← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 96605

نظرة تاريخية في حدوث المذاهب الفقهية الأربعة

أحمد تيمور باشا

Полный текст (93 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

نظرة تاريخية في حدوث المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفي - المالكي - الشافعي - الحنبلي وانتشارها عند جمهور المسلمين تأليف العلامة أحمد تيمور باشا - عدد الأجزاء: ١. - عدد الصفحات: ٩٦. أعده للمكتبة الشاملة / توفيق بن محمد القريشي، - غفر الله له ولوالديه -. [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي].

стр. 2

نظرة تاريخية في حدوث المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفي - المالكي - الشافعي - الحنبلي وانتشارها عند جمهور المسلمين تأليف العلامة أحمد تيمور باشا تقديم الشيخ محمد أبو زهرة دار القادري

стр. 3

نظرة تاريخية في حدوث المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفي - المالكي - الشافعي - الحنبلي وانتشارها عند جمهور المسلمين

стр. 4

الطبعة الأولى: ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م دارالقادري للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان.

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مُقَدِّمَةُ النَّاشِرِ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: فإن دراسة تاريخ التشريع الإسلامي أصبحت عِلْمًا مستقلاً في العصر الحديث، وأول من كتب في هذا المجال الشيخ محمد الخضري - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -، وذلك في كتابه الرائد " تاريخ التشريع الإسلامي " وتبعه الشيخ السبكي والشيخ السايس والشيخ البربري في كتابهم القيم الذي يحمل العنوان نفسه، إلى أن جاء العلامة الجليل الشيخ محمد أبو زهرة فكتب " تاريخ المذاهب الإسلامية " العقدية والفقهية، ثم أفرد لكل إمام من أئمة المذاهب تصنيفًا مستقلاً تكلم فيه عن حياته وفقهه وآرائه التي انفرد بها، فسد بعمله الجليل ثغرة في مكتبتنا

стр. 6

الإسلامية كان يستغلها المستشرقون وأذنابهم للنيل من الشريعة الإسلامية الغراء. وتأتي أهمية دراسة تاريخ التشريع من النواحي التالية: الأولى: أنها توضح كيفية نشأة هذه المذاهب، وكيف ازدهرت وما هي الآفات الدخيلة عليها. فنحن نعلم أن الأئمة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - عاشوا في قرن واحد تقريبًا في بيئات متقاربة، فالإمام أبو حنيفة قد التقى بالإمام مالك في مدينة رسول الله ﷺ وافترقا عن صداقة حميمة وإعجاب كل منهما بصاحبه في علمه وورعه ودينه (١). كما أن الإمام الشافعي تتلمذ على يدي الإمام مالك من جهة وعلى يدي الإمام محمد بن الحسن الشيباني صاحب الإمام أبي حنيفة، وكان يُكِنُّ لهما الإعجاب الكثير والاحترام الكبير، أما الإمام أحمد بن حنبل فقد تتلمذ أولاً على الإمام القاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم كبير أصحاب الإمام أبي حنيفة ثم على يدي الإمام الشافعي وذلك قبل أن يستقل بمذهب خاص به. فهؤلاء هم الأئمة كانوا على قلبٍ واحدٍ وعلمًا وغاية، وإن اختلفت الطرق التي أوصلتهم إلى مقصدهم الواحد ولم يكن اختلافهم عن تشهي وإظهار للذات بل كان ضرورة أملاها عليهم الدين والورع ونشدان الحق، ومع ذلك فقد اتفقت أصولهم التي عليها أسسوا فقههم وإن اختلفوا في الفروع.

стр. 7

والأئمة وإن تشابهوا في السجايا من دين وورع وتقوى وذكاء واستعداد عظيم للحفظ والفهم والاستنباط فإنهم تميزوا بأن احتفظ كل واحد منهم بخصيصة تَفَوُّقٍ بها على الآخرين، فالإمام أبي حنيفة أعلى الأئمة جميعًا مقدرة على استنباط علل الأحكام والقياس عليها، واستخراج القواعد الناظمة للفروع. والإمام مالك أعلم الأئمة جميعًا بالسنن العلمية والعُرْفِ الذي كان في عصر التشريع، ومن هنا كان عمل أهل المدينة بمثابة الحديث المتواتر المنقول نَقْلاً عَمَلِيًّا، وكذلك الإمام الشافعي كان أكثر الأئمة قدرة على استنباط الأحكام من النصوص، كيف لا وهو الذي احتج اللغويون بكلامه، وقال فيه الجاحظ: «نظرت في كلام هؤلاء النبغة فلم أر أحسن تأليفًا من المُطَّلَبِيِّ كأن لسانه ينثر الدر». أما الإمام أحمد فهو أكثر الأئمة حفظًا للنصوص سواء كانت أحاديث نبوية أو آثارًا عن الصحابة أو فتاوى للصحابة أو التابعين، ومن هنا جاءت المذاهب الفقهية الأربعة مكملة لبعضها البعض فما أشبهها بمائدة عليها أطايب الطعام من صنوف شتى يتخير الآكل ما لذ وطاب. أما آفتها الدخيلة عليها فهو التعصب المذهبي الذي يزعم أن الحق محصور في مذهب من هذه المذاهب ليوجب على المسلمين المتذهب به؛ كالذي فعله صاحب كتاب " مغيث الخلق في بيان المذهب الحق " في حصر الحق في المذهب الشافعي، وكالذي فعله صاحب " النكت الظريفة في ترجيح مذهب أبي حنيفة " فهو أمر لا يتفق مع الدين أولاً ولا مع المذاهب ثانيًا، فلو عرضت هذه العصبيات على الأئمة

стр. 8

أنفسهم لحاربوها أشد المحاربة وَعَزَّرُوا أصحابهاعلى رؤوس الأشهاد. إن في سيرة الأئمة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد قدورة لكل مسلم غيور على الحق ناصح لدينه ليتعلم منهم آداب العلم والتلقي والحوار والاتفاق على الحق والاختلاف في طلبه، وما أجد المسلمين اليوم أن لا يقتصروا في تعلم أحكام دينهم على مذهب واحد بل يجعلوا المذاهب الأربعة مذهبًا واحدًا وأقوال الأئمة أقوالاً في المذهب، المذهب الإسلامي الجامع ويتخيروا منها ما قويت حجته ووضحت دلالته. الثانية: أن التشريع الإسلامي كان يتطور استجابة للأوضاع الاجتماعية والسياسية والفكرية والاقتصادية المتطورة عبر العصور فهو الصورة المدونة عنها ودراسته مفيدة جِدًّا لمعرفة تلك الأوضاع عبر القرون وعبر الأفكار الإسلامية كلها. وفي هذا دلالة على صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان. الثالثة: أن دراسة تاريخ التشريع هو جزء من دراسة تاريخنا العام الذي هو جزء من شخصية الأمة بل مَعْلَمٌ من أهم معالمها الأصيلة. الرابعة والأخيرة: أن هذا الجانب من الدراسات كان مَرْتَعًا للمستشرقين لنفثوا سمومهم ويكيدوا للأمة ويطعنوا في دينها فدراسته من قبل المسلمين أنفسهم يقطع الطريق على أدعياء العلم وأعدائه من المستشرقين وأذنابهم ويكشف زيفهم وذيفانهم، وإضاءة هذه النقاط المجهولة من تاريخنا الفكري كافية لحمل خفافيش الاستشراق على الفرار

стр. 9

من الساحة وإبطال سحرهم ومكرهم فهم لا يتواجدون إلا في الأماكن المظلمة، أما تحت الأنوار الساطعة فليس لهم جرأة على الظهور (١). لكل ما سلف يأتي كتاب " نظرة عامة في نشأة المذاهب الفقهية الأربعة " لأحمد تيمور باشا في مقدمة الدراسات التي ينبغي على المسلمين أن يتعرفوا عليها لما لهذه الدراسة من خصائص كثيرة شرحها وَبَيَّنَهَا الشيخ محمد أبو زهرة في مقدمته للكتاب: ص ١٩ - ٤٦. سبق أن نشر الكتاب لأول مرة في مجلة " الزهراء " التي كان يصدرها العلامة محب الدين الخطيب بالقاهرة ثم نشرها مرة ثانية في رسالة مستقلة سنة ١٣٤٤ هـ - ١٩٢٦ م، وطبعت في المطبعة السلفية بالقاهرة، وكذلك الطبعة الثالثة سنة ١٣٥١ هـ - ١٩٣٣ م، أما الطبعة الرابعة فقد أشرفت عليها لجنة نشر المؤلفات التيمورية وطبعتها في مطابع سجل العرب بالقاهرة سنة ١٣٨٩ هـ - ١٩٦٩ م. ولما لهذا الكتاب من أهمية ونظرًا لنفاده من الأسواق حرصنا على إعادة طبعه فحافظنا على مقدمة الشيخ محمد أبو زهرة - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - لأنها أغنت الكتاب بما فيها من عِلْمٍ، وصححنا الأغلاط المطبعية وغيرها، ونبهنا على ذلك في مواضعه. ثم إن الشيخ محمد أبو زهرة ذكر في مقدمته سبعة أحاديث أذكر هنا تخريجها باختصار

стр. 10

١ - ص (٢٠) «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» قال الألباني في " الأحاديث الضعيفة والموضوعة ": رقم (٥٨) و (٥٩) و (٦٠) و (٦١): حديث موضوع. ٢ - ص (٢٠) «نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي، فَوَعَاهَا [ثُمَّ بَلَّغَهَا عَنِّي] (*)، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ». أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه من حديث أنس. قال الألباني في " صحيح الجامع " رقم (٦٦٤١): صحيح. ٣ - ص (٢١): «لِلْمُجْتَهِدِ إِذَا أَصَابَ أَجْرَانِ وَإِذَا أَخْطَأَ أَجْرٌ وَاحِدٌ» (**). أخرجه البخاري في الاعتصام - باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، رقم ٧٣٥٢، ومسلم في الأقضية - باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، رقم (١٧١٦). وغيرهما من حديث عمرو بن العاص ﵁ ولفظه: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ [ثُمَّ أَصَابَ] فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ [ثُمَّ] أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ». ٤ - ص (٢١) حديث معاذ، أخرجه أبو داود في الأقضية - باب اجتهاد الرأي في القضاء رقم (٣٥٩٢) و (٣٥٩٣). والترمذي في الأحكام - باب ما جاء في القاضي كيف يقضي رقم (١٣٢٧) و (١٣٢٨) وقال: حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل. وقال الألباني في " الضعيفة " رقم (٨٨١): منكر، وَأُعِلَّ هَذَا الحَدِيثُ بعلل ثلاث: الإرسال، وجهالة أصحاب معاذ، وجهالة الحارث بن عمرو. اهـ مختصرًا.

стр. 11

٥ - ص (٢٢): «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». حديث صحيح متواتر رواه عن النبي ﷺ ثمانية وتسعون صحابيًا وقد أشار إلى تخريجه في دواوين السنة السيوطي في " الجامع الصغير ". وأشير هنا إلى أن الحديث أخرجه البخاري في العلم - باب إثم من كذب على النبي ﷺ ، رقم (١٠٧) من حديث الزبير بن العوام ﵁ ولكن ليس فيه لفظ «مُتَعَمِّدًا». وأخرجه باللفظ المذكور مسلم في المقدمة - باب تغليظ الكذب على رسول الله ﷺ رقم (٤) من حديث أبي هريرة ﵁. انظر كلام الحافظ في " الفتح ": ١/ ٢٠٠ ط. السلفية. ٦ - ص (٢٦) «إِنَّ المَلاَئِكَةَ تَحُفُّ بِأَهْلِ العِلْمِ». معنى حديث أخرجه ابن حبان من حديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ مَعًا ولفظه: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ حَفَّتْهُمُ المَلاَئِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَتَنَزَّلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ». قال الألباني في " صحيح الجامع " رقم (٥٤٨٤): صحيح. ٧ - ص (٤٠): «مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأَمْرِ المُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ». قال السخاوي في " المقاصد " رقم (١١٨٢): رواه البيهقي في " الشعب " من حديث وهب بن راشد حدثنا فرقد السبخي عن أنس رفعه: «مَنْ أَصْبَحَ لاَ يَهْتَمُّ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ»، وهو عند الطبراني وأبي نعيم في " الحلية ". قلتُ: قال في " الميزان " وهب بن راشد قال ابن عدي: ليس حديثه بالمستقيم، أحاديثه كلها فيها نظر، وقال النسائي: متروك. اهـ.

стр. 12

وقد تطرق الأستاذ أحمد تيمور باشا لعقائد الحنفية وذكر في ص ٦٠ كلام السبكي أن الحنفية أكثرهم أشاعرة لا يخرج منهم إلا من لحق بالمعتزلة. قلتُ: في هذا الكلام نظر بل أغلبهم مَاتُرِيدِيَّةٌ ومنهم أثريون سلفيون كالطحاوي وابن أبي العز الحنفي شارح " الطحاوية " وَمُلاَّ علي القاري. ثم قال: وكأنه يريد أن خلافهم في هذه المسائل لا يخرجهم عن كونهم أشعرية وإن تسموا بالماتريدية لتصريحه بعد ذلك بأنها كالمسائل التي اختلف فيها الأشاعرة فيما بينهم ولأن المسائل الثلاث عشرة لم تثبت جميعها عن الشيخ ولا عن الإمام أبي حنيفة. قلتُ: بل الخلاف وقع بينهم في أربعين مسألة استوفاها شرحًا واستدلالاً الشيخ زاده - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في كتابه " نظم الفرائد وجمع الفوائد في بيان المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الماتريدية والأشعرية في العقائد مع ذكر أدلة الفريقين " (*) وهو كتاب مطبوع في مصر بالمطبعة الأدبية سنة ١٣١٧ هـ. كما تطرق لعقائد المالكية ص (٦٩) وأزيد فأقول إن الإمام الباقلاني وهو من مؤسسي المذهب الأشعري كان مالكيًا. ثم قال عن عقائد الحنابلة ص (٨٤): إن أكثر فضلاء متقدميهم أشاعرة لم يخرج منهم عن عقيدة الأشعري إلا من لحق بأهل التجسيم. اهـ.

стр. 13

قلتُ: في هذا الكلام نظر بل أكثر الحنابلة أثريون سلفيون ابتعدوا عن علم الكلام ومقالاته ولم يخوضوا فيها خاض فيه الأشاعرة أو الماتريدية وبقوا في بر الأمان مع النصوص وآثار السلف فهم سلفيون أثريون ومن نظر في كتبهم (١) عرف ذلك عنهم. وختامًا أقول: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. عبد البديع القادري دمشق: ٤/ ٦ / ١٤١٠ هـ. ١/ ١ / ١٩٩٠ م.

стр. 14

أحمد تيمور باشا (١٢٨٨ - ١٣٤٨ هـ = ١٨٧١ - ١٩٣٠ م) أحمد بن إسماعيل بن محمد تيمور، عالم بالأدب، باحث، مؤرخ مصري من أعضاء المجمع العلمي العربي، مولده ووفاته بالقاهرة من بيت فضل ووجاهة. كردي الأصل، مات أبوه وعمره ثلاثة أشهر، فربته أخته «عائشة» وسمي حين ولد «أحمد توفيق» ودعي في طفولته بتوفيق، ثم اقتصروا على أحمد تيمور، تلقى مبادئ العلوم في مدرسة فرنسية، وأخذ الأدب عن علماء عصره، وجمع مكتبة قيمة، وكان رَضِيَّ النفس كريمها، متواضعًا في انقباض عن الناس، توفيت زوجته وهو في التاسعة والعشرين من عمره، فلم يتزوج بعدها مخافة أن تسيء الثانية إلى أولاده وانقطع إلى خزانة كتبه ينقب فيها ويعلق ويفهرس إلى أن أصيب بفقد ابن له اسمه «محمد» سنة ١٣٤٠ هـ فجزع ولازمته نوبات قلبية انتهت بوفاته، من كتبه: ١ - " التصوير عند العرب ". ٢ - " نظرة تاريخية في حدوث المذاهب الفقهية ".

стр. 15

٣ - " تصحيح لسان العرب ". ٤ - " اليزيدية ومنشأ نحلتهم ". ٥ - " تاريخ العلم العثماني ". ٦ - " ضبط الأعلام ". ٧ - " البرقيات للرسالة والمقالة ". ٨ - " لعب العرب ". ٩ - " قبر السيوطي ". ١٠ - " أبو العلاء المعري وعقيدته ". ١١ - " الألقاب والرتب ". ١٢ - " معجم الفوائد " (وهو الأم لمؤلفاته) (مخطوط). ١٣ - " الآثار النبوية ". ١٤ - " أعيان القرن الرابع عشر ". ١٥ - " الأمثال العامية المصرية ". ١٦ - " الكنايات العامية المصرية ". ١٧ - " تراجم المهندسين العرب ". ١٨ - " نقد القسم التاريخي من دائرة معارف فريد وجدي ". ١٩ - " التذكرة التيمورية ". ٢٠ - " السماع والقياس ". ٢١ - " أبيات المعاني والعادت ". (مخطوط). ٢٢ - " المنتخبات من الشعر العربي ". ٢٣ - " تاريخ الأسرة العربية التيمورية ".

стр. 16

٢٤ - " أسرار العربية ". ٢٥ - أوهام شعراء العرب في المعاني ". ٢٦ - " ذيل طبقات الأطباء ". (مخطوط). ٢٧ - " مفتاح الخزانة ". (مخطوط). ٢٨ - " فهرس لخزانة الأدب للبغدادي ". ٢٩ - " ذيل تاريخ الجبرتي ". (مخطوط). ٣٠ - " الألفاظ العامية المصرية ". (مخطوط). ٣١ - " قاموس الكلمات العامة "، ٦ أجزاء. (مخطوط). نقلت مكتبته إلى دار الكتب المصرية وهي نحو ١٨ ألف مجلد، أحد الأعلام ١/ ١٠٠.

стр. 17

محمد أبو زهرة: ١٣١٦ - ١٣٩٤ هـ - ١٨٩٨ - ١٩٧٤ م محمد بن أحمد أبو زهرة: أكبر علماء الشريعة الإسلامية في عصره. مولده بمدينة المحلة الكبرى، وتربى بالجامع الأحمدي وتعلم بمدرسة القضاء الشرعي (١٩١٦ - ١٩٢٥) وتولى تدريس العلوم الشرعية والعربية ثلاث سنوات، وعلم في المدارس الثانوية سنتين ونصفًا، وبدأ اتجاهه إلى البحث العلمي في كلية أصول الدين (١٩٣٣) وَعُيِّنَ أستاذًا محاضرًا للدراسات العليا في الجامعة (١٩٣٥) وعضوًا للمجلس الأعلى للبحوث العلمية، وكان وكيلاً لكلية الحقوق بجامعة القاهرة، ووكيلاً لمعهد الدراسات الإسلامية وأصدر من تأليفه أكثر من أربعين كتابًا منها المطبوعة الآتية: ١ - " الخطابة ". ٢ - " تاريخ الجدل في الإسلام ". ٣ - " أصول الفقه ". ٤ - " الملكية ونظرية العقد في الشريعة الإسلامية ".

стр. 18

٥ - " مذكرات في الوقف ". ٦ - " أبو حنيفة ". ٧ - " مالك ". ٨ - " الشافعي ". ٩ - " أحمد بن حنبل ". ١٠ - " الإمام زيد ". ١١ - " الإمام جعفر الصادق ". ١٢ - " ابن حزم ". ١٣ - " ابن تيمية ". ١٤ - " الأحوال الشخصية ". ١٥ - " الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي ". ١٦ - " الوحدة الإسلامية ". ١٧ - " تنظيم الإسلام للمجتمع ". ١٨ - " محاضرات في النصرانية ". ١٩ - " خاتم النبيين " (٣ أجزاء). ٢٠ - " المعجزة الكبرى " (القرآن).

стр. 19

دِرَاسَةٌ تَحْلِيلِيَّةٌ فِي تَارِيخِ الفِقْهِ الإِسْلاَمِيِّ: بقلم الشيخ محمد أبو زهرة . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على نبيه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد فقد بعث الله تعالى سيدنا محمدًا النبي الأمين. فبلغ رسالة ربه، ووضح شريعته، حتى ترك الناس من بعده على المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، لا يضل فيها الساري. ولا يختفي (١) الحق لطالبه من غير مصباح سَوِيٍّ، كتاب الله تعالى وسنة رسوله، إلا أن يؤتى فهمًا سليمًا، وقلبًا مشرقًا بنور الإخلاص، فإنه بهذا الاتجاه القويم يسير في الطريق إلى فهم مصادر الشرع وموارده لا عوج فيه

стр. 20

وَلاَ أَمْتَ، يتعرف فيه الغايات الباعثة، والنتائج المترتبة، ويربط بين الحقائق الإسلامية في سلك علمي منتظم كالخرز في عقده، لا تنبو واحدة عن أختها. ٢ - وما انتقل النبي - صَلََّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى الرفيق الأعلى حتى أنار الوجود الإنساني بالحقائق الإسلامية عقيدة وخلقًا وشريعة، ونقلها إلينا أصحابه الذين كانوا من بعده كالنجوم كاملاً. ولقد صدق رسول الله - صَلََّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذ قال: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ فَبِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ». فكانوا حَمَلَةَ علم الرسول - صَلََّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نقلوه إلى الأخلاف، واستجابوا للرسول، وهو يدعوهم إلى نقل كلامه إذ كما قال: «نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي، فَوَعَاهَا كَمَا سَمِعَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لاَ فِقْهَ لَهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» أو كما قال - صَلََّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وإن أولئك العِلْيَةِ من أصحاب رسول الله ﵊ هم الذين شاهدوا وعاينوا، ورأوا منازل الوحي، وعلموا مُدْرَكَاتِ النبوة علم المحس السامع المعاين، واستطاعوا بأمانة الله أن ينقلوه إلى الأخلاف مجملاً بغبار (١) الرسول ﵊ مشرقًا بنور

стр. 21

النبوة وروعته!! حتى إنه لم ينته عهد الصحابة حتى نقلوا كلام الرسول - صَلََّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كاملاً غير منقوص، وإذا كان قد غاب عن بعضهم أحاديث فإنه لا يغيب عن جميعهم، وكما يقول الإمام الشافعي: إن كل الصحابة قد رَوَوْا كل أخبار الرسول، وأحاديثه، وفتاويه. فإذا كان عصر النبي ﵊ هو عصر تبليغ الشريعة فعصر الصحابة هو عصر حفظها، ونقلها للأخلاف غَضَّةً خِصْبَةً كما بَيَّنَهَا النبي الأمين. ولم يكن عمل الصحابة - رَضِيَ اللهُ ﵎ عَنْهُمْ - أن ينقلوا فقط، بل كان عليهم أن يستنبطوا، وأن يجتهدوا آراءهم فيما لم يعلموا من النبي ﵊ فيه أمرًا. وقد وجههم ﵇ إلى ذلك فحث على الاجتهاد، وجعل له ثوابًا فقال ﵇: «لِلْمُجْتَهِدِ إِذَا أَصَابَ أَجْرَانِ، وَإِذَا أَخْطَأَ أَجْرٌ وَاحِدٌ» (*)، فهو مثوب في الحالين. ولذا قرر العلماء أن الاجتهاد فرض كفاية على من يحسنه. ولقد قال محمد - صَلََّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيما روى الثقات لمعاذ بن جبل وقد أرسله قاضيًا على اليمن. قال له: «بِمَ تَقْضِي؟». قَالَ: «بِكِتَابِ اللَّهِ».

стр. 22

قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟» قَالَ: «بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ». قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟» قَالَ: «أَجْتَهِدُ [رَأْيِي] وَلاَ آلُو». فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُغْتَبِطًا «الحَمْدُ لِلَّهِ الذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ». وما كان اجتهاد الصحابة إلا قبسة من نور النبوة لأنهم أعرف الناس بمقاصد الشريعة وغاياتها، فليس رأيهم الرأي، ولكنه الاتباع والاهتداء، حتى قال الإمام مالك: «هُوَ رَأْيٌ وَمَا هُوَ بِالرَّأْيِ»، وذلك لأنه ليس تهجمًا على الحقائق، ولكنه مُقَيَّدٌ بما علموا من أمر الرسالة والشريعة، وما أدركوا من أقوال، وشاهدوا من أعمال. ولقد ذكر الإمام ابن قيم الجوزية: أن آراء الصحابة كثير منها سُنَّةٌ، لأن كثيرين منهم كانوا يؤثرون أن يفتوا ناسبين القول لأنفسهم عن أن ينسبوه للنبي ﵊، وإما مُسْتَلْهَمَةٌ من وحيها، أو نابعة من نبعها، وهي في كل الأحوال نور من نورها.

стр. 23

٣ - ترك الصحابة ثروة مثرية من الفقه النبوي بالنص عن النبي ﵊، أو بالتخريج عليه، أو بالتطبيق على ما عرفوا من مقاصد الإسلام، وحمل ذلك العلم من بعدهم تلاميذهم من التابعين. وكان لكل صحابي تابعون يلازمونه، ومنهم من يختص واحدًا منهم بالملازمة أو يغلب عليه ذلك. فناقل علم ابن عباس ﵄ عكرمة مولاه، وناقل تفسيره مجاهد. وناقل علم عمر - سعيد بن المسيب مع غيره ممن عاصروه، وناقل علم ابن عمر مولاه نافع. وفي العراق ناقل علم عبد الله بن مسعود علقمة، وإبراهيم النخعي، ونقل آل البيت وغيرهم علم عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ -، فوق ما كان معلومًا له بين الصحابة من فتاوى تَنْفُذُ إلى لب الحقائق، وما كان له من آراء تشرق في مدلهم الأمور، حتى كان يقول عمر ﵁ كلما عضل أمر: «مَسْأَلَةٌ وَلاَ أَبَا حَسَنَ لَهَا». وكان أولئك التابعون ينقلون أحاديث الرسول ﵊ والآثار المروية عنه من أعمال وتقريرات، وينقلون علم الصحابة الذي تخرجوا عليه، ويعتبرون ما أجمع عليه الصحابة حجة

стр. 24

قطعية لا مناص من اتباعها، وإن اختلفوا كان لهم أن يختاروا من بينها، ولا يخرجوا عن كلها، وفي الغالب كان كل تلميذ يتبع شيخه من الصحابة. وكان لهم مع ذلك اجتهاد فيما لا يعرف فيه من قبلهم رأي في أمر من الأمور، فإنهم حينئذٍ يجتهدون آراءهم كما سلك شيوخهم من الصحابة. وأخذت في عهد التابعين مناهج الاجتهاد تتميز من غير انحراف ولا خروج عن الرَّبْقَةِ، بل الجميع متعلقون بالكتاب والسنة وعلم الصحابة يعتبرونها المنجاة من هاوية الباطل. فكان لفقهاء العراق نهج في الاجتهاد بعد النصوص وأقوال الصحابة، وغلب عليهم الاجتهاد بالقياس. وكان لفقهاء الحجاز نهج، ويغلب فيه الأخذ بالمصلحة، وكان لكل منهج مدرسة قائمة بذاتها، ابتدأت تتكون في عهد التابعين، ثم نمت من بعدهم حتى تكاملت. ولا بد أن ننبه هنا أن الصحابة اختلفوا كما نوهنا، وأن التابعين اختلفوا كما قررنا. وإن الاختلاف في الفروع الفقهية لا ضرر فيه على المسلمين، ولا على الحقائق الإسلامية ما دام القصد الوصول إلى الحق، وليس في واحد من الآراء هدم لنص، أو نقض لأصل، أو مصادمة لمقصد من المقاصد الشرعية.

стр. 25

ويروى في ذلك أن عمر بن عبد العزيز قال: «مَا يَسُرُّنِي بِاخْتِلاَفِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صَلََّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُمُرُ النَّعَمِ، وَلَوْ كَانَ رَأْيًا وَاحِدًا لَكَانَ النَّاس فِي ضِيقٍ». ٤ - جاء بعد هؤلاء التابعين الطبقة الأولى من الأئمة المجتهدين - كربيعة الرأي ومالك بن أنس وأبي حنيفة والأوزاعي، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، وغيرهم كثير. وهؤلاء التقوا بالتابعين وأخذوا عنهم، ودرسوا الآثار وأوجه الاستنباط عليهم، فأبو حنيفة تلقى عن إبراهيم النخعي، وعطاء، وحماد بن أبي سليمان، وغيرهم. ومالك تلقى عن نافع، وابن شهاب الزهري، والقاسم بن محمد، وغيرهم من التابعين الذين اشتهروا بالفقه، وَسُمُّوا بالفقهاء السبعة مثل عروة بن الزبير، وسليمان بن يسار. وإن عين الفقه قد تفتحت بعد ذلك بهؤلاء الأئمة، فقد كثر التلاميذ، وكثر الدارسون وصار ثمة علماء أعلام تتذاكر بهم الركبان، والفتاوى تنقل عنهم من مكان إلى مكان. وكان موسم الحج مجالاً يتدارس فيه أهل الفقه، بل إن بعضهم كان يقصد من القربى إلى الله تعالى النُّجْعَةَ إلى العلم ليتزود مع زَادِ التقوى زَادَ العلم، وهو من التقوى، ما دام يقصده لوجه الله لا يرجو

стр. 26

سواه، فإن الملائكة تحف بأهل العلم كما وردت بذلك الآثار عن النبي - صَلََّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وكان بجوار هؤلاء من جانب إسلامي آخر أهل البيت يدونون أحاديث عَلِيٍّ وأبنائه وفقههم. وكان من بينهم أئمة أعلام أسهموا في البناء الفقهي بأوفر سهم على رأسهم زيد بن علي زين العابدين، وأخوه محمد الباقر، وابن أخيه جعفر الصادق، ومنهم عبد الله بن حسن، وكان شيخًا لأبي حنيفة ﵄، وكان لآل البيت مقام معلوم عند الإمامين: أبي حنيفة ومالك. ٥ - تكونت من الاجتهاد، والإخلاص، والنية المحتسبة مجموعة من الفقه هي أعظم ذخيرة إلاسلامية، وهي أعظم ما دُوِّنَ من قواعد التعامل الإسلامي بين الآحاد وبين الجماعات والدول. وقدرت الأجيال من بعدهم ثمرات ما بذلوا، ونقلها تلاميذهم جيلاً بعد جيل، وتدارسوها وَخَرَّجُوا عليها، وأقاموا على ما وُرِثَ مِنْهَا غروسًا من العلم صارت كَدَوْحَاتٍ تُظِلُّ من يستظل بها، وهم فيما صنعوا لم يخرجوا من كتاب الله ولا سنة رسوله، ولم يَتَحَيَّفُوا طريقهم، ولم يسلكوا غير سبيل المؤمنين. ولقد سارت تلك المجموعة الفقهية مسار النور في الأرض، فلقد وجدنا أوروبا في عهد نهضتها - تنقل آراءهم. فمذهب مالك

стр. 27

يجتاز الأندلس حتى يصل إلى وسط فرنسا أو أعلى من ذلك، وفي وسط أوروبا تترجم كتب المذاهب الإسلامية، وفي إنجلترا يترجم مثلها. ولندع الذين يسمون بالمستشرقين وأكثرهم لغويون، وليسوا فقهاء، وأكثرهم يتعرضون للفقه على غير بَيِّنَةٍ، ومن غير سلطان من العلم، وبقلب لا يرجو للإسلام وقارًا بل يتتبع الأوهام ليجعل منها حقائق، يحرفون القول عن مواضعه، لندع هؤلاء فهم أعجز من أن ينالوا من هذا الدين الشامخ العظيم. وإن المنصفين منهم عدد قليل. وهو يحاولون أن يفهموا الفقه الإسلامي كما هو، على أنه قانون إنساني عادل يصلح غذاء للمادة القانونية في هذا العالم. وإذا كان ذلك الفقه العظيم يسير في طريق يضع المغرضون فيه الأشواء والأحجار في أوروبا لمنعوا أقوامهم عنه، فإن المؤتمرات القانونية استطاعت بإرشاد علماء المسلمين، وإرادات طلاب الحقائق، أن يقرروا إقرارًا متواضعًا بأن يعترفوا بأنه شريعة قائمة بذاتها صالحة للتطبيق ومعالجة أدواء العالم الاجتماعية. وإذا كان القرار متواضعًا لا يخرج عن الصلاحية، فإن ابتداء له خط يسير فيه إلى الانتهاء. «وَأَوَّلُ الغَيْثِ قَطْرٌ ثُمَّ يَنْهَمِرُ».

стр. 28

الأئمة: ٦ - برز أولئك الأئمة في التاريخ الإسلامي على أنهم شراح الفقه الإسلامي، وَمَتْنُهُ كتاب الله تعالى وَسُنَّةُ رسوله - صَلََّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وما نقل عن أصحابه ﵃، وهي شاهد النور، ومطلع الرسالة ومنار الشريعة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم. وما فرضوا هذه الآراء على الأجيال، بل قدموها لهم على أن ما كان من النصوص فله حكمها لا تغيير فيه ولا تبديل، وقد أجمعوا عليه، إلا ما يكون النص فيه قابلاً للاختلاف في فهمه. أما ما يكون رأيًا فإنه رأي يقدم ليدرس، ويقول أبو حنيفة وهو ممن أكثر من الرأي، وَقَدَّرَ مسائل واستنبط حكمها: وهذا أحسن ما وصلنا إليه فمن رأى خيرًا منه فليأخذ به. ويقول وقد سئل عما استنبطه من فقه: «أَهَذَا هُوَ الحَقُّ الذِي لاَ شَكَّ فِيهِ؟ فَيُجِيبُ: لاَ أَدْرِي لَعَلَّهُ البَاطِلُ الذِي لاَ شَكَّ فِيهِ». وكلهم وحالهم جميعًا تصورها مقالة الفقهاء على لسان كل واحد منهم: «رَأْيُنَا صَوَابٌ يَحْتَمِلُ الخَطَأَ، وَرَأْيُ غَيْرِنَا خَطَأٌ يَحْتَمِلُ الصَّوَابَ». غير أن الأئمة الأعلام منهم من طُوِيَ مذهبه في لجة التاريخ، كالأوزاعي فقيه الشام الذي عاصر أبا حنيفة، وكابن شبرمة فقيه البصرة

стр. 29

وقاضيها، وكابن أبي ليلى فقيه الكوفة وقاضيها، وكالليث بن سعد فقيه مصر الذي قال فيه الشافعي: «إِنَّهُ كَانَ أَفْقَهَ مِنْ مَالِكٍ إِلاَّ أَنَّ أَصْحَابَهُ لَمْ يَقُومُوا بِهِ». وغيرهم كثير، لا تجد لهم مذهبًا مدونًا قائمًا بذاته، وقد تجد لهم أقوالاً كثيرة مدونة في كتب غيرهم من أصحاب المذاهب، وخصوصًا أهل المذهب الحنفي، ومن ذلك " اختلاف [أبي حنفية] وابن أبي ليلى " (*) لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة و" الرد على سير الأوزاعي " له ﵄. وتجد آراء مبثوثة لهؤلاء الأئمة في الفقه الإسلامي المقارن، ككتاب " المغني " لابن قدامة، و" المحلى " لابن حزم، و" بداية المجتهد " لابن رشد، و" المجموع " للنووي "، و" المبسوط " (١) للسرخسي. وإن لواحد من هؤلاء الذين طوت لجنة التاريخ مذاهبهم، وهو الليث بن سعد رسالة قيمة في مجاوبة بينه وبين الإمام مالك تفيض علمًا، وقد تعرضت لمسائل فقهية كثيرة تناولها بعقل مدرك، وفقه عميق، وهي منبعثة من قلب مؤمن مخلص تفيض محبة ومودة لمالك الذي التقى به في العلم والمذاكرة (٢). وإن نسيان مناهج هؤلاء وما وصلوا إليه من حلول في الفروع سببه أمران:

стр. 30

أحدهما - أن أكثرهم لم يكن مقيمًا في مدينة يقصد إليها للعلم، ويفد إليها التلاميذ، فدمشق في عهد الأوزاعي، كان العل قد رحل منها إلى المدينة وبغداد، ومصر في الوقت الذي كان فيه الليث لم تكن قد صارت منتجعًا للعلم إلا ما كان من تلاميذ الإمام مالك الذين كانوا يغالبون أصحاب الليث حتى غلبوهم. الثاني - أنه لم يكن له تلاميذ أقوياء ينشرون في الأقاليم آراءهم، ويخدمونها بالتدوين أو الفحص والجمع والرواية، ويقربونها إلى الناس، ويجعلونها دانية القطوف، ولم يكن ثمة سلطان يؤيدها. ٧ - انحسرت موجة التاريخ عن ثمانية مذاهب معروفة دُوِّنَتْ وَجُمِعَتْ. ودرست من التلاميذ في الأماكن التي انتشرت فيها تلك المذاهب، وبعضها كثر عدد معتنقيه، وبمقدارهم كان الدرس والفحص، وبعضهم تعددت أماكنه، وحيثما حل تأثر بعادات الإقليم وعرفه، وذلك في غير ما ثبت بالنص كما ترى في المذهب الحنفي، في اختلاف العادات بين فقه أرض الروم، وما وراء النهر، والعراقين، والاختلاف فيه أعراف لا اختلاف فقه. وكما ترى في مذهب مالك بين اختلاف المغرب، ومن كان من أتباعه في العراق وهكذا، وكان ذلك في فروع جزئية، وكما نرى في اختلاف المذهب الشافعي (١) بين الخراسانيين والعراقيين.

стр. 31

وإنك لترى هذه المذاهب تجري كالأنهار في الأقطار. فيحمل ماؤها بعض لون المجرى الذي يجري فيه. وتلك المذاهب الثمانية التي سجلت في التاريخ هي: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وهذه كما يعبر الفقهاء «مذاهب الأمصار»، أي أنها التي انتشرت في الأمصار الإسلامية، ولا يخلو مصر منها، فلا يمكن أن يوجد مصر إسلامي خَالٍ منها وقد يخلو من بعضها، ولا يخلو من كلها. وهناك مذاهب أربعة أخرى قد يخلو مصر منها جميعًا، ولكن لا تخلو البلاد الإسلامية منها، فهي منثورة في أقاليم إسلامية مختلفة، وأحسب أنها أقلية في أكثرها. وتلك المذاهب هي مذهب الإمام زيد بن علي زين العابدين المتوفى سنة ١٢٢ هـ، وهو أقرب مذاهب آل البيت إلى مذاهب الأئمة الأربعة، بل إن المخرجين فيه في خراسان كانوا إذا لم يجدوا نصًا مأثورًا عن الإمام زيد، أخذوا باجتهاد أبي حنيفة ﵄ وهو منتشر في اليمن وخراسان. والمذهب الثاني مذهب الإمام أبي عبد الله جعفر الصادق بن محمد الباقر، وقد توفي أبو عبد الله سنة ١٤٨ هـ، وقد أخذ عنه الإمام أبو حنيفة، وروى عنه أحاديث. وارجع إلى كتاب " الآثار " لأبي يوسف وكتاب " الآثار " لمحمد - تجد فيهما رواية أبي حنيفة عن الإمام الصادق ﵁. وقد قال فيه أبو

стр. 32

حنيفة: ما رأيت أحدًا أعلم باختلاف الناس من جعفر بن محمد، وهو منتشر في شيعة العراق، وإيران، وبعض أندونيسيا وباكستان والهند. والمذهب الثالث: مذهب داوود الأصفهاني الظاهري، الذي كان تلميذًا للشافعي ﵁ وهو الذي قصر الاستنباط الفقهي على النصوص، وإقامة على القرآن، وعلى السنة دون غيرهما. وقد دون المذهب من بعده ابن حزم، وشدد في التمسك بالنص أشد من داوود، وألف في ذلك كتابه " المحلى "، وإنه وإن كان المذهب لا يعلم من يعمل به بعد عصر الموحدين في الأندلس، فهو جامع للفقه الإسلامي، وهو ديوان من دواوينه، كما سماه هو. والمذهب الرابع: هو مذهب الإباضية، وينسب إلى عبد الله بن إباض، وهو مذهب يقوم على أحاديث رسول الله تعالى، ولا يخالف مذهب السنة إلا في الفروع. والتاريخ الإسلامي يذكر أن عبد الله بن إباض كان من الخوارج المعتزلة الذين لا يكفرون المسلمين لما يزعمونه من أخطائهم، بل إنهم يقولون إنهم كفار نعمة. ولكن أتباعه الذين يقيمون في بعض الجزر والواحات يقولون إنه كان تابعيًا ولم يكن خارجيًا، ومهما يكن الشأن في أمره، فإن له مذهبًا مدونًا خصبًا، وقد قبس منه ومن غيره قانون الميراث الصادر بمصر برقم ٧٧ لسنة ١٩٤٣ وإن كان قليلاً.

стр. 33

الأئمة الأربعة: ٨ - إن أولئك الأعلام كتب أتباعهم مناقب لهم، ولا يخلو إمام من الأربعة، ومن ذكرناهم قبلهم من مناقب كتبت لهم، وهي تصلح مصادر عن أحوالهم، ولا يصلح تاريخًا يؤخذ مسلسلاً عن أدوار حياتهم، ومجموع دراساته، ونشر مذاهبهم. وذلك لأن هذه المناقب تختلط فيها المبالغات المختلفة بالحقائق المقررة الثابتة، كما ترى في " مناقب الإمام الشافعي " للإمام الرازي (١) و" مناقب أبي حنيفة " للمكي (٢) وغيرهم. وأيضًا فهي مجموعة من المعلومات المنثورة تحتاج إلى تنظيم وترتيب علمي وتبويب، وهي ثالثًا لا تتجه إلى رد المسببات إلى أسبابها، فلا تكاد تجد من بينها تحليلاً علميًا دقيقًا، مرتبطًا بالعصر ارتباطًا وثيقًا، وتقرأ المناقب فتحسب أن علم الأئمة - رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ - كان علمًا لا سبب له إلا أنفسهم، وكأنه لَدُنِّي. ولكن في القرن الأخير اتجهت الدراسات لتاريخ الأئمة، فابتدأت دراستها بطريقة علمية ترد المسسببات إلى أسبابها، والآثار إلى ما أثر فيها. ولعل أول كتاب رأيته هو كتاب " المذاهب الفقهية الأربعة وانتشارها عند جمهور المسلمين " للكتاب أحمد تيمور ﵀

стр. 34

تَعَالَى وَرَضِيَ عَنْهُ - كفاء ما قدم للعلم وللدين. وقبل أن نعلق على الكتاب نذكر ذكريات لنا تتعلق بذلك العالم الجليل. أحمد تيمور: ٩ - كنا نشدو في طلب العلم، وعالمان عظيمان يتردد اسماهما في مجالس العلم، وأحدهما لا نكاد نلقاه، وهو «أحمد تيمور»، وثانيهما نلقاه في الندوات، وفي المجلات وفي الصحف، وهو المرحوم العلامة «أحمد زكي». ولقد كنا ونحن في دروس التاريخ في مدرسة القضاء الشرعي، إذا عَزَّ علينا العلم باسم تاريخي، وشاركنا أستاذنا المحقق في ذلك اقترحنا أن نرسل إلى «أحمد زكي» عن طريق الصحافة سؤالاً، فيعاجلنا بالجواب كأنه مهيأ حاضر، يستعد له، كما يستعد الجندي للقتال إذا دعا داعيه. وأما «أحمد تيمور» فإنه كان قد ارتضى عندما شدونا (١) في طلب العلم ألا يكون في الندوات الخاصة التي لا يحضرها إلا علية العلماء، ولا يحضرها الطلبة وإن كانوا شادين - فقد ظهر اسمه بين أوساطنا يتردد بالإكبار والتقدير، فتذكر مكتبته وما حَوَتْ. وتذكر إسلامياته وتذكر علاقاته بالعلماء، ومدارساته معهم، وانصرافه للعلم الإسلامي، وجمع

стр. 35

كل آثاره التي تناولها بيده، سواء أكانت مخطوطة أم كانت مطبوعة، وتركه المناصب العليا، ليتفرغ لعلم الإسلام، وإحياء مآثر علومه، ونشرها بين الناس في هدأة العالم، واطمئنان المتثبت. ولقد ابتدأ يكمل نفسه بالدراسة على أكابر العلماء أمثال العالم المتفكر الزاهد الشيخ حسن الطويل إذ جعل مزرعته مستراضًا للشيخ يستجم كل أسبوع، ويستذكران المغلقات مما يتعسر على الأستاذ تيمور الوصول إلى دقيق معناه من معضلات «المنطق»، و «الأصول» والأدلة ما بين عقلية ونقلية. ثم اتصاله بالأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، فجعل داره ملتقى لتلاميذه، وما كان الإمام يضن عليهم بدرس من دروسه التي أشعل بها نور الحق في الأزهر وبين طلابه وأراهم بها الحياة، وقال لهم فيها كلمته المشهورة: «العلم ما علمك من أنت ممن معك». كانت حياة أحمد تيمور نورًا يضيء، وفيضًا غير هادر يفيض، يعرفه ناس من أهل العلم ويعشون إليه، ولكن ما كان يأنس به إلا الخاصة. وفاة أحمد تيمور: ١٠ - استمرت تلك الحياة الهادئة دائبة في دراسة كنوز الإسلام، واستخراجها، غير وانية، ولكن في غير ضجة حتى انطفأ ذلك الصباح المنير في مطلع صيف سنة ١٩٣٠، فكانت رنة الناعي مُعَرِّفَةً للناس مكانة من فقدوا من رجالات الإسلام.

стр. 36

كنت أجلس مع بضعة من شيوخنا الأمجاد الذين يصادقونه ويذاكرونه، وقد تعودت أن أقبس من مجالسهم، وآنس بأخبارهم، وكان لهم في كل يوم ندوة من الأحاديث المطلقة التي يجمعها العلم ولا تضيق بموضوع معين، بل إنها سمر أدبي وديني يجمع بين فكاهات أدبية، وبيان حقائق إسلامية وردود على ما يجري على أقلام بعض الكتاب من انحراف في القول. ولكن في مساء اليوم الذي شيعت فيه جنازة العالم أحمد تيمور صار هو موضوع تلك الندوة المباركة، ومن بينهم من كان يجاوره، ومنهم من كان يصطفيه ويستفتيه ومكثنا على ذلك أكثر من ثلاث ليال سويًا لا حديث لنا إلا عن تيمور، وكنا نعود إليه الفينة بعد الفينة، لأنه لاَ يُنْسَى. وكانت تنشر له مقالات مسلسلة عن أعلام عصره في إحدى المجلات الأدبية، فكنت ألمح صدق القصص، ودقة الخبر، واتصال السند فِي لَفْظٍ بَيِّنٍ من السهل الممتنع، لا يعلو على العامة، ولا يَنْبُو عن آذان الخاصة، ويجد فيه القارئ نوافذ تطل على آفاق واسعة تكشف عن عصر أولئك الأعلام من غير تكلف في عبارات مقربة. وكنت ترى في الكتابة تصويرًا دقيقًا وواضحًا لِلْعَلَمِ من الأعلام، من وراء تنقلاته الفكرية. ١١ - ولقد أنصف بهذه الكتابة التي كانت تنشرها المجلات وتسجل في كتب رجال عصرنا.

стр. 37

ومن ذا الذي كان يعرف حياة الإما حسونة النواوي الذي سجل له التاريخ مواقف مملوءة بعزة العلم وكرامته. وما الذي يعرفه الناس عن العالم الذي اعتز بالعلم فقط والذي كان يُقْصَدُ من آفاق الأرض لعلمه، وهو الإمام حسن الطويل لولا قلم أحمد تيمور. إن الأفاضل من علمائنا وكبرائنا الذين عملوا بالعلم، وبالعلم وحده لاَ يُذْكَرُونَ في أوساط الناس كما يذكر غيرهم، وكان الوفاء للعلم والعلماء أن يسجلهم إمام جليل مثلهم في كتب منشورة. ولكن الذين أدركهم تيمور، والتقى بهم وكان لهم النصيب الوفير، جاءوا بعدهم يحتاجون إلى من يلتفت إليهم في وسط ضجة غيرهم ممن لم يكن لهم فضلهم، وليس لهم في الدين والخلق والعلم مآثرهم، فهل من منصف محقق ينصفهم، كما أنصف أسلافهم من الأكرمين أحمد تيمور - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -. إن تاريخ علمائنا الذين اتصلت حياتنا بحياتهم، ونهلنا من معارفهم، وقدموا لنا أرسال الفكر سائغة نقية سليمة، لم ير فيها ريب، ولم يخالطها انحراف، إنهم في ذمة التاريخ والتعريف بهم في أعناقنا. كتابات أحمد تيمور: ١٢ - تتسم كتابة تيمور بسمات ثلاث لعله قد اختص بها في عصرنا.

стр. 38

السمة الأولى: الدقة، وكأن اللفظ فيها قد وضع على قدر المعنى، نسق عليها تنسيقًا حيك عليها، بحيث لا يمكن أن يتسع لسواها، ولو أردت أن تضع كلمة مكان أخرى لكان ذلك عسيرًا مع السهولة والوضوح. وقرب المعنى بلا تعقيد، ولا إعضال. بل إنك تجد الكلام سهلاً ميسرًا على طرف الثمام (١). السمة الثانية: الإيجاز من غير إخلال، تقرأ الكلام، فتحس بأنه ما ترك مما تصدى له أقل جزء من المعنى، وذلك من غير إبهام. وإن هذا النوع من الإيجاز الوافي أصعب من الإطناب تكتب فيه المعاني عند ورودها مرسلة، وكلما جاءت على الخاطر سطرت على القرطاس، من غير ملاحظة لأن تكون الألفاظ أوسع من المعاني أو لابسة لباسها لا تسع غيرها، أما الإيجاز غير المخل، فإن المعنى يُجْمَعُ، وَيُبْحَثُ له عن أقل لفظ يلبسه من غير إسراف في الثياب، ولا تخلخل فيها، وتعجبني في هذا المقام كلمة للمغفور له سعد زغلول في خطاب أرسله إلى صديق له، وكان فيه إطناب: «أعذروني في هذا الإطناب فإنه ليس عندي وقت للإيجاز». السمة الثالثة: جمال العبارات جمالاً هادئًا، ربما لا يكون له بريق، ولكنه جمال يلتقي فيه جمال اللفظ مع جلال الحقائق، فلا يدري القارئ أهو معجب بالمعنى وحده أم بها مع كسائها غير البراق، وإن كان متناسقًا منسجمًا.

стр. 39

المذاهب الأربعة: ١٣ - في شهر أكتوبر سنة ١٩٤٤ أنشئت بكلية الحقوق بجامعة القاهرة دبلوم للشريعة بالدراسات العالية، لأن الحاجة العلمية استدعت وجودها، إذ أن طلاب هذه الدراسات اتجهوا إلى الشريعة يكتبون رسائلهم فيها، ومنهم [من] (١) كان يتعسر عليه فهم مصادرها، وفتح مغاليقها، فكان لا بد من دراسة توجههم وتهيء لهم السبيل لذلك، ولأن الأنظار اتجهت إلى كلية الحقوق بالقاهرة لتنهل من عذبها في الشريعة، ولأنه وجب أن تقرب دراسة الشريعة بتعمق لطلاب القانون ليتستقيموا على منهاجها، ولأنه وجب أن يتصل حاضرها بماضيها بدراسة المجتهدين وليرى فيها الطلاب نور الشرق، ومن انبثق منه فكانت دبلوم الشريعة موئل الطلاب والباحثين. وقد ألفت عند وضع مناهجها لجنة من كبار رجال القانون وأساتذة الشريعة بالكلية وعلى رأسهم أستاذنا المرحوم أحمد إبراهيم، ومن المصادفات الطيبة أنه كان من أصدقاء أحمد تيمور، ومن علماء الشرق الأخيار. وكان من المنهج الذي وضع دراسته أحد المجتهدين بحيث يدرس كل عام إمام من الأئمة أصحاب المذاهب المشهورة في الأمصار وأصولهم التي تُصَوِّرُ ناحية فكرية من نواحي الفقه الإسلامي، من غير ابتعاد عن

стр. 40

مصادره، وإن اختلفت الأنظار حولها، كل يقطف منها، ويمتص، ثم يخرج من بعد ثمارًا مختلفًا ألوانها، وإن اتحد في الجملة مذاقها، لأن الينبوع واحد والتربة خصبة، والبذر متشابه وأكله مريء غير وبيء. ١٤ - ولقد عهد إِلَيَّ دراسة مادة أحد المجتهدين، وسرت فيها في طريق سوي أو أحسبه كذلك، وكنت أجد للتاريخ مصادره مستوفاة، وإن كنت أحيانًا أجده رُكَامًا - قد اختلط فيه الجوهر بالحجر فكان الانتقاد ليس يسيرًا سهلاً، والأصول لها بواطنها. ولكن أمرًا أعياني البحث فيه وهو البلاد التي حل فيها المذهب من المذاهب بقدر كبير أو قدر قليل، وذلك واجب لتعرف مواطنه، وأراضيه التي أخذ أعرافها، واتجاهاتها في الأمور التي لا نص فيها، ولأن معرفة ذلك من معرفة أحوال المسلمين، وهو واجب على كل مسلم يشتغل بالدراسات الإسلامية، ولقد ورد في الآثار عن النبي - صَلََّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأَمْرِ المُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ». ولكني وأنا أبحث في المكاتب، وأتجه إلى صغير الأحجام من الكتب - دون الضخم كثير الأوراق - وجدت طلبتي في كتاب " المذاهب الفقهية الأربعة "، وفي غيره من كتب التراجم. فتحققت فيها الغاية، وسهل عَلَيَّ مَا صَعُبَ، وقرب ما بعد، فأخذته. ومن الحق عَلَيَّ أن أقول إن كثيرًا مما في كتب المذاهب الأربعة التي هداني الله تعالى إلى كتابها، كثير مما فيها لكتاب الأستاذ أحمد تيمور
следующие страницы →