قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّ تَعَلَّمتُ الفِقْهَ؟
قَالُوا: تُسْأَلُ، وَتُفْتِي النَّاسَ، وَتُطلَبُ لِلْقَضَاءِ، وَإِنْ كُنْتَ شَابًّا.
قُلْتُ: لَيْسَ فِي العُلُومِ شَيْءٌ أَنفَعُ مِنْ هَذَا، فَلَزِمْتُ الفِقْهَ، وَتَعَلَّمْتُهُ».
وقال الحافظ الذهبي أيضًا، في ترجمة الإمام سفيان الثوري من كتابه " تذكرة الحفاظ " (١) مُعَلِّقًا على قوله - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -:
«ليس طلب الحديث من عُدَّةِ الموت لكنه علة يتشاغل بها الرجل»،ما نصه:
«قلت: صدق والله إن طلب الحديث شيء غير الحديث فطلب الحديث اسم عُرْفِيٌّ لأمور زائدة على تحصيل ماهية الحديث وكثير منها مَرَاقٍ إلى العلم وأكثرها أمور يُشْغَفُ بها المحدث من تحصيل النسخ المليحة، وتطلب العالي، وتكثير الشيوخ، والفرح بالألقاب والثناء وتمني العمر الطويل ليروي، وحب التفرد إلى أمور عديدة لازمة للأغراض النفسانية، لا الأعمال الربانية.
فإذا كان طلبك الحديث النبوي محفوفًا بهذه الآفات فمتى خلاصك منها إلى الإخلاص؟!، وإذا كان علم الآثار مدخولاً فما ظنك بعلم المنطق والجدل وحكمة الأوائل التي تسلب الإيمان، وتورث الشكوك والحيرة التي لم تكن والله من علم الصحابة ولا التابعين ولا من علم الأوزاعي، والثوري، ومالك، وأبي حنيفة، وابن أبي ذئب، وشعبة
стр. 43
ولا وَاللهِ عرفها ابن المبارك، ولا أبو يوسف القائل: " مَنْ طَلَبَ الدِّينَ بِالكَلاَمِ تَزَنْدَقَ "، ولا وكيع، ولا بن مهدي، ولا ابن وهب، ولا الشافعي، ولا عفان، ولا أبو عبيد، ولا ابن المديني، وأحمد، وأبو ثور، والمزني، والبخاري، والأثرم، ومسلم، والنسائي، وابن خزيمة، وابن سريج، وابن المنذر، وأمثالهم، بل كانت علومهم القرآن، والحديث والفقه والنحو وشبه ذلك نعم.
وقال سفيان أيضًا فيما سمعه منه الفريابي: " مَا مِنْ عَمَلٍ أَفْضَلَ مِنْ طَلَبِ الْحَدِيثِ إِذَا صَحَّتِ النِيَّةُ فِيهِ "».
وقال في خاتمة الطبقة الخامسة (١)، التي ذكر فيها أبا حنيفة، ومالكًا والأوزاعي، وسفيان: «وفي زمان هذه الطبقة، كان الإسلام وأهله في عِزٍّ تَامٍّ وعلم غزير ... وكان في هذا الوقت [من الصالحين مثل إبراهيم بن أدهم وداود الطائي وسفيان الثوري] ... ومن الفقهاء كأبي حنيفة ومالك والأوزاعي الذين مروا». انتهى.
قلتُ: فقد ثبت مما نقلناه من تصريحات الحافظ الذهبي أمور:
١ - كانت علوم أبي حنيفة ﵀ القرآن، والحديث، والفقه، والنحو، وشبه ذلك.
٢ - أن الإمام أبا حنيفة طلب الحديث وأكثر منه في سنة مائة وبعدها، بل لم يكن إذ ذاك للفقهاء علم بعد القرآن سواه، وقد عُنِيَ الإمام بطلب الآثار، وارتحل في ذلك.
стр. 44
٣ - وكان أعلم بأقاويل عَلِيٍّ، وابن مسعود، وطائفة ممن كان بالكوفة من أصحاب رسول الله ﷺ .
٤ - وكان من الأئمة العشرة الذين يدور عليهم العلم في ذلك العصر. فهو قرين مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث، وابن عيينة، ومعمر، وشعبة، وَالحَمَّادَيْنِ، في علم الكتاب والسنة.
٥ - وكان من كبار أئمة الاجتهاد وأحد الأئمة الأعلام وإليه المنتهى في الفقه، والناس عِيَالٌ عليه في ذلك.
فهذا رأي مؤرخ الإسلام الحافظ الناقد البصير شمس الدين الذهبي، الذي هو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال، في حق إمامنا الأعظم أبي حنيفة النعمان - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
ثَنَاءُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ:
ويقول شيخه ابن تيمية، الشيخ الإمام، العلامة، الحافظ، الناقد، الفقيه، المفسير، شيخ الإسلام تقي الدين، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم الحَرَّانِيُّ، البارع في الرجال، وعِلَلِ الحديث في كتابه " منهاج السنة النبوية في نقض قول الشيعة والقدرية " (١) ما نصه:
«وَهَؤُلاَءِ أَهْلُ العِلْمِ الذِينَ يَبْحَثُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَنِ العِلْمِ، وَلَيْسَ لَهُمْ غَرَضٌ مَعَ أَحَدٍ، بَلْ يُرَجِّحُونَ قَوْلَ هَذَا [الصَّاحِبِ] تَارَةً، وَقَوْلَ هَذَا [الصَّاحِبِ] تَارَةً، بِحَسَبِ مَا يَرَوْنَهُ مِنْ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ، كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ،
وقال ﵀ أيضًا في موضع آخر من " منهاج السنة " (١): « ... وَأَئِمَّةُ الإِسْلاَمِ المَعْرُوفُونَ بِالإِمَامَةِ فِي الدِّينِ، كَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ».
وقال ﵀ أيضًا ما لفظه (٢):
«وَهَذَا مَذْهَبُ الأَئِمَّةِ المَتْبُوعِينَ مِثْلِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ، وَدَاوُدَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَأَصْحَابِهِمْ». انتهى.
فمن يقرأ تراجم هؤلاء العلماء الأعلام، والأئمة البررة الكرام، في كتب الرجال والتواريخ، يُذْعِنُ لجلالة شأنهم وإمامتهم.
والحافظ ابن تيمية يَعُدُّ الإمامَ وصاحبيه في زُمْرَةِ هؤلاء الكبار، ويصفهم تارة بـ «الأَئِمَّةِ المَتْبُوعِينَ»، وتارة بـ «وَأَئِمَّةُ الإِسْلاَمِ المَعْرُوفُونَ بِالإِمَامَةِ فِي الدِّينِ»، ومرة: بـ «أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالتَّصَوُّفِ وَالْفِقْهِ»، ومرة يقول: «هُمْ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ نَظَرًا فِي العِلْمِ وَكَشْفًا لِحَقَائِقِهِ»، وَ «يَعْرِفُ كُلَّ أَحَدٍ [ذَكَاءَهُمْ وَزَكَاءَهُمْ]»، وأخرى يصفهم: «الذِينَ يَبْحَثُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَنِ العِلْمِ».
стр. 49
فمن يكون موصوفًا بهذه الصفات العليا، فلا تسأل عن إمامته في الحديث، وثقته في الرواية، وكثرة إتقانه وضبطه، وحفظه وبراعته، وتضلعه في علوم الكتاب والسنة، فهؤلاء الذين جَاوَزُوا القَنْطَرَةَ، ووصلوا ذِرْوَةَ الكمال في العلم، وَكُتُبِ الرجال والطبقات مشحونة بذكر فضائلهم ومناقبهم، وسارت الركبان بمآثرهم ومعاليهم، وقد جعل الله لهم لسان صدق في الآخرين، وَجَرَتْ على أقاويلهم الفتاوى، وتبعتهم الأمة، فلا يقبل في هؤلاء قول كل قائل يرميهم بسوء أو تقصير في العلم والرواية، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
أَبُو حَنِيفَةَ مِنَ الأَئِمَّةِ الجِلَّةِ الذِينَ عُرِفَتْ عَدَالَتُهُمْ وَاشْتَهَرَتْ:
وهؤلاء الأئمة هو الذين يقول فيهم الشيخ الإمام القدوة المجتهد شيخ الإسلام أبو إسحاق الشيرازي الشافعي في كتابه " اللمع في أصول الفقه " (١) في (باب القول في الجرح والتعديل) ما نصه: «وجملته أن الراوي لا يخلو إما أن يكون معلوم العدالة أو معلوم الفسق، أو مجهول الحال، فإن كانت عدالته معلومة كالصحابة ﵃ أو أفاضل التابعين كالحسن، وعطاء، والشعبي، والنخعي وأجلاء الأئمة كمالك، وسفيان، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ومن يجري مجراهم وجب قبول خبره، ولم يجب البحث عن عدالته». اهـ.
стр. 50
ويقول فيهم ابن الصلاح الإمام الحافظ المفتي شيخ الإسلام تقي الدين أبو عمرو بن صلاح الدين عبد الرحمن الكُرْدِي الشَّهْرَزُورِي الشافعي، في كتابه المشهور (١) " علوم الحديث ": «فَمَنِ اشْتَهَرَتْ عَدَالَتُهُ بَيْنَ أَهْلِ النَّقْلِ أَوْ نَحْوِهِمْ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، وَشَاعَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِالثِّقَةِ وَالأَمَانَةِ، اسْتُغْنِيَ فِيهِ بِذَلِكَ عَنْ بَيِّنَةٍ شَاهِدَةٍ بِعَدَالَتِهِ تَنْصِيصًا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵁، وَعَلَيْهِ الاعْتِمَادُ فِي فَنِّ أُصُولِ الْفِقْهِ.
وَمِمَّنْ ذَكَرَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ أَبُو بَكْرٍ الخَطِيبُ الحَافِظُ، وَمَثَّلَ ذَلِكَ بِمَالِكٍ، وَشُعْبَةَ، وَالسُّفْيَانَيْنِ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَوَكِيعٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ فِي نَبَاهَةِ الذِّكْرِ وَاسْتِقَامَةِ الأَمْرِ، فَلاَ يُسْأَلُ عَنْ عَدَالَةِ هَؤُلاَءِ وَأَمْثَالِهِمْ، وَإِنَّمَا يُسْأَلُ عَنْ عَدَالَةِ مَنْ خَفِيَ أَمْرُهُ عَلَى الطَّالِبِينَ».
وقال الإمام العلامة الأصولي الناقد المحدث محقق الحنفية الكمال بن الهُمَامِ في " تحرير الأصول ": «عُرِفَ أن الشهرة مُعَرِّفُ العدالة والضبط، كمالك والسفيانين والأوزاعي والليث وابن المبارك وغيرهم؛ للقطع بأن الحاصل بها من الظن فوق التزكية، وأنكر أحمد على من سأله عن إسحاق، وابنُ معين
стр. 51
عن أبي عُبيد، وقال: أَبُو عُبَيْدٍ يُسْأَلُ عَنْ النَّاسِ». اهـ. (١).
وقال الشيخ الإمام العالم الكبير العلامة عبد العلي بن نظام الدين الأنصاري السِّهَالوي اللَّكْنَوِي بحر العلوم ملك العلماء: «(مسألة: مُعَرِّفُ العَدَالَةِ) أمور منها (الشُّهْرَةُ)، والتواتر (كَمَالِكٍ) الإمام، (والأوزاعي)، وعبد الله (بن المبارك وغيرهم)، كالإمام الهُمَامِ أبى حنيفة وصاحبيه وبواقي أصحابه، والإمام الشافعي وأحمد بن حنبل وسائر الأئمة الكرام قُدِّسَ سِرُّهُمْ (لأنها فوق التزكية) في إفادة العلم بالعدالة (ولهذا) أي لأجل كون الشهرة فوق التزكية (أنكر أحمد) بن حنبل (على من سأله عن إسحاق) بن راهويه هو عدل أم لا؟ (و) أنكر يحيى (بن معين على من سأله عن أبى عبيد، فقال) ابن معين: (أبو عبيد يُسْأَلُ عن الناس) وأنت تسأل عنه! يعني أنه مشهور بالعدالة حتى يجعل مُزَكِّيًا وأنت تسأل عنه» (٢).
وقال الإمام العلامة الحافظ الكبير محدث الديار المصرية وفقيهها أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي الحنفي، في " بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني:
стр. 52
«وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، لاَ يُذْكَرُونَ إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل».
وهذا هو السبب في عدم إيراد الذهبي الإمام الأعظم أبا حنيفة، والهُمَامَ الأقدم الشافعي والإمام البخاري في كتابه " المغني في الضعفاء " و" الميزان " (١)، فقد صرح في مقدمة " ميزان الاعتدال بما نصه:
«وكذا لا أذكر في كتابي من الأئمة المتبوعين [في الفروع] أحدًا لجلالتهم في الإسلام وعظمتهم في النفوس، مثل أبي حنيفة، والشافعي، والبخاري».
كَثْرَةُ أَتْبَاعِ أَبِي حَنِيفَةَ وَاشْتِهَارِ مَذْهَبِهِ فِي الآفَاقِ:
ثم قد امتاز الإمام أبو حنيفة من بين هؤلاء الأئمة بكثرة أتباعه واشتهار مذهبه في الآفاق، فقد تبعه شطهر أهل البسيطة، بل ثلثها، ومذهبه هو أول المذاهب تدوينًا.
قال الحافظ الذهبي في " سير أعلام النبلاء " (٢): «اشْتُهِرَ مَذْهَبُ الأَوْزَاعِيِّ مُدَّةً، وَتَلاَشَى أَصْحَابُهُ، وَتَفَانَوْا، وَكَذَلِكَ
стр. 53
مَذْهَبُ سُفْيَانَ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ سَمَّيْنَا، وَلَمْ يَبْقَ اليَوْمَ إِلاَّ هَذِهِ المَذَاهِبُ الأَرْبَعَةُ.
وَقَلَّ مَنْ يَنهَضُ بِمَعْرِفَتِهَا كَمَا يَنْبَغِي، فَضْلاً عَنْ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا.
وَانْقَطَعَ أَتْبَاعُ أَبِي ثَوْرٍ بَعْدَ الثَّلاَثِ مائَةٍ، وَأَصْحَابُ دَاوُدَ إِلاَّ القَلِيلُ، وَبَقِيَ مَذْهَبُ ابْنِ جَرِيرٍ إِلَى مَا بَعْدَ الأَرْبَعِ مائَةٍ ... وَلاَ بَأْسَ بِمَذْهَبِ دَاوُدَ، وَفِيْهِ أَقْوَالٌ حَسَنَةٌ، وَمُتَابَعَةٌ لِلنُّصُوصِ، مَعَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ العُلَمَاءِ لاَ يَعتَدُّونَ بِخِلاَفِهِ، وَلَهُ شُذُوْذٌ فِي مَسَائِلَ شَانَتْ مَذْهَبَهُ».
وقال في " تذكرة الحفاظ " (١): «كان أهل الشام ثم أهل الأندلس على مذهب الأوزاعي مُدَّةً من الدهم، ثم فني العارفون به، وبقي منه ما يُوجَدُ في كتب الخلاف».
وقال الإمام الرباني سيدي عبد الواهاب الشَّعْرَانِيُّ في كتاب " الميزان " (٢): «ومذهبه - أي أبي حنيفة - أول المذاهب تدوينًا، وآخرها انقراضًا كما قاله بعض أهل الكشف، قد اختاره الله تعالى إمامًا لدينه وعباده، ولم يزل أتباعه في زيادة في كل عصر إلى يوم القيامة، لو حُبِسَ أَحَدُهُمْ وَضُرِبَ على أن يخرج عن طريقه ما أجاب، فرضي الله عنه وعن أتباعه وعن كل من لزم الأدب معه ومع سائر الأئمة».
وقال أيضًا - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في " الميزان " (٣):
«إن الله تعالى لما مَنَّ عَلَيَّ بالاطلاع على عين الشريعة، رأيتُ
стр. 54
المذاهب كلها متصلة بها، ورأيت مذاهب الأئمة الأربعة تجري جداولها كلها، ورأيت جميع المذاهب التي اندرست، قد استحالت حجارة، ورأيت أطول الأئمة جدولاً الإمامَ أبا حنيفة، ويليه الإمام مالك، ويليه الإمام الشافعي، ويليه الإمام أحمد بن حنبل، وأقصرهم ذلك بطول زمن العمل بمذاهبهم وقصره، فكما كان مذهب الإمام أبي حنيفة أول المذاهب المدونة تدوينًا، فكذلك يكون آخرها انقراضًا، وبذلك قال أهل الكشف».
كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ حُجَّةً ثَبْتًا أَعْلَمُ أَهْلَ عَصْرِهِ بِالحَدِيثِ، وَمِنْ صَيَارِفَتِهِ:
قال شمس الأئمة الإمام أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في " أصول الفقه " (١): «كَانَ الإمام أبو حنيفة أعلم أهل عصره بِالحَدِيثِ وَلَكِن لمراعاة شَرط كَمَالِ الضَّبْطِ قَلَّتْ رِوَايَتُهُ».
وقال الإمام علاء الدين أبو بكر بن مسعود الكاساني - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في " بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع " (٢): «أَنَّهُ كَانَ مِنْ صَيَارِفَةِ الحَدِيثِ، وَكَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ تَقْدِيمُ الخَبَرِ، وَإِنْ كَانَ فِي حَدِّ الآحَادِ عَلَى القِيَاسِ بَعْدَ أَنْ كَانَ رَاوِيهِ عَدْلاً ظَاهِرَ العَدَالَةِ».
стр. 55
وقال الإمام الكاساني أيضًا في كتابه المذكور (١): «وَحَدِيثٌ صَحَّحَهُ أَبُو حَنِيفَةَ لَمْ يَبْقَ فِيهِ لأَحَدٍ مَطْعَنٌ».
عِدَادُ الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الحُفَّاظِ:
وقد أطبق الحفاظ الجهابذة المحدثون الذين صنفوا في طبقات الحفاظ على ذكر الإمام فيهم، فهذا الحافظ الذهبي، يترجم له في " تذكرة الحفاظ " ويثني عليه، وقد قال في مبدأ كتابه: «هذه تذكرة بأسماء مُعَدِّلِي حَمَلَةِ العِلْمِ النبوي، ومن يُرْجَعُ إلى اجتهادهم في التوثيق والتضعيف، والتصحيح والتزييف». وكتابه " تذكرة الحفاظ " مطبوع متداول، وقد طبع مرارًا.
وتبعه الإمام المحدث الحافظ ذو الفنون شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي في كتابه " المختصر في طبقات علماء الحديث " فأورده في كتابه، وترجم له وأثنى عليه خيرًا، والكتاب غير مطبوع إلى الآن (٢)، فَأُحِبُّ أن أذكر ما قاله بِرُمَّتِهِ.
قال - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: «(ت، س) أبو حنيفة، النعمان بن ثابت بن زُوْطَى، التَّيْمِيُّ مولاهم، الكوفي، الإمام، فقيه العراق، مولده سَنَةَ ثمانين، رأى أنس بن مالك غير مرة، لما قدم عليهم الكوفة، رواه ابن سعد عن سيف بن جابر، أنه سمع أبا حنيفة يقول.
стр. 56
وَحَدَّثَ عن عطاء، ونافع، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وعدي بن ثابت، وسلمة بن كُهَيْلٍ، وأبي جعفر محمد بن علي، وقتادة، وعمرو بن دينار، وأبي إسحاق، وخلق.
تفقه به زُفَرُ بْنُ الهُذَيْلِ، وداود الطائي، وأبو يوسف، ومحمد، وأسد بن عمرو، والحسن بن زياد اللؤلؤي، ونوحُ الجامع، وأبو مطيع البلخي، وَعِدَّةٌ، وكان قد تفقه بحماد بن أبي سليمان، وغيره.
وحدث عنه وكيع، ويزيد بن هارون، وسعد بن الصلت، وأبو عاصم، وعبد الرزاق، وعبيد الله بن موسى، وأبو نعيم، وأبو عبد الرحمن المقري، وخلق.
وكان إمامًا، وَرِعًا، عَالِمًا، عاملاً، متعبدًا، كبير الشأن، لا يقبل جوائز السلطان، بل يتجر ويكتسب.
قال ضرار بن صُرد: سئل يزيد بن هارون، أيهما أفقه، الثوري أو أبو حنيفة؟ فقال: «أَبُو حَنِيفَةَ أَفْقَهُ، وَسُفْيَانُ أَحْفَظُ لِلْحَدِيثِ».
وقال ابن المبارك: «أَبُو حَنِيفَةَ أَفْقَهُ النَّاسِ»، وقال الشافعي: «النَاسُ فِي الفِقْهِ عِيَالٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ»، وقال يزيد: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَوْرَعَ وَلاَ أَعْقَلَ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ»، وقال أبو داود: «رَحِمَ اللهُ أَبَا حَنِيفَةَ، كَانَ إِمَامًا».
وَرَوَى بِشْرُ بْنُ الوَلِيدِ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: [بَيْنَمَا أَنَا] (*) أَمْشِي مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ لآخَرَ: هَذَا أَبُو حَنِيفَةَ لاَ يَنَامُ اللَّيْلَ، فَقَالَ: «وَاللهِ لاَ يُتَحَدَّثُ عَنِّي بِمَا لَمْ أَفْعَلْ»، فَكَانَ يَقُومُ يُحْيِي اللَّيْلَ صَلاَةً، وَدُعَاءً،
стр. 57
وَتَضَرُّعًا، وَمَنَاقِبُهُ وَفَضَائِلُهُ كَثِيرَةٌ. وَكَانَ مَوْتُهُ فِي رَجَبَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةَ.- رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -». انتهى.
وقال في مبدأ كتابه: «وبعد، فهذا كتاب مختصر، يشتمل على جملة من الحفاظ، من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، ومن بعدهم، لا يسع من يشتغل بعلم الحديث الجهل بهم».
ومع كون الكتاب مختصرًا، ذكر الإمامَ فيه، وهذا يدل على كون الإمام من الحفاظ المعدودين الذين ينبغي الاعتناء بتراجمهم.
ثم ذكره في الحفاظ الإمام العلامة الحافظ مؤرخ الديار الشامية وحافظها، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الشهير بابن ناصر الدين الشافعي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -، في كتابيه: " بديعة البيان عن موت الأعيان " منظومة، وَشَرْحِهَا " التبيان لبديعة البيان "، وهي طبقات الحفاظ نظمًا ونثرًا، وقد رأيت منها نسخة مخطوطة في مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت، بالمدينة المنورة، حين سافرتُ للحج في ١٣٨٧ هـ، ضِمْنَ كُتُبِ التواريخ رقم (٤٨) جاء فيها ما نصه:
بَعْدَهُمَا فَتَى جُرَيْجِ الدَّانِي ... مِثْلُ أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِي
أي بعد وفاة الحَجَّاجِ، وَالزُّبَيْدِيِّ بعام (١)، وفاة ابن جريج، وأبي حنيفة الإمام.
стр. 58
فالأول عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أبو الوليد، وقيل: أبو خالد الأموي مولاهم المكي ...
والثاني النعمان بن ثابت بن زُوطَى التيمي مولاهم الكوفي، وقيل: هو من أبناء فارس، قال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة فيما رُوِيَ عنه: «أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَمَّادٍ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ ثَابِتٍ بْنِ المَرْزِبَانِ، مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ الأَحْرَارِ، واللهِ مَا وَقَعَ عَلَيْنَا رِِقٌّ قَطُّ». انتهى.
رأى الإمامُ أنسَ بن مالك غير مرة، لما قدم عليهم الكوفة، فيما رواه سيف بن جابر سماعًا من أبي حنيفة، وَحَدَّثَ عن عطاء، ونافع، وعمرو بن دينار، والأعرج، وقتادة، وخلق من الأخيار.
وكان أحد أئمة الأمصار، فقيه العراق، متعبدًا، كبير الشأن، وكان يتجر، ولا يقبل جوائز السلطان.
وهو أحد من كان يختم في ركعة القرآنَ، ومكث أربعين سنة يصلي الصبح بوضوء العتمة، وفضائله كثيرة معروفة. قال الشافعي: «النَاسُ فِي الفِقْهِ عِيَالٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ». انتهى.
وذكره أيضًا الإمام المحدث جمال الدين يوسف بن حسن بن أحمد بن عبد الهادي الصالحي الحنبلي الشهير بابن المِبْرَدِ (بكسر الميم وسكون الموحدة، وفتح الراء الخفيفة) في كتابه " طبقات الحفاظ " وقد نقل عنه الشيخ العلامة المحدث عبد اللطيف بن المخدوم العلامة محمد هاشم السندي، في كتابه " ذَبُّ ذُبَابَاتِ الدراسات، عن المذاهب الأربعة
стр. 59
المتناسبات " (١).
ثم ذكره بعدهم خاتمة الحفاظ الإمام جلال الدين السيوطي في كتابه " طبقات الحفاظ " وقد ذكرتُ ما قاله السيوطي في ترجمة الإمام أبي حنيفة في " التعليقات على ذب ذبابات الدراسات عن المذاهب الأربعة المتناسبات " فليراجع، وقد طبع كتاب " طبقات الحفاظ " للسيوطي في أوروبا وبيروت. وقال في مبدأ كتابه:
«أما بعد، فَهَذَا كتاب " طَبَقَات الحفاظ " وَمُعَدِّلِي حَمَلَةِ العِلْمِ النَّبَوِيِّ وَمن يرجع إِلَى اجتهادهم فِي التوثيق وَالتَّجْرِيح، والتضعيف والتصحيح. لخصتها من " طَبَقَات " إِمَام الحفاظ أبي عبد الله الذَّهَبِيِّ، وذيلت عَلَيْهِ من جَاءَ بعده».
ثم ذكره مِنْ بَعْدِهِ الشيخ العلامة المحدث محمد بن رستم بن قُبَادٍ الحارثي البَدَخْشِيِّ، أحد البارعين في علم الحديث والرجال، في كتابه " تراجم الحفاظ "، وهو مجلد ضخم في تراجم الحفاظ، استخرجها من كتاب " الأنساب " للإمام الحافظ السمعاني، مع اختصار في بعض التراجم وزيادة مفيدة في أكثرها، فرغ من تصنيفه يوم الخميس لتسع خَلَوْنَ من ربيع الأول سنة ست وأربعين ومائة وألف بمدينة دِهْلِي عاصمة الهند، فقال ما نصه:
«النعمان بن ثابت الكوفي أبو حنيفة الإمام الأعظم، أحد الأئمة
стр. 60
الأربعة المتبوعين، ذكره في نسبة «الخَزَّازِ» وقال: بفتح الخاء المعجمة وتشديد [الزاي] الأولى، اشتهر بهذه الصنعة والحرفة جماعة من أهل العِرَاقَيْنِ، من أئمة الدين وعلماء المسلمين: فأما من أهل الكوفة، فأبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، مع تبحره في العلم وَغَوْصِهِ عَلَى دقائق المعاني وَخَفِيِّهَا، كان يبيع الخَزَّ ويأكل منه طلبًا للحلال، وقيل: كان ذلك في ابتداء أمره، وَشُهْرَتُهُ تُغْنِي عن الإطناب في ذكره. ولد سَنَةَ سبعين، وتوفي سَنَةَ خمسين ومائة، انتهى كلامه في الخزاز.
ثم أعاد ذكره في «الرَّائِي»، وقد مَرَّ تحقيقه في ترجمة ربيعة بن أبي عبد الرحمن (١) فقال: «وأبو حنيفة النعمان بن ثابت بن النعمان بن المَرْزُبَانِ التَّيْمِيِّ الكوفي، صاحب الرأي، وإمام أصحاب الرأي، وفقيه أهل العراق. رأى انس بن مالك ﵁.
وسمع عطاء بن أبي رباح، وأبا إسحاق السبيعي، ومحارب بن دثار، وحماد بن أبي سليمان، والهيثم بن حبيب، وقيس بن مسلم، ومحمد بن المنكدر، ونافعًا مولى ابن عمر ﵄، وهشام بن عروة، وسماك بن حرب».
روى عنه هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، وَعَبَّادُ بْنُ العَوَّامِ، وعبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، ويزيد بن هارون، وأبو يوسف القاضي، ومحمد بن
стр. 61
الحسن الشيباني، وعمرو بن محمد العَنْقَزِيِّ، وَهَوْذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ، وأبو عبد الرحمن المُقْرِئ، وعبد الرزاق بن همام، وغيرهم.
وهو كُوفِيٌّ تَيْمِيٌّ من رهط حمزة بن حبيب الزيات، وُلِدَ بالكوفة، ونقله أبو جعفر المنصور إلى بغداد، فسكنها إلى حين وفاته. قيل: إن أباه ثابت بن النعمان المَرْزُبَانُ من أبناء فارس الأحرار، ذهب إلى علي بن أبي طالب ﵁ وهو صغير، فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته. وقيل: إن جده النعمان بن المرزبان هو الذي أهدى لعلي بن أبي طالب ﵁ الفَالُوذَجْ في يَوْمِ النَّيْرُوزِ، فقال: «نَوْرِزُونَا كُلَّ يَوْمِ»، وفي رواية: كان في يوم المِهرجان، فقال: «مَهْرِجُونَا كُلَّ يَوْمِ».
وَكَلَّمَهُ ابُنُ هُبَيْرَةُ عَلَى أَنْ يَلِيَ القَضَاءَ، فَأَبَى، فَضَرِبَهُ مِائَةَ سَوْطٍ وَعَشَرَةَ أَسْوَاطٍ، كُلَّ يَوْمٍ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ، فَصَبَرَ وَامْتَنَعَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ خَلَّى سَبِيلَهُ.
واشتغل بطلب العلم وبالغ فيه حتى حصل له ما لم يحصل لغيره. ودخل يومًا على المنصور فكان عنده عيسى بن موسى، فقال للمنصور: «هَذَا عَالِمُ الدُّنْيَا اليَوْمَ».
ورأى أبو حنيفة في المنام أنه يَنْبِشُ قَبْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فقيل لمحمد بن سيرين، فقال: «صَاحِبُ هَذِهِ الرُّؤْيَا رَجُلٌ يُثَوِّرُ عِلْمًا - أي يستخرج علمًا - لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ قَبْلَهُ».
وكان مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ يقول: «ما أحسد أحدًا بالكوفة إلا رجلين:
стр. 62
أبو حنيفة في فقهه، والحسن بن صالح في زهده»، وقال مسعر أيضًا: «من جعل أبا حنيفة بينه وبين الله رَجَوْتُ أن لا يخاف، ولا يكون فَرَّطَ في الاحتياط لنفسه».
وقال الفضيل بن عياض: «كَانَ أََبُو حَنِيفَةَ رَجُلاً فَقِيهًا مَعْرُوفًا بِالفِقْهِ، مَشْهُورًا بِالوَرَعِ، وَاسِعَ المَالِ، مَعْرُوفًا بِالإِفْضَالِ عَلَى كُلِّ مَنْ يَطِيفُ بِهِ، صَبُورًا عَلَى تَعْلِيمِ العِلْمِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، حَسَنُ [اللَّيْلِ] (*)، كَثِيرُ الصَّمْتِ، قَلِيلُ الكَلاَمِ، حَتَّى تَرِدَ مَسْأَلَةٌ فِي حَلاَلٍ أَوْ حَرَامٍ، وَكَانَ يُحْسِنُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى الحَقِّ هَارِبًا مِنْ مَالِ السُّلْطَانِ» وَ «إِذَا وَرَدَتْ عَلَيْهِ مَسْأَلَةٌ فِيهَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ اتَّبَعَهُ، وَإِنْ كَانَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَإِلاَّ قَاسَ فَأَحْسَنَ القِيَاسَ» (**).
وكانت ولادته سنة ثمانين، ومات في رجب سنة خمسين ومائة، ودُفِنَ بمقبرة الخَيْزُرَان بباب الطاق، وَصُلِّيَ عليه سِتُّ مَرَّاتٍ من كثرة الزحام، آخرهم صَلَّى عليه ابنه حماد، وغسله الحسن بن عمارة ورجل آخر، قلتُ: وزرتُ قبره غير مرة. انتهى.
قلتُ: ذكره الذهبي وابن ناصر الدين في طبقات الحفاظ. انتهى ما ذكره البَدَخْشِيُّ.
ورأيت من هذا الكتاب نسخة خطية في خزانة الكتب بدار العلوم لندوة العلماء لكنو بالهند.
وقد عقد الشيخ العلامة الثقة المُطَّلِعُ، والحافظ المُتَّبِعُ، الشيخ الإمام، شمس الدين محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي الشافعي، مؤلف " السيرة الشامية " في كتابه " عقود الجمان في مناقب الإمام
стр. 63
الأعظم أبي حنيفة النعمان " (١)، «الباب الثالث والعشرين» في «بيان كثرة حديثه، وكونه من أعيان الحفاظ من المحدثين» قال فيه - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: «اعلم رحمك الله تعالى أن الإمام أبا حنيفة - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -، من كبار حفاظ الحديث، وذكره الذهبي في كتابه " الممتع " و" طبقات الحفاظ المحدثين " منهم، ولقد أصاب وأجاد، لولا كثرة اعتنائه بالحديث ما تهيأ له استنباط مسائل الفقه، فإنه أول من استنبطه من الأدلة». انتهى.
وقال العلامة المحدث إسماعيل العجلوني بن محمد جَرَّاح الشافعي في رسالته المسماة " عِقْدُ الجوهر الثمين في أربعين حديثًا من أحاديث سيد المرسلين " وهي ثَبَتُهُ المَعْرُوفُ بـ " الرسالة العجلونية " (٢): «وَزِدْتُ عَلَى مَا فِيهَا " مُسْنَدَ " الإمام أبي حنيفة النعمان، تَنْوِيهًا بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ».
ثم علق على قوله: «الإمام أبي حنيفة النعمان»، بالحاشية ما نصه (٣): «هو إمام الأئمة، هادي الأمة، أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، ولد سنة ثمانين، وتوفاه الله تعالى سنة مائة وخمسين من الهجرة
стр. 64
أَحَدُ مَنْ عُدَّ من التابعين، إمام المجتهدين بلا نزاع، أول من فتح باب الاجتهاد بالإجماع، لا يَشُكُّ من وقف على فقهه، وفروعه، في سَعَةِ علومه، وجلالة قدره، وأنه كان أعلم الناس بالكتاب والسنة، لأن الشريعة إنما تؤخذ من الكتاب والسنة، ومن كان قليل البضاعة من الحديث فيتعين عليه طلبه وتحمله، والجد والتشمير في ذلك، ليأخذ الدين من أصول صحيحة، ويتلقى الأحكام عن صاحبها المبلغ لها.
وقد أجمع الناقلون عنه من أهل الأصول وأهل الحديث أنه يُقَدِّمُ الحديث الصحيح على القياس المُعْتَبَرِ، نعم لم يكن هو ﵁، من المُكْثِرِينَ كسائر الأئمة، وليس من شروط الإمامة والاجتهاد الإكثار في الرواية، لأن الاجتهاد إنما يتوقف على حفظ السُّنَنِ، وتحملها، لا على أدائها وتبليغها.
فَالصِدِّيقُ ﵁ إمام الصحابة، وأفقههم، وأحفظهم، لا يشك فيه مسلم: لم يكثر، وإنما رَوَى أحاديث معدودة، وإمام المحدثين بالإجماع إمام الأئمة وإمام دار الهجرة مالك ﵁، لم يصح عنده إلا ما في كتاب " الموطأ " (١)، فهل يقول قائل فيه شيئًا.
ونحن لا ننكر أن في السنن سُنَنًا لم تبلغ الإمام أبا حنيفة، أَوْ بَلَغَتْهُ وَلَمْ تَثْبُتْ عنده صحتها، لكن هذا أمر لا يمس شأن المجتهد، وقد كان عُمَرُ ﵁ يرى رَأْيًا ثم تبلغه السُنَّةُ فيرجع، مع أنه ثبت عند أهل العلم بالأثر أن عمر أفقه الصحابة - بعد أبي بكر -.
стр. 65
ثم الطاعنون فيه كانوا يقرون بإمامته، وتقدمه من حيث لا يدرون، كانوا يرمونه بالرأي، وليس الرأي في سلفنا إلا قوة الاطلاع على معاني النصوص الشرعية، وعلى الحِكَمِ المعتبرة من عند الشارع في شرعه الأحكام، ولن يَتِمَّ اجتهادٌ، بل ولا عِلْمٌ إلا بالحفظ، وَفِقْهِ معاني المحفوظ.
فهو ﵁، حافظ، حُجَّةٌ، فَقِيهٌ، لم يكثر من الرواية، لِمَا شَدَّدَ في شروط الرواية، والتحمل، وشروط القبول». انتهى.
فثبت أن الإمام أبا حنيفة ﵁ أحد أئمة الأمصار الذين هُمْ من أهل هذا الشأن، ومن أعيان حفاظ الحديث، الذين لا يسع من يشتغل بعلم الحديث الجهل بهم، ومن كبار مُعَدِّلِي حَمَلَةِ العلم النبوي، وممن يَرْجِعُ إلى اجتهادهم في التوثيق والتجريح، والتضعيف والتصحيح، ومن أعلم الناس بالكتاب والسنة.
أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ أَئِمَّةِ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ:
قال الحافظ العلامة أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم المعروف بابن تيمية - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في " تلخيص كتاب الاستغاثة " المعروف بـ " الرد على البكري " (١): «وكلام يحيى بن معين، والبخاري، ومسلم، وأبي حاتم، وأبي زُرْعَة، والنسائي، وأبي أحمد بن عَدِيٍّ، والدارقطني، وأمثالهم، في الرجال، وصحيح الحديث، وضعيفه، هو
стр. 66
مثل كلام مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأمثالهم في الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، وفي الأئمة من هو إمام مع هؤلاء وهؤلاء، مشارك للطائفتين، وإن كان بأحد الصنفين أجدر.
وأكثر أئمة الحديث والفقه كمالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد، وكذلك الأوزاعي، والثوري، والليث، هؤلاء، وكذلك لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة، ولأبي حنيفة، أيضًا مَا لَهُ من ذلك، ولكن لبعضهم في الإمامة في الصنفين ما ليس للآخر، وفي بعضهم من صنف المعرفة بأحد الصنفين ما ليس في الآخر، فرضي الله عن جميع أهل العلم والإيمان». انتهى.
وقال إمام الحفاظ، الجِهْبِذُ النَّاقِدُ، شمس الدين الذهبي في كتابه " ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل " (١): «فأول من زكى وجرح عند انقراض عصر الصحابة
١ - الشعبي.
٢ - وابن سيرين ونحوهما، حُفِظَ عنهم توثيق أناس وتضعيف آخرين.
وسبب قلة الضعفاء في ذلك الزمان: قِلَّةُ [مُتَّبِعِيهِمْ] من الضعفاء، إذ أكثر المتبوعين صحابة عدول، وغير الصحابة من المتبوعين أكثرهم
стр. 67
[عامتهم ثقات صادقون] يَعُونَ مَا يَرْوُونَ وهم كبار التابعين، يوجد فيهم الواحد بعد الواحد فيه مقال كالحارث الاعور وعاصم بن ضمرة ونحوهما.
نعم فيهم عِدَّةٌ من رؤوس أهل البدع، من الخوارج والشيعة، والقدرية، نسأل الله العافية، كعبد الرحمن بن مُلْجِمٍ، والمختار بن أبي عبيد الكذاب، ومعبد الجهني، ثم كان في المائة الثانية في أوائلها جماعة من الضعفاء من أوساط التابعين وصغارهم، ممن تُكُلِّمَ فِيهِمْ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِمْ، أو لبدعة فيهم، كعطية العوفي، وفرقد السبخي، وجابر الجعفي، وأبي هارون العبدري.
فلما كان عند انقراض عامة التابعين في حدود الخمسين ومائة تكلم طائفة من الحهابذة في التوثيق والتضعيف.
٣ - فقال أبو حنيفة: «مَا رَأَيْتُ أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ».
٤ - وَضَعَّفََ الأعمش جماعة، وَوَثَّقَ آخرين.
٥ - وانتقد الرجالَ شُعْبَةُ.
٦ - وَمَالِكٌ».
قال الحافظ أبو الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي صاحب الحافظ ابن حجر العسقلاني (١):
«وَتَكَلَّمَ فِي الرِّجَالِ - كَمَا قَالَهُ الذَّهَبِيُّ - جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ