الْوَتِينَ) [الحاقة: ٤٤-٤٦] والمعنى أنّ الرسول ﷺ لو تقوَّل على الله ما لم يقله الله لأهلكه الله.
وهذا الدليل ذو تأثير كبير على نفوس الناس، فإن العرب لمّا رأت انتصار الإسلام صدقت وآمنت ودخلت في دين الله أفواجاً (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ - وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا) [النصر: ١-٢] .
شبهة:
وما يذكره بعض المكذبين برسالة محمد ﷺ من أنّ النصر تمّ لفرعون ونمرود وجنكيزخان وغيرهم من الملوك الكفرة في القديم والحديث، جوابه ظاهر، فإن هؤلاء لم يدع أحد منهم النبوة، وأن الله أمره أن يدعو إلى عبادته وطاعته، ومن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار بخلاف من ادعى أن الله أرسله، ثمّ يؤيده الله وينصره، وينصر أتباعه ويجعل العاقبة لهم فإنّه لا يكون إلاّ رسولاً صادقاً، فلو كان كاذباً فلا بدّ أن ينتقم الله منه، ويقطع دابره، واعتبر في هذا بحال مسيلمة والأسود العنسي وسجاح، واعتبر هذا بحال المسيح الدجال، فإنّه يفتري على الله الكذب ويدعي الألوهية، فيكشف الله ستره، ويظهر أمره لمن كان عنده بصيرة، فهو رجل أعور، مكتوب بين عينيه كافر، وإنّما يلتبس أمره على من لم يرزق نور الإيمان.
стр. 177
فضل الأنبياء وتفاضلهم
المبحث الأول
فضل الأنبياء على غيرهم
المطلب الأول
الأدلة على هذا التفضيل
خلق الله الخلق وفاضل بينهم: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ) [القصص: ٦٨] وقد اختار من أرضه مكة، فجعلها مقرّ بيته العتيق الذي من دخله كان آمناً، وجعل أفئدة من الناس تهوي إليه، وأوجب على الناس الحج إليه من استطاع إليه سبيلاً، وحرّم صيد الحرم وقطع شجره، وجعل الأعمال الصالحة فيه مضاعفة، وجعل إرادة الظلم فيه مستحقة العذاب الأليم، (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) [الحج: ٢٥] واختار من الشهور شهر رمضان، ومن الليالي ليلة القدر، ومن الأيام يوم عرفة، ومن أيام الأسبوع يوم الجمعة، وفاضل الله بين الملائكة فاختار منهم الملائكة الذين يحملون رسالته إلى رسله وأنبيائه، واصطفى الله من بني آدم الأنبياء، فالأنبياء أفضل البشر، وأفضل الأنبياء الرسل، (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [الحج: ٧٥] .
وقد أجمعت الأمة على تفضيل الأنبياء (١) على غيرهم من الصديقين والشهداء والصالحين.
ويدلَّ على تفضيلهم قوله تعالى: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ - وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا
стр. 178
وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ - وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ - وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ) [الأنعام: ٨٣-٨٦] .
وقد أخبر الرسول ﷺ أنّه: " ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر " (١) .
ويؤخذ من الحديث أن الأنبياء والمرسلين أفضل الخلق، وأنّ أفضل رجل بعدهم أبو بكر الصديق.
وقريب من هذا الحديث قول الرسول ﷺ في أبي بكر وعمر " هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين، إلاّ النبيين والمرسلين " (٢) .
وقد رتب الله عباده السعداء الذين أنعم عليهم أربع مراتب، قال تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) [النساء: ٦٩] .
فأول هذه المراتب وأعلاها الأنبياء ثم الصديقون ثم الشهداء، ثم الصالحون.
لا مجال للمصادفة:
قد يظنّ ظانٌ أن للمصادفة هنا محلاً، وأن من الأنبياء من أصابته النبوة وهو لا يستحقها، معاذ الله، ولكنّ الله العليم الحكيم الخبير نظر في معادن العباد وقلوبهم، واختار منهم واصطفى الأفضل الأكمل، وصدق الله إذ يقول: (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام: ١٢٤] .
إنّ حكمة الله وعلمه قاضيان بأن لا تمنح النبوة والرسالة إلاّ للمستعد لها والقادر على حملها (٣) ، وإذا تأملت في سيرة أنبياء الله ورسله رأيتهم أبرّ الناس
стр. 179
قلوباً، وأعمقهم علماً، وأحضرهم بديهة، وأشدّهم تحملاً، وأرقهم طباعاً،.. فلا عجب أن يختارهم الله ليكونوا أمناء وحيه، والعاملين على إقامة دينه، فهم القمم السامقة التي تعجز النفوس عن أن تبلغ مداها.
стр. 180
المطلب الثاني
دعوى تفضيل الأئمة على الأنبياء
وقد خالفت في هذه المسألة التي أجمعت عليها الأمة طوائف من الذين ينتسبون إلى الإسلام، فمن هؤلاء الشيعة الإمامية الاثني عشرية، يقول عالم من علمائهم البارزين المعاصرين (١) في هذا الموضوع: " إن من ضرورات مذهبنا أنّ لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبيٌّ مرسل " (٢) وقال أيضاً: " ورد عنهم (أي الأئمة) : إنّ لنا مع الله حالات، لا يسعها ملك مقرب، ولا نبيٌّ مرسل، ومثل هذه المنزلة موجودة لفاطمة الزهراء " (٣)(٤) .
стр. 181
قال الألوسي ﵀ في ((مختصر التحفة ص ١٠٠)) مبيناً قول الشيعة في هذه المسألة: " أجمع الإمامية على أن الإمام أفضل من غير أولي العزم من الرسل والأنبياء، وليس بأفضل من خاتم النبيين عليه وعليهم السلام، وأما غيره من سائر أولي العزم فقد توقف فيه بعضم كابن المطهر الحلي وغيره، ويعتقد بعضهم أنه مساوٍ لهم، وهذا مخالف لما ورد عن الأئمة، فقد روى الكليني عن هشام الأحوال عن زيد بن علي أن الأنبياء أفضل من الأئمة، وأن من قال غير ذلك فهو ضال، وروى ابن بابويه عن الصادق ما ينص على أن الأنبياء أحبّ إلى الله من عليٍّ ".
وقد رد الألوسي ﵀ قولهم بنصوص الكتاب وبالمعقول وبتضعيف النصوص التي اعتمدوا عليها لضعف رجالها، ولكونها معارضة للنصوص الأخرى الموجودة في كتبهم، وهي ردود شافية لمن أراد معرفة الحقّ واتباعه فارجع إليه.
وقد ترددت هذه الأقوال المفضلة للأئمة على الأنبياء في كتب الشيعة كثيراً، فقد ذكر علي موسى البهبهاني في كتابه مصباح الهداية في إثبات الولاية (١) (ص٦١
стр. 182
-٦٢) أن الأمامة مرتبة فوق النبوة.
ولذلك فقد حكموا بكفر من أنكر إمامة أئمتهم أو إمامة واحد منهم، قال ابن بابويه القمي الملقب عندهم بالصدوق:
" اعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والأئمة من بعده أنّه كمن جحد نبوة جميع الأنبياء، واعتقادنا فيمن أقرّ بأمير المؤمنين وأنكر واحداً من بعده من الأئمة أنّه بمنزلة من أقرّ بجميع الأنبياء وأنكر نبوة نبينا محمد " ((رسالته في الاعتقاد ص ١٠٣)) .
وقال المفيد: " اتفقت الإمامية على أنّ من أنكر إمامة أحد من الأئمة، وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطاعة، فهو كافر ضال مستحق للخلود في النار " بحار الأنوار للمجلسي ((٢٣/٣٩٠)) والمجلسي ذكر قول المفيد لتأييد رأيه.
ويرى بعضهم أنّ إنكار الإمامة شر من إنكار النبوة، يقول الحلي الملقب عند الجعفرية بالعلامة: " الإمامة لطف عام، والنبوة لطف خاص، لإمكان خلو الزمان من نبي حي بخلاف الإمام، وإنكار اللطف العام شرٌّ من إنكار اللطف الخاص " ((كتاب الألفين في إمامة أمير المؤمنين للحسن بن يوسف المطهر الحلي ١/٣)) وعقب أحد علمائهم على هذا بأنّه " نعم ما قال " وأضاف: " وإلى هذا أشار الصدوق بقوله عن منكر الإمامة هو شرّ الثلاثة، فعنه أنه قال: الناصبي شرّ من اليهودي، قيل: وكيف ذلك يا ابن رسول الله؟ فقال: إن اليهودي منع لطف النبوة وهو خاص، والناصبي منع لطف الإمامة وهو عام " ((انظر حاشية ص ٤٣ من كتاب النفع يوم الحشر لجمال الدين المقداد بن عبد الله السيوري)) .
стр. 183
المطلب الثالث
الزعم بأن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء (١)
وزعم بعض المتصوفة أنّ الولاية أفضل من النبوة، وزعم هؤلاء أنّ خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء، ومن هؤلاء الذين زعموا هذا الزعم الباطل الحكيم الترمذي، وابن عربي القائل بوحدة الوجود، وهؤلاء كذبوا فيما ذهبوا إليه، فلم يرد في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ أنّ هناك خاتماً للأولياء، ولم يرد أنّه أفضل من غيره من الأولياء فضلاً عن أن يكون خيرهم، ولم يتكلم في هذه المسألة أحد من الذين لهم باع في العلم ممن يقتدى ويتأسى بهم.
وأصل غلطهم أنّهم نظروا فوجدوا أنّ محمداً ﷺ خاتم الرسل، وأفضل الرسل، فقالوا: هو أفضلهم لأنّه آخرهم، وهذا فاسد فالتأخر والتقدم ليس عليه مدار التفضيل، ولذلك كان إبراهيم متقدماً وهو أفضل من موسى، وإبراهيم وموسى متقدمان، وهما أفضل من عيسى، وصحّ عن الرسول ﷺ أن أفضل هذه الأمة صحابته الذين كانوا معه، ولو أنّ المسلم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه، وثبت عنه أنه قال: " خير الناس قرني ثمّ الذين يلونهم ثمّ الذين يلونهم " (٢) .
وفي العلوم قد ينبغ المتقدم نبوغاً لا يدرك شأوه المتأخر، واعتبر في هذا بسيبويه في علم النحو، وقد يكون هذا في العلوم المترقية التي يكمل المتأخر فيها
стр. 184
المتقدم صحيحاً، أمّا في النبوة والرسالة فالأمر مختلف، إذ النبوة وعلومها هبة إلهية، ومنحة ربانية، لا تنال بالكسب والمجاهدة، وقد فتحت هذه المقالة باب شرّ، فأصبح كلّ من ظنَّ في نفسه خيراً، وكلّ من أراد بهذه الأمّة شراً يزعم أنّه خاتم الأولياء، وأنّه يأخذ علومه عن الله من غير واسطة، وهذا ضلال كبير، فليس لأحد من هذه الأمة أن يزعم أنه أفضل من أحد من الأنبياء، وليس لأحد يزعم الصلاح أن يتعبد الله بطريقة تخالف طريقة الرسول ﷺ .
стр. 185
تفاضُل الأنبياء والرّسُل
أخبرنا الحقُّ ﵎ أنّه فضّل بعض النبيين على بعض، كما قال جلّ وعلا: (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) [الإسراء: ٥٥] .
وقد أجمعت الأمّة على أنّ الرسل أفضل من الأنبياء، والرسل بعد ذلك متفاضلون فيما بينهم كما قال تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) [البقرة: ٢٥٣] .
المطلب الأول
أولو العزم من الرسل أفضل الرسل
وأفضل الرسل والأنبياء خمسة: محمد ﷺ ، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وهؤلاء هم أولو العزم من الرسل، (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) [الأحقاف: ٣٥] ، وقد ذكرهم الله في كتابه في أكثر من موضع، (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) [الشورى: ١٣] .
وفي قوله: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) [الأحزاب: ٧] .
стр. 186
بم يتفاضلون الأنبياء والرسل؟ (١) :
الذي يتأمل في الآيتين اللتين أخبرتا بتفاضل الأنبياء والرسل يجد أن الله فضّل مَن فضّل منهم بإعطائه خيراً لم يعطه غيره، أو برفع درجته فوق درجة غيره، أو باجتهاده في عبادة الله والدعوة إليه، وقيامه بالأمر الذي وكل إليه.
فداود ﵇ فضله الله بإعطائه الزبور، (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) [الإسراء: ٥٥] ، وأعطى الله موسى التوراة (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [البقرة: ٥٣] والكتاب هو التوراة (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ) [المائدة: ٤٤] وأعطى عيسى الإنجيل (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ) [المائدة: ٤٦] .
وقد اختص الله آدم بأنّه " أبو البشر، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا له ".
وفضل نوحاً بأنّه " أوّل الرسل إلى أهل الأرض، وسمّاه الله عبداً شكوراً ".
وفضل إبراهيم باتخاذه خليلاً (وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) [النساء: ١٢٥] وجعله للناس إماماً (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) [البقرة: ١٢٤] .
وفضل الله موسى برسالاته وبكلامه، (إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي
стр. 187
وَبِكَلاَمِي) [الأعراف: ١٤٤] واصطنعه لنفسه (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) [طه: ٤١] .
وفضل عيسى بأنّه رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكان يكلّم الناس في المهد (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ) [النساء: ١٧١] .
ويتفاضل الأنبياء من جهة أخرى، فالنبي قد يكون نبياً لا غير، وقد يكون نبياً ملكاً، وقد يكون عبداً رسولاً، " فالنبي الذي كُذِّب، ولم يتبع، ولم يطع، هذا نبيٌّ، وليس بملك، أمّا الذي صدق، واتبع، وأطيع، فإن كان لا يأمر إلاّ بما أمره الله به فهو عبد نبي ليس بملك، وإن كان يأمر بما يريده مباحاً له فهو نبي ملك، كما قال الله لسليمان: (هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [ص: ٣٩] .
فالنبي الملك هنا قسيم العبد الرسول، كما قيل للنبي ﷺ : " اختر إمّا عبداً رسولاً، وإمّا نبياً ملكاً " (١) وحال العبد الرسول أكمل من حال النبي الملك، كما هو حال نبينا محمد ﷺ ، فإنّه كان عبداً رسولاً، مؤيداً مطاعاً متبوعاً، وبذلك يكون له مثل أجر من اتبعه، وينتفع به الخلق، ويرحموا به، ويرحم بهم، ولم يختر أن يكون ملكاً، لئلا ينقص، لما في ذلك من الاستمتاع بالرياسة والمال، عن نصيبه في الآخرة.
فالعبد الرسول أفضل عند الله من النبي الملك، ولهذا كان أمر نوح وإبراهيم، وموسى، وعيسى ابن مريم أفضل عند الله من داود وسليمان ويوسف " (٢) .
стр. 188
المطلب الثاني
فضل الرسول الخاتم محمد ﷺ
عندما يبعث الله الأولين والآخرين في يوم الدين يكون رسولنا المصطفى صلوات الله وسلامه عليه سيّد ولد آدم، بيد لواء الحمد، والأنبياء والمرسلون في ذلك اليوم تحت لوائه، فعن أُبيٍّ قال: قال رسول الله ﷺ : " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبيٍ يومئذٍ آدم فمن سواه إلاّ تحت لوائي، وأنا أوّل من تنشق عنه الأرض ولا فخر " رواه الترمذي (١) ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة بلفظ: " أنا سيد ولد آدم، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع وأول مشفع " (٢) .
وعندما يشتدُّ الكرب بالناس في ذلك اليوم يستشفع الناس بالرسل العظام ليشفعوا إلى الله ليقضي بين عباده فيتدافعها الرسل، كلُّ واحد يقول: اذهبوا إلى غيري، حتى إذا أتوا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام قال: " اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر ".
هذا فضله في ذلك اليوم العظيم، وما ذلك إلاّ لما حباه الله من عظيم الصفات، وكريم الأخلاق، والمجاهدة في الله، والقيام بأمره، وقد فضله الله في نفسه ودعوته وأمته بفضائل، فمن ذلك أنّه اتخذه خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ففي الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه وأبو عوانة " إنّ الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً " (٣) ، وآتاه القرآن العظيم الذي لم يُعط أحدٌ
стр. 189
من الأنبياء والرسل مثلَه: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) [الحجر: ٨٧] .
وخصّه الله دون غيره بستٍّ لم يعطها أحد من الأنبياء قبله، ففي الحديث: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأرسلت إلى الخلق كافّة، وختم بي النبيون " رواه مسلم والترمذي (١) .
يخبر الرسول ﷺ بأنّ الله فضله على غيره بست، أوتي جوامع الكلم، وذلك بأن يجمع في القول الوجيز المعاني الكثيرة.
ونصر بالرعب، وذلك بما يلقيه الله في قلوب أعدائه من الخوف من رسوله وأتباع رسوله ﷺ .
وأحلّت له الغنائم، وكانت غنائم من قبلنا من الرسل وأتباعهم تجمع ثمّ تنزل نار من السماء تحرقها.
وجعلت له ولأمته الأرض مسجداً وطهوراً، فحيثما أدركت رجلاً من هذه الأمة الصلاة فبإمكانه أن يتوضأ فإن لم يجد يتيمم، ثمّ يصلي في مسجد مقام، أو في منزل أو في الصحراء.
وأرسل إلى النّاس كافة عربهم وعجمهم أبيضهم وأصفرهم وأحمرهم (٢) ، من كان في وقت بعثته ومن يأتي من بعده حتى تقوم الساعة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) [الأعراف: ١٥٨] .
стр. 190
وأرسله إلى الجنّ كما أرسله إلى الإنس، وقد رجع وفد الجنّ بعد استماع القرآن، والإيمان بما نزل من الحق. داعين قومهم إلى الإيمان: (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ - وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [الأحقاف: ٣١-٣٢] .
والفضيلة السادسة أنّه خاتم الأنبياء فلا نبيّ بعده (وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) [الأحزاب: ٤٠] . وإذا كان رسولنا خاتم الأنبياء فهو خاتم المرسلين من باب أولى، ذلك أنّ كل رسولنا خاتم الأنبياء فهو خاتم المرسلين من باب أولى، ذلك أنّ كل رسول فهو نبي لا شك في ذلك، فإذا كانت النبوة بعد نبينا ممنوعة مقطوعة، فالرسالة ممنوعة أيضاً، لأن الرسول لا بدَّ أن يكون نبيّاً.
ومعنى كونه خاتم الأنبياء والمرسلين أنّه لا يبعث رسول من بعده يغير شرعه (١) ويبطل شيئاً من دينه، أمّا نزول عيسى آخر الزمان فهو حقٌّ وصدق - كما أخبر المصطفى ﷺ ولكنه لا ينزل ليحكم بشريعة التوراة والإنجيل، بل يحكم بالقرآن، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويؤذن بالصلاة.
стр. 191
المطلب الثالث
النصوص التي تنهى عن التفضيل بين الأنبياء
وردت أحاديث تنهى المسلمين عن تفضيل بعض النبيين على بعض، فمن ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ ، قال: " لا تخيروا بين الأنبياء " (١) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تفضلوا بين أنبياء الله " (٢) . أي: لا تقولوا: فلان خير من فلان، ولا فلان أفضل من فلان، يقال: خيَّر فلان بين فلان وفلان، وفضل بينهما، إذا قال ذلك.
فهذه الأحاديث لا تعارض النصوص القرآنية التي تدلُّ على أنّ الله فضّل بعض الأنبياء على بعض، وبعض المرسلين على بعض، وينبغي أن يحمل النهي الذي ورد في الأحاديث على النهي عن التفضيل إذا كان على وجه الحميّة والعصبية والانتقاص، أو كان هذا التفضيل يؤدي إلى خصومة أو فتنة (٣) ، يدلنا على هذا سبب الحديث، ففي صحيح البخاري وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: " استبَّ رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال المسلم: والذي اصطفى محمداً ﷺ على العالمين، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم عند ذلك يده، فلطم وجه اليهودي، فذهب اليهودي عن ذلك إلى النبي ﷺ ، فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم، فدعا النبي ﷺ فسأله عن ذلك فأخبره، فقال النبي ﷺ : لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون، يوم القيامة، فأصعق معهم، فأكون
стр. 192
أوَّل من يفيق، فإذا بموسى باطش جانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صَعِقَ فأفاق قبلي، أو كان مِمَّن استثنى الله " (١) .
وفي رواية عند البخاري: " لا تخيروا بين الأنبياء " (٢) .
قال ابن حجر في هذه المسألة: " قال العلماء في نهيه عن التفضيل بين الأنبياء: إنَّما نهى عن ذلك من يقول برأيه، لا من يقوله بدليل، أو من يقوله بحيث يؤدي إلى تنقيص المفضول، أو يؤدي إلى الخصومة والتنازع، أو المراد لا تفضلوا بجميع أنواع الفضائل بحيث لا يترك للمفضول فضيلة " (٣) .
ونقل عن بعض أهل العلم أنه قال: " الأخبار الواردة في النهي عن التخيير إنّما هي في مجادلة أهل الكتاب وتفضيل بعض الأنبياء على بعض بالمخايرة، لأنّ المخايرة إذا وقعت بين أهل دينين لا يؤمن أن يخرج أحدهما إلى الازدراء بالآخر فيفضي إلى الكفر، فأمّا إذا كان التخيير مستنداً إلى مقابلة الفضائل لتحصيل الرجحان فلا يدخل في النهي " (٤) .
стр. 193
الباب الثاني الرسالات السماوية
الإيمان بالرسالات:
الإيمان بالرّسالات
وجوب الإيمان بالرّسالات كلهَا
من أصول الإيمان التصديق الجازم بالرسالات التي أنزلها الله إلى عباده بواسطة رسله وأنبيائه، والتصديق بأنهم بلَّغوها للناس، قال تعالى لموسى ﵇: (يا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي) [الأعراف: ١٤٤] .
وقد أثنى الله على رسله الذين يبلغون رسالاته ولا تأخذهم في الله لومة لائم (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ) [الأحزاب: ٣٩] .
وقد كان هلاك الأمم بسبب التكذيب برسالات الله، انظر إلى موقف صالح بعد حلّ الهلاك بقومه: (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) [الأعراف: ٧٩] وموقف شعيب بعد هلاك قومه (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ) [الأعراف: ٩٣] .
والذي أوحاه الله لرسله قد يكون نزل من السماء مكتوباً كالتوراة التي أنزلت على موسى، قال تعالى: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا) [الأعراف: ١٤٥] .
стр. 194
وقد يكون كتاباً ولكنه أنزل إلى الرسول بالتلاوة والمشافهة كالقرآن (وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً) [الإسراء: ١٠٦] .
والمنزل من السماء قد يجمعه كتاب كصحف إبراهيم والكتب المنزلة على موسى وداود وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم، وقد يكون وحياً يلقى إلى الرسول أو النبي، وليس بكتاب، وذلك كالوحي المنزل إلى إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط والموحى به إلى نبينا من غير القرآن.
ويجب الإيمان بالوحي المنزل كله (قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة: ١٣٦] .
وقال الله لرسوله: (وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) [الشورى: ١٥] وقال للمؤمنين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ) [النساء: ١٣٦] . فما أعلمنا الله به تفصيلاً كالكتب التي ذكرها، وهي صحف إبراهيم وتوراة موسى وزبور داود وإنجيل عيسى والقرآن المنزل على محمد ﷺ ، وكتكليم الله لموسى، وإيحاء الله إلى صالح وهود وشعيب، ووحي الله إلى رسوله محمد ﷺ من غير القرآن، وقد تضمنته كتب السنة - نؤمن به تفصيلاً كما أخبر الله تعالى، ونؤمن بأن هناك كتباً ووحياً غير ذلك لم يعلمنا الله سبحانه بها.
كيف يكون الإيمان بالرّسالات
المطلب الأول
كيف يكون الإيمان بالرسالات السابقة
ونحن نؤمن بما جاء في الكتب السماوية السابقة، وأن الانقياد لها، والحكم بها كان واجباً على الأمم التي نزلت إليها الكتب، ونؤمن بأن الكتب السماوية يصدق بعضها بعضاً، ولا يكذّب بعضها بعضاً، فالإنجيل مصدق للتوراة، قال الله في الإنجيل: (مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ) [المائدة: ٤٦] .
ومن أنكر شيئاً مما أنزله الله فهو كافر (وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ
стр. 195
وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا) [النساء: ١٣٦] وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) [الأعراف: ٤٠] .
ونصدق بنسخ الشريعة اللاحقة للشريعة السابقة كلياً أو جزئياً، فقد أحل الله لآدم تزويج بناته من بنيه ثم نسخ هذا، ومما كان مباحاً ليعقوب أن يجمع الرجل بين أختين في الزواج وفعله يعقوب، ثمَّ نسخ، والإنجيل أحلّ بعض ما حرّم في التوراة (وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) [آل عمران: ٥٠] .
والقرآن نسخ الكثير مما في التوراة والإنجيل (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) [الأعراف: ١٥٧] .
المطلب الثاني
كيف يكون الإيمان بالرسالة الخاتمة
الإيمان بالكتب السماوية السابقة تصديق جازم بها، ومجرد التصديق لا يكفي في القرآن، فلا بدّ مع التصديق من الأخذ به والعمل بما أمر به وترك ما نهى عنه (المص - كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ - اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ) [الأعراف: ١-٣] .
فالقرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي يصلنا بالله بعد بعثة الرسول ﷺ ، يقول الرسول ﷺ مخاطباً أصحابه: " أبشروا، فإنّ هذا القرآن بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به، فإنّكم لن تهلكوا، ولن تضلّوا بعده أبداً" رواه الطبراني في الكبير (١) .
стр. 196
فالقرآن هو العصمة من الضلال والهلاك لمن تمسك به، وقد أكثر الرسول ﷺ من حثّ الأمّة على التمسك بهذا الكتاب، ففي إحدى خطبه قال: " أما بعد، ألا أيها الناس! فإنما أنا بشر، يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، من استمسك به وأخذ به كان على الهدى، ومن أخطأه ظلّ، فخذوا بكتاب الله تعالى، واستمسكوا به، وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي " (١) .
والفتن التي تمرُّ بالمسلم وتعصف بالأمة لا سبيل للخلاص منها إلا بالأخذ بهذا الكتاب، وما أجمل هذا الوصف لكتاب الله! " كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل، ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا تنقضي عجائبه، ولا تشبع منه العلماء، من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم " (٢) .
стр. 197
مقارنة بين الرّسَالات
ستكون المقارنة بين الرسالات السماوية من جوانب عدة، وهذا المبحث مبحث طويل يصلح أن يكون رسالة علمية، وسنأتي فيه على جملة تجمع أطرافه بحول الله، ولكنها لا تستقصى كل جوانبه.
المبحث الأول
مَصدرهَا والغَاية مِنها
الكتب السماوية مصدرها واحد (الم - اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ - نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ - مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ) [آل عمران: ١-٤] والكتب السماوية كلها أنزلت لغاية واحدة وهدف واحد، أنزلت لتكون منهج حياة للبشر الذين يعيشون في هذه الأرض. تقودهم بما فيها من تعاليم وتوجيهات وهداية، أنزلت لتكون روحاً ونوراً تحيي نفوسهم وتنيرها، وتكشف ظلماتها وظلمات الحياة.
وقد بيّن القرآن الكريم في موضع واحد الهدف الذي أنزل الله من أجله التوراة والإنجيل والقرآن، وهي أعظم الكتب المنزلة من عند الله، قال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ - وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ - وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ - وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ - وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا
стр. 198
عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا
فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ - وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ - أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة: ٤٤-٥٠] .
يقول سيد قطب رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآيات الكريمة (١) : " لقد جاء كلّ دين من عند الله ليكون منهج حياة، منهج حياة واقعية، جاء الدين ليتولى قيادة الحياة البشرية، وتنظيمها، وتوجيهها، وصيانتها، ولم يجئ دين من عند الله ليكون مجرد عقيدة في الضمير، ولا ليكون مجرد شعائر تعبدية تؤدى في الهيكل والمحراب. فهذه وتلك - على ضرورتهما للحياة البشرية وأهميتها في تربية الضمير البشري - لا يكفيان وحدهما لقيادة الحياة وتنظيمها وتوجيهها وصيانتها، ما لم يقم على أساسها منهج ونظام وشريعة تطبق عملياً في حياة الناس، ويؤخذ بها بحكم القانون والسلطان، ويؤاخذ الناس على مخالفتها، ويؤخذون بالعقوبات.
والحياة البشرية لا تستقيم إلا إذا تلقت العقيدة والشعائر والشرائع من مصدر واحد يملك السلطان على الضمائر والسرائر، كما يملك السلطان على الحركة والسلوك، ويجزي الناس وفق شرائعه في الحياة الدنيا، كما يجزيهم وفق حسابه في الحياة الآخرة.
فأما حين تتوزع السلطة، وتتعدد مصادر التلقي.. حين تكون السلطة لله في الضمائر والشعائر بينما السلطات لغيره في الأنظمة والشرائع..، وحين تكون السلطة لله في جزاء الآخرة بينما السلطة لغيره في عقوبات الدنيا..، حينئذ تتمزق النفس البشرية بين سلطتين مختلفتين، وبين اتجاهين مختلفين، وبين منهجين
стр. 199
مختلفين..، وحينئذ تفسد الحياة البشرية ذلك الفساد الذي تشير إليه آيات القرآن في مناسبات شتى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) [الأنبياء: ٢٢] (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ) [المؤمنون: ٧١] . (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [الجاثية: ١٨] .
من أجل هذا جاء كل دين من عند الله ليكون منهج حياة، وسواء جاء هذا الدين لقرية من القرى، أو لأمة من الأمم، أو للبشرية كافة في جميع أجيالها، فقد جاء ومعه شريعة معينة لحكم واقع الحياة، إلى جانب العقيدة التي تنشئ التصور الصحيح للحياة، إلى جانب الشعائر التعبدية التي تربط القلوب بالله..، وكانت هذه الجوانب الثلاثة هي قوام دين الله، حيثما جاء دين من عند الله، لأنّ الحياة البشرية لا تصلح ولا تستقيم إلا حين يكون دين الله هو منهج الحياة.
وفي القرآن الكريم شواهد شتى على احتواء الديانات الأولى، التي ربما جاءت لقرية من القرى، أو لقبيلة من القبائل على هذا التكامل، في الصورة المناسبة للمرحلة التي تمر بها القرية أو القبيلة..، وهنا يعرض هذا التكامل في الديانات الثلاث الكبرى.. اليهودية، والنصرانية، والإسلام..
ويبدأ بالتوراة في هذه الآيات التي نحن بصددها في هذه الفقرة:
(إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى) :
فالتوراة - كما أنزلها الله - كتاب الله الذي جاء لهداية بني إسرائيل، وإنارة طريقهم إلى الله، وطريقهم في الحياة..، وقد جاءت تحمل عقيدة التوحيد. وتحمل شعائر تعبدية شتى، وتحمل كذلك شريعة:
(يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء) .
أنزل الله التوراة لا لتكون هدى ونوراً للضمائر والقلوب بما فيها من عقيدة وعبادات فحسب، ولكن كذلك لتكون هدى ونوراً بما فيها من شريعة تحكم
стр. 200
الحياة الواقعية وفق منهج الله، وتحفظ هذه الحياة في إطار هذا المنهج. ويحكم بها النبيون الذين أسلموا أنفسهم لله فليس لهم في أنفسهم شيء إنما هي كلها لله، وليست لهم مشيئة ولا سلطة ولا دعوى في خصيصة من خصائص الألوهية - وهذا هو الإسلام في معناه الأصيل - يحكمون بها للذين هادوا - فهي شريعتهم الخاصة نزلت لهم في حدودهم هذه وبصفتهم هذه - كما يحكم بها لهم الربانيون والأحبار، وهم قضاتهم وعلماؤهم، وذلك بما أنهم قد كلفوا المحافظة على كتاب الله، وكلفوا أن يكونوا عليه شهداء، فيؤدوا له الشهادة في أنفسهم، بصياغة حياتهم الخاصة وفق توجيهاته، كما يؤدوا له الشهادة في قومهم بإقامة شريعته بينهم.. ".
وبدون الرسالة السماوية سيبقى البشر مختلفون تائهون لا يتفقون على سبيل، (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ) [البقرة: ٢١٣] .
стр. 201
الرّسَالة العَامّة والرّسَالة الخاصّة
الرسالات السماوية السابقة أنزلت لأقوام بأعيانهم، والرسالة الخاتمة التي أنزلت على خاتم الأنبياء والرسل رسالة عامة للبشرية كلها بل عامة للإنس والجن، وهذا يقتضي أن تمتاز هذه الرسالة عن غيرها من الرسالات بما يجعلها صالحة لكل زمان ومكان، وقد جعلها الله كذلك، وأنزل على رسوله ﷺ قبل وفاته (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) [المائدة: ٣] .
وقد بيّن سيد قطب ﵀ هذا المعنى وجلاه في تفسيره لهذه الآية، قال: " إن المؤمن يقف أمام إكمال هذا الدين، يستعرض موكب الإيمان، وموكب الرسالات، وموكب الرسل، منذ فجر البشرية، ومنذ أوّل رسول - آدم ﵇ إلى هذه الرسالة الأخيرة، رسالة النبي الأمّي إلى البشر أجمعين.
فماذا يرى؟ يرى هذا الموكب المتطاول المتواصل موكب الهدى والنور، ويرى معالم الطريق على طول الطريق، ولكنه يجد كل رسول - قبل خاتم النبيين - إنما أرسل إلى قومه، ويرى كلّ رسالة، قبل الرسالة الأخيرة - إنما جاءَت لمرحلة من الزمان..، رسالة خاصة، لمجموعة خاصة، في بيئة خاصة..، ومن ثمّ كانت تلك الرسالات محكومة بظروفها هذه، متكيفة بهذه الظروف، كلّها تدعو إلى إله واحد - فهذا هو التوحيد - وكلها تدعو إلى عبودية واحدة لهذا الإله الواحد - فهذا هو الإسلام - ولكن لكلٍّ منها شريعة للحياة الواقعية تناسب حالة الجماعة وحالة البيئة وحالة الزمان والظروف.
حتى إذا أراد الله أن يختم رسالته إلى البشر أرسل إلى الناس كافة رسولاً خاتم
стр. 202
النبيين برسالة ((للإنسان)) لا لمجموعة من الأناس في بيئة خاصة، في زمان خاص، في ظروف خاصة..، رسالة تخاطب ((الإنسان)) من وراء الظروف والبيئات والأزمنة، لأنها تخاطب فطرة الإنسان التي لا تتبدل، ولا تتحور، ولا ينالها التغيير (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) [الروم: ٣٠] ، وفصّل في هذه الرسالة شريعة تتناول حياة ((الإنسان)) من جميع أطرافها، وفي كل جوانب نشاطها، وتضع لها المبادئ الكلية والقواعد الأساسية فيما يتطور فيها ويتحور بتغير الزمان والمكان، وتضع لها الأحكام التفصيلية والقوانين الجزئية فيما لا يتطور ولا يتحور بتغير الزمان والمكان..، وكذلك كانت الشريعة بمبادئها الكلية، وبأحكامها التفصيلية، محتوية كل ما تحتاج إليه حياة ((الإنسان)) منذ تلك الرسالة إلى آخر الزمان، من ضوابط وتوجيهات وتشريعات وتنظيمات، لكي تستمر، وتنمو، وتتطور، وتتجدد، حول هذا المحور وداخل هذا الإطار " (١) .
وهذا المعنى - وهو كمال الرسالة وشمولها - أشار إليه القرآن في غير موضع كقوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ) [النحل: ٨٩] وقال جلّ وعلا: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ) [الأنعام: ٣٨] .
لقد جمعت الشريعة الخاتمة محاسن الرسالات السابقة، وفاقتها كمالاً وجلالاً، يقول الحسن البصري ﵁: " أنزل الله مائة وأربعة كتب، أودع علومها أربعة: التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان (القرآن) ثمّ أودع علوم الثلاثة الفرقان " (٢) .
стр. 203
حِفظ الرّسَالات
لما كانت الرسالات السابقة مرهونة بوقت وزمان فإنها لا تخلد ولا تبقى، ولم يتكفل الله بحفظها، وقد وكل حفظها إلى علماء تلك الأمة التي أنزلت عليها، فالتوراة وكل حفظها إلى الربانيين والأحبار، (وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء) [المائدة: ٤٤] .
ولم يطق الربانيون والأحبار حفظ كتابهم، وخان بعضهم الأمانة فغيروا وبدلوا وحرفوا، وحسبك أن تطالع التوراة لترى ما حلّ فيها من تغيير وتبديل، لا في الفروع، بل في الأصول، فقد نسبوا إلى الله ما يقشعر الجلد لسماعه، ونسبوا إلى الرسل ما يترفع الرعاع عن نسبته إليهم (١) .
أمّا هذه الرسالة الخاتمة فقد تكفل هو بحفظها، ولم يكل حفظها إلى البشر،
стр. 204
قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: ٩] .
وانظر اليوم في هذا العالم شرقه وغربه لترى العدد الهائل الذي يحفظ القرآن عن ظهر قلب (١) ، بحيث لو شاء ملحد أو يهودي أو صليبي تغيير حرف منه فإنّ صبياً صغيراً، أو ربة بيت، أو عجوزاً لا يبصر طريقه - يستطيعون الردّ عليه وبيان خطئه، وافترائه، ناهيك عن العلماء الذين حفظه وفقهوا معانيه، وتشبعوا بعلومه..
وانظر إلى تاريخ هذا الكتاب وكم نال من عناية ورعاية في تدوينه وتفسيره وإعرابه وقصصه وأخباره وأحكامه.
ما كان ذلك ليكون لولا ذلك الحفظ الإلهي الرباني، وسيبقى هذا الكتاب إلى أن يأذن الله بزوال هذا الكون ودماره.
стр. 205
مَواضِع الاتفاق والاختلاف في الرّسَالات السّماويّة
المطلب الأول
مواضع الاتفاق
١- الدين الواحد:
الرسالات التي جاء بها الأنبياء جميعاً منزلة من عند الله العليم الحكيم الخبير، ولذلك فإنها تمثل صراطاً واحداً يسلكه السابق واللاحق، ومن خلال استعراضنا لدعوة الرسل التي أشار إليها القرآن نجد أنّ الدِّين الذي دعت إليه الرسل جميعاً واحد هو الإسلام، (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ) [آل عمران: ١٩] ، والإسلام في لغة القرآن ليس اسماً لدين خاص، وإنما هو اسم للدّين المشترك الذي هتف به كل الأنبياء، فنوح يقول لقومه: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [يونس: ٧٢] ، والإسلام هو الدين الذي أمر الله به أبا الأنبياء إبراهيم (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [البقرة: ١٣١] ويوصي كل من إبراهيم ويعقوب أبناءه قائلاً: (فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [البقرة: ١٣٢] وأبناء يعقوب يجيبون أباهم: (نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة: ١٣٣] وموسى يقول لقومه: (يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ) [يونس: ٨٤] والحواريون يقولون لعيسى: (آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران: ٥٢] وحين سمع فريق من أهل الكتاب القرآن (قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ) [القصص: ٥٣] .
فالإسلام شعار عام كان يدور على ألسنة الأنبياء وأتباعهم منذ أقدم العصور التاريخية إلى عصر النبوة المحمدية.
стр. 206
كيف يتحقق الإسلام:
الإسلام هو الطاعة والانقياد والاستسلام لله تعالى، بفعل ما يأمر به، وترك ما ينهى عنه، ولذلك فإنّ الإسلام في عهد نوح يكون باتباع ما جاء به نوح، والإسلام في عهد موسى يكون باتباع شريعة موسى، والإسلام في عهد عيسى يكون باتباع الإنجيل، والإسلام في عهد محمد ﷺ يكون بالتزام ما جاء به الرسول الكريم ﷺ .
لبُّ دعوات الرسل:
ولبُّ دعوات الرسل وجوهر الرسالات السماوية هو الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونبذ ما يُعبد من دونه، وقد عرض القرآن هذه القضية وأكدها في مواضع متعددة، مرة يذكر دعوة الرسل فنوح يقول لقومه: (يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [الأعراف: ٥٩] ، وإبراهيم قال لقومه: (وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) [العنكبوت: ١٦] وهود قال لقومه: (اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [الأعراف: ٦٥] وصالح قال لقومه: (اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [الأعراف: ٧٣] .
ومرة ينص على أنّه أرسل الرسل جميعاً بهذه المهمة الواحدة: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: ٢٥] . ومرة يسرد سيرة الأنبياء وأتباعهم ينظمهم في سلك واحد، ويجعل منهم أمة واحدة لها إله واحد (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: ٩٢] ، ومرة يجعل الاستجابة لله وتحقيق العبودية له هي الدين والملة، ويجعل مَن رفضَها يحكم على نفسه بالسفه والضلال، (وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ) [البقرة: ١٣٠] ، وملة إبراهيم ﵇ حددها بقوله: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [الأنعام: ٧٩] .
ومرة يبين أنها وصية الرسل والأنبياء لمن بعدهم (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ
стр. 207
يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا..) [البقرة: ١٣٣] (١) .
ومرة ينص على وحدة الدين الذي شرعه للرسل العظام: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) [الشورى: ١٣] .
الرسالات السابقة تبين الأسباب الموجبة لعبادة الله:
ولم تكتف الرسالات السابقة بالدعوة إلى عبادة الله وحده، بل بينت الأسباب التي تجعل هذه الدعوى هي الحق الذي لا محيص عنه، وذلك بذكر خصائص الألوهية، وبالحديث عن نعم الله تعالى التي أنعم بها على عباده، وبتوجيه الأنظار والعقول للنظر في ملكوت السماوات والأرض، فنوح يقول لقومه: (مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا - وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا - أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا - وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا - وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا - ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا - وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا- لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا) [نوح: ١٣-٢٠]
وهذا المعنى يتردد في صحف إبراهيم وموسى، وقد ورد فيهما كما أخبرنا القرآن (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى - وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى - وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا - وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى - مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى - وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى - وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى - وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى - وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى - وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى - وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى) [النجم: ٤٢-٥٢] .
стр. 208
٢- المبادئ الخالدة: مسائل العقيدة:
وليست الدعوة إلى عبادة الله وحده هي القضية الوحيدة التي اتفقت فيها الرسالات، فأماكن الاتفاق كثيرة، فمن ذلك أمور الاعتقاد التي تشكل تصوراً واحداً وأساساً واحداً لدى جميع الرسل وأتباعهم، فأول الرسل نوح ذكَّر قومه بالبعث والنشور فمما قاله لقومه: (وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا - ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا) [نوح: ١٧-١٨] .
وأعلمهم بالملائكة والجنّ، ولذلك قال الكفار من قومه: (مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ - إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) [المؤمنون: ٢٤-٢٥] .
والإيمان باليوم الآخر واضح في دعوة إبراهيم (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [البقرة: ١٢٦] ، وفي دعوة موسى أشدُّ وضوحاً، ولذلك نرى السحرة عندما يخرون سجدّاً يقولون لفرعون: (إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى - إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى - وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى - جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى) [طه: ٧٣-٧٦] .
وجاء في صحف إبراهيم وموسى: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا - وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) [الأعلى: ١٦-١٧] وكل الرسل والأنبياء أنذروا أممهم
стр. 209
المسيح الدجال، ففي الحديث الصحيح عن ابن عمر أن النبي ﷺ ذكر الدجال، فقال: " إني أنذركموه، وما من نبي إلا قد أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه، ولكن سأقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه، تعلمون أنه أعور، وأن الله ليس بأعور " (١) .
٣- القواعد العامة:
والكتب السماوية تقرر القواعد العامة التي لا بدّ أن تعيها البشرية في مختلف العصور كقاعدة الثواب والعقاب، وهي أنّ الإنسان يحاسب بعمله، فيعاقب بذنوبه وأوزاره، ولا يؤاخذ بجريرة غيره، ويثاب بسعيه، وليس له سعى غيره (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى - وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى - أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى - وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى - وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى - ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى) [النجم: ٣٦-٤١] .
ومن ذلك أن الفلاح الحقيقي يتحقق بتزكية النفس بمنهج الله والعبودية له، وإيثار الآجل على العاجل: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى - وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى - بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا - وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى - إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى - صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) [الأعلى: ١٤-١٩] .
ومن ذلك أنّ الذي يستحق وراثة الأرض هم الصالحون (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) [الأنبياء: ١٠٥] .
وقد سأل أبو ذر ﵁ الرسول ﷺ عن محتويات صحف إبراهيم وصحف موسى ففي الحديث الذي يرويه ابن حبان والحاكم عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله ما كانت صحف إبراهيم؟
قال: كانت أمثالاً كلّها: أيها المسلط (أي: الحاكم النافذ السلطان) المبتلى (المختبر) المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض،
стр. 210
ولكني بعثتك لتردّ عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها وإن كانت من كافر.
وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن يكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر فيها في صنع الله ، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب.
وعلى العاقل ألا يكون ظاعناً (مرتحلاً) إلا لثلاث: تزود لمعاد، أو لمعاش، أو لذة في غير محرم.
وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه، مقبلاً على شانه، حافظاً للسانه، ومن حسب كلامه من عمله، قل كلامه إلاّ فيما يعنيه.
قلت: يا رسول الله: فما كانت صحف موسى؟
قال: كانت عبراً (عظات) كلّها:
عجبت لمن أيقن بالموت ثمّ هو يفرح، عجبت لمن أيقن بالنار، ثمّ هو يضحك، عجبت لمن أيقن بالقدر، ثمّ هو ينصب، عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها، ثمّ اطمأن إليها، عجبت لمن أيقن بالحساب غداً ثم لا يعمل ".
والقرآن يخبرنا أنّ الرسل جميعاً حملوا ميزان العدل والقسط (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطٌِ) [الحديد: ٢٥] وأنهم أمروا بأن يكسبوا رزقهم بالحلال (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا) [المؤمنون: ٥١] وكثير من العبادات التي نقوم بها كانت معروفة عند الرسل السابقين وأتباعهم (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ) [الأنبياء: ٧٣] . وإسماعيل ﵇ (وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ..) [مريم: ٥٥] وقال الله لموسى ﵇: (فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) [طه: ١٤] ، وقال عيسى: (وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا) [مريم: ٣١] . والصوم مفروض على من قبلنا كما هو مفروض علينا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: ١٨٣] .
والحج فرضه إبراهيم ﵇، فقد أمره الله بعد بناء الكعبة فنادى
стр. 211
بالحج، (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا ... ) [الحج: ٢٩] (١) ، وقد كان لكل أمة مناسكها وعبادتها (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَام) [الحج: ٣] (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ) [الحج: ٦٧] .
ومما اتفقت فيه الرسالات أنها بينت المنكر والباطل ودعت إلى محاربته وإزالته، سواءً أكان عبادة أوثان، أو استعلاء في الأرض، أو انحرافاً عن الفطرة كفعل قوم لوط، أو عدواناً على البشر وأحوالهم بقطع الطريق والتطفيف بالميزان.
стр. 212
المطلب الثاني
اختلاف الشرائع
إذا كان الدين الذي جاءت به الرسل واحداً وهو الإسلام فإن شرائع الأنبياء مختلفة، فشريعة عيسى تخالف شريعة موسى في بعض الأمور، وشريعة محمد ﷺ تخالف شريعة موسى وعيسى في أمور، قال تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) [المائدة: ٤٨] والشرعة هي الشريعة وهي السنة، والمنهاج: الطريق والسبيل.
وليس معنى ذلك أن الشرائع تختلف اختلافاً كلياً، فالناظر في الشرائع يجد أنها متفقة في المسائل الأساسية، وقد سبق ذكر النصوص التي تتحدث عن تشريع الله للأمم السابقة الصلاة والزكاة والحج، وأخذ الطعام من حلّه وغير ذلك، والاختلاف بينها إنّما يكون في بعض التفاصيل.
فأعداد الصلوات وشروطها وأركانها ومقادير الزكاة ومواضع النسك ونحو ذلك قد تختلف من شريعة إلى شريعة، وقد يحلّ الله أمراً في شريعة لحكمة، ويحرمه في شريعة أخرى لحكمة.
ونضرب لهذا ثلاثة أمثلة:
الأول: الصوم: فقد كان الصائم يفطر بغروب الشمس، ويباح له الطعام والشراب والنكاح إلى طلوع الفجر ما لم ينم، فإن نام قبل الفجر حرم عليه ذلك كله إلى غروب الشمس من اليوم الثاني، فخفَّف الله عن هذه الأمة وأحله من الغروب إلى الفجر سواءً أنام أم لم ينم. قال تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ
стр. 213
أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ..) [البقرة: ١٨٧] .
الثاني: ستر العورة حال الاغتسال لم يكن واجباً عند بني إسرائيل ففي الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ : " كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة، ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده " (١) .
الثالث: " الأمور المحرمة، فمما أحلّه الله لآدم تزويج بناته من بنيه، ثمّ حرّم الله هذا بعد ذلك، وكان التسري على الزوجة مباحاً في شريعة إبراهيم، وقد فعله إبراهيم في هاجر لما تسرى بها على سارة، وقد حرّم الله مثل هذا في التوراة على بني إسرائيل، وكذلك كان الجمع بين الأختين سائغاً، وقد فعله يعقوب ﵇ جمع بين الأختين، ثمّ حرم عليهم في التوراة، وحرّم يعقوب على نفسه لحوم الإبل وألبان الإبل " (٢) .
والسبب في ذلك كما ثبت في الحديث " إن إسرائيل (يعقوب) مرض مرضاً شديداً، وطال سقمه، فنذر لله لئن شفاه الله من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحم الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها " (٣) ، وهذا الذي حرمه إسرائيل حرّمه الله على بني إسرائيل وحُرّم في التوراة (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ) [آل عمران: ٩٣] .
ومما حرّمه الله على اليهود ما قصه علينا في سورة الأنعام (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ) [الأنعام: ١٤٦] .
فقد حرّم الله عليهم كلّ ذي ظفر وهو البهائم والطير ما لم يكن مشقوق
стр. 214
الأصابع كالإبل والنعام والوز والبط، وحرّم عليهم شحوم البقر والغنم إلاّ الشحم الذي على ظهور البقر والغنم، أو ما حملت الحوايا وهو ما تحوَّى في البطن وهي المباعر والمرابض، أو ما اختلط بعظم.
وهذا التحريم لم يكن سببه خبث المحرّم إنما سببه التزام من أبيهم يعقوب في بعض المحرمات، فألزم أبناءه من بعده بمثل ذلك، وبعض المحرمات سببه ظلم بني إسرائيل (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ) [الأنعام: ١٤٦] وقال: (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا) [النساء: ١٦٠] .
ثمّ جاء عيسى فأحلّ لبني إسرائيل بعض ما حرّم عليهم (وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) [آل عمران: ٥٠] ، وجاءت الشريعة الخاتمة لتكون القاعدة إحلال الطيبات وتحريم الخبائث.
الأنبياء إخوة لعلاّت:
وقد ضرب الرسول ﷺ مثلاً لاتفاق الرسل في الدين الواحد واختلافهم في الشرائع، فقال: " الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتّى، ودينهم واحد " (١) .
قال ابن حجر: " الأنبياء أولاد علاّت، وفي رواية عبد الرحمن المذكورة " أي في صحيح البخاري ": " والأنبياء إخوة لعلات " والعلات بفتح المهملة: الضرائر، وأولاد العلات الإخوة من الأب، وأمهاتهم شتى، ومعنى الحديث: أنّ أصل دينهم واحد وهو التوحيد وإن اختلفت فروع الشرائع " (٢) .
стр. 215
الطّول والقصر ووقت النزول
القرآن الكريم أطول الكتب السماوية وأشملها ففي الحديث: " أعطيت مكان التوراة السبع الطوال، وأعطيت مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفضّلت بالمفصّل " رواه الطبراني في الكبير (١) .
والكتب السماوية المعروفة لنا كلّها أنزلت في شهر رمضان، فقد جاء في الحديث: " أنزلت صحف إبراهيم أولّ ليلة من شهر رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين - من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة مضت من رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان " رواه الطبراني (٢) .