← Тараджим

Тараджим · id 96604

مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث

محمد عبد الرشيد النعماني

Полный текст (153 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ولو ذهبنا إلى شرح مناقبه وفضائله لأطلْنا الخُطَبَ، وَلَمْ نَصِلْ إلى الغرض منها، فإنه كان عالمًا عاملاً، زاهدًا، عابدًا، وَرِعًا، تقيًّا، إمامًا في علوم الشريعة مرضيًا. وقد نُسِبَ إليه وقيل عنه من الأقاويل المختلفة التي يُجَلُّ قَدْرُهُ عنها [ويتنزه منها]؛ من القول بخلقِ القرآن، والقول بالقدر، والقول بالإرجاء، وغير ذلك مما نُسب إليه. ولا حاجة إلى ذكرها ولا إلى ذكر قائليها، والظاهر أنه كان مُنَزَّهًا عنها. ويدل على صحة نزاهته عنها، ما نشر الله تعالى له من الذِّكْرِ المنتشر في الآفاق، والعلم الذي طبق الأرض، والأَخْذ بمذهبه وفقهه والرجوع إلى قوله وفعله، وإن ذلك لو لم يكن للهِ فيه سِرٌّ خَفِيٌّ، ورضى إِلهيٌّ، وفقه اللهُ له لما اجتمع شَطْرُ الإسلامِ أو ما يقاربهُ على تقليده، والعمل برأيه ومذهبه حتى قد عُبِدَ اللهُ وَدِينَ بِفِقْهِهِ، وَعُمِلَ برأيه، ومذهبه، وأُخذَ بقوله إلى يومنا هذا ما يقارب أربعمائة وخمسين سَنَةً، وفي هذا أدل دليل على صحة مذهبه، وعقيدته، وأن ما قيل عنه هو مُنَزَّهٌ عنه، وقد جمع أبو جعفر الطحاوي - وهو من أكبر الآخذين بمذهبه - كتابًا سماه " عقيدةُ أبي حنيفةَ ﵀ " وهي عقيدةُ أهل السُّنَّة والجماعة، وليس فيها شيء مما نُسبَ إليه وقيل عنه، وَأَصْحَابُهُ أَخْبَرُ بحاله وبقوله من غيرهم، فالرجوعُ إلى ما نقلوه عنه أَوْلَى مما نقله غيرُهم عنه (١).

стр. 107

و [قد] ذُكِرَ أيضًا سبب قول من قال عنه ما قال، والحامل له على ما نُسِبَ إليه، ولا حاجة بنا إلى ذكر ما قالوه، فإن مثل أبي حنيفة وَمَحَلُّهُ في الإسلام لا يحتاجُ إلى دليل يُعْتَذَرُ به مما نُسب إليه. والله أعلم. انتهى». وقبل هؤلاء كلهم الحافظ البارع العلامة تاج الإسلام أبو سعد عبد الكريم السَّمْعَانِيُّ المَرْوَزِيُّ الشافعي، ترجم له في كتاب " الأنساب " ترجمة حسنة، وذكر فضائله ومناقبه، ولم يعرج على شيء من مثالبه. وعلى هذا المنوال جَرَى من أتى بعد هؤلاء العلماء الأكابر المذكورين، من الحفاظ الجهابذة والأئمة المحدثين وغيرهم من أهل العلم، الذين ترجموا للإمام أبي حنيفة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - أو أفردوا في أخباره كُتُبًا وأجزاءً، فلم يذكروا شيئًا سوى فضائله ومناقبه والثناء عليه في دينه وورعه، وَسَعَةَ علمه بالكتاب والسنة. وَأُورِدُ هنا كلام واحد من هؤلاء الأجلة أحد كبار علماء القرن الحادي عشر، وهو الإمام العلامة ابْنُ عَلاَّنَ، محمد بن علي بن محمد بن عَلاَّنَ بن إبراهيم الصِدِّيقِي العَلَوِي، الشافعي، محيي السُنَّةِ بالديار الحجازية، وأحد المفسرين والأئمة المحدثين في تلك الديار، المولود سَنَةَ ٩٩٦ هـ والمتوفى سَنَةَ ١٠٥٧ هـ، - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -، وقد ترجم

стр. 108

للإمام أبي حنيفة في كتابه " الفتوحات الربانية على الأذكار النووية " (١)، حيث جاء ذكر الإمام في متن " الأذكار " فقال ما نصه: «الإمام أبو حنيفة هو الإمام الأعظم، وَالعَلَمُ المُفْرَدُ المُكَرَّمُ، إمام الأئمة، المُتَّفَقُ على عُلُوِّ مرتبته، ووفور علمه، وزهده، وَتَمَلِّيهِ من العلوم الباطنة فضلاً عن الظاهرة بما فاق به أهل عصره، وفاق بحسن الثناء عليه وإذاعة ذكره من أكابر التابعين: النعمان بن ثابت بن زُوطَى - بضم الزاي وفتح الطاء - بُنُ مَاهْ، مولى تيم الله بن ثعلبة الكوفي. روى الخطيب بإسناده عن حفيده عُمَرَ بْنِ حَمَّادٍ بْنِ أبي حنيفة: أن ثابتا وُلِدَ على الإسلام، وَزُوطَى كان مملوكًا لبني تيم فأعتقوه، فصار وَلاَؤُهُ لهم، وأنكر إسماعيل أخو عمر حفيد أبي حنيفة ذلك، وقال: إن والد ثابت من أبناء فارس، وأنهم أحرار، - قال -: " واللهِ مَا وَقَعَ عَلَيْنَا رِِقٌّ قَطُّ، قال: وَذَهَبَ - زُوطَى - بِثَابِتٍ ابْنِهِ إِلَى عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ صَغِيرٌ فَدَعَا لَهُ بِالبَرَكَةِ فِيهِ وَفِي ذُرِّيَّتِهِ، وَنَحْنُ نَرْجُو اللهَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْ اسْتُجِيبَ فِينَا "». اهـ. وهو كما رَجَا - إسماعيلُ - فقد بارك الله في جده أبي حنيفة بركة لا نهاية لأقصاها، ولا حَدَّ لمنتهاها، وبارك الله في أتباعه، فكثروا في سائر الأقطار، وظهر عليهم من بركة إخلاصه وصدقه ما اشتهر به في سائر الأمصار.

стр. 109

أخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان وأدرك أربعة من الصحابة، بل ثمانية، منهم أنس، وعبد الله بن أبي أوفى، وسهل بن سعد، وأبو الطفيل، وقد نظم بعضم أسماء بعض من روى عنه الإمام أبو حنيفة من الصحابة، فقال: أَبَو حَنِيفَةَ زَيْنُ التَّابِعِينَ رَوَى ... عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ جَزْءٍ وَالرِّضَا أَنَسْ وَمَعْقِلٍ وَحُرَيْثِيٍ (١) وَوَاثِلَةَ ... وَبِنْتِ عَجْرَدٍ، عِلْمَ الطَيِّبِينَ قَبَسْ وقيل لم يلق أحدًا منهم. وسمع من عطاء وأهل طبقته، وروى عنه ابن المبارك ووكيع بن الجراح وآخرون. وطلب منه المنصور أن يلي القضاء فامتنع، فحبسه على ذلك وضربه وهو مُصِرٌّ على الامتناع، حتى مات في السجن ﵁. قال عبد الله بن المبارك في حقه: «أَتَذْكُرُونَ رَجُلاً عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا فَفَرَّ مِنْهَا». وكان حسن الثياب، طيب الريح، يعرف بريح الطيب إذا أقبل، حسن المجلس، كثير الكرم، حسن المواساة لإخوانه، ربعة، وقل: كان طُوَالاً، أحسن الناس منطقًا، وأحلاهم نغمة. قال: «قَدِمْتُ البَصْرَةَ فَظَنَنْتُ أَنِّي لاَ أُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ أَجَبْتُ عَنْهُ، فَسَأَلُونِي عَنْ أَشْيَاءَ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي فِيهَا جَوَابٌ ; فَجَعَلْتُ عَلَى نَفْسِي

стр. 110

أَنْ لاَ أُفَارِقَ حَمَّادًا حَتَّى يَمُوتَ، فَصَحِبْتُهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَا صَلَّيْتُ صَلاَةً مُنْذُ مَاتَ إِلاَّ اسْتَغْفَرْتُ لَهُ قَبْلَ وَالِدَيَّ، وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ لِمَنْ تَعَلَّمْتُ مِنْهُ عِلْمًا، أَوْ تَعَلَّمَ مِنِّي عِلْمًا». قَالَ سَهْلٌ بْنُ مُزَاحِمٍ: «بُذِلَتْ لَهُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِدْهَا، وَضُرِبَ عَلَيْهَا بِالسِّيَاطِ فَلَمْ يَقْبَلْهَا». وكان خزازًا يبيع الخز، ودكانه في دار عمرو بن حُرَيْثٍ. ولما بلغ ابنَ جُرَيْجٍ موته تَوَجَّعَ، وقال: «أَيُّ عِلْمٍ ذَهَبَ؟!». وقال الفضيل بن عياض - وناهيك بها شهادة من هذا الحَبْرِ -: «كَانَ أََبُو حَنِيفَةَ [رَجُلاً فَقِيهًا] مَعْرُوفًا بِالفِقْهِ، مَشْهُورًا بِالوَرَعِ، وَاسِعَ [العِلْمِ]، مَعْرُوفًا بِالإِفْضَالِ عَلَى [كُلِّ مَنْ يَطِيفُ بِهِ]، صَبُورًا عَلَى تَعْلِيمِ العِلْمِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، [حَسَنُ اللَّيْلِ، كَثِيرُ الصَّمْتِ]، قَلِيلُ الكَلاَمِ، حَتَّى تَرِدَ مَسْأَلَةٌ فِي حَلاَلٍ أَوْ حَرَامٍ» (*). وفضائله كثيرة ... ولما غَسَّلَهُ الحسن بن عمارة - قاضي بغداد - قال له: «[رَحِمَكَ اللهُ] وَغَفَرَ لَكَ، لَمْ تُفْطِرْ مُُنْذُ ثَلاَثِينَ سَنَةٍ، وَلَمْ تَتَوَسَّدْ يَمِينَكَ بِاللَّيْلِ مُُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةٍ» (**). ولد ﵁ سنة ثمانين من الهجرة، وتوفي ببغداد - قيل: في السجن، على أن يلي القضاء - سنة خمسين على المشهور، أو إحدى أو ثلاث وخمسين ومائة، في شهر رجب. وقبره ببغداد، يُزَارُ. ومن فضله قول إمامنا الشافعي: «النَاسُ فِي الفِقْهِ عِيَالٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -». انتهى كلام ابن عَلاَّنٍ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -.

стр. 111

فهؤلاء الحفاظ النقاد أئمة الجرح والتعديل لم يُورِدُوا في تصانيفهم شيئًا مما ذكر أعداؤه وَحُسَّادُهُ من مطاعنه ومثالبه، فثبت من صنيع هؤلاء جميعًا أَنَّ كُلَّ مَا ذُكِرَ في بعض كتب الرجال من جرحه، ينبغي أن يُرْمَى به عُرِْضَ الحائط. ولا شك أنه ما طعن أحد في قول من أقواله إلا لجهله به، إما من حيث دليله، وإما من حيث دقة مداركه عليه، - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وقد أجمع السلف والخلف على كثرة علمه، وورعه، وعبادته، ودقة مداركه واستنباطاته، ولا عبرة بقول الجُهَّالِ وَالحُسَّادِ والأعداء على كل حال. ولقد صدق الإمام عبد الوهاب الشعراني - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - حيث يقول في " الميزان الكبرى " (١): «وأما ما نُقِلَ عن الأئمة الأربعة ﵃ أَجْمَعِينَ - في ذم الرأي، فأولهم تَبَرِّيًا من كل رأي يخالف ظاهر الشريعة الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت ﵁، خلاف ما يضيفه إليه بعض المتعصبين، ويا فضيحته يوم القيامة من الإمام إذا وقع الوجه في الوجه، فإن من كان في قلبه نور لا يتجرأ أن يذكر أحدًا من الأئمة بسوء. وأين المقام من المقام؟ إذ الأئمة كالنجوم في السماء، وغيرهم كأهل الأرض الذين لا يعرفون من النجوم إلا خيالها على وجه الماء! وقد روى الشيخ محيي الدين في " الفتوحات المكية " بسنده إلى الإمام

стр. 112

أبي حنيفة ﵁ أنه كان يقول: " إِيَّاكُمْ وَالقَوْلَ فِي دِينِ اللهِ تَعَالَى بِالرَّأْيِ وَعَلَيْكُمْ بِاتِّبَاعِ السُنَّةِ، فَمَنْ خَرَجَ عَنْهَا ضَلَّ "». وقال أيضًا - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى (١) -: «والعلماء أمناء الشارع على شريعته من بعده، فلا اعتراض عليهم فيما بَيَّنُوهُ لِلْخَلْقِ، واستنبطوه من الشريعة، لا سيما الإمام أبو حنيفة ﵁، فلا ينبغي لأحد الاعتراض عليه، لكونه من أجل الأئمة، وأقدمهم تدوينًا للمذهب، وأقربهم سَنَدًا إلى رسول الله ﷺ ، وَمُشَاهِدًا لِفِعْلِ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ مِنَ الأَئِمَّةِ ﵃ أَجْمَعِينَ -». وكيف يليق بأمثالنا الاعتراض على إمام عظيم، أجمع الناس على جلالته، وعلمه، وورعه، وزهده، وَعِفَّتِهِ، وعبادته، وكثرة مراقبته لله ، وخوفه منه طول عمره، ما هذا والله إلا عَمَى في البصيرة ... وإياك أن تخوض مع الخائضين في أعراض الأئمة بغير علم فتخسر في الدنيا والآخرة، فإن الإمام ﵁ كان مُتَقَيِّدًا بِالكِتَابِ وَالسُنَّةِ مُتَبَرِّئًا مِنَ الرَّأْيِ، كما قدمنا لك في عدة مواضع من هذا الكتاب. ومن فَتَّشَ مذهبه ﵁ وجده من أكثر المذاهب احتياطًا في الدين، ومن قال غير ذلك فهو في جملة الجاهلين المتعصبين

стр. 113

المنكرين على أئمة الهُدَى بفهمه السقيم، وحاشا ذلك الإمام الأعظم من مثل ذلك حاشاه، بل هو إمام عظيم مُتَّبَعٌ إلى انقراض المذاهب كلها. وأتباعه لن يزالوا في ازدياد كلما تقارب الزمان، وفي مزيد اعتقادٍ في أقواله، وأقوال أتباعه، وقد قدمنا قول إمامنا الشافعي ﵁: «النَاسُ فِي الفِقْهِ عِيَالٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ». وقد ضُرِبَ بَعْضُ أتباعه وَحُبِسَ لِيُقَلَّدَ غيره من الأئمة، فلم يفعل، وما ذلك واللهِ سُدَى، ولا عبره بكلام بعض المتعصبين في حق الإمام ولا بقولهم: إنه من جملة أهل الرأي، بل كلام من يطعن في هذا الإمام عند المحققين يُشْبِهُ الهَذَيَانَ. ولو أن هذا الذي طعن في الإمام، كان له قدم في معرفة منازع المجتهدين، ودقة استنباطهم، لَقَدَّمَ الإمامَ أبا حنيفة في ذلك على غالب المجتهدين، لخفاء مُدْرِكِه ﵁. واعلم يا أخي، أنني ما بسطتُ لك الكلام على مناقب الإمام أبي حنيفة أكثر من غيره، إلا رحمة بِالمُتَهَوِّرِينَ فِي دِينِهِمْ من بعض طلبة المذاهب المخالفة له، فإنهم ربما وقعوا في تضعيف شيء من أقواله، لخفاء مُدْرَكِهِ عَلَيْهِمْ، بخلاف غيره من الأئمة، فإن وجوه استنباطاتهم من الكتاب والسنة ظاهرة لغالب طلبة العلم، الذين لهم قَدَمٌ في الفهم ومعرفة المدارك». انتهى.

стр. 114

اِعْتِدَاءُ الأَلْبَانِي عَلَى الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ: فهذا ما نقلناه من أركان النقل وأئمة الرجال، الذين عليهم المُعَوَّلُ في هذا الباب، في حق أبي حنيفة الإمام الأعظم - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -، من الثناء على حفظه وإتقانه وعلمه، وقد قال الحافظ أبو الحجاج المِزِّي في " مقدمة تهذيب الكمال ": «واعلم أن ما كان في هذا الكتاب من أقوال أئمة الجرح والتعديل ونحو ذلك، فعامته منقول من كتاب" الجرح والتعديل " لأبي مُحَمَّدٍ عبد الرحمن بْن أَبي حاتم الرازي الحافظ ابن الحافظ، ومن كتاب" الكامل " لأبي أَحْمَد عَبد اللَّهِ بْن عَدِيٍّ الجرجاني الحافظ، ومن كتاب" تاريخ بغداد " لأبي بَكْر مُحَمَّد بْن علي بْن ثابت الخطيب البغدادي الحافظ، ومن كتاب" تاريخ دمشق " لأبي القاسم عَلِيٍّ بْن الحَسَن بْن هبة الله المعروف بابن عساكر الدمشقي الحافظ، وما كان فيه من ذلك منقولاً من غير هذه الكتب الأربعة، فهو أقل مما كان فيه من ذلك منقولاً منها، أو من بعضها». وقد اشتمل هذا الكتاب على ذكر عامة رُوَاةِ العِلْمِ، وَحَمَلَةِ الآثَارِ، وأئمة الدين، وأهل الفتوى والزهد والورع وَالنُّسُكِ، وعامة المشهورين من كل طائفة من طوائف أهل العلم المُشَارِ إليهم من أهل هذه الطبقات، ولم يخرج عنهم إلا القليل. فمن أراد زيادة اطلاع على ذلك فعليه بعد هذه الكتب الأربعة

стр. 115

بكتاب " الطبقات الكبرى " لمحمد بن سعد كاتب الواقدي، وكتاب " التاريخ " لأبي بكر بن أحمد بن أبي خيثمة زُهير بن حرب، وكتاب " الثقات " لأبي حاتم محمد بن حبان البُسْتِيِّ، وكتاب " تاريخ مصر " لأبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى الصَّدَفِيِّ، وكتاب " تاريخ نيسابور " للحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري الحافظ، وكتاب " تاريخ أصبهان " لأبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني الحافظ، فهذه الكتب العشرة أمهات الكتب المصنفة في هذا الفن» (١). انتهى. ومعلوم أن ابْنَ عَدِيٍّ قَدْ تَعَدَّى وَجَاوَزَ الحَدَّ في الوقيعة في الإمام الأعظم، وكذا الخطيب البغدادي قد استوعب مَثَالِبَ الإمام، فأتى بِقَاذُورَاتٍ لا تغسلها البحار!. وكانت عامة كتب الجرح والتعديل في متناول أهل العلم الذين نقلنا مناقب الإمام الأعظم من تصانيفهم، كالسمعاني والنووي والمِزِّي والذهبي وابن كثير والحُسيني والبرهان الحلبي وابن حجر العسقلاني. وهؤلاء كلهم من أئمة هذا الشأن، ومع ذلك لم يلتفتوا إلى ما قيل في أبي حنيفة أصلاً، بل على رغم هؤلاء الطاعنين يَعُدُّونَهُ فِي الحُفَّاظِ، وَيُوَثِّقُونَهُ ويجعلونه من أئمة النقد الذين يُرْجَعُ إلى اجتهادهم في التزييف والتصحيح، والجرح والتعديل، ويذكرون أقواله في هذا الباب.

стр. 116

فهذا الإمام أبو الحجاج المزي كل ما ذكره في ترجمة أبي حنيفة في كتابه " تهذيب الكمال " إنما أخذه من كتاب " تاريخ بغداد " للخطيب البغدادي، وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى مَا ذُكِرَ فيه من قَدْحِهِ أصلاً، عِلْمًا منه أن كلام من تكلم فيه إنما صدر عن هوى وعصبية، والإمام بَرِيءٌ عَمَّا رُمِيَ بِهِ مِنْ أَعْدَائِهِ، فلا ينبغي أن يذكر منه شيء. وقد صَرَّحَ الإمام الذهبي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: «أَنَّ كِتَابَ " تَهْذِيبِ الكَمَالِ " يَنْبُوعُ مَعْرِفَةِ الثِّقَاتِ» (١)، وقد أثنى على صنيعه هذا قائلاً: «قَدْ أَحْسَنَ شَيْخُنَا أَبُو الحَجَّاجِ حَيْثُ لَمْ يُورِدْ شَيْئًا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّضْعِيفُ». انتهى كما مَرَّ سَابِقًا (٢). وعلى منواله جرى من أتى بعده كالذهبي، وابن كثير، والحسيني، والبرهان الحلبي، وابن حجر، وكلهم من السادة الشافعية - رَحِمَهُمْ اللهُ تَعَالَى -، وَهَلُمَّ جَرًّا إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، إلا أن بعض منتحلي الحديث من أهل عصرنا - وهو الشيخ ناصر الدين الألباني - قد شَذَّ وَحَادَ عن الطريق فأخذ يَقَعُ في مثل هذا الإمام، وَيَتَكَلَّمُ في حفظه وإتقانه، وَيُضَعِّفُهُ وَيَرْمِيهِ بِسُوءِ الحفظ وينفي عنه الضبط والحفظ. وَتَعَامَى عن نصوص مُوَثِّقِيهِ أمثال الإمام الحُجَّةِ الحافظ شيخ الإسلام أَبِي بِسْطَامََ شُعْبَةُ بْنُ الحَجَّاجِ الأَزْدِيِّ، والإمام العَلَمُ سَيِّدَ

стр. 117

الحفاظ أبي سعيد يحيى بن سعيد القطان، والإمام الحافظ قدوة أصحاب الجرح والتعديل أبي الحسن علي بن المديني، والإمام الفرد سيد الحفاظ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وغيرهم من أئمة هذا الشأن، حيث يقول في كتابه " سلسلة الأحاديث الضعيفة " (١)، عند الكلام على حديث «إِذَا طَلَعَ النَّجْمُ رُفِعَتِ العَاهَةُ عَنْ أَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ» ما نصه: «ضعيف، أخرجه الإمام محمد بن الحسن في " كتاب الآثار " (ص ١٥٩): أخبرنا أبو حنيفة قال: حدثنا عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة مرفوعًا، ومن طريق أبي حنيفة أخرجه الثقفي في " الفوائد " (٣/ ١٢ / ١) وكذا الطبراني في " المعجم الصغير " (ص ٢٠) وفي " الأوسط " (١/ ١٤٠ / ٢) وعنه أبو نعيم في " أخبار أصبهان " (١/ ١٢١) وقال: «وَالنَّجْمُ: هُوَ الثُّرَيَّا». وهذا إسناد رجاله ثقات إلا أن أبا حنيفة ﵀ على جلالته في الفقه قد ضعفه من جهة حفظه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابْنُ عَدِيٍّ، وغيرهم من أئمة الحديث، ولذلك لم يزد الحافظ ابن حجر في " التقريب " على قوله في ترجمته: «فَقِيهٌ مَشْهُورٌ»!. انتهى. ونحن نسأل الألباني إذا كان ضَعْفُ أبي حنيفة مُتَحَقِّقًا عند ابن

стр. 118

ابن حجر، فَلِمَ لَمْ يُضَعِّفْهُ واكتفى بقوله: «فَقِيهٌ مَشْهُورٌ» مع تصريحه في مقدمة " تقريبه " (*) بقوله: «إِنَّنِي أَحْكُمُ عَلَى كُلِّ شَخْصٍ مِنْهُمْ بِحُكْمٍ يَشْمَلُ أَصَحَّ مَا قِيلَ فِيهِ، وَأَعْدَلَ مَا وُصِفَ بِهِ، بِأَلْخَصِ عِبَارَةٍ، وَأَخْلَصَ إِشَارَةٍ». انتهى. فهل قرأ الألباني في كتاب من كتب المصطلح أن كلمة «فَقِيهٌ مَشْهُورٌ»، تدل على ضعف الراوي تصريحًا أو تلويحًا، بَيِّنْهُ لَنَا مَأْجُورًا، وهل اتصاف رَاوٍ بالفقه والشهرة يدل على ضعفه وتركه، أم يُخْرِجُهُ من الجهالة والستر إلى الشُّهْرَةِ والمعرفة، ويفيد تبجيله بالعلم والجلالة، وَيُثْبِتُ له كل خير، فقد ثبت عن المصطفى ﷺ أنه قال: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»، فهل بعد الفقه خَيْرٌ يُرْجَى لَهُ، ولفظ «الفَقِيهِ» في عُرْفِ السَّلَفِ كان لا يُطْلَقُ إلا على المجتهد، فما بال الألباني يجعل الثناء ذَمًّا؟! ويعكس الأمر! وَاللهُ حَسِيبُهُ. وأما قوله: «لم يزد الحافظ ابن حجر في " التقريب " على قوله: " فَقِيهٌ مَشْهُورٌ "» فهو كذب وَبُهْتٌ! ونفي الزيادة لاَ يَصِحُّ، كيف وقد أَقَرَّ الحافظ ابن حجر بإمامته في موضعين! فقد جاء في «الكُنَى» من " التقريب " ما نصه: «أَبُو حَنِيفَةَ النَّعْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ، الإِمَامُ المَشْهُورُ». وقال في حرف النون، مَا نَصُّهُ: «النَّعْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ الكُوفِيُّ، أَبُو حَنِيفَةَ الإِمَامُ، يُقَالُ أَصْلُهُ مِنْ فَارِسَ، وَيُقَالُ مَوْلَى بَنِي تَيْمٍ، فَقِيهٌ مَشْهُورٌ، مِنَ السَّادِسَةِ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ - وَمِائَةَ - عَلَى الصَّحِيحِ وَلَهُ سَبْعُونَ سَنَةً». انتهى.

стр. 119

ولفظ الإمام إذا أطلق ولم يُقَيَّدْ في كتب الجرح والتعديل من أعلى مراتب التوثيق، وهو أرفع من ثقة، أو مُتْقِنٍ، أو ثَبْتٍ، أو عدل، ولكن الإنسان إذا وقع في كبار الأئمة ينزل عليه المقت، وَيُسْلَبُ عقله فيخبط كخبط عشواء. وظهر من هذا أن الحافظ ابن حجر - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - لم يقبل تضعيف هؤلاء في حق الإمام أبي حنيفة أصلاً، وفي لفظ «الفَقِيهِ» وَ «الإِمَامِ» إشارة إلى ترجيح روايته على رواية غير الفقيه وغير الإمام من عامة الرواة، ولم يتفطن له الألباني أصلاً - إن لم نقل: عَمِلَهُ وَكَتَمَهُ! - بل عَكَسَ الأَمْرَ، وزعم أن الوصف بـ «فَقِيهٌ مَشْهُورٌ» يدل على ضعف الراوي، فسبحان قاسم العقول!. وقد ذكر الإمام الزكي يوسف بن الحجاج المِزِّي ﵀ في مقدمة " تهذيب الكمال " (١): «وَقَال أَبُو بَكْرُ بْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَاشِمٍ الطُّوسِيِّ: كُنَّا عِنْدَ وَكِيعٍ، فَقَالَ: " الأَعْمَشُ أَحَبُّ إِلَيْكُمْ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، أَوْ سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ? " فَقُلْنَا: " الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ أَقْرَبُ "، فَقَالَ: " الأَعْمَشُ شَيْخٌ، وَأَبُو وَائِلٍ شَيْخٌ، وَسُفْيَانٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللهِ: فَقِيهٌ عَنْ فَقِيهٍ عَنْ فَقِيهٍ عَنْ فَقِيهٍ ". زَادَ غَيْرُهُ، قَالَ: " وَحَدِيثٌ يتدَاولهُ الفُقَهَاءُ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ حَدِيثٍ يَتَدَاوَلُهُ الشُّيُوْخُ "». انتهى.

стр. 120

ثم لا يخفى أن الحافظ ابن حجر العسقلاني في سائر تصانيفه لم ينقل عن أحد من أهل العلم شيئًا في تضعيف الإمام أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -، على رغم أنف الألباني، بل نقل توثيق الإمام نَصًّا في كتابه " تهذيب التهذيب " (١) عن إمام الصنعة يحيى بن معين - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - وهذا نصه: «وَقَال مُحَمَّدُ بْنِ سَعْدٍ العَوْفِي: سَمِعْتُ يَحْيَى بن مَعِينٍ يَقُولُ: " كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ثِقَةً، لاَ يُحَدِّثُ بِالحَدِيثِ إِلاَّ بِمَا يَحْفَظُهُ، وَقََالَ صَالِحُ بْنَ مُحَمَّدٍ الأَسَدِيُّ عَنْ ابْنِ مَعِين: " كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ثِقَةً فِي الحَدِيثِ "». انتهى. وقال أيضًا - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: قَالَ ابْنُ أَبِي دَاوُدُ، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ، سَمِعْتُ ابْنَ دَاوُدَ يَعْنِي الخُرَيْبِيَّ يَقُولُ: «النَّاسُ فِي أَبِي حَنِيفَةَ حَاسِدٌ وَجَاهِلٌ». وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ قَاضِي الرَّيِّ عَنْ أَبِيهِ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَائِشَةَ، فَذَكَرَ حَدِيثًا لأَبِي حَنِيفَةَ ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ رَأَيْتُمُوهُ لأَرَدْتُمُوهُ، فَمَا مَثَلُهُ وَمَثَلُكُمْ إِلاَّ كَمَا قِيلَ: أَقِلُّوا عَلَيْهِمْ وَيْلَكُمْ لاَ أَبَا لَكُمْ ... مِنَ اللَّوْمِ أَوْ سُدُّوا المَكَانَ الذِي سَدُّوا». وختم ترجمته بقوله: «وَمَنَاقِبُ الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، فَرَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَسْكَنَهُ الفِرْدَوْسَ آمِينْ».

стр. 121

وَالخُرَيْبِيُّ هو الإمام الحافظ القدوة أبو عبد الرحمن عبد الله بن داود بن عامر الهَمْدَانِيُّ الشعبي الكوفي، كان يسكن محلة الخُرَيْبَةَ بالبصرة، ذكره الذهبي في " تذكرة الحفاظ ". وقال الحافظ في " التقريب " في ترجمة الخُرَيْبِيِّ هذا: «(خ، عـ) عبد الله بن داود بن عامر الهمداني أبو عبد الرحمن الخريبي، بمعجمة وموحدة مُصَغَّرًا كوفي الأصل ثقة عابد من التاسعة، مات سنة ثلاث عشرة - ومائتين - وله سبع وثمانون سَنَةً أمسك عن الرواية قبل موته، فلذلك لم يسمع منه البخاري». انتهى. وقال في " تهذيب التهذيب ": «قال ابن سعد: " كَانَ ثِقَةً عَابِدًا نَاسِكًا "، وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: " ثِقَةٌ صَدُوقٌ مَأْمُونٌ "،وقال عثمان الدارمي: " سألت ابن معين عنه وعن أبي عاصم فقال: " ثِقَتَانِ "، قال الدارمي: " الخُرَيْبِيُّ أَعْلَى "، وقال أبو زرعة والنسائي: " ثِقَةٌ "، وقال أبو حاتم: " كَانَ يَمِيلُ إِلَى الرَّأْيِ وَكَانَ صَدُوقًا "، وقال الدارقطني: " ثِقَةٌ زَاهِدٌ " وقال ابن عيينة: " ذَاكَ أَحَدُ الأَحَدَيْنِ "، وَقَالَ مَرَّةً: " ذَاكَ شَيْخُنَا القَدِيمُ "». انتهى. فانظر أيها الألباني المتعصب - ولا تُغمض عينيك - ماذا يقول أحد الأحدين الخريبي شيخ ابن عُيينة الثقة الصدوق الزاهد العابد الناسك المأمون: «النَّاسُ فِي أَبِي حَنِيفَةَ حَاسِدٌ وَجَاهِلٌ»، فلا تغتر بما قاله الحُسَّادُ والجاهلون في هذا الإمام. وأما ابن عائشة فهو أبو عبد الرحمن عُبيد الله بن محمد بن حفص

стр. 122

العَيْشِي بتحتانية ومعجمة، ذكره الحافظ في " التقريب "، فقال: «(ر، ت، س) عبيد الله بن محمد بن عائشة اسم جده حفص بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر التَّيْمِيِّ وقيل له ابن عائشة، وَالعَائِشِيُّ وَالعَيْشِيُّ نِسْبَةً إلى عائشة بنت طلحة لأنه من ذريتها، ثقة جواد، رمي بالقدر وَلَمْ يَثْبُتْ من كبار العاشرة، مات سنة ثمان وعشرين - ومائتين -». وَقَالَ في " تهذيب التهذيب ": «قَالَ أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ: " صَدُوقٌ فِي الحَدِيثِ "، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: " صَدُوقٌ ثِقَةٌ، رَوَى عَنْهُ أَحْمَدُ، وَكَانَ عِنْدَهُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ تِسْعَةَ آلاَفٍ، وَكَانَ عِنْدَهُ دَقَائِقَ وَفَصَاحَةً وَحُسْنَ خُلُقٍ وَسَخَاءٍ "، وَقَالَ الآجُرِّيُّ: عن أبي داود: " سَمِعَ عِلْمًا كَثِيرًا " ... قَالَ السَّاجِيُّ: " وَكَانَ مِنْ سَادَاتِ أَهْلِ البَصْرَةِ غَيْرَ مُدَافِعٍ، وَكَانَ كَرِيمًا سَخِيًّا. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الحَرْبِيُّ: " مَا رَأَتْ عَيْنِي مِثْلَهُ " ... وَقَالَ ابن حبان: " كَانَ حَافِظًا عَالِمًا بِأَنْسَابِ العَرَبِ "». انتهى باختصار. وَحَلاَّهُ الذهبي في " سير أعلام النبلاء " بقوله: «الإِمَامُ العَلاَّمَةُ الثِّقَةُ ... الأَخْبَارِيُّ، الصَّادِقُ». انتهى. فهذا شيخ الإمام أحمد العلامة الأخباري الحافظ الصدوق الثقة، حامل العلم الكثير، من سادات أهل البصرة: يذكر حديثًا لأبي حنيفة، فقال بعض من حضر: لا نريده (كما يقول الألباني في عصرنا هذا) فيقول له: «أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ رَأَيْتُمُوهُ لأَرَدْتُمُوهُ،، وَمَا أَعْرِفُ لَهُ وَلَكُمْ مَثَلاً إِلاَّ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

стр. 123

أَقِلُّوا عَلَيْهِمْ وَيْلَكُمْ لاَ أَبَا لَكُمْ ... مِنَ اللَّوْمِ أَوْ سُدُّوا المَكَانَ الذِي سَدُّوا» (١). وفي ذلك عبرة للألباني لو كان من أولي الألباب والأمانة. وَلَمَّا «كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ثِقَةٌ لاَ يُحَدِّثُ بِالحَدِيثِ إِلاَّ بِمَا يَحْفَظُهُ، وَلاَ يُحَدِّثُ بِمَا لاَ يَحْفَظُهُ»، كما ينقله ابن حجر عن ابن معين وَيُقِرُّهُ، ولا يتعقب عليه، فكيف يُظَنُّ به أنه قد تأثر بجرح المخالفين له، فما بال الألباني لا يتفطن لهذا الأمر الظاهر المكشوف؟ وَمَا حَجَبَهُ عَنْ رُؤْيَةِ هذا الكلام وفهمه إلا تعصبه وحَنَقُهُ الأسود على الإمام أبي حنيفة!. وفي " الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر " تأليف الإمام شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، ما نصه: «وَسُئِلَ - أي الحافظ ابن حجر - عما ذكره النسائي في " الضعفاء والمتروكين ": عن أبي حنيفة ﵁ أنه: ليس بقوي في الحديث، وهو كثير الغَلَطِ وَالخَطَأِ على قلة روايته، هل هو صحيح؟ وهل وافقه على هذا أحد من أئمة المحدثين أم لا؟ فأجاب: النسائي من أئمة الحديث، والذي قاله إنما هو حسب ما ظهر له وأداه إليه اجتهاده، وليس كل أحد يؤخذ بجميع قوله (٢)، وقد

стр. 124

وَافَقَ النَّسَائِيَّ على مُطْلَقِ القولِ جماعةٌ من المحدثين، واستوعب الخطيب في ترجمته من " تاريخه " أقاويلهم، وفيها ما يُقْبَلُ وَمَا يُرَدُّ، وقد اعتذر عن الإمام بأنه كان يرى أنه لا يُحَدِّثُ إلا بما حفظه منذ سَمِعَهُ إلى أن أَدَّاهُ، فلهذا قَلَّتْ الرواية عنه، وصارت روايته قليلة بالنسبة لذلك

стр. 125

وإلا فهو في نفس الأمر كثير الرواية. وفي الجملة: تَرْكُ الخَوْضِ في مثل هذا أولى، فإن الإمام وأمثاله مِمَّنْ قَفَزُوا القَنْطَرَةَ، فما صار يُؤَثَّرُ في أحد منهم قول أحد، بل هم في الدَّرَجَةِ التي رفعهم اللهُ تعالى إليها، من كونهم مَتْبُوعِينَ يُقْتَدَى بهم، فَلْيُعْتَمَدْ هَذَا، والله ولي التوفيق». انتهى (١). فعلى الألباني أن يتقي الله تعالى فيما يقول، وليجتنب الخداع والتقويل لابن حجر - وغيره - ما لم يقله، والله ولي التوفيق. وبهذا ظهر الجواب عمن شارك النسائي في الجرح للإمام، وقد حَثَّ أَبَرُّ أصحاب ابن حجر إليه الإمام الحافظ السخاوي، في كتابه " الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ " (٢) على الاجتناب عن اقتفاء الجارحين والطاعنين فيه يُوصِي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - قائلاً: «ويلتحق بذلك (أي التأويل والتجنب عن ذكره) ما وقع بين الأئمة سيما المتخالفين في المناظرات والمباحثات وأما ما أسنده الحافظ أبو الشيخ بن حَيَّانَ في كتاب " السنة " له من الكلام في حق بعض الأئمة المقلدين وكذا الحافظ أبو أحمد ابن عَدِيٍّ في " كامله " والحافظ أبو بكر الخطيب في " تاريخ بغداد " وآخرون ممن قبلهم كابن

стр. 126

أبي شيبة في " مصنفه " والبخاري والنسائي مِمَّا كُنْتُ أُنَزِّهُهُمْ عن إيراده مع كونهم مجتهدين ومقاصدهم جميلة فينبغي تجنب اقتفائهم فيه. ولذا عذر بعض القضاة الأعلام من شيوخنا من نسب إليه التحدث ببعضه بل منعنا شيخنا - الحافظ ابن حجر - حين سمعنا عليه كتاب " ذم الكلام " للهروي من الرواية عنه لما فيه من ذلك». انتهى. رَدُّ الإِمَامِ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ عَلَى الطَّاعِنِينَ فِي الإِمَامِ، وَفِيهِ عِبْرَةٌ لِلأَلْبَانِي لَوْ اعْتَبَرَ: وأما الإمام شيخ الإسلام حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري القرطبي ﵀ فقد صدع بالحق وكشف القناع عن وجوه الطاعنين في الإمام في كتابيه " الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء "، و" جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله " حيث قال في ترجمة الإمام أبي يوسف من " الانتقاء " ما لفظه: «كَانَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ يُثْنِي عَلَيْهِ، وَيُوَثِّقُهُ، وَأَمَّا سَائِرُ أَهْلِ الحَدِيثِ فَهُمْ كَالأَعْدَاءِ لأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ». فنسألك أيها الألباني هل يُقْبَلُ قَوْلُ الأعداء من غير إقامة برهان على دعواهم في حق إمام قد خضعت الأمة لجلالته وعلمه وورعه، وَتَبِعَهُ شطر أهل البسيطة على توالي القرون إلى يومنا هذا؟ أفما لك عقل يمنعك من الخوض في مثل تلك الوَرَطَاتِ؟

стр. 127

وقال الإمام ابن عبد البر في " جامع بيان العلم: (١) «وَأَفْرَطَ أَصْحَابُ الحَدِيثِ فِي ذَمِّ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَتَجَاوَزُوا الحَدَّ فِي ذَلِكَ، وَالسَّبَبُ المُوجِبُ لِذَلِكَ عِنْدَهُمْ إِدْخَالُهُ الرَّأْيَ وَالقِيَاسَ عَلَى الآثَارِ وَاعْتِبَارُهُمَا، وَأَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ يَقُولُونَ: إِذَا صَحَّ الأَثَرُ مِنْ جِهَةِ الإِسْنَادِ بَطَلَ القِيَاسُ وَالنَّظَرُ. وَكَانَ رَدُّهُ لِمَا رَدَّ مِنَ الأَحَادِيثِ بِتَأْوِيلٍ مُحْتَمَلٍ، وَكَثِيرٌ مِنْهُ قَدْ تَقَدَّمَهُ إِلَيْهِ غَيْرُهُ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ مِمَّنْ قَالَ بِالرَّأْيِ، وَجُلُّ مَا يُوجَدُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ مِنْهُ اتِّبَاعًا لأَهْلِ بَلَدِهِ كَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَأَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ إِلاَّ أَنَّهُ أَغْرَقَ وَأَفْرَطَ فِي تَنْزِيلِ النَّوَازِلِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَالجَوَابِ فِيهَا بِرَأْيِهِمْ وَاسْتِحْسَانِهِمْ، [فَيَأْتِي مِنْهُمْ] مِنْ ذَلِكَ خِلاَفٌ [كَثِيرٌ] لِلسَّلَفِ وَشُنَعٌ هِيَ عِنْدَ مُخَالِفِيهِمْ بِدَعٌ. وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ إِلاَّ وَلَهُ تَأْوِيلٌ فِي آيَةٍ أَوْ مَذْهَبٌ فِي سُنَّةٍ رَدَّ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ المَذْهَبِ بِسُنَّةٍ أُخْرَى بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ أَوِ ادِّعَاءِ نَسْخٍ، إِلاَّ أَنَّ لأَبِي حَنِيفَةَ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرًا وَهُوَ يُوجَدُ لِغَيْرِهِ قَلِيلاً. وَقَدْ ذَكَرَ يَحْيَى بْنُ سَلاَّمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ غَانِمٍ فِي مَجْلِسِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الأَغْلَبِ يُحَدِّثِ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّهُ قَالَ: " أَحْصَيْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ سَبْعِينَ مَسْأَلَةً، كُلُّهَا مُخَالِفَةٌ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّا قَالَ فِيهَا بِرَأْيِهِ قَالَ: وَلَقَدْ كَتَبْتُ إِلَيْهِ [أَعِظُهُ] فِي ذَلِكَ».

стр. 128

قَالَ أَبُو عُمَرَ- ابن عبد البر -: «لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ يُثْبِتُ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يَرُدُّهُ دُونَ ادِّعَاءِ نَسْخِ ذَلِكَ بِأَثَرٍ مِثْلِهِ أَوْ بِإِجْمَاعٍ أَوْ بِعَمَلٍ يَجِبُ عَلَى أَصْلِهِ الانْقِيَادُ إِلَيْهِ أَوْ طَعْنٍ فِي سَنَدِهِ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ فَضْلاً عَنْ أَنْ يُتَّخَذَ إِمَامًا وَلَزِمَهُ [اسْمُ] الفِسْقِ ... وَنَقَمُوا أَيْضًا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ الإِرْجَاءَ، وَمِنْ أَهْلِ العِلْمِ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى الإِرْجَاءِ كَثِيرٌ لَمْ يُعْنَ أَحَدٌ بِنَقْلِ قَبِيحِ مَا قِيلَ فِيهِ كَمَا عُنُوا بِذَلِكَ فِي أَبِي حَنِيفَةَ لإِمَامَتِهِ، وَكَانَ أَيْضًا مَعَ هَذَا يُحْسَدُ وَيُنْسَبُ إِلَيْهِ مَا لَيْسَ فِيهِ، وَيُخْتَلَقُ عَلَيْهِ مَا لاَ يَلِيقُ بِهِ. وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ وَفَضَّلُوهُ وَلَعَلَّنَا إِنْ وَجَدْنَا نُشْطَةً نَجْمَعُ مِنْ فَضَائِلِهِ وَفَضَائِلِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالأَوْزَاعِيِّ ﵏ كِتَابًا، أَمَّلْنَا جَمْعَهُ قَدِيمًا فِي أَخْبَارِ أَئِمَّةِ الأَمْصَارِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى» (١). وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ الأَعْرَابِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ: «أَصْحَابُنَا يُفْرِطُونَ فِي أَبِي حَنِيفَةَ

стр. 129

وَأَصْحَابِهِ» فَقِيلَ لَهُ: أَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَكْذِبُ؟ فَقَالَ: «كَانَ أَنْبَلَ مِنْ ذَلِكَ». وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ الأَزْدِيُّ الحَافِظُ المَوْصِلِيُّ فِي الأَخْبَارِ التِي فِي آخِرِ كِتَابِهِ فِي " الضُّعَفَاءِ " قَالَ: يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أُقَدِّمُهُ عَلَى وَكِيعٍ» وَكَانَ يُفْتِي بِرَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَانَ يَحْفَظُ حَدِيثَهُ كُلَّهُ، وَكَانَ قَدْ سَمِعَ مِنَ أَبِي حَنِيفَةَ حَدِيثًا كَثِيرًا. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: «أَبُو حَنِيفَةَ رَوَى عَنْهُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ المُبَارَكِ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَهُشَيْمٌ، وَوَكِيعُ بْنُ الجَرَّاحِ، وَعَبَّادُ بْنُ العَوَّامِ، وَجَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ لاَ بَأْسَ بِهِ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: رُبَّمَا اسْتَحْسَنَّا الشَّيْءَ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَنَأْخُذُ بِهِ. قَالَ يَحْيَى: وَقَدْ سَمِعْتُ مِنَ أَبِي يُوسُفَ " الجَامِعَ الصَّغِيرَ "، ذَكَرَهُ الأَزْدِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ المَدِينِيِّ، فَذَكَرَهُ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ حَرْفًا بِحَرْفٍ. قَالَ أَبُو عُمَرَ (ابن عبد البر): «الذِينَ رَوَوْا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَوَثَّقُوهُ وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنَ الذِينَ تَكَلَّمُوا فِيهِ، وَالذِينَ تَكَلَّمُوا فِيهِ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ، أَكْثَرُ مَا عَابُوا عَلَيْهِ الإِغْرَاقَ فِي الرَّأْيِ وَالقِيَاسِ وَالإِرْجَاءَ. وَكَانَ يُقَالُ: يُسْتَدَلُّ عَلَى نَبَاهَةِ الرَّجُلِ مِنَ المَاضِينَ بِتَبَايُنِ النَّاسِ فِيهِ قَالُوا: أَلاَ تَرَى إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ فِيهِ [فَتَيَانِ] مُحِبٌّ مُفْرِطٌ وَمُبْغِضٌ [مُفَرِّطٌ]. وَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ أَنَّهُ يَهْلِكُ فِيهِ رَجُلاَنِ مُحِبٌّ مُطْرٍ وَمُبْغِضٌ مُفْتَرٍ، وَهَذِهِ صِفَةُ أَهْلِ النَّبَاهَةِ وَمَنْ بَلَغَ فِي الدِّينِ وَالْفَضْلِ الغَايَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ».

стр. 130

وقال ابن عبد البر في (باب حكم قول العلماء بعضهم في بعض) من " جامع بيان العلم " (١) أيضًا، ما نصه: «قَدْ غَلَطَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَضَلَّتْ فِيهِ نَابِتَةٌ جَاهِلَةٌ لاَ تَدْرِي مَا عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ، وَالصَّحِيحُ فِي هَذَا البَابِ أَنَّ مَنَ صَحَّتْ عَدَالَتُهُ وَثَبَتَتْ فِي العِلْمِ إِمَامَتُهُ وَبَانَتْ ثِقَتُهُ وَبِالعِلْمِ عِنَايَتُهُ لَمْ يُلْتَفَتْ فِيهِ إِلَى قَوْلِ أَحَدٍ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَ فِي جَرْحَتِهِ بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ يَصِحُّ بِهَا جَرْحَتُهُ عَلَى طَرِيقِ الشَّهَادَاتِ وَالعَمَلِ فِيهَا مِنَ المُشَاهَدَةِ وَالمُعَايَنَةِ لِذَلِكَ بِمَا يُوجِبُ تَصْدِيقَهُ فِيمَا قَالَهُ لِبَرَاءَتِهِ مِنَ الغِلِّ وَالحَسَدِ وَالعَدَاوَةِ وَالمُنَافَسَةِ وَسَلاَمَتِهِ مِنْ ذَلَكَ كُلِّهِ، فَذَلَكَ كُلُّهُ يُوجِبُ قَبُولَ قَوْلِهِ مِنْ جِهَةِ الفِقْهِ وَالنَّظَرِ. وَأَمَّا مَنْ لَمْ تَثْبُتُ إِمَامَتُهُ وَلاَ عُرِفَتْ عَدَالَتُهُ وَلاَ صَحَّتْ لِعَدَمِ الحِفْظِ وَالإِتْقَانِ رِوَايَتُهُ، فَإِنَّهُ يُنْظَرُ فِيهِ إِلَى مَا اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَيْهِ وَيُجْتَهَدُ فِي قَبُولِ مَا جَاءَ بِهِ عَلَى حَسَبِ مَا يُؤَدِّي النَّظَرُ إِلَيْهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُقْبَلُ فِيمَنِ اتَّخَذَهُ جُمْهُورٌ مِنْ جَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ إِمَامًا فِي الدِّينِ قَوْلُ أَحَدٍ مِنَ الطَّاعِنِينَ: إِنَّ السَّلَفَ ﵃ قَدْ سَبَقَ مِنْ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ كَلاَمٌ كَثِيرٌ، مِنْهُ فِي حَالِ الغَضَبِ وَمِنْهُ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ الحَسَدُ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، وَأَبُو حَازِمٍ (٢)،

стр. 131

وَمِنْهُ عَلَى جِهَةِ التَّأْوِيلِ مِمَّا لاَ يَلْزَمُ المَقُولُ فِيهِ مَا قَالَهُ القَائِلُ فِيهِ، وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالسَّيْفِ تَأْوِيلاً وَاجْتِهَادًا لاَ يَلْزَمُ تَقْلِيدُهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ دُونَ بُرْهَانٍ وَحُجَّةٍ تُوجِبُهُ، وَنَحْنُ نُورِدُ فِي هَذَا البَابِ مِنْ قَوْلِ الأَئِمَّةِ الجِلَّةِ الثِّقَاتِ السَّادَّةِ، بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ مِمَّا لاَ يَجِبُ أَنْ يُلْتَفَتَ فِيهِمْ إِلَيْهِ وَلاَ يُعْرَجُ عَلَيْهِ، وَمَا يُوَضِّحُ صِحَّةَ مَا ذَكَرْنَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ» .... ثم سرد ابن عبد البر من قول بعضهم في بعض ممن لا يلتفت إليهم أمثلة كثيرة، ثم قال: «وَقَدْ كَانَ بَيْنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجِلَّةِ العُلَمَاءِ عِنْدَ الغَضَبِ كَلاَمٌ هُوَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا، وَلَكِنَّ أَهْلَ العِلْمِ وَالفَهْمِ وَالفِقْهِ لاَ [يَتَلَفَّتُونَ] إِلَى ذَلِكَ لأَنَّهُمْ بَشَرٌ يَغْضَبُونَ وَيَرْضَوْنَ، وَالقَوْلُ فِي الرِّضَا غَيْرُ القَوْلِ فِي الغَضَبِ. ولقد أحسن القائل: «لاَ يُعْرَفُ الحِلْمُ إِلاَّ سَاعَةَ الغَضَبِ». وَمَا مَثَلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَنُظَرَائِهِمَا مِنَ الأَئِمَّةِ إِلاَّ كَمَا قَالَ الأَعْشَى: كَنَاطِحٍ صَخْرَةً يَوْمًا لِيُوهِنَهَا ... فَلَمْ يَضِرْهَا وَأْوَهَى قَرْنَهُ الوَعِلُ

стр. 132

أو كما قال الحسين بن حُمَيْدٍ: يَا نَاطِحَ الجَبَلِ العَالِي لِيُكْلِمَهُ ... أَشْفِقْ عَلَى الرَّأْسِ لاَ تُشْفِقْ عَلَى الجَبَلِ ولقد أحسن أبو العتاهية حيث يقول: وَمَن ذَا الذِي يَنْجُو مِنَ النَّاسِ سَالِمًا ... وَلِلْنَّاسِ قَالٌ بِالظُّنُونِ وَقِيلُ وهذا خير من قول القائل: ............ ... وَمَا اعْتِذَارُكَ مِنْ قَوْلٍ إِذَا قِيلاَ؟! فَقَدْ رَأَيْنَا [البَاطِلَ] وَالبَغْيَ وَالحَسَدَ [أَسْرَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ] قَدِيمًا أَلاَ تَرَى إِلَى قَوْلِ الكُوفِيِّ فِي سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: إِنَّهُ لاَ يَعْدِلُ فِي الرَّعِيَّةِ وَلاَ يَغْزُو فِي السَّرِيَّةِ، وَلاَ يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَسَعْدٌ بَدْرِيُّ وَأَحَدُ العَشَرَةِ المَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ وَأَحَدُ السِّتَّةِ الذِينَ جَعَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ الشُّورَى فِيهِمْ، وَقَالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ. وُقَدْ رُوِيَ أَنَّ مُوسَى ﵇ قَالَ: «يَا رَبِّ اقْطَعْ عَنِّي أَلْسُنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: يَا مُوسَى لَمْ أَقْطَعْهَا عَنْ نَفْسِي فَكَيْفَ أَقْطَعُهَا عَنْكَ؟». قَالَ أَبُو عُمَرَ: «وَاللَّهِ لَقَدْ تَجَاوَزَ النَّاسُ الحَدَّ فِي الغِيبَةِ وَالذَّمِّ، فَلَمْ يَقْنَعُوا بِذَمِّ العَامَّةِ دُونَ الخَاصَّةِ وَلاَ بِذَمِّ الجُهَّالِ دُونَ العُلَمَاءِ، وَهَذَا كُلُّهُ يَحْمِلُ عَلَيْهِ الجَهْلُ وَالحَسَدُ، وَقِيلَ لابْنِ المُبَارَكِ: فُلاَنٌ يَتَكَلَّمُ فِي أَبِي حَنِيفَةَ فَأَنْشَدَ بَيْتَ ابْنِ الرُّقَيَّاتِ:

стр. 133

حَسَدُوكَ أَنْ رَأَوْكَ فَضَّلَكَ اللَّـ ... ـهُ بِمَا فُضِّلَتْ بِهِ النُّجَبَاءُ وَقِيلَ لأَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ: فُلاَنٌ يَتَكَلَّمُ فِي أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ: هُوَ كَمَا قَالَ نُصَيْبٌ: سَلِمْتِ وَهَلْ حَيٌّ عَلَى النَّاسِ يَسْلَمُ (*) وَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ: حَسَدُوا الْفَتَى إِذْ لَمْ يَنَالُوا سَعْيَهُ ... فَالنَّاسُ أَعْدَاءٌ لَهُ وَخُصُومُ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْبَلَ قَوْلَ العُلَمَاءِ الثِّقَاتِ الأَئِمَّةِ الأَثْبَاتِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ، فَلْيَقْبَلْ قَوْلَ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا وَخَسِرَ خُسْرَانًا، وَكَذَلِكَ إِنْ قَبِلَ فِي سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَوْلَ عِكْرِمَةَ، وَفِي الشَّعْبِيِّ وَأَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ مَكَّةَ وَأَهْلِ الكُوفَةِ وَأَهْلِ الشَّامِ عَلَى الجُمْلَةِ وَفِي مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ مَنْ ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا البَابِ مَا ذَكَرْنَا عَنْ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ. فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَلَنْ يَفْعَلَ إِنْ هَدَاهُ اللَّهُ وَأَلْهَمَهُ رُشْدَهُ فَلْيَقِفْ عِنْدَ مَا شَرَطْنَا فِي أَنْ لاَ يَقْبَلَ فِيمَنْ صَحَّتْ عَدَالَتُهُ وَعَلِمْتَ بِالعِلْمِ عِنَايَتَهُ، وَسَلِمَ مِنَ الكَبَائِرِ وَلَزِمَ المُرُوءَةَ [وَالتَّصَاوُنَ] وَكَانَ خَيْرُهُ غَالِبًا وَشَرُّهُ أَقَلُّ عَمَلِهِ فَهَذَا لاَ يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ قَائِلٍ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ، وَهَذَا هُوَ الحَقُّ الذِي لاَ يَصِحُّ غَيْرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ: بَكَى شَجْوَهُ الإِسْلاَمُ مِنْ عُلَمَائِهِ ... فَمَا اكْتَرَثُوا لَمَّا رَأَوْا مِنْ بُكَائِهِ فَأَكْثَرُهُمْ مُسْتَقْبِحٌ لِصَوَابِ مَنْ ... يُخَالِفُهُ مُسْتَحْسِنٌ لِخَطَائِهِ فَأَيُّهُمُ المَرْجُوُّ فِينَا لِدِينِهِ ... وَأَيُّهُمُ المَوْثُوقُ فِينَا بِرَأْيِهِ

стр. 134

وَالذِينَ أَثْنَوْا عَلَى سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وَعَلَى سَائِرِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنَ التَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَوْا وَقَدْ جَمَعَ النَّاسُ فَضَائِلَهُمْ وَعُنُوا بِسِيَرِهِمْ وَأَخَبَارِهِمْ، فَمَنْ قَرَأَ [فَضَائِلَهُمْ] وَفَضَائِلَ مَالِكٍ وَفَضَائِلَ الشَّافِعِيِّ وَفَضَائِلَ أَبِي حَنِيفَةَ بَعْدَ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃ وَعُنِيَ بِهَا، وَوَقَفَ عَلَى كَرِيمِ سِيَرِهِمْ وَسَعَى فِي الإِقْتِدَاءِ بِهِمْ، وَسَلَكَ سَبِيلِهِمْ فِي عِلْمِهِمْ وَفِي سَمْتِهِمْ وَهَدْيِهِمْ كَانَ ذَلِكَ لَهُ عَمَلاً زَاكِيًا نَفَعَنَا اللَّهُ بِحُبِّهِمْ جَمِيعِهِمْ. قَالَ الثَّوْرِيُّ ﵀: «عِنْدَ ذِكْرِ الصَّالِحِينَ تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ» وَمَنْ لَمْ يَحْفَظْ مِنْ أَخْبَارِهِمْ إِلاَّ مَا نَذَرَ مِنْ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ عَلَى الحَسَدِ وَالهَفَوَاتِ وَالغَضَبِ وَالشَّهَوَاتِ دُونَ أَنْ يَعْنِيَ بِفَضَائِلِهِمْ وَيَرْوِي مَنَاقِبَهُمْ حُرِمَ التَّوْفِيقَ وَدَخَلَ فِي الغِيبَةِ وَحَادَ عَنِ الطَّرِيقِ جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ مِمَّنْ يَسْمَعُ القَوْلَ فَيَتَّبِعُ أَحْسَنَهُ. وَقَدِ افْتَتَحْنَا هَذَا الْبَابَ بِقَوْلِهِ ﷺ : «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمُ الحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ»، وَفِي ذَلِكَ كِفَايَةٌ ... وَمَنْ صَحِبَهُ التَّوْفِيقُ أَغْنَاهُ مِنَ الحِكْمَةِ يَسِيرُهَا وَمِنَ المَوَاعِظِ قَلِيلُهَا إِذَا فَهِمَ وَاسْتَعْمَلَ مَا عَلِمَ، وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الوَكِيلُ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ رَحْمُونَ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ بَكْرِ بْنِ دَاسَهْ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ سُلَيْمَانَ بْنَ الأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيَّ يَقُولُ: «رَحِمَ اللَّهُ مَالِكًا كَانَ إِمَامًا، رَحِمَ اللَّهُ الشَّافِعِيَّ كَانَ إِمَامًا، رَحِمَ اللَّهُ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ إِمَامًا». انتهى باختصار.

стр. 135

وقال ابن عبد البر في " جامع بيان العلم " (١) أيضًا: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ القَاسِمِ، نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدِ الوَرَّاقُ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ المِصِّيصِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ القَاسِمِ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: «رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الحَسَنِ فِي المَنَامِ فَقُلْتُ: إِلاَمَ صِرْتَ؟ قَالَ: غُفِرَ لِي ثُمَّ قِيلَ لِي: لَمْ نَجْعَلْ هَذَا العِلْمَ فِيكَ إِلاَّ وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نَغْفِرَ لَكَ قَالَ: قُلْتُ: وَمَا فَعَلَ أَبُو يُوسُفَ؟ قَالَ: فَوْقَنَا بِدَرَجَةٍ قُلْتُ: وَأَبُو حَنِيفَةَ؟ قَالَ: فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ». انتهى. جَوَابُ الحَافِظِ ابْنُ التُّرْكُمَانِيِّ عَنْ جُرُوحِ الإِمَامِ: وقال قاضي القضاة الإمام العلامة الحافظ الشيخ علاء الدين علي بن عثمان المارديني الشهير بابن التركماني في " الجوهر النقي في الرد على البيهقي " (٢) عند الكلام على أثر ابن عباس - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: «لاَ تُقْتَلُ النِّسَاءُ إِذَا ارْتَدَدْنَ» ما نصه: «وَأَبُو حَنِيفَةَ وَإِنْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُهُمْ فَقَدْ وَثَّقَهُ كَثِيرُونَ وَأَخْرَجَ لَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي " صَحِيحِهِ " (٣) وَاسْتَشْهَدَ بِهِ الحَاكِمُ فِي " المُسْتَدْرِكِ " وَمِثْلُهُ

стр. 136

فِي دِينِهِ [وَوَرَعِهِ] وَعِلْمِهِ لاَ يُقْدَحُ فِيهِ كَلاَمُ أُولَئِكَ وَقَدْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُ كَانَ مَحْسُودًا حَكَى أَبُو عُمَرَ فِي كِتَابِ " الاِنْتِقَاءِ فِي فَضَائِلِ الثَّلاَثَةِ الفُقَهَاءِ " عَنْ حَاتِمٍ بْنِ [آدَمَ] (*) قَالَ: قُلْتُ لِلْفَضْلِ بْنِ مُوسَى السِّينَانِيِّ (**): مَا تَقُولُ فِي هَؤُلاءِ الذِينَ يَقَعُونَ فِي أَبِي حَنِيفَةَ؟ قَالَ: إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ جَاءَهُمْ بِمَا يَعْقِلُونَهُ وَبِمَا لاَ يَعْقِلُونَهُ مِنَ العِلْمِ وَلَمْ يَتْرُكْ لَهُمْ شَيْئًا فَحَسَدُوهُ». انتهى. رَدُّ ابْنِ الوَزِيرِ اليَمَانِيِّ عَلَى مَنْ حَاوَلَ التَّشْكِيكَ فِي عِلْمِ أَبِي حَنِيفَةَ بِالحَدِيثِ وَالعَرَبِيَّةِ: وقال الإمام الحافظ العلامة النظار أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن الوزير اليماني المتوفى سنة ٨٤٠ هـ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -، في " الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم " (١) ﷺ ، رَدًّا على السيد جمال الدين علي بن محمد بن أبي القاسم حيث حاول التشكيك في علم أبي حنيفة بالحديث والعربية، قال ما نصه: «لا يخلو إما أن يُنْكِرَ - هذا المعترض - صدور الفتوى عنه ﵁ , وينكر نقل الخلف والسلف لمذاهبه في الفقه, أو يقر بذلك, إن أنكره أنكر الضرورة, ولم تكن لمناظرته صورة, وإن لم ينكره فهو يدل على اجتهاده, ولنا في الاستدلال به على ذلك مسالك:

стр. 137

المسلك الأول: أنه ثبت بالتواتر فضله وعدالته, وتقواه وأمانته, فلو أفتى بغير علم وتأهل لذلك وليس له بأهل لكان جَرْحًا في عدالته, وَقَدْحًا في ديانته وأمانته, وَوَصْمًا في عقله ومروءته, لأن تعاطي الإنسان ما لا يحسنه, ودعواه لمعرفة ما لا يعرفه, من عادات السفهاء, ومن لا حياء له ولا مروءة من أهل الخسة والدناءة, ووجوه مناقبه مصونة عن ابتذالها وتسويدها بهذه الوصمة القبيحة, والمذمة الشنيعة. المسلك الثّاني: أن رواية العلماء لمذاهبه, وتدوينها في كتب الهداية, وخزائن الإسلام؛ تدل على أنهم قد عرفوا اجتهاده لأنه لا يحل لهم رواية مذهبه إلا بعد المعرفة بعلمه لأن إيهام ذلك من غير معرفة مُحَرَّمٌ, لما يتركب عليه من الأحكام الشرعية المجمع عليها, كانخرام إجماع أهل عصره بخلافه, والمختلف فيها كانخرام إجماع من بعده بخلافه, وجواز تقليده بعد موته. المسلك الثّالث: أن نقول: الإجماع منعقد على اجتهاده, فإن خالف في ذلك مخالف فقد انعقد الإجماع بعد موته, وإنما قلنا بذلك لأن أقواله متداولة بين العلماء الأعلام, سائرة في مملكة الإسلام, في الشرق والغرب واليمن والشام, من عصر التابعين من سَنَةِ خمسين ومائة إلى يوم الناس هذا وهو أول المائة التاسعة بعد الهجرة, لا ينكر على من يرويها ولا على من يعتمد عليها, والمسلمون بين عامل عليها, وساكت عن الإنكار على من يعمل عليها, وهذه الطّريقة هي التي تَثْبُتُ بمثلها دعوى الإجماع في أكثر المواضع.

стр. 138

المسلك الرابع: أنه قد نص كثير من الأئمة والعلماء على أن أحد الطرق الدالة على اجتهاد العالم هي: انتصابه للفتيا, ورجوع [عامة المسلمين] إليه من غير نكير من العلماء والفضلاء, وموضع نصوص العلماء على ذلك في علم أصول الفقه, وهناك يذكر الدليل على أن ذلك كاف في معرفة اجتهاد العالم وجواز تقليده، وممن ذكر ذلك من أئمة الزيدية, وشيوخ المعتزلة المنصور بالله في كتابه: " الصفوة " , وأبو الحسين البصري في كتابه " المعتمد ". وهذا في سكوت سائر العلماء عن النكير على المفتي, فكيف بسكوت ركن الإسلام من عصابة التابعين, ونبلاء سادات المسلمين ومن هم من خير القرون بنص سيد المرسلين, فقد كان الإمام أبو حنيفة معاصرًا لذلك الطراز الأول كما سيأتي. وقد تطابق الفريقان من أهل السنة والاعتزال, على التعظيم لأبي حنيفة والإجلال؛ أما أهل السنة فذلك أظهر من الشمس, وأوضح من أن يدخل فيه اللبس. وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي الأَفْهَامِ شَيْءٌ ... إِذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيلٍ وأما المعتزلة: فقد تشرفوا بالانتساب إليه, والتعويل في التقليد عليه, كأبي عَلِيٍّ, وولده أبي هاشم من متقدميهم, وأبي الحسين البصري, والزمخشري من متأخريهم , وهم وإن قدرنا دعواهم الاجتهادَ

стр. 139

والخروج من التقليد, فذلك إنما كان بعد طلبهم العلم وطول المدة, وهم قبل ذلك وفي خلال ذلك معترفون باتباع أقواله, وبعد ذلك لم يستنكفوا من الانتساب إلى اسمه والمتابعة في المعارف لرسمه. وفي كلام عَلاَّمَتِهِمْ الزمخشري: «وَتَدَ اللهُ الأرضَ بالأعلام المُنيفة, كما وطد الحنيفية بعلوم أبي حنيفة، الأئمة الجِلَّةِ الحنفية, أَزِمَّةِ المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ, الجودُ والحلم حاتمي وأحنفي, والدين والعلم حنيفي وحنفي». وقد عقد الحاكم أبو سعيد فصلاً في فضل أبي حنيفة, وعلمه ذكره في كتابه " سفينة العلوم ". وقد أطبق أهل التاريخ على تعظيمه, وأفرد بعضهم سيرته ﵁ في كتاب سماه " شقائق النعمان في مناقب النعمان ". ولو كان الإمام أبو حنيفة جاهلاً ومن حلية العلم عاطلاً ما تطابقت جبال العلم من الحنفية على الاشتغال بمذاهبه, كالقاضي أبي يوسف, ومحمد بن الحسن الشيباني, والطّحاوي, وأبي الحسن الكرخي, وأمثالهم وأضعافهم. فعلماء الطائفة الحنفية في الهند, والشام, ومصر, واليمن, والجزيرة, والحرمين, والعراقين منذ مائة وخمسين من الهجرة إلى هذا التاريخ يزيد على ستمائة سَنَةٍ, فهم ألوف لا ينحصرون, وعوالم لا يحصون من أهل العلم والفتوى, والورع والتقوى.

стр. 140

فكيف يجترىء هذا المعترض, ويجوز عليهم أنهم تطابقوا على الاستناد إلى عامي جاهل لا يعرف أن البَاءَ تَجُرُّ ما بعدها, ولا يدري ما يخرج من رأسه من حديث رسول الله ﷺ ؟ ما هذا إلا كلام عامي أو أعمى, يخبط من الجهل في ظلماء. وَهَبْكَ تَقُولُ هَذَا الصُّبْحَ لَيْلٌ ... أَيَعْمَى العَالِمُونَ عَنْ الضِّيَاءِ. وأمّا ما قدح به على الإمام أبي حنيفة من عدم العلم باللغة العربية فلا شك أن هذا كلام متحامل, متنكب عن سبيل المحامل, فقد كان الإمام أبو حنيفة من أهل اللسان القويمة واللغة الفصيحة. وَلَيْسَ بِنَحْوِيٍّ يَلُوكُ لِسَانَهُ ... وَلَكِنْ سَلِيقِيٌّ يَقُولُ فَيُعْرِبُ وذلك لأنه أدرك زمان العرب, واستقامة اللسان, فعاصر جريرًا والفرزدق, ورأى أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ مرتين, وقد توفي أنس بن مالك سَنَةَ ثلاث وتسعين من الهجرة , والظاهر أن أبا حنيفة ما رآه وهو في المهد, بل رآه بعد التمييز, يدل على ذلك أن أبا حنيفة كان من المعمرين, وتأخرت وفاته إلى سَنَةِ خمسين ومائة, وقد جاوز التسعين من العمر (١). وهذا يقتضي أنه بلغ الحُلُمَ وأدرك بعد موت رسول الله - صَلََّى اللهُ

стр. 141

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقدر الثمانين سنة لأنه ﵇ توفي بعد مضي عشر من الهجرة, وهذا يدل على تقدم أبي حنيفة وإدراكه زمان العرب, وهو أقدم الأئمة وأكبرهم سِنًّا, فهذا مالك على تقدمه توفّي بعده بنحو ثلاثين سنة, ولا شك أن تغير اللسان في ذلك الزمان كان يسيرًا, وأنه لم يشتغل في ذلك الزمان بعلم اللغة وفن الأدب أحد من مشاهير العلماء المتبوعين المعتمد عليهم في التقليد, لعدم مسيس الحاجة إلى ذلك في ذلك العصر كما أشار إلى ذلك أبو السعادات ابن الأثير في ديباجة كتابه: " النهاية " , وكما لا يخفي ذلك على من له أنس بعلم التّاريخ. فلو أوجبنا قراءة علم العربية في ذلك الزمان على المجتهد لم نقتصر على أبي حنيفة, ولزم أن لا يصح احتجاج علماء العربية بأشعار جرير والفرزدق, وهذا ما لم يقل به أحد, وإنما اختل اللسان الاختلال الكثير في حق بعض الناس بعد ذلك العصر, وقد سلم من تغير اللسان من لم يخالط العجم في الأمصار من خلص العرب, وأدرك الزمخشري كثيرًا منهم ممن لزم البادية, وأكثر ما أسرع التغير إلى العامة ومن لا تمييز له. وقد قال الأمير العالم الحسين بن محمد في كتاب " شِفَاءُ الأُوَامِ ": إن الإمام يحيى بن الحسين ﵁ كان عربي اللسان حجازي اللغة من غير قراءة, وروى عَلاَّمَةُ الشيعة علي بن عبد الله بن أبي الخير

стр. 142

أنه - أي الإمام يحيى - قرأ في العربية أربعين يومًا, وهذا قد توفي على رأس ثلاث مائة سنة من الهجرة. وأما سنة ثمانين من الهجرة, فليس أحد من أهل التمييز يعتقد أن أهل العلم في ذلك الزمان كانوا لا يتمكنون من معرفة معاني كلام الله ورسوله إلا بعد القراءة في علم العربية, ولو كان ذلك منهم لنقل ذلك, وعرف شيوخ التابعين فيه, وليت شعري من كان شيخ علقمة بن قيس, وأبي مسلم الخولاني, ومسروق بن الأجدع, وجبير بن نفير, وكعب الأحبار؟ , ومن كان شيوخ من بعدهم من التابعين كالحسن, وأبي الشعثاء , وزين العابدين, وإبراهيم التيمي, والنخعي, وسعيد بن جُبير, وطاووس, وعطاء والشعبي ومجاهد, وأضرابهم, فما خص أبا حنيفة بوجوب تعلم العربية, وفي أي المصنفات البسيطة يقرأ في ذلك الزمان؟. وأما قوله: «بأبا قبيس» فالجواب عنه من وجوه: الأول: أن هذا يحتاج إلى طرق صحيحة, والمعترض قد شدد في نسبة الصحاح إلى أهلها مع اشتهار سماعها, والمحافظة على ضبطها, فكيف بمثل بهذه الرواية؟. الثاني: أنه إن ثبت بطرق صحيحة, فإنه لم يشتهر, ولم يصح مثل شهرة صدور الفتيا, ودعوى الاجتهاد عن الإمام أبي حنيفة, وقد تواتر

стр. 143

علمه وفضله, وأجمع عليه, وليس يقدح في المعلوم بالمظنون, بل بما لا يستحق أن يسمى مظنونًا. الثالث: أنا لو قدرنا أن ذلك صح عنه بطريق معلومة لم يقدح به لأنه ليس بلحن بل هو لغة صحيحة, حكاها الفراء عن بعض العرب وأنشد: إِنَّ أَبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا ... قَدْ بَلَغَا فِي المَجْدِ غَايَتَاهَا الرابع: سلمنا أن هذا لحن لا وجه له, فإنه لا يدل على عدم المعرفة, فإن كثيرًا من علماء العربية يتكلم بلسان العامة ويتعمد النطق باللحن, بل قد يتكلم العربي بالعجمية ولا يقدح ذلك في عربيته. وعلى الجملة؛ فكيف ما دارت المسألة فإن ذلك لا يدل على قصور الإمام أبي حنيفة, بل يدل على غفلة المعترض به وتغفيله, وجرأته على وصم هذا الإمام الجليل وتجهيله. وأما قدحه عليه بالرواية عن المضعفين, وقوله: إن ذلك ليس إلا لقلة معرفته بالحديث؛ فهو وَهْمٌ فاحش, لا يتكلم به منصف. والجواب على ذلك يتبين بذكر محامل: المحمل الأول: أنه قد علم من مذهب أبي حنيفة ﵀ أنه يقبل المجهول, وإلى ذلك ذهب كثير من العلماء كما قدمناه (١) , ولا شك أنهم إنما يقبلونه حيث لا يعارضه حديث الثقة المعلوم العدالة, لأن الترجيح بزيادة الثقة والحفظ عند التعارض أمر مجمع عليه.

стр. 144

ولا شك أن الغالب على حملة العلم النبوي في ذلك الزمان العدالة, ويشهد لذلك الحديث الثابت المشهور: «خَيْرُ [النَّاسِ] قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الكَذِبُ». وقد كان عَلِيٌّ ﵁ يَتَّهِمُ بعض الرواة فيستحلفه ثُمَّ يَقْبَلُهُ , وهذا إنما يكون في حديث من فيه جهالة أو نحوها, ولذا لم يستحلف المقداد لما أخبره بحكم المذي. وقد روى الحافظ ابن كثير في جزء جمعه في أحاديث السِّبَاقِ عن الإمام أحمد بن حنبل أنه كان يرى العمل بالحديث الذي فيه ضعف إذا لم يكن في الباب حديث صحيح يدفعه , وأنه روى في " المسند " أحاديث كثيرة من هذا القبيل, وذلك على سبيل الاحتياط من غير جهل بضعف الحديث, ولا بمقادير الضعف, وما يحرم معه قبول الحديث بالإجماع, وما فيه خلاف. وقال الحافظ أبو عبد الله بن منده: إن أبا داود يخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره لأنه أقوى عنده من رأي الرجال. انتهى. وفي هذا شهادة واضحة على أن رواية الحديث الضعيف لا تستلزم الجهل بالحديث, فأحمد وأبو داود من أئمة علم الأثر بلا مدافعة, وهذا الحديث الضعيف الذي ذكروه, ليس حديث الكذابين, ولا الفساق المصرحين, فذلك عندهم لا يستحق اسم الضعف, وإنما يقال فيه: إنه باطل, أو موضوع, أو ساقط, أو متروك, أو نحو ذلك.

стр. 145

وإنما الضعيف حديث الراوي الصدوق الذي ليس بحافظ, أو المعلومُ بالاختلاف في رفعه أو إسناده, والمضطرب اضطرابًا يسيرًا, أو نحو ذلك مما اختلف العلماء في التعليل للحديث به, أو الجرح للراوي به, ولا تظهر قوة في دليل رَدِّهِ, ولا دليل قبوله. وأكثر التضعيف إنما يكون من جهة الحفظ, وعند الأصوليين: أنه لا يقدح به حتى يكون الخطأ راجحًا على الصواب, أو مُسَاوِيًا له, وفي المساوي خلاف عندهم, وقد تقدم ذكر هذه المسألة, وهي مقررة في كتب علوم الحديث وكتب الأصول , فعلى هذا الوجه تكون رواية الإمام أبي حنيفة عن بعض الضعفاء مَذْهَبًا واختيارًا, لا جهلاً واغترارًا. المحمل الثّاني: أن يكون ضعف أولئك الرواة الذين روى عنهم مختلفًا فيه, ويكون مذهبه وجوب قبول حديثهم, وعدم الاعتداد بذلك التضعيف؛ إما لكونه غير مفسر لسبب, أو لأجل مذهب, أو غير ذلك, وقد جرى ذلك لغير واحد من العلماء والحفاظ, بل لم يسلم من ذلك صَاحِبَا " الصحيح ". وكذلك أئمة العلم: هذا الإمام الشافعي ﵁ أكثر من الرواية عن إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي, وَوَثَّقَهُ, وقد خالفه الأكثرون في ذلك. وقال ابن عبد البر في " تمهيده ": «أَجْمَعُوا عَلَى تَجْرِيحِ ابْنِ أَبِي يَحْيَى, إِلاَّ الشَّافِعِيُّ».
следующие страницы →