← Тараджим

Тараджим · id 96604

مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث

محمد عبد الرشيد النعماني

Полный текст (153 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث الشيخ محمد عبد الرشيد النعماني اعتنى به الشيخ عبد الفتاح أبو غدة - عدد الأجزاء: ١. - عدد الصفحات: ١٦٣. أعده للمكتبة الشاملة / توفيق بن محمد القريشي، - غفر الله له ولوالديه -. [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي].

стр. 2

مَكَانَةُ الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الحَدِيثِ بقلم العلاَّمة المحدث الناقد المحقق البارع الفقيه الشيخ محمد عبد الرشيد النعماني مَدَّ اللهُ تعالى في عُمُرِهِ اعتنى به عبد الفتاح أبو غدة الناشر مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب

стр. 3

- الطبعة الأولى في باكستان، في مجلة الدراسات الإسلامية الصادرة عن الجامعة العالمية في إسلام آباد في العدد الأول لسنة ١٤٠٩ هـ. - الطبعة الثانية بلكنو الهند في مجلة البعث الإسلامي، سَنَةَ ١٤١١ هـ. - الطبعة الثالثة بكراتشي - إدارة القرآن والعلوم الإسلامية، سَنَةَ ١٤١٢ هـ. - الطبعة الرابعة مزيدة من النصوص والتحقيق في بيروت، سَنَةَ ١٤١٦ هـ. قامت بطباعته وإخراجه دار البشائر الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان.

стр. 4

مَكَانَةُ الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الحَدِيثِ بقلم العلاَّمة المحدث الناقد المحقق البارع الفقيه الشيخ محمد عبد الرشيد النعماني مَدَّ اللهُ تعالى في عُمُرِهِ اعتنى به عبد الفتاح أبو غدة الناشر مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب

стр. 5

كَلِمَةُ التَقْدِيمِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ولي المتقين الصالحين، والصلاة والسلام التامان الدائمان على رسول الهُدى وإمام التقى المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد فهذا سِفْرٌ نفيس فريد، وأثر نافع مجيد " مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث " تأليف العلاَّمة المحقق المحدث الناقد الشيخ محمد عبد الرشيد النعماني - حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى - شيخ الحديث وعلومه سابقًا في جامعة العلوم الإسلامية في مدينة كراتشي بباكستان، التي أسسها شيخنا العلاَّمة الجليل المحدث البارع الفقيه الأصولي الشيخ أبو المحاسن السيد محمد يوسف الحسيني البَنُّورِي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -. وتميزت هذه الطبعة عن سابقاتها المطبوعة في الهند وباكستان بأنها قُرِئَتْ على الشيخ - حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى وَرَعَاهُ -، فَبَدَّلَ بعض عباراته، وأضاف إليه زيادات كثيرة مهمة، علمًا بأن الشيخ ما يزال يضيف إلى هذا الكتاب ما يُعَزِّزُ مباحثه وَيُحَقِّقُ مقاصده. وقد جمع المؤلف - حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى - جواهر هذه النصوص، وَنَظَمَ هذه الشذرات والفصوص جَمْعَ بَخِيلٍ ضَاعَ فِي التُّرَابِ خَاتَمُهْ.

стр. 6

فالتقطها بشفافية ذهنه العلمي، ودقة ذهنه الذكي، وصبره الصابر على مصابرته، وقدرته على استخراج اللؤلؤ من مَغَاصِهِ وَمَخْبَأَتِهِ، وهكذا فليكن الصبرُ على تحصيل الفرائد، وتجميع الخرائد. صَابَرَ الصَّبْرُ فَاسْتَغاَثَ بِهِ الصَّبْرُ ... فَقَالَ الصَّبُورُ يَا صَبْرُ صَبْرًا! وقد ألف غير واحد من الأئمة الكبار غير الحنفية من محدثين وفقهاء ومؤرخين، تآليف مستقلة، لدفع التهويشات التي يُثِيرُهَا بعض المتعصبين على الإمام أبي حنيفة ﵁. ومن هؤلاء الأئمة الكبار الإمام الفقيه المحدث حافظ المغرب أبو عمر بن عبد البر المالكي، والإمام الحافظ المحدث شمس الدين الذهبي الشافعي، والإمام الفقيه المحدث يوسف بن حسن بن عبد الهادي الحنبلي الدمشقي الصالحي المعروف بابن المِبْرَدْ المُتَوَفَّى سَنَةَ ٩٠٩، والإمام المحدث الحافظ السيوطي الشافعي، والإمام الحافظ المحدث محمد بن يوسف الصالحي الشافعي والإمام الفقيه الشافعي الكبير ابن حجر الهَيْتَمِي المكي، وغيرهم. فقد ألفوا الكتب المطولة في فضائل أبي حنيفة ومناقبه، وبيان إمامته وجلالته، وَذَبُّوا عنه ألسنة الحاسدين والشانئين من أصحاب مذاهبهم وغيرهم. وتميز هذا الكتاب الذي بين يدي القارئ بأنه مقصور على بيان مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث خاصة. فرأيت طَبْعَ هذا الكتاب في البلاد العربية بعد طبعه مرات في الهند وباكستان، لأنه قد تَفَشَّى دَاءُ الغَمْطِ لمقام الإمام أبي حنيفة ﵁ من جهة الحديث، في بعض البلدان منها، فَتَلَفَّتَتْ الأنظار إلى مثل هذا التأليف، لِيَرُدَّ التهويش عن الإمام أبي حنيفة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَيُعَرِّفَ بما عليه أساطين العلم بالحديث ورجاله، من توقير وتعظيم وتوثيق وتبجيل للإمام أبي حنيفة

стр. 7

وعلمه وفهقه ودينه وورعه ورفيع إمامته، فيكون هذا المؤلف منارة للمستهدين وَمُذَكِّرًا للمتعصبين المُجَافِينَ، واللهُ الهادي إلى سواء السبيل، وصلى اللهُ وسلم على نبينا ورسولنا سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. وكتبه عبد الفتاح أبو غُدَّة. في الرياض: ١ من ذي القعدة ١٤١٥ هـ.

стр. 8

مَكَانَةُ الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الحَدِيثِ بقلم العلاَّمة المحدث الناقد المحقق البارع الفقيه الشيخ محمد عبد الرشيد النعماني مَدَّ اللهُ تعالى في عُمُرِهِ اعتنى به عبد الفتاح أبو غدة

стр. 9

تَقْدِمَةُ المُؤَلِّفِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطاهرين وصحبه الطيبين، وسائر أئمة الدين من الفقهاء المجتهدين والحفاظ المُحَدِّثِينَ، لا سيما إمامنا الأعظم أبا حنيفة النعمان بن ثابت أول المجتهدين المتبوعين. أما بعد: فإن من الحقائق الواضحة أن الأئمة المتبوعين - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وفي مقدمتهم الإمام الأعظم أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - قد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وتواتر عند الأمة فضلهم وعلمهم ونصحهم لله ولرسوله ولكتابه وللمؤمنين، وجعلهم الله تعالى بمنزلة النجوم في السماء يهتدي بهم كل مؤمن مسترشد ويقتدي بهم كل متنسك متعبد، فهم يستحقون منا كل تقدير وإجلال لما لهم علينا من المنن الكثيرة والفضل العميم. وهم وغيرهم من علماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخبر والأثر وأهل الفقه والنظر لا يُذْكَرُونَ إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل، كما دَلَّ عليه الكتاب والسنة وكما نص عليه علماء الأمة. ومع ذلك فقد نشأت في هذا العصر المتأخر الزَّمِنِ ناشئة حديثة لا تدري

стр. 10

ما عليها، فجعلت تَتَقَوَّلُ على الأئمة بما هم بَرَاءٌ منه، وتستصغر شأنهم وَتُكْبِرُ شأن أنفسها بمحاذاتهم والتقدم عليهم، وَخَصَّتْ الإمام أبا حنيفة بالطعن الشديد عليه والوقيعة فيه بما بَرَّأَهُ اللهُ منه، فكان عند الله وجيهًا. فأناس من هذه الناشئة بَدَؤُوا بنشر المغامز والمطاعن الباطلة التي تتضمن الطعن في إيمان أبي حنيفة ودينه وفقهه - وهو أحد الأئمة المجمع على إمامتهم -، وقد بَيَّنَ بطلانها خلائق العلماء المتقدمين والمتأخرين وَحَذَّرُوا من الالتفات إليها وأنذروا، فما نفعت هؤلاء النُّذُرُ، وانبرى آخرون فتلقفوا أقاويل معدودة من كتب الجرح والتعديل هي معلولة بأنواع من العلل ومتلبسة بملابسات لا يقبل معها الجرح، تلقفوا هذه الأقاويل وبدؤوا يطعنون في حفظ هذا الإمام الجليل وضبطه وفهمه، وهؤلاء الأئمة هم أركان علم الجرح والتعديل وبأيديهم لوائهما، وتناسوا أيضًا إجماع الجهابذة الحفاظ المتأخرين على إسقاط وإبطال تلك المغامز والأقاويل المعلولة، وإطباقهم على الثناء عليه وتبجيله وتقريظه!!. فأحببت - تنديدًا بالمعتنين المعاندين ورحمة بضعفاء الفهم المُغْتَرِّينَ - أن أجمع في هذا الكتاب ثناء العلماء القُدَامَى والمتأخرين على الإمام أبي حنيفة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - من ناحية مكانته الرفيعة في علم الحديث والسُنَّةِ خاصة، وأوضح ما له من المنزلة السامية والمرتبة المنيفة في ذلك، عسى الله تعالى أن يهدي به التائهين عن الحق فيفوزوا ولا يهلكوا مع الهالكين. وفضائل هذا الإمام ومناقبه كثيرة لا يحصيها العَدُّ، وقد ذكرت طائفة كبيرة من المتقدمين والمتأخرين كثيرًا منها في أجزاء مفردة وكتب مستقلة وفي ضمن كتب التواريخ والتراجم، ولكن جُلَّ تلك الكتب ليس بمتناول أيدي عامة القُرَّاءِ، ففي هذا الجمع والاختيار ذريعة حسنة لاطلاعهم على نخبة من تلك المناقب الوافرة والفضائل الجسام.

стр. 11

وليس هذا الذي أمام القارئ كُلَّ ما أردت ذكره في هذا الكتاب، وإنما أقدم إلى القُرَّاءِ ما تيسر إلى الآن، وأسأل اللهَ تعالى التوفيق لإتمامه حسب ما يُحِبُّهُ ويرضاهُ، ورضي اللهُ تعالى عن الأئمة الهادين المهديين أجمعين، وجزاهم عن الإسلام والمسلمين دار الكرامة وَمَقْعَدَ الصِّدْقِ عنده، وأسأله سبحانه سؤال خاشع ضارع أن يتقبل هذا العمل مني ويجعله ذُخْرًا لآخرتي إنه خير مأمول وبالإجابة جدير، والحمد لله تعالى أولاً وآخرًا، وصلى الله تعالى وسلم على سيدنا محمد خاتم أنبيائه وعلى آله وأصحابه نخبة أصفيائه وأوليائه إلى يوم الدين. وكتبه الفقير إلى الله تعالى محمد عبد الرشيد النعماني في كراتشي ٢٠ شعبان سَنَةَ ١٤١٥ هـ.

стр. 12

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله تعالى وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فهذا ما جمعته في بيان " مكانة الإمام الأعظم أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في علم الحديث "، والمرجو من الله سبحانه أن يجعله ذريعة لإزالة الشبهات التي أثارها الخصوم حول حفظه وثقته في الحديث وأمانته، وأسأله تعالى أن يجعل سعيي مشكورًا وذنبي مغفورًا وهو خير مأمول وبالإجابة جدير. وقد كان أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وورعًا وحفظًا وضبطًا، وكان معدودًا في الأجواد الأسخياء، وَالأَلبَّاءِ الأكياء، مع الدين والعبادة والتهجد وكثرة التلاوة وقيام الليل. وكان مِمَّنْ عُنِيَ بعلم الكتاب والسنة وَسَعَى في طلب الحديث ورحل فيه، وكثرت عنايته بالسنن وجمعه لها، وَذَبِّهِ عن حريمها، وقمعه من خالفها أو رام مُبَايَنَتَهَا، مؤثرًا لِسُنَّةِ رسول الله - صَلََّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على غيرها، وهو أول من عَرَّجَ على الأقوياء من الثقات، وترك الضعفاء في الروايات، لزم الحديث والفقه، وواظب على الورع والعبادة، حتى صَارَ عَلَمًا يُرْجَعُ إِلَيْهِ في الأمصار وملجأ يُقْتَدَى به في الأقطار.

стр. 13

وأحواله في العلم والحفظ والصيانة والإتقان، والاجتهاد في تحصيل العلم والفقه ونشرهما، والصبر على ترك مناصب السلطان، وبذل النفس وإشاعة العلم والعبادة والكرم، وهوان الدنيا عنده وعدم المبالاة بحطام هذه الفانية الزائلة، مع الدين والسلامة وجمع أنواع الخير: أكثر من أن يُحْصَرَ، وأشهر من أَنْ يُشَهَّرَ. وقد انعقد الإجماع على إمامته وجلالته وَعُلُوِّ مرتبته، وكمال فضيلته، وأقاويل السلف كثيرة مشهورة في الثناء عليه في ورعه وزهده وعبادته، ومجانبته السلطان وإنكاره ولاية القضاء، ووفور علمه وكثرة حديثه، وبراعته في الفقه واتباعه السُنَّةَ، وأخبار إجلال أعيان أئمة زمانه من جميع الأقطار إياه واعترافهم بمزاياه وفيرة مستفيضة، وكل ذلك مُدَوَّنٌ في كتب التواريخ والرجال، لا حاجة لنا بذكرها. عنايته بطلب الحديث: وقد شهد له أئمة النقد وكبار المُحَدِّثِينَ بعنايته بطلب الحديث وارتحاله في ذلك ومعاناته في تحصيله. قال الحافظ الذهبي في ترجمة أبي حنيفة في كتاب " سير أعلام النبلاء " (١): «وَعُنِيَ بِطَلَبِ الآثَارِ، وَارْتَحَلَ فِي ذَلِكَ». اهـ. وقال أيضًا (٢): «إِنَّ الإِمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ طَلَبَ الحَدِيثَ وَأَكْثَرَ مِنْهُ فِي سَنَةِ مِائَةٍ وَبَعْدَهَا». اهـ.

стр. 14

وقال أيضًا في جزئه الذي صنفه في " مناقب أبي حنيفة " في ذكر شيوخه (١): «وَسَمِعَ الحَدِيثَ مِنْ عَطَاءٍ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ بِمَكَّةَ، وَقَالَ: " مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ عَطَاءٍ "». قلت: وكان عطاء أيضًا يُفَضِّلُهُ على تلامذته، فكان أبو حنيفة إذا حضر مجلس السماع أوسع له وأدناه كما سيأتي. وقال في " دول الإسلام " (٢): «وأكبر شيوخه عطاء بن أبي رباح، وشيخه في الفقه حماد بن أبي سليمان». اهـ. وقال الحافظ أبو بكر الخطيب في " تاريخ بغداد " (٣): «أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الحافظ، [قَالَ]: حَدَّثَنَا أَبُو بكر عبد الله بن يحيى الطلحي، [قَالَ]: حَدَّثَنَا عثمان بن عبيد الله الطلحي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الطلحي، [قَالَ]: حَدَّثَنَا سعيد بن سالم البصري، قال: سمعت أبا حنيفة، يقول: " لقيت عطاء بمكة، فسألته عن شيء "، فقال: " من أين أنت؟ " قلت: " من أهل الكوفة "، قال: " أنت من أهل القرية الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا؟ " قلت: " نعم "، قال: " فمن أي الأصناف أنت؟ " قلت: " ممن لا يسب السلف، ويؤمن بالقدر، ولا يكفر أحدًا بذنب "، قال: فقال لي عطاء: " عرفت فالزم "». اهـ. وقال الإمام المحدث الفقيه شيخ الخطيب البغدادي، القاضي

стр. 15

أبو عبد الله بن علي الصيمري في كتابه " أخبار أبي حنيفة وأصحابه " (١): «أخبرنَا عبد الله بن مُحَمَّد قَالَ حدثَنَا مُكَرَّمٌ قَالَ: حدثَنَا عبد الصَّمَدِ بن عبيد الله، عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن نوح، قَالَ: ثَنَا حَفْص بن يحيى، قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن أبان عَن الحَارِث بْن عبد الرَّحْمَن قَالَ:" كُنَّا نَكُون عِنْد عَطاء بَعْضنَا خلف بعض، فَإِذا جَاءَ ابو حنيفَة أوسع لَهُ وَأَدْنَاهُ». اهـ. قلت: وصنيعه هذا معه يدل على أن الإمام أبا حنيفة كان من أنجب تلامذته في الحديث، وقد ذكر الإمام عبد الوهاب الشعراني في كتابه " الميزان الكبرى " (٢) سَنَدَ: أبو حنيفة، عن عطاء، عن ابن عباس، كما ذكر سَنَدَ: مالك، عن نافع، عن ابن عمر، حينما تعرض لبيان أسانيد المجتهدين في الكتاب والسنة. كذلك شيخه في الفقه حماد بن أبي سليمان أيضًا يجلسه في صدر الحلقة حذاءه، قال الحافظ أبو بكر الخطيب في " تاريخ بغداد " (٣): «أَخْبَرَنَا الخلال، قَالَ: أَخْبَرَنَا الحريري، أن النخعي حدثهم قال: حَدَّثَنِي جعفر بن مُحَمَّد بن حازم، قَالَ: حَدَّثَنَا الوليد بن حماد، عن الحسن بن زياد، عن زفر بن الهذيل، قال: سمعت أبا حنيفة، يقول: " كنت أنظر في الكلام حتى بلغت فيه مبلغًا يشار إلي فيه بالأصابع، وكنا نجلس بالقرب من

стр. 16

حلقة حماد بن أبي سليمان، فجاءتني امرأة يومًا، فقالت لي: " رجل له امرأة أمة أراد أن يطلقها للسنة، كم يطلقها؟ "، " فلم أدر ما أقول، فأمرتها أن تسأل حماد ثم ترجع فتخبرني "، فسألت حمادًا، فقال: " يطلقها وهي طاهر من الحيض والجماع تطليقة، ثم يتركها حتى تحيض حيضتين، فإذا اغتسلت فقد حلت للأزواج "، فرجعت فأخبرتني، فقلت: " لا حاجة لي في الكلام، وأخذت نعلي فجلست إلى حماد، فكنت أسمع مسائله، فأحفظ قوله، ثم يعيدها من الغد فأحفظها، ويخطئ أصحابه "، فقال: " لا يجلس في صدر الحلقة بحذائي غير أبي حنيفة "». اهـ. قلتُ: هذا يدل على جودة حفظ الإمام وإتقانه. وقال الحافظ أبو بكر الخطيب في " تاريخ بغداد " (١): «أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بن عبد الملك القرشي،: أنبأنا أَبُو العباس أَحْمَد بن مُحَمَّد بن الحسين الرازي، حَدَّثَنَا علي بن أَحْمَد القاري، أخبرنا مُحَمَّد بن فضيل هو البلخي العابد، قال: حدثنا أَبُو مطيع، قال: قال أَبُو حنيفة: دخلت على أبي جعفر أمير المؤمنين، فقال لي: " يا أبا حنيفة عمن أخذت العلم؟ " قال: قلت: " عن حماد، عن إبراهيم، عن عُمَر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس "، قال: فقال أَبُو جعفر: " بخ، بخ، استوثقت ما شئت يا أبا حنيفة الطيبين الطاهرين المباركين، - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ - "». اهـ. هكذا وقع في المطبوع من " تاريخ بغداد "، والصواب «عَنْ إِبْرَاهِيمَ

стр. 17

عَنْ أَصِْحَابِ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ... الخ». صرح به العَلاَّمَةُ الكوثري في " التأنيب " (١). قلتُ: وقد فاق الإمام في طلب الحديث على مشايخ عصره فقد روى الحافظ الذهبي في " مناقب أبي حنيفة " (٢) عن الإمام مِسْعَرٍ بْنِ كِدَامٍ، قَالَ: «طَلَبْتُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ الحَدِيثَ فَغَلَبَنَا، وَأَخَذْنَا فِي الزُّهْدِ فَبَرَعَ عَلَيْنَا، وَطَلَبْنَا الفِقْهَ فَجَاءَ مِنْهُ مَا تَرَوْنَ». اهـ. قلتُ: ومسعر بن كدام هذا ذكره الذهبي في " تذكرة الحفاظ " وَحَلاَّهُ في كتابه " سير أعلام النبلاء " بالإمام الثبت شيخ العراق الحافظ. وقال صدر الأئمة المكي: «وكان مسعر بن كدام أحد مفاخر الكوفة في حفظه وزهده وكان من شيوخ أبي حنيفة، روى عنه في " مسنده "» (٣).

стр. 18

إِمَامَةُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الحَدِيثِ: وقد شهد الأئمة في القديم والحديث بإمامة أبي حنيفة في الحديث، قال الإمام المحدث حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري القرطبي الأندلسي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في كتابه المعروف " جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روياته وحمله " (١): حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ رَحْمُونَ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ بَكْرِ بْنِ دَاسَهْ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ سُلَيْمَانَ بْنَ الأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيَّ يَقُولُ: «رَحِمَ اللَّهُ مَالِكًا كَانَ إِمَامًا، رَحِمَ اللَّهُ الشَّافِعِيَّ كَانَ إِمَامًا، رَحِمَ اللَّهُ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ إِمَامًا». وقال في كتابه " الانتقاء في فضائل الثلاثة فقهاء، مالك والشافعي وأبي حنيفة ﵃ وذكر عيون من أخبارهم وأخبار أصحابهم للتعريف بجلالة أقدارهم " (٢): حَدثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنُ عَبْدِ المُؤْمِنِ بْنِ يَحْيَى ﵀ قَالَ أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدٌ بْنُ بَكْرٍ بْنُ عَبْدِ الرَازَّقِ التَّمَّارُ المَعْرُوفُ بِابْنِ دَاسَهْ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ سُلَيْمَانَ بْنَ

стр. 19

الأَشْعَثِ بْنِ إِسْحَاقَ السِّجِسْتَانِيَّ ﵀ يَقُولُ: «رَحِمَ اللَّهُ مَالِكًا كَانَ إِمَامًا رَحِمَ اللَّهُ الشَّافِعِيَّ كَانَ إِمَامًا رَحِمَ اللَّهُ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ إِمَامًا». فهذه شهادة الإمام الثبت سيد الحفاظ شَيْخُ السُنَّةِ أبي داود الأزدي السجستاني صاحب " السنن " - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -، في حق الأئمة الثلاثة بإمامتهم، وتجد شرح هذه الإمامة مستوفى فيما كتبه الإمام الحافظ العلامة شيخ خراسان أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في مدخل كتابه " دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة " (١) ونصه: «فصل: ومما يحق معرفته في الباب، أن تعلم أن الله تعالى بعث رسوله، ﷺ ، بالحق، وأنزل عليه كتابه الكريم، وضمن حفظه كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢)، ووضع رسوله، ﷺ من دينه وكتابه موضع الإبانة عنه، كما قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣)، وترك نبيه في أمته حتى يُبَيِّنَ لأمته ما بُعِثَ به، ثم قبضه الله تعالى إلى رحمته، وقد تركهم على الواضحة، فلا تَنْزِلُ بالمسلمين نازلة إِلا وَفِي كِتَابِ اللهِ وسنة رسول الله، ﷺ بَيَانُهَا: نَصًّا أو دلالة.

стр. 20

وجعل في أمته في كل عصر من الأعصار أئمة يقومون ببيان شريعته وحفظها على أمته، ورد البدعة عنها. كما أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بن محمد الصُّوفِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ الحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مَعَانُ بن رفاعة، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرحمن العذري، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، ﷺ : «يَرِثُ هَذَا العِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ , يَنْفُونَ عَنْهُ تَأْوِيلَ الجَاهِلِينَ , وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ , وَتَحْرِيفَ الغَالِينَ». ورواه الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرحمن، عن الثقة من أشياخهم، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ . وقد وجد تصديق هذا الخبر في زمان الصحابة، ثم في كل عصر من الأعصار إلى يومنا هذا. وقام بمعرفة رواة السنة في كل عصر من الأعصار جماعة وقفوا على أحوالهم في التعديل والجرح وبينوها ودونوها في الكتب حتى من أراد الوقوف على معرفتها وَجَدَ السبيلَ إليها. وقد تكلم فقهاء الأمصار في الجرح والتعديل فمن سواهم من عُلَمَاءِ الحَدِيثَ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا أبو سعيد الخلال، حَدَّثَنَا أَبُو القَاسِمِ البَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ المروزي، قال: حدثني الْحِمَّانِيُّ عن أبي حنيفة قَالَ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ، وَلاَ أَفْضَلَ مِنْ عَطَاءِ».

стр. 21

قال: وحدثنا عَبْدُ الحَمِيدِ الحِمَّانِيُّ، قَالَ: سمعت أبا سعد الصغاني قام إلى أبي حنيفة، فقال: يا أبا حنيفة، ما تقول في الأخذ عن الثوري؟ فقال: «اكْتُبْ عَنهُ، فَإِنَّهُ ثِقَة مَا خَلاَ أَحَادِيثَ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الحَارِثِ [عَنْ عَلِيٍّ] وَحَدِيثِ جَابرٍ الجُعْفِيِّ». وأَخْبَرَنَا أَبُو الحُسَيْنِ بْنُ الفَضْلِ القَطَّانُ، بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سفيان، قال: سمعت حرملة يقول: قال الشافعي: «الرِّوَايَةُ عَنْ حَرَامِ بْنِ عُثْمَانَ حَرَامٌ». أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ: الحُسَيْنُ بْنُ الحَسَنِ الغَضَائِرِيُّ ببغداد، حدثنا أحمد ابن سَلْمَانَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ محمد الصائغ، حدثنا عفّان: قال: حدثني يحيى ابن سعيد القطان، قال: سألت شعبة، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: عَنْ الرجل يتهم في الحديث ولا يحفظ؟ فقالوا: بيّن أمره للناس. وأَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ: الحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ: أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ بْنِ خَلَفٍ القاضي، قال: حدثني أبو سعد الهروي، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ خلّاد، قال: قيل «ليحيى بن سعيد»: أما تخشى أن يكون الذين تركت حديثهم خصماؤك عند الله؟ قال: لأن يكون هؤلاء خصمائي عند الله أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يكون خصمي رسول الله ﷺ ، يقول: لم حدثت عني حديثا ترى أنه كذب؟ أخبرنا أبو عبد الله الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الْفَقِيهُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قال: سمعت الشافعي، ﵀،

стр. 22

يقول: «لَوْلاَ شُعْبَةُ مَا عُرِفَ الحَدِيثُ بِالعِرَاقِ، كَانَ يَجِيءُ إِلَى الرَّجُلِ فَيَقُولُ: " لاَ تُحَدِّثْ وَإِلاَّ اسْتَعْدَيْتُ عَلَيْكَ السُّلْطَانَ "». فعلى هذه الجملة كان ذَبُّهُمْ عن حريم السُنَّةِ. وشواهد ما ذكرنا كثيرة، وفيما ذكرنا عن التطويل غنية. اهـ. وكذلك قال الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة السلمي الترمذي ﵀ في كتاب " العلل " من " جامعه " (١): «وَقد عَابَ بعض من لاَ يفهم على أهل الحَدِيث الكَلاَم فِي الرِّجَال وَقد وجدنَا غير وَاحِد من الأَئِمَّة من التَّابِعين قد تكلمُوا فِي الرِّجَال مِنْهُم الحسن الْبَصْرِي وطاووس تكلما فِي معبد الجُهَنِيّ وَتكلم سعيد بن جُبَير فِي طلق بن حبيب وَتكلم إِبْرَاهِيم النَّخعِي وعامر الشّعبِي فِي الحَارِث الأَعْوَر وَهَكَذَا رُوِيَ عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وَعبد الله بن عون وَسليمَان التَّيْمِي وَشعْبَة بن الحجَّاج وسُفْيَان الثَّوْري وَمَالك بن أنس وَالأَوْزَاعِيّ وَعبد الله بن المُبَارك وَيحيى بن سعيد القطَّان ووكيع بن الْجراح وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَغَيرهم من أهل الْعلم أَنهم تكلمُوا فِي الرِّجَال وَضَعَّفُوا. وَإِنَّمَا حملهم على ذَلِك عندنَا - وَالله أعلم - النَّصِيحَة للْمُسلمين لاَ ظن بهم أَنهم أَرَادوا الطعْن على النَّاس أَو الْغَيْبَة إِنَّمَا أَرَادوا عندنَا أَن يبينوا ضعف هَؤُلاَءِ لكَي يعرفوا لأَن بَعضهم من الَّذين ضعفوا كَانَ صَاحب بدعة وَبَعْضهمْ كَانَ مُتَّهَمًا فِي الحَدِيث وَبَعْضُهُمْ كَانُوا

стр. 23

أَصْحَاب غَفلَة وَكَثْرَة خطأ فَأَرَادَ هَؤُلاَءِ الأَئِمَّة أَن يبينوا أَحْوَالهم شَفَقَة على الدين وتثبيتا، لأَن الشَّهَادَة فِي الدين أَحَق أَن يثبت فِيهَا من الشَّهَادَة فِي الحُقُوق وَالأَمْوَال ... وسرد أقوالاً من أئمة هذا الفن في جرح كثير من الرواة، إلى أن قال: حَدثنَا مَحْمُود بن غيلاَن حَدثنَا أَبُو يحيى الحِمَّانِي قَالَ سَمِعت أَبَا حنيفَة يَقُول: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ، وَلاَ أَفْضَلَ مِنْ عَطَاءِ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ». اهـ. وقال شيخ البيهقي الحافظ الكبير إمام المحدثين أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري الحاكم المعروف بابن البيع في كتابه " المستدرك على الصحيحين " (١) عند سرد طرق حديث «لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ» ما نَصُّهُ: «وَقَدْ وَصَلَ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْنَاهُمْ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرَقَبَةُ بْنُ مَصْقَلَةَ العَبْدِيُّ، وَمُطَرِّفُ بْنُ طَرِيفٍ الحَارِثِيُّ، وَعَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ الحَسَنِ الهِلاَلِيُّ، وَزَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمْ فِي البَابِ». اهـ. وقال الحاكم أيضًا في كتابه " معرفة علوم الحديث " (٢) ما نصه: «ذِكْرُ النَّوْعِ التَّاسِعِ وَالأَرْبَعِينَ مِنْ مَعْرِفَةِ عُلُومِ الحَدِيثِ هَذَا النَّوْعُ مِنْ هَذِهِ العُلُومِ مَعْرِفَةُ الأَئِمَّةِ الثِّقَاتِ الْمَشْهُورِينَ مِنَ التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ، مِمَّنْ

стр. 24

يَجْمَعُ حَدِيثَهُمْ لِلْحِفْظِ، وَالمُذَاكَرَةِ، وَالتَّبَرُّكِ بِهِمْ، وَبِذِكْرِهِمْ مِنَ المَشْرِقِ إِلَى الغَرْبِ، - فذكر خَلْقًا من أعيان كثير من البلدان -. فمنهم من أهل المدينة: محمد بن مسلم الزهري، محمد بن المنكدر القرشي، وربيعة بن أبي عبد الرحمن الرائي، ومالك بن أنس الأصبحي، وجعفر بن محمد الصادق، وغيرهم. ومن أهل مكة: مجاهد بن جبر، وعمرو بن دينار، وعبد الملك بن جُرَيْجٍ، وفضيل بن عياض، وغيرهم. ومن أهل مصر: عمرو بن الحارث، ويزيد بن أبي حبيب، وحيوة بن شريح التجيبي، وغيرهم. ومن أهل الشام: عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وشعيب بن أبي حمزة الحمصي، ومكحول الفقيه، وغيرهم. ومن أهل اليمن: طاوس، وعبد الله بن طاوس، وغيرهما. ومن أهل اليمامة: يحيى بن أبي كثير، وغيره. ومن أهل الكوفة: عامر بن شراحيل الشعبي، وسعيد بن جبير الأسدي، وإبراهيم النخعي، وأبو إسحاق السبيعي، وحماد بن أبي سليمان، ومنصور بن المعتمر، ومغيرة بن مِقْسَمٍ الضَّبِّيِّ، والأعمش الأسدي، وَمِسْعَرْ بْنِ كِدَامٍ الهِلاَلِيِّ، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت التيمي، وسفيان بن سعيد الثوري، وداود بن نُصَيْرٍ الطائي، وَزُفَرْ بْنُ الهُذَيْلِ، وعافية بن يزيد القاضي، وغيرهم.

стр. 25

ومن أهل الجزيرة: ميمون بن مهران، وعمرو بن ميمون بن مهران، وخالد بن معدان العابد، وغيرهم. ومن أهل البصرة: أيوب بن أبي تميمة السختياني، وشعبة بن الحجاج، وهشام بن حسان، وقتادة بن دعامة، وغيرهم. ومن أهل واسط: العَوَّامُ بن حوشب، وأبو خالد يزيد بن عبد الرحمن الدَّالاَنِي، وغيرهم. ومن أهل خراسان: إبراهيم بن طهمان الفقيه العابد، وإبراهيم بن أدهم الزاهد من أهل بلخ، وشقيق بن إبراهيم الزاهد، والنضر بن محمد الشيباني، وغيرهم. - رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -». انتهى. وقال شيخ الإسلام العلامة أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم الشهير بابن تيمية الحنبلي في كتابه " منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية " (١): «قَالَ أَبُو العَبَّاسِ بْنُ عُقْدَةَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبَّادٍ، سَمِعْتُ بَشَّارَ بْنَ دَرَّاعٍ، قَالَ: لَقِيَ أَبُو حَنِيفَةَ مُحَمَّدَ بْنَ النُّعْمَانِ فَقَالَ: عَمَّنْ رَوَيْتَ حَدِيثَ رَدِّ الشَّمْسِ؟ فَقَالَ: عَنْ غَيْرِ الذِي رَوَيْتَ عَنْهُ: «يَا سَارِيَةُ الجَبَلَ» ... قُلْتُ - القائل ابن تيمية - وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَئِمَّةَ أَهْلِ العِلْمِ لَمْ يَكُونُوا يُصَدِّقُونَ بِهَذَا الحَدِيثِ ; فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ. وَهَذَا أَبُو حَنِيفَةَ، أَحَدُ الأَئِمَّةِ المَشَاهِيرِ، وَهُوَ لاَ يُتَّهَمُ عَلَى عَلِيٍّ، فَإِنَّهُ مِنْ

стр. 26

أَهْلِ الكُوفَةِ دَارِ الشِّيعَةِ، وَقَدْ لَقِيَ مِنَ الشِّيعَةِ، وَسَمِعَ مِنْ فَضَائِلِ عَلِيٍّ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَهُوَ يُحِبُّهُ وَيَتَوَلاَّهُ، وَمَعَ هَذَا أَنْكَرَ هَذَا الحَدِيثَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ أَعْلَمُ وَأَفْقَهُ مِنَ الطَّحَاوِيِّ وَأَمْثَالِهِ، وَلَمْ يُجِبْهُ ابْنُ النُّعْمَانِ بِجَوَابٍ صَحِيحٍ، بَلْ قَالَ: عَنْ غَيْرِ مَنْ رَوَيْتَ عَنْهُ حَدِيثَ: «يَا سَارِيَةُ الجَبَلَ». فَيُقَالُ لَهُ: هَبْ أَنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ، فَأَيُّ شَيْءٍ فِي كَذِبِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ هَذَا. فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَأَبُو حَنِيفَةَ لاَ يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ لِعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمَا كَرَامَاتٌ، بَلْ أَنْكَرَ هَذَا الحَدِيثَ ; لِلدَّلاَئِلِ الكَثِيرَةِ عَلَى كَذِبِهِ، وَمُخَالَفَتِهِ لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمَعْرُوفِينَ بِالحَدِيثِ، مِنَ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ، وَهُمُ الذِينَ يَرْوُونَ عَنِ الصَّحَابَةِ، بَلْ لَمْ يَرْوِهِ إِلاَّ كَذَّابٌ أَوْ مَجْهُولٌ لاَ يُعْلَمُ عَدْلُهُ وَضَبْطُهُ، فَكَيْفَ يُقْبَلُ هَذَا مِنْ مِثْلِ هَؤُلاَءِ؟!، وَسَائِرُ عُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ يَوَدُّونَ أَنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذَا صَحِيحًا ; لِمَا فِيهِ مِنْ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ ﷺ وَفَضِيلَةِ عَلِيٍّ، عَلَى الَّذِينَ يُحِبُّونَهُ وَيَتَوَلَّوْنَهُ، وَلَكِنَّهُمْ لاَ يَسْتَجِيزُونَ التَّصْدِيقَ بِالكَذِبِ، فَرَدُّوهُ دِيَانَةً، وَاللهُ أَعْلَمُ». وقال في موضع آخر من الكتاب المذكور (١): « ... أَئِمَّةِ أَهْلِ الحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالتَّصَوُّفِ وَالفِقْهِ، مِثْلِ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَأَتْبَاعِهِمْ». وقال أبو الفداء الحافظ ابن كثير الدمشقي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في كتابه " البداية والنهاية " (٢):

стр. 27

وَالطَّحَاوِيُّ، ﵀، إِنْ كَانَ قَدِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ - أي أمر حديث «رَدِّ الشَّمْسِ» لعلي -، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، ﵀ إِنْكَارُهُ وَالتَّهَكُّمُ بِمَنْ رَوَاهُ. قَالَ أَبُو العَبَّاسِ بْنُ عُقْدَةَ: ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبَّادٍ، سَمِعْتُ بَشَّارَ بْنَ دِرَاعٍ قَالَ: لَقِيَ أَبُو حَنِيفَةَ مُحَمَّدَ بْنَ النُّعْمَانِ، فَقَالَ: عَمَّنْ رَوَيْتَ حَدِيثَ رَدِّ الشَّمْسِ؟ فَقَالَ: عَنْ غَيْرِ الَّذِي رَوَيْتَ عَنْهُ: يَا سَارِيَةُ، الْجَبَلَ. فَهَذَا أَبُو حَنِيفَةَ، ﵀، وَهُوَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُعْتَبَرِينَ، وَهُوَ كُوفِيٌّ لاَ يُتَّهَمُ عَلَى حُبِّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَتَفْضِيلِهِ بِمَا فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَهُوَ مَعَ هَذَا يُنْكِرُ هَذَا عَلَى رَاوِيهِ. وَقَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ لَهُ لَيْسَ بِجَوَابٍ، بَلْ مُجَرَّدُ مُعَارِضَةٍ لاَ تُجْدِي، أَيْ أَنَا رَوَيْتُ فِي فَضْلِ عَلِيٍّ هَذَا الحَدِيثَ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُسْتَغْرَبًا فَهُوَ فِي الغَرَابَةِ نَظِيرَ مَا رَوَيْتَهُ أَنْتَ فِي فَضْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ فِي قَوْلِهِ: يَا سَارِيَةُ، الجَبَلَ. وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ كَهَذَا، لاَ إِسْنَادًا وَلاَ مَتْنًا، وَأَيْنَ مُكَاشَفَةُ إِمَامٍ قَدْ شَهِدَ الشَّارِعُ لَهُ بِأَنَّهُ مُحَدَّثٌ بِأَمْرٍ جُزْءٍ مِنْ رَدِّ الشَّمْسِ طَالِعَةً بَعْدَ مَغِيبِهَا الذِي هُوَ أَكْبَرُ عَلاَمَاتِ السَّاعَةِ؟!». وقال الحافظ ابن حجر في " لسان الميزان " (١): «محمد بن علي بن النعمان بن أبي طريفة البجلي الكوفي

стр. 28

أبو جعفر الملقب «شَيْطَانَ الطَّاقِ». نسب إلى سوق في طاق المحامل بالكوفة كان يجلس للصرف بها فيقال: إنه اختصم مع صيرفي آخر في درهم زائف فغلب فقال: «أَنَا شَيْطَانُ الطَّاقِ». وقيل: إن هشام بن الحكم شيخ الرافضة لما بلغه أنهم لقبوه شيطان الطاق سماه هو مؤمن الطاق. ويقال: أول من لقبه بشيطان الطاق أبو حنيفة مع مناظرة جرت بحضرته بينه وبين بعض الحرورية ... ، ووقعت له مناظرة مع أبي حنيفة في شيء يتعلق بفضائل علي - سُمِّيَ فيها: محمد بن النعمان نسبة إلى جده، فقال له أبو حنيفة كالمنكر عليه: «عَمَّنْ رَوَيْتَ حَدِيثَ رَدِّ الشَّمْسِ لِعَلِيٍّ؟ فَقَالَ: عَنْ مَنْ رَوَيْتَ أَنْتَ عَنْهُ: يَا سَارِيَةُ الجَبَلَ»؟. اهـ. وقال الشيخ الإمام الحافظ الحجة شمس الدين أبو عبد الله محمد المعروف بابن قيم الجوزية الحنبلي في كتابه " إعلام الموقعين عن رب العالمين " (١): «وَقَدْ احْتَجَّ الأَئِمَّةُ الأَرْبَعَةُ وَالفُقَهَاءُ قَاطِبَةً بِصَحِيفَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَلاَ يُعْرَفُ فِي أَئِمَّةِ الفَتْوَى إلاَّ مَنْ احْتَاجَ إلَيْهَا وَاحْتَجَّ بِهَا، وَإِنَّمَا طَعَنَ فِيهَا مَنْ لَمْ يَتَحَمَّلْ أَعْبَاءَ الفِقْهِ وَالفَتْوَى كَأَبِي حَاتِمٍ البُسْتِيِّ وَابْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِمَا». اهـ. وقال أيضًا في موضع آخر منه (٢) ما نصه: «أَمَّا طَرِيقَةُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الحَدِيثِ كَالشَّافِعِيِّ وَالإِمَامِ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَالبُخَارِيِّ وَإِسْحَاقَ ... ». اهـ. فهؤلاء الأئمة الجلة الأعلام، جهابذةُ النقد: أبو داود، والترمذي، والحاكم، والبيهقي، وابن عبد البر، وابن تيمية، وابن

стр. 29

القيم، وابن كثير، قد أذعنوا أن الإمام أبا حنيفة من أئمة الحديث المعروفين الذي يُرْجَعُ إلى أقوالهم في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل كسائر الحفاظ النقاد من أئمة المحدثين. وقد اعترف جهابذة المحدثين والحفاظ من المتقدمين والمتأخرين ببراعته في الحديث وضبطه وإتقانه وحفظه وورعه في روايته. قال الحافظ أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي في " تاريخ بغداد " (١): «أَخْبَرَنَا الجوهري، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن عمران المرزباني، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الواحد بن مُحَمَّد الخصيبي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مسلم الكجي إبراهيم بن عبد الله، قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن سعيد أَبُو عبد الله الكاتب، قال: سمعت عبد الله بن داود الخُرَيْبِي، يقول: " يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الإِسْلاَمِ أَنْ يَدْعُوا اللهَ لأَبِي حَنِيفَةَ فِي صَلاَتِهِمْ "، قَالَ: وَذَكَرَ حِفْظَهُ عَلَيْهِمْ السُّنَنَ والفِقْهَ». اهـ. (*) قلت: وَالخُرَيْبِي هذا من كبار الحفاظ ذكره الذهبي في " تذكرة الحفاظ " (٢) وَحَلاَّهُ «بِالحَافِظِ الإِمَامِ القُدْوَةِ»، ونقل عن وكيع أنه قال: «النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ عَبْدِ اللهِ بْنَ دَاوُدٍ عِبَادَةٌ». وذكر: «أن الخُرَيْبِي قيل له: رَجَعَ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ، قَالَ: " إِنَّمَا يَرْجِعُ الفَقِيهُ إِذَا اِتَّسَعَ عِلْمُهُ». اهـ. فهذا الإمام الحافظ القدوة يصف أبا حنيفة بسعة العلم وحفظ السنن.

стр. 30

وروى الخطيب أيضًا، قال: «أَخْبَرَنَا الخلال، قَالَ: أَخْبَرَنَا الحريري أن النخعي، حدثهم قَالَ: أَخْبَرَنَا سليمان بن الربيع الخزاز، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن حفص، عن الحسن بن سليمان، أنه قال في تفسير الحديث " لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَظْهَرَ العِلْمُ "، قال: " هُوَ عِلْمُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَتَفْسِيرُهُ الآثَارَ"». اهـ. قلت: والحسن بن سليمان هذا معدود في الحفاظ ترجم له الذهبي في " تذكرة الحفاظ " (١)، و" سير أعلام النبلاء " (٢)، وقال في " السير ": قُبَّيْطَةُ الحافظ المتقن الإمام أبو علي الحسن بن سليمان البصري نزيل مصر، وصفه ابن يونس بالحفظ. اهـ. فهذا الحافظ الإمام يُطْرِي أبا حنيفة وَيُثْنِي على علمه وتفسيره الأحاديث والآثار. وقال الخطيب أيضًا في " تاريخ بغداد " (٣): «أَخْبَرَنَا الحسن بن أبي بكر، قَالَ: أَخْبَرَنَا القَاضِي أَبُو نصر أَحْمَد بن نصر بن مُحَمَّد بن إشكاب البخاري، قال: سمعت مُحَمَّد بن خلف بن رجاء، يقول: سمعت مُحَمَّد بن سلمة، يقول: قال خلف بن أيوب: " صَارَ العِلْمُ مِنَ اللهِ تَعَالَى إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ صَارَ إِلَى أَصْحَابِهِ، ثُمَّ صَارَ إِلَى التَّابِعِينَ، ثُمَّ صَارَ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَرْضَ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَسْخَطْ"». اهـ.

стр. 31

قلت: وقولُ خلف بن أيوب هذا يشبه ما قال ابن حزم في حق محمد بن نصر المروزي، قال الذهبي في ترجمة ابن نصر المروزي من كتابه " سير أعلام النبلاء ": (١) ما نصه: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ بنُ حَزْمٍ فِي بَعْضِ توَالِيفِهِ: «أَعْلَمُ النَّاسِ مَنْ كَانَ أَجْمَعهُم للسُّنَنِ، وَأَضْبَطهُم لَهَا، وَأَذْكَرُهُمُ لِمَعَانِيهَا، وَأَدْرَاهُمُ بِصِحَّتِهَا، وَبِمَا أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ مِمَّا اخْتَلفُوا فِيهِ. قَالَ: وَمَا نَعْلَمُ هَذِهِ الصِّفَةَ - بَعْد الصَّحَابَةِ - أَتمَّ مِنْهَا فِي مُحَمَّدِ بنِ نَصْرٍ المَرْوَزِيّ، فَلَو قَالَ قَائِل: لَيْسَ لِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ حَدِيثٌ وَلاَ لأَصْحَابِهِ إِلاَّ وَهُوَ عِنْدَ مُحَمَّدِ بنِ نَصْرٍ لَمَا أَبْعَدَ عَنِ الصِّدْقِ. قُلْتُ: - القائل الذهبي - هَذِهِ السَّعَةُ وَالإِحَاطَةُ مَا ادَّعَاهَا ابْنُ حَزْمٍ لابْنِ نَصْرٍ إِلاَّ بَعْدَ إِمعَانِ النَّظَرِ فِي جَمَاعَةِ تَصَانِيفَ لابْنِ نَصْرٍ، وَيمْكِن ادِّعَاءُ ذَلِكَ لِمِثْلِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ وَنُظَرَائِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ» انتهى. قلتُ: وإذا كان ادعاء ذلك صحيحًا لمحمد بن نصر عند ابن حزم، ولأحمد ونظرائه عند الذهبي، فيكون ادعاء ذلك صحيحًا بالأولى للإمام الأعظم أبي حنيفة فإنه أسبق المجتهدين المتبوعين، وأعلمهم وأفقههم وأقدمهم - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - وعن أصحابه، على ما شهد به شيخُ أحمدَ وابنِ معين خلفُ بنُ أيوب هذا، ولم تكن شهادته بذلك لأبي حنيفة - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - إلا بعد إمعان النظر في فقهه وإتقانه لمذهبه، وهذه شهادة صدق من إمام بارع تقي، كيف لا؟ والعلم بَرًّا

стр. 32

وبحرًا شرقًا وغربًا، بُعْدًا وَقُرْبًا تدوينه - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -، كما قاله ابن النديم في كتابه " الفهرست " (١). وقال الجامع للعلوم النقلية والعقلية، والمتضلع من السنة النبوية، أحد كبار الأعلام، ومشاهير أولي الحفظ والأفهام، مُلاَّ علي القاري شارح " المشكاة " في كتابه " سند الأنام في شرح مسند الإمام " (٢) ما نصه: «إِنَّ حُسْنَ الظَنِّ بِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ أَحَاطَ بِالأَحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ مِنَ الصَّحِيحَةِ وَالضَّعِيفَةِ». اهـ (٣). وَخَلَفُ المذكور هذا قال فيه صدر الأئمة الموفق بن أحمد المكي في " مناقب الإمام الأعظم " (٤) ما لفظه: «خلف بن أيوب كان من بلخ، ما روى عن أبي حنفية، ويروي عن أبي يوسف، وكان أزهد أهل زمانه وأعبدهم، قدم على عبد الله بن المبارك فعانقه وأكرمه فلما قام من عنده قال: " مَا أَشْبَهَ سِيمَاهُ بِسِيمَا أَهْلِ الجَنَّةِ "، وكان يسمع من حماد بن سلمة فلما قام من عنده قال حماد: " مَا أَحْسَنَ سَمْتَ هَذَا الرَّجُلِ وَهَدْيِهِ، مَا قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ خُرَاسَانَ خَيْرٌ مِنْهُ "، توفي سنة خمس ومائتين، فلما رُفِعَتْ جنازته أقبل نُوحُ بنُ أَسَدٍ والي بلخ إلى جنازته فوضعها على عاتقه، حتى بلغ

стр. 33

المُصَلَّى، وصلى عليه نوح بن أسد، فلما سلم سمع صوتًا في الهواء: " يَا نُوحَ بْنَ أَسَدٍ صَلَّيْتَ عَلَى خَيْرِ أَهْلِ الأَرْضِ، صَلَّيْتَ عَلَى خَلَفَ بْنَ أَيُّوبٍ، فُزْتَ "». اهـ. وقال الحافظ الذهبي في " سير أعلام النبلاء " (١): «خَلَفُ بنُ أَيُّوبَ، الإِمَامُ، المُحَدِّثُ، الفَقِيْهُ، مُفْتِي المَشْرِقِ، أَبُو سَعِيْدٍ العَامِرِيُّ، البَلْخِيُّ، الحَنَفِيُّ، الزَّاهِدُ، عَالِمُ أَهْلِ بَلْخَ. تَفَقَّه عَلَى القَاضِي أَبِي يُوْسُفَ، وَسَمِعَ مِنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَعَوْفٍ الأَعْرَابِيِّ، وَمَعْمَرِ بنِ رَاشِدٍ، وَطَائِفَةٍ، وَصَحِبَ إِبْرَاهِيْمَ بنَ أَدْهَمَ مُدَّةً. حَدَّثَ عَنْهُ: يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ، وَأَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَعَلِيُّ بنُ سَلَمَةَ اللَّبَقِيُّ، وَأَهْلُ بَلَدِهِ. اهـ. وسيأتيك في الفصول الآتية من ثناء أئمة المحدثين القدامى والحفاظ المتأخرين على الإمام أبي حنيفة في جودة حفظه وسعة علمه ما يصدق قول خلف هذا ويزيد، وبالله التوفيق.

стр. 34

ثَنَاءُ الذَّهَبِيِّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ: إن من أصدق الكلمات التي قالها الإمام الذهبي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -، - وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال - قوله في ترجمة العلامة الإمام فقيه العراق حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: من كتابه " سير أعلام النبلاء " (١): «فَأَفْقَهُ أَهْلِ الكُوْفَةِ: عَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُوْدٍ، وَأَفْقَهُ أَصْحَابِهِمَا: عَلْقَمَةُ، وَأَفْقَهُ أَصْحَابِهِ: إِبْرَاهِيمُ - النخعي -، وَأَفْقَهُ أَصْحَابِ إِبْرَاهِيمَ: حَمَّادٌ، وَأَفْقَهُ أَصْحَابِ حَمَّادٍ: أَبُو حَنِيْفَةَ، وَأَفْقَهُ أَصْحَابِهِ: أَبُو يُوسُفَ. وَانْتَشَرَ أَصْحَابُ أَبِي يُوسُفَ فِي الآفَاقِ، وَأَفْقَهُهُمْ: مُحَمَّدٌ - بن الحسن -، وَأَفْقَهُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ: أَبُو عَبْدِ اللهِ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى -». وقال أيضًا في " سير أعلام النبلاء " (٢)، في ترجمة الإمام أبي حنيفة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -: الإِمَامُ، فَقِيْهُ المِلَّةِ، عَالِمُ العِرَاقِ، أَبُو حَنِيفَةَ ... وَعُنِيَ بِطَلَبِ الآثَارِ، وَارْتَحَلَ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا الفِقْهُ وَالتَّدْقِيقُ فِي الرَّأْيِ وَغوَامِضِهِ، فَإِلَيْهِ المُنْتَهَى، وَالنَّاسُ عَلَيْهِ عِيَالٌ فِي ذَلِكَ».

стр. 35

وقال أيضًا (١): «الإِمَامَةُ فِي الفِقْهِ وَدَقَائِقِه مُسَلَّمَةٌ إِلَى هَذَا الإِمَامِ، وَهَذَا أَمرٌ لاَ شَكَّ فِيْهِ». وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي الأَذْهَانِ شَيْءٌ ... إِذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيلِ وقال في ترجمة الإمام مالك ﵀ (٢) بعد أن نقل عن الإمام الشافعي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - أنه قال: «العِلْمُ يَدُورُ عَلَى ثَلاَثَةٍ: مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ». قُلْتُ: «بَلْ وَعَلَى سَبْعَةٍ مَعَهُم، وَهُمُ: الأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَعْمَرٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَشُعْبَةُ، وَالحَمَّادَانِ». وذكر في ترجمته أيضًا (٣)، عن الإمام أبي يوسف أنه قال: «مَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى». ولما حكى في ترجمته (٤) الأسطورة التي تعزى إلى محمد والشافعي - رَحِمَهَا اللهُ تَعَالَى - في المقارنة بين علم مالك وأبي حنيفة - رَحِمَهَا اللهُ تَعَالَى -، ولفظها: «ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: قَالَ لِي مُحَمَّدٌ: أَيُّهُمَا أَعْلَمُ، صَاحِبُنَا أَمْ صَاحِبُكُم؟ -يَعْنِي: أَبَا حَنِيفَةَ وَمَالِكًا، قُلْتُ: عَلَى

стр. 36

الإِنْصَافِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَنْشُدُكَ بِاللهِ، مَنْ أَعْلَمُ بِالقُرْآنِ؟، قَالَ: صَاحِبُكُم، قُلْتُ: مَنْ أَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ؟، قَالَ: صَاحِبُكُم. قُلْتُ: فَمَنْ أَعْلَمُ بِأَقَاوِيلِ الصَّحَابَةِ وَالمُتَقَدِّمِيْنَ؟، قَالَ: صَاحِبُكُم. قُلْتُ: فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ القِيَاسُ، وَالقِيَاسُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ عَلَى هَذِهِ الأَشْيَاءِ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِفِ الأُصُولَ، عَلَى أَيِّ شَيْءٍ يَقِيسُ؟». عقب عليها قائلاً: «قُلْتُ: وَعَلَى الإِنْصَافِ؟، لَوْ قَالَ قَائِلٌ: بَلْ هُمَا سَوَاءٌ فِي عِلْمِ الكِتَابِ، وَالأَوَّلُ أَعْلَمُ بِالقِيَاسِ، وَالثَّانِي أَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ، وَعِنْدَهُ عِلْمٌ جَمٌّ مِنْ أَقْوَالِ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، كَمَا أَنَّ الأَوَّلَ أَعْلَمُ بِأَقَاوِيلِ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُوْدٍ، وَطَائِفَةٍ مِمَّنْ كَانَ بِالكُوفَةِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَضِيَ اللهُ عَنِ الإِمَامَيْنِ، فَقَدْ صِرْنَا فِي وَقْتٍ لاَ يَقْدِرُ الشَّخْصُ عَلَى النُّطقِ بِالإِنْصَافِ - نَسْأَل اللهُ السَّلاَمَةَ -». وقال في ترجمة الإمام مالك أيضًا (١) ما نصه: «فَالمُقَلَّدُونَ صحَابَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِشَرْطِ ثُبُوتِ الإِسْنَادِ إِلَيْهِم، ثُمَّ أَئِمَّةُ التَّابِعِينَ كَعَلْقَمَةَ، وَمَسْرُوقٍ، وَعَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، وَسَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ، وَسَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وَعُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ، وَعُرْوَةَ، وَالقَاسِمِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ. ثُمَّ كَالزُّهْرِيِّ، وَأَبِي الزِّنَادِ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَطَبَقَتِهِم.

стр. 37

ثُمَّ كَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَمَعْمَرٍ، وَابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالحَمَّادَيْنِ، وَشُعْبَةَ، وَاللَّيْثِ، وَابْنِ المَاجِشُونِ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ. ثُمَّ كَابْنِ المُبَارَكِ، وَمُسْلِمٍ الزَّنْجِيِّ، وَالقَاضِي أَبِي يُوْسُفَ، وَالهِقْلِ بنِ زِيَادٍ، وَوَكِيعٍ، وَالوَلِيدِ بنِ مُسْلِمٍ، وَطَبَقَتِهِم. ثُمَّ كَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَالبُوَيْطِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ بنِ أَبِي شَيْبَةَ. ثُمَّ كَالمُزَنِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ الأَثْرَمِ، وَالبُخَارِيِّ، وَدَاوُدَ بنِ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدِ بنِ نَصْرٍ المَرْوَزِيِّ، وَإِبْرَاهِيْمَ الحَرْبِيِّ، وَإِسْمَاعِيلَ القَاضِي. ثُمَّ كَمُحَمَّدِ بنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ بنِ خُزَيْمَةَ، وَأَبِي عَبَّاسٍ بنِ سُرَيْجٍ، وَأَبِي بَكْرٍ بنِ المُنْذِرِ، وَأَبِي جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ الخَلاَّلِ. ثُمَّ مِنْ بَعْدِ هَذَا النَّمَطِ تَنَاقَصَ الاجْتِهَادُ، وَوُضِعَتِ المُخْتَصَرَاتُ، وَأَخلَدَ الفُقَهَاءُ إِلَى التَّقْلِيدِ، مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي الأَعْلَمِ، بَلْ بِحَسَبِ الاتِّفَاقِ، وَالتَّشَهِّي، وَالتَّعْظِيْمِ، وَالعَادَةِ، وَالبَلَدِ. فَلَو أَرَادَ الطَّالِبُ اليَوْمَ أَنْ يَتَمَذْهَبَ فِي المَغْرِبِ لأَبِي حَنِيْفَةَ، لَعَسُرَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَتَمَذْهَبَ لابْنِ حَنْبَلٍ بِبُخَارَى وَسَمَرْقَنْدَ، لَصَعُبَ عَلَيْهِ، فَلاَ يَجِيءُ مِنْهُ حَنْبَلِيٌّ، وَلاَ مِنَ المَغْرِبِيِّ حَنَفِيٌّ، وَلاَ مِنَ الهِنْدِيِّ مَالِكِيٌّ».انتهى. وقال في ترجمة يحيى بن آدم (١)، بعد ما نقل عن مَحْمُوْدٍ بْنِ

стр. 38

غَيْلاَنَ: سَمِعْتُ أَبَا أُسَامَةَ يَقُولُ: كَانَ عُمَرُ فِي زَمَانِهِ رَأْسَ النَّاسِ وَهُوَ جَامِعٌ، وَكَانَ بَعْدَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي زَمَانِهِ، وَبَعدَهُ: الشَّعْبِيُّ فِي زَمَانِهِ، وَكَانَ بَعْدَهُ: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَكَانَ بَعْدَ الثَّوْرِيِّ: يَحْيَى بنُ آدَمَ». قال الذهبي بعد هذا: «قُلْتُ: قَدْ كَانَ يَحْيَى بنُ آدَمَ مِنْ كِبَارِ أَئِمَّةِ الاجْتِهَادِ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ كَمَا قَالَ فِي زَمَانِهِ. ثُمَّ كَانَ عَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَمُعَاذٌ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ. ثُمَّ كَانَ بَعْدَهُم فِي زَمَانِهِ زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ، وَعَائِشَةُ، وَأَبُو مُوسَى، وَأَبُو هُرَيْرَةَ. ثُمَّ كَانَ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ. ثُمَّ عَلْقَمَةُ، وَمَسْرُوْقٌ، وَأَبُو إِدْرِيسَ، وَابْنُ المُسَيِّبِ. ثُمَّ عُرْوَةُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالحَسَنُ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَطَاوُوسٌ، وَعِدَّةٌ. ثُمَّ الزُّهْرِيُّ، وَعُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وَقَتَادَةُ، وَأَيُّوْبُ. ثُمَّ الأَعْمَشُ، وَابْنُ عَوْنٍ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ. ثُمَّ الأَوْزَاعِيُّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَمَعْمَرٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَشُعْبَةُ. ثُمَّ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَحَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ. ثُمَّ ابْنُ المُبَارَكِ، وَيَحْيَى القَطَّانُ، وَوَكِيْعٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَابْنُ وَهْبٍ.

стр. 39

ثُمَّ يَحْيَى بنُ آدَمَ، وَعَفَّانُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَطَائِفَةٌ. ثُمَّ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَعَلِيُّ بنُ المَدِينِيِّ، وَابْنُ مَعِينٍ. ثُمَّ أَبُو مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيُّ، وَآخَرُونَ مِنْ أَئِمَّةِ العِلْمِ، وَالاجْتِهَادِ». وقال في ترجمة ابن حزم (١)، بعد نقل قوله: أنا أتبع الحق، وأجتهد، ولا أتقيد بمذهب، ما نصه: «قُلْتُ: نَعَمْ، مَنْ بَلَغَ رُتْبَةَ الاجْتِهَادِ وَشَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ عِدَّةٌ مِنَ الأَئِمَّةِ لَمْ يَسُغْ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ كَمَا أَنَّ الفَقِيهَ المُبتَدِئَ وَالعَامِيَّ الذِي يَحفَظُ القُرْآنَ أَوْ كَثِيرًا مِنْهُ لاَ يَسوَغُ لَهُ الاجْتِهَادُ أَبَدًا فَكَيْفَ يَجْتَهِدُ وَمَا الذِي يَقُولُ؟ وَعلاَمَ يَبنِي؟ وَكَيْفَ يَطيرُ وَلَمَّا يُرَيِّشُ؟ وَالقِسم الثَّالِث: الفَقِيهُ المُنْتَهِي اليَقِظُ الفَهِمُ المُحَدِّثُ الذِي قَدْ حَفِظ مُخْتَصَرًا فِي الفُرُوعِ وَكِتَابًا فِي قوَاعد الأُصُول وَقرَأَ النَّحْوَ وَشَارَكَ فِي الفضَائِلِ مَعَ حِفْظِهِ لِكِتَابِ اللهِ وَتشَاغُلِهِ بتَفْسِيرِهِ وَقوَةِ مُنَاظرتِهِ. فَهَذِهِ رُتْبَةُ مِنْ بلغَ الاجْتِهَادَ المُقيَّدَ وَتَأَهَّلَ لِلنظرِ فِي دلاَئِلِ الأَئِمَّةِ فَمَتَى وَضَحَ لَهُ الحَقُّ فِي مَسْأَلَةٍ وَثبت فِيهَا النَّصُّ وَعَمِلَ بِهَا أَحَدُ الأَئِمَّةِ الأَعْلاَمِ كَأَبِي حَنِيْفَةَ مِثْلاً أَوْ كَمَالِكٍ أَوِ الثَّوْرِيِّ أَوِ الأَوْزَاعِيِّ أَوِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاق فَلْيَتَّبِعْ فِيهَا الحَقَّ وَلاَ

стр. 40

يَسْلُكِ الرُّخَصَ وَلِيَتَوَرَّعْ وَلاَ يَسَعُهُ فِيهَا بَعْدَ قيَام الحُجَّة عَلَيْهِ تَقْلِيدٌ». وقد سَرَدَ الإمام الحافظ الذهبي في ترجمة أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - (١)،الأسطورة التي رواها الخطيب البغدادي في " تاريخه "، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، في ابتداء طلبه العلم، واختياره الفقه من سائر العلوم، وَحَكَمَ عليها بالوضع والاختلاق، فأفاد وأجاد، قال - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: «أَخْبَرَنَا ابْنُ عَلاَّنَ كِتَابَةً، أَنْبَأَنَا الكِنْدِيُّ، أَنْبَأَنَا القَزَّازُ، أَنْبَأَنَا الخَطِيبُ، أَنْبَأَنَا الخَلاَّلُ، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ عَمْرٍو الحَرِيرِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بنِ كَاسٍ النَّخَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودٍ الصَّيْدَنَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعِ بْنِ الثَّلْجِيِّ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ، قَالَ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: " لَمَّا أَرَدْتُ طَلَبَ العِلْمِ، جَعَلتُ أَتَخَيَّرُ العُلُومَ، وَأَسْأَلُ عَنْ عَوَاقِبِهَا. فَقِيْلَ: تَعَلَّمِ القُرْآنَ. فَقُلْتُ: إِذَا حَفِظتُه فَمَا يَكُونَ آخِرُهُ؟ قَالُوا: تَجْلِسُ فِي المَسْجِدِ، فَيَقرَأُ عَلَيْكَ الصِّبْيَانُ وَالأَحدَاثُ، ثُمَّ لاَ يَلْبَثُ أَنْ يَخْرُجَ فِيْهِم مَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْكَ، أَوْ مُسَاوِيكَ، فَتَذهَبُ رِئَاسَتُكَ. قُلْتُ: - القائل الذهبي - مَنْ طَلَبَ العِلْمَ لِلرِّئَاسَةِ قَدْ يُفَكِّرُ فِي هَذَا، وَإِلاَّ فَقَدْ ثَبَتَ قَوْلُ المُصْطَفَى - صَلَوَاتُ اللهُ عَلَيْهِ -: (أَفْضَلُكُم مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ). يَا سُبْحَانَ اللهِ! وَهَلْ مَحَلٌّ أَفْضَلُ مِنَ المَسْجِدِ؟ وَهَلْ نَشْرٌ لِعِلمٍ يُقَارِبُ تَعْلِيمَ القُرْآنِ؟ كَلاَّ وَاللهِ، وَهَلْ طَلَبَةٌ خَيْرٌ مِنَ الصِّبْيَانِ الذِينَ
следующие страницы →