← Сияса и кади

Сияса и кади · id 96559

الإسلام وأوضاعنا السياسية

عبد القادر عودة

Полный текст (309 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

نَشْأَةُ الدَّوْلَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ: الإِسْلاَمُ خُلُقُ الدَّوْلَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ: تلك حقيقة لا يجادل فيها أحد فالإسلام هو الذي خلق الدولة الإسلامية من العدم، ومد أطرافها في كل الاتجاهات، وجعل منها دولة مرهوبة الجانب تدور في فلكها الدول وتتقرب إليها الممالك. والقرآن هو الذي وجه المسلمين لتكوين هذه الدولة حيث بشرهم بها، ووعدهم بقيامها، ودفعهم لأن يعملوا لقيام الدولة وأن يقيموها عندما تيسرت لهم سبل إقامتها. ولقد كانت أولى بشرى بقيام الدولة الإسلامية بمثابة التشجيع والتقوية للمسلمين وحضهم على الصبر والتضحية فقد كانوا يعيشون في مكة مستضعفين يصاحبهم التعذيب ويماسيهم، ويلاحقهم التكذيب والسخرية أينما ذهبوا، نبههم الله - جَلَّ

стр. 107

شَأْنُهُ - أولاً إلى سنته في خلقه وأنه كتب على نفسه أن يجعل الأرض ميراثًا لعباده الصالحين يحكمون أهلها ويمدون سلطانهم عليها، ثم نبههم ثانيًا أنه يعلمهم هذا بصفة خاصة ليفقهوه ويرتبوا عليه نتائجه ويستعدوا لها ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ، إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٥ - ١٠٧]. أما البشرى الثانية فكانت بعد الهجرة إلى المدينة، فكانت بشرى ووعدًا من الله - جَلَّ شَأْنُهُ - باستخلاف المسلمين ويبسط سلطان الدولة الإسلامية على الأرض والتمكين للمسلمين في أقطارها، وبإبدالهم من الخوف أمنًا ومن الضعف قوة ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]. ولقد بشر الرسول ﷺ المسلمين أثناء حفر الخندق حول المدينة بأنهم سيستخلفون على ملك فارس والروم واليمن، فكانت هذه البشرى مثارًا لسخرية المنافقين والذين في قلوبهم مرض، وأخذوا يتندرون بهذه البشرى التي جاءت في وقت يحفر فيه المسلمون خندقًا حول المدينة ليحموا أنفسهم من كفار قريش وأحلافها حتى أنزل الله في ذلك قوله: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢].

стр. 108

ولقد دفع القرآن المسلمين لتكوين الدولة التي وعدوا بها عندما تهيأت لهم أسباب تكوينها بعد الهجرة إلى المدينة، فأذن لهم أن يقاتلوا أعداءهم الذين ظلموهم وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم، والقتال هو أول مظهر من مظاهر الدولة، ووعد المسلمين النصر والغلبة على أعدائهم، ونبههم بعد ذلك إلى وظيفة الدولة الإسلامية التي قدر لها أن ترث الأرض ووعد الله بالتمكين لها، وبين أن وظيفة هذه الدولة هي إقامة أمر الله وذلك بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي ينكره الإسلام ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: ٣٩ - ٤١]. وإذا كانت الدولة الإسلامية قد قامت في أذهان المسلمين وهم في مكة وارتسمت لها صورة جميلة كانت تداعب خيالهم وهم محصورون في المدينة أثناء غزوة الأحزاب، فإن الدولة الإسلامية قد تكونت فعلاً في المدينة بعد أن اعتنق الأوس والخرزج الإسلام وتجمعوا عليه، وبعد أن هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة، حتى إذا لحق بهم رسول الله ﷺ التفوا حوله وسمعوا له وأطاعوا فَكَوَّنَ منهم أول وحدة

стр. 109

سياسية إسلامية، وأخذت هذه الوحدة الصغيرة - ولم تكن تجاوز المدينة وضواحيها - تكبر وتنمو وتزحف في كل الاتجاهات حتى شملت كل جزيرة العرب ثم ابتلعت بعد ذلك الدولة الفارسية وغيرها من الدول واقتطعت من الدولة الرومانية معظم ما تملكه وحبستها في أوروبا، وقد تم كل ذلك، ولما يمض أربعون عَامًا على تكوين الوحدة السياسية الإسلامية أو بتعبير آخر الدولة الإسلامية. ولقد قامت الدولة الجديدة على أساس الإسلام في كل شيء، في إدارتها وسياستها وحربها وسلمها وصلاتها بالأفراد والجماعات، واتخذ المسلمون حاكمين ومحكومين من القرآن وسنة الرسول دُسْتُورًا لهم ينظم شؤونهم الفردية والعامة، ويهيمن على شؤون الحكم والسياسة والاقتصاد والاجتماع والتشريع. وكان محمد بن عبد الله ﷺ أول رئيس لهذه الدولة الناشئة، فجمع برئاسته للدولة بين صفتين: أولاهما صفة الرسول فهو يبلغ عن ربه ما أوحي إليه من الدين والتشريع ويبينه للناس. والثانية: صفة الحاكم فهو يرأس الدولة ويديرها فيجيش الجيوش ويسيرها ويعلن الحرب ويعقد الصلح ويبرم المعاهدات ويعين القواد والحكام والقضاة ويقيلهم ويصرف الشؤون المالية والقضائية والسياسية والإدارية. وكان ﷺ يؤدي وظيفته كحاكم في حدود الإسلام، فما جاءت فيه نصوص صريحة طبق عليه تلك النصوص

стр. 110

وما لم يرد فيه نص طبق عليه ما يوحى به إليه أن نزل فيه الوحي بشيء فإن لم ينزل فيه وحي اجتهد في الحكم ولم يخرج بالأمر عما يقتضيه روح التشريع الإسلامي واتجاهاته العليا. سُلْطَانٌ بِلاَ أَلْقَابٍ: ولقد أعيا البعض أن يفهم كيف يكون الرسول ﷺ رئيس الدولة والمرجع الأول في إدارتها وتوجيه سياستها ثم لا يتخذ لنفسه أي مظهر من مظاهر الحكم، ولا يلقب نفسه بما يلقب به عادة أصحاب السلطان من ألقاب الإمارة والملك والخلافة. ولعل هؤلاء لا يعلمون أن النبي ﷺ كان خلقه القرآن كما قالت عائشة، وأنه قال: «إِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لاَ يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلاَ يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» وأنه قال: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» وقال: «لاَ تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» ولعل هؤلاء لا يعلمون أن الإسلام يدعو إلى التواضع والبساطة والرحمة، ويكره التعالي والظهور، بل أنه ليجعل الدار الآخرة للذين لا يريدون عُلُوًّا في الأرض ولا تَرَفًا ولا عظمة ولا فسادًا ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]. وما يليق بالرسول إلا يكون مثلاً لما جاء به، وأن يتخلق بأخلاق القرآن. ثم إن ألقاب الإمارة والملك والخلافة ليست شيئًا بجانب

стр. 111

النبوة والرسالة، وما يحاول عاقل أن يستبدل الأدنى بالذي هو خير، أو أن يضيف أدنى الألقاب إلى أعلاها وأسماها، فلقب النبوة والرسالة يحجب كل لقب غيرها، ومظهر النبوة والرسالة هو المظهر الوحيد الذي يلائم النبي والرسول سواء أكان حاكمًا أم غير حاكم مالكًا أو غير مالك. وإذا كان الله - جَلَّ شَأْنُهُ - قد بين لنا أن بعض الأنبياء كانوا ملوكًا أو خلفاء كداوود الذي آتاه الله الملك والحكمة ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٥١]. ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠]. وجعله خليفة في الأرض ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]. إذا كان الله - جَلَّ شَأْنُهُ - قد بَيَّنَ لنا هذا فإنما ذلك لبيان نعمه التي أنعم بها على عباده ورسله وليس معنى ذلك أن داود كان يلقب نفسه بالملك مع النبوة أو كان يترك لقب النبوة ليلقب نفسه بالخلافة أو الملك، وليس أدل على ذلك من أن داود وهو ملك وخليفة كان يأكل من عمل يده كما قال رسول الله ﷺ «وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ»، وكما ذكر لنا القرآن الكريم: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]. وما أكل داود من عمل يده إلا لتمسكه بلقب النبوة ومظهرها ولأنه ألغى من حياته كل ما للملك والخلافة من ألقاب ومظاهر كما كان يفعل مُحَمَّدٌ ﷺ .

стр. 112

ولن يفوتنا هنا أن نعرض لما روي عن الرسول من أنه قال لرجل قام بين يديه فأخذته رعدة «هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ وَلاَ جَبَّارٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ، كَانَتْ تَأْكُلُ القَدِيدَ» فإن نفي الملك والتجبر عن الرسول لا يستلزم نفي صفة الحكم ورئاسة الدولة، وكل ما يعنيه الحديث أن الرسول ليس فيه ما يخيف ويرهب فما هو بالملك الذي يستطيل بالملك، ولا بالجبار الذي يأخذ الناس بلا حق. كذلك الأمر في حديث الرسول الذي اختاره فيه أن يكون نبيًا عبدًا لا نبيًا ملكًا. فإن معنى الحديث لا يفيد التخلي عن الحكم والسلطان وإنما يعني كراهة المال والاستطالة على الناس، بل إن مغزى الحديث هو أن الرسول ليس له أن يشكو الفقر فالله أعلم به ولو شاء لأعطاه، ونص الحديث وظروفه تقطع بهذا فقد روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان ذات يوم وجبريل ﵇ على الصفا فقال رسول الله: «يَا جِبْرِيلُ، وَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أَمْسَى لآلِ مُحَمَّدٍ سَفَّةٌ مِنْ دَقِيقٍ، وَلاَ كَفٌّ مِنْ سَوِيقٍ»، فَلَمْ يَكُنْ كَلاَمُهُ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ [سَمِعَ] هَدَّةً مِنَ السَّمَاءِ أَفْزَعَتْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَرَ اللَّهُ القِيَامَةَ أَنْ تَقُومَ؟» فَقَالَ جِبْرِيلُ: لاَ، وَلَكِنْ أَمَرَ اللَّهُ إِسْرَافِيلَ، فَنَزَلَ إِلَيْكَ حِينَ سَمِعَ كَلاَمَكَ، فَأَتَاهُ إِسْرَافِيلُ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ سَمِعَ مَا ذَكَرَتْ، فَبَعَثَنِي إِلَيْكَ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأَرْضِ، وَأَمَرَنِي أَنْ [يُعْرَضْنَ عَلَيْكَ إِنْ أَحْبَبْتَ] أَنْ أُسَيِّرَ مَعَكَ جِبَالَ تِهَامَةَ زُمُرُّدًا، ويَاقُوتًا، وَذَهَبًا، وَفِضَّةً فَعَلْتُ، فَإِنْ شِئْتَ نَبِيًّا مَلِكًا، وَإِنْ شِئْتَ نَبِيًّا عَبْدًا؟، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ أَنْ تَوَاضَعَ، فَقَالَ:

стр. 113

«بَلْ نَبِيًّا عَبْدًا»، ثَلاَثًا (*) وفي رواية أخرى أَنَّ إِسْرَافِيلَ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ رَبُّكَ أَمَلِكًا أَجْعَلُكَ أَمْ عَبْدًا رَسُولًا؟ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ تَوَاضَعْ لِرَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ - قَالَ: «لاَ بَلْ عَبْدًا رَسُولاً» فظاهر نص الحديث أن النبي لم يكن يجد شيئًا وأن إسرافيل عرض عليه أن يحول له الجبال زمردًا وياقوتًا وفضة وذهبًا، ولم يعرض عليه ممالك ولا بلادًا فاختار أن يبقى كما هو، والأصل أن لفظ ملك يعني لغة كثرة الملك، فيقال لمن يملك الأموال الكثيرة أنه ملك، ويقال للواحد من الملوك الحاكمين أنه ملك لأنه عادة يملك المال الكثير كما يملك الحكم، فإذا كان الرسول يشكو الفقر وكان ما عرض عليه هو المال فقط فيكون الملك الذي رفضه هو ملك المال لا ملك الحكم. وأخيرًا فإن الملك والإمارة والخلافة والإمامة في قديم الزمان إنما كانت تدل على سلطان الحكم قبل أن تدل على شيء آخر، وهذا داود ﵇ آتاه الله الملك وجعل له الخلافة في الأرض ولم يجعل لملكه وخلافته إلا مقتضى واحدًا هو أن يحكم بين الناس بالحق ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦]. وإذا كان هذا هو أمر الملك والخلافة والإمارة في القديم، فذلك هو أمرها نفسه في العصر الحديث، فرئيس الدولة أَيًّا كان اسمه سواء أكان أميرًا أو مَلِكًا أو خليفة أو إمامًا أو زعيمًا أو رفيقًا أو رئيس جمهورية إنما يمثل سلطان الدولة، وما للدولة من سلطان إلا سلطان الحكم.

стр. 114

وإذا كان مُحَمَّدٌ ﷺ لم يلقب نفسه بلقب الإمارة أو الملك أو ما يماثلهما، ورضي لنفسه أن يكون بحيث اختاره الله نبيًا ورسولاً، فلن يمنع ذلك من أن مُحَمًّدًا كان رئيس الدولة الإسلامية، وكان له من سلطان الحكم ما كان لداود الملك والخليفة، لقد قال الله لداود:" ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦]، وقال لِمُحَمَّدٍ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] وقال له: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨] فالسلطان الذي أعطى للنبي الذي وصف بالعبودية، والحكم الذي منحه هذا هو الحكم نفسه الذي منحه ذاك، فلا فرق إلا لقب الملك والخليفة ولهما من قيمة كما قلنا مع لقب النبوة والرسالة. السُّلْطَانُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا: السلطان في القديم والحديث لم يخرج عن أن يكون سلطانًا ماديًا، أو سلطانًا روحيًا، فإذا تكلمنا عن هذين النوعين من السلطان بالنسبة للدول فإن السلطان المادي هو سلطان الحكم، أما السلطان الروحي فهو سلطان الأنبياء والمصلحين وأصحاب الآراء على العموم. والسلطان المادي يفرض من الخارج، تفرضه على الناس القوة والغلبة، أما السلطان الروحي فيفرض من الداخل، يفرضه الناس على أنفسهم وتلزمهم إياه قلوبهم وأرواحهم وعقولهم. والسلطان المادي في الدولة يستمد من قوة الدولة ويتركز

стр. 115

في أشخاص الحكام القائمين عليها، أما السلطان الروحي فيستمد مِمَّا يجيء به الرسول أو المصلح لا من شخصه. والناس دائمًا يخشون السلطان المادي ولا يثقون فيه، ويهربون من السلطان المادي كلما استطاعوا، فلا يطيعونه إلا كارهين ولا يسالمونه إلا مغلوبين ولا يؤازرونه إلا طامعين، واذا استطاعوا أن ينفلتوا من حكمه وكان في ذلك منفعة لهم فلن يصدهم عن الانفلات عقل ولا ضمير. أما السلطان الروحي فإن الناس يطلبونه قبل أن يطلبهم ويعبدون أنفسهم له قبل أن يستعبدهم ويربطون أنفسهم به راضين مسرورين. والسلطان الروحي بالرغم مِمَّا له من أثر في الأفراد قد يتعطل سيره أو يضعف عمله إذا كان السلطان المادي مضادًا له، لأن في طباع الكثيرين من البشر أن يؤثروا الأمن والسلامة فيهملوا العمل بما يؤمنون به خشية أن يصيبهم أذى، أو يكتموه في أنفسهم فلا ينتقل إلى غيرهم. كذلك في طبيعة الأفراد أنهم يشق عليهم أن يلزمهم السلطان المادي ما يجنبهم إياه السلطان الروحي، وأنهم يميلون إلى مقاومة السلطان المادي للتخفيف عن أنفسهم وإرضاء ضمائرهم، وهذه المقاومة مهما كانت ضعيفة تؤدي بمرور الزمن إلى تفويض السلطان المادي أو إضعافه. فإذا بني السلطان المادي على أساس من السلطان الروحي كان ذلك أدعى إلى إسعاد الجماعة وتضامنها وتوثيق الصلات

стр. 116

بين أفرادها وبث الثقة بين المحكومين والحاكمين، بل إن ذلك يوفر على الحاكمين مشقة التنفيذ والمراقبة لأن كل فرد يقيم من نفسه رقيبًا على نفسه ويقبل على أداء واجبه إرضاء لضميره. لا خشية العقاب، والنتيجة الطبيعية لهذا كله هي ثبات الأنظمة وحرص الحاكمين والمحكومين عليها. وبهذا الذي يلائم طبائع البشر ويدعو إلى استجوابتهم، ويوفر لهم السعادة والحب والأمن ويصرفهم إلى الخير، بهذا كله نزل القرآن على قلب مُحَمَّدٍ ﷺ ، حيث ربط السلطان المادي وهو سلطان الدولة بالسلطان الروحي وهو سلطان الدين، وأقام السلطان المادي على دعامة من السلطان الروحي وفي حدوده، وجعل من الإسلام عقيدة ونظامًا ودينًا ودولة. دَوْلَةٌ اسْتَكْمَلَتْ أَرْكَانَهَا: ولقد حاول محاول أن يشكك في تكوين الدولة الإسلامية في عهد الرسول ﷺ ، فقال إن النبي لم يؤسس دولة، وبني ذلك على ما يظنه من فقدان بعض أركان الدولة ودعائم الحكم، وحدد هذا المفقود فقال: لماذا لم يعرف نظام الرسول في تعيين القضاء والولاة، ولماذا لم يتحدث إلى رعيته في نظام الملك وقواعد الشورى، ولماذا ترك العلماء في حيرة واضطراب من أمر النظام الحكومي في زمنه، ولماذا لم يكن للدولة ميزانية ودواوين تضبط شؤونها الداخلية والخارجية.

стр. 117

وما زاد على أن خدع نفسه حين حاول أن يخدع الناس " ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ، فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ٩، ١٠]. إن أركان الدولة طبقًا للفقه الدستوري والإداري لا تزيد على أربعة هي: ١ - وجود شعب، ولا شك في وجود الشعب في الدولة الإسلامية من يوم أن تجمع المسلمون في المدينة. ٢ - الإستقلال السياسي، ويتوفر إذا لم تخضع الجماعة لغيرها، ولا جدال في أن المسلمين تمتعوا بهذا الإستقلال من يوم أن تجمعوا بالمدينة، فما عرف عنهم أنهم خضعوا في أمورهم الداخلية والخارجية لأي جماعة أخرى أو لغير توجيه الإسلام الذي دانوا به. ٣ - وجود إقليم تعيش عليه الجماعة بصفة مستمرة، ولقد كانت المدينة هي إقليم الدولة الإسلامية عاش فيه المسلمون بصفة مستمرة، وبدأ صغيرًا لا يتجاوز المدينة وبعض ضواحيها، ثم أخذ يتسع حتى شمل كل جزيرة العرب قبل وفاة الرسول ﷺ . ٤ - السلطان أو السيادة، وتكون إذا وجدت سلطة عامة يخضع لها جميع الأفراد، ولهذه السيادة وجهان: وجه داخلي

стр. 118

بحيث يكون للقائمين على السلطان حق إصدار الأوامر لجميع أفراد الجماعة، ووجه خارجي بحيث يكون للقائمين على السلطان حق تمثيل الجماعة أو الأمة والتصرف باسمها، وليس ثمة شك في أن هذا السلطان بوجهيه كان قائمًا في الدولة الإسلامية من يوم تجمع المسلمين في المدينة، وكان هذا السلطان يتركز في شخص الرسول الذي يمثل الجماعة الإسلامية في الخارج فيعقد مع الجماعات الأخرى المعاهدات والصلح ويعلن الحرب كما حدث في عهده لليهود وفي معاهدة الحديبية وفي غزوة بدر وغيرها من الغزوات، كذلك كان هذا السلطان يتركز في شخص الرسول الذي كان له حق إصدار الأوامر لجميع أفراد الأمة الإسلامية وكان عليهم واجب السمع والطاعة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]. وإذا كانت هذه الأركان الأربعة متوفرة في الوحدة التي ألفها المسلمون برئاسة النبي ﷺ فقد تكونت الدولة الإسلامية بحكم الفقه وبحكم الواقع، والتعلق بعد ذلك بالتنظيمات الداخلية إنما هو تعليق بما لا يفيد ولا ينتج. إن الجهل بالتنظيمات الداخلية لدولة ما ليس حجة على أنها لم تكن دولة، وعدم تدوين تنظيمات هذه الدولة بدقة لا يطعن في وجود هذه الدولة وإلا اضطررنا أن نمحو من سجل الدولة كل دولة لم يثبت المؤرخون تفاصيل تنظيماتها أو لم يثبتوا شيئًا منها.

стр. 119

وإذا كنا لم نعرف تفاصيل النظام الذي كان يتبعه الرسول في تعيين الولاة والقضاة فيكفي أن تعلم أنه عَيَّنَ ولاة وقضاة في جهات معينة، لنعلم أنه كان يفعل ذلك في الجهات الأخرى، وأنه بذلك يباشر سلطان الدولة من الوجهة الداخلية. وليس سكوت الرسول عن التحدث عن نظام الحكم وقواعد الشورى بمؤثر على قيام الدولة التي قامت فعلاً بتوفر أركانها، على أن الرسول ﷺ لم يسكت عن نظام الحكم بل بينه خير بيان فالقرآن جعل أمر المسلمين شورى بينهم ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] وأمر الرسول أن يشاورهم في الأمر ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. والتاريخ حافل بذكر الوقائع التي شاورهم فيها حتى لقد كان يشاورهم في تعيين الولاة ويروى عنه في ذلك قوله: «لَوْ كُنْتُ مُؤَمِّرًا أَحَدًا دُونَ مَشُورَةِ المُؤْمِنِينَ، لأَمَّرْتُ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ» وهكذا جاء الرسول بمبدأ الشورى في الحكم وإقامه حكمه عليه، وإذا كان لم ينظم هذا المبدأ تنظيمًا نهائيًا فذلك لأن التنظيمات النهائية يجب أن لا تقبل التعديل بطبيعتها وكل تنظيم لمبدأ الشورى لا يمكن أن يكون إلا مؤقتًا لأن التنظيم ينظر فيه إلى ظروف الأشخاص وظروف الزمان والمكان وهي جميعًا ظروف متغيرة. أما الاحتجاج بعدم وجود ميزانية ودواوين فهو من أعجب صور الاحتجاج، خصوصًا إذا كان هذا المحتج يقرر أن الدولة الإسلامية تكونت يوم استخلف ابو بكر، ولا شك أننا جميعًا نعرف أنه لم تكن ثمة ميزانية في عهد أبي بكر وأن

стр. 120

الدواوين لم تدون إلا في عهد عمر فأي احتجاج أعجب من هذا الاحتجاج؟ وأي تناقض أبعد من هذا التناقض؟. مَدَى سُلْطَانِ رَئِيسِ الدَّوْلَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ: قلنا أن النبي ﷺ كان مع نبوته رئيسًا للدولة وبذلك كان يمثل السلطان الروحي باعتباره نبيًا، ويمثل السلطان المادي باعتباره رئيسًا، وكانت مهمته النبوية أن يبلغ للناس ما يوحى إليه من ربه ويبينه لهم كما علمه الله، أما مهمته باعتباره رئيسًا فهي إقامته الدين والحكم بما أنزل الله وتوجيه أمور الأفراد والجماعة والقيام على شؤونهم جميعًا في حدود ما أنزل الله. وبعد وفاة الرسول انقطع الوحي وتحدد الإسلام فلا زيادة ولا نقص ولا تبديل ولا تعديل، وأصبح السلطان الروحي ممثلاً فيما جاء به الرسول وهو الإسلام، كما أصبح الإسلام محددًا بالقرآن والسنة. وكل من يخلف الرسول على رئاسة الدولة ليس له من سلطان إلا السلطان المادي الذي كان يباشره الرسول باعتباره رئيسًا للدولة، أما السلطان الروحي فهو للقرآن والسنة أي لما جاء به الرسول، على أنه لما كان السلطان المادي في الإسلام يقوم على السطان الروحي ويندمج فيه فإن ريس الدولة الإسلامية حين يباشر وظيفته إنما يباشر سلطانًا ماديًا وسلطانًا روحيًا اندمج كلاهما في الآخر وامتزج به.

стр. 121

الخِلاَفَةُ أَوْ الإِمَامَةُ العُظْمَى: مَعْنَى الخِلاَفَةِ: تعني الخلافة أو الإمامة العظمى رئاسة الدولة الإسلامية، فالخليفة أو الإمام الأعظم هو رئيس الدولة الإسلاميةالأعلى. ولما كانت الدولة الإسلامية قائمة على الإسلام الذي يسيطر على الأفراد والجماعات ويوجههم في حياتهم الدنيا وجهات معينة، كان للخليفة في رأي الفقهاء الإسلاميين وظيفتان: الأولى إقامته الدين الإسلامي وتنفيذ أحكامه. والثانية: القيام بسياسة الدولة في الحدود التي رسمها الإسلام، على أننا نستطيع أن نكتفي بالقول بأن وظيفة الخليفة هي إقامة الإسلام، لأن الإسلام كما علمنا دين ودولة فإقامة الإسلام هي إقامة للدين وقيام بشؤون الدولة في الحدود التي رسمها الإسلام. ولقد سبق أن بينا أن وظيفة الحكومة الإسلاميةهي إقامة

стр. 122

أمر الله أي إقامة الإسلام، والخليفة هو رئيس الحكومة الإسلامية فتكون وظيفته هي إقامة الإسلام وإدارة شؤون الدولة في حدود الإسلام. ولقد عرف الفقهاء الخلافة بما لا يخرج عن هذا المعنى، فعرفت بأنها رياسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبي ﷺ ، عرفت بأنها خلافة الرسول في إقامة الدين وحفظ حوزة الملة بحيث يجب اتباعه على كافة الأمة (١). وعرف الماوردي الإمامة بأنها موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا (٢). وعرفها ابن خلدون بأنها حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به (٣). وظاهر من تعاريف الفقهاء أنهم يعتبرون الخليفة قائمًا مقام النبي في رئاسة الدولة ناظرين في ذلك إلى أن النبي كان له وظيفتان: وظيفة التبليغ عن الله، ووظيفة القيام على أمر الله

стр. 123

وسياسة الدنيا به. فلما توفى الرسول انتهت وظيفة التبليغ، وبقيت الوظيفة الأخرى، فوجب أن يقوم بأدائها من يستطيع القيام بأعبائها، ولأنه يخلف الرسول في هذا الأمر سمي بالخليفة. ولقد سمي أبوبكر ﵁ بخليفة رسول الله على هذا الأساس، ورأى البعض أن يسميه بخليفة الله ناظرًا في ذلك إلى أن الرسول كان قائمًا على أمر الله وأن أبا بكر قام به أيضًا، فكلاهما يعتبر خليفة الله، ولكن أبا بكر اختار أن يسمى خليفة رسول الله. وبعض الفقهاء يجيز أن يسمى الآدميون خلفاء الله وحجتهم في ذلك أن الله استخلف البشر في الأرض فهم خلفاء الله وأنه جعل داود خليفة لقيامه على أمر الله، وبعض الفقهاء لا يجيز أن يسمى البشر خلفاء وحجتهم أن الاستخلاف يكون في حق الغائب والله لا يغيب، وهذا الرأي الأخير غير صحيح ولا يتفق مع النصوص الصريحة وإذا كان الاستخلاف بالنسبة للبشر لا يكون إلا في حق غائب فإن الاستخلاف بالنسبة لله إنما هو حق حاضر شاهد لا يغيب، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. ولما استخلف عمر ﵁ رأى أن يسمى رئيس الدولة بأمير المؤمنين حتى لا تتكرر الإضافة إلى الخليفة السابق ثم سبقه وهكذا حتى تصل إلى رسول الله فجرى الناس من هذا التاريخ على تسمية رئيس الدولة الإسلامية بأمير المؤمنين

стр. 124

ولكن الوظيفة بقيت على تسميتها الأولى الخلافة أو الإمامة، والخلافة أشهر كما أن القائم بشؤون الوظيفة وأن نودي بأمير المؤمنين إلا أنه أصبح يسمى بالخليفة دون إضافة. ويسمى الخليفة أحيانًا بالإمام الأعظم، وهذه التسمية تدخل تحت قوله تعالى ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥]، ويوصف الإمام بالأعظم تمييزًا له عن أي إمام آخر كالامام الذي يؤم الناس في الصلاة. إِقَامَةُ الخِلاَفَةِ فَرِيضَةٌ: وتعتبر الخلافة فريضة من فروض الكفايات كالجهاد والقضاء، فإذا قام بها من هو أهل لها سقطت الفريضة عن الكافة، وإن لم يقم بها أحد أثم كافة المسلمين حتى يقوم بأمر الخلافة من هو أهل لها. ويرى البعض أن الاثم يلحق فئتين فقط من الأمة الإسلامية أولها أهل الرأي حتى يختاروا خليفة والثانية من تتوفر فيهم شرائط الخلافة حتى يختار أحدهم خليفة (١). والحق أن الإثم يلحق الكافة لأن المسلمين جميعًا مخاطبون بالشرع وعليهم إقامته، ومن أول واجباتهم أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر وليس أحدهم مأمور بأن ينظر فقط إلى

стр. 125

نفسه وما في يده من الأمر، وإنما عليه أن يعمل على إقامة الدين على نفسه وعلى غيره، وعلى ما في يده وعلى ما في يد غيره، وإذا كان الإختيار متروكًا لفئة من الناس، فإن من واجب الأمة كلها أن تحمل هذه الفئة على أداء واجبها وإلا شاركتها في الإثم، بل من واجب الأمة أن تنحي هذه الفئة - إذا لم تقم بواجبها - وأن تقدم غيرها، لأن الأمة اختارتها وألقت إليها بأمرها لتمثل الجماعة الإسلامية فإن لم تؤدي واجبها سقطت عنها صفتها بما ارتكبت من إثم، وزالت عنها صفة النيابة عن الأمة وكان على الأمة أن تختار فئة أخرى تنوب عنها وتمثلها في اختيار الخليفة. ولقد اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة وفريضتها، وعلى أن إقامة إمام عادل في الأمة يقيم فيها أمر الله ويسوسها بأحكام الشرعية إنما هو من أوجب الواجبات على الأمة، ولم يشذ عن هذا الرأي من الأمة الإسلامية كلها إلا الأصم من المعتزلة وفريق النجدات من الخوارج وهي فرقة بادت ولم يبق منها أحد، فقد قالوا بأن إقامة الخلافة ليست فريضة وإنما الفريضة هي إقامة الشريعة وإمضاء أحكامها، وحجتهم أن الأمة إذا تواطأت على العدل وتنفيذ أحكام الإسلام، فلا حاجة لإمام، وإذا لم تكن حاجة لإمام فتعيينه غير واجب وإنما هو جائز (١).

стр. 126

وقول هؤلاء فيه ما يكفي للرد عليهم. فإذا كان الواجب بحسب قولهم هو إقامة الشريعة الإسلامية فإن أداء هذا الواجب يقتضي أن تختار الأمة شخصًا تكل إليه القيام بهذا الواجب، إذ لا يمكن عقلاً أن تتواطأ الأمة كلها على إقامة الشريعة، وإذا تواطأت على إقامتها فلا يمكن أن تتفق على طريقة التنفيذ، ولا يمكن أن تنفذ الشريعة وتقام إذا ترك لكل فرد أن يقيمها وينفذها بحسب ما يرى والأراء تختلف بطبيعة الحال، فوجب إذن أن تختار الأمة من تكل إليه إقامة الشريعة وإمضاء أحكامها، وإذا كان اختيار خليفة أو إمام أمرًا واجبًا لإقامة الشريعة وكانت إقامة الشريعة واجبة تعين أن يكون اختيار الإمام أو الخليفة أمرًا واجبًا أيضًا ما دام الواجب وهو إقامة الشريعة لا يتم إلا به وذلك طبقًا لقاعدة «مَا لاَ يَتِمُّ الوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ» وهي قاعدة أساسها المنطق السليم. على أن هؤلاء المخالفين إذا كانوا قد رأوا بصفة عامة أن الإمامة جائزة لا واجبة فإن منهم من أوجبها في بعض الأحوال وهؤلاء الموجبون لها في بعض الأحوال اختلفوا فمنهم من أوجبها عند الأمن وأجازها في الفتنة، ومنهم من أوجبها في الفتنة وأجازها في الأمن، وفي هذا التردد بين الوجوب والجواز وفي الخلاف على وقت الوجوب ووقت الجواز في ذلك كله ما يقطع بين هؤلاء المخالفين قد جانبوا الصواب. مَصْدَرُ فَرْضِيَّةُ الخِلاَفَةِ: المصدر الأول لفرضية الخلافة

стр. 127

هو الشرع، فالخلافة أو الإمامة فريضة شرعية يوجبها الشرع على كل مسلم ومسلمة ويخاطب الجميع بها وعليهم أن يعملوا حتى تؤدى هذه الفريضة فإذا أديت سقطت عنهم حتى تتجدد بعزل الخليفة أو موته، والأدلة على فرضية الخلافة هي: أولاً: الخلافة أو الإمامة سُنَّةٌ فِعْلِيَّةٌ استنها الرسول ﷺ للمسلمين وعليهم أن يقيموا هذه السُنَّةَ ويعملوا بها لقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]، وقوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤]، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. فالرسول ﷺ كَوَّنَ من المسلمين وحدة سياسية وألف منهم جميعًا دولة واحدة كان هو رئيسها وإمامها الأعظم، وكان له وظيفتان: الأولى التبليغ عن الله والثانية القيام على أمر الله وتوجيه سياسته الدولية في حدود الإسلام، وقد انتهى عهد التبليغ بوفاة الرسول وانقطاع الوحي إن لم يكن انتهى يوم نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وإذا لم يكن بالناس حاجة إلى التبليغ بعد وفاة الرسول لوجود القرآن والسنة فإنهم في أشد الحاجة إلى من يقوم على القرآن والسنة

стр. 128

ويسوسهم في حدود الإسلام، بعد أن كَوَّنَ الرسول منهم وحدة سياسية، واستن لهم رئاسة الدولة وإمامة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، بل إن التأسي بالرسول واتباع سنته يقتضي من المسلمين جميعًا أن يُكَوِّنُوا من أنفسهم وحدة سياسية واحدة، وأن يقيموا لهم دولة واحدة تجمعهم، وأن يقيموا على رأسها من يخلف الرسول في إقامة الدين وتوجيه سياسة الدولة توجيهًا إسلاميًا خالصًا. ثانيًا: أجمع المسلمون وأصحاب الرسول خاصة وهم أدرى الناس باتجاهات الإسلام على أن يقيموا على رأس الدولة من يخلف الرسول، وما أن تحقق أبو بكر من وفاة الرسول حتى خرج على الناس يقول لهم «أَلاَ إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ وَلاَ بُدَّ لِهَذَا الدِّينِ مِمَّنْ يَقُومُ بِهِ» فترك الصحابة تجهيز النبي ولم يدفنوه حتى أقاموا أبا بكر خليفة له، والإجماع مصدر من مصادر الشريعة يلزم المسلمين كما يلزم النص، وإذا كان قد جاء بعد العصر الأول من قال بعدم وجوب الخلافة كالأصم فإن هذا لا يطعن في الإجماع الذي انعقد وتواترت به الروايات. وإذا لم يكن هناك إجماع تام فإن اتفاق الصحابة دليل على اقتضاء الشرع لإقامة خليفة لرسول الله، وصحابة الرسول خير من يفهم الإسلام ويعرف الوجوب والجواز ويفرق بين الحلال والحرام. وإذا كان الصحابة قد اختلفوا فيما بعد على الخلافة

стр. 129

فينبغي أن نعلم أن الخلاف كان على الشخص الذي يملأ الوظيفة لا على وجوب الخلافة وفرضيتها وعلى وجوب إقامتها (١). ثالثًا: إن الكثير من الواجبات الشرعية يتوقف على إقامة خليفة أو إمام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب شرعًا، كما أن في نصب الإمام دفع ضرر وإزالة الضرر تجب شرعًا، وفيه أيضًا جلب منافع للأمة وهو واجب أيضًا، ذلك أن مقصود الشارع فيما شرع من المعاملات والمناكحات والجهاد والحدود وشعائر الشرع وغيرها إنما هو مصالح عائدة على الخلق، وهذه المصالح لا تتم إلا بإمام يرجعون إليه فيما يختلفون فيه، وهم مع اختلاف الأهواء وتشتت الآراء قلما ينقاد بعضهم لبعض فيفضي ذلك إلى التنازع والنوائب وربما أدى إلى إهلاكهم جميعًا، والتجربة تشهد بذلك وتشهد بأن عدم إقامة خليفة يؤدي إلى تعطيل الدين والخروج على الإسلام وتفرق المسلمين كما هو حادث الآن (٢). رابعًا: إن نصوص القرآن والسنة أوجبت إقامة إمام للجماعة الإسلامية (٣)، من ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] والمقصود بأولي الأمر هم أئمة الدولة الذين يتولون الأمر فيها واحدًا بعد

стр. 130

الآخر والذين قال فيهم الرسول ﷺ : «مَنْ مَاتَ [وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ]، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»، وقال: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، لَقِيَ اللهَ يَوْمَ القِيَامَةِ لاَ حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» وقال: «مَنْ بَايَعَ إِمَامًا، فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ، فَاضْرِبُوا رَقَبَةَ الآخَرِ» وقال: «إِنَّ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ أَنْ تُطِيعُونِي، وَإِنَّ مِنْ طَاعَتِي أَنْ تُطِيعُوا أَئِمَّتَكُمْ»، وقال: «" لاَ نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ "، قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: " فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ، أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ»، وقال: «سَيَلِيكُمْ بَعْدِي وُلاَّةٌ، فَيَلِيَكُمُ البَرُّ بِبِرِّهِ، وَالفَاجِرُ بِفُجُورِهِ، فَاسْمَعُوا لَهُمْ وَأَطِيعُوا فِي كُلِّ مَا وَافَقَ الحَقَّ، وَصَلُّوا وَرَاءَهُمْ، فَإِنْ أَحْسَنُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ»،وقال: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ»، وقال: «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ، فَاقْتُلُوا [الآخَرَ] (*) مِنْهُمَا» (١). ويؤخذ من هذه النصوص مجتمعة أن على المسلمين أن يختاروا إمامًا لهم أو خليفة عليهم فإن المسلم الذي يموت وليس له إمام يموت ميتة جاهلية، وعليهم أن يختاروا إمامًا واحدًا فإن بويع لاثنين وجب قتل الأخير إن لم يترك الأمر للأول، وكذلك يجب قتل من أراد أن يفرق الجماعة وهي متجمعة على إمام واحد.

стр. 131

خامسًا: إن الله - جَلَّ شَأْنُهُ - جعل المسلمين أمة واحدة على اختلاف لغاتهم وأجناسهم وشعوبهم، ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢]، ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢]، وواجب على المسلمين أن يتحدوا ويلتفوا حول راية القرآن ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وحرم عليهم التفرق والاختلاف والتنازع ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران: ١٠٥]، ﴿وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]، ومقتضى هذه النصوص أن يكونوا أمة واحدة ووحدة سياسية واحدة، وأن يكونوا من أنفسهم دولة واحدة. ويقول الرسول ﷺ فيما يروى عنه «لاَ يَحِلُّ لِثَلاَثَةِ نَفَرٍ يَكُونُونَ بِأَرْضِ فَلاَةٍ إِلاَّ أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ أَحَدَهُمْ»، ويقول: «إِذَا خَرَجَ ثَلاَثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ» (*). ومدلول هذين الحديثين أنه يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعدًا أن يؤمروا عليهم أحدهم لأن في ذلك السلامة من الخلاف الذي قد يؤدي للقلق إذا استبد كل منهم برأيه وفعل ما يطابق هواه، كما أن اجتماعهم على أحدهم فيه جمع لكلمتهم وتضامن بينهم في مواجهة ما ينزل بهم. وإذا شرع هذا لثلاثة في فلاة من الأرض أو مسافرين فشرعيته أولى لعدد أكثر يسكنون القرى والأمصار ويحتاجون لدفع التظالم والفصل في الخصومات (١).

стр. 132

فيجب إذن تطبيقًا لهذين الحديثين فضلاً عما ذكرنا من أحاديث سابقة أن تقيم الأمة الإسلامية إمامًا لها أو خليفة عليها، وهي باعتبارها أمة واحدة لن تقيم إلا واحدًا ولا يصح لها أن تقيم أكثر من واحد. سادسًا: أن الله وقد جعل المسلمين أمة واحدة وألزمهم أن يكونوا من أنفسهم دولة واحدة قد جعل أمر الحكم شورى بينهم ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] وإذا كان المسلمون مقيدين بأن يكونوا أمة واحدة وأن تكون لهم دولة واحدة وأن يختاروا من يلي الحكم منهم، فإنه يتعين عليهم أن يختاروا لرئاسة الدولة الإسلامية إمامًا كلما خلا هذا المنصب، وليس لهم باعتبارهم أمة واحدة ودولة واحدة أن يختاروا إلا إمامًا واحدًا. الخِلاَفَةُ وَاجِبَةٌ عَقْلاً: وكما يوجب الشرع الخلافة فإن العقل يوجبها أيضًا، لأن وجود الحكومة في الجماعة إنما هو ضرورة اجتماعية، فالبشر يستحيل عليهم أن يعيشوا منفردين ولا بد أن يتجمعوا تدفعهم لذلك المصلحة والضرورة، فإذا اجتمعوا تزاحموا وتنافسوا وتغالبوا وفرقت بينهم المصالح والمنافع وقامت بينهم الخصومات، فلا بد من حاكم يتزعمهم ويفصل في خصوماتهم ويحملهم على سلوك السبيل القويم، وإذا كان من أهداف

стр. 133

الجماعة أن تكون متحدة وأن تكون وحدة سياسية واحدة فقد وجب أن يكون لها حاكم واحد تختار الجماعة بدلاً منه كلما خلا منصبه. وإذا كان العقل يقضي بأن عدم قيام الحكومة بين الناس يؤدي إلى الضرر، كانت الخلافة أو الإمامة واجبة عقلاً (١) خصوصًا إذا كان من واجب الجماعة أن تعيش متحدة غير متفرقة وأن تكون من نفسها وحدة سياسية واحدة.

стр. 134

الشُّرُوطُ الوَاجِبَةُ فِي الإِمَامِ: لا يصلح كل شخص أن يكون إمامًا أو خليفة لأن وظيفة الإمامة بما لها من جلال وخطر تقتضي أن يكون شاغلها حائزًا على صفات معينة، ومن ثم يشترط فيمن يختار إمامًا أو خليفة أو تتوفر فيه الشروط الآتية: ١ - الإِسْلاَمُ: يشترط في الإمام أو الخليفة أن يكون مسلمًا لأن وظيفته نفسها تقتضي هذا، فمهمته إقامة الدين الإسلامي وتوجيه سياسة الدولة في حدود الإسلام، وما يستطيع أن يقوم بذلك على وجهه الصحيح إلا مسلم يؤمن بالإسلام ويعرف مبادئه واتجاهاته، فطبائع الأشياء إذن توجب أن يكون رئيس الدولة الإسلامية مسلمًا. واذا كان هذا هو ما توجبه طبائع الأشياء ومنطق الواقع

стр. 135

فإن الإسلام نفسه يحرم أن يلي أمر المسلمين غير مسلم وذلك ظاهر في قوله تعالى: ﴿لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨]. فإذا حرم الإسلام على المؤمنين أن يوالوا غير مؤمن فقد حرم عليهم أن يجعلوه حاكمًا عليهم لأن الحكم ولاية. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣]. وقوله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١]. ٢ - الذُّكُورَةُ: يشترط في الإمام أو الخليفة أن يكون ذكرًا لأن المرأة بطبيعتها لا تصلح لرئاسة الدولة، وما تقتضيه هذه الوظيفة من المتاعب والعمل المستمر وقيادة الجيوش وتدبير الأمور. كما أن الإسلام منع ولاية المرأة بقول رسول الله ﷺ : «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ أَسْنَدُوا أَمْرَهُمْ إِلَى امْرَأَةٍ» وفي رواية: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً». ٣ - التَّكْلِيفُ: يشترط في الإمام أو الخليفة أن يكون مكلفًا أي بالغًا عاقلاً، فالصغير والمجنون والمعتوه لا يصلحون لرئاسة الدولة، لأن الإمامة ولاية على الغير وهؤلاء لا ولاية لهم على أنفسهم،

стр. 136

فكيف تكون لهم الولاية على غيرهم، كما أن الصغير والمجنون والمعتوه لا مسؤولية عليهم لقول الرسول ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنْ النَّائِم حَتَّى [يَسْتَيْقِظ] وَعَنْ المَجْنُون حَتَّى يُفِيق» " ومن لم يكن أهلاً للمسؤولية عن نفسه فهو غير أهل للمسؤولية عن غيره. والأصل في وظيفة الإمام المسؤولية التامة لقول الرسول ﷺ : «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالأَمِيرُ رَاعٍ عَلَى رَعِيَّتِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ، وَالعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْهُ». وقوله: «لاَ يَسْتَرْعِي اللَّهُ ﵎ عَبْدًا رَعِيَّةً، قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ، إِلاَّ سَأَلَهُ اللَّهُ ﵎ عَنْهَا يَوْمَ القِيَامَةِ، أَقَامَ [فِيهِمْ] أَمْرَ اللَّهِ ﵎ أَمْ أَضَاعَهُ؟ حَتَّى يَسْأَلَهُ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ خَاصَّةً». ٤ - العِلْمُ: يشترط في الإمام أو الخليفة أن يكون عالمًا، وأول ما يجب عليه علمه هو أحكام الإسلام لأنه يقوم على تنفيذها ويوجه سياسة الدولة في حدودها، فإذا لم يكن عالمًا بأحكام الإسلام لم يصح تقديمه للإمامة. ويرى البعض أنه لا يكفي الإمام من العلم بأحكام الإسلام أن يكون مقلدًا لأن التقليد عندهم نقص ويوجبون أن يكون مجتهدًا لأن الإمامة في رأيهم تستدعي الكمال في الأوصاف والأحوال، ولكن البعض الآخر يجيز أن يكون

стр. 137

الإمام مقلدًا ولا يستلزم أن يكون مجتهدًا (١). ولا يكفي أن يكون الإمام عالمًا بأحكام الإسلام، بل يجب أن يكون مثقفًا ثقافة عالمية مُلِمًّا بأطراف من علوم عصره، إن لم يكن متخصصًا في بعضها، وأن يكون على علم بتاريخ الدول وأخبارها وبالقوانين الدولية والمعاهدات العامة والعلاقات السياسية والتجارية والتاريخية بين مختلف الدول. ٥ - العَدْلُ: ويشترط في الإمام أو الخليفة أن يكون عدلاً، لأنه يتولى منصبًا يشرف على كل المناصب التي يشترط فيها العدالة فكان من الأولى أن تشترط العدالة في منصب الإمامة أو الخلافة. والعدالة عند الفقهاء هي التحلي بالفرائض والفضائل والتخلي عن المعاصي والرذائل وعن كل ما يخل بالمروءة، ويشترط بعضهم أن تكون العدالة ملكة لا تكلفًا، ولكن البعض يرى أن التكلف إذا التزم أصبح ملكة وَخُلُقًا (٢).

стр. 138

٦ - الكِفَايَةُ: ويشترط في الإمام أو الخليفة أن يكون كُفْؤًا قادرًا على قيادة الناس وتوجيههم قادرًا على معاناة الإدارة والسياسة، فمن قام بالقسط فقد قام بما أمر به (١). ٧ - السلامة: ويشترط البعض في الإمام أو الخليفة سلامة الحواس والأعضاء من النقص والعطلة كالعمى والصمم والخرس وتجديع الأطراف، وحجتهم أن عدم السلامة على هذا الوجه يقلل من الكفاية في العمل أو من الإتيان به على وجه تام، ولكن البعض يرى أنه لا ضرر من أن يكون في خلق الإمام أو الخليفة عيب كما في الأعمى والأصم والأجذم والأحدب والذي لا يدان له ولا رجلان ومن بلغ الهرم ما دام يعقل، فكل هؤلاء إمامتهم جائزة إذا لم يمنع منها نص قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا نظر، ولا دخل لهذه العيوب في قيام الإمام أو الخليفة على أمر الله بالحق والعدل والله تعالى يقول ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥]، فمن لم يكن كُفْؤًا لوظيفة ليس له أن يتولاها. ٨ - القرشية: وهو شرط مختلف عليه، فالجمهور يشترط أن يكون

стр. 139

الإمام أو الخليفة من قريش وحجتهم في ذلك ما روي عن رسول الله ﷺ من أحاديث في هذا الشأن فروي عنه «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ»، وروي «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ مَا إِذَا حَكَمُوا عَدَلُوا»، وروي «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ، إِنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقًّا، وَلَهُمْ عَلَيْهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ، مَا إِنْ اسْتُرْحِمُوا فَرَحِمُوا، وَإِنْ عَاهَدُوا وَفَوْا، وَإِنْ حَكَمُوا عَدَلُوا، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَالمَلاَئِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»، وروي «إِنَّ هَذَا الأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ مَا أَطَاعُوا اللهَ وَاسْتَقَامُوا عَلَى أَمْرِهِ»، وروي «إِنَّ هَذَا الأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ لاَ يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ، إِلاَّ كَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ، مَا أَقَامُوا الدِّينَ» وروي «إِنَّ هَذَا الأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ مَا إِذَا اسْتُرْحِمُوا رَحِمُوا وَإِذَا حَكَمُوا عَدَلُوا، وَإِذَا قَسَمُوا أَقْسَطُوا فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَالمَلاَئِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»، وروي «" أَمَّا بَعْدُ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، فَإِنَّكُمْ أَهْلُ هَذَا الأَمْرِ، مَا لَمْ تَعْصُوا اللَّهَ، فَإِذَا عَصَيْتُمُوهُ بَعَثَ عَلَيْكُمْ مَنْ يَلْحَاكُمْ كَمَا يُلْحَى هَذَا القَضِيبُ " - لقضيب في يده - ثُمَّ لَحَا قَضِيبَهُ فَإِذَا هُوَ أَبْيَضُ يَصْلِدُ»، وروي «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّكُمْ أَهْلُ هَذَا الأَمْرِ مَا لَمْ تُحْدِثُوا فَإِذَا غَيَّرْتُمْ بَعَثَ اللَّه عَلَيْكُمْ مَنْ يَلْحَاكُمْ كَمَا يُلْحَى القَضِيب»، وروي «اِسْتَقِيمُوا لِقُرَيْشٍ مَا اِسْتَقَامُوا لَكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَقِيمُوا فَضَعُوا سُيُوفكُمْ عَلَى عَوَاتِقكُمْ فَأُبِيدُوا خَضْرَاءَهُمْ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَكُونُوا [زَرَّاعِينَ] أَشْقِيَاء» وروي «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلاَ تَقَدَّمُوهَا»، وروي «كَانَ هَذَا الأَمْر فِي حِمْيَر فَنَزَعَهُ اللَّه مِنْهُمْ وَصَيَّرَهُ فِي قُرَيْش وَسَيَعُودُ إِلَيْهِمْ»، وروي «لاَ يَزَال هَذَا الأَمْر فِي قُرَيْش

стр. 140

مَا بَقِيَ مِنْ النَّاس اِثْنَانِ»، وروي «مَا بَقِيَ مِنْهُمْ اِثْنَانِ، وَمَا بَقِيَ مِنْ النَّاس اِثْنَانِ». ويستند الجمهور أيضًا إلى إجماع الصحابة على أن تكون الإمامة في قريش، فقد احتج أبو بكر يوم السقيفة على الأنصار بأن «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» فعدلوا عن المطالبة بالإمامة بعد أن كانوا يقولون منا أمير ومنكم أمير ورضوا بما قاله لهم: «نَحْنُ الأُمَرَاء وَأَنْتُمْ الوُزَرَاء» (١). ويرى الخوارج وبعض المعتزلة أنه لا يشترط أن يكون الإمام قرشيًا، وإنما يستحق الإمامة من قام بالكتاب والسنة سواء كان عربيًا أو أعجميًا، ذلك لأنهم يردون حديث «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» بحجة أنه من أحاديث الآحاد. وذهب ضرار بن عمر إلى تولية غير القرشي أولى، لأنه يكون أقل عشيرة فإذا عصى كان أمكن لخلعه (٢). ولما ضعف أمر قريش وتلاشت عصبيتهم بما نالهم من الترف والنعيم عجرزوا عن حمل الأمر، وتغلب عليهم الأعاجم وصار الحل والعقد لهم، فاشتبه ذلك على كثير من المحققين

стр. 141

حتى ذهبوا إلى نفي اشتراط القرشية، واستندوا في ذلك إلى قول الرسول ﷺ «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ» كما استندوا إلى قول عمر: «لَوْ كَانَ سَالِمٌ مَوْلَى حُذَيْفَةَ حَيًّا لَوَلَّيْتُهُ»، وسالم ليس قرشيًا، وإلى ما روي عن عمر: «إِنْ أَدْرَكَنِي أَجَلِي وَأَبُو عُبَيْدَة حَيٌّ اِسْتَخْلَفْته، فَإِنْ أَدْرَكَنِي أَجَلِي وَقَدْ مَاتَ أَبُو عُبَيْدَة اِسْتَخْلَفْت مُعَاذ بْن جَبَلٍ» (*)، ومعاذ أنصاري لا نسب له في قريش. كذلك استدلوا بتأمير عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة وأسامة بن زيد وغيرهم في الحروب، وممن أسقط شرط القرشية القاضي أبو بكر الباقلاني لما أردك ما عليه أمر قريش من التلاشي والاضمحلال واستبداد الأعاجم بالأمر (١). والمتمسكون بشرط القرشية يردون على ذلك بأن الحديث ورد في الإمارات الصغرى لا في الإمامة العظمى، وأن ما روي عن عمر لعله اجتهاد منه تغير بعد ذلك، كما أن تأمير عبد الله بن رواحة وغيره ليس له دخل بالإمامة العظمى. ويعلل ابن خلدون جعل الأمر في قريش بقوة عصبيتهم «لأن قريشًا كانوا عصبة مضر وأصلهم وأهل الغلب فيهم، وكان سائر العرب يعترف لهم بذلك، فلو جعل الأمراء من سواهم لتوقع افتراق الكلمة بمخالفتهم وعدم انقيادهم، ولا يقدر غيرهم من قبائل مضر أن يردهم عن الخلاف ولا يحملهم

стр. 142

على الكره، فتفترق الجماعة وتختلف الكلمة، والشارع محذر من ذلك حريص على اتفاقهم، بخلاف ما إذا كان الأمر في قريش لأنهم قادرون على سوق الناس بعصا الغلب إلى ما يراد منهم فلا يخشى من أحد خلاف عليهم ولا فرقة لأنهم كفيلون حينئذٍ بدفعها ومنع الناس منها، فاشترط نسبهم القرشي في هذا المنصب وهم أهل العصبية القوية ليكون أبلغ في انتظام الملة واتفاق الكلمة، وإذا انتظمت كلمتهم انتظمت بانتظامها كلمة مضر أجمع فأذعن لهم سائر العرب وانقادت الأمم سواهم إلى أحكام الملة، ووطئت جنودهم قاصية البلاد كما وقع في أيام الفتوحات واستمر بعدها في الدولتين الى أن اضمحل أمر الخلافة وتلاشت عصبية العرب، فإذا ثبت أن اشتراط القرشية إنما هو لدفع التنازع بما كان لهم من العصبية والغلب، وعلمنا أن الشارع لا يخص الأحكام بجيل ولا عصر ولا أمة، علمنا أن ذلك إنما هو من الكفاية فرددناه إليها وطلبنا العلة المشتملة على المقصود من القرشية، وهي وجود العصبية، فاشترطنا في القائم بأمور المسلمين أن يكون من قوم أولي عصبية غالبة على من معها لعصرها، وإذا نظرت سِرَّ اللهِ في الخلافة لم تعد هذا لأنه سبحانه إنما جعل الخليفة نائبًا عنه في القيام بأمور عباده ليحملهم على مصالحهم ويردهم عن مضارهم، وهو مخاطب بذلك ولا يخاطب بالأمر إلا من له قدرة عليه، ثم إن الوجود شاهد بذلك فإنه لا يقوم بأمر أمة أو جيل إلا من غلب

стр. 143

عليهم، وقل أن يكون الأمر الشرعي مخالفًا للأمر الوجودي» (١). وظاهر مِمَّا سبق أن ابن خلدون يرى أن الإمامة جعلت في قريش لقوتها وغلبتها وأن حقها في الإمامة زال بزوال قوتها وغلبتها، ومعنى ذلك أن يفسر القرشية بالعصبية الغالبة. ويرى الدكتور طة حسين أن أبا بكر حينما قال للأنصار: «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» لم يفكر في إطلاق الإمامة لقريش كلها دون تحديد، وإنما كان يفكر هو وعمر وأبو عبيدة في المهاجرين الذين سبقوا إلى الإسلام فآمنوا به قبل أن يؤمن غيرهم، وآزروا النبي بأنفسهم وأموالهم على نشر دعوته في مكة أيام الجهد والشدة والضيق، فأبو بكر حينما قال للأنصار أن الأئمة من قريش كان يقصد إلى هذه الطبقة الممتازة من قريش طبقة الذين سبقوا إلى الإسلام وجاهدوا مع النبي في مكة والمدينة (٢). ومعنى هذا الذي يقوله الدكتور طة حسين أن شرط القرشية لا محل له بعد انتهاء الطبقة الممتازة من قريش أولئك الذين سبقوا إلى الإسلام وجاهدوا مع النبي في مكة أثناء الفتنة وجاهدوا معه في المدينة أثناء القوة. ويلاحظ أخيرًا أن الأحاديث التي سبق ذكرها معناها جميعًا واحد من حيث أنها جعلت الإمامة في قريش ولكن في بعضها زيادة مقبولة تقطع بأن الأمر لم يجعل في قريش مطلقًا من

стр. 144

كل قيد، وإنما هو لقريش ما أطاعوا الله واستقاموا على أمره، فإذا عصو سقط حقهم في الإمامة (١) وحديث «لاَ يَزَال [هَذَا] الأَمْر فِي قُرَيْش مَا بَقِيَ مِنْ النَّاس اِثْنَانِ» جاء مطلقًا كحديث «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» إلا أن كليهما مقيد بما اشترط في الأحاديث الأخرى من طاعة الله والقيام على أمره، وسقوط حق قريش في الإمامة ليس معناه أن لا يكون إمام من قريش وإنما معناه أن لا تكون الإمامة محصورة في قريش فيجوز أن يكون الإمام قرشيًا أو غير قرشي. ويبقى بعد ذلك أن يقال إن الأحاديث كلها وردت بصيغة الخبر عدا حديث «اِسْتَقِيمُوا لِقُرَيْشٍ مَا اِسْتَقَامُوا لَكُمْ»، وحديث «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلاَ تَقَدَّمُوهَا» فإنهما وَرَدَا بصيغة الأمر، والأحاديث الواردة بصيغة الخبر ليست أحكامًا، وإنما هي أخبار عن حال قريش وما يحدث لها، ومجموعها يفيد أن الإمامة ستكون فيهم ما أطاعوا الله ولو بقي من الناس اثنان، فإذا عصوا الله بعث عليهم من يقصيهم عنها، أما الحديثان الواردان بصيغة الأمر فقد جاءا ببيان ما يجب على الأمة من معاملة قريش ما دامت مستقيمة على أمر الله. هذان رأيان يمكن أن يقالا في تفسير الأحاديث الواردة في إمامة قريش وقد بنيا على جمع الأحاديث واستخراج معناها جملة، ولعل هذا هو أصح طريق في تفسير هذه الأحاديث ما دامت هذه الأحاديث جميعًا في درجة واحدة تقريبًا وبعضها

стр. 145

يقوي البعض الآخر وليس فيها ما ينسخ شيئًا منها. ولا يفوتنا هنا أن ننبه إلى جمهور الأمة المتمسكين بشرط القرشية أجازوا خلافة المتغلب ولو لم يكن قرشيًا، وفي هذا ما يناقض التمسك بشرط القرشية، ولكنهم عللوا ذلك بالضرورة. * * * هذه هي الشروط التي يجب أن تتوفر في الإمام الأعظم أو الخليفة، وليس ثمة ما يمنع من اشتراط شروط أخرى إذا اقتضتها المصلحة العامة، فيجوز مثلاً أن يشترط في الإمام أن يكون قد بلغ سِنًّا معينة، ويجوز أن يشترط فيه الحصول على درجات علمية معينة، ويجوز أن يشترط فيه أي شرط آخر إذا دعت لذلك الشرط مصلحة الجماعة أو اقتضته ظروف الحياة التي تتغير بمرور الأيام.
следующие страницы →