سياسة الأمة
الذين يستجيبون للرسل يُكونّون جماعة وأمة، وهؤلاء يحتاجون إلى من يسوسهم ويقودهم ويدبر أمورهم، والرُّسل يقومون بهذه المهمة في حال حياتهم، فهم يحكمون بين الناس بحكم الله (فاحكم بينهم بما أنزل الله) [المائدة: ٤٨] .
ونادى ربُّ العزة داود قائلاً: (يا داوود إنَّا جعلناك خليفةً في الأرض فاحكم بين النَّاس بالحق) [ص: ٢٦] ، وأنبياء بني إسرائيل كانوا يسوسون أمتهم بالتوراة، وفي الحديث " كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلّما هلك نبيٌّ خلفه نبيٌّ " (١) وقال الله عن التوراة: (يحكم بها النَّبيُّون الَّذين أسلموا للَّذين هادوا) [المائدة: ٤٤] .
فالرسل وأتباعهم من بعدهم يحكمون بين الناس، ويقودون الأمة في السلم والحرب، ويلون شؤون القضاء، ويقومون على رعاية مصالح الناس، وهم في كلّ ذلك عاملون بطاعة الله، وطاعتهم في ذلك كلّه طاعة لله (مَّن يطع الرَّسول فقد أطاع الله) [النساء: ٨٠] .
ولن يصل العبد إلى نيل رضوان الله ومحبته إلا بهذه الطاعة (قل إن كنتم
стр. 37
تحبُّون الله فاتَّبعوني يحببكم الله) [آل عمران: ٣١] .
ولذا فإنّ شعار المسلم الذي يعلنه دائماً هو السمع والطاعة (إنَّما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا) [النور: ٥١] .
стр. 38
الوحي
стр. 39
المبحث الأول
النبّوة منحة إلهيّة (١)
النبوة منحة إلهية، لا تنال بمجرد التشهي والرغبة، ولا تنال بالمجاهدة والمعاناة، وقد كذّب الفلاسفة الذين زعموا أن النبوة تنال بمجرد الكسب بالجدّ والاجتهاد، وتكلّف أنواع العبادات، واقتحام أشقّ الطاعات، والدأب في تهذيب النفوس، وتنقية الخواطر، وتطهير الأخلاق، ورياضة النفس والبدن (٢) .
وقد بيّن الله في أكثر من آية أنّ النبوة نعمة ربانية إلهية، قال تعالى: (أولئك الَّذين أنعم الله عليهم من النَّبيين من ذريَّة آدم وممَّن حملنا مع نوحٍ ومن ذريَّة إبراهيم وإسرائيل وممَّن هدينا واجتبينا) [مريم: ٥٨] ، وحكى الله قول يعقوب لابنه يوسف: (وكذلك يجتبيك ربُّك) [يوسف: ٦] ، وقال الله لموسى: (إني اصطفيتك على النَّاس برسالاتي وبكلامي) [الأعراف: ١٤٤] .
وقد طمع أمية بن أبي الصَّلت في أن يكون نبي هذه الأمة، وقال الكثير من الشعر متوجهاً به إلى الله، وداعياً إليه، ولكنه لم يحصل على مراده، وصدق الله إذ يقول: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) [الأنعام: ١٢٤] .
وعندما اقترح المشركون أن يختار الله لأمر النبوة
стр. 40
والرسالة أحد الرجلين العظيمين في مكة والطائف عروة بن مسعود الثقفي أو الوليد بن المغيرة، أنكر الله ذلك القول، وبين أنّ هذا مستنكر، فهو الإله العظيم الذي قسم بينهم أرزاقهم في الدنيا، أفيجوز لهم أن يتدخلوا في تحديد المستحقِّ لرحمة النبوة والرسالة؟ (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين عظيمٍ - أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم مَّعيشتهم في الحياة الدُّنيا..) [الزخرف: ٣١-٣٢] وسنبين في هذا الفصل الطريق الذي يصبح به الذين اختارهم الله أنبياء.
стр. 41
المبحث الثاني
طريق إعلام الله أنبياءه ورسله
تعريف الوحي:
سمي الله الطريق الذي يعلم الله به أنبياءَه ورسله وحياً، قال تعالى: (إنَّ أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوحٍ والنَّبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبوراً) [النساء: ١٦٣] .
والوحي في اللغة: الإعلام الخفّي السريع مهما اختلفت أسبابه (١) ، فقد يكون بالإلهام كوحي الله إلى الحواريين: (وإذ أوحيت إلى الْحَوَارِيِّينَ أن آمنوا بي وبرسولي) [المائدة: ١١١] وكوحي الله لأم موسى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه) [القصص: ٧] ، ويأتي بمعنى الإيماء والإشارة، فقد سمّى القرآن إشارة زكريا إلى قومه وحياً (فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرةً وعشيّاً) [مريم: ١١] .
وأكثر ما وردت كلمة ((وحي)) في القرآن الكريم بمعنى إخبار وإعلام الله من اصطفاه من عباده كل ما أراد إطلاعه عليه من ألوان الهداية والعلم، بطريقة سرّية خفيّة، غير معتادة للبشر.
стр. 42
مقامات وحي الله إلى رسله:
للوحي الذي يعلم الله به رسله وأنبياءَه مقامات، قال الله تعالى مبيِّناً هذه المقامات: (وما كان لبشرٍ أن يكلمه الله إلاَّ وحيّاً أومن وراء حجابٍ أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إنَّه عليٌّ حكيم ٌ) [الشورى: ٥١] .
فالمقامات ثلاثة:
الأولى: الإلقاء في روع النبي الموحى إليه، بحيث لا يمتري النبي في أنّ هذا الذي ألقي في قلبه من الله تعالى، كما جاء في صحيح ابن حبان عن رسول الله ﷺ أنّه قال: " إنّ روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب " (١) . وذهب ابن الجوزي إلى أن المراد بالوحي في قوله: (إلاًّ وحياً) الوحي في المنام (٢) .
رؤية الأنبياء:
وهذا الذي فسّر به ابن الجوزي المقام الأول داخل في الوحي بلا شّك، فإنّ رؤيا الأنبياء حقٌ، ولذلك فإنَّ خليل الرحمن إبراهيم بادر إلى ذبح ولده عندما رأى في المنام أنّه يذبحه، وعدّ هذه الرؤيا أمراً إلهياً، قال تعالى في إبراهيم وابنه إسماعيل: (فلمَّا بلغ معه السَّعي قال يا بنيَّ إني أرى في المنام أني
стр. 43
أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبتِ افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصَّابرين - فلمَّا أسلما وتلَّهُ للجبين - وناديناه أن يا إبراهيم - قد صدَّقت الرؤيا إنَّا كذلك نجزي المحسنين) [الصافات: ١٠٢- ١٠٥] .
وفي الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: " أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في المنام، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح " (١) .
المقام الثاني: تكليم الله لرسله من وراء حجاب:
وذلك كما كلَّم الله تعالى موسى ﵇، وذكر الله ذلك في أكثر من موضع في كتابه: (ولمَّا جاء موسى لميقاتنا وكلَّمه ربُّه) [الأعراف: ١٤٣] ، (فلمَّا أتاها نودي يا موسى - إنّي أنا ربُّك فاخلع نعليك إنَّك بالواد المقدَّس طوى - وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى - إنَّني أنا الله لا إله إلاَّ أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري) [طه: ١١-١٤] ، وممن كلّمه الله آدم ﵇ (قال يا آدم أَنبِئْهُم بأسمائهم فلمَّا أَنبَأَهُمْ بأسمائهم..) [البقرة: ٣٣] ، وكلّم الله عبده ورسوله محمداً ﷺ عندما عرج به إلى السماء.
المقام الثالث: الوحي إلى الرسول بواسطة الملك:
وهذا هو الذي يفقه من قوله تعالى: (أو يرسل رسولاً فَيُوحِيَ بإذنه ما يشاء) [الشورى: ٥١] وهذا الرسول هو جبريل، وقد يكون غيره وذلك في أحوال قليلة (٢) .
стр. 44
صفة مجيء الملك إلى الرسول:
بالتأمل في النصوص في هذا الموضوع نجد أنّ للملك ثلاثة أحوال (١) :
الأول: أن يراه الرسول ﷺ على صورته التي خلقه الله عليها، ولم يحدث هذا لرسولنا ﷺ إلا مرتين.
الثاني: أن يأتيه الوحي في مثل صلصلة الجرس، فيذهب عنه وقد وعى عنه الرسول ﷺ ما قال.
الثالث: أن يتمثل له الملك رجلاً فيكلّمه ويخاطبه ويعي عنه قوله، وهذه أخف الأحوال على الرسول ﷺ وقد حدث هذا من جبريل في اللقاء الأول عندما فجأه في غار حراء.
بشائر الوحي:
كان الرسول ﷺ قبل معاينته للملك، يرى ضوءاً، ويسمع صوتاً، ولكنه لا يرى الملك الذي يحدث الضوء، ولا يرى مخاطبه والهاتف به، روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: " مكث رسول الله ﷺ بمكة خمس عشرة سنة،
стр. 45
يسمع الصوت ويرى الضوء سبع سنين ولا يرى شيئاً، وثمان سنين يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشراً " (١) .
قال النووي: " يسمع الصوت ويرى الضوء " قال القاضي: " أي: صوت الهاتف من الملائكة، ويرى الضوء، أي: نور الملائكة، ونور آيات الله، حتى رأى الملك بعينيه، وشافهه بوحي الله " (٢) .
أثر الملك في الرسول:
من المزاعم التي يدعيها المكذبون بالرسل أن ما كان يصيب الرسول ﷺ إنّما هو نوع من الصرع، أو اتصال من الشياطين به، وكذبوا في دعواهم، فالأمران مختلفان، فالذي يصيبه الصرع يصفرُّ لونه، ويخفُّ وزنه، ويفقد اتزانه، وكذلك الذي يصيبه الشيطان، وقد يتكلم الشيطان على لسانه، ويخاطب الحاضرين، وعندما يفيق من غيبوبته لا يدري ولا يذكر شيئاً ممّا خاطب به الشيطان الحاضرين على لسانه، أمّا الرسول ﷺ فإن اتصال الملك به نماء في جسده، وإشراق في وجهه، ثمّ إن الجالسين لا يسمعون كلاماً، إنما يسمعون دوياً كدويّ النحل عند وجهه (٣) ، ويقوم الرسول ﷺ بعد ذلك وقد وعى كلّ ما أخبر به الملك، فيكون هو الذي يخبر أصحابه بما أوحي إليه.
فقد أخبرتنا عائشة ﵂ وعن أبيها - أنها رأت الرسول ﷺ ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقاً (٤) .
وفي رواية عنها: " إن كان لينزل على رسول الله ﷺ في الغداة الباردة، ثم تفيض جبهته عرقاً " (٥) .
وأخبرتنا أنّ ناقته عندما كان يوحى إليه وهو فوقها يضرب حزامها وتكاد
стр. 46
تبرك به من ثقله فوقها (١) ويذكر أحد الصحابة أنّ فخذه كانت تحت فخذ النبي ﷺ فأنزل إليه، فكادت فخذ النبي ﷺ حين الإنزال إليه ترض فخذ الصحابي (٢) .
وهذا يعلى بن أمّية يحدثنا عن مشاهدة تنزُّل الوحي على الرسول ﷺ وقد كان يتمنى قبل ذلك أن يراه في تلك الحال، قال: " فإذا رسول الله ﷺ محمّر الوجه، وهو يغطُّ، ثمّ سُرِّي عنه " (٣) .
стр. 47
صفات الرّسُل
المبحث الأول
البشرية
جاءت حكمة العليم الخبير أن يكون الرسل الذين يرسلهم إلى البشر من البشر أنفسهم (قل إنَّما أنا بشرٌ مثلكم) [الكهف: ١١٠] .
وسنجلي هذا الموضوع في أربعة مطالب.
المطلب الأول
أهلية البشر لتحمّل الرسالة
الذين يستعظمون ويستبعدون اختيار الله بعض البشر لتحمّل الرسالة لا يقدرون الإنسان قدره، فالإنسان مؤهل لتحمّل الأمانة العظمى، أمانة الله التي أشفقت السماوات والأرض والجبال من حملها، (إنَّا عرضنا الأمانة على السَّماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنَّه كان ظلوماً جهولاً) [الأحزاب: ٧٢] .
والذين استعظموا اختيار الله البشر رسلاً نظروا إلى المظهر الخارجي للإنسان، نظروا إليه على أنه جسد يأكل ويشرب وينام، ويمشي في الأرض لتلبية حاجاته (وقالوا مال هذا الرَّسول يأكل الطَّعام ويمشي في الأسواق) [الفرقان: ٧] ، ولم ينظروا إلى جوهر الإنسان، وهو تلك الروح التي هي نفخة من روح الله (فإذا سوَّيته ونفخت فيه من رُّوحي فقعوا له ساجدين) [الحجر: ٢٩] . وبهذه الروح تميز الإنسان، وصار إنساناً، واستخلف في الأرض، وقد أودعه الله الاستعداد للاتصال به عن طريق تلك النفخة العلوية التي ميزته، فلا عجب أن يختار الله واحداً من هذا الجنس، صاحب استعداد للتلقي، فيوحي إليه ما يهدي به إخوانه إلى الطريق كلّما غام عليهم الطريق، وما
стр. 48
يقدم به إليهم العون كلّما كانوا بحاجة إلى العون (١) (قالت لهم رسلهم إن نَّحن إلاَّ بشرٌ مثلكم ولكنَّ الله يمنُّ على من يشاء من عباده) [إبراهيم: ١١] .
ثمَّ إنّ الرسل يُعدّون إعداداً خاصّاً لتحمُّل النبوة والرسالة، ويصنعون صنعاً فريداً (واصطنعتك لنفسي) [طه: ٤١] ، واعتبر هذا بحال نبينا محمد ﷺ ، كيف رعاه الله وحاطه بعنايته على الرغم من يتمه وفقره (ألم يجدك يتيماً فآوى - ووجدك ضالاً فهدى - ووجدك عائلاً فأغنى) [الضحى: ٦-٨] ، وقد زكّاه وطهّره، وأذهب عنه رجس الشيطان، وأخرج منه حظّ الشيطان منذ كان صغيراً، فعن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه، فصرعه، فشقّ عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظُّ الشيطان منك، ثمّ غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمّه (٢) ، يعني ظئره، فقالوا: إن محمداً قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللّون، قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره " (٣) .
وحدث قريب من هذا عندما جاءه جبريل يهيئه للرحلة الكبرى للعروج به إلى السماوات العلى، ففي حديث الإسراء: ((فرج سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ﷺ ، ففرج صدري، ثمّ غسله من ماء زمزم، ثمّ جاء بطست من مذهب ممتلئ حكمة وإيماناً، فأفرغها في صدري، ثم أطبقه " متفق عليه (٤) .
المطلب الثاني
لِمَ لَمْ يكن الرسل ملائكة؟
لقد كثر اعتراض أعداء الرسل على بعثة الرسل من البشر، وكان هذا الأمر من أعظم ما صدّ الناس عن الإيمان، (وما منع النَّاس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى
стр. 49
إلاَّ أن قالوا أبعث الله بشراً رَّسولاً) [الإسراء: ٩٤] وعدّوا اتباع الرسل بسبب كونهم بشراً فيما جاؤوا به من عقائد وشرائع أمراً قبيحاًً، وعدُّوه خسراناً مبيناً (ولئِن أطعتم بشراً مثلكم إنَّكم إذاً لخاسرون) [المؤمنون: ٣٤] ، (فقالوا أبشراً منَّا واحداً نَّتَّبعه إنَّا إذاً لفي ضلالٍ وسعرٍ) [القمر: ٢٤] ، وقد اقترح أعداء الرسل أن يكون الرسل الذين يبعثون إليهم من الملائكة يعاينونهم ويشاهدونهم، أو على الأقل يبعث مع الرسول البشري رسولاً من الملائكة، (وقال الَّذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربَّنا) [الفرقان: ٢١] ، (وقالوا مال هذا الرَّسول يأكل الطَّعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملكٌ فيكون معه نذيراً) [الفرقان: ٧] .
وعندما نتأمل النصوص القرآنية يمكننا أن نرّد على هذه الشبهة من وجوه:
الأول: أن الله اختارهم بشراً لا ملائكة لأنّه أعظم في الابتلاء والاختبار، ففي الحديث القدسي الذي يرويه مسلم في صحيحه: ((إنّما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك)) (١) .
الثاني: أن في هذا إكراماً لمن سبقت لهم منه الحسنى، فإن اختيار الله لبعض عباده ليكونوا رسلاً تكريم وتفضيل لهم، (أولئك الَّذين أنعم الله عليهم من النَّبيين من ذريَّة آدم وممَّن حملنا مع نوحٍ ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممَّن هدينا واجتبينا..) [مريم: ٥٨] .
الثالث: أنّ البشر أقدر على القيادة والتوجيه، وهم الذين يصلحون قدوة وأسوة، يقول سيد قطب ﵀ في هذا: " وإنها لحكمة تبدو في رسالة واحد من البشر إلى البشر، واحد من البشر يحسّ بإحساسهم، ويتذوق مواجدهم، ويعاني تجاربهم، ويدرك آلامهم وآمالهم، ويعرف نوازعهم وأشواقهم، ويعلم ضروراتهم وأثقالهم..، ومن ثمّ يعطف على ضعفهم ونقصهم، ويرجو في
стр. 50
قوتهم واستعلائهم، ويسير بهم خطوة خطوة، وهو يفهم بواعثهم وتأثراتهم واستجاباتهم، لأنّه في النهاية واحد منهم، يرتاد بهم الطريق إلى الله، بوحي من الله وعون منه على وعثاء الطريق.
وهم من جانبهم يجدون فيه القدرة الممكنة، لأنّه بشر مثلهم، يتسامى بهم رويداً رويداً، ويعيش فيهم بالأخلاق والأعمال والتكاليف التي يبلغهم أنّ الله قد فرضها عليهم، وأرادها منهم، فيكون بشخصه ترجمة حية للعقيدة التي يحملها إليهم، وتكون حياته وحركاته وأعماله صفحة معروضة لهم، ينقلونها سطراً سطراً، ويحققونها معنى معنى، وهم يرونها بينهم، فتهفوا نفوسهم إلى تقليدها، لأنها ممثلة في إنسان " (١) .
الرابع: صعوبة رؤية الملائكة، فالكفار عندما يقترحون رؤية الملائكة، وأن يكون الرسل إليهم ملائكة لا يدركون طبيعة الملائكة، ولا يعلمون مدى المشقة والعناء الذي سيلحق بهم من جراء ذلك.
فالاتصال بالملائكة ورؤيتهم أمر ليس بسهل، فالرسول ﷺ مع كونه أفضل الخلق، وهو على جانب عظيم من القوة الجسمية والنفسية عندما رأى جبريل على صورته أصابه هول عظيم ورجع إلى منزله يرجف فؤاده، وقد كان ﷺ يعاني من اتصال الوحي به شدّة، ولذلك قال في الردّ عليهم: (يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذٍ للمجرمين) [الفرقان: ٢٢] ، ذلك أنّ الكفار لا يرون الملائكة إلا حين الموت أو حين نزول العذاب، فلو قُدِّر أنهم رأوا الملائكة لكان ذلك اليوم يوم هلاكهم.
فكان إرسال الرسل من البشر ضرورياً كي يتمكنوا من مخاطبتهم والفقه عنهم، والفهم منهم، ولو بعث الله رسله إليهم من الملائكة لما أمكنهم ذلك. (وما منع النَّاس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلاَّ أن قالوا أبعث الله بشراً رَّسولاً - قل لَّو كان في الأرض ملائكةٌ يمشون مطمئِنين لنزَّلنا عليهم من السَّماء ملكاً رَّسولاً) [
стр. 51
الإسراء: ٩٤-٩٥] فلو كان سكان الأرض ملائكة لأرسل الله إليهم رسولاً من جنسهم، أما وأن الذين يسكنون الأرض بشر فرحمة الله وحكمته تقتضي أن يكون رسولهم من جنسهم (لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم) [آل عمران: ١٦٤] .
وإذا كان البشر لا يستطيعون رؤية الملائكة والتلقي عنهم بيسر وسهولة فيقتضي هذا - لو شاء الله أن يرسل ملكاً رسولاً إلى البشر - أن يجعله رجلاً (ولو جعلناه ملكاً لَّجعلناه رجلاً وللبسنا عليهم مَّا يلبسون) [الأنعام: ٩] فالله يخبر أنه " لو بعث رسولاً ملكياً، لكان على هيئة رجل، ليمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه، ولو كان كذلك لالتبس الأمر عليهم " (١) .
والتباس الأمر عليهم بسبب كونه في صورة رجل، فلا يستطيعون أن يتحققوا من كونه ملكاً، وإذا كان الأمر كذلك فلا فائدة من إرسال الرسل من الملائكة على هذا النحو، بل إرسالهم من الملائكة على هذا النحو لا يحقق الغرض المطلوب، لكون الرسول الملك لا يستطيع أن يحس بإحساس البشر وعواطفهم وانفعالاتهم وإن تشكل بأشكالهم.
стр. 52
المطلب الثالث
مقتضى بشرية الأنبياء والرسل
مقتضى كون الرسل بشراً أن يتصفوا بالصفات التي لا تنفك البشرية عنها، وهي:
أولاً: يأكلون ويشربون وينامون ويتزوجون ويولد لهم:
الرسل والأنبياء يحتاجون لما يحتاج إليه البشر من الطعام والشراب، ويحدِثونَ كما يحدث البشر، لأنّ ذلك من لوازم الطعام والشراب، (وما أرسلنا من قبلك إلاَّ رجالاً نُّوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون - وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطَّعام وما كانوا خالدين) [الأنبياء: ٧-٨] .
ومن ذلك أنهم ولدوا كما ولد البشر، لهم آباء وأمهات، وأعمام وعمات، وأخوال وخالات، يتزوجون ويولد لهم، (ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذريَّةً) [الرعد: ٣٨] .
ويصيبهم ما يصيب البشر من أعراض، فهم ينامون ويقومون، ويصحون ويمرضون، ويأتي عليهم ما يأتي على البشر وهو الموت، فقد جاء في ذكر إبراهيم خليل الرحمن لربه: (والَّذي هو يطعمني ويسقين - وإذا مرضت فهو يشفين - والَّذي يميتني ثمَّ يحيين) [الشعراء: ٧٩-٨١] . وقال الله لعبده ورسوله محمد ﷺ : (إنَّك ميتٌ وإنَّهم مَّيتون) [الزمر: ٣٠] ، وقال مبيناً أنّ هذه سنته في الرسل كلهم: (وما محمَّدٌ إلاَّ رسولٌ قد خلت من قبله الرُّسل أفإن مَّات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) [آل عمران: ١٤٤] وقد جاء في وصف الرسول ﷺ : " كان بشراً من البشر: يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه " (١) .
стр. 53
وقد صح أنّ الرسول ﷺ قال لأمّ سُلَيم: " يا أم سُلَيم، أما تعلمين أني شرطي على ربي، أني اشترطت على ربي، فقلت: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيّما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل، أن يجعلها طَهوراً وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة " (١) .
ثانياً: تعرض الأنبياء للبلاء:
ومن مقتضى بشرية الرسل أنّهم يتعرضون للابتلاء كما يتعرض البشر، فقد يسجنون كما سجن يوسف (قال رب السجن أحبُّ إليَّ ممَّا يدعونني إليه) [يوسف: ٣٣] ، وذكر الله أنه (فلبث في السجن بضع سنين) [يوسف: ٤٢] ، وقد يصيبهم قومهم بالأذى وقد يدمونهم، كما أصابوا الرسول ﷺ في معركة أحد فأدموه، وكسروا رباعيته، وقد يخرجونهم من ديارهم كما هاجر إبراهيم من العراق إلى الشام، وكما هاجر نبينا محمد ﷺ من مكة إلى المدينة، وقد يقتلونهم (أفكلَّما جاءكم رسولٌ بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذَّبتم وفريقاً تقتلون) [البقرة: ٨٧] وقد يصابون بالأمراض، كما ابتلى الله نبيّه أيوب فصبر، وقد صحّ عن الرسول ﷺ : " أن نبيّ الله أيوب لبث به بلاؤه ثمان عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه.. " (٢) .
وكان من ابتلائه أن ذهب أهله وماله، وكان ذا مال وولد كثير، (وأيُّوب إذ نادى ربَّهُ أني مسني الضرُّ وأنت أرحم الرَّاحمين - فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضرٍ وآتيناه أهله ومثلهم مَّعهم رحمةً من عندنا وذكرى للعابدين) [الأنبياء: ٨٣-٨٤] .
والأنبياء لا يصابون بالبلاء فحسب، بل هم أشدُّ الناس بلاءً، فعن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قلت لرسول الله ﷺ : أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: الأنبياء، ثمّ الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلباً اشتدّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقَّة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد
стр. 54
حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة " (١) .
ودخل أبو سعيد الخدري على الرسول ﷺ وهو يوعك، فوضع يده على الرسول ﷺ فوجد حرّه بين يديه فوق اللحاف، فقال: يا رسول الله، ما أشدها عليك! قال: " إنا كذلك، يُضّعَّف علينا البلاء، ويُضَعَّف لنا الأجر "، قلت: يا رسول الله، أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: " الأنبياء، ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر، حتى ما يجد إلا العباءة التي يُحَوِّيها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء " (٢) . (٣) .
ثالثاً: اشتغال الأنبياء بأعمال البشر:
ومن مقتضى بشريتهم أنهم قد يقومون بالأعمال والأشغال التي يمارسها البشر، فمن ذلك اشتغال الرسول ﷺ بالتجارة، قبل البعثة، ومن ذلك رعي الأنبياء للغنم، فقد روى جابر بن عبد الله ﵁ قال: ((كنّا مع رسول الله ﷺ نجني الكَبَاث (٤) ، وإنّ رسول الله ﷺ قال: " عليكم بالأسود منه، فإنّه أطيبه "، قالوا: أكنت ترعى الغنم؟ قال: " وهل من نبي إلا وقد رعاها " رواه البخاري في صحيحه (٥) .
ومن الأنبياء الذين نصّ القرآن على أنهم رعوا الغنم نبيّ الله موسى ﵇، فقد عمل في ذلك عدةّ سنوات، فقد قال له العبد الصالح: (إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حججٍ فإن أتممت عشراً فمن عندك وما أريد أن أشقَّ عليك ستجدني إن شاء الله من الصَّالحين - قال ذلك بيني وبينك أيَّما الأجلين قضيت فلا عدوان عليَّ
стр. 55
والله على ما نقول وكيلٌ) [القصص: ٢٧-٢٨] قال ابن حجر: والذي قاله الأئمة أن الحكمة في رعاية الأنبياء للغنم ليأخذوا أنفسهم بالتواضع، وتعتاد قلوبهم بالخلوة، ويترقوا من سياستها إلى سياسة الأمم (١) .
ومن الأنبياء الذي عملوا بأعمال البشر داود ﵇، فقد كان حدّاداً يصنع الدروع، قال تعالى: (وعلَّمناه صنعة لبوسٍ لَّكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون) [الأنبياء: ٨٠] ، كان حداداً، وفي نفس الوقت كان ملكاً، وكان يأكل مما تصنعه يداه.
ونبي الله زكريا كان يعمل نجاراً، فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " كان زكريا يعمل نجاراً " (٢) .
رابعاً: ليس فيهم شيء من خصائص الألوهية والملائكية:
ومقتضى كونهم بشراً أنهم ليسوا بآلهة، وليس فيهم من صفات الألوهية شيء، ولذلك فإنّ الرسل يتبرَّؤون من الحول والطول ويعتصمون بالله الواحد الأحد، ولا يَدَّعون شيئاً من صفات الله تعالى، قال تعالى مبيناً براءة عيسى مما نسب إليه: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنَّاس اتَّخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقٍ إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنَّك أنت علَّام الغيوب - ما قلت لهم إلاَّ ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربَّكم وكنت عليهم شهيداً مَّا دمت فيهم فلما توفَّيتني كنت أنت الرَّقيب عليهم وأنت على كل شيءٍ شهيد) [المائدة: ١١٦-١١٧] .
هذه مقالة عيسى في الموقف الجامع في يوم الحشر الأكبر، وهي مقولة صدق تنفي تلك الأكاذيب والترهات التي وصف بها النصارى عبد الله ورسوله عيسى فطائفة قالت: الله هو المسيح ابن مريم حلّ في بطن مريم (لقد كفر الَّذين قالوا إنَّ الله هو المسيح ابن مريم) [المائدة: ٧٢] ، وأخرى قالت: هو ثالث
стр. 56
ثلاثة (لَّقد كفر الَّذين قالوا إنَّ الله ثالث ثلاثةٍ) [المائدة: ٧٣] وطائفة ثالثة قالوا: هو ابن الله، تعالى الله عما يقولون علوّاً كبيراً: (وقالوا اتَّخذ الرَّحمن ولداً - لَّقد جئتم شيئاً إدّاً) [مريم: ٨٨-٨٩] .
لقد غلا النصارى في عيسى غلواً عظيماً، وهم بمقالتهم الغالية هذه يسبُّون الله أعظم سبّ وأقبحه، فهم يزعمون: " أنّ ربَّ العالمين نزل عن كرسي عظمته، فالتحم ببطن أنثى، وأقام هناك مدةً من الزمان، بين دم الطمث في ظلمات الأحشاء، تحت ملتقى الأعكان، ثمّ خرج صبياً رضيعاً يشبُّ شيئاً فشيئاً، ويبكي، ويأكل، ويشرب، ويبول، ويتقلب مع الصبيان، ثمّ أودع المكتب بين صبيان اليهود، يتعلم ما ينبغي للإنسان، هذا وقد قطعت منه القلفة حين الختان، ثمّ جعل اليهود يطردونه من مكان إلى مكان، ثمّ قبضوا عليه وأحلوه أصناف الذلّ والهوان، فعقدوا على رأسه من الشوك تاجاً من أقبح التيجان، وأركبوه قصبة ليس لها لجام ولا عنان، ثمّ ساقوه إلى خشبة الصلب مصفوعاً مبصوقاً في وجهه، وهم خلفه وأمامه وعن شمائله والأيمان، ثمّ أركبوه ذلك المركب الذي تقشعرُّ منه القلوب مع الأبدان، ثمّ شدّت بالحبال يده مع الرجلان، ثمّ خالطهما تلك المسامير، التي تكسر العظام، وتمزق اللحمان، وهو يستغيث، ويقول: ارحموني، فلا يرحمه منهم إنسان، هذا وهو مدبر العالم العلوي والسفلي، الذي يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن، ثمّ مات ودفن في التراب تحت صم الجنادل والصوّان، ثمّ قام من القبر وصعد إلى عرشه وملكه بعد أن كان ما كان " (١) .
فأيّ سبّ أعظم من هذا السبّ الذي نسبوه إلى الباري جل وعلا! وأي ضلال أعظم من هذا الضلال!.
المطلب الرابع
الكمال البشري
لا شكّ أن البشر يتفاوتون فيما بينهم تفاوتاً كبيراً في الخَلْق والخُلُق، والمواهب، فمن البشر القبيح والجميل وبين ذلك، ومنهم الأعمى والأعور
стр. 57
والمبصر بعينه، والمبصرون يتفاوتون في جمال عيونهم وفي قوة أبصارهم، ومنهم الأصم والسميع وبين ذلك، ومنهم ساقط المروءة، ومنهم ذو المروءة والهمة العالية.
ولا شكّ أن الأنبياء والرسل يمثلون الكمال الإنساني في أرقى صوره، ذلك أنّ الله اختارهم واصطفاهم لنفسه، فلا بدّ أن يختار أطهر البشر قلوباً، وأزكاهم أخلاقاً، وأجودهم قريحة، (الله أعلم حيث يجعل رسالته) [الأنعام: ١٢٤] .
والكمال البشري يتحقق فيما يأتي:
١- الكمال في الخلقة الظاهرة:
لقد حذرنا الله تعلى من إيذاء الرسول ﷺ كما آذى بنو إسرائيل موسى، (يا أيَّها الَّذين آمنوا لا تكونوا كالَّذين آذوا موسى فبرَّأه الله ممَّا قالوا وكان عند الله وجيهاً) [الأحزاب: ٦٩] .
وقد بين لنا رسولنا ﷺ أن إيذاء بني إسرائيل لموسى كان باتهامهم إياه بعيب خلقي في جسده، ففي صحيح البخاري (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إنّ موسى كان رجلاً حيياً ستَّيراً لا يرى من جلده شيء استحياءً منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلاّ من عيب بجلده (٢) : إما برص، وإمّا أُدْرة (٣) ، وإمّا آفة، وإنّ الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى، فخلا يوماً وحده، فوضع ثيابه على الحجر، ثمّ اغتسل، فلمّا فرغ، أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإنّ الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملا من بني إسرائيل فرأوه عرياناً، أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ بثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضرباً بعصاه، فوالله إنّ بالحجر لندباً من أثر ضربه، ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً، فذلك قوله: (يا أيَّها الَّذين آمنوا لا تكونوا كالَّذين آذوا موسى فبرَّأه الله ممَّا قالوا وكان عند الله وجيهاً) [الأحزاب: ٦٩] .
стр. 58
قال ابن حجر العسقلاني معقباً على الحديث: " وفيه أن الأنبياء في خَلقهم وخُلُقهم، على غاية الكمال، وأن من نسب نبيّاً إلى نقص في خلقته فقد آذاه، ويخشى على فاعله الكفر " (١) .
الصور الظاهرة مختلفة:
ليس معنى كون الرسل أكمل الناس أجساماً أنهم على صفة واحدة صورة واحدة، فالكمال الذي يدهش ويعجب متنوع وذلك من بديع صنع الواحد الأحد وكمال قدرته.
وقد وصف لنا الرسول ﷺ بعض الأنبياء والرسل، يقول ﷺ : ((ليلة أسري بي رأيت موسى، وإذا هو رجل ضَرْبٌ من الرجال، كأنه من رجال شَنوءة)) (٢) .
وقال في عيسى: " ورأيت عيسى، فإذا هو رجل ربعة أحمر، كأنما خرج من ديماس " (٣) .
وقال فيه أيضاً: " ليس بيني وبينه نبيٌّ، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، رجل مربوع، إلى الحمرة والبياض، ينزل بين ممصرتين، كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل " (٤) .
وقد وصف لنا الصحابة رسولنا ﷺ فمن ذلك قولهم: " كان ربعة من القوم، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير، أزهر اللون، ليس بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم، ليس بجعد قَطِطٍ، ولا سَبْطٍ رَجِلٍ " (٥) ، وقالوا فيه: " كان أحسن الناس.. ربعة، إلى الطول ما هو، بعيد ما بين المنكبين، أسيل الخدين، شديد سواد الشعر، أكحل العينين، أهدب الأشفار، إذا وطئ بقدمه وطئ بكلها، ليس له أخمص، إذا وضع رداءه عن منكبيه فكأنه سبيكة فضة " (٦) .
وكان الرسول أشبه الناس بنبي الله إبراهيم كما أخبرنا ﵇ بذلك (٧) .
٢- الكمال في الأخلاق:
لقد بلغ الأنبياء في هذا مبلغاً عظيماً، وقد استحقوا أن يثني عليهم ربّ الكائنات فقد أثنى الله على خليله إبراهيم ﵇ فقال: (إنَّ إبراهيم لحليم
стр. 59
أوَّاه مُّنيبٌ) [هود: ٧٥] .
وقالت ابنة العبد الصالح تصف موسى: (يا أبت استأجره إنَّ خير من استأجرت القويُّ الأمين) [القصص: ٢٦] .
وأثنى الله على إسماعيل ﵇ بصدق الوعد، (واذكر في الكتاب إسماعيل إنَّه كان صادق الوعد وكان رسولاً نَّبيَّاً) [مريم: ٥٤] .
وأثنى الله ﷻ ، وتقدست أسماؤه - على خلق نبينا محمد ﷺ ثناءً عطراً، فقال: (وإنَّك لعلى خلقٍ عظيمٍ) [القلم: ٤] .
فقد وصف الله - سبحانه - خلق نبينا محمد ﷺ بأنّه عظيم، وأكّد ذلك بثلاثة مؤكدات: أكّد ذلك بالإقسام عليه بنون والقلم وما يسطرون، وتصديره بإنّ، وادخال اللام على الخبر.
ومن خلقه الكريم ﷺ الذي نوَّه الله به ما جبله عليه من الرحمة والرأفة (لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتُّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رَّحيمٌ) [التوبة: ١٢٨] .
وقد كان لهذه الأخلاق أثر كبير في هداية الناس وتربيتهم، هذا صفوان ابن أميّة يقول: " والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض خلق الله إليّ، فما زال يعطيني حتى إنّه من أحبِّ الناس إليّ " (١) .
وفي صحيح مسلم عن أنس أنّ رجلاً سأل النبي ﷺ غنماً بين جبلين فأعطاه إياه، فأتى قومه فقال: أي قوم، أسلموا، فوالله إن محمداً ليعطي عطاءً، ما يخاف الفقر " (٢) .
ولو لم يتصف الرسل بهذا الكمال الذي حباهم الله به لما انقاد الناس إليهم، ذلك أن الناس لا ينقادون عن رضاً وطواعية لمن كثرت نقائصه، وقلت فضائله.
стр. 60
٣- خير الناس نسباً:
الرسل ذوو أنساب كريمة، فجميع الرسل بعد نوح من ذريته، وجميع الرسل بعد إبراهيم من ذرية إبراهيم، قال تعالى: (ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم وجعلنا في ذريَّتهما النُّبوَّة والكتاب..) [الحديد: ٢٦] .
ولذلك فإنّ الله - سبحانه - يصطفي لرسالته من كان خيار قومه في النسب، وفي الحديث الذي يرويه البخاري، يقول الرسول ﷺ : " بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً، حتى كنت من القرن الذي كنت منه " (١) .
وفي مسند أحمد وسنن الترمذي عن الرسول، ﷺ قال: ((أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إنّ الله - تعالى - خلق الخلق فجعلني في خيرهم، ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة، ثمّ جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثمّ جعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً، فأنا خيركم بيتاً، وخيركم نفساً)) (٢) .
وفي صحيح مسلم عن واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)) (٣) .
٤- أحرار بعيدون عن الرق:
ومن صفات الكمال أنّ الأنبياء لا يكونون أرقاء. يقول السفاريني في هذا: " الرق وصف نقص لا يليق بمقام النبوة، والني يكون داعياً للناس آناء الليل وأطراف النهار، والرقيق لا يتيسر له ذلك، وأيضاً الرقّيَّة وصف نقص يأنف الناس ويستنكفون من اتباع من اتصف بها، وأن يكون إماماً لهم وقدوة، وهي أثر الكفر، والأنبياء منزهون عن ذلك " (٤)(٥) .
стр. 61
٥- التفرد في المواهب والقدرات:
الأنبياء أُعطوا العقول الراجحة، والذكاء الفذ، واللسان المبين، والبديهة الحاضرة، وغير ذلك من المواهب والقدرات التي لا بدّ منها لتحمل الرسالة ثم إبلاغها ومتابعة الذين تقبلوها بالتوجيه والتربية.
لقد كان الرسول ﷺ يحفظ ما يُلقى إليه ولا ينسى منه كلمة (سَنُقْرِؤُكَ فلا تنسى) [الأعلى: ٦] .
وقد كانوا يعرضون دين الله للمعارضين ويفحمونهم في معرض الحجاج، وفي هذا المجال أسكت إبراهيم خصمه (فبهت الَّذي كفر والله لا يهدي القوم الظَّالمين) [البقرة: ٢٥٨] ، وقال الله معقباً على محاججة إبراهيم لقومه: (وتلك حجَّتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجاتٍ مَّن نَّشاء) [الأنعام: ٨٣] .
وموسى كان يجيب فرعون على البديهة حتى انقطع، فانتقل إلى التهديد بالقوة (قال فرعون وما ربُّ العالمين - قال ربُّ السَّماوات والأرض وما بينهما إن كنتم مُّوقنين - قال لمن حوله ألا تستمعون - قال ربُّكم وربُّ آبائكم الأوَّلين - قال إنَّ رسولكم الَّذي أرسل إليكم لمجنون - قال ربُّ المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون - قال لئن اتَّخذت إلهاً غيري لأجعلنَّك من المسجونين) [الشعراء: ٢٣-٢٩] .
٦- الكمال في تحقيق العبودية:
بيّنا الكمال الذي حبا الله به رسله في صورهم الظاهرة، وأخلاقهم الباطنة، والمواهب والسجايا التي أعطاهم إياها في ذوات أنفسهم، وهناك نوع آخر من الكمال وفق الله رسله وأنبياءه لتحصيله، وهو تحقيق العبودية لله في أنفسهم.
فكلّما كان الإنسان أكثر تحقيقاً للعبودية لله تعالى، كلَّما كان أكثر رقيّاً في سلّم الكمال الإنساني، وكلما ابتعد عن تحقيق العبودية لله كلما هبط وانحدر.
والرسل حازوا السبق في هذا الميدان، فقد كانت حياتهم انطلاقة جادة في
стр. 62
تحقيق هذه العبودية، وهذا خاتم الرسل وسيد المرسلين يثني عليه ربّه في أشرف المقامات بالعبودية، فيصفه بها في مقام الوحي (فأوحى إلى عبده ما أوحى) [النجم: ١٠] ، وفي مقام إنزال الكتاب (تبارك الَّذي نزَّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً) [الفرقان: ١] ، وفي مقام الدعوة (وأنَّه لمَّا قام عبد الله يدعوه) [الجن: ١٩] ، وفي مقام الإسراء (سبحان الَّذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الَّذي باركنا حوله..) [الإسراء: ١] وبهذه العبودية التامة استحق صلوات الله وسلامه عليه التقديم على الناس في الدنيا والآخرة، ولذلك فإن المسيح ﵇ يقول للناس إذا طلبوا منه الشفاعة بعد طلبها من الرسل من قبله: " ائتوا محمداً ﷺ ، فقد غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر " (١) .
وإليك صورة من صور هذه العبودية ترويها لنا أمّنا عائشة ﵂ قالت ﵂ وعن أبيها: " قلت: يا رسول الله، كُلْ - جعلني الله فداك - متكئاً، فإنّه أهون عليك، فأحنى رأسه حتى كاد أن تصيب جبهته الأرض، وقال: بل آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد " رواه البغوي في شرح السنة، وابن سعد، والإمام أحمد في الزهد (٢) .
٧- الذكورة:
ومن الكمال الذي حباهم به أنه اختار جميع الرسل الذين أرسلهم من الرجال، ولم يبعث الله رسولاً من النساء يدلُّ على ذلك صيغة الحصر التي وردت في قوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك إلاَّ رجالاً نُّوحي إليهم) [الأنبياء: ٧] .
الحكمة من كون الرسل رجالاً:
كان الرسل من الرجال دون النساء لحكم يقتضيها المقام فمن ذلك:
стр. 63
١- أنّ الرسالة تقتضي الاشتهار بالدعوة، ومخاطبة الرجال والنساء، ومقابلة الناس في السرّ والعلانية، والتنقل في فجاج الأرض، ومواجهة المكذبين ومحاججتهم ومخاصمتهم، وإعداد الجيوش وقيادتها، والاصطلاء بنارها، وكل هذا يناسب الرجال دون النساء.
٢- الرسالة تقتضي قوامة الرسول على من يتابعه، فهو في أتباعه الآمر الناهي، وهو فيهم الحاكم والقاضي، ولو كانت الموكلة بذلك امرأة لَمْ يتم ذلك لها على الوجه الأكمل، ولا ستنكف أقوام من الاتباع والطاعة.
٣- الذكورة أكمل كما بينا آنفاً، ولذلك جعل الله القوامة للرجال على النساء (الرجال قوَّامون على النساء) [النساء: ٣٤] وأخبر الرسول ﷺ أنّ النساء ناقصات عقل ودين.
٤- المرأة يطرأ عليها ما يعطلها عن كثير من الوظائف والمهمات، كالحيض والحمل والولادة والنفاس، وتصاحب ذلك اضطرابات نفسية وآلام وأوجاع، عدا ما يتطلبه الوليد من عناية، وكل ذلك مانع من القيام بأعباء الرسالة وتكاليفها.
стр. 64
(١) نبوّة النساء
ذهب بعض العلماء (١) إلى أنّ الله أنعم على بعض النساء بالنبوة، فمن هؤلاء أبو الحسن الأشعري والقرطبي وابن حزم (٢) .
والذين يقولون بنبوة النساء متفقون على نبوة مريم، ومنهم من ينسب النبوة إلى غيرها، ويعدّون من النساء النبيات: حواء وسارة وأمّ موسى وهاجر وآسية.
وهؤلاء عندما اعترض عليهم بالآية التي تحصر الرسالة في الرجال دون النساء، قالوا: نحن لا نخالف في ذلك، فالرسالة للرجال، أمّا النبوة فلا يشملها النصُّ القرآني، وليس في نبوة النساء تلك المحذورات التي عددتموها فيما لو كان من النساء رسول، لأنَّ النبوة قد تكون قاصرة على صاحبها، يعمل بها، ولا يحتاج إلى أن يبلغها إلى الآخرين.
أدلتهم:
وحجّة هؤلاء أن القرآن أخبر بأن الله تعالى أوحى إلى بعض النساء، فمن ذلك أنه أوحى إلى أمّ موسى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنّا رادُّوه إليك وجاعلوه من المرسلين) [القصص: ٧] ، وأرسل جبريل إلى مريم فخاطبها (فأرسلنا إليها روحنا
стр. 65
فتمثَّل لها بشراً سويّاً - قالت إني أعوذ بالرَّحمن منك إن كنت تقيّاً - قال إنَّما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً..) [مريم: ١٧-١٩] وخاطبتها الملائكة قائلة: (يا مريم إنَّ الله اصطفاك وطهَّرك واصطفاك على نساء العالمين - يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الرَّاكعين..) [آل عمران: ٤٢-٤٣] .
فأبو الحسن الأشعري يرى أنّ كلَّ من جاءه الملك عن الله - تعالى - بحكم من أمر أو نهي أو بإعلام فهو نبي (٣) ، وقد تحقق في أمّ موسى ومريم شيء من هذا، وفي غيرهما أيضاً، فقد تحقق في حواء وسارة وهاجر وآسية بنصّ القرآن.
واستدلوا أيضاً باصطفاء الله لمريم على العالمين (واصطفاك على نساء العالمين) [آل عمران: ٤٢] وبقوله ﷺ : ((كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون)) (٤) .
قالوا: الذي يبلغ مرتبة الكمال هم الأنبياء.
الردّ عليهم:
وهذا الذي ذكروه لا ينهض لإثبات نبوة النساء، والرد عليهم من وجوه:
الأول: أنّا لا نسلم لهم أن النبيَّ غير مأمور بالتبليغ والتوجيه ومخالطة الناس، والذي اخترناه أن لا فرق بين النبيّ والرسول في هذا، وأنَّ الفرق واقع في كون النبي مرسل بتشريع رسول سابق.
وإذا كان الأمر كذلك فالمحذورات التي قيلت في إرسال رسول من النساء قائمة في بعث نبي من النساء، وهي محذورات كثيرة تجعل المرأة لا تستطيع القيام بحقّ النبوة.
الثاني: قد يكون وحي الله إلى هؤلاء النسوة أم موسى وآسية.. إنّما وقع مناماً، فقد علمنا أنّ من الوحي ما يكون مناماً، وهذا يقع لغير الأنبياء.
стр. 66
الثالث: لا نسلم لهم قولهم: إن كل من خاطبته الملائكة فهو نبي، ففي الحديث أن الله أرسل ملكاً لرجل يزور أخاً له في الله في قرية أخرى، فسأله عن سبب زيارته له، فلمّا أخبره أنه يحبّه في الله، أعلمه أنَّ الله قد بعثه إليه ليخبره أنه يحبّه، وقصة الأقرع والأبرص والأعمى معروفة، وقد جاء جبريل يعلم الصحابة أمر دينهم بسؤال الرسول ﷺ والصحابة يشاهدونه ويسمعونه (٥) .
الرابع: أنّ الرسول ﷺ توقف في نبوة ذي القرنين مع إخبار القرآن بأنّ الله أوحى إليه (قلنا يا ذا القرنين إمَّا أن تعذب وإمَّا أن تتَّخذ فيهم حسناً) [الكهف: ٨٦] .
الخامس: لا حجّة لهم في النصوص الدالة على اصطفاء الله لمريم، فالله قد صرح بأنّه اصطفى غير الأنبياء: (ثمَّ أورثنا الكتاب الَّذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالمٌ لنفسه ومنهم مُّقتصدٌ ومنهم سابق بالخيرات) [فاطر: ٣٢] ، واصطفى آل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ومن آلهما من ليس بنبيّ جزماً (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) [آل عمران: ٣٣] .
السادس: لا يلزم من لفظ الكمال الوارد في الحديث الذي احتجوا به النبوة، لأنّه يطلق لتمام الشيء، وتناهيه في بابه، فالمراد بلوغ النساء الكاملات النهاية في جميع الفضائل التي للنساء، وعلى ذلك فالكمال هنا غير كمال الأنبياء.
السابع: ورد في بعض الأحاديث النصّ على أن خديجة من الكاملات (٦) وهذا يبين أن الكمال هنا ليس كمال النبوة.
الثامن: ورد في بعض الأحاديث أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلاّ ما كان من مريم ابنة عمران (٧) ، وهذا يبطل القول بنبوة من عدا مريم كأم موسى وآسية،
стр. 67
لأنّ فاطمة ليست بنبيّة جزماً وقد نصَّ الحديث على أنها أفضل من غيرها، فلو كانت أم موسى وآسية نبيتان لكانتا أفضل من فاطمة.
التاسع: وصف مريم بأنها صديقة في مقام الثناء عليها والإخبار بفضلها، قال تعالى: (مَّا المسيح ابن مريم إلاَّ رسولٌ قد خلت من قبله الرُّسل وأمُّه صديقةٌ كانا يأكلان الطَّعام) [المائدة: ٧٥] فلو كان هناك وصفاً أعلى من ذلك لوصفها به، ولم يأت في نصّ قرآني ولا في حديث نبويّ صحيح إخبار بنبوة واحدة من النساء.
وقد نقل القاضي عياض عن جمهور الفقهاء أنّ مريم ليست بنبيّة، وذكر النووي في الأذكار عن إمام الحرمين أنّه نقل الإجماع على أنّ مريم ليست نبيّة (٨) ، ونسبه في ((شرح المهذب)) لجماعة، وجاء عن الحسن البصري: ليس في النساء نبيّة ولا في الجنّ (٩) .
стр. 68
ولا تنام قلوبهم " رواه البخاري في صحيحه (١) ، وهذا وإن كان من قول أنس إلا أن مثله لا يقال من قبل الرأي كما يقول ابن حجر (٢) ، وقد ورد هذا من قول الرسول ﷺ ، فقد صحّ عنه أنّه قال: " إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا "، وقال ﷺ عن نفسه: " إنّ عيني تنامان ولا ينام قلبي " (٣) .
٤- تخيير الأنبياء عند الموت:
مما تفرد به الأنبياء أنّهم يخيَّرون بين الدنيا والآخرة، فعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما من نبي يمرض إلاّ خيّر بين الدنيا والآخرة "، وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بحّة شديدة، فسمعته يقول: (مع الَّذين أنعم الله عليهم من النَّبيين والصديقين والشُّهداء والصَّالحين) [النساء: ٦٩] فعلمت أنه خيَّر (٤) .
وقد سبق أن أوردنا حديث تخيير ملك الموت لموسى وضرب موسى لملك الموت وقلع عينه (٥) .
٥- لا يقبر نبي إلا حيث يموت:
ممّا خص به الأنبياء بعد موتهم أمور تتعلق بهم في القبر، منها:
الأول: أنّه لا يقبر نبيٌّ إلاّ في الموضع الذي مات فيه، ففي الحديث: " لم يقبرني نبيٌّ إلا حيث يموت " (٦) ولهذا فإنّ الصحابة - رضوان الله عليهم - دفنوا الرسول ﷺ في حجرة عائشة حيث قبض.
стр. 69
٦- لا تأكل الأرض أجسادهم:
ومن إكرام الله لأنبيائه ورسله أنّ الأرض لا تأكل أجسادهم، فمهما طال الزمان وتقادم العهد تبقى أجسادهم محفوظة من البلى، ففي الحديث " إنّ الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء " (١) .
ويذكر أهل التاريخ قصة فيها عجب وغرابة، روى ابن كثير في البداية والنهاية (٢) عن يونس بن بكير قال: لما فتحنا تستر [مدينة في فارس] وجدنا في مال بيت الهرمزان سريراً عليه رجل ميت عند رأسه مصحف، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر، فدعا له كعباً فنسخه بالعربية، فأنا أوّل رجل من العرب قرأه، قرأته مثل ما اقرأ القرآن هذا.
فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ قال: سيركم وأموركم ولحون كلامكم، وما هو كائن بعد.
قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال حفرنا له بالنهار ثلاثة عشر قبراً متفرقة، فلما كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلّها، لنعميه على الناس فلا ينبشونه (٣) .
قلت: فما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيمطرون.
قلت: من كنتم تظنون بالرجل؟ قال: رجل يقال له دانيال.
قلت: مذ كم وجدتموه؟ قال: قد مات منذ ثلاثمائة سنة.
стр. 70
قلت: ما تغير منه شيء؟ قال: لا إلاّ شعرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا يبليها الأرض، ولا تأكلها السباع.
قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح إلى أبي العالية.
ويبدو أن هذا من أنبياء بني إسرائيل، وقد ظنَّ الصحابة أنّه دانيال، لأنّ دانيال أخذه ملك الفرس، فأقام عنده مسجوناً، ويبدو أنَّ تقدير الذين وجدوه لم يكن صواباً، فإنّ دانيال كان قبل الإسلام بثمانمائة سنة، فإن كان تقديرهم صواباً فليس بنبي؛ لأنّه لا نبي بين عيسى ورسولنا محمد عليهما الصلاة والسلام، فيكون عبداً صالحاً ليس بنبي، وكونه نبياً أرجح، لأنّ الذين تحفظ أجسادهم هم الأنبياء دون غيرهم، ويرجح هذا أيضاً ذلك الكتاب الذي وجد عند رأسه، لا شكّ أنه كتاب نبيّ، فالأمور الغيبيّة التي تضمنها لا تكون إلا وحياً سماوياً، وترجيحنا لكونه من بني إسرائيل لأمرين:
الأول: ظن الصحابة أنّه دانيال، ويكونون قد علموا ذلك من قرائن لم تذكر.
والثاني: الكتاب الذي وجد عند رأسه، ويبدو أنه كان مكتوباً بالعبرانية، لأنّ الذي ترجمه هو أبيّ بن كعب، وقد كان قبل إسلامه يهودياً.
٧- أحياء في قبورهم:
صحَّ عن النبيَّ أنّ " الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون " (١) ، وروي أيضاً أنّ الرسول ﷺ قال: " مررت على موسى ليلة أسري به عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره " (٢) .
وروى مسلم عن أبي هريرة في قصة الإسراء: " وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي..، وإذا عيسى ابن مريم قائم يصلي، وإذا إبراهيم قائم يصلي " (٣) .
стр. 71
عِصمَة الرّسُل
هل الرسل معصومون عن الخطأ والمعصية، وهل هي عصمة عامّة شاملة؟ هذا ما سنحاول بيانه في هذا الفصل.
المبحث الأول
العِصمة في التحمّل وفي التبليغ
اتفقت الأمة على أنَّ الرسل معصومون في تحمّل الرسالة (١) ، فلا ينسون شيئاً مما أوحاه الله إليهم إلاّ شيئاً قد نُسخ، وقد تكفل الله لرسوله ﷺ بأن يقرئه فلا ينسى شيئاً مما أوحاه إليه، إلا شيئاً أراد الله أن ينسيه إياه: (سَنُقْرِؤُكَ فلا تنسى - إلاَّ ما شاء الله) [الأعلى: ٦-٧] ، وتكفل له بأن يجمعه في صدره: (لا تحرك به لسانك لتعجل به - إنَّ علينا جمعه وَقُرْآنَهُ - فإذا قَرَأْنَاهُ فاتَّبع قُرْآنَهُ) [القيامة: ١٦-١٨] .
وهم معصومون في التبليغ، فالرسل لا يكتمون شيئاً ممّا أوحاه الله إليهم، ذلك أن الكتمان خيانة، والرسل يستحيل أن يكونوا كذلك، قال تعالى: (يا أيُّها الرَّسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لَّم تفعل فما بلَّغت رسالته) [المائدة: ٦٧] ولو حدث شيء من الكتمان أو التغيير لما أوحاه الله، فإن عقاب الله يحلّ بذلك الكاتم المغيّر (ولو تقوَّل علينا بعض الأقاويل - لأخذنا منه باليمين - ثمَّ لقطعنا منه الوتين) [الحاقة: ٤٤-٤٦] .
стр. 72
ومن العصمة ألاّ ينسوا شيئاً مما أوحاه الله إليهم، وبذلك لا يضيع شيء من الوحي، وعدم النسيان في التبليغ داخل في قوله تعالى: (سَنُقْرِؤُكَ فلا تنسى) [الأعلى: ٦] وما يدل على عصمته في التبليغ قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى - إن هو إلاَّ وحي يوحى) [النجم: ٣-٤] .
стр. 73
عصمة الرسول ﷺ من القتل:
عصم الله رسوله ﷺ من القتل حتى يبلغ رسالة ربه، قال تعالى: (يا أيُّها الرَّسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لَّم تفعل فما بلَّغت رسالته والله يعصمك من الناس) [المائدة: ٦٧] ، قال سفيان الثوري فيما نقله عنه ابن كثير في تفسير هذه الآية: " بلغ أنت رسالتي، وأنا حافظك، وناصرك ومؤيدك على أعدائك، ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك " (١) . وقد أورد ابن كثير في تفسيره هذه الآية الأحاديث التي تفيد أنّ الصحابة كانوا يحرسون الرسول ﷺ قبل نزول هذه الآية، فلما نزلت ترك رسول الله ﷺ الحرس (٢) .
وقد جعل اليهود في شاة مصلية أهدتها يهودية لرسول الله ﷺ سمّاً لتقتله، فلما سألهم عما حملهم على ذلك قالوا: " أردنا إن كنت كاذباً نستريح منك، وإن كنت صادقاً لم يضرك " رواه البخاري (٣) .
ولما سأل المرأة قالت: " أردت قتلك " فقال: ما كان الله ليسلطك على ذلك " رواه البخاري ومسلم وأبو داود (٤) .
فقد عصم الله رسوله أن يقتله السم، وأكل معه بعض أصحابه فماتوا كما أفادته بعض الأحاديث التي روت الواقعة.
عصمة الرسول ﷺ من الشيطان:
وعصم الله رسوله ﷺ من الشيطان، وقد أعان الله رسوله على قرينه الشيطان فأسلم، فلا يأمره إلا بخير، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك؟ قال: وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير " (٥) وفي حديث عائشة أنه سمى القرين شيطاناً (٦) .
المبحث الثاني
عدم العصمة من الأعراض البشريّة كالخوف والنسيان
الأعراض البشرية كالخوف والغضب والنسيان تقع من الرسل والأنبياء، وهي لا تنافي عصمتهم والأمثلة على ذلك في الكتاب والسنة كثيرة، فمن ذلك:
١- خوف إبراهيم ﵇ من ضيوفه:
أوجس إبراهيم ﵇ في نفسه خيفة عندما رأى أيدي ضيوفه لا تمتد إلى الطعام الذي قدمه لهم، ولم يكن يعلم أنّهم ملائكة تشكلوا في صور البشر (فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ) [هود: ٧٠] .
٢- عدم صبر موسى ﵇ على تصرفات العبد الصالح:
وموسى وعد الخضر بأن يصبر في صحبته له، فلا يسأله عن أمر يفعله العبد الصالح حتى يحدث له منه ذكراً، ولكنه لم يتمالك نفسه، إذ رأى تصرفات غريبة، فكان في كل مرّة يسأل أو يعترض أو يوجه (٧) ، وفي كل مرّة يذكّره العبد الصالح ويقول له: (قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا) [الكهف: ٧٥] . وعندما كشف له عن سر أفعاله قال له: (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا) [الكهف: ٨٢] .
٣- تصرفات موسى ﵇ عندما رأى قومه يعبدون العجل:
وغضب موسى غضباً شديداً، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وألقى الألواح وفي نسختها هدى - عندما عاد إلى قومه بعد أن تمّ ميقات ربه، فوجدهم يعبدون العجل، (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي
стр. 74
مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [الأعراف: ١٥٠] وفي الحديث: " ليس الخبر كالمعاينة، إنَّ الله تعالى أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يلق الألواح، فلمّا عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت " (١) .
٤- نسيان آدم وجحوده:
ومن ذلك نسيان آدم ﵇ وجحوده، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كلٍّ منهم وبيصاً من نور، ثمّ عرضهم على آدم، فقال: أي ربِّ مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلاً منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أي ربّ من هذا؟ فقال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك، يقال له داود، فقال: ربِّ كم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة، قال: أي ربِّ زده من عمري أربعين سنة، فلما انقضى عمر آدم، جاءه ملك الموت، فقال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة، قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد آدم، فجحدت ذريته، ونسي آدم، فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته " (٢) .
٥- نبي يحرق قرية النمل:
ومن ذلك ما وقع من نبي من الأنبياء غضب إذ قرصته نملة، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فعاتبه الله على ذلك، ففي الحديث الذي يرويه أبو هريرة عن النبي ﷺ : " نزل نبيٌّ من الأنبياء تحت شجرة، فلدغته نملة، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثمّ أمر ببيتها فأحرق بالنار، فأوحى الله إليه: فهلاّ نملة واحدة " (٣) .
стр. 75
٦- نسيان نبينا ﷺ وصلاته الظهر ركعتين:
ومن ذلك نسيان الرسول ﷺ في غير البلاغ، وفي غير أمور التشريع، فمن ذلك ما رواه ابن سيرين عن أبي هريرة قال: " صلى بنا رسول الله ﷺ ، إحدى صلاتي العشيّ (١) ، فصلى ركعتين، ثمّ سلّم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنّه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبّك بين أصابعه، ووضع خدّه الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه.
وفي القوم رجل يقال له ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: لم أنس، ولم تقصر، فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم. فتقدم فصلّى ما ترك، ثمّ سلّم، ثمّ كبّر، وسجد مثل سجود أو أطول، ثمّ رفع رأسه وكبّر، وسجد مثل سجوده أو أطول، ثمّ رفع رأسه وكبّر، فربما سألوه، ثمّ سلّم، فيقول: أنبئت أنّ عمران بن حصين، قال: ثمّ سلّم " متفق عليه، وليس لمسلم فيه وضع اليد على اليد ولا التشبيك.
وفي رواية، قال: " بينما أنا أصلّي مع النبي ﷺ صلاة الظهر سلّم من ركعتين، فقام رجل من بني سليم، فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ " وساق الحديث، رواه أحمد ومسلم.
وهذا يدل على أنّ القصة كانت بحضرته وبعد إسلامه.
وفي رواية متفق عليها لما قال: " لم أنس ولم تقصر، قال: بلى، قد نسيت " وهذا يدل على أن ذا اليدين تكّلم بعدما علم عدم النسخ كلاماً ليس بجواب سؤال (٢) .
وقد صرح الرسول ﷺ بطروء النسيان عليه كعادة البشر، ففي حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: " ولكنّي إنّما أنا بشر، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت