المجلى بالحجج والآثار " (١):
«جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ كَذَّابٌ، وَأَوَّلُ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالْكَذِبِ أَبُو حَنِيفَةَ».
وقال أيضًا (٢):
«مُجَالِدٌ ضَعِيفٌ، أَوَّلُ مَنْ ضَعَّفَهُ أَبُو حَنِيفَةَ».
وَرَوَى الحَاكِمُ في " تَارِيخِ نَيْسَابُورَ " فِي تَرْجَمَةِ أَحْمَدَ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ حَمْزَةَ الوَاعِظِ مِنْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مِسْهَرٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، قَالَ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: «أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ أَبُو بَكْرٍ، وَمِنَ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ، وَمِنَ الصِّبْيَانِ عَلِيٌّ». انتهى (٣).
ونقل الحافظ الذهبي في " تذكرة الحفاظ " (٤) في ترجمة عطاء بن أبي رباح، «قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: " مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَفْضَلَ مِنْ عَطَاءٍ "».
ونقل في ترجمة أبي الزناد، فقيه المدينة (٥): «وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: " رَأَيْتُ رَبِيعَةَ وَأَبَا الزِّنَادِ، وَأَبُو الزِّنَادِ أَفْقَهُ الرَّجُلَيْنِ "».
ونقل في ترجمة جعفر الصادق (٦): «وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: " مَا رَأَيْتُ أَفْقَهَ مِنْ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ "».
стр. 77
وقال الإمام الحافظ المحدث البارع ترجمان العرب، ولسان أهل الأدب، أثير الدين محمد بن يوسف أبو حيان الأندلسي الغرناطي الظاهري، في تفسيره المعروف بـ " البحر المحيط " (١) ما نصه:
«وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ: غَلَبَ حَمْزَةُ النَّاسَ عَلَى القُرْآنِ وَالفَرَائِضِ». انتهى.
وعلى كل حال فإمامنا الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان ﵁ من كبار أئمة الجرح والتعديل في عصره، ممن إذا قال قُبِلَ قَوْلُهُ، وَإِذَا جَرَّحَ أَوْ عَدَّلَ سُمِعَ مِنْهُ، وكان متثبتًا لا يكاد يروي إلا عن ثقة، كشعبة ومالك - رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى -، وهو أول من انتقى الرجال من الأئمة، وأعرض عمن ليس بثقة، ولم يكن يروي إلا ما صح، ولا يحدث إلا ما يحفظ وتبعه مالك.
ولقد قال مَلِكُ المُحَدِّثِينَ إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين - كما في " البداية والنهاية " للحافظ ابن كثير - (٢): «العُلَمَاءُ أَرْبَعَةٌ; الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالأَوْزَاعِيُّ».
فهؤلاء القرناء في العلم، وأبو حنيفة ومالك يفوقان على الثوري والأوزاعي في نقد الرجال، وهما الحافظان الحُجَّتَانِ، فمن احتج به أبو حنيفة في كتاب " الآثار " أو مالك في " الموطأ " فهو المقبول، ومن اختلفا فيه - وذلك قليل جدًا - كزيد بن عياش اجْتُهِدَ في أمره.
стр. 78
أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى شَرْطِ أَصَحِّ الأَسَانِيدِ:
ويدل على جلالة شأن أبي حنيفة في علم الحديث، وضبطه، وإتقانه، وصحة روايته، وعلو مكانته، أنه لما قال البخاري: «أَصَحُّ الأَسَانِيدِ كُلِّهَا: مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄» وبنى على ذلك الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي أن أجل الأسانيد: الشَّافِعِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، اعترض عليه الشيخ الإمام العلامة الحافظ علاء الدين مُغُلْطَايْ: «بِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَرْوِي عَنْ مَالِكٍ أَحَادِيثَ فِيمَا ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ». انتهى.
وأجاب عنه البُلْقِينِي في " محاسن الاصطلاح " بقوله: «فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَهُوَ وَإِنْ رَوَى عَنْ مَالِكٍ كَمَا ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، لَكِنْ لَمْ تَشْتَهِرْ رِوَايَتُهُ عَنْهُ، كَاشْتِهَارِ رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ». انتهى.
وقال العراقي: «رواية أبي حنيفة عن مالك فيما ذكره الدارقطني في "غرائبه " وفي " المُدَبَّجِ "، ليست من روايته عن نافع، عن ابن عمر، والمسألة مفروضة في ذلك، نعم ذكر الخطيب حديثًا كذلك في الرواية عن مالك».
وقال شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: «أَمَّا اعْتِرَاضُهُ بِأَبِي حَنِيفَةَ، فَلاَ يَحْسُنُ؛ لأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَمْ تَثْبُتُ رِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ، ثُمَّ الخَطِيبُ لِرِوَايَتَيْنِ وَقَعَتَا لَهُمَا عَنْهُ بِإِسْنَادَيْنِ فِيهِمَا مَقَالٌ، وَأَيْضًا فَإِنَّ رِوَايَةَ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ مَالِكٍ إِنَّمَا هِيَ فِيمَا ذَكَرَهُ فِي المُذَاكَرَةِ، وَلَمْ يَقْصِدِ الرِّوَايَةَ عَنْهُ كَالشَّافِعِيِّ الذِي لاَزَمَهُ
стр. 79
مُدَّةً طَوِيلَةً وَقَرَأَ عَلَيْهِ " المُوَطَّأَ " بِنَفْسِهِ». انتهى. نقله السيوطي في " تدريب الراوي شرح تقريب النواوي " (١).
فانظر - يا رعاك الله - هؤلاء الحفاظ الأئمة الأعلام، لما ذكر الحافظ مُغُلْطَايْ الإمام أبا حنيفة في سلسلة أصح الأسانيد عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: لا يرومون أبا حنيفة بسوء الحفظ والضعف في الرواية، ولا ينكرون جلالته في الحديث، ولا إتقانه في الرواية، وإنما ينكرون على مُغُلْطَايْ إدخاله في هذه السلسلة، لعدم اشتهار روايته عن مالك كاشتهار رواية الشافعي عنه، أو لأنها وقعت في المذاكرة ولم يقصد أبو حنيفة الرواية عنه، أو لأن روايته عنه ليست من روايته عن نافع، أو لأنه لم تصح روايته عن مالك.
فظهر من هذا اتفاق هؤلاء الحفاظ الجهابذة أئمة النقد: الإمام مُغُلْطَايْ، والإمام البُلْقِينِِي، والحافظ العراقي، وشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، والحافظ السيوطي، على أن الإمام أبا حنيفة في جلالة قدره، وإتقانه في الحديث قَرِينُ مَالِكٍ والشافعي، رَحِمَ اللهُ الجَمِيعَ.
ولو قال الإمام مُغُلْطَايْ: إن من أصح الأسانيد أبا حنيفة، عن نافع، عن ابن عمر لكان له وجه، ولا ريب أن من أصح الأسانيد أبا حنيفة عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، وهذا الإِسْنَادُ ذكره
стр. 80
الإمام عبد الوهاب الشَّعْرَانِيُّ في " ميزانه الكُبرى " (١)، كما ذكر إسناد مالك، عن نافع، عن ابن عمر - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيَّ من كتابه " سير أعلام النبلاء " (٢): «قَالَ أَبُو عَمْرٍو بنُ الصَّلاَحِ: رُوِّينَا عَنْ عَمْرٍو بْنِ عَلِيٍّ الفَلاَّسِ, أَنَّهُ قَالَ: أَصَحُّ الأَسَانِيدِ: ابْنُ سِيرِينَ، عَنْ عَبِيْدَةَ, عَنْ عَلِيٍّ.
قُلْتُ - القائل الذهبي - لاَ تَفَوُّقَ لِهَذَا الإِسْنَادِ مَعَ قُوَّتِهِ، عَلَى إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَلْقَمَةَ, عَنْ عَبْدِ اللهِ, وَلاَ عَلَى الزُهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ, عَنْ أَبِيْهِ، ثُمَّ إِنَّ هَذَيْنِ الإِسْنَادَيْنِ رُوِيَ بِهِمَا أَحَادِيثُ جَمَّةٌ فِي الصِّحَاحِ, وَلَيْسَ كَذَلِكَ الأَوَّلُ، فَمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " لِعَبِيدَةَ عَنْ عَلِيٍّ سِوَى حَدِيثٍ وَاحِدٍ». انتهى.
وقال في ترجمة عَلْقَمَةَ بْنَ قَيْسٍ النَّخَعِيِّ الكُوفِيِّ (٣):قَالَ بَعْضُ الحُفَّاظِ، وَأَحْسَنَ: أَصَحُّ الأَسَانِيدِ: مَنْصُوْرٌ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَلْقَمَةَ, عَنِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ فَعَلَى هَذَا, أَصَحَّ ذَلِكَ: شُعْبَةُ, وَسُفْيَانُ, عَنْ مَنْصُورٍ, وَعَنْهُمَا يَحْيَى القَطَّانُ, وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ وَعَنْهُمَا عَلِيُّ بنُ المَدِينِيِّ, وَعَنْهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ البُخَارِيُّ ﵏. انتهى.
قلتُ: فعلى هذا: أصح أسانيد العراق وَأَجَلُّهَا ما رواه أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، عن الإمام الأعظم أبي حنيفة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، أو الأسود، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ ، فإن هؤلاء كلهم فقهاء نبلاء، ولهم معرفة وجلالة، بل أبو يوسف ومحمد أفقه وأجل من وكيع، وأبو حنيفة أفقه وأجل من سفيان والأعمش، وكذلك شيخه حماد أفقه من منصور.
وقال الحافظ ابن حجر في " شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر ": «وَقَدْ يَقعُ فِيهَا [- أي في أَخْبارِ الآحادِ المُنْقَسِمَة إِلى: مَشْهُورٍ، وعَزيزٍ، وغَريبٍ -] مَا يُفيدُ العِلْمَ النَّظَرِيَّ بِالقَرَائِنِ عَلَى المُخْتَارِ، خِلاَفًا لِمَنْ أَبَى ... وَالخَبَرُ المُحْتَفُّ بِالقَرَائِنِ أَنْوَاعٌ: مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ فِي " صَحِيحَيْهِمَا " مِمَّا لَمْ يَبْلُغ حَدَّ التَّوَاتُر ... ومِنها المَشْهُورُ إِذا كانَتْ لَهُ طرُقٌ مُتَبَايِنَةٌ سَالِمَةٌ مِنْ ضَعْفِ الرُّواةِ وَالعِلَلِ ... وَمِنْهَا المُسَلْسَلُ بِالأَئِمَّةِ الحُفَّاظِ المُتْقِنِينَ حَيْثُ لاَ يَكُونُ غَرِيبًا، كَالحَدِيثِ الذِي يَرْوِيهِ أَحْمَدُ مَثَلاً وَيُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَيُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، عَنْ مَالِكٍ بْنِ أَنَسٍ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ العِلْمَ عِنْدَ سَمَاعِهِ بِالاسْتِدْلاَلِ مِنْ جِهَةِ جَلاَلَةِ رُوَاتِهِ، وَأَنَّ فِيهِمْ مِنَ الصِّفَاتِ، اللاَّئِقَةِ المُوجِبَةُ لِلْقَبُولِ مَا يَقُومُ مَقَامَ العَدَدِ الكَثِيرِ مِنْ غَيْرِهِمْ.
ولا يتشكك من له أدنى ممارسة بالعلم وأخبار الناس، أَنَّ مَالِكًا
стр. 83
مثلاً لو شافهه بخبر لَعَلِمَ أنه صادق فيه، فإذا انضاف إليه أيضًا من هو في تلك الدرجة ازداد قوة، وَبَعُدَ عما يُخْشَى عليه من السهو» انتهى مُلَخَّصًا.
قلتُ: فعلى هذا: ما رواه الإمام الليث بن سعد - ويشاركه فيه غيره -، عن الإمام أبي يوسف - ويشاركه فيه غيره -، عن الإمام أبي حنيفة، أو ما رواه الإمام الشافعي كذلك، عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني، عن الإمام الأعظم أبي حنيفة: يجري فيه هذا الحكم، فإنه أيضًا مُحْتَفٌّ بالقرائن، ومسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين.
بل قد يُرَجَّحُ المسلسل بالأئمة على ما في " الصحيحين " أيضًا، قال ابن حجر في " شرح النخبة ": «قَدْ يَعْرِضُ لِلْمَفُوقِ مَا يَجْعَلُهُ فَائِقًا ; كَمَا لَوْ كَانَ الحَدِيثُ عِنْدَ مُسْلِمٍ، مثلاً، وَهُوَ مَشْهُورٌ قَاصِرٌ عَنْ دَرَجَةِ التَّواتُرِ، لكنْ حَفَّتْ قَرِينَةٌ صَارَ بِهَا يُفيدُ العِلْمَ، فإِنَّه يُقَدَّمُ عَلَى الحَدِيثِ الذِي يُخْرِجُهُ البُخَارِيُّ إِذَا كَانَ فَرْدًا مُطْلقًا. وَكَمَا لَوْ كَانَ الحَدِيثُ الذِي لَمْ يُخْرِجَاهُ مِنْ تَرْجَمَةٍ وُصِفَتْ بِكَوْنِهَا أَصَحَّ الأَسَانِيدِ كَمَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابنِ عُمرَ؛ فإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى مَا انفرَدَ بِهِ أََحَدُهُمَا مَثَلاً، لاَ سِيَّمَا إِذَا كَانَ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ فِيهِ مَقَالٌََ». انتهى.
فعلى هذا ما رواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر، يُقَدَّمُ على الحديث الذي لم يخرجاه من ترجمة وُصِفَتْ بكونها أصح الأسانيد، وكذلك ما رواه أبو حنيفة، عن نافع، عن ابن عمر، أو عن عطاء بن
стр. 84
أبي رباح، عن ابن عباس، أو عن شيخه حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود.
إِطْبَاقُ الحُفَّاظِ الذِينَ جَمَعُوا فِي رِجَالِ الكُتُبِ السِتَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الأَئِمَّةِ المُحَدِّثِينَ، عَلَى إِسْقَاطِ الجَرْحِ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي حَنِيفَةَ:
ثم قد أطبق الأئمة الحفاظ الذين جمعوا رجال الأصول الستة، وَدَوَّنُوا دواوينهم فيها، على الثناء على أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -، والتبجيل والتعظيم المفرط له، دون الحط عليه والطعن فيه بسوء الحفظ والغفلة، بل إنهم يذكرون حفظه وجلالته في العلم، ويذكرونه بكل خير، فهذا يدل على أنهم لا يبالون بطعن طاعن فيه أَيًّا مَنْ كَانَ.
فهذا الإمام الحافظ المِزِّيُّ يوسف بن الزَّكِيِّ عبد الرحمن، أبو الحجاج جمال الدين مُحَدِّثُ الشام، العالم الحبر الحافظ الأوحد الدمشقي الشافعي عَمِلَ كتاب " تهذيب الكمال " وذكر فيه ترجمة الإمام أبي حنيفة، فأطال فيها، وكل ما نقله الحافظ السيوطي في " تبييض الصحيفة " مَعْزُوًّا إلى الخطيب، إنما هو منقول من كتابه " تهذيب الكمال ".
وعامة ما ذُكِرَ في " تهذيب الكمال " من أقوال أئمة الجرح والتعديل، هو منقول من كتاب " الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم، و" الكامل " لابن عدي، و" تاريخ بغداد " للخطيب، و" تاريخ دمشق " لابن عساكر.
стр. 85
والجدير بالملاحظة أنه لم يذكر الإمام المزي في كتابه " تهذيب الكمال " شَيْئًا لا يليق بمكانة الإمام أبي حنيفة، فلله دَرُّهُ مَا أَدَقَّ نَظَرَهُ! وكيف لا يكون ذلك وقد قال الذهبي في حقه، في " تذكرة الحفاظ " (١): «وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الرِّجَالِ فَهُوَ حَامِلُ لِوَائِهَا، وَالقَائِمُ بِأَعْبَائِهَا، لَمْ تَرَ العُيُونُ مِثْلَهُ».
وقد أثنى الحافظ الذهبي على صنيعه هذا في " تهذيبه " في ترجمة أبي حنيفة، قائلاً: «قُلْتُ: قَدْ أَحْسَنَ شَيْخُنَا أَبُو الحَجَّاجُ حَيْثُ لَمْ يُورِدْ شَيْئًا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّضْعِيفُ». انتهى.
قُلْتُ: بل نقل في " تهذيب الكمال " توثيقه عن إمام الصنعة سيد الحفاظ يحيى بن معين - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -، حيث قال: «وَقَال مُحَمَّدُ بْنِ سَعْدٍ العَوْفِي: سَمِعْتُ يَحْيَى بن مَعِينٍ يَقُولُ: " كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ثِقَةً، لاَ يُحَدِّثُ بِالحَدِيثِ إِلاَّ بِمَا يَحْفَظُهُ، وَلاَ يُحَدِّثُ بِمَا لاَ يَحْفَظُ ".
وَقََالَ صَالِحُ بْنَ مُحَمَّدٍ الأَسَدِيُّ الحَافِظُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بن مَعِين يَقُولُ: " كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ثِقَةً فِي الحَدِيثِ "، وَقَال أحمد بْن مُحَمَّد بْن القاسم بن محرز، عن يحيى بن مَعِين: " كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ لاَ بَأْسَ بِهِ ".
وَقََالَ مَرَّةً: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ عِنْدَنَا مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ، وَلَمْ يُتَّهَمْ بِالكَذِبِ "». انتهى.
هذا، وقد صرح الحافظ المِزِّي في مقدمة " تهذيب الكمال " بقوله: «وما لم يُذْكَرْ إِسْنَادُهُ فيما بيننا وبين قائله، فما كان من ذلك بصيغة
стр. 86
الجزم، فهو مما لا نعلم بإسناده عن قائله المحكي ذلك عنه بأسًا، وما كان منه بصيغة التمريض، فربما كان في إسناده إلى قائله ذلك نظر». انتهى.
وثبت من هذا التصريح أن توثيق أبي حنيفة الإمام عن ابن معين صحيح ثابت لا شك فيه.
ثم تلاه الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي في كتابه " تذهيب تهذيب الكمال " فقال (١):
«(ت، س) النعمان بن ثابت بن زُوْطَى الإمام أبو حنيفة الكوفي، فقيه العراق، وإمام أصحاب الرأي، قيل: إنه من أبناء فارس، وولاؤه لِبَنِي تيم بن ثعلبة، راى أنسا ﵁. وروى عن:
١ - عطاء بن أبي رباح، ٢ - ونافع، ٣ - وعدي بن ثابت، ٤ - وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، ٥ - وعكرمة، ٦ - ومُحارب بن دثار، ٧ - وعلقمة بن مرثد، ٨ - وسلمة بن كُهَيْلٍ، ٩ - وحماد بن ابي سليمان، ١٠ - والحكم بن عُتيبة، ١١ - وأبي جعفر الباقر، ١٢ - وقتادة، ١٣ - وعمرو بن دينار، وخلق سواهم. وقيل إنه روى ١٤ - عن الشعبي، ١٥ - وطاوس.
وعنه:
١ - ابنه حَمَّادٌ، ٢ - وحمزة الزيات، ٣ - وداود الطائي،
стр. 87
٤ - وَزُفَرُ بْنُ الهُذَيْل، ٥ - ونوح بن أبي مريم، ٦ - وأبو يوسف القاضي، ٧ - ومحمد بن الحسن، ٨ - وابن المبارك، ٩ - وأبو يحيى الحِمَّانِيِّ، ١٠ - ووكيع، ١١، وحفص بن عبد الرحمن البلخي، ١٢ - وسعد بن الصلت، ١٣ - وأبو نعيم، ١٤ - وأبو عبد الرحمن المُقْرِي، ١٥ - والحسن بن زياد اللؤلؤي، ١٦ - وأبو عاصم النبيل، ١٧ - وعبد الرزاق، ١٨ - وعبيد بن موسى، وخلق كثير.
قال أحمد العِجْلِيُّ: «هو من رهط حمزة الزيات. وكان خَزَّازًا يبيع الخز. وقال محمد بن إسحاق البَكَّائِيُّ، عن عمر بن حماد بن أبي حنيفة قال: زُوْطَى من أهل كَابُلْ، وولد ثابت على الإسلام، وكان أبو حنيفة خَزَّازًا، وَدُكَّانُهُ معروف في دار عَمْرٍو بْنِ حُرَيْثٍ، وقيل: أصله من نَسَا، وقيل من تِرْمِذْ».
وعن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة قال: «أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَمَّادٍ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ ثَابِتٍ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ المَرْزُبَانِ، مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ الأَحْرَارِ، واللهِ مَا وَقَعَ عَلَيْنَا رِِقٌّ قَطُّ ... ، وُلِدَ جَدِّي فِي سَنَةِ ثَمَانِينَ، وَذَهَبَ ثَابِتٌ إِلَى عَلِيٍّ ﵁، وَهُوَ صَغِيرٌ فَدَعَا لَهُ بِالبَرَكَةِ فِيهِ وَفِي ذُرِّيَّتِهِ، وَأَبُوهُ النُّعْمَانُ هُوَ الذِي أَهْدَى لِعَلِيٍّ يَوْمَ النَّيْرُوزِ، فقال: «نَوْرِزُونَا كُلَّ يَوْمِ».
قال صالح بن محمد جَزَرَةُ وغيره: سمعنا يحيى بن معين يقول: «أَبُو حَنِيفَةَ ثِقَةً فِي الحَدِيثِ». وروى أحمد بن محمد بن مُحْرِزٍ عن ابن معين: «لاَ بَأْسَ بِهِ، لَقَدْ ضَرَبَهُ ابْنُ هُبَيْرَةُ عَلَى أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا فَأَبَى».
رَوَى نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ الخُرَيْبِيِّ، قَالَ: «النَّاسُ فِي أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ حَاسِدٌ وَجَاهِلٌ، وَأَحْسَنُهُمْ عِنْدي حَالاً الجَاهِلُ».
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبٍ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ يَقُولُ: «أَبُو حَنِيفَةَ رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ، خَطَؤُهُ كَخَطَأِ النَّاسِ، وَصَوَابُهُ كَصَوَابِ النَّاسِ».
تُوُفِّيَ أَبُو حَنِيفَةَ بِبَغْدَادَ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ وَغَيْرُهُ: فِي رَجَبَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةَ، وَمَنْ قَالَ: سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ أَوْ ثَلاَثٍ وَخَمْسِينَ فَقَدْ وَهِمَ. وَعَنْ الحَسَنِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ: «صُلِّيَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ سِتُّ مَرَّاتٍ مِنْ كَثْرَةِ الزِّحَامِ».
روى له الترمذي في " العلل " قوله: «مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ عَطَاءٍ»، (وقال عوص: وقد روى له النسائي في " سننه الكبير " في - باب من وقع على بهيمة -: قال النسائي: [أَخْبَرَنَا] عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: [أَخْبَرَنَا] عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ النُّعْمَانِ يَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ، عَنْ عَاصِمٍ هُوَ ابْنُ بَهْدَلَةَ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَيْسَ عَلَى مَنْ أَتَى [بَهِيمَةً] حَدٌ») (١).
قُلْتُ: قَدْ أَحْسَنَ شَيْخُنَا أَبُو الحَجَّاجُ حَيْثُ لَمْ يُورِدْ شَيْئًا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّضْعِيفُ. انتهى.
فهذا ما ذكره الإمام، الحافظ، محدث العصر، وخاتمة الحفاظ، ومؤرخ الإسلام، وَفَرْدُ الدهر، والقائم بأعباء هذه الصناعة، شمس الدين
стр. 95
أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز التركماني ثم الدمشقي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -.
وقال الإمام الحافظ المؤرخ أبو المحاسن محمد بن علي بن الحسن الحُسيني، في كتابه " التذكرة بمعرفة رجال العشرة " (١)، وهي " الكتب الستة "، و" الموطأ "، و" مسند أحمد "، و" مسند الشافعي "، و" مسند أبي حنيفة ":
«(فع، أ، ت، ن) (٢) النعمان بن ثابت التيمي، أبو حنيفة الكوفي، فقيه أهل العراق، وإمام أصحاب الرأي، وقيل: إنه من أبناء فارس.
رأى أنس بن مالك، وروى عن حماد بن أبي سليمان، وعطاء، وعاصم بن أبي النجود، والزهري، وقتادة، وأبي الزبير، ومحمد بن المنكدر، وأبي جعفر الباقر، والشعبي، وخلق.
وعنه ابنه حماد، ووكيع بن الجراح، وعيسى بن يونس، وعبد الرزاق، وأبو يوسف القاضي، ومحمد بن الحسن، وزُفَرُ بن الهذيل، وخلق كثير.
قال العجلي: كوفي تيمي من رهط حمزة الزيات، وكان خَزَّازًا
стр. 96
يبيع الخز، وقال محمد بن سعد العوفي: سمعت يحيى بن معين يقول: «كان أبو حنيفة ثقة، لا يحدث من الحديث إلا بما يحفظه، ولا يحدث بما لا يحفظه»، وقال مرة: «كان من أهل الصدق ولم يُتَّهَمْ بالكذب، ولقد ضربه ابن هبيرة على القضاء فأبى أن يكون قاضيًا».
وَقَالَ ضِرَارُ بْنُ صُرْدٍ: وسُئِلَ يَزِِيدُ بْنُ هَارُونٍ أَيُّمَا أَفْقَهُ أَبُو حَنِيفَةَ أَوْ سُفْيَانُ؟ فَقَالَ: «سُفْيَانُ أَحْفَظُ لِلْحَدِيثِ وَأَبُو حَنِيفَةَ أَفْقَهُ» (*).، وقال ابن المبارك: «مَا رَأَيْتُ فِي الفِقْه مِثْلَهُ إِذَا اجْتَمَعَ سُفْيَانُ وَأَبُو حَنِيفَةَ فَمَنْ يَقُومُ لَهُمَا عَلَى فُتْيَا»، وَقَالَ مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: «كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ أَعْلَمَ أَهْلَ زَمَانِهِ، وَقَدْ جَالَسْتُ الكُوفِيِّينَ فَمَا رَأَيْتُ فِيهِمْ أَوْرَعَ مِنْهُ».
«لاَ نَكْذِبُ اللهَ، مَا [سَمِعْنَا] أَحْسَنَ مِنْ رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ أَخَذْنَا بِأَكْثَرَ أَقْوَالِهِ»
وقال ابن معين: سمعت يحيى القطان يقول: «لاَ نَكْذِبُ اللهَ، مَا [سَمِعْنَا] أَحْسَنَ مِنْ رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ أَخَذْنَا بِأَكْثَرَ أَقْوَالِهِ». قال ابن معين: «وَكَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ يَذْهَبُ فِي الفَتْوَى إِلَى قَوْلِ الكُوفِيِّينَ وَيَخْتَارُ قَوْلَهُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ، وَيَتْبَعُ رَأْيَهُ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِهِ».
وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: «النَاسُ فِي الفِقْهِ عِيَالٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ مِمَّنْ وُفِّقَ لَهُ الفِقْهُ».
قال الربيع عن الشافعي: سئل أبو حنيفة عن الصائم يأكل ويشرب ويطأ إلى طلوع الفجر، وكان عنده رجل نبيل (١) فقال: «أَرَأَيْتَ إِنْ طَلَعَ الفَجْرُ نِصْفَ اللَّيْلِ؟ فَقَالَ: الزَمْ الصَّمْتَ يَا أَعْرَجُ».
وقال أبو يوسف: «بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ، إِذْ سَمِعْتُ رَجُلاً
стр. 97
يَقُولُ: هَذَا أَبُو حَنِيفَةَ لاَ يَنَامُ اللَّيْلَ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: " وَاللهِ لاَ يُتَحَدَّثُ عَنِّي بِمَا لَمْ أَفْعَلْ "، فَكَانَ يَقُومُ يُحْيِي اللَّيْلَ صَلاَةً، وَدُعَاءً، وَتَضَرُّعًا».
قال أبو نعيم وجماعة: «ولد سنة ثمانين، ومات سنة خمسين ومائة». وقال ابن معين: «مات سنة إحدى وخمسين». وقال غيره: «سنة ثلاث وخمسين ومائة».
أخبرنا الحافظ الحُجَّةُ أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن المِزِّيِّ بقراءتي عليه سنة أربعين وسبع مائة، قال: أنا الزاهد أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن الواسطي، أنا أبو علي الحسن بن إسحاق بن الجَوَالِيقِي، أنا أبو بكر محمد بن عبيد الله الزَّاعُونِي، أنا أبو القاسم علي بن أحمد البُنْدَارُ، أنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن البَزَّازُ، أنا أبو حامد محمد بن هارون الحضرمي، ثنا يوسف بن موسى، ثنا وكيع، ثنا أبو حنيفة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ [فَمَالُهُ] لِلْبَائِعِ، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتَاعُ» رواه (د) في البيوع، (ن) في العتق وفي الشروط من حديث عطاء عن جابر». انتهى.
وقال سِبْطُ بْنُ العَجْمِي الإمام العلامة برهان الدين أبو الوفاء إبراهيم بن محمد بن خليل الطرابلسي ثم الحلبي الشافعي، شيخ البلاد الحلبية بِلاَ مُدَافِعٍ، في كتابه " نهاية السُّول في رجال الستة الأصول " (١):
стр. 98
«(ت، س) النعمان بن ثابت بن زُوطَى كَسُلْمَى، الإمام المجتهد أبو حنيفة الكوفي، فقيه العراق، وإمام أصحاب الرأي، قيل: إنه من أبناء فارس، وولاؤه لبني تيم الله بن ثعلبة، وأما زُوطَى فإنه من أهل كَابُلْ، وولد ثابت على الإسلام، وكان زُوطَى مَمْلُوكًا لبني تيم الله بن ثعلبة، فَأُعْتِقَ، فولاؤه لبني تيم الله بن ثعلبة».
وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: «أنا إسماعيل بن حماد بن النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان: من أبناء فارس الأحرار، واللهِ مَا وَقَعَ عَلَيْنَا رِِقٌّ قَطُّ، وكان أبو حنيفة خَزَّازًا، ودكانه معروف في دار عمرو بن حُريث».
وقال أبو نعيم الفضل - دُكَيْنٍ -: «أَصْلُ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ كَابُلْ»، وقال أبو عبد الرحمن المقرئ: «كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ أَهْلِ بَابِلَ».
وقال يحيى بن نصر القريشي: «كَانَ وَالِدُ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ نَسَا»، وقال الحارث بن إدريس: «أَصْلُ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ تِرْمِذْ». وقال إسحاق بن البُهْلُولِ عن أبيه، قال: «ثَابِتُ وَالِدُ أَبِي حَنِيفَةَ مِنَ الأَنْبَارِ».
رأى أبو حنيفة أَنَسًا. وكان في زمن أبي حنيفة - كما قال أبو إسحاق الفيروزآبادي - أربعة من الصحابة: أنس، وعبد الله بن أبي أَوْفَى، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وأبو الطُّفَيْلِ، ولم يأخذ عن أحد منهم. انتهى، وقيل: إنه روى عن الشعبي، وطاوس، انتهى.
стр. 99
وَقَدْ رَوَيْنَا عن قاضي القضاة جمال الدين محمود بن أحمد بن السراج، أن أبا حنيفة رَوَى عن سبعة من الصحابة، ونظمهم في بيتين، والله أعلم. وأخرج جُزْءًا يُرْوَى، سَمَّاهُ " ما رواه أبو حنيفة عن الصحابة " ... ورأيت لبعض الفضلاء من الحنفية بِسَنَدِ مُلاَّ يَعْقُوب ما رواه أبو حنيفة عن الصحابة. يعني أن ما موصولة بمعنى الذي - إلى آخره -.
قال الخطيب البغدادي في " تاريخه ": «رأى أنس بن مالك، وسمع عطاء بن أبي رباح، وأبا إسحاق السبيعي، ومحارب بن دثار، وحماد بن أبي سليمان، والهيثم بن حبيب الصراف، وقيس بن مسلم، وَمُحَمَّد بن المنكدر، ونافعًا مولى ابن عُمَرَ، وهشام بن عروة، ويزيد الفقير، وسماك بن حرب، وعلقمة بن مرثد، وعطية العوفي، وعبد العزيز بن رفيع، وعبد الكريم أبا أمية، وغيرهم».
وروى عنه أبو يحيى الحِمَّانِي، وَهُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، وَعَبَّادُ بْنُ العَوَّامِ، وعبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، ويزيد بن هارون، وعلي بن عاصم، ويحيى بن نصر، وأبو يوسف القاضي، ومحمد بن الحسن، وعمرو بن محمد العَنْقَزِي، وَهَوْذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ، وأبو عبد الرحمن المقرئ، وعبد الرزاق بن همام، وآخرون.
وهو من أهل الكوفة، ونقله أبو جعفر المنصور إلى بغداد. وقال الشيخ أبو إسحاق في " الطبقات ": «ولد سنة ٧٠ من الهجرة، وتوفي في بغداد سنة ١٥٠، وهو ابن ٨٠ سنة.
стр. 100
أخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان، ومناقبه كثيرة معروفة في الكتب، وكذا زُهْدُهُ وَصَلاَتُهُ، وَعِبَادَتُهُ كُلُّهُ معروف، وقد أفردت مناقبه بالتصنيف.
والصحيح أنه توفي في السجن، دعاه أبو جعفر المنصور إلى القضاء فأبي عليه، فحبسه، وقصته معروفة مذكورة في الكتب - رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ -». انتهى كلام سبط بن العجمي البرهان الحلبي الشافعي.
وجرى على منوال المِزِّي والذهبي والحُسَيْنِي والبرهان الحلبي، شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي العسقلاني الشافعي الحافظ ابنُ حجر شيخ الإسلام، وإمام الحفاظ في زمانه، وحافظ الديار المصرية - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -، فلم يذكر في كتابه " تهذيب التهذيب "، في ترجمة الإمام أبي حنيفة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - شيئًا يلزم منه تضعيفه.
وهؤلاء الأئمة: المزي والذهبي، والعراقي، وابن حجر، هم الذين يقول في حقهم الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي في " ذيل تذكرة الحفاظ " (١) ما نصه: «وَالذِي أَقُولُهُ: إِنَّ المُحَدِّثِينَ عِيَالٌ الآنَ فِي الرِّجَالِ وَغَيْرِهَا مِنْ فُنُونِ الحَدِيثِ عَلَى أَرْبَعَةٍ: المِزِّيُّ، وَالذَّهَبِيُّ وَالعِرَاقِيُّ، وَابْنُ حَجَرَ». انتهى.
وكذلك فعل الإمام المحدث الحافظ المفيد البارع عماد الدين
كَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ يَخْتَارُ قَوْلَهُ فِي الْفَتْوَى "، وَكَانَ يَحْيَى يَقُولُ: " لاَ نَكْذِبُ اللهَ، مَا سَمِعْنَا أَحْسَنَ مِنْ رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ أَخَذْنَا بِأَكْثَرَ أَقْوَالِهِ".
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: " لَوْلاَ أَنَّ اللَّهَ أَغَاثَنِي بِأَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ لَكُنْتُ كَسَائِرِ النَّاسِ ... ".
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ الخُرَيْبِيُّ: " يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَدْعُوا فِي صَلاَتِهِمْ لأَبِي حَنِيفَةَ (*) ; لِحِفْظِهِ الفِقْهَ وَالسُّنَنَ عَلَيْهِمْ ".
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ: " كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ أَفْقَهَ أَهْلِ الأَرْضِ فِي زَمَانِهِ ".
وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: " كَانَ صَاحِبَ غَوْصٍ فِي المَسَائِلِ ".
وَقَالَ مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: " كَانَ أَعْلَمَ أَهْلِ الأَرْضِ "». انتهى باختصار.
وكذلك فعل صاحب " المشكاة " الشيخ الإمام العلامة ولي الدين محمد بن عبد الله الخطيب التبريزي الشافعي في " أسماء رجاله "، فقال في ترجمة الإمام:
قَالَ شَرِيكٌ النَّخَعِيُّ: «كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ طَوِيلَ الصَّمْتِ دَائِمَ الفِكْرِ، قَلِيلَ الْمُحَادَثَةِ لِلنَّاسِ». وهذا من أوضح الأمارات على علم الباطن، والاشتغال بمهمات الدين، فمن أوتي الصمت والزهد فقد أوتي العلم كله. ولو ذهبنا إلى شرح مناقبه وفضائله لأطلنا الخطب، ولم نصل إلى الغرض، فإنه كان عالمًا عاملاً، وَرِعًا زاهدًا، إمامًا في علوم الشريعة. والغرض بإيراد ذكره في هذا الكتاب وإن لم نَرْوِ عنه حديثًا في " المشكاة " التَّبَرُّكُ بِهِ لِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ ووفور علمه». انتهى.
وَقَبْلَهُمْ النووي الإمام الحافظ الأوحد شيخ الإسلام، عَلَمُ الأولياء
стр. 103
محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف ابن مُرِّي الحِزَامِي الحَوْرَانِيُّ الشافعي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في كتابه " تهذيب الأسماء واللغات "، فلم يذكر في ترجمته شيئًا سوى فضائله، ومناقبه، والثناء عليه في علمه وورعه.
وقبله العلامة البارع الأوحد، البليغ القاضي الرئيس مَجْدُ الدين أبو السعادات المبارك بن محمد الشيباني الجَزَرِي ثم المَوْصِلِي الشافعي، الكاتب، ابن الأثير، المتوفى سنة ٦٠٦ هـ، صاحب " جامع الأصول "، و" النهاية في غريب الحديث والأثر "، حيث ذكر ترجمة الإمام في الركن الثالث من كتابه " جامع الأصول " (١)، وأثنى عليه ثناء بليغًا، وَرَدَّ على طاعنيه فقال:
«النعمان بن ثابت: هو أبو حنيفة النعمانُ بنُ ثابت بن زُوْطَى بن ماه، الإِمام الفقيه الكوفي مولى تيم الله بن ثعلبة، وهو من رهط حَمْزَةَ الزَّيَات، وكان خَزَّازًا يَبِيعُ الخَزَّ، لَهُ ذِكْرٌ فِي الأَشْعَارِ مِنْ كِتَابِ الحَجِّ، وكان جده زُوْطى من أهل كَابُلْ، وقيل: من أهل بَابِلْ، وقيل: من الأنْبار، وكان مملوكًا لبني تيم الله بن ثعلبة فأُعتِقَ، ووُلِدَ أبوه ثابت على الإسلام.
стр. 104
قال إسماعيل بن حماد بن [بن ثابت] بن أبي حنيفة: «أنا إسماعيل بن حماد بن النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان من أبناء الفُرْسِ من الأحرار، والله ما وقع علينا رِقٌّ قط، وُلِدَ جدي في سنة ثمانين، وذهب ثابت إلى عَلِيِّ بن أبي طالب، وهو صغير فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته، ونحن نرجو أَنْ يَكُونَ اللهُ قد استجابَ ذلك لِعَلِيٍّ [فِينَا]».
وُلِدَ سنةَ ثمانين، ومات ببغدادَ سنة خمسين ومائة، وقيل: إحدى وخمسين وقيل: سنة ثلاث وخمسين، والأول أصح وأكثر، ودُفِنَ بمقابرِ الخَيْزُرَانِ، وقبرُه معروف ببغداد. وكان في أيام أبي حنيفة أربعة من الصحابة: أنسُ بن مالك بالبصرة، وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد السَّاعدي بالمدينة، وأبو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ بمكة، ولم يَلْقَ أحدًا منهم ولا أخَذَ عنه؛ وأصحابُه يقولون: إنه لقي جماعة من الصحابة وروى عنهم، ولا يثَبتُ ذلك عند أهل النقل (١).
стр. 105
وأخذ الفقه عن حمادِ بن أبي سليمان.
وسمع عطاء بن أبي رباح، وأبا إسحاق السَّبيعي، ومُحارب بن دِثار، والهيثم بن حبيب، ومحمد بن المنكدر، ونافعًا مولى ابن عمر، وهِشام بن عروة، وسِماك بن حرب.
روى عنه عبدُ الله بن المبارك، ووكيعُ بن الجرَّاح، ويزيدُ بن هارون، وعلي بن عاصم، والقاضي أبو يُوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني وغيرهُم.
نقله المنصورُ من الكوفة إلى بغدادَ فأقامَ بها إلى أن مات فيها، وكان أكرهه ابنُ هُبَيْرة أيامَ مروان بن محمد الأموي على القضاء بالكوفة فأبى فضربه مائة سوط في عشرة أيام، كل يوم عشرة، فلمَّا رأى ذلك خلَّى سبيلَه، ولما أَشْخَصَهُ المنصورُ إلى بغداد أَرَادَهُ على القضاء، فأبى، فحلفَ عليه ليفعلنَّ، وحلفَ أبو حنيفة لا يفعل، وتكررت الأَيْمَانُ منهما فحبسَه المنصورُ، ومات في الحبسِ، وقيل: إنه افتدى نفسَه بأن تولى عَدَدَ اللَّبِنِ وَلَمْ يَصِحَّ.
كان رَبْعَة من الرِّجالِ، وقيل: كان طُوَالاً تعلوه سمرة حَسَنُ الوجه، أحسنُ الناسِ منطقًا وأحلاهم نَغْمَةً، حسن المجلس، شَدِيدَ الكرم، حسن المواساة لإخوانه.
قال الشافعي ﵀: قِيلَ لِمَالِكٍ: هَلْ رَأَيْتَ أَبَا حَنِيفَةَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، رَأَيْتُ رَجُلاً لَوْ كَلَّمَكَ فِي هَذِهِ السَّارِيَةِ أَنْ يَجْعَلَهَا ذَهَبًا لَقَامَ بِحُجَّتِهِ».
وقال الشافعي: «مَنْ أَرَادَ الحَدِيثَ فَعَلَيْهِ بِمَالِكٍ، وَمَنْ أَرَادَ الجَدَلَ فَعَلَيْهِ بِأَبِي حَنِيفَةَ».
وقال الشافعي ﵀: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَبَحَّرَ فِي الفِقْهِ فَهُوَ عِيَالٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ».
стр. 106
ولو ذهبنا إلى شرح مناقبه وفضائله لأطلْنا الخُطَبَ، وَلَمْ نَصِلْ إلى الغرض منها، فإنه كان عالمًا عاملاً، زاهدًا، عابدًا، وَرِعًا، تقيًّا، إمامًا في علوم الشريعة مرضيًا.
وقد نُسِبَ إليه وقيل عنه من الأقاويل المختلفة التي يُجَلُّ قَدْرُهُ عنها [ويتنزه منها]؛ من القول بخلقِ القرآن، والقول بالقدر، والقول بالإرجاء، وغير ذلك مما نُسب إليه.
ولا حاجة إلى ذكرها ولا إلى ذكر قائليها، والظاهر أنه كان مُنَزَّهًا عنها.
ويدل على صحة نزاهته عنها، ما نشر الله تعالى له من الذِّكْرِ المنتشر في الآفاق، والعلم الذي طبق الأرض، والأَخْذ بمذهبه وفقهه والرجوع إلى قوله وفعله، وإن ذلك لو لم يكن للهِ فيه سِرٌّ خَفِيٌّ، ورضى إِلهيٌّ، وفقه اللهُ له لما اجتمع شَطْرُ الإسلامِ أو ما يقاربهُ على تقليده، والعمل برأيه ومذهبه حتى قد عُبِدَ اللهُ وَدِينَ بِفِقْهِهِ، وَعُمِلَ برأيه، ومذهبه، وأُخذَ بقوله إلى يومنا هذا ما يقارب أربعمائة وخمسين سَنَةً، وفي هذا أدل دليل على صحة مذهبه، وعقيدته، وأن ما قيل عنه هو مُنَزَّهٌ عنه، وقد جمع أبو جعفر الطحاوي - وهو من أكبر الآخذين بمذهبه - كتابًا سماه " عقيدةُ أبي حنيفةَ ﵀ " وهي عقيدةُ أهل السُّنَّة والجماعة، وليس فيها شيء مما نُسبَ إليه وقيل عنه، وَأَصْحَابُهُ أَخْبَرُ بحاله وبقوله من غيرهم، فالرجوعُ إلى ما نقلوه عنه أَوْلَى مما نقله غيرُهم عنه (١).
стр. 107
و [قد] ذُكِرَ أيضًا سبب قول من قال عنه ما قال، والحامل له على ما نُسِبَ إليه، ولا حاجة بنا إلى ذكر ما قالوه، فإن مثل أبي حنيفة وَمَحَلُّهُ في الإسلام لا يحتاجُ إلى دليل يُعْتَذَرُ به مما نُسب إليه. والله أعلم. انتهى».
وقبل هؤلاء كلهم الحافظ البارع العلامة تاج الإسلام أبو سعد عبد الكريم السَّمْعَانِيُّ المَرْوَزِيُّ الشافعي، ترجم له في كتاب " الأنساب " ترجمة حسنة، وذكر فضائله ومناقبه، ولم يعرج على شيء من مثالبه.
وعلى هذا المنوال جَرَى من أتى بعد هؤلاء العلماء الأكابر المذكورين، من الحفاظ الجهابذة والأئمة المحدثين وغيرهم من أهل العلم، الذين ترجموا للإمام أبي حنيفة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - أو أفردوا في أخباره كُتُبًا وأجزاءً، فلم يذكروا شيئًا سوى فضائله ومناقبه والثناء عليه في دينه وورعه، وَسَعَةَ علمه بالكتاب والسنة.
وَأُورِدُ هنا كلام واحد من هؤلاء الأجلة أحد كبار علماء القرن الحادي عشر، وهو الإمام العلامة ابْنُ عَلاَّنَ، محمد بن علي بن محمد بن عَلاَّنَ بن إبراهيم الصِدِّيقِي العَلَوِي، الشافعي، محيي السُنَّةِ بالديار الحجازية، وأحد المفسرين والأئمة المحدثين في تلك الديار، المولود سَنَةَ ٩٩٦ هـ والمتوفى سَنَةَ ١٠٥٧ هـ، - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -، وقد ترجم
стр. 108
للإمام أبي حنيفة في كتابه " الفتوحات الربانية على الأذكار النووية " (١)، حيث جاء ذكر الإمام في متن " الأذكار " فقال ما نصه:
«الإمام أبو حنيفة هو الإمام الأعظم، وَالعَلَمُ المُفْرَدُ المُكَرَّمُ، إمام الأئمة، المُتَّفَقُ على عُلُوِّ مرتبته، ووفور علمه، وزهده، وَتَمَلِّيهِ من العلوم الباطنة فضلاً عن الظاهرة بما فاق به أهل عصره، وفاق بحسن الثناء عليه وإذاعة ذكره من أكابر التابعين: النعمان بن ثابت بن زُوطَى - بضم الزاي وفتح الطاء - بُنُ مَاهْ، مولى تيم الله بن ثعلبة الكوفي.
روى الخطيب بإسناده عن حفيده عُمَرَ بْنِ حَمَّادٍ بْنِ أبي حنيفة: أن ثابتا وُلِدَ على الإسلام، وَزُوطَى كان مملوكًا لبني تيم فأعتقوه، فصار وَلاَؤُهُ لهم، وأنكر إسماعيل أخو عمر حفيد أبي حنيفة ذلك، وقال: إن والد ثابت من أبناء فارس، وأنهم أحرار، - قال -: " واللهِ مَا وَقَعَ عَلَيْنَا رِِقٌّ قَطُّ، قال: وَذَهَبَ - زُوطَى - بِثَابِتٍ ابْنِهِ إِلَى عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ صَغِيرٌ فَدَعَا لَهُ بِالبَرَكَةِ فِيهِ وَفِي ذُرِّيَّتِهِ، وَنَحْنُ نَرْجُو اللهَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْ اسْتُجِيبَ فِينَا "». اهـ.
وهو كما رَجَا - إسماعيلُ - فقد بارك الله في جده أبي حنيفة بركة لا نهاية لأقصاها، ولا حَدَّ لمنتهاها، وبارك الله في أتباعه، فكثروا في سائر الأقطار، وظهر عليهم من بركة إخلاصه وصدقه ما اشتهر به في سائر الأمصار.
стр. 109
أخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان وأدرك أربعة من الصحابة، بل ثمانية، منهم أنس، وعبد الله بن أبي أوفى، وسهل بن سعد، وأبو الطفيل، وقد نظم بعضم أسماء بعض من روى عنه الإمام أبو حنيفة من الصحابة، فقال:
أَبَو حَنِيفَةَ زَيْنُ التَّابِعِينَ رَوَى ... عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ جَزْءٍ وَالرِّضَا أَنَسْ
وَمَعْقِلٍ وَحُرَيْثِيٍ (١) وَوَاثِلَةَ ... وَبِنْتِ عَجْرَدٍ، عِلْمَ الطَيِّبِينَ قَبَسْ
وقيل لم يلق أحدًا منهم.
وسمع من عطاء وأهل طبقته، وروى عنه ابن المبارك ووكيع بن الجراح وآخرون.
وطلب منه المنصور أن يلي القضاء فامتنع، فحبسه على ذلك وضربه وهو مُصِرٌّ على الامتناع، حتى مات في السجن ﵁.
قال عبد الله بن المبارك في حقه: «أَتَذْكُرُونَ رَجُلاً عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا فَفَرَّ مِنْهَا».
وكان حسن الثياب، طيب الريح، يعرف بريح الطيب إذا أقبل، حسن المجلس، كثير الكرم، حسن المواساة لإخوانه، ربعة، وقل: كان طُوَالاً، أحسن الناس منطقًا، وأحلاهم نغمة.
قال: «قَدِمْتُ البَصْرَةَ فَظَنَنْتُ أَنِّي لاَ أُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ أَجَبْتُ عَنْهُ، فَسَأَلُونِي عَنْ أَشْيَاءَ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي فِيهَا جَوَابٌ ; فَجَعَلْتُ عَلَى نَفْسِي
стр. 110
أَنْ لاَ أُفَارِقَ حَمَّادًا حَتَّى يَمُوتَ، فَصَحِبْتُهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَا صَلَّيْتُ صَلاَةً مُنْذُ مَاتَ إِلاَّ اسْتَغْفَرْتُ لَهُ قَبْلَ وَالِدَيَّ، وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ لِمَنْ تَعَلَّمْتُ مِنْهُ عِلْمًا، أَوْ تَعَلَّمَ مِنِّي عِلْمًا».
قَالَ سَهْلٌ بْنُ مُزَاحِمٍ: «بُذِلَتْ لَهُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِدْهَا، وَضُرِبَ عَلَيْهَا بِالسِّيَاطِ فَلَمْ يَقْبَلْهَا».
وكان خزازًا يبيع الخز، ودكانه في دار عمرو بن حُرَيْثٍ.
ولما بلغ ابنَ جُرَيْجٍ موته تَوَجَّعَ، وقال: «أَيُّ عِلْمٍ ذَهَبَ؟!».
وقال الفضيل بن عياض - وناهيك بها شهادة من هذا الحَبْرِ -: «كَانَ أََبُو حَنِيفَةَ [رَجُلاً فَقِيهًا] مَعْرُوفًا بِالفِقْهِ، مَشْهُورًا بِالوَرَعِ، وَاسِعَ [العِلْمِ]، مَعْرُوفًا بِالإِفْضَالِ عَلَى [كُلِّ مَنْ يَطِيفُ بِهِ]، صَبُورًا عَلَى تَعْلِيمِ العِلْمِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، [حَسَنُ اللَّيْلِ، كَثِيرُ الصَّمْتِ]، قَلِيلُ الكَلاَمِ، حَتَّى تَرِدَ مَسْأَلَةٌ فِي حَلاَلٍ أَوْ حَرَامٍ» (*).
وفضائله كثيرة ...
ولما غَسَّلَهُ الحسن بن عمارة - قاضي بغداد - قال له: «[رَحِمَكَ اللهُ] وَغَفَرَ لَكَ، لَمْ تُفْطِرْ مُُنْذُ ثَلاَثِينَ سَنَةٍ، وَلَمْ تَتَوَسَّدْ يَمِينَكَ بِاللَّيْلِ مُُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةٍ» (**).
ولد ﵁ سنة ثمانين من الهجرة، وتوفي ببغداد - قيل: في السجن، على أن يلي القضاء - سنة خمسين على المشهور، أو إحدى أو ثلاث وخمسين ومائة، في شهر رجب. وقبره ببغداد، يُزَارُ.
ومن فضله قول إمامنا الشافعي: «النَاسُ فِي الفِقْهِ عِيَالٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -». انتهى كلام ابن عَلاَّنٍ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -.