وتنظم الإدارة والاقتصاد، وتحكم الفتن الداخلية والمنازعات الدولية، والسلم والحرب والصلح والمعاهدات، وتحكم كل شأن من شؤون الأفراد وشؤون الجماعات، وتقيم
стр. 83
الجماعة على أساس من المساواة والتعاون والتضامن الاجتماعي، وهذه النصوص في مجموعها تكون دستورًا للحكم يَبُذُّ كل دستور وضعي عرف حتى الآن وتكون شريعة تحكم كل التصرفات هي أسمى ما عرف إلى اليوم من تشريعات، وكل هذه أمور لا يقوم عليها ولا يمكن أن يضطلع بها إلا الحكومات والدول، فإذا جاء بها الإسلام وأوجبها، فقد جاء بالحكومة وأوجب قيام الدولة، ما يجادل في ذلك عاقل ولا يستسيغ غيره عقل.
وإذا قلنا أن الإسلام دين ودولة، فقد يذهب الظن بالبعض إلى أن الإسلام يفرق بين الدين والدولة، وهذا ظن خاطئ، فإن الإسلام مزج بين الدين بالدولة، ومزج الدولة بالدين، حتى لا يمكن التفريق بينهما، وحتى أصبحت الدولة في الإسلام هي الدين، وأصبح الدين في الإسلام هو الدولة.
فالإسلام يقيم شؤون الدنيا كلها على أساس من الدين، ويتخذ من الدين سندًا للدولة ووسيلة لضبط شؤون الحكم وتوجيه الحكام والمحكومين.
والدولة المثالية في الإسلام هي الدولة التي تقيم أمور الدنيا بأمر الدين، فتأخذ رعاياها بما أمر الله، وتمنعهم عما نهى الله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١].
والدين في الإسلام ضروري للدولة، والدولة ضرورة من ضرورات الدين، فلا يقام بغير الدولة، ولا تصلح الدولة بغير الدين.
стр. 84
الحُكُومَةُ الإِسْلاَمِيَّةِ، وَظِيفَتُهَا وَمُمَيِّزَاتُهَا:
الحُكُومَةُ التِي تُقِيمُ أَمْرَ اللهِ:
إذا كان الله - جَلَّ شَأْنُهُ - قد أوجب علينا أن نتحاكم إلى ما أنزل على رسوله، وأن نحكم به، فقد وجب على المسلمين أن ينصبوا عليهم حكومة تقيم فيهم أمر الله وترعاه، ويتعبد أفرادها بإقامة الحكم طبقًا لما أنزل الله كما يتعبدون بالصوم والصلاة.
والأصل في الحكومات أنها ضرورة اجتماعية لا مفر منها فإذا كان الحكم يتميز بصفات معينة، فقد وجب أن تتصف الحكومة القائمة عليه بنفس هذه الصفات ضمانًا لنجاح الحكم فما يستطيع فاقد الشيء أن يعطيه، وما يحسن القيام على الفكرة إلا مؤمن بها.
وعلى هذا فإذا وجب أن يقوم الحكم طبقًا لشريعة الإسلام فقد وجب أن تكون الحكومة إسلامية، يؤمن أفرادها جميعًا
стр. 85
بالمبادئ التي يقوم عليها الحكم ويحرصون على العمل بها.
وإذا وجب أن يكون الحكم اشْتِرَاكِيًّا فمن البلاهة أن يترك الحكم لمن لا يؤمنون بالاشتراكية.
وإذا وجب أن يكون الحكم ديموقراطيًا فلن يصلح له حكام يؤمنون بالديكتاتورية.
ذلك هو منطق الناس، وتلك طبائع الأشياء، فمن أراد أن يقيم الإسلام بحكومة تتحاكم إلى غير شريعة الإسلام فإنما يعمل على تحطيم الإسلام.
مَنْطِقُ التَّجَارِبِ:
ولقد أثبتت التجارب في البلاد الإسلامية أنه لا يكفي لإقامة الإسلام أن يكون الحكام مسلمين، وإنما يجب أن يتحاكموا إلى الإسلام، ويتخذوا القرآن دستورًا للحاكمين والمحكومين، وأمامنا البلاد الإسلامية كلها ليس فيها بلد واحد يقيم حكم الإسلام ويخضع له في كل الشؤون بالرغم من أن حكامها وأغلب سكانها من المسلمين.
بل لقد أثبتت التجارب أن الحكام المسلمين الذين يجهلون الإسلام ولا يعملون على إقامة أحكامه كانوا وما زالوا حربًا على الإسلام وآلة طيعة في يد أعداء الله الذين يكيدون للمسلمين والإسلام، وفي عهود هؤلاء الحكام الجهال استبيحت حرمات الإسلام فحرم ما أحل الله وأحل ما حرم الله، وانتشر الفساد
стр. 86
في المجتمع الإسلامي وشاعت الفاحشة، وانحسر مد الإسلام وذهبت ريحه، وسيطر على بلاده وأهله من لم يكن يطمع فيهم بالأمس بل ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه.
هذا هو منطق البشر ومنطق الواقع ومنطق التجارب كل ذلك يقضي بأن قيام الحكم الإسلامي يستوجب أن تؤلف الحكومات ممن يؤمن بالنظام الإسلامي وممن لا هم له إلا إقامة الإسلام وتثبيت دعائمه، وسنرى فيما يأتي أن هذا هو منطق القرآن نفسه.
وَظِيفَةُ الحُكُومَةِ إِقَامَةُ أَمْرِ اللهِ:
ولقد جعل الإسلام وظيفة الحكومة الإسلامية إقامة الإسلام حيث افترض القرآن في الحكومة الإسلامية أن تقضي على الشرك وتمكن للإسلام، وأن تقيم الصلاة وتأخذ الزكاة، وأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وأن تسوس أمور الناس في حدود ما أنزل الله، وذلك قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]. وقوله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١].
والأمر بالمعروف هو الترغيب في كل ما ينبغي قوله أو فعله
стр. 87
طبقًا للإسلام والنهي عن المنكر هو الترغيب في ترك ما ينبغي تركه أو تغيير ما ينبغي تغييره طبقًا لما رسمه الإسلام، فإذا قامت الحكومة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد أقامت كل ما أمر به الإسلام وهدمت كل ما يخالف الإسلام.
ولقد أوجب علينا القرآن أن نطيع الحكام والحكومات ولكنه أوجب على الحاكمين والمحكومين إذا تنازعوا في شيء أن يردوه إلى حكم الله، وأن يحكموا فيه بما أنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ (١) فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. ورد المتنازع فيه إلى حكم الله يقتضي أن تكون الحكومة والحكام قائمين على أمر الله حاكمين بما أنزل الله على رسوله. وإعطاء المحكومين حق منازعة الحكام ورد المتنازع فيه إلى أمر الله يقتضي أن يكون الحكام مقيدين بأمر الله لا يسمح لهم بالانحراف عما أنزل الله.
وإذا كانت الحكومات تقوم على طاعة المحكومين وكان من مبادئ الإسلام أن يطيع المحكومين أولي الأمر فيهم والقائمين على شؤونهم من الحكام، فإن مبادئ الإسلام أيضا أن يخلع المحكومون طاعة الحاكمين إذا ما خرج الحاكمون على طاعة الله وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : «لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ».
وبذلك ربط الإسلام طاعة المحكومين للحاكمين بطاعة
стр. 88
الحاكمين لأمر الله، فالحكومة الإسلاميةيجب أن تقوم على أمر الله وليس لها بأية حال أن تنحرف عما أنزل الله والا فقدت حقها في الطاعة وبالتالي حقها في الحكم.
واذا كان حق الحكومة في الطاعة وفي الحكم ثابتا كلما كانت نازلة على أمر الله، فيتعين أن تكون وظيفتها هي القيام على أمر الله والعمل بكتابه.
مِيزَاتُ الحُكُومَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ:
تختلف الحكومة الإسلاميةعن كل حكومة موجودة في العالم الآن، وعن كل حكومة وجدت من قبل، فهي حكومة فريدة في نوعها متميزة عن كل حكومة غيرها.
وتتصف الحكومة الإسلامية بثلاث صفات لا توجد في غيرها من الحكومات فهي أولاً: حكومة قرآنية، وهي ثانيًا: حكومة شورى، وهي ثالثًا: حكومة خلافة أو إمامة.
الصفة الأولى: حكومة قرآنية:
تتميز الحكومة الإسلامية بأنها حكومة قرآنية أي أنها خاضعة للقرآن وهو الكتاب الذي أنزله الله على نبيه مُحَمَّدٍ ﷺ .
والقرآن هو دستور الحكومة الإسلامية الأعلى، يحكم تصرفاتها ويحدد حقوقها وواجباتها بصفة عامة، ويرسم لها الخطوط
стр. 89
والمناهج العامة التي لا يصح لها أن تتعداها، ويدع لها ما دون ذلك من المناهج والتفصيلات. كما أن القرآن في الوقت نفسه يبين حقوق الأفراد وواجباتهم، ويحدد علاقتهم بالحكومة ومدى سلطانها عليهم ومدى خضوعها لسلطانهم.
ويتميز القرآن بميزات متعددة تخالف بينه وبين أي دستور آخر عرفه البشر، ويهمنا من هذه الميزات ما يأتي:
١ - أنه كلام الله أوحى به إلى نبيه محمد النبي الأمي ليبلغه للناس نورًا يخرجهم من الظلمات وهدى يعصمهم من الضلال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ، وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥١ - ٥٣]. ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الشورى: ٧] ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩].
٢ - أن المسلمين مكلفون باتباع ما جاء به القرآن وبالاستمساك به، وليس لهم أن يخرجوا عليه بأية حال ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٩]. ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢]. ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ
стр. 90
إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣]. ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣]. ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦].
٣ - أن القرآن لا يقبل التبديل ولا التعديل لأنه من عند الله ولا مبدل لكلمات الله ﴿قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥]. ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٧]. " ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]. ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٤].
٤ - أن القرآن لا يقبل الزيادة ولا يقبل النقص لأنه كمل وتم بوفاة الرسول ﷺ وانقطاع الوحي، أو تم وكمل قبيل وفاته يوم أنزل الله عليه قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
٥ - أن القرآن لا يقبل النسخ، لما سبق، ولأن الله - جَلَّ شَأْنُهُ - ختم برسالة مُحَمَّدٍ ﷺ الرسالات، وجعله خاتم النبيين ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، ولأن البشر وهو مستخلفون في الأرض ليس لهم أن يخرجوا على أوامر الله الذي
стр. 91
استخلفهم، وليس في استطاعتهم أن ينسخوا كلامه أو يبطل العمل به، فإن فعلوا فعملهم باطل بطلانًا مطلقًا لخروجهم على حدود وظيفتهم وتعرضهم لما ليس من شأنهم.
ونستطيع أن ندلل على عدم قابلية القرآن للنسخ من وجه آخر، وهو القاعدة الأساسية في الشريعة الإسلامية وفي القوانين الوضعية هي أن النصوص لا ينسخها إلا نصوص في مثل قوتها أو أقوى منها، أي نصوص صادرة من الشارع نفسه أو من هيئة لها من سلطان التشريع - على الأقل - مثل ما للهيئة التي أصدرت النصوص المراد نسخها، فالنصوص الناسخة للقرآن يجب أن تكون قرآنًا من عند الله، وليس بعد الرسول قرآن حيث انقطع الوحي، ولا يمكن أن يقال إن ما يصدر من هيئاتنا التشريعية البشرية في درجة القرآن أو أن لها من سلطان التشريع ما للهِ وللرسولِ، وعلى هذا فليس في طوق البشر أن ينسخوا كلام الله أو يعطلوا العمل به.
الصفة الثانية: حكومة شورى:
جعل الله الشورى من لوازم الإيمان، حيث جعلها صفة من الصفات اللاصقة بالمؤمنين المميزة لهن عن غيرهم ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨]، فلا يكمل إيمان المسلمين إلا بوجود صفة الشورى فيهم، ولا يجوز لجماعة مسلمة أن تقوم أو ترضى إقامة أمرها على غير الشورى وإلا كانت آثمة مضيعة لأمر الله.
стр. 92
وأمر الله رسوله أن يشاورهم في الأمر ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وما أمر الله رسوله ﷺ بمشاورتهم لحاجة منه إلى رأيهم. وإنما هي فريضة عليهم، ففرض على الحاكم أن يستشير في كل ما يمس الجماعة وفرض على الجماعة أن تبدي رأيها في كل أمورها، فليس للحاكم أن يستبد برأيه في الشؤون العامة، وليس للجماعة أن تسكت فيما يمس مصالح الجماعة، وهذا يتفق مع ما يفرضه القرآن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وإذا كانت الشورى فريضة من الفرائض الإسلامية فإنها ليست مطلقة بحيث تمتد إلى كل أمر، وإنما تجب فقط فيما لم يقطع فيه القُرْآنُ وَالسُنَّةُ برأي، أما ما قطع فيه القُرْآنُ وَالسُنَّةُ برأي فهو خارج عن نطاق الشورى إلا أن تكون الشورى في حدود التنفيذ والتنظيم لما نص عليه القرآن وَبَيَّنَتْهُ السُنَّةُ.
والشورى ليست مطلقة من كل قيد فيما تجب فيه، وإنما هي مقيدة بأن لا تخرج عن حدود ما جاء به القُرْآنُ وَالسُنَّةُ، فلا يجوز بأية حال أن تؤدي الشورى إلى مخالفة نصوص التشريع الإسلامي أو إلى الخروج على روح التشريع، ويجب دائمًا أن تجيء الشورى مطابقة للتشريع الإسلامي ومتابعة لاتجاهاته وروحه.
стр. 93
والتقيد بالتشريع الإسلامي وباتجاهاته وروحه يقتضي أن يكون الحكام وأهل الشورى، أو أكثرهم، ممن يلمون بالتشريع الإسلامي ويفهمون روحه واتجاهاته، ومعنى هذا أن تنحصر الشورى فيمن تتوفر فيهم صفات معينة.
الصفة الثالثة: حكومة خلافة أو إمامة:
رأ ينا في باب الاستخلاف أن الله استخلف البشر في الأرض وأن الاستخلاف على ثلاثة أنواع: استخلاف عام، واستخلاف دول، واستخلاف أفراد، وقلنا أن استخلاف الأفراد هو الاستخلاف في الرئاسة، وأن المستخلف قد يسمى خليفة كما سمي داوود ﵇ ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦]، وقد يسمى المستخلف إِمَامًا كما سمي إبراهيم ﵇ وبعض رؤساء بني إسرائيل ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣]، وقد يسمى المستخلف مَلِكًا ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠]، ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٧].
والخلافة والإمامة والملك لا يقصد منها في نصوص القرآن إلا الرئاسة بمعناها العام، ولا يقصد منها الدلالة على نظام معين
стр. 94
من أنظمة الحكم، ذلك أن داوود سمي في القرآن خليفة وسمي مَلِكًا ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾ [ص: ٢٦]. ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥١]، كما أن إبراهيم سمي في موضع إمامًا ووعد أن يكون المهتدون من ذريته أئمة ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]. بينما وصف ذريته في موضع آخر بوصف الملوك ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤]. وَوُعِدَ بنو إسرائيل أن يكونوا أئمة بعد استضعافهم واستبعاد فرعون لهم ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥].فلما تخلصوا من ظلم فرعون وَكَوَّنُوا لأنفسهم دولة مستقلة أخذ موسى يذكرهم بنعمة الله عليهم ويقول لهم: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠]، فالخلافة والملك والإمامة مترادفات تدل على الرئاسة العليا للدولة ولا تدل على أكثر من ذلك.
ونظام الحكم الوحيد الذي يعرفه الإسلام هو الحكم القائم على دعامتين: أحدهما: طاعة أمر الله واجتناب نواهيه، والثانية: الشورى أي أن يكون أمر الناس شورى بينهم. فإذا قام الحكم على هاتين الدعامتين فهو حكم إسلامي خالص، وليسمى بعد ذلك بالخلافة أو الإمامة أو الملك فكل هذه التسميات تسميات صحيحة لا غبار عليها.
أما إذا قام الحكم على غير هاتين الدعامتين فهو حكم لا
стр. 95
ينتسب للإسلام بنسب ولا يتصل به بسبب ولو سمي خلافة أو إمامة، وأقرب الأمثلة على ذلك حكم الخلفاء الأتراك في عهودهم المتأخرة فقد كان رؤساء الدولة يسمون أنفسهم خلفاء وتسمى دولتهم دولة الخلافة وتسمى حكومتهم حكومة الخلافة ولكنهم كانوا هم ودولتهم وحكومتهم أبعد شيء عن نظام الحكم الإسلامي.
ولقد استقر أمر العالم كله قبل أن يجيء الإسلام على أن يكون نظام الحكم الملكي وراثيًا يتوارثه الأبناء عن الآباء، وأصبحت لهذا النظام سمات وعلامات تميزه عن غيره من أنظمة الحكم، فهو يتميز فضلاً عن الوراثة بتعالي الملوك واستعلائهم المستمر على الرعايا، ويتميز بما يحيك الملوك أنفسهم به من الترف الذي يهيء لسقوط الهمم وفساد الاخلاق وتفشي المنكرات، ويتميز أخيرًا بأنه يؤدي بطبيعته إلى الفساد العام.
ولما كان هدف الإسلام هو الاصلاح والتسوية بين الناس وتوفير الخير وإشاعته بينهم فقد كره لهم التعالي، وحرم عليهم أن يريدوا الاستعلاء، كما حرم عليهم كل ما يؤدي إلى الفساد، ونبه المسلمين إلى أن هذه الصفات ليست من صفات المتقين المؤمنين في شيء ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣].
ولقد جاء الإسلام بالشورى ففرضها على المسلمين وألزمهم أن يجعلوا كل أمورهم شورى بينهم ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]. والشورى تقتضي أن تختار الأمة رئيس الدولة
стр. 96
وأن تعزله إذا وجد منه ما يستلزم عزله، وهذا وحده يتنافى مع ما استقر عليه نظام الحكم الملكي من توارث الحكم.
ولأن نظام الحكم الملكي كان عندما جاء الإسلام متميزًا بالوراثة وبالعلو في الأرض والإفساد فقد كره المسلمون أن يسموا أنفسهم ملوكًا، وكان أول من كره ذلك هو الرسول ﷺ ، فقد روى عنه أنه قال لرجل وقف بين يديه فأخذته رعدة «هَوِّنْ عَلَيْكَ فَمَا أَنَا بِمَلِكٍ وَلاَ جَبَّارٍ» وجرى على ذلك خلفاؤه من بعده، حتى إذا أخذ معاوية البيعة لابنه يزيد أخذ أصحاب الرسول والتابعون يرمون معاوية خاصة وبني أمية عامة بأنهم حَوَّلُوا الحكم الإسلامي إلى ملك عضوض وإلى حكومة كسروية، أو هرقلية نسبة إلى كسرى ملك الفرس وهرقل ملك الروم.
وإذا كان التباين بين الحكم الإسلامي في طبيعته ونظام الحكم الملكي في أوضاعه المستقرة قد اقتضى المسلمين أن يكرهوا تسمية أنفسهم بالملوك وتسمية نظام الحكم بالملك، فقد اقتضاهم أيضًا أن يبحثوا في تسميات أخرى، فأسعفتهم النصوص القرآنية الواردة في استخلاف الحكم بما يريدون، فسموا نظام الحكم بالخلافة أو الإمامة، وسموا رئيس الدولة بالخليفة أو الإمام.
وقد جرت العادة على أن تسمى إمامة الحكم بالإمامة العظمى تمييزًا لها عما عداها من الإمامات كإمامة الصلاة، وتبعًا لذلك يسمى رئيس الدولة بالإمام الأعظم أي الإمام الذي ليس فوقه إمام.
стр. 97
ويري البعض أن لفظ الخلافة اختير لنظام الحكم الإسلامي وأن رئيس الدولة سمي بالخليفة، لأن من جاء بعد النبي ﷺ خلف النبي في رئاسة الدولة فسمي خليفته وسمي منصبه بالخلافة بدليل أن المسلمين كانوا ينادون أبا بكر بخليفة رسول الله، وهذا في الحقيقة ليس شيئًا ولكنهم راعوا في التسمية نصوص القرآن، وسموا رئيس الدولة خليفة وإمامًا متأثرين بالنصوص، ولقد كان أبوبكر رئيس دولة فاعتبر بنص القرآن خليفة وإمامًا، وكان في الوقت نفسه خليفة لرسول الله لأنه خلفه في الحكم.
ولا يفوتنا في هذا المقام أن نلاحظ أن رسول الله ﷺ كان يجمع في رئاسته للدولة بين النبوة وخلافة الحكم، فهو نبي باعتبار ما يوحى إليه وخليفة باعتباره رئيس الدولة فإذا خلفه أحد في الحكم فهو خليفته باعتباره خلفًا له، وهو خليفة باعتباره مستخلفًا من الله في الحكم.
والأصل أن البشر كلهم مستخلفون في الأرض استخلافًا عَامًّا، فهم نواب عن الله في الأرض وعليهم أن يقوموا على أمره ونهيه، ولكنهم لا يستطيعون أن يقيموا أمر الله على ما ينبغي إذا كانوا أفرادًا لا تربطهم رابطة، ولا يجمعهم سلطان يخضع له قويهم ويفيء إليه ضعيفهم، كما أن طبيعة الاجتماع والضرورات الاجتماعية تقتضي أن يقيموا حكومة تفصل بينهم في مشاكلهم وتنوب عنهم جميعًا في القيام بأمر الله وبما يرتبه
стр. 98
عليهم واجب الاستخلاف في الأرض وواجب الاستخلاف في الحكم.
وإذا كانت الحكومة نائبة عن الجماعة لتقيم فيهم أمر الله، ولتشرف على مصالح الجماعة، وكان الخليفة أو الإمام هو ممثل الحكومة الأول، فإنه يعتبر نائبًا عن الجماعة كلها في وظيفة الخلافة التي جعلت لإقامة ما يجب على الجماعة كلها من أداء حق الله وإنفاذ أمره، وللفصل في خصومات الأفراد، وكف قويهم عن ضعيفهم ونشر العدالة والمساواة بينهم، وأخذهم بالتعاون والتضامن وتوجيههم إلى الخير والبر كل ذلك في حدود ما أمر الله واجتناب ما نهى عنه.
ولا يعتبر الخليفة نائبًا عن الله - جَلَّ شَأْنُهُ - إلا بقدر ما يعتبر أي فرد آخر على وجه الأرض. وإذا قيل أن الخليفة بنيابته عن الجماعة التي تنوب عن الله يعتبر النائب عن الله فإنه يرد على ذلك بأن نيابة الخليفة عن الله في هذا الوجه هي نيابة غير مباشرة ولم ينظر إليها في إقامة الخليفة، وما أقامت الجماعة الخليفة إلا ليكون نائبًا عنها، وما استمد ولا يستمد سلطانه إلا من نيابته عن الجماعة التي أقامته والتي تملك حق مراقبته ومنعه من الخروج على حدود نيابته، بل للجماعة أن تقيد تصرفاته، وأن ترسم له الطريق التي يسلكها في تأدية واجب النيابة عنها، وقواعد النيابة تقضي بذلك كما أن الإسلام يفرضه على الناس حيث أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمنع الحكام من الظلم
стр. 99
والتعسف في استعمال حقوقهم، ولمنعهم من الإهمال في أداء واجباتهم، ولمراقبة الحكام والمحكومين في إقامة أمر الله وإنفاذه على وجهه ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وولاية الخلافة لا تتم إلا باختيار الجماعة للخليفة، ليس ذلك لأنه منطق الضرورات الاجتماعية الذي سبق بيانه، ولكن لأن القرار فرض على المسلمين أن يكون أمرهم شورى بينهم " ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨].
فلا يصح أن يستأثر بأمر المسلمين أحد بغير رضاء جماعتهم، ولا تعتبر ولاية الخليفة قائمة إلا باختيار ممن لهم حق اختيار الخليفة، وبالقبول من جانب الشخص الذي وقع عليه الاختيار.
واختيار الخليفة على هذا الوجه يؤكد أن الخلافة ليست إلا عقد نيابة يتم بين الجماعة والخليفة، فَتَكِلُ الجَمَاعَةُ إلى الخليفة أن يقوم فيها بأمر الله، وأن يدير شؤونها في حدود ما أنزل الله، ويقبل الخليفة أن يقوم بالأمر في الجماعة طبقًا لما أمر به الله.
وولاية الخلافة ليست محدودة بمدة معينة، فما دام الخليفة قائمًا بأمر الله وعلى قيد الحياة فهو خليفة. فإذا خرج على أمر الله، أو قامت فيه صفة تستوجب العزل كان للجماعة عزله وتولية غيره، وإذا مات انتهت ولايته بموته.
стр. 100
نَوْعُ الحُكُومَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ:
قلنا فيما سبق أن الحكومة الإسلامية فريدة في نوعها، متميزة عن غيرها، وإنها تختلف عن كل حكومة موجودة في العالم الآن، وعن كل حكومة وجدت من قبل .. وسنبين فيما يلي أن الحكومة الإسلامية لا يمكن إدخالها تحت أي نوع من أنواع الحكومات التي عرفها العالم، وأنها حكومة لا مثيل لها.
فالحكومة الإسلامية كما عرفنا مقيدة باتخاذ القرآن دستورًا لها، وملزمة بالنزول على أحكامه التي لا تقبل تبديلاً ولا تعديلاً ولا تعطيلاً، فهي بذلك ليست من نوع الحكومات المستبدة المطلقة من كل قيد، كما أنها ليست من نوع الحكومات القانونية، لأن الحكومات القانونية تخضع لقوانين وأنظمة يضعها البشر وهم متأثرون بأهوائهم وشهواتهم، والقوانين والأنظمة التي يضعها البشر قابلة للتبديل والتعديل والإلغاء إذا ما قضت بذلك أهواء البشر وشهواتهم. أما أحكام القرآن فهي من عند الله، وهي دائمة إلى الأبد لا تماشي أهواء الحكام ولا أهواء المحكومين، وإنما تعدل الفريقين وتوفي كُلاًّ حَقَّهُ في حدود العدل الخالص مع حفظ مصلحة الجماعة.
ولتكون الموازنة كاملة ينبغي أن تعلم أن نصوص القرآن جاءت بالأحكام الكلية، ورسمت المناهج العامة للحكم والإدارة، وتركت ما دون ذلك لأولي الأمر ينظمونه بقوانين يضعونها ولكن هذه القوانين، وهي من وضع البشر يجب أن يراعى
стр. 101
فيها ألا تخرج على الإسلام العامة، وأن تكون تطبيقًا دقيقًا لروح الشريعة الإسلامية، فهذه القوانين التي يضعها أولو الأمر ليست في الحقيقة إلا صدى القرآن وظله، وهناك فرق كبير بينها وبين القوانين التي يضعها البشر غير مقيدين إلا بأرائهم وأهوائهم ومصالحهم.
وإذا كان من أخص صفات الحكومة الإسلامية أنها حكومة شورى فإنها لا تشبه في شيء الحكومات النيابية، كما أنها تخالف في طبيعتها الحكومات غير النيابية، وإذا كان أساس الحكومات النيابية في العالم هو الشورى إلا أن الشورى في الحكومات الإسلامية لا تشبه في شكلها، ولا نوعها، ولا الغرض منها، تلك الشورى التي تقوم عليها الحكومات النيابية.
وإذا كان من وظيفة الحكومة الإسلامية أن تقيم الدين فإنها لا تعتبر من نوع الحكومات الدينية التي يسميها الفقه الدستوري حكومات ثيوقراطية، إذ أن الحكومة الإسلامية لا تستمد سلطانها من الله وإنما تستمده من الجماعة. وهي لا تصل للحكم ولا تنزل عنه إلا برأي الجماعة، وهي مقيدة في كل أعمالها وتصرفاتها برأي الجماعة. والتزام الحكومة حدود الدين الإسلامي لا يغير من هذه النتيجة شيئًا ما، لأن الدين الإسلامي يدعو الناس أن يعملوا لدنياهم قبل أن يدعوهم ليعملوا لأخراهم، بل إنه من يرتب الحياة الأخرى على ما يعمله المرء في حياته الدنيا فهو دُنْيَا قبل أن يكون دينًا، وهو أُولَى قبل أن يكون آخرة،
стр. 102
وإذا كان الإسلام قد حد للناس حدودًا لا يتعدونها، ووضع لهم أحكامًا ألزمهم اتباعها فإنه لم يسلبهم حريتهم في العمل، ولم يملك عليهم كل أمرهم، بل ترك لهم أن يفكروا في أنفسهم وأن يدبروا حياتهم وأن يعملوا بوسائلهم، وترك لهم أن ينظموا أنفسهم وأن يرعوا مصالحهم الخاصة والعامة، وأن يعدوا لمستقبلهم ما يشاؤون من الخطط التي تؤدي إلى رقيهم وإسعادهم وتفوقهم.
ونستطيع أن نقول في غير تجوز إن الإسلام ترك للبشر الحرية كاملة فيما يأخذون وما يدعون، ولم يقيدهم إلا بأن تكون حياتهم قائمة على الفضائل حتى يحيوا حياة فاضلة تسودها العدالة والمساواة والحب والتضامن وغير ذلك من المبادئ الإنسانية العليا التي جاء بها الإسلام والتي يدعي العالم كله أنه يعمل لتحقيقها وما يستطيع أن يحققها بعد أن انسلخ عن الدين واتبع الأهواء والشهوات، تلك المبادئ التي نسميها إنسانية وماعرفها أهل الأرض إلا عن طريق السماء ورسالات الأنبياء.
ولقد فرض الله الشورى على المسلمين وجعلها عمادًا لحياتهم العامة، ولو كانت الحكومة الإسلامية حكومة ثيوقراطية لما كانت الشورى، ولما ألزم الله رسوله أن يشاورهم في الأمر ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وهو في غنى عن مشاورة البشر بالوحي الإلهي، ولما ألزم الرسول نفسه نتائج
стр. 103
المشورة المخالفة لرأيه الخاص كما فعل في غزوة بدر وغزوة أحد وغيرهما من المواقف، وإنما ألزم الله رسوله المشورة ليضع للناس قواعد الشورى، وألزم الرسول نفسه بنتائج المشورة ليسن لمن بعده أن يلتزم نتائجها ويتقيد بها.
ولو كانت الحكومة الإسلامية ثيوقراطية لكان للخليفة أن يفعل ما يشاء ويترك ما يشاء، ولكن الخليفة وكل حاكم إسلامي مقيد، فيما ورد فيه نص، بنصوص القرآن والسنة، وفيما لم يرد فيه نص بما تسفر عنه الشورى.
وإذا كان نظام الحكم الديموقراطي يشبه نظام الحكم الإسلامي فيما يوجبه من اختيار الحكام بمعرفة ممثلي الأمة وفيما يوجبه من قيام الحكم على العدل والمساواة وفيما يطلقه من حرية العقول والأفكار، فإن نظام الحكم الإسلامي يختلف عن الديموقراطية في أنه يقيد الحاكمين والمحكومين بقيود تمنعهم من الإنطلاق وراء الأهواء وتحول بينهم وبين الخضوع للشهوات. كذلك يختلف الإسلام عن الديموقراطية في أنه لا يترك مقاييس العدالة والمساواة وغير ذلك من الفضائل الإنسانية في يد البشر يرسمون حدودها فيوسعونها تارة ويضيقون منها أخرى نزولاً على أهواءهم وخضوعًا لشهواتهم، وإنما يرسم الإسلام حدود الفضائل والمبادئ الإنسانية ويضع مقاييسها ويخضع البشر لهذه المقاييس العلوية، وبذلك حمى الإسلام الحياة العامة من الفساد، وكبح الأهواء، وأقام الحكم على أسس من الفضيلة يسلم بها الجميع ويحترمونها ولا يأنفون من الخضوع لها.
стр. 104
أما الديموقراطية فتترك للبشر أن يرسموا حدود كل شيء وأن يضعوا المقاييس للحياة البشرية ومن ثم جمحت بهم الأهواء والشهوات وتغلبت عليهم المصالح والمنافع وانقلبت المجتمعات الديموقراطية إلى مجتمعات متحللة فاسدة تشيع فيها الرذائل وتعيش على مسخ المعاني السامية والفضائل الإنسانية، فالعدالة لا تقاس بمقياس القرابة والزلفى والحقوق لا تصل لأربابها إلا عن طريق الرشوة والمحسوبية، والتحرر العقلي معناه الانطلاق من الحياة والدين والأخلاق وهدم كل ما يميز الإنسان العاقل عن الأنعام والسوائم.
وإذا كان النظام الجمهوري يشبه النظام الإسلامي من حيث اختيار الرئيس الأعلى للجمهورية فإنه لا يوجد أي نظام جمهوري يسمح بانتخاب رئيس الدولة لمدى الحياة كما يسمح بذلك النظام الإسلامي، فضلاً عما سبق بيانه من وجوه الخلاف بين النظام الإسلامي والأنظمة الديموقراطية.
وليس بين النظام الإسلامي وبين الأنظمة الديكتاتورية أي وجه من وجوه المشابهة، فالنظام الإسلامي يقوم على البيعة والشورى، وعلى حدود مرسومة بين الحاكمين والمحكومين، وعلى جواز عزل الحاكم، ولا تسمح الأنظمة الديكتاتورية بشيء من ذلك.
ويختلف نظام الحكم الإسلامي عن أنظمة الحكم الملكية، فما يورث الحكم والسلطان في الإسلام، وإنما يترك للجماعة أن
стр. 105
تختار للحكم من تراه أصلح الناس له وأقدرهم عليه وحسبنا دليلاً على ذلك أن النبي لقي ربه فما تولى الحكم بعده أحد من أهله وإنما خلفه أبو بكر، فلما توفي لم يخلفه أحد من أهله وإنما خلفه عمر، فلما قتل خلفه عثمان وهو من غير أهله، فلما قتل خلفه عَلِيٌّ وما كان من أهل عثمان.
وأخيرًا فان كل من يحاول الادعاء بأن نظام الحكم الإسلامي يماثل نظامًا معينًا من أنظمة الحكم التي عرفها العالم قديمًا وحديثًا فإنما يتكل ويدعي ما لا يعلم ويبعد عن الحق، فالنظام الإسلامي نظام فريد في نوعه أوجده الإسلام ولم يحاول أحد أن يقلد المسلمين فيه، بل إن المسلمين أنفسهم لم يطبقوا النظام الإسلامي بعد وفاة النبي إلا في عهد الخلفاء الراشدين، ثم حولت الأهواء هذا النظام الإلهي إلى ملك عضوض لا يتورع أن يعطل أحكام الإسلام، ويحل حرمات الله ليمكن للأطفال والفساق والظلمة من رقاب المسلمين.
стр. 106
نَشْأَةُ الدَّوْلَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ:
الإِسْلاَمُ خُلُقُ الدَّوْلَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ:
تلك حقيقة لا يجادل فيها أحد فالإسلام هو الذي خلق الدولة الإسلامية من العدم، ومد أطرافها في كل الاتجاهات، وجعل منها دولة مرهوبة الجانب تدور في فلكها الدول وتتقرب إليها الممالك.
والقرآن هو الذي وجه المسلمين لتكوين هذه الدولة حيث بشرهم بها، ووعدهم بقيامها، ودفعهم لأن يعملوا لقيام الدولة وأن يقيموها عندما تيسرت لهم سبل إقامتها.
ولقد كانت أولى بشرى بقيام الدولة الإسلامية بمثابة التشجيع والتقوية للمسلمين وحضهم على الصبر والتضحية فقد كانوا يعيشون في مكة مستضعفين يصاحبهم التعذيب ويماسيهم، ويلاحقهم التكذيب والسخرية أينما ذهبوا، نبههم الله - جَلَّ
стр. 107
شَأْنُهُ - أولاً إلى سنته في خلقه وأنه كتب على نفسه أن يجعل الأرض ميراثًا لعباده الصالحين يحكمون أهلها ويمدون سلطانهم عليها، ثم نبههم ثانيًا أنه يعلمهم هذا بصفة خاصة ليفقهوه ويرتبوا عليه نتائجه ويستعدوا لها ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ، إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٥ - ١٠٧].
أما البشرى الثانية فكانت بعد الهجرة إلى المدينة، فكانت بشرى ووعدًا من الله - جَلَّ شَأْنُهُ - باستخلاف المسلمين ويبسط سلطان الدولة الإسلامية على الأرض والتمكين للمسلمين في أقطارها، وبإبدالهم من الخوف أمنًا ومن الضعف قوة ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥].
ولقد بشر الرسول ﷺ المسلمين أثناء حفر الخندق حول المدينة بأنهم سيستخلفون على ملك فارس والروم واليمن، فكانت هذه البشرى مثارًا لسخرية المنافقين والذين في قلوبهم مرض، وأخذوا يتندرون بهذه البشرى التي جاءت في وقت يحفر فيه المسلمون خندقًا حول المدينة ليحموا أنفسهم من كفار قريش وأحلافها حتى أنزل الله في ذلك قوله: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢].
стр. 108
ولقد دفع القرآن المسلمين لتكوين الدولة التي وعدوا بها عندما تهيأت لهم أسباب تكوينها بعد الهجرة إلى المدينة، فأذن لهم أن يقاتلوا أعداءهم الذين ظلموهم وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم، والقتال هو أول مظهر من مظاهر الدولة، ووعد المسلمين النصر والغلبة على أعدائهم، ونبههم بعد ذلك إلى وظيفة الدولة الإسلامية التي قدر لها أن ترث الأرض ووعد الله بالتمكين لها، وبين أن وظيفة هذه الدولة هي إقامة أمر الله وذلك بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي ينكره الإسلام ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: ٣٩ - ٤١].
وإذا كانت الدولة الإسلامية قد قامت في أذهان المسلمين وهم في مكة وارتسمت لها صورة جميلة كانت تداعب خيالهم وهم محصورون في المدينة أثناء غزوة الأحزاب، فإن الدولة الإسلامية قد تكونت فعلاً في المدينة بعد أن اعتنق الأوس والخرزج الإسلام وتجمعوا عليه، وبعد أن هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة، حتى إذا لحق بهم رسول الله ﷺ التفوا حوله وسمعوا له وأطاعوا فَكَوَّنَ منهم أول وحدة
стр. 109
سياسية إسلامية، وأخذت هذه الوحدة الصغيرة - ولم تكن تجاوز المدينة وضواحيها - تكبر وتنمو وتزحف في كل الاتجاهات حتى شملت كل جزيرة العرب ثم ابتلعت بعد ذلك الدولة الفارسية وغيرها من الدول واقتطعت من الدولة الرومانية معظم ما تملكه وحبستها في أوروبا، وقد تم كل ذلك، ولما يمض أربعون عَامًا على تكوين الوحدة السياسية الإسلامية أو بتعبير آخر الدولة الإسلامية.
ولقد قامت الدولة الجديدة على أساس الإسلام في كل شيء، في إدارتها وسياستها وحربها وسلمها وصلاتها بالأفراد والجماعات، واتخذ المسلمون حاكمين ومحكومين من القرآن وسنة الرسول دُسْتُورًا لهم ينظم شؤونهم الفردية والعامة، ويهيمن على شؤون الحكم والسياسة والاقتصاد والاجتماع والتشريع.
وكان محمد بن عبد الله ﷺ أول رئيس لهذه الدولة الناشئة، فجمع برئاسته للدولة بين صفتين: أولاهما صفة الرسول فهو يبلغ عن ربه ما أوحي إليه من الدين والتشريع ويبينه للناس. والثانية: صفة الحاكم فهو يرأس الدولة ويديرها فيجيش الجيوش ويسيرها ويعلن الحرب ويعقد الصلح ويبرم المعاهدات ويعين القواد والحكام والقضاة ويقيلهم ويصرف الشؤون المالية والقضائية والسياسية والإدارية.
وكان ﷺ يؤدي وظيفته كحاكم في حدود الإسلام، فما جاءت فيه نصوص صريحة طبق عليه تلك النصوص
стр. 110
وما لم يرد فيه نص طبق عليه ما يوحى به إليه أن نزل فيه الوحي بشيء فإن لم ينزل فيه وحي اجتهد في الحكم ولم يخرج بالأمر عما يقتضيه روح التشريع الإسلامي واتجاهاته العليا.
سُلْطَانٌ بِلاَ أَلْقَابٍ:
ولقد أعيا البعض أن يفهم كيف يكون الرسول ﷺ رئيس الدولة والمرجع الأول في إدارتها وتوجيه سياستها ثم لا يتخذ لنفسه أي مظهر من مظاهر الحكم، ولا يلقب نفسه بما يلقب به عادة أصحاب السلطان من ألقاب الإمارة والملك والخلافة. ولعل هؤلاء لا يعلمون أن النبي ﷺ كان خلقه القرآن كما قالت عائشة، وأنه قال: «إِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لاَ يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلاَ يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» وأنه قال: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» وقال: «لاَ تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» ولعل هؤلاء لا يعلمون أن الإسلام يدعو إلى التواضع والبساطة والرحمة، ويكره التعالي والظهور، بل أنه ليجعل الدار الآخرة للذين لا يريدون عُلُوًّا في الأرض ولا تَرَفًا ولا عظمة ولا فسادًا ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]. وما يليق بالرسول إلا يكون مثلاً لما جاء به، وأن يتخلق بأخلاق القرآن.
ثم إن ألقاب الإمارة والملك والخلافة ليست شيئًا بجانب