الأجير يفنى كل مجد قيدار، وبقية قسى أبطال بني قيدار تقلّ، لأنَّ الربّ إله إسرائيل قد تكلم ".
وهذا النص يتحدث عن معركة بدر، فإنّه بعد سنة كسنة الأجير من الهجرة كانت وقعة بدر، وفنى مجد قيدار، وقيدار من أولاد إسماعيل، وأبناؤه أهل مكة، وقد قلت قسى أبناء قيدار بعد غزوة بدر.
٣- إشارة التوراة إلى معلم من معالم مهاجر الرسول:
وأشارت بعض نصوص التوراة إلى مكان هجرة الرسول ﷺ ، ففي سفر أشعيا الإصحاح (٤٢) فقرة: (١١) " لترفع البريّة ومدنها صوتها، الديار التي سكنها قيدار، لتترنم سكان سالع من رؤوس الجبال ليهتفوا، ليعطوا الربَّ مجداً.. ".
وقيدار أحد أبناء إسماعيل كما جاء في سفر التكوين إصحاح (٢٥) عدد (١٣) .
وسالع جبل سلع في المدينة المنورة.
والترنم والهتاف ذلك الأذان الذي كان ولا يزال يشقُّ أجواز الفضاء كلّ يوم خمس مرات، وذلك التكبير والتحميد في الأعياد وفي أطراف النهار وآناء الليل كانت تهتف به الأفواه الطاهرة من أهل المدينة الطيبة الرابضة بجانب سلع.
٤- إشارة التوراة إلى أمور جرت على يديه ﷺ :
وقد تذكر النصوص انتشار دعوته وبعض ما يكون من الرسول ﷺ ، ففي سفر حبقوق الإصحاح الثالث فقرة: (٣-٦) : " الله جاء من تيمان، والقدوس من جبال فاران، سلاه جلاله غطى السماوات والأرض، امتلأت من تسبيحه، وكان لمعان كالنور، له من يده شعاع، وهناك استنارت قدرته، قدامه ذهب الوبا، وعند رجليه خرجت الحمّى، وقف وقاس الأرض، نظر، فرجفت الأمم، ودكت الجبال الدهرية، وخسفت آكام القدم ".
ففي هذه البشارة إخبار بالنصر العظيم الذي حازه الرسول ﷺ وأتباعه،
стр. 142
وإخبار بانتشار دعوته في شتى بقاع الأرض، وبأن الجبال الدهرية وهي الدول القويّة ذات المجد القديم ستدك، وآكام القدم وهي الدول الأقل ستخسف، وقد تحقق ذلك كله، وأشارت هذه البشارة إلى أمرين يدركهما من كان عليماً بسيرة الرسول ﷺ وأخباره، وهما: لمعان كالنور له من يده، وذهاب الوبا من قدامه، وخروج الحمّى من عند رجليه.
٥- اللمعان والنور الذي شعَّ من يده:
يقول النص: " وكان لمعان كالنور، له من يده، وشعاع، وهناك استنارت قدرته " ثم يقول: " وقف وقاس الأرض نظر، فرجفت الأمم.. " والذي يبدو لي أنَّ هذا النص يتحدث عن حادثة بعينها، وهي ما وقع منه ﷺ في غزوة الخندق، عندما أعجزت صخرة الصحابة أثناء حفر الخندق، فجاء الرسول ﷺ فضربها ضربة عظيمة أسقطت ثلثها، وخرج منها نور فكبر الرسول ﷺ فكبر أصحابه، ثمَّ الثانية فالثالثة، وقد أخبر الرسول ﷺ أنه رأى بالنور الأول قصور الشام، وبالنور الثاني قصور فارس، وبالنور الثالث أبواب صنعاء.
وروى النسائي وأحمد بإسناد حسن من حديث البراء بن عازب قال: لما كان حين أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق، عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول، فاشتكينا ذلك إلى النبي ﷺ ، فجاء فأخذ المعقول فقال: " باسم الله "، فضرب ضربة فكسر ثلثها، وقال: " الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة "، ثمَّ ضرب الثانية فقطع الثالث الآخر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض، ثمَّ ضرب الثالثة، وقال: باسم الله، فقطع بقية الحجر، فقال: " الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة " (١) .
وفي رواية الطبراني: " فضرب الصخرة وبرق منها برقة فكبّر، وكبّر،
стр. 143
المسلمون "، وفيه " إن البرقة الأولى أضاءت لها قصور الشام، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليهم.. " (١) .
تأمل النص الذي أوردناه مرة أخرى " لمعان كالنور له من يده، وشعاع، وهناك استنارت قدرته.. وقف وقاس الأرض نظر.. ".
وتأمل في الأحاديث التي أوردناها أليست هذه الواقعة تأويل لتلك البشارة؟
٦- ذهاب الوبا وخروج الحمى:
تقول هذه البشارة: " قدامه ذهب الوبا، وعند رجليه خرجت الحمّى "، وهذه - والله - بشارة صريحة لا تحتمل تأويلاً، فالمدينة قبل مجيء الرسول ﷺ كانت معروفة بالحمّى، وفي الحديث عن ابن عباس أنَّ الرسول ﷺ وأصحابه عندما قدموا مكة للعمرة - وهي العمرة المعروفة بعمرة القضاء - قال المشركون: " إنّه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمّى يثرب " رواه البخاري (٢) .
وقد أصابت هذه الحمّى صحابة رسول الله ﷺ أول قدومهم المدينة، فدعا رسول الله ﷺ ربَّه كي يذهب الحمّى.
عن عائشة ﵂ قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، وعُك أبو بكر وبلال. قالت: فدخلت عليهما (٣) ، فقلت: يا أبت كيف تَجِدُك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كلُّ امرئ مُصَبَّحٌ في أهله ××× والموتُ أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلع عنه الحمّى يرفع رأسه ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلة ××× بوادٍ وحولي إذخرٌ وجليلُ
وهل أرِدَنْ يوماً مياهَ مَجَنَّةٍ ××× وهل يَبدُوَنْ لي شامةٌ وطفيلُ
стр. 144
قالت عائشة: فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: " اللَّهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشدّ، وصَحِّحْها، وبارك لنا في صاعها ومدِّها، وانقل حمّاها، فاجعلها في الجحفة " رواه البخاري (١) وزاد البخاري في آخر كتاب الحج: " ثم يقول بلال: اللهم العن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا إلى أرض الوباء " (٢) .
إذن كانت يثرب موبُوْءَة بالحمى، لا يكاد يدخلها أحد إلاّ أصابته.
وقد استجاب الله لنبيه ﷺ فنقل عنها الحمى، وصحَّحَها، ومنع عن المدينة الطاعون، ففي الحديث الذي يرويه أحمد في مسنده عن أبي عسيب مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : " أتاني جبريل ﵇ بالحمّى والطاعون، فأمسكت الحمّى بالمدينة، وأرسلت الطاعون إلى الشام " (٣) .
وإمساكه الحمّى بالمدينة لعله في بداية الأمر، ثمَّ أمر بإرسالها إلى الجحفة، أو أن المراد بإمساكها بالمدينة المنطقة التي فيها المدينة، ذلك أن الجحفة تقع قرب المدينة، وعلى كلّ فالبشارة واضحة وقعت كما أخبرت التوراة.
стр. 145
٧- بشارات جامعة:
وفي بعض الأحيان تكون البشارات جامعة تذكر صفات الرسول ﷺ ووحي الله إليه، وأخبار أمته، وما ينزل إليه عليهم من نصره، وإمدادهم بالملائكة، وشيئاً مما يعطيه الله لرسوله كالعروج به إلى السماء ونحو ذلك، فمن ذلك ما ورد في بشائر دانيال.
قال دانيال (١) يهدد اليهود، ويصف لهم أمة محمد ﷺ : " إن الله يظهرهم عليكم، وباعث فيهم نبياً، ومنزل عليهم كتاباً، ومملكهم رقابكم، يقهرونكم ويذلونكم بالحق، ويخرج رجال قيدار في جماعات الشعوب، معهم الملائكة على خيل بيض، فيحيطون بكم، وتكون عاقبتكم النار، نعوذ بالله من النار ".
وأبناء قيدار بن إسماعيل، قد انتشروا في الأرض، واستولوا على الشام والجزيرة ومصر والعراق، وقد تواترت الآثار أن الملائكة كانت تنزل على الخيل البيض كما نزلت يوم بدر والأحزاب، وقال دانيال مصرحاً باسم محمد ﷺ : " ستنزع في قسيّك إغراقاً، وترتوي السهام بأمرك يا محمد ".
وقال دانيال أيضاً: " سألت الله وتضرعت إليه أن يبيّن لي ما يكون من بني إسرائيل، وهل يتوب عليهم، ويردّ إليهم ملكهم، ويبعث فيهم الأنبياء، أو يجعل ذلك في غيرهم؟ فظهر لي الملك في صورة شاب حسن الوجه، فقال:
стр. 146
السلام عليكم يا دانيال، إن الله يقول: إنّ بني إسرائيل أغضبوني وتمردوا علي، وعبدوا من دوني آلهة أخرى، وصاروا من بعد العلم إلى الجهل، ومن بعد الصدق إلى الكذب. فصلَّت عليهم بخت نصّر، فقتل رجالهم، وسبى ذراريهم، وهدم مساجدهم، وحرق كتبهم، وكذلك فعل من بعده بهم، وأنا غير راض عنهم، ولا مقيلهم عثرات، فلا يزالون في سخطي حتى أبعث مسيحي ابن العذراء البتول، وأختم ذلك عليهم باللعن والسخط، فلا يزالون ملعونين، عليهم الذلة والمسكنة، حتى أبعث نبي بني إسماعيل الذي بشرت به هاجر، وأرسلت إليها ملاكي وبشرها، وأوحي إلى ذلك النبي، وأعلمه الأسماء، وأزينه بالتقوى، وأجعل البرَّ شعاره، والتقوى ضميره، والصدق قوله، والوفاء طبيعته، والقصد سيرته، والرشد سنته، أخصه بكتاب مصدق لما بين يديه من الكتب، وناسخ لبعض ما فيها، أسري به إلي، وأرقيه من سماء إلى سماء، حتى يعلو، فأدنيه، وأسلِّم عليه، وأوحي إليه، ثمَّ أردّه إلى عبادي بالسرور والغبطة، حافظاً لما استودع، صادقاً فيما أخبر، يدعو إلى توحيدي باللين من القول والموعظة الحسنة، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق، رؤوف بمن والاه، رحيم بمن عاداه، فيدعو قومه إلى توحيدي وعبادتي، ويخبرهم بما رأى من آياتي، فيكذبونه، ويؤذونه ".
يقول ابن تيمية: " ثمَّ سرد دانيال قصة رسول الله ﷺ بما أملاه عليه الملك حتى وصل آخر أمته بالنفخة، وانقضاء الدنيا ".
ثم قال: " وهذه البشارة الآن عند اليهود والنصارى يقرؤونها، ويقولون: لم يظهر صاحبها بعد ".
стр. 147
المطلب الثالث
بشارات من الإنجيل
وفي إنجيل متى الإصحاح (١١) عدد (١٤) " وإن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي، من له أذنان للسمع فليسمع ".
وقد أخبرنا الرسول ﷺ أنه ليس بينه وبين عيسى نبي، فيكون إيلياء الذي بشر به عيسى هو محمداً ﷺ . وإيليا بحساب الجمل الذي أغرمت به اليهود يساوي محمداً.
وفي إنجيل يوحنا إصحاح (١٤) عدد (١٥) " إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد، وفي اللغات الأجنبية ((فيعطيكم باركليتوس)) ليمكث معكم إلى الأبد " والمعنى الحرفي لكلمة ((باركليتوس)) اليونانية هو أحمد، وهو من أسماء الرسول ﷺ (١) .
وفي إصحاح يوحنا (١٥) عدد (٢٦) " ومتى جاء المعزى الذي أرسله أنا إليكم من الآب روح الحقّ الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي " "ويشهد لي" لأن النبي محمد ﷺ شهد للمسيح بالنبوة والرسالة، وروح الحقّ كناية عن الرسول محمد ﷺ ، والمعاني الواردة في هذه الترجمة الحديث ليست دقيقة، لأن أصلها باليونانية، وهي اللغة التي ترجمت منها هذه الأناجيل - مكتوبة ((بيركليتوس)) وفي التراجم العربية المطبوعة سنة ١٨٢١، سنة ١٨٣١، سنة ١٨٤٤، في لندن تجدها ((فارقليط)) وهي أقرب إلى العبارة اليونانية المشار إليها (٢) ، أمّا ترجمتها
стр. 148
في الطبعات الحديثة إلى المعزى فهو من التحريف الذي ذم الله أهل الكتاب به (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) [النساء: ٤٦] . ويلاحظ أن هناك جملة ساقطة قبل الجملة الواردة في عدد (٢٦) من هذا الإصحاح سقطت من الطبعات الحديثة، لكنها واردة صراحة في الطبعات القديمة للإنجيل، ونص هذه الجملة: " فلو قد جاء المنحمنا الذي يرسله الله إليكم " ومعنى المنحمنا الحرفي باللغة السريانية محمد (١)(٢) .
стр. 149
بشارات أخرى من الإنجيل (١) :
١- من إنجيل (مَتّى) :
جاء في (إنجيل متى) في الإصحاح الحادي والعشرين:
" ٤٢ قال لهم يسوع: أما قرأتم قط في الكتب: الحجر الذي رفضه البناؤون هوذا قد صار رأس الزاوية، من قِبَل الرب كان هذا هو عجيب في أعيننا.
٤٣ لذلك أقول لكم إنَّ ملكوت الله يُنزع منكم، ويعطى لأمة تعمل أثماره.
٤٤ ومن سقط على هذا الحجر يترضض، ومن سقط هو عليه يسحقه ".
وهذا الحجر إنما هو سيدنا محمد، جاء في (صحيحي البخاري ومسلم) عن أبي هريرة وجابر بن عبد الله ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: " إنَّ مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً، فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا ختم النبيين ".
قال ابن القيم (٢) : " وتأمل قوله [المسيح] في البشارة الأخرى: ألم تر إلى الحجر الذي أخره البناؤون صار رأساً للزاوية، كيف تجده مطابقاً لقول النبي ﷺ : مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى داراً فأكملها وأتمها إلا موضع لبنة
стр. 150
منها، فجعل الناس يطوفون بها ويعجبون منها، ويقولون: هلاّ وضعت تلك اللبنة فكنت أنا تلك اللبنة.
وتأمل قول المسيح في هذه البشارة: إن ذلك عجيب في أعيننا. وتأمل قوله فيها: " إن ملكوت الله سيؤخذ منكم، ويدفع إلى آخر " كيف تجده مطابقاً لقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) [الأنبياء: ١٠٥] ، وقوله: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ) [النور: ٥٥] .
ونحو هذا النص ما جاء في (إنجيل متى) في الإصحاح الثامن:
" ١١ وأقول لكم إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب، ويتكئون مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب في ملكوت السماوات، وأما بنو الملكوت فيطرحون إلى الظلمة الخارجية، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان ".
وهذه بشارة تشير إلى ظهور أمة الإسلام التي تأتي من المشارق والمغارب، وتكون مرضية عند الله مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
جاء في (الفارق) : " أيها المسيحي إذا أنصفت تحكم بأن هؤلاء الذين سيأتون من مشارق الأرض ومغاربها هم الأمة المحمدية، لأنكم مخاطبون حاضرون إذ ذاك، والمسيح سلام الله عليه يخبر عن قوم سيأتون في مستقبل الزمن، وقد أخرجكم بقوله: " وأما بنو الملكوت " (١) .
ونحو ذلك ما جاء في (إنجيل يوحنا) في الإصحاح الرابع:
" ٢٠-٢٤ قال لها يسوع: يا امرأة صدقيني، أنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون لله ".
وهذا النص يشير إلى ظهور الدين الجديد، وإنّه سيتحول مركزه عن أورشليم
стр. 151
ويشير إلى تحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المعظمة، قبلة أصحاب الدين الجديد، ويصدقه قوله تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) [البقرة: ١٤٤] .
فقد كان المسلمون أول الأمر يتجهون في صلاتهم إلى بيت المقدس، ثم نزلت الآية بوجوب توجههم إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة.
стр. 152
٢- من إنجيل لوقا (١) :
ذكر صاحب كتاب (الإنجيل والصليب) أنه جاء في (إنجيل لوقا) ٢: ١٤ " الحمد لله في الأعالي، وعلى الأرض إسلام، وللناس أحمد ".
ولكن المترجمين ترجموها في الإنجيل هكذا:
" الحمد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة ".
ومؤلف الكتاب يرى أن الترجمة الصحيحة ما ذكره هو.
يقول المؤلف أنّ ثمة كلمتين وردتا في اللغة الأصلية لم يدرك أحد ما تحتويان عليه من المعاني تماماً، فلم تترجم هاتان الكلمتان كما يجب في الترجمة القديمة من السريانية.
هاتان الكلمتان هما:
أيريني - التي يترجمونها: السلامة.
و: أيودكيا - التي يترجمونها: حسن الرضا.
فالأولى من الكلمتين اللتين هما موضوع بحثنا الآن هي (أيريني) ، فقد ترجمت بكلمات (سلامة) (مسالمة) (سلام) .
والمؤلف يرى أن ترجمتها الصحيحة (إسلام) فيقول في ص: ٤٠: " ومن
стр. 153
المعلوم أن لفظ (إسلام) يفيد معاني واسعة جداً، ويشتمل على ما تشتمل عليه ألفاظ (السلم، السلام) (الصلح، المسالمة) (الأمن، الراحة) .. وتتضمن معنى زائداً وتأويلاً آخر أكثر وأعم وأشمل وأقوى مادة ومعنى، ولكن قول الملائكة: " على الأرض سلام " لا يصح أن يكون بمعنى الصلح العام والمسالمة، لأنّ جميع الكائنات وعلى الأخص الحيَّة منها، ولا سيما النوع البشري الموجود على كرة الأرض دارنا الصغيرة هي بمقتضى السنن الطبيعة والنواميس الاجتماعية خاضعة للوقائع والفجائع الوخيمة كالاختلافات والمحاربات والمنازعات..، فمن المحال أن يعيش الناس على وجه الأرض بالصلح والمسالمة ".
ثم يستشهد بقول المسيح: " ما جئت لألقي سلاماً على الأرض، ما جئت لألقي سلاماً بل سيفاً " (متى ١٠: ٣٤) .
ويستشهد بقول آخر للمسيح: " جئت لألقي ناراً على الأرض، فماذا أريد لو اضطرمت؟ أتظنون أني جئت لأعطي سلاماً على الأرض؟ كلا أقول لكم بل انقساماً " (لوقا: ١٢: ٤٩-٥٣) .
وعلى هذا فالترجمة لا تنطبق ورسالة المسيح وأقواله والصواب " وعلى الأرض إسلام ". (انظر البحث من ص٣٨-٤٤) .
كما يرى أن (أيادوكيا) بمعنى (أحمد) لا (المسرة أو حسن الرضا) كما يترجمها القسس، وذلك لأنه لا يقال في اليونانية لحسن الرضا (أيودوكيا) بل يقال: (ثليما) .
ويقول: إن كلمة (دوكوته) ، هي بمعنى (الحمد، الاشتهاء، الشوق، الرغبة، بيان الفكر) . وها هي ذي الصفات المشتقة من هذا الفعل (دوكسا) وهي (حمد، محمود، ممدوح، نفيس، مشتهى، مرغوب، مجيد) .
واستشهد بأمثلة كثيرة من اليونانية لذلك. وقال: إنهم يترجمون (محمديتو) في (أشعيا ٦٤: ١١) بـ (اندوكساهيمون) ، ويترجمون الصفات
стр. 154
منها (محمد، أحمد، أمجد، ممدوح، محتشم، ذو الشوكة) بـ (ايندكسوس) .
واستدل بهذا التحقيق النفيس أن الترجمة الحقيقية الصحيحة لما ذكره لوقا هي (أحمد، محمد) لا (المسرة) ، فتكون الترجمة الصحيحة لعبارة الإنجيل:
" الحمد لله في الأعالي، وعلى الأرض إسلام، وللناس أحمد " (١) .
стр. 155
٣- بشارات إنجيل برنابا:
هذا الإنجيل مليء بالبشارات الصريحة بالرسول المصطفى المختار، ومما ورد فيه (ص١٦١) : " قال الله اصبر يا محمد.. " وفي (ص١٦٢) " إن اسمه المبارك محمد.. " (ص١٦٢) : " يا الله أرسل لنا رسولك، يا محمد تعال سريعاً لخلاص العالم ".
رأي في إنجيل برنابا:
لا شكّ أن هذا الإنجيل من الأناجيل التي كانت معروفة قديماً، وقد ورد ذكره في كتب القرن الثاني والثالث للميلاد، ثمّ لم يرد له ذكر بعد ذلك، إلى أن عثر على نسخة منه في أوائل القرن الثامن عشر الهجري، ولا تزال هذه النسخة في مكتبة بلاط (فيّنا) .
وعندما نشر هذا الكتاب أحدث ضجّة - كبرى في ذلك الوقت - في أوربا في نوادي العلم والدين، وقد طبعت ترجمة هذا الكتاب مرتين باللغة العربية، الطبعة الثانية نشرتها دار القلم بالكويت.
وقد اطلعت على هذا الكتاب، وأمعنت النظر فيه، فتبين لي فيه رأي لم أجد أحداً قد تنبه إليه، تبين لي أن هذا الكتاب وإن كان له أصل فقد لعبت فيه يد مسلم، فأدخلت فيه ما ليس منه، والذي جعلني أذهب هذا المذهب ليست تلك التعليقات العربية التي وجدت على هامش النسخة الأصلية الموجودة في
стр. 156
(فينّا) ، وإنّما تلك المبالغات التي وصف بها الإنجيل الرسول ﷺ ، نحن نصدّق أن يبشر الإنجيل بالرسول ﷺ ولكننا نستبعد كل البعد أن يكون قد شاع بين أهل الكتاب تلك الخرافات التي شاعت بين المسلمين بعد بعثة الرسول ﷺ ، ونسبوها للرسول ﷺ ، فنجد في هذا الإنجيل أنّ الله أعطى رسوله محمداً ﷺ كل شيء، وخلق من أجله كل شيء، وجعله قبل كل شيء، انظر ص (٩١، ٩٣، ١١٠) ، وفي ص (١١١) يقول حاكياً كلام الرسول ﷺ : " يا رب اذكر أنك لما خلقتني قلت: إنّك أردت أن تخلق العالم والجنة والملائكة - والناس حبّاً فيّ ليمجدوك بي أنا عبدك ".
وفي ص (١٦١) ، اصبر يا محمد، لأجلك أريد أن أخلق الجنّة والعالم وجمّاً غفيراً من الخلائق التي أهبها لك.. ".
وفي ص (٢٦٦) ، " هذا هو الذي لأجله خلق الله كل شيء ".
وفي ص (١٥٢) يقول: " ولذلك لما خلق الله قبل كل شيء رسوله ".
هذه الأقوال بدون شكّ غير صحيحة، وهي تناقض الحقّ الذي بين أيدينا، فالله خلق البشر والملائكة والجنَّ لعبادته (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: ٥٦] .
وأول المخلوقات القلم كما في الحديث " أول ما خلق الله القلم " وهذه الأقوال التي فيها غلو شاعت بين المسلمين، وصاغوها أحاديث نسبوها إلى الرسول ﷺ ، ومن هذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة حديث " لولاك لما خلقت الأفلاك " (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة حديث رقم ٢٨٢) وحديث " كنت نبياً وآدم بين الماء والطين " (حديث رقم ٣٠٢، ٣٠٣) وحديث: " كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث " (كتاب الفوائد المجموعة للشوكاني ص٣٢٦) .
وحديث: " لقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك علي ومنزلتك عندي، ولولاك يا محمد ما خلقت الدنيا " (تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث
стр. 157
الضعيفة والموضوعة: ص٣٢٥) .
وفي هذا المصدر ص٣٣٧ حديث يقول: " خلقني الله من نوره وخلق أبا بكر من نوري ".
وإذا أنت قارنت بين ما نقلته عن إنجيل برنابا وهذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة أدركت أن الذي أدخل هذه الأوصاف كان من هذا النوع الذي عشعشت أمثال هذه الأحاديث المكذوبة في ذهنه.
وهناك أمور منسوبة إلى الرسول ﷺ زوراً، لأنها تخالف الحقَّ الذي في أيدينا، فمن ذلك ما ورد (ص٢٠٩) من " أن الجحيم ترتعد لحضور الرسول ﵇، فيمكث بلا مكابدة عقاب مدة إقامة رسول الله ﷺ لمشاهدة الجحيم". فهذا مخالف لصريح القرآن (لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) [الزخرف: ٧٥] .
ومن ذلك نقل هذا الكتاب عن عيسى قوله في (ص٩٢) " لست أهلاً أن أحل رباطات جرموق أو سيور حذاء رسول الله " ويقول قريباً من هذا في ص (٩٦) وص (١٦٠) ، ومثل هذا بعيد أن يصدر عن رسول من أولي العزم من الرسل.
ومع ذلك فقد وصف الكتاب الرسول ﷺ بأمور فيها تحقير له، ففي ص (١٠٨) يصف الرسول ﷺ بأنّه سيكون كالمخبول، وفي ص (١٠٥) يقول: " إن الله سيجرد رسوله محمد في يوم القيامة من الذاكرة ".
стр. 158
المطلب الرابع
بشارات من الأسفار العالمية الأخرى (١)
ألّف: (مولانا عبد الحق قديارتي) كتاباً باللغة الإنجليزية وسماه:
((محمد في الأسفار العالمية)) واستفاد في مقارناته ومناقضاته بمعرفته للفارسية والهندية والعبرية والعربية وبعض اللغات الأوربية، ولم يقنع فيه بكتب التوراة والإنجيل بل عمم البحث في كتب فارس والهند وبابل القديمة، وكانت له في بعض أقواله توفيقات تضارع أقوى ما ورد من نظائرها في شواهد المتدينين كافة..
يقول الأستاذ عبد الحق: إن اسم الرسول العربي (أحمد) مكتوبة بلفظه العربي في السامافيدا Samavida من كتب البراهمة، وقد ورد في الفقرة السادسة، والفقرة الثامنة من الجزء الثاني، ونصها إن " أحمد تلقى الشريعة من ربه " وهي مملوءة بالحكمة، وقد قبست منه النور، كما يقبس من الشمس ... ".
وفي مواضع كثيرة من كتب البراهمة يرى المؤلف أن النبي محمداً مذكور بوصفه الذي يعني الحمد الكثير والسعة البعيدة، ومن أسمائه الوصفية اسم سشرافا Sushrava الذي ورد في كتاب أثار فافيدا Atharpha Vida، وكذلك صنع بكتب زرادشت التي اشتهرت باسم الكتب المجوسية، فاستخرج من كتاب زند افستا Zend Avesta نبوءة عن رسول يوصف بأنه رحمة للعالمين ((سوشيانت Soeshyant)) ، ويتصدى له عدو يسمى بالفارسية القديمة أبو لهب ِِ Angra Mainyu، ويدعو إلى إله واحد، لم يكن له
стр. 159
كفواً أحد ((هيج جيز باونمار)) ، وليس له أول ولا آخر، ولا ضريع ولا قريع، ولا صاحب ولا أب، ولا أم ولا صاحبة ولا ولد ولا ابن ولا مسكن ولا جسد ولا شكل ولا لون ولا رائحة ((جز آخاز وانباز ودشمن ومانند ويار وبدر ومادر وزن وفرزند وحاي سوي وتن آسا وتناني ورنك وبوي است)) .
وهذه هي جملة الصفات التي يوصف بها الله سبحانه في الإسلام: أحد صمد ليس كمثله شيء، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، ولم يتخذ صاحبة ولا ولداً.
ويشفع ذلك بمقتبسات كثيرة من كتب الزرادشتية تنبئ عن دعوة الحق التي يجيء بها النبي الموعود، وفيها إشارة إلى البادية العربية، ويترجم نبذة منها إلى اللغة الإنجليزية معناها بغير تصرف " إن أمة زردشت حين ينبذون دينهم يتضعضعون، وينهض رجل في بلاد العرب يهزم أتباعه فارس، ويخضع الفرس المتكبرين، وبعد عبادة النار في هياكلهم يولون وجوههم نحو كعبة إبراهيم التي تطهرت من الأصنام، ويومئذ يصبحون وهم أتباع للنبي رحمة للعالمين، وسادة لفارس ومديان وطوس وبلخ، وهي الأماكن المقدسة للزرادشتيين ومن جاورهم، وإن نبيهم ليكونن فصيحاً يتحدث بالمعجزات (١) .
стр. 160
المطلب الخامس
شيوع هذه البشارات قبل البعثة
لقد كانت هذه البشارات منتشرة قبل البعثة النبوية، فلم يكن أهل الكتاب يكتمونها في ذلك الوقت، بل كانوا يذيعونها، ويزعمون أنهم سيتابعون صاحبها عندما يبعث، وقد حفظ لنا المسلمون بعض هذه البشارات، ونقل لنا الأنصار من أهل المدينة أحاديث اليهود قبل البعثة عن هذه البشارات، وقد تعرف بعض أهل الكتاب على الرسول ﷺ في صغره، وانتفع بعض أهل الكتاب بهذه البشارات وآمنوا.
١- صفة رسولنا ﷺ في التوراة:
روى البخاري في صحيحه عن عطاء بن يسار، قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، قلت: أخبرني عن صفة رسول الله في التوراة، قال: أجل، " والله إنّه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن، (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) [الأحزاب: ٤٥] ، وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سمّيتك المتوكل، ليس بفظّ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق [السخب: الصياح] ، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولا يقبضه الله حتى يقيم به الملّة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح أعينا عمياً، وآذاناً صمّاً، وقلوباً غلفاً " (١) .
стр. 161
وروى الدارمي عن عطاء عن ابن سلام ونحوه (١) وعن كعب - وهو من علماء اليهود الذين آمنوا بالنبي ﷺ قال: " نجد مكتوباً في التوراة محمد رسول الله عبدي المختار، لا فظٌّ ولا غليظ، ولا سخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام، وأمته الحمّادون، يحمدون الله في السراء والضراء، يحمدون الله في كلّ منزلة، ويكبرونه على كل شرف، رعاة للشمس، يصلُّون الصلاة إذا جاء وقتها، يتأزرون على أنصافهم، ويتوضؤون على أطرافهم، مناديهم ينادي في جوّ السماء، صفهم في القتال، وصفهم في الصلاة سواء، لهم بالليل دويٌّ كدوي النحل " قال التبريزي: هذا لفظ المصابيح، ورواه الدارمي مع تغيير (٢) يسير.
أين هذه البشارة في التوراة:
وهذه البشارة ليست موجودة في التوراة المنتشرة اليوم بين اليهود والنصارى، فإن كان المراد بالتوراة التوراة المعينة فتكون هذه البشارة مما أخفته اليهود، وقد تكون مخفية عندهم مما لا يطلع عليه إلاّ أحبارهم (٣) ، إلاّ أنه قد تطلق التوراة ولا يراد بها توراة موسى، بل يراد بها الكتب المنزلة من عند الله، وقد يطلق على
стр. 162
الكتب المنزلة اسم القرآن، كما في الحديث الصحيح " خفّف على داود القرآن، فكان ما بين أن يسرج دابته على أن يركبها يقرأ القرآن " والمراد به قرآنه وهو الزبور. وجاء في بعض البشارات عن هذه الأمة " أناجيلهم في صدورهم " فسمى القرآن إنجيلاً، وعلى ذلك فهذه البشارة موجودة عندهم في نبوة أشعيا، فقد جاء فيها: " عبدي الذي سرّت به نفسي، أنزل عليه وحيي، فيظهر في الأمم عدلي، ويوصيهم بالوصايا، لا يضحك، ولا يسمع صوته في الأسواق، يفتح العيون العور، والآذان الصمّ، ويحيي القلوب الغلف، وما أعطيه لا أعطيه أحداً، يحمد الله حمداً جديداً، يأتي من أقصى الأرض، وتفرح البريّة وسكانها، يهللون على كلِّ شرف، ويكبرونه على كل رابية، لا يضعف، ولا يغلب، ولا يميل إلى الهوى مشقح، ولا يذلّ الصالحين الذين هم كالقصبة الضعيفة، بل يقوّي الصديقين، وهو ركن المتواضعين، وهو نور الله الذي لا ينطفي، أثر سلطانه على كتفيه " (١) .
стр. 163
٢- خبر ابن الهيبان:
ومما حفظته لنا كتب السنة عن علماء اليهود قبل الإسلام أن رجلاً من اليهود كان يدعى ابن الهيبان قدم المدينة ونزل في يهود بني قريظة قبل الإسلام بسنين، قال راوي القصة: ما رأينا رجلاً قط لا يصلي الخمس أفضل منه، فأقام عندنا إذا قحط عنا المطر قلنا له: اخرج يا ابن الهيبان فاستسق لنا، فيقول: لا والله حتى تقدموا بين مخرجكم صدقة، فنقول له: كم؟ فيقول: صاعاً من تمر، أو مدّين من شعير، قال: فنخرجها ثمَّ يخرج بنا إلى ظاهر حرثنا، فيستسقي لنا، فوالله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ويسقي، وقد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثاً.
قال: ثَمَّ حضرته الوفاة عندنا، فلمّا عرف أنّه ميت قال: يا معشر يهود، ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قال: قلنا: الله أعلم.
قال: فإني إنّما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبي قد أظل زمانه، هذه البلدة مهاجرة، فكنت أرجو أن يبعثه الله، وقد أظلّكم زمانه، فلا تسبقّن إليه يا معشر يهود، فإنّه يبعث بسفك الدماء، وسبي الذراري، فيمن خالفه، فلا يمنعنكم ذلك منه، وفد انتفع بوصية ابن الهيبان مجموعة من شباب يهود بني قريظة، وهم ثعلبة بن سعيه، وأسيد بن سعيه، وأسد بن عبيد، فإنّ الرسول ﷺ لما حاصر بني قريظة - قال هؤلاء الفتية وكانوا شباباً أحداثاً: يا بني قريظة،
стр. 164
والله إنّه للنبي الذي عهد إليكم ابن الهيبان، قالوا: ليس به، قالوا: بلى، إنّه لهو صفته، فنزلوا، فأسلموا فأحرزوا دماءهم وأموالهم ورحالهم (١) .
٣- خبر يوشع:
وروى أبو نعيم في دلائل النبوة بإسناده عن محمد بن سلمة، قال: لم يكن في بني عبد الأشهل إلا يهودي واحد، يقال له: يوشع، فسمعته يقول - وإني لغلام في إزار - قد أظلَّكم خروج نبي يبعث من نحو هذا البيت، ثمّ أشار بيده إلى بيت الله، فمن أدركه فليصدّقه، فبعث رسول الله فأسلمنا وهو بين أظهرنا، ولم يسلم حسداً وبغياً (٢) .
٤- خبر عبد الله بن سلام:
وقد كان عبد الله بن سلام سيد اليهود وأعلمهم وابن سيدهم وأعلمهم، قال: لما سمعت برسول الله ﷺ وعرفت صفته واسمه وهيئته وزمانه الذي كنا نتوكف له، (نتوكف: ننتظر) فكنت بقباء مسراً صامتاً عليه، حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة، فلمّا قدم نزل بقباء في بني عمرو بن عوف، فأقبل رجل حتى أخبر بقدومه، وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها، وعمتي خالدة بنت الحارث تحتي جالسة، فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله ﷺ كبّرت، فقالت عمتي حين سمعت تكبيري: لو كنت سمعت بموسى بن عمران ما زدت، قال: قلت له: أي عمّة، والله هو أخو موسى بن عمران، وعلى دينه بعث بما بعث به.
قال: فقالت: يا ابن أخي أهو الذي كنّا نخبر أنّه يبعث مع الساعة؟ قال: قلت: نعم، قالت: فذاك إذاً (٣) .
وقد ذكر البخاري قصة مجيء عبد الله بن سلام إلى الرسول ﷺ وإسلامه وطلبه من الرسول ﷺ أن يرسل إلى اليهود ويسألهم عنه بل أن يعلموا بإسلامه،
стр. 165
فلما جاؤوا قال لهم الرسول ﷺ : " يا معشر يهود، ويلكم اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنّكم لتعلمون أنّي رسول الله حقاً، وأنّي جئتكم بحقٍّ، فأسلموا " قالوا: ما نعلمه، قالوا للنبي ﷺ ، [قالها ثلاث مرات] قال: " فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ " قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: " أفرأيتم إن أسلم، قالوا: حاش لله ما كان ليسلم [سألهم ذلك ثلاثاً، ويرددون عليه بالجواب نفسه] ، قال: " يا ابن سلام، اخرج عليهم "، فخرج، فقال: يا معشر اليهود، اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو، إنّكم لتعلمون أنّه رسول الله، وأنّه جاء بحق. فقالوا: كذبت. فأخرجهم رسول الله ﷺ (١) .
٥- شهادة غلام يهودي:
وروى أنس بن مالك أنَّ غلاماً يهودياً كان يخدم النبيَّ ﷺ فمرض، فأتاه رسول الله ﷺ يعوده، فوجد أباه عند رأسه يقرأ التوراة، فقال له رسول الله ﷺ : " يا يهودي أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد في التوراة صفتي ومخرجي؟ قال: لا.
قال الفتى: بلى والله يا رسول الله، إنّا لنجد في التوراة نعتك ومخرجك، وإنّي أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّك رسول الله " رواه البيهقي بإسناد صحيح (٢) .
стр. 166
٦- فراسة راهب:
وقد تعرف على الرسول ﷺ أحد الرهبان وهو صغير، عندما كان في تجارة مع عمّه أبي طالب إلى الشام، روى أبو موسى قال: خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبيُّ ﷺ في أشياخ من قريش، فلمّا أشرفوا على الراهب هبطوا، فحلّوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم، قال: فهم يحلّون رحالهم، فجعل يتخللهم الراهب، حتى جاء فأخذ بيد رسول الله ﷺ ، قال: هذا سيّد العالمين، هذا رسول ربِّ العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين.
فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلاّ خرّ ساجداً، ولا يسجدان إلاّ لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، ثمَّ رجع فصنع لهم طعاماً، فلمّا أتاهم به، وكان هو في رعية الإبل، فقال: أرسلوا إليه، فأقبل عليه غمامة تظلّه، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلمّا جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه (١) .
стр. 167
٧- معرفة علماء اليهود بموعد خروج النبي ﷺ :
عندما اقترب موعد خروج المصطفى ﷺ علم أهل الكتاب بذلك بأمارات كانت عندهم، فقد روى أبو زرعة بإسناد صحيح عن أسامة بن زيد عن أبيه زيد بن حارثة أن الرسول ﷺ التقى بزيد بن عمرو بن نفيل قبل البعثة، وكان مما أخبر به زيد الرسول ﷺ أنه رحل في طلب الدين الحق دين التوحيد فقال له حبر في الشام: إنك لتسأل عن دين ما نعلم عليه أحداً يعبد الله به إلاّ شيخ بالجزيرة.
قال فخرجت: فقدمت عليه، فأخبرته بالذي خرجت له، فقال: إن كلّ من رأيت في ضلالة، ممنّ أنت؟
قلت: أنا من أهل بيت الله، ومن أهل الشوك والقرظ.
فقال: إنه قد خرج في بلدك نبيّ، أو خارج، قد خرج نجمه، فارجع فصدقه واتبعه، فرجعت فلم أحسّ شيئاً بعد (١) .
كان زيد يحدّث بهذا الرسول ﷺ قبل بعثته، ولم يكن يعلم أنَّ الذي يحدثه هو الرسول ﷺ الذي ظهر نجمه، ومات زيد قبل البعثة بسنوات.
وقد سبق ذكر خبر ابن الهيبان، الذي خرج من الشام إلى المدينة، فقد قال لليهود عندما حضرته الوفاة: " إنّما أخرجني توقع خروج نبيّ قد أظلّ زمانه، هذه البلاد مهاجره ".
وفي صحيح البخاري: كان ابن الناطور صاحب إيلياء وهرقل سُقُفاً على نصارى الشام، يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يوماً خبيث النفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك، قال ابن الناطور: وكان هرقل حزّاءً ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختانِ قد ظهر " وقال هرقل في آخر كلامه: " هذا ملك هذه الأمة قد ظهر " (٢) يعني العرب.
стр. 168
النظر في أحوال الأنبياء
إذا شئت أن تسبر غور إنسان، وتتعرف على صدقه وأمانته، فإنّك تنظر في قسمات وجهه، وتحصي عليه أفعاله وأقواله، وتراقب حركاته وسكناته، والذين يستغلق عليك أن تصل في شأنهم إلى اليقين هم أولئك الذين لا تقابلهم إلا مقابلة سريعة، أو أولئك الذين يخفون أنفسهم، ويتكلفون في أقوالهم وأفعالهم فلا يظهرون على طبيعتهم.
والأنبياء والرسل كانوا يخالطون أقوامهم، ويجالسونهم ويعاشرونهم، ويعاملونهم في أمور شتى، وبذلك يتسنى للناس أن يدرسوهم عن كثب، ويتعرفوا إليهم عن قرب، ولقد كانت قريش تسمي رسول الله ﷺ قبل بعثته بالأمين، وذلك لصدقه وأمانته، وعندما قال لهم الرسول ﷺ في مطلع الدعوة: " لو أخبرتكم أنّ وراء هذا الوادي خيلاً تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذباً " (١) .
وقد أرشد القرآن إلى هذا النوع من الاستدلال (قُل لَّوْ شَاء اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) [يونس: ١٦] .
يقول لهم: لقد مكثت فيكم زمناً ليس باليسير قبل أن أخبركم بأنني نبي، فكيف كانت سيرتي فيكم؟ وكيف كان صدقي إيّاكم؟ أفأترك الكذب على الناس، وأكذب على ربّ الناس، (أفلا تعقلون) ؟ ألا تعملون عقولكم لتتهديكم إلى الحق؟! .
стр. 169
إن المعدن الجيد يدلّ على نفسه بنفسه، والفاكهة الصالحة يدلُّ على صلاحها لونها وشكلها ورائحتها وطعمها، والمصباح الرائع ضوؤه يهدي إليه (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء) [النور: ٣٥] .
بعض الناس لم يحتج إلى برهان ودليل ليستدل بذلك على صدق الرسول ﷺ ، لأنّ شخصه وحياته وسيرته هي أعظم دليل، ومن هؤلاء أبو بكر الصديق، فإنّ الرسول ﷺ عندما دعاه لم يتردد. ونظر عبد الله بن سلام في وجه الرسول ﷺ نظرة واحدة، ولكنَّها كانت كافية لتدلّه على أنّ هذا وجه صادق ليس بكاذب، قدم الرسول ﷺ المدينة، وخرج عبد الله ابن سلام عالم اليهود مع الخارجين ينظر في وجه الرسول ﷺ قال: " فلما رأيت وجهه علمت أن وجهه ليس بوجه كذّاب " (١) .
وخديجة التي عرفت الرسول زوجاً وخالطته عن قرب قبل أن تعرفه نبياً رسولاً، لم تتردد في أنّ الله لن يخزيه أبداً، ولن يصيبه ضير، ذلك أنّ سنة الله في أمثال الرسول ﷺ أن يكرّموا ويشّرفوا، ولذلك قالت له عندما جاءها قائلاً: " لقد خشيت على نفسي " وذلك بعد أن فجأه الوحي في غار حراء قالت: " كلاّ والله لا يخزيك الله أبداً، إنّك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق " (٢) .
هرقل وأبو سفيان:
وقد أعمل هرقل ملك الروم عقله وفكره وعلمه بأحوال الرسل وصفاتهم، فاهتدى إلى أنّ محمداً مرسل من ربّه، ولكنه لم يؤمن ضنّاً بملكه.
أرسل الرسول ﷺ إلى ملوك الأرض في عصره يدعوهم إلى الإسلام، وكان هرقل ملك الروم من هؤلاء الذين أرسل إليهم، فلما جاءه كتاب الرسول ﷺ
стр. 170
طلب من كان هناك من العرب، وكان أبو سفيان قد قدم في طائفة من قريش في تجارة إلى الشام، وسألهم عن أحوال النبيّ ﷺ ، فسأل أبا سفيان، وأمر الباقين إن كذب أن يكذبوه، فصاروا بسكوتهم موافقين له في الأخبار.
وإليك الحوار الذي جرى بينهما يحكيه أبو سفيان.
" كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟
قلت: هو فينا ذو نسب.
قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟
قلت: لا.
قال: فهل كان من آبائه مِن مَلِك؟
قلت: لا.
قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟
فقلت: بل ضعفاؤهم.
قال: أيزيدون أم ينقصون؟
قلت: بل يزيدون.
قال: فهل يرتدّ أحد منهم سَخْطَةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟
قلت: لا.
قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟
قلت: لا.
قال: فهل يغدر؟
قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها، قال: ولم تمكنّي كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة.
قال: فهل قاتلتموه؟
قلت: نعم.
قال: فكيف كان قتالكم إياه؟
قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منّا وننال منه.
قال: فماذا يأمركم؟
стр. 171
قلت: يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق، والعفاف والصلة.
فقال للترجمان:
قل له: سألتك عن نسبه، فذكرت أنّه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها.
وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت: رجل يأتسي بقول قيل قبله.
وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، قلت: فلو كان من آبائه من مَلكِ قلت: رجل يطلب ملك أبيه.
وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنّه لم يكن ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله.
وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءَهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتمَّ.
وسألتك أيرتد أحد سَخْطَةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.
وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر.
وسألتك بما يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف.
فإن كان ما تقول حقّاً فسيملك موضع قَدَمَيَّ هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظنُّ أنّه منكم، فلو أني أعلم أنّي أَخْلُصُ إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه " (١) .
стр. 172
زهدهم في المتاع الدنيوي:
ومما يدلُّ على صدق الرسل من خلال التأمل في سيرتهم، أنَّ الرسل أزهد النّاس في متاع الدنيا وعرضها الزائل، وبهرجها الكاذب، لا يطالبون الناس الذين يدعونهم أجراً ولا مالاً، فهم يبذلون لهم الخير لا ينتظرون منهم جزاءً ولا شكوراً، هذا أوّل الرسل يقول لقومه: (وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ) [هود: ٢٩] .
وهذا آخر الرسل يأمره الله بمثل ذلك: (قل ما أسألكم عليه من أجرٍ إلاَّ من شاء أن يتَّخذ إلى ربه سبيلاً) [الفرقان: ٥٧] .
وقص الله علينا في سورة الشعراء طرفاً من قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وكلّ منهم يقول لقومه: (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الشعراء: ١٠٩، ١٢٧، ١٤٥، ١٦٤، ١٨٠] .
стр. 173
دعوة الرّسُل
النظر في دعوة الرسل مجال خصب يدلنا على مدى صدقهم، فقد جاءت الرسل بمنهج متكامل لإصلاح الإنسان، ولإصلاح المجتمع الإنساني، ودين كهذا يقول الذين جاؤوا به إنّه منزل من عند الله لا بدّ أن يكون في غاية الكمال، خالياً من النقائص والعيوب، لا يتعارض مع فطرة الإنسان، وسنن الكون، وقد وجهنا القرآن إلى هذا النوع من الاستدلال، فقال: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) [النساء: ٨٢] .
فكونه وحدة متكاملة يصدق بعضه بعضاً، لا تناقض فيه ولا اختلاف - دليل واضح على صدق الذي جاء به.
والنظر في المقاصد التي تدعو إليها الرسل، والفضائل والقيم التي يُنادون بها كلُّ ذلك من أعظم الأدلة على صدقهم، وقد قال الله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) [الإسراء: ٩] .
ولقد ألَّف العلماء مؤلفات في بيان كمال هذا الدين وشموله وبيان حكمة التشريع، وبيان القواعد والأسس التي تجعل هذا الدين بناء محكماً، يردد الناس النظر فيه فلا يجدون فيه عيباً ولا نقصاً.
وقد ميز الله البشر بالعقل، وأودع عقولهم إدراك قبح القبيح، وإدراك حسن الحسن، إلاّ أنّ رحمته جلّ وعلا اقتضت ألاّ يعذب خلقه على تركهم الحسن وفعلهم القبيح ما لم يُقِم عليهم الحجةَ بإرسال الرسل.
стр. 174
وقد سئل أعرابيُّ: بم عرفت أنّ محمداً رسول الله؟ فقال: ما أمر بشيء فقال العقل: ليته ينهى عنه، ولا نهى عن شيء، فقال العقل: ليته أمر به (١) .
وهذا الذي استدل به الأعرابي في غاية الجودة، فإن الرسل جاءت من عند الله بعلوم وشرائع يعلم العاقل المنصف عند التأمل فيها أنّه لا يمكن أن تكون آراء البشر ولا أفكارهم.
دعوة نبينا محمد ﷺ :
والناظر في دعوة نبينا محمد ﷺ يكون مكابراً أعظم المكابرة إن لم يعتبر ولم يؤمن، فنبينا ﵇ جاء بهذا القرآن الذي عجزت الإنس والجنُّ عن الإتيان بمثله، وقد حوى من الأخبار الماضية والآتية، والعلوم المختلفة ما يخضع له المنصف، ويجعله يسبح بحمد الله طويلاً.
هذا الكتاب وتلك العلوم تصل إلينا على يد رجل أميّ، لم يمسك بالقلم يوماً، ولم يكن يقرأ ما سطره العلماء والكتاب من قبل (وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) [العنكبوت: ٤٨] .
ليس أمراً عادياً أن يتحول رجل أميّ بين عشية وضحاها إلى معلم بشرية، يبذل العلم للناس، ويقوّم علوم السابقين، ويبين ما فيها من تحريف وتغير.
لقد كان هذا الدليل يجول في نفوس أهل مكة، فهم يعرفون محمداً ﷺ قبل أن يأتيهم بما أتاهم به، ويعلمون أُميته، ولذلك لم يكن منهم إلا التمحل وجحود الحقّ بعد معرفته (فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ) [الأنعام: ٣٣] لقد وصلت بهم السفاهة إلى الزعم بأن الذي يأتي محمداً ﷺ بهذا العلم حداد رومي كان بمكة، وإنه لفرية مضحكة (لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) [النحل: ١٠٣] .
стр. 175
تأييد الله لرسُله ونصرته لهم
ومما يدلنا على صدق الأنبياء والمرسلين نصرة الله لهم وحفظه إياهم، فإنّه يستحيل على الله تعالى أن يتقول عليه متقول، فيدعي أنّه مرسل من عند الله وهو كاذب في دعواه، ثمّ بعد ذلك يؤيده الله وينصره، ويرسل الملائكة لتثبيته وحمايته، لو فعل هذا ملك من ملوك الأرض، فادعى مدع أنّه مرسل من قبله كذباً وزوراً، وعلم بذلك الملك المفترى عليه، فإنّه سيلاحقه، وإذا ظفر به فسيوقع به أشدَّ العذاب، فكيف يليق بخالق الكون العليم الحكيم أن يرى ويسمع رجلاً يكذب عليه، ويزعم أنّه رسوله، ويحلل باسمه ويحرم، ويشرع الشرائع، ويضرب الرقاب، ويزعم أنه يفعل ذلك بأمر الله وبرضاه ومشيئته، ثم يؤيده الله وينصره، ولا يوقع به عقابه وعذابه؟ هذا لا يكون أبداً، وإن وقع مثل هذا من كاذب مارق وظهر أمره، وقويت شوكته يوماً، فلن يطول ذلك، ولا بدَّ أن يكشف الله أمره، ويهتك ستره، ويسلط عليه من يقهره، ويجعله عبرة لغيره، كما فعل الله بمسيلمة وسجاح والأسود العنسي من قبل (١) .
وقد أشار الله تعالى لهذا النوع من الاستدلال فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ) [النحل: ١١٦] فحكم عليهم بعدم الفلاح، وقال: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ - لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ - ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ
стр. 176
الْوَتِينَ) [الحاقة: ٤٤-٤٦] والمعنى أنّ الرسول ﷺ لو تقوَّل على الله ما لم يقله الله لأهلكه الله.
وهذا الدليل ذو تأثير كبير على نفوس الناس، فإن العرب لمّا رأت انتصار الإسلام صدقت وآمنت ودخلت في دين الله أفواجاً (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ - وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا) [النصر: ١-٢] .
شبهة:
وما يذكره بعض المكذبين برسالة محمد ﷺ من أنّ النصر تمّ لفرعون ونمرود وجنكيزخان وغيرهم من الملوك الكفرة في القديم والحديث، جوابه ظاهر، فإن هؤلاء لم يدع أحد منهم النبوة، وأن الله أمره أن يدعو إلى عبادته وطاعته، ومن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار بخلاف من ادعى أن الله أرسله، ثمّ يؤيده الله وينصره، وينصر أتباعه ويجعل العاقبة لهم فإنّه لا يكون إلاّ رسولاً صادقاً، فلو كان كاذباً فلا بدّ أن ينتقم الله منه، ويقطع دابره، واعتبر في هذا بحال مسيلمة والأسود العنسي وسجاح، واعتبر هذا بحال المسيح الدجال، فإنّه يفتري على الله الكذب ويدعي الألوهية، فيكشف الله ستره، ويظهر أمره لمن كان عنده بصيرة، فهو رجل أعور، مكتوب بين عينيه كافر، وإنّما يلتبس أمره على من لم يرزق نور الإيمان.
стр. 177
فضل الأنبياء وتفاضلهم
المبحث الأول
فضل الأنبياء على غيرهم
المطلب الأول
الأدلة على هذا التفضيل
خلق الله الخلق وفاضل بينهم: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ) [القصص: ٦٨] وقد اختار من أرضه مكة، فجعلها مقرّ بيته العتيق الذي من دخله كان آمناً، وجعل أفئدة من الناس تهوي إليه، وأوجب على الناس الحج إليه من استطاع إليه سبيلاً، وحرّم صيد الحرم وقطع شجره، وجعل الأعمال الصالحة فيه مضاعفة، وجعل إرادة الظلم فيه مستحقة العذاب الأليم، (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) [الحج: ٢٥] واختار من الشهور شهر رمضان، ومن الليالي ليلة القدر، ومن الأيام يوم عرفة، ومن أيام الأسبوع يوم الجمعة، وفاضل الله بين الملائكة فاختار منهم الملائكة الذين يحملون رسالته إلى رسله وأنبيائه، واصطفى الله من بني آدم الأنبياء، فالأنبياء أفضل البشر، وأفضل الأنبياء الرسل، (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [الحج: ٧٥] .
وقد أجمعت الأمة على تفضيل الأنبياء (١) على غيرهم من الصديقين والشهداء والصالحين.
ويدلَّ على تفضيلهم قوله تعالى: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ - وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا
стр. 178
وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ - وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ - وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ) [الأنعام: ٨٣-٨٦] .
وقد أخبر الرسول ﷺ أنّه: " ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر " (١) .
ويؤخذ من الحديث أن الأنبياء والمرسلين أفضل الخلق، وأنّ أفضل رجل بعدهم أبو بكر الصديق.
وقريب من هذا الحديث قول الرسول ﷺ في أبي بكر وعمر " هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين، إلاّ النبيين والمرسلين " (٢) .
وقد رتب الله عباده السعداء الذين أنعم عليهم أربع مراتب، قال تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) [النساء: ٦٩] .
فأول هذه المراتب وأعلاها الأنبياء ثم الصديقون ثم الشهداء، ثم الصالحون.
لا مجال للمصادفة:
قد يظنّ ظانٌ أن للمصادفة هنا محلاً، وأن من الأنبياء من أصابته النبوة وهو لا يستحقها، معاذ الله، ولكنّ الله العليم الحكيم الخبير نظر في معادن العباد وقلوبهم، واختار منهم واصطفى الأفضل الأكمل، وصدق الله إذ يقول: (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام: ١٢٤] .
إنّ حكمة الله وعلمه قاضيان بأن لا تمنح النبوة والرسالة إلاّ للمستعد لها والقادر على حملها (٣) ، وإذا تأملت في سيرة أنبياء الله ورسله رأيتهم أبرّ الناس
стр. 179
قلوباً، وأعمقهم علماً، وأحضرهم بديهة، وأشدّهم تحملاً، وأرقهم طباعاً،.. فلا عجب أن يختارهم الله ليكونوا أمناء وحيه، والعاملين على إقامة دينه، فهم القمم السامقة التي تعجز النفوس عن أن تبلغ مداها.
стр. 180
المطلب الثاني
دعوى تفضيل الأئمة على الأنبياء
وقد خالفت في هذه المسألة التي أجمعت عليها الأمة طوائف من الذين ينتسبون إلى الإسلام، فمن هؤلاء الشيعة الإمامية الاثني عشرية، يقول عالم من علمائهم البارزين المعاصرين (١) في هذا الموضوع: " إن من ضرورات مذهبنا أنّ لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبيٌّ مرسل " (٢) وقال أيضاً: " ورد عنهم (أي الأئمة) : إنّ لنا مع الله حالات، لا يسعها ملك مقرب، ولا نبيٌّ مرسل، ومثل هذه المنزلة موجودة لفاطمة الزهراء " (٣)(٤) .