← Акыда

Акыда · id 9655

الرسل والرسالات

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (218 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

عِصمَة الرّسُل هل الرسل معصومون عن الخطأ والمعصية، وهل هي عصمة عامّة شاملة؟ هذا ما سنحاول بيانه في هذا الفصل. المبحث الأول العِصمة في التحمّل وفي التبليغ اتفقت الأمة على أنَّ الرسل معصومون في تحمّل الرسالة (١) ، فلا ينسون شيئاً مما أوحاه الله إليهم إلاّ شيئاً قد نُسخ، وقد تكفل الله لرسوله ﷺ بأن يقرئه فلا ينسى شيئاً مما أوحاه إليه، إلا شيئاً أراد الله أن ينسيه إياه: (سَنُقْرِؤُكَ فلا تنسى - إلاَّ ما شاء الله) [الأعلى: ٦-٧] ، وتكفل له بأن يجمعه في صدره: (لا تحرك به لسانك لتعجل به - إنَّ علينا جمعه وَقُرْآنَهُ - فإذا قَرَأْنَاهُ فاتَّبع قُرْآنَهُ) [القيامة: ١٦-١٨] . وهم معصومون في التبليغ، فالرسل لا يكتمون شيئاً ممّا أوحاه الله إليهم، ذلك أن الكتمان خيانة، والرسل يستحيل أن يكونوا كذلك، قال تعالى: (يا أيُّها الرَّسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لَّم تفعل فما بلَّغت رسالته) [المائدة: ٦٧] ولو حدث شيء من الكتمان أو التغيير لما أوحاه الله، فإن عقاب الله يحلّ بذلك الكاتم المغيّر (ولو تقوَّل علينا بعض الأقاويل - لأخذنا منه باليمين - ثمَّ لقطعنا منه الوتين) [الحاقة: ٤٤-٤٦] .

стр. 72

ومن العصمة ألاّ ينسوا شيئاً مما أوحاه الله إليهم، وبذلك لا يضيع شيء من الوحي، وعدم النسيان في التبليغ داخل في قوله تعالى: (سَنُقْرِؤُكَ فلا تنسى) [الأعلى: ٦] وما يدل على عصمته في التبليغ قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى - إن هو إلاَّ وحي يوحى) [النجم: ٣-٤] .

стр. 73

عصمة الرسول ﷺ من القتل: عصم الله رسوله ﷺ من القتل حتى يبلغ رسالة ربه، قال تعالى: (يا أيُّها الرَّسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لَّم تفعل فما بلَّغت رسالته والله يعصمك من الناس) [المائدة: ٦٧] ، قال سفيان الثوري فيما نقله عنه ابن كثير في تفسير هذه الآية: " بلغ أنت رسالتي، وأنا حافظك، وناصرك ومؤيدك على أعدائك، ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك " (١) . وقد أورد ابن كثير في تفسيره هذه الآية الأحاديث التي تفيد أنّ الصحابة كانوا يحرسون الرسول ﷺ قبل نزول هذه الآية، فلما نزلت ترك رسول الله ﷺ الحرس (٢) . وقد جعل اليهود في شاة مصلية أهدتها يهودية لرسول الله ﷺ سمّاً لتقتله، فلما سألهم عما حملهم على ذلك قالوا: " أردنا إن كنت كاذباً نستريح منك، وإن كنت صادقاً لم يضرك " رواه البخاري (٣) . ولما سأل المرأة قالت: " أردت قتلك " فقال: ما كان الله ليسلطك على ذلك " رواه البخاري ومسلم وأبو داود (٤) . فقد عصم الله رسوله أن يقتله السم، وأكل معه بعض أصحابه فماتوا كما أفادته بعض الأحاديث التي روت الواقعة. عصمة الرسول ﷺ من الشيطان: وعصم الله رسوله ﷺ من الشيطان، وقد أعان الله رسوله على قرينه الشيطان فأسلم، فلا يأمره إلا بخير، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك؟ قال: وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير " (٥) وفي حديث عائشة أنه سمى القرين شيطاناً (٦) . المبحث الثاني عدم العصمة من الأعراض البشريّة كالخوف والنسيان الأعراض البشرية كالخوف والغضب والنسيان تقع من الرسل والأنبياء، وهي لا تنافي عصمتهم والأمثلة على ذلك في الكتاب والسنة كثيرة، فمن ذلك: ١- خوف إبراهيم ﵇ من ضيوفه: أوجس إبراهيم ﵇ في نفسه خيفة عندما رأى أيدي ضيوفه لا تمتد إلى الطعام الذي قدمه لهم، ولم يكن يعلم أنّهم ملائكة تشكلوا في صور البشر (فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ) [هود: ٧٠] . ٢- عدم صبر موسى ﵇ على تصرفات العبد الصالح: وموسى وعد الخضر بأن يصبر في صحبته له، فلا يسأله عن أمر يفعله العبد الصالح حتى يحدث له منه ذكراً، ولكنه لم يتمالك نفسه، إذ رأى تصرفات غريبة، فكان في كل مرّة يسأل أو يعترض أو يوجه (٧) ، وفي كل مرّة يذكّره العبد الصالح ويقول له: (قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا) [الكهف: ٧٥] . وعندما كشف له عن سر أفعاله قال له: (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا) [الكهف: ٨٢] . ٣- تصرفات موسى ﵇ عندما رأى قومه يعبدون العجل: وغضب موسى غضباً شديداً، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وألقى الألواح وفي نسختها هدى - عندما عاد إلى قومه بعد أن تمّ ميقات ربه، فوجدهم يعبدون العجل، (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي

стр. 74

مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [الأعراف: ١٥٠] وفي الحديث: " ليس الخبر كالمعاينة، إنَّ الله تعالى أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يلق الألواح، فلمّا عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت " (١) . ٤- نسيان آدم وجحوده: ومن ذلك نسيان آدم ﵇ وجحوده، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كلٍّ منهم وبيصاً من نور، ثمّ عرضهم على آدم، فقال: أي ربِّ مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلاً منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أي ربّ من هذا؟ فقال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك، يقال له داود، فقال: ربِّ كم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة، قال: أي ربِّ زده من عمري أربعين سنة، فلما انقضى عمر آدم، جاءه ملك الموت، فقال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة، قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد آدم، فجحدت ذريته، ونسي آدم، فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته " (٢) . ٥- نبي يحرق قرية النمل: ومن ذلك ما وقع من نبي من الأنبياء غضب إذ قرصته نملة، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فعاتبه الله على ذلك، ففي الحديث الذي يرويه أبو هريرة عن النبي ﷺ : " نزل نبيٌّ من الأنبياء تحت شجرة، فلدغته نملة، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثمّ أمر ببيتها فأحرق بالنار، فأوحى الله إليه: فهلاّ نملة واحدة " (٣) .

стр. 75

٦- نسيان نبينا ﷺ وصلاته الظهر ركعتين: ومن ذلك نسيان الرسول ﷺ في غير البلاغ، وفي غير أمور التشريع، فمن ذلك ما رواه ابن سيرين عن أبي هريرة قال: " صلى بنا رسول الله ﷺ ، إحدى صلاتي العشيّ (١) ، فصلى ركعتين، ثمّ سلّم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنّه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبّك بين أصابعه، ووضع خدّه الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه. وفي القوم رجل يقال له ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: لم أنس، ولم تقصر، فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم. فتقدم فصلّى ما ترك، ثمّ سلّم، ثمّ كبّر، وسجد مثل سجود أو أطول، ثمّ رفع رأسه وكبّر، وسجد مثل سجوده أو أطول، ثمّ رفع رأسه وكبّر، فربما سألوه، ثمّ سلّم، فيقول: أنبئت أنّ عمران بن حصين، قال: ثمّ سلّم " متفق عليه، وليس لمسلم فيه وضع اليد على اليد ولا التشبيك. وفي رواية، قال: " بينما أنا أصلّي مع النبي ﷺ صلاة الظهر سلّم من ركعتين، فقام رجل من بني سليم، فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ " وساق الحديث، رواه أحمد ومسلم. وهذا يدل على أنّ القصة كانت بحضرته وبعد إسلامه. وفي رواية متفق عليها لما قال: " لم أنس ولم تقصر، قال: بلى، قد نسيت " وهذا يدل على أن ذا اليدين تكّلم بعدما علم عدم النسخ كلاماً ليس بجواب سؤال (٢) . وقد صرح الرسول ﷺ بطروء النسيان عليه كعادة البشر، ففي حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: " ولكنّي إنّما أنا بشر، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت

стр. 76

فذكروني " (١) قال هذا بعد نسيانه في إحدى الصلوات. أمّا الحديث الذي يروى بلفظ: " إني لا أنسى، ولكن أُنسَّى لأسنّ " فلا يجوز أن يعارض به الحديث السابق، لأنّ هذا الحديث - كما يقول ابن حجر - لا أصل له، فإنّه من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث الشديد (٢) . المبحث الثالث مدى العصمة في إصابة الحق في القضاء الأنبياء والرسل يجتهدون في حكم ما يعرض عليهم من وقائع، ويحكمون وفق ما يبدو لهم، فهم لا يعلمون الغيب، وقد يخطئون في إصابة الحق، فمن ذلك عدم إصابة نبي الله داود في الحكم، وتوفيق الله لابنه سليمان في تلك المسألة. فعن أبي هريرة أنه سمع النبي ﷺ يقول: " كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت صاحبتها: إنّما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنّما ذهب بابنك، فتحاكمنا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود، فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقّه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى " (٣) . وقد وضح الرسول ﷺ هذه القضية وجلاّها، فقد روت أمُّ سلمة زوج النبي ﷺ : " أنّ النبي ﷺ سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: " إنّما أنا بشر، وإنّه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صدق، فأقضى له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها " (٤) .

стр. 77

الذين ينفون عن الرسل والأنبياء هذه الأعراض مخالفون للنصوص: ذهبت الشيعة الإمامية الاثنا عشرية (١) إلى أن العصمة تقتضي ألا يقع من الأنبياء سهو ولا نسيان ولا خطأ، ولا خوف ولا غير ذلك من الأعراض البشرية، وقد سقنا لك النصوص من الكتاب والسنة الدالة على خلاف ذلك، وهي نصوص لا تقبل تحويلاً ولا تأويلاً، فعليك بالكتاب والسنة ففيهما الهداية.

стр. 78

العصمة من الشرك والمعاصي والذّنوب المطلب الأول العصمة من الكبائر الأمة الإسلامية مجمعة على عصمة الأنبياء والرسل من الكبائر من الذنوب وقبائح العيوب، كالزنى والسرقة والمخادعة، وصناعة الأصنام وعبادتها، والسحر، ونحو ذلك، وقد برأ كتاب الله وسنة رسوله أنبياء الله ورسله مما افتراه عليهم اليهود والنصارى في المحرف من كتبهم، وإليك بعض ما نسبوه إليهم: أولاً: ما نسب اليهود إلى الأنبياء والمرسلين من القبائح: ١- زعموا أن نبيّ الله هارون صنع عجلاً، وعبده مع بني إسرائيل، [إصحاح (٣٢) عدد (١) من سفر الخروج] . وقد بيّن ضلالهم هذا القرآن عندما حدثنا أنّ الذي صنع لهم عجلاً جسداً له خوار هو السامري، وأن هارون قد أنكر عليهم إنكاراً شديداً. ٢- أن إبراهيم خليل الرحمن عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام قدّم امرأته سارة إلى فرعون حتى ينال الخير بسببها. [إصحاح (١٢) عدد (١٤) من سفر التكوين] . وقد كذبوا على خليل الرحمن، وقد قص علينا الرسول ﷺ قصة إبراهيم هذه عند دخوله لمصر، وفيها أن ملك مصر كان طاغية، وكان إذا وجد امرأة جميلة ذات زوج قتل زوجها وحازها لنفسه، فلما سئل إبراهيم عنها قال هي أخته، يعني أخته في الإسلام، وأخبر الرسول ﷺ أن الله حفظ سارة عندما ذهبت إلى الطاغية، فلم يمسها بأذى. ٣- ومن ذلك أن لوطاً ﵇ شرب خمراً حتى سكر، ثمّ قام على ابنتيه فزنى بهما الواحدة بعد الأخرى.. [سفر التكوين، إصحاح (١٩) عدد

стр. 79

(٣٠) ] ومعاذ الله أن يفعل لوط ذلك، وهو الذي دعا إلى الفضيلة طيلة عمره، وحارب الرذيلة، ولكنّه الحقد اليهودي يمتد إلى الكملة من البشر، فلعنة الله على الظالمين. ٤- وأن يعقوب ﵇ سرق مواشٍ من حميّه، وخرج بأهله خلسة دون أن يُعلمه.. [سفر التكوين، إصحاح (٣١) عدد (١٧) ] . ٥- وأن روابين زنى بزوجة أبيه يعقوب، وأن يعقوب ﵇، علم بهذا الفعل القبيح وسكت.. [سفر التكوين، إصحاح (٣٥) عدد (٣٢) ] . ٦- وأن داود ﵇ زنى بزوجة رجل من قواد جيشه، ثم دبر حيلة لقتل الرجل، فقتل، وبعدئذ أخذ داود الزوجة وضمها إلى نسائه، فولدت له سليمان. [سفر صموئيل الثاني إصحاح (١١) عدد (١) ] . ٧- وأن سليمان ارتد في آخر عمره، وعبد الأصنام، وبنى لها المعابد.. [سفر الملوك الأول، إصحاح (١١) عدد (٥) ] . هذه بعض المخازي والقبائح والكبائر التي نسبتها هذه الأمة المغضوب عليها إلى أنبياء الله الأطهار، وحاشاهم مما وصفوهم به، ولكنها النفوس المريضة تنسب إلى خيرة الله من خلقه القبائح، ليسهل عليهم تدبير ذنوبهم ومعايبهم عندما ينكر عليهم منكر، ويعترض عليهم معترض. ثانياً: ما نسبه النصارى من القبائح إلى الأنبياء: والنصارى ليسوا بأفضل من اليهود في هذا، فقد نسبوا إلى الأنبياء والرسل القبائح، وذلك بتصديقهم بالتوراة المحرفة المغيرة الموجودة اليوم والتي فيها ما ذكرنا، بالإضافة إلى ما في الإنجيل المحرف ومما فيه: ١- ورد في إنجيل (متى) أن عيسى من نسل سليمان بن داود، وأن جدهم فارض الذي هو من نسل الزنى من يهوذا بن يعقوب.. [إصحاح متى الأول، عدد (١٠) ] .

стр. 80

٢- وفي إنجيل [يوحنا إصحاح (٢) عدد (٤) ] أن يسوع أهان أمَّه في وسط جمع من الناس، فأين هذا مما وصفه به القرآن (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي) [مريم: ٣٢] . ٣- وأن يسوع شهد بأن جميع الأنبياء الذين قاموا في بني إسرائيل هم سراق ولصوص.. [إنجيل يوحنا، إصحاح (١٠) عدد (٨) ] . هذا غيض من فيض مما تطفح به تلك الأناجيل المحرفة من وصف الأنبياء والرسل بما هم بريئون منه (١) ، إن الأنبياء والرسل أزكى الناس وأطهرهم وأفضلهم، ووالله إن هؤلاء لضالون فيما وصفوا به أنبياء الله الأبرار الأطهار. ولذا فإن الأمة الإسلامية هي المدافعة عن الأنبياء والرسل، المشيدة بمآثرهم، فهي وراثة الأنبياء، المقيمة لدينهم، بخلاف ما عليه اليهود والنصارى تجاه أنبيائهم.

стр. 81

المطلب الثاني العصمة من الصغائر ذهب أكثر علماء الإسلام إلى أن الأنبياء ليسوا معصومين من الصغائر، وقال ابن تيمية: " القول بأن الأنبياء معصومون من الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام، وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام، كما ذكر أبو الحسن الآمدي أنّ هذا قول أكثر الأشعرية، وهو أيضاً قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلاّ ما يوافق هذا القول.." (٢) . الأدلة: وقد استدل جماهير العلماء على دعواهم بأدلة: ١- معصية آدم بأكله من الشجرة التي نهاه الله تعالى عن الأكل منها، (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى - فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى - إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى - وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى - فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى - فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) [طه: ١١٦-١٢١] . والآية في غاية الوضوح والدلالة على المراد، فقد صرحت بعصيان آدم ربه.

стр. 82

٢- ونوح دعا ربه في ابنه الكافر (وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) [هود: ٤٥] ، فلامه ربه على مقالته هذه، وأعلمه أنّه ليس من أهله، وأن هذا منه عمل غير صالح (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) [هود: ٤٦] فاستغفر ربّه من ذنبه وتاب وأناب (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ) [هود: ٤٧] . والآية صريحة في كون ما وقع منه كان ذنباً يحتاج إلى مغفرة (وإلاَّ تغفر لي وترحمني..) . ٣- وموسى أراد نصرة الذي من شيعته، فوكز خصمه فقضى عليه (قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ - قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [القصص: ١٥-١٦] ، فقد اعترف موسى بظلمه لنفسه، وطلب من الله أن يغفر له، وأخبر الله بأنه غفر له. ٤- وداود ﵇ تسّرع في الحكم قبل سماع قول الخصم الثاني، فأسرع إلى التوبة فغفر الله له ذنبه (فاستغفر ربَّه وخرَّ راكعاً وأناب - فغفرنا له ذلك) [ص: ٢٤-٢٥] . ٥- ونبينا محمد ﷺ عاتبه ربه في أمور (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [التحريم: ١] نزلت بسبب تحريم الرسول ﷺ العسل على نفسه، أو تحريم مارية القبطية. وعاتبه ربه بسبب عبوسه في وجه الأعمى ابن أم مكتوم، وانشغاله عنه بطواغيت الكفر يدعوهم إلى الله، والإقبال على الأعمى الراغب فيما عند الله هو الذي كان ينبغي أن يكون من الرسول ﷺ : (عَبَسَ وَتَوَلَّى - أَن جَاءهُ الْأَعْمَى - وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى - أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى..) [عبس: ١-٤] . وقبل الرسول ﷺ من أسرى بدر الفدية فأنزل الله تعالى: (لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [الأنفال: ٦٨] .

стр. 83

هذه أمثلة اكتفينا بذكرها عن غيرها، وإلاّ فقد ورد في القرآن مغاضبة يونس لقومه، وخروجه من قومه من غير إذن من ربه، وما صنعه أولاد يعقوب بأخيهم يوسف في إلقائه في غيابة الجبِّ، ثم أوحى الله إليهم وجعلهم أنبياء. القائلون بعصمة الأنبياء من الصغائر: يستعظم بعض الباحثين أن ينسب إلى الأنبياء صغائر الذنوب (٣) التي أخبرت نصوص الكتاب والسنة بوقوعها منهم، ويذهب هؤلاء إلى تهويل الأمر، ويزعمون أنّ القول بوقوع مثل هذا منهم فيه طعن بالرسل والأنبياء، ثم يتحملون في تأويل النصوص، وهو تأويل يصل إلى درجة تحريف آيات الكتاب كما يقول ابن تيمية (٤) ، وكان الأحرى بهم تفهم الأمر على حقيقته، وتقديس نصوص الكتاب والسنة، واستمداد العقيدة في هذا الأمر وفي كل أمر من القرآن وأحاديث الرسول، وبذلك نحكمها في كل أمر، وهذا هو الذي أمرنا به، أمّا هذا التأويل، والتحريف بعد تصريح الكتاب بوقوع مثل ذلك منهم فإنّه تحكيم للهوى، ونعوذ بالله من ذلك. وقد انتشرت هذه التأويلات عند الكتاب المحدثين، وهي تأويلات فاسدة من جنس تأويلات الباطنية والجهمية، كما يقول ابن تيمية (٥) . شبهتان (٦) : الذين منعوا من وقوع الصغائر من الأنبياء أوردوا شبهتين: الأولى: أن الله أمر باتباع الرسل والتأسي بهم (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: ٢١] ، وهذا شأن كل رسول، والأمر باتباع الرسول

стр. 84

يستلزم أن تكون اعتقاداته وأفعاله وأقواله جميعها طاعات لا محالة، لأنه لو جاز أن يقع من الرسول معصية لله تعالى لحصل تناقض في واقع الحال، إذ يقتضي أن يجتمع في هذه المعصية التي وقعت من الرسول الأمر باتباعها وفعلها من حيث كوننا مأمورين بالتأسي بالرسول ﷺ ، والنهي عن موافقتها من حيث كونها معصية منهي عنها، وهذا تناقض، فلا يمكن أن يأمر الله عبداً بشيء في حال أنه ينهاه عنه. وقولهم هذا يكون صحيحاً، لو بقيت معصية الرسول خافية غير ظاهرة، بحيث تختلط علينا الطاعة بالمعصية، أمّا وأنّ الله ينبه رسله وأنبياؤه إلى ما وقع منهم من مخالفات ويوفقهم إلى التوبة منها، من غير تأخير فإنّ ما أوردوه لا يصلح دليلاً بل يكون التأسي بهم في هذا منصباً على الإسراع في التوبة عند وقوع المعصية، وعدم التسويف في هذا، تأسياً بالرسل والأنبياء الكرام في مبادرتهم بالتوبة من غير تأخير. الثانية: أنّ هؤلاء توهموا أن الذنوب تنافي الكمال، وأنها تكون نقصاً وإن تاب التائب منها، وهذا غير صحيح، فإنّ التوبة تغفر الحوبة، ولا تنافي الكمال، ولا يتوجه إلى صاحبها اللوم، بل إنّ العبد في كثير من الأحيان يكون بعد توبته من معصيته خيراً منه قبل وقوع المعصية، وذلك لما يكون في قلبه من الندم والخوف والخشية من الله تعالى، ولما يجهد به نفسه من الاستغفار والدعاء، ولما يقوم به من صالح الأعمال، يرجو بذلك أن تمحو الصالحات السيئات، وقد قال بعض السلف: " كان داود ﵇ بعد التوبة خيراً منه قبل الخطيئة "، وقال آخر: " لو لم تكن التوبة أحبّ الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه ". وقد ثبت في الصحاح " أن الله أشد فرحاً بتوبة عبده من رجل أضلته ناقته بأرض فلاة، وعليها طعامه وشرابه، فنام نومة فقام فوجد راحلته فوق رأسه فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح " (٧) . وفي الكتاب الكريم: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)

стр. 85

[البقرة: ٢٢٢] وقال تعالى مبيناً مثوبة التائبين: (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ... ) [الفرقان: ٧٠] . وفي يوم القيامة " يدني الله المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا، فيقول: نعم، أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم " (٨) . ومعلوم أنه لم يقع ذنب من نبي إلا وقد سارع إلى التوبة والاستغفار منه، يدلنا على هذا أن القرآن لم يذكر ذنوب الأنبياء إلا مقرونة بالتوبة والاستغفار، فأدم وزوجه عصيا فبادرا إلى التوبة قائلين: (ربَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف: ٢٣] وما كادت ضربة موسى تسقط القبطي قتيلاً حتى سارع طالباً الغفران والرحمة قائلاً: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي) [القصص: ١٦] . وداود ما كاد يشعر بخطيئته حتى خرّ راكعاً مستغفراً (فاستغفر ربَّه وخرَّ راكعاً وأناب) [ص: ٢٤] . فالأنبياء لا يقرون على الذنب، ولا يؤخرون التوبة، فالله عصمهم من ذلك، وهم بعد التوبة أكمل منهم قبلها. وبذلك انهارت هاتان الشبهتان، ولم يثبتا في مجال الحجاج والنقاش، وحسبنا بالأدلة الواضحة البينة التي تهدي للتي هي أقوم. السبب في عصمة الأنبياء مما عصموا منه وعدم عصمتهم مما لم يعصموا منه:

стр. 86

الرسل والأنبياء بشر من البشر، عصمهم الله في تحمل الرسالة وتبليغها، فلا ينسون شيئاً، ولا ينقصون شيئاً، وبذلك يصل الوحي الذي أنزله الله إلى الذين أرسلوا إليهم كاملاً وافياً، كما أراده الله جلّ وعلا، وهذه العصمة لا تلازمهم في كلّ أمورهم فقد تقع منهم المخالفة الصغيرة، بحكم كونهم بشراً، ولكنّ رحمة الله تتداركهم، فينبههم الله إلى خطئهم، ويوفقهم للتوبة والأوبة إليه. يقول الشيخ مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر: " إنّ الوحي لا يلازم الأنبياء في كلّ عمل يصدر عنهم، وفي كلِّ قول يبدر منهم، فهم عرضة للخطأ، يمتازون عن سائر البشر بأنّ الله لا يقرّهم على الخطأ بعد صدوره، ويعاتبهم عليه أحياناً " (٩) . تكريم الأنبياء وتوقيرهم: هذه الصغائر التي تقع من الأنبياء لا يجوز أن تتخذ سبيلاً للطعن فيهم، والإزراء عليهم، فهي أمور صغيرة ومعدودة غفرها الله لهم، وتجاوز عنها، وطهرهم منها، وعلى المسلم أن يأخذ العبرة والعظة لنفسه من هذه، فإذا كان الرسل الكرام الذين اختارهم الله واصطفاهم عاتبهم الله ولامهم على أمور كهذه، فإنّه يجب أن نكون على حذر وتخوف من ذنوبنا وآثامنا، وعلينا أن نتأسى بالرسل والأنبياء في المسارعة إلى التوبة والأوبة إلى الله، وكثرة التوجه إليه واستغفاره.

стр. 87

عصمة أئمة الشيعة الاثني عشرية: يزعم الشيعة أن أئمتهم الاثني عشر معصومون عن الخطأ، والعصمة التي ينسبونها لهم هي العصمة التي ينسبونها للأنبياء، يقول أحد مُقدَّمي الشيعة المعاصرين مبيناً مفهوم عصمة الأئمة عندهم: " الأئمة لا نتصور فيهم السهو أو الغفلة، ونعتقد فيهم الإحاطة بكلّ ما فيه مصلحة للمسلمين " (١) وينقل إبراهيم الموسوي الزنجاني عن الصدوق قوله: " اعتقادنا في الأنبياء والرسل والأئمة والملائكة أنهم معصومون مطهرون من كل دنس، وأنهم لا يذنبون ذنباً لا صغيراً ولا كبيراً، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون " (٢) . وهو يكفِّر الذين لا يقولون بعصمة الأئمة، يقول بعد كلامه السابق مباشرة: " ومن نفى عنهم العصمة في شيء من أحوالهم فقد جهَّلهم، ومن جهلهم فهو كافر " (٣) ، ثمّ قال: " واعتقادنا فيهم أنهم معصومون موصوفون بالكمال والتمام والعلم من أوائل أمورهم وأواخرها لا يوصفون في شيء من أحوالهم بنقص ولا عصيان " (٤) . وقال المجلسي: " أصحابنا الإمامية أجمعوا على عصمة الأنبياء والأئمة من الذنوب الصغيرة والكبيرة عمداً وخطأً ونسياناً، قبل النبوة والإمامة وبعدهما، بل من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا الله تعالى، ولم يخالف في ذلك إلا الصدوق محمد ابن بابويه وشيخه ابن الوليد، فإنهما جوزا الإسهاء من الله تعالى لا السهو الذي يكون من الشيطان في غير ما يتعلق بالتبليغ وبيان الأحكام " (٥) ، وعصمة الأئمة عندهم مسألة اعتقادية رئيسة، ولذا فإنهم يكفرون مخالفيهم فيها، ويترتب عليها أمور كثيرة منها: أنّ الكلام المنسوب إلى الأئمة يعتبرونه دليلاً شرعياً كالقرآن والسنة، ولذا فإن التشريع لم ينته عندهم بوفاة الرسول ﷺ بل هو مستمر إلى حين غيبة إمامهم الثاني عشر، بل يرون أنّه يمكن أن يتلقوا رسائل من الإمام

стр. 88

الغائب بواسطة نوابّه. ومن ذلك أنهم أحقّ بالخلافة من غيرهم، فهم أحقّ من أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة. السر في دعوى العصمة (١) : الأنبياء والرسل معصومون بالوحي، (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: ٣-٤] . فما سر عصمة الأئمة؟ يقول علماء الشيعة الإمامية: إنّ الله جعل في الأئمة أرواحاً يسددهم بها، فقد عنون الكليني في كتابه أصول الكافي لهذا الموضوع بقوله: " باب فيه ذكر الأرواح التي في الأئمة " (١/٢٧١-٢٧٢) و " باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة " (١/٢٧٣-٢٧٤) ، وفي هذا الباب ستة أخبار منها عن أبي عبد الله قال في الروح الذي في هذه الآية (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا) [الشورى: ٥٢] خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ الله أعظم من جبريل وميكائيل، كان مع رسول الله ﷺ يخبره، ويسدده، وهو مع الأئمة من بعد. وفي الباب الأسبق ذكر عن الإمام الصادق أن روح القدس خاصة بالأنبياء، فإذا قبض النبي انتقل روح القدس فصار مع الإمام، وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يزهو، والإمام يرى به (٢) ، وفسر في الحاشية الرؤية بقوله: يعني ما غاب عنه في أقطار الأرض، وما في عنان السماء، وبالجملة ما دون العرش إلى ما تحت الثرى. وفي كتاب بحار الأنوار للمولى محمد باقر المجلسي (٢٥/٤٧-٩٩) " باب الأرواح التي فيهم " " أي في الأئمة " وأنهم مؤيدون بروح القدس وقال ابن بابوية القمي في " رسالة للصدوق في الاعتقادات " (ص١٠٨-١٠٩) .. " اعتقادنا

стр. 89

في الأخبار الصحيحة عن الأئمة أنها موافقة لكتاب الله، متفقة المعاني، غير مختلفة، لأنها مأخوذة من طريق الوحي عن الله سبحانه " وهذا لقمي صاحب كتاب " فقيه من لا يحضره الفقيه " أحد كتب الحديث الأربعة المعتمدة عند الجعفرية يقول: " ويرى علماء الشيعة أنّ النبي إذا لم يوص فإنّه ناقص النبوة والرسالة، وأنه قد ضيع أمته " (١) . ومما يدلُّ على بطلان مدعاهم في الأئمة أنّ المعصوم يجب اتباعه من غير دليل، ومخالفة غير المعصوم جائزة، بل تكون واجبة إذا علمنا أنّه خالف النصَ، وقد أمرنا الله بطاعته وطاعة رسوله، وغير رسوله يطاع إن أمر بطاعة رسوله، فإن تنازعنا رددنا الأمر إلى كتاب الله وسنة رسوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) [النساء: ٥٩] فلو كان الأئمة معصومين لكان أوجب الرد إلى الله وإلى الرسول والأئمة، فدلّ عدم إيجاب الرد عليهم حال التنازع على عدم عصمتهم. وقد كان عليّ وابناه وغيرهم يخالف بعضهم بعضاً في العلم والفتيا، كما يخالف سائر أهل العلم بعضهم بعضاً، ولو كانوا معصومين لكان مخالفة المعصوم للمعصوم ممتنعة، ولقد كان الحسن في أمر القتال يخالف أباه، ويكره كثيراً مما يفعله، ويرجع علي في آخر الأمر إلى رأيه، وتبين له في آخر الأمر أنّه لو فعل غير الذي فعله لكان الصواب، وله فتاوى رجع ببعضها عن بعض، والمعصوم لا يكون له قولان متناقضان، إلا أن يكون أحدهما ناسخاً للآخر. وقد وصى الحسن أخاه الحسين بأن لا يطيع أهل العراق، ولا يطلب هذا الأمر، ولو كان معصوماً لما جاز للحسين مخالفته (٢) .

стр. 90

دلائل النّبّوة تمهيد: الأنبياء الذين ابتعثهم الله إلى عباده يقولون للناس: نحن مرسلون من عند الله، وعليكم أن تصدقونا فيما نخبركم به، كما يجب عليكم أن تطيعونا بفعل ما نأمركم به، وترك ما ننهاكم عنه، وقد أخبر الله في سورة الشعراء أن نوحاً خاطب قومه قائلاً: (أَلَا تَتَّقُونَ - إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ - فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) [الشعراء: ١٠٦-١٠٨] . وبهذا القول نفسه خاطب رسل الله: هود، وصالح، ولوط، وشعيب، أقوامهم، بل هي مقالة ودعوة كل رسول لقومه. فإذا كان الأمر كذلك فلا بدّ أن يقيم الله الدلائل والحجج والبراهين المبينة صدق الرسل في دعواهم أنهم رسل الله كي تقوم الحجة على الناس، ولا يبقى لأحد عذر في عدم تصديقهم وطاعتهم (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ) [الحديد: ٢٥] أي: بالدلائل والآيات البينات التي تدلُّ على صدقهم. تنوع الدلائل: أفراد الأدلة الدالة على صدق كل رسول كثيرة متنوعة، وقد عدّ الذين ألّفوا في دلائل نبوة نبينا محمد ﷺ أدلة صدقه، فنافت على الألف عند بعضهم، ويمكننا أن نقسم هذه الأدلة إلى أقسام، يضمُّ كل قسم منها مجموعة متشابهة، وقد أرجعنا أفراد الأدلة إلى خمسة أمور: الأول: الآيات والمعجزات التي يجريها الله تصديقاً لرسله.

стр. 91

الثاني: بشارة الأنبياء السابقين بالأنبياء اللاحقين. الثالث: النظر في أحوال الأنبياء. الرابع: النظر في دعوة الرسل. الخامس: نصر الله وتأييده لهم. وسنتناول كلَّ واحد من هذه الخمسة بشيء من الإيضاح والتفصيل في خمسة مباحث.

стр. 92

المبحث الأول الآيات والمعجزات المطلب الأول تعريف الآية والمعجزة الآية - في لغة العرب - العلامة الدالة على الشيء، والمراد بها هنا: ما يجريه الله على أيدي رسله وأنبيائه من أمور خارقة للسنن الكونية المعتادة التي لا قدرة للبشر على الإتيان بمثلها، كتحويل العصا إلى أفعى تتحرك وتسعى، فتكون هذه الآية الخارقة للسنة الكونية المعتادة دليلاً غير قابل للنقض والإبطال، يدلُّ على صدقهم فيما جاؤوا به. وقد تتابع العلماء على تسمية هذه الآيات بالمعجزات، والمعجزة - في اللغة - اسم فاعل مأخوذ من العجز الذي هو زوال القدرة عن الإتيان بالشيء من عمل أو رأي أو تدبير (١) . ويعرّف الفخر الرازي المعجزة في العرف: بأنّها أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي، سالم عن المعارضة (٢) . ويعرفها ابن حمدان الحنبلي بأنَّها ما خرق العادة من قول أو فعل إذا وافق دعوى الرسالة وقارنها وطابقها على جهة التحدي ابتداءً بحيث لا يقدر أحدٌ على مثلها، ولا على ما يقاربها (٣) .

стр. 93

وعلى ذلك فإنّ الأمور التالية لا تعدّ من باب المعجزات: ١- الخوارق التي تعطى للأنبياء وليس مقصوداً بها التحدي، كنبع الماء من بين أصابع الرسول ﷺ ، وتكثيره الطعام القليل، وتسبيح الحصا في كفّه، وإتيان الشجر إليه، وحنين الجذع إليه، وما أشبه ذلك. ٢- الخوارق التي أعطاها الله لغير الأنبياء ويسميها المتأخرون كرامات. والذين فرقوا هذا التفريق هم العلماء المتأخرون، أمّا المعجزة في اللغة وفي عرف العلماء المتقدمين كالإمام أحمد فإنّها تشمل ذلك كله (١) . وقد أطلقنا عليها اسم (الآية) كما جاء بذلك القرآن الكريم، وهو اسم شامل لكل ما أعطاه الله لأنبيائه للدلالة على صدقهم سواءً أقصد به التحدي أم لم يقصد.

стр. 94

المطلب الثاني أنواع الآيات (الجزء الأول) إذا استقرأنا الآيات والمعجزات التي أعطاها الله لرسله وأنبيائه نجدها تندرج تحت ثلاثة أمور: العلم، والقدرة، والغنى (١) . فالإخبار بالمغيبات الماضية والآتية، كإخبار عيسى قومه بما يأكلونه وما يدخرونه في بيوتهم، وإخبار رسولنا ﷺ بأخبار الأمم السابقة، وإخباره بالفتن وأشراط الساعة التي ستأتي في المستقبل - كل ذلك من باب العلم. وتحويل العصا أفعى، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وشقّ القمر وما أشبه هذا - من باب القدرة. وعصمة الله لرسوله ﷺ من الناس، وحمايته له ممن أراد به سوءاً، ومواصلته للصيام مع عدم تأثير ذلك على حيويته ونشاطه من باب الغنى. وهذه الأمور الثلاثة: العلم، والقدرة، والغنى، التي ترجع إليها المعجزات لا ينبغي أن تكون على وجه الكمال إلاّ لله تعالى، ولذلك أمر الله رسوله ﷺ بالبراءة من دعوى هذه الأمور (قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ) [الأنعام: ٥٠] .

стр. 95

فالرسول ﷺ يبرأ من دعوى علم الغيب، وملك خزائن الأرض، ومن كونه مَلَكاً مستغنياً عن الطعام والشراب والمال. والرسل ينالون من هذه الثلاثة المخالفة للعادة المطردة، أو لعادة أغلب الناس بقدر ما يعطيهم الله تعالى، فيعلمون من الله ما علمهم إيّاه، ويقدرون على ما أقدرهم عليه، ويستغنون بما أغناهم به.

стр. 96

أمثلة من آيات الرُّسُلِ: أولاً: آية نبي الله صالح: دعا صالح قومه إلى عبادة الله الواحد الأحد (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ) [النمل: ٤٥] ، فكذبوه وطلبوا منه آية تدل على صدقه (قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ - مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) [الشعراء: ١٥٣-١٥٤] . يقول ابن كثير: " ذكر المفسرون أنّ ثمود اجتمعوا يوماً في ناديهم، فجاءهم رسول الله صالح، فدعاهم إلى الله، وذكرهم، وحذّرهم، ووعظهم، وأمرهم، فقالوا له: إن أنت أخرجت لنا من هذه الصخرة - وأشاروا إلى صخرة هناك - ناقة، من صفتها كيت وكيت، وذكروا أوصافاً سموها، ونعتوها، وتعنتوا فيها، وأن تكون عشراء طويلة، من صفتها كذا وكذا. فقال لهم نبيهم صالح ﵇: أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم على الوجه الذي طلبتم أتؤمنون بما جئت به، وتصدقوني بما أرسلت به؟ قالوا: نعم، فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك، ثمّ قام إلى مصلاه فصلّى لله ما قدّر له، ثم دعا ربّه أن يجيبهم إلى ما طلبوا، فأمر الله تلك الصخرة أن تنفطر عن ناقة عظيمة عشراء على الوجه الذي طلبوا، أو على الصفة التي نعتوا. فلما عاينوها كذلك رأوا أمراً عظيماً، ومنظراً هائلاً، وقدرة باهرة، ودليلاً قاطعاً، وبرهاناً ساطعاً، فآمن كثير منهم، واستمرَّ أكثرهم على كفرهم (١) ، وقد ذكر الله استجابته

стр. 97

لطلبهم الآية (قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ) [الشعراء: ١٥٥] ، (قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ) [الأعراف: ٧٣] ، وقد أخبر الله أنها كانت آية واضحة بينة لا خفاء فيها، ولذا سماها مبصرة (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً) [الإسراء: ٥٩] .

стр. 98

ثانياً: معجزة إبراهيم ﵇: حطّم إبراهيم آلهة قومه التي كانوا يعبدونها، فأشعلوا له النار، ورموه فيها، فأمر الله - جل وعلا - النار ألا تصيبه بأذى وأن تكون عليه برداً وسلاماً (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ - قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ - وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ) [الأنبياء: ٦٨-٧٠] . ومن الآيات التي أجراها على يد إبراهيم إحياء الموتى، وقد قصّ الله علينا خبر ذلك: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا) [البقرة: ٢٦٠] . فأمره بذبح هذه الطيور، ثم تقطيعها، وتفريقها على عدة جبال، ثم دعاها فلبت النداء، واجتمعت الأجزاء المتفرقة، والتحمت كما كانت من قبل، ودبت فيها الحياة، وطارت محلقة في الفضاء، فسبحان الله ما أعظم شأنه، وأجلَّ قدرته.

стр. 99

ثالثاً: آيات نبي الله موسى ﵇: أعطى الله موسى تسع آيات بينات (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) [الإسراء: ١٠١] . ١- وأعظم هذه الآيات وأكبرها العصا التي كانت تتحول إلى حيّة عظيمة عندما يلقيها على الأرض (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى - قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى - قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى - فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى - قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى) [طه: ١٧-٢١] . وكان من شأن هذه العصا أن ابتلعت عشرات من الحبال والعصي التي جاء بها فرعون ليغالبوا موسى، (قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى - قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى - فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى - قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى - وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) [طه: ٦٥-٦٩] . وعندما عاين السحرة ما فعلته حيَّة موسى، علموا أنَّ هذا ليس من صنع البشر، إنما هو من صنع الله خالق البشر، فلم يتمالكوا أن خروا أمام الجموع ساجدين لله ربِّ العالمين (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى) [طه: ٧٠] .

стр. 100

٢- ومن الآيات التي أرسل بها موسى ما ذكره الله في قوله: (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى) [طه: ٢٢] ، كان يدخل يده في جيبه (درع قميصه) ، ثم ينزعها، فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضاً من غير سوء، أي: من غير برص، ولا بهق. وذكر الله سبع آيات في سورة الأعراف، فقد ذكر الله أنه أصابهم: ٣- بالسنين، وهي ما أصابهم من الجدب والقحط، بسبب قلة مياه النيل، وانحباس المطر عن أرض مصر. ٤- نقص الثمرات ذلك أن الأرض تمنع خيرها، وما يخرج يصاب بالآفات والجوائح. ٥- الطوفان الذي يتلف المزارع ويهدم المدن والقرى. ٦- الجراد الذي لا يدع خضراء ولا يابسة. ٧- القمّل، وهي حشرة تؤذي الناس في أجسادهم. ٨- الضفادع التي نغصت عليهم عيشتهم لكثرتها. ٩- الدم الذي يصيب طعامهم وشرابهم. (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ - فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ - وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ - فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ) [الأعراف: ١٣٠-١٣٣] . آيات أخرى: هذه الآيات التسع التي أرسل بها موسى إلى فرعون، وإلاّ فالآيات التي أجراها الله على يد موسى أكثر من ذلك، فمن ذلك ضرب موسى البحر بعصاه وانفلاقه، ومن هذا ضربه الحجر فينفلق عن اثنتي عشرة عيناً، وإنزال المن والسلوى على بني إسرائيل في صحراء سيناء، وغير ذلك من الآيات.

стр. 101

رابعاً: معجزات نبي الله عيسى ﵇: من معجزاته التي أخبرنا الله بها أنّه كان يصنع من الطين ما يشبه الطيور ثمَّ ينفخ فيها فتصبح طيوراً بإذن الله وقدرته، ويمسح الأكمه فيبرأ بإذن الله، ويمسح الأبرص فيذهب الله عنه برصه، ويمرُّ على الموتى فيناديهم فيحييهم الله تعالى، وقد حكى القرآن لنا هذا في قوله تعالى مخاطباً عيسى: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي) [المائدة: ١١٠] . ومن آياته تلك المائدة التي أنزلها الله من السماء عندما طلب الحواريون من عيسى إنزالها، وكانت على الحال التي طلبها عيسى عيداً لأولهم وآخرهم (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ - قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ - قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ - قَالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ) [المائدة: ١١٢-١١٥] .

стр. 102

أنواع الآيات (الجزء الثاني) خامساً: آيات خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه: أجرى الله على يد نبينا محمد ﷺ معجزات باهرات، وآيات مبصرات، إذا نظر فيها مريد الحقّ، دلتّه على أنها شهادة صادقة من الله لرسوله ﷺ ، وقد عدّها بعض العلماء فنافت على ألف معجزة، وقد ألفت فيها مؤلفات، وتناولها علماء التوحيد والتفسير والحديث والتاريخ بالشرح والبيان. ١- الآية العظمى: وأعظم الآيات التي أعطيها رسولنا ﷺ ، بل أعظم آيات الرسل كلّهم القرآن الكريم، والكتاب المبين، وهو آية تخاطب النفوس والعقول، آية باقية دائمة إلى يوم الدين، لا يطرأ عليها التغيير ولا التبديل (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ - لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت: ٤١-٤٢] . وقد تحدى الله بهذا الكتاب فصحاء العرب، وقد كانت الفصاحة والبلاغة وجودة القول هي بضاعة العرب التي نبغت بها، وقد عادى العرب دعوة الإسلام ورسول الإسلام، وكان مقتل هذه الدعوى أن يعارض فصحاؤهم هذا الكتاب، ويأتوا بشيء من مثله، ولكنهم عجزوا عن ذلك (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) [البقرة: ٢٣-٢٤] .

стр. 103

نمط فريد من المعجزات: شاء الله تعالى أن تكون معجزة محمد ﷺ نمطاً مخالفاً لمعجزات الرسل، وكان الله قادراً على أن ينزل معجزة حِِسيّة تذهل من يراها: (إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) [الشعراء: ٤] . فلو شاء الله تعالى لأنزل من السماء آية قاهرة لا يملكون معها جدالاً، ولا انصرافاً عن الإيمان، ويصور خضوعهم لهذه الآية في صورة حسية: (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) [الشعراء: ٤] ملوية محنية، حتى لكأنَّ هذه هيئة لهم لا تفارقهم، فهم عليها مقيمون. ولكنه - سبحانه - شاء أن يجعل معجزة هذه الرسالة الأخيرة آية غير قاهرة، لقد جعل آيتها القرآن، منهاج حياة كاملة، معجزاً في كلِّ ناحية: معجزاً في بنائه التعبيري، وتنسيقه الفني، باستقامته على خصائص واحدة، في مستوى واحد، لا يختلف ولا يتفاوت، ولا تتخلف خصائصه، كما هي الحال في أعمال البشر، إذ يبدو الارتفاع والانخفاض والقوة والضعف في عمل الفرد الواحد، المتغير الحالات، بينما تستقيم خصائص هذا القرآن التعبيرية على نسق واحد، ومستوى واحد، ثابت لا يتخلف، يدلّ على مصدره الذي لا تختلف عليه الأحوال. معجزاً في بنائه الداخلي، وتناسق أجزائه وتكاملها، فلا فلتة فيه ولا مصادفة، كل توجيهاته وتشريعاته تلتقي وتتناسق وتتكامل، وتحيط بالحياة البشرية، وتستوعبها، وتلبيها وتدفعها، دون أن تتعارض جزئية واحدة من ذلك المنهج الشامل الضخم مع جزئية أخرى، ودون أن تصطدم واحدة منها بالفطرة الإنسانية، إذ تقصر عن تلبيتها..، وكلها مشدودة إلى محور واحد، في اتساق لا يمكن أن تفطن إليه خبرة الإنسان المحدودة، ولا بد أن يكون هناك علم مطلق، غير مقيد بقيود الزمان والمكان، هو الذي أحاط به هذه الإحاطة، ونظمه هذا التنظيم. معجزاً في يسر مداخله إلى القلوب والنفوس، ولمس مفاتيحها، وفتح

стр. 104

مغاليقها، واستجاشة مواضع التأثر والاستجابة فيها، وعلاجه لعقدها ومشكلاتها في بساطة ويسر عجيبين، وفي تربيتها وتصريفها وفق منهجه بأيسر اللمسات، دون تعقيد ولا التواء ولا مغالطة. لقد شاء الله أن يجعل هذا القرآن هو معجزة هذه الرسالة - ولم يشأ أن ينزل آية قاهرة مادية تلوي الأعناق وتخضعها وتضطرها إلى التسليم - ذلك أنّ هذه الرسالة الأخيرة رسالة مفتوحة إلى الأمم كلّها، وللأجيال كلها، وليست رسالة مغلقة على أهل زمان وأهل مكان، فناسب أن تكون معجزتها مفتوحة كذلك للبعيد والقريب، لكل أمة ولكل جيل، والخوارق القاهرة لا تلوي إلاّ أعناق من يشاهدونها، ثم تبقى بعد ذلك قصة تروى، لا واقعاً يشهد..، فأما القرآن فها هو ذا بعد أكثر من ثلاثة عشر قرناً كتاب مفتوح ومنهج مرسوم، يستمدُّ منه أهل هذا الزمان ما يقوِّم حياتهم - لو هدوا إلى اتخاذه إمامهم - ويلبي حاجاتهم كاملة، ويقودهم بعدها إلى عالم أفضل، وأفق أعلى، ومصير أمثل، وسيجد فيه من بعدنا كثيراً مما لم نجده نحن، ذلك أنه يعطي كل طالب بقدر حاجته، ويبقى رصيده لا ينفد، بل يتجدد (١) .

стр. 105

٢- الإسراء والمعراج: من الآيات البينات والمعجزات الخارقات إسراء الله بنبيه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى حيث جمع الله له الأنبياء فصلّى بهم إماماً (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا..) [الإسراء: ١] ، ومن هناك عرج به إلى السماوات العُلى، وهناك رأى من آيات ربّه الكبرى، رأى جبريل على صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها، وصعد به إلى سدرة المنتهى، وجاوز السبع الطباق وكلّمه الرحمن وقربه (أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى - وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى - عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى - عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى - إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى - مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى - لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) [النجم: ١٢-١٨] . وقد استعظمت قريش دعوى رسول الله ﷺ فقد كانت القوافل تمضي الأسابيع في الذهاب إلى بيت المقدس والعودة منها، فكيف يتسنى لرجل أن يمضي ويعود في جزء من ليلة! ذلك أمر عجيب، وهو حقاً عجيب، ولكن العجب يتلاشى إذا علمنا أنَّ الذي أسرى به هو الله تعالى، والله على كلّ شيء قدير. وقد أرانا الله في هذه الأيام الوسائل التي تنقل الناس فوق ظهر هذه الأرض من مكان إلى مكان بسرعة هائلة، كان يعدها الناس قديماً ضرباً من الخيال.

стр. 106

٣- انشقاق القمر: ومن معجزاته ﷺ انشقاق القمر، فقد سأل أهلُ مكة الرسولَ ﷺ آية، فانشق القمر شقين، حتى رأوا حراء بينهما، وقد كان القمر عند انشقاقه بدراً. وقد سجّل الله ذكر هذه الآية في كتابه، قال (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ - وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ) [القمر: ١-٢] . وينقل ابن كثير إجماع المسلمين على وقوع هذه الآية، كما يذكر أنَّه قد وردت الأحاديث بذكر انشقاق القمر متواترة من طرق متعددة تفيد القطع (١) . وقد شاهد هذه المعجزة الناس في أنحاء الجزيرة العربية، فإنَّ أهل مكة لم يصدقوا، وقالوا: سحرنا محمد، ثمَّ استدركوا قائلين: انظروا ما يأتيكم به السفار، فإنَّ محمداً لا يستطيع أن يسحر الناس كلَّهم، وفي اليوم التالي سألوا من وفد إليهم، من خارج مكة، فأخبروا أنَّهم قد رأوه. وقد شاهد الناس انشقاقه في خارج الجزيرة العربية، يقول ابن كثير: " شوهد انشقاقه في كثير من بقاع الأرض، ويقال: إنّه أرخ ذلك في بعض بلاد الهند، وبني بناء في تلك الليلة، وأرخ بليلة انشقاق القمر " (٢) .

стр. 107

قد يقال: " إن انشقاق القمر ليس شيئاً مستحيلاً، فالعلم قد شاهد انشقاق مذنب بروكس " شقين سنة ١٨٨٩م، وكذلك انقسام مذنب ((بيلا)) إلى جزءين سنة ١٨٤٦م، كما ذكر الفلكي ((سبنسر جونز)) في فصل المذنبات والشهب من كتاب ((عوالم بلا نهاية)) . وفي الإجابة يقال: " الفرق بين انشقاق القمر وانشقاق هذين المذنبين أنهما لم يلتئما بعد الانشقاق، والقمر التأم، وهو الفرق المنتظر بين الظاهرة الفلكية في الفطرة، والمعجزة الفلكية على يد رسول، لأنَّ المعجزة مؤقتة تزول بزوال وقتها وتحقق الغرض منها، ولو استمرت لكانت ظاهرة طبيعية صرفة، ولخرجت عن دائرة المعجزات ".

стр. 108

٤- تكثيره الطعام صلوات الله وسلامه عليه: وقد وقع هذا منه ﷺ أكثر من مرة، فمن ذلك ما رواه أنس، قال: قال أبو طلحة لأمَّ سُلَيم، لقد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفاً، أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم، فأخرجت أقراصاً من شعير، ثمَّ أخرجت خماراً لها، فلفت الخبز ببعضه، ثمّ دسته تحت يدي، ولاثتني (١) ببعضه، ثمَّ أرسلتني إلى رسول الله ﷺ ، قال: فذهبت به، فوجدت رسول الله ﷺ في المسجد ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال لي رسول الله ﷺ : " أرسلك أبو طلحة؟ " فقلت: نعم، قال: " بطعام؟ " قلت: نعم، فقال رسول الله ﷺ لمن معه: " قوموا " فانطلق، وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة، فأخبرته، فقال أبو طلحة، يا أمَّ سليم، قد جاء رسول الله ﷺ بالناس، وليس عندنا ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم. فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ ، فأقبل رسول الله ﷺ وأبو طلحة معه، فقال رسول الله ﷺ : " هلمي يا أم سليم، ما عندك؟ " فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله ﷺ ، ففت، وعصرت أم سليمة عكة، فأدَمَتهُ، ثم قال رسول الله ﷺ فيه ما شاء الله أن يقول، ثمَّ قال: " ائذن لعشرة "، فأذن لهم، فأكلوا، حتى شبعوا،

стр. 109

ثم خرجوا، ثمَّ قال: " ائذن لعشرة " فأذن لهم، فأكلوا، حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثمَّ قال: " ائذن لعشرة " فأذن لهم، فأكلوا، حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: " ائذن لعشرة " فأكل القوم كلهم، وشبعوا، والقوم سبعون أو ثمانون رجلاً " (١) . عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: " لما حُفِر الخندقُ رأيت بالنبي ﷺ خَمَصاً شديداً، فانكفَيتُ إلى امرأتي فقلتُ: هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول اللهِ ﷺ خمصاً شديداً. فأخرجتْ إليَّ جِراباً فيه صاعٌ من شعير، ولنا بُهيمةٌ داجن فذبحتها، وطحنت الشعير، ففرغت إلى فراغي، وقطعتها في برمتها، ثم ولَّيتُ إلى رسول الله ﷺ . فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ وبمن معهُ. فجئتُهُ فساررتهُ فقلت: يا رسول الله ذبحنا ُبهيمة لنا وطحنّا صاعاً من شعير كان عندنا، فتعال أنت ونفر معك، فصاحَ النبيُّ ﷺ : يا أهل الخندق، إن جابراً قد صنع سُوراً، فحيَّ هلا بكم فقال رسولُ الله ﷺ : لا تُنزلُنَّ برمتكم، ولا تخبزُنَّ عجينكم حتى أجيء. فجئتُ وجاء رسولُ الله ﷺ يقدُمُ الناس، حتى جئتُ امرأتي فقالت: بكَ وبك. فقلت: قد فعلتُ الذي قلتِ. فأخرجَتْ له عجيناً، فبصقَ فيه وبارك، ثم عمدَ إلى بُرمَتِنا فبصق وبارك. ثم قال: ادعُ خابزةً فلتخبز معي. واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها، وهم ألف، فأقسم باللهِ لقد أكلوا حتى تركوهُ وانحرفوا، وإن بُرْمَتَنا لتغِطُّ كما هي: وإن عجيننا ليُخبَز كما هو " (٢) .

стр. 110

٥- تكثيره الماء ونبعه من بين أصابعه الشريفة: وقد وقع من هذا شيء كثير من الرسول ﷺ ، نذكر طرفاً منه، فمن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله، قال: عطش الناس يوم الحديبية، ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة (ظرف للماء) فتوضأ منها، ثمَّ أقبل الناس نحوه فقال رسول الله ﷺ : "ما لكم "؟ قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ به، ونشرب إلا ما في ركوتك، فوضع النبي ﷺ يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، قال: فشربنا، وتوضأنا، قيل لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة " (١) . ومن ذلك تكثيره ماء بئر الحديبية في يوم الحديبية، فقد روى البراء بن عازب ﵁، قال: " كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة، والحديبية بئر، فنزحناها، حتى لم نترك فيها قطرة، فجلس النبي ﷺ على شفير البئر، (طرفها) ، فدعا بماء فمضمض، ومجّ في البئر، فمكثنا غير بعيد، ثم استقينا حتى رَوِينا، ورَوَت أو صَدَرت ركائبنا " (٢) . وعن عبد الله بن مسعود قال: كنّا نعدُّ الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفاً، كنّا مع رسول الله ﷺ في سفر فقلَّ الماء، فقال: " اطلبوا فضلة من ماء " فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء، ثم قال: " حيَّ على الطَّهور المبارك، والبركة من الله " فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ ، ولقد كنّا نسمع تسبيح الطعام وهو يأكل " (٣) .
следующие страницы →