كنت أجلس مع بضعة من شيوخنا الأمجاد الذين يصادقونه ويذاكرونه، وقد تعودت أن أقبس من مجالسهم، وآنس بأخبارهم، وكان لهم في كل يوم ندوة من الأحاديث المطلقة التي يجمعها العلم ولا تضيق بموضوع معين، بل إنها سمر أدبي وديني يجمع بين فكاهات أدبية، وبيان حقائق إسلامية وردود على ما يجري على أقلام بعض الكتاب من انحراف في القول.
ولكن في مساء اليوم الذي شيعت فيه جنازة العالم أحمد تيمور صار هو موضوع تلك الندوة المباركة، ومن بينهم من كان يجاوره، ومنهم من كان يصطفيه ويستفتيه ومكثنا على ذلك أكثر من ثلاث ليال سويًا لا حديث لنا إلا عن تيمور، وكنا نعود إليه الفينة بعد الفينة، لأنه لاَ يُنْسَى.
وكانت تنشر له مقالات مسلسلة عن أعلام عصره في إحدى المجلات الأدبية، فكنت ألمح صدق القصص، ودقة الخبر، واتصال السند فِي لَفْظٍ بَيِّنٍ من السهل الممتنع، لا يعلو على العامة، ولا يَنْبُو عن آذان الخاصة، ويجد فيه القارئ نوافذ تطل على آفاق واسعة تكشف عن عصر أولئك الأعلام من غير تكلف في عبارات مقربة.
وكنت ترى في الكتابة تصويرًا دقيقًا وواضحًا لِلْعَلَمِ من الأعلام، من وراء تنقلاته الفكرية.
١١ - ولقد أنصف بهذه الكتابة التي كانت تنشرها المجلات وتسجل في كتب رجال عصرنا.
стр. 37
ومن ذا الذي كان يعرف حياة الإما حسونة النواوي الذي سجل له التاريخ مواقف مملوءة بعزة العلم وكرامته.
وما الذي يعرفه الناس عن العالم الذي اعتز بالعلم فقط والذي كان يُقْصَدُ من آفاق الأرض لعلمه، وهو الإمام حسن الطويل لولا قلم أحمد تيمور.
إن الأفاضل من علمائنا وكبرائنا الذين عملوا بالعلم، وبالعلم وحده لاَ يُذْكَرُونَ في أوساط الناس كما يذكر غيرهم، وكان الوفاء للعلم والعلماء أن يسجلهم إمام جليل مثلهم في كتب منشورة.
ولكن الذين أدركهم تيمور، والتقى بهم وكان لهم النصيب الوفير، جاءوا بعدهم يحتاجون إلى من يلتفت إليهم في وسط ضجة غيرهم ممن لم يكن لهم فضلهم، وليس لهم في الدين والخلق والعلم مآثرهم، فهل من منصف محقق ينصفهم، كما أنصف أسلافهم من الأكرمين أحمد تيمور - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -.
إن تاريخ علمائنا الذين اتصلت حياتنا بحياتهم، ونهلنا من معارفهم، وقدموا لنا أرسال الفكر سائغة نقية سليمة، لم ير فيها ريب، ولم يخالطها انحراف، إنهم في ذمة التاريخ والتعريف بهم في أعناقنا.
كتابات أحمد تيمور:
١٢ - تتسم كتابة تيمور بسمات ثلاث لعله قد اختص بها في عصرنا.
стр. 38
السمة الأولى: الدقة، وكأن اللفظ فيها قد وضع على قدر المعنى، نسق عليها تنسيقًا حيك عليها، بحيث لا يمكن أن يتسع لسواها، ولو أردت أن تضع كلمة مكان أخرى لكان ذلك عسيرًا مع السهولة والوضوح. وقرب المعنى بلا تعقيد، ولا إعضال. بل إنك تجد الكلام سهلاً ميسرًا على طرف الثمام (١).
السمة الثانية: الإيجاز من غير إخلال، تقرأ الكلام، فتحس بأنه ما ترك مما تصدى له أقل جزء من المعنى، وذلك من غير إبهام. وإن هذا النوع من الإيجاز الوافي أصعب من الإطناب تكتب فيه المعاني عند ورودها مرسلة، وكلما جاءت على الخاطر سطرت على القرطاس، من غير ملاحظة لأن تكون الألفاظ أوسع من المعاني أو لابسة لباسها لا تسع غيرها، أما الإيجاز غير المخل، فإن المعنى يُجْمَعُ، وَيُبْحَثُ له عن أقل لفظ يلبسه من غير إسراف في الثياب، ولا تخلخل فيها، وتعجبني في هذا المقام كلمة للمغفور له سعد زغلول في خطاب أرسله إلى صديق له، وكان فيه إطناب: «أعذروني في هذا الإطناب فإنه ليس عندي وقت للإيجاز».
السمة الثالثة: جمال العبارات جمالاً هادئًا، ربما لا يكون له بريق، ولكنه جمال يلتقي فيه جمال اللفظ مع جلال الحقائق، فلا يدري القارئ أهو معجب بالمعنى وحده أم بها مع كسائها غير البراق، وإن كان متناسقًا منسجمًا.
стр. 39
المذاهب الأربعة:
١٣ - في شهر أكتوبر سنة ١٩٤٤ أنشئت بكلية الحقوق بجامعة القاهرة دبلوم للشريعة بالدراسات العالية، لأن الحاجة العلمية استدعت وجودها، إذ أن طلاب هذه الدراسات اتجهوا إلى الشريعة يكتبون رسائلهم فيها، ومنهم [من] (١) كان يتعسر عليه فهم مصادرها، وفتح مغاليقها، فكان لا بد من دراسة توجههم وتهيء لهم السبيل لذلك، ولأن الأنظار اتجهت إلى كلية الحقوق بالقاهرة لتنهل من عذبها في الشريعة، ولأنه وجب أن تقرب دراسة الشريعة بتعمق لطلاب القانون ليتستقيموا على منهاجها، ولأنه وجب أن يتصل حاضرها بماضيها بدراسة المجتهدين وليرى فيها الطلاب نور الشرق، ومن انبثق منه فكانت دبلوم الشريعة موئل الطلاب والباحثين.
وقد ألفت عند وضع مناهجها لجنة من كبار رجال القانون وأساتذة الشريعة بالكلية وعلى رأسهم أستاذنا المرحوم أحمد إبراهيم، ومن المصادفات الطيبة أنه كان من أصدقاء أحمد تيمور، ومن علماء الشرق الأخيار.
وكان من المنهج الذي وضع دراسته أحد المجتهدين بحيث يدرس كل عام إمام من الأئمة أصحاب المذاهب المشهورة في الأمصار وأصولهم التي تُصَوِّرُ ناحية فكرية من نواحي الفقه الإسلامي، من غير ابتعاد عن
стр. 40
مصادره، وإن اختلفت الأنظار حولها، كل يقطف منها، ويمتص، ثم يخرج من بعد ثمارًا مختلفًا ألوانها، وإن اتحد في الجملة مذاقها، لأن الينبوع واحد والتربة خصبة، والبذر متشابه وأكله مريء غير وبيء.
١٤ - ولقد عهد إِلَيَّ دراسة مادة أحد المجتهدين، وسرت فيها في طريق سوي أو أحسبه كذلك، وكنت أجد للتاريخ مصادره مستوفاة، وإن كنت أحيانًا أجده رُكَامًا - قد اختلط فيه الجوهر بالحجر فكان الانتقاد ليس يسيرًا سهلاً، والأصول لها بواطنها.
ولكن أمرًا أعياني البحث فيه وهو البلاد التي حل فيها المذهب من المذاهب بقدر كبير أو قدر قليل، وذلك واجب لتعرف مواطنه، وأراضيه التي أخذ أعرافها، واتجاهاتها في الأمور التي لا نص فيها، ولأن معرفة ذلك من معرفة أحوال المسلمين، وهو واجب على كل مسلم يشتغل بالدراسات الإسلامية، ولقد ورد في الآثار عن النبي - صَلََّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأَمْرِ المُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ».
ولكني وأنا أبحث في المكاتب، وأتجه إلى صغير الأحجام من الكتب - دون الضخم كثير الأوراق - وجدت طلبتي في كتاب " المذاهب الفقهية الأربعة "، وفي غيره من كتب التراجم. فتحققت فيها الغاية، وسهل عَلَيَّ مَا صَعُبَ، وقرب ما بعد، فأخذته.
ومن الحق عَلَيَّ أن أقول إن كثيرًا مما في كتب المذاهب الأربعة التي هداني الله تعالى إلى كتابها، كثير مما فيها لكتاب الأستاذ أحمد تيمور
стр. 41
حظ موفور، فأخذت منه مع غيره الكثير.
وفي هذا الكتاب الصغير في حجمه، الكبير فيما اشتمل عليه وجدت ما يعتمد عليه، وما يطمأن إليه، لأنه يرجع الكلام إلى مصادره، والحقائق إلى ينابيعها من غير تفريط، شأن العلام الثبت المنقب عن الحقائق خفيها وجليها.
١٥ - والكتاب يبتدئ بمقدمة موجزة في تاريخ الفقه الإسلامي، وينابيعه حتى يصل إلى أكبر الأئمة الأربعة وهو أبو حنيفة، فيذكر موطنه الذي ولد فيه وعاش وتلاميذه الذين تلقوا عليه، ويذكر البلاد التي شاع فيها مذهبه وإيثار أصحابه بالقضاء، ويتتبع البلاد التي انتشر فيها بلدًا بلدًا - يسترسل استرسالاً محكمًا دقيقًا في بيان ما يجري بين هذا المذهب وغيره من المذاهب الأربعة، ويتتبعه في المواطن التي انتشر فيها متقصيًا حتى يصل إلى البلاد التي يقل فيها، ويستعصي عليه أن يعرف نسبته فيها ومبدأ وجوده. فيقول ﵀:
«أما بدء دخول المذهب الحنفي في سائر البلاد فغاية ما وقفنا عليه من انتشاره في القرن الرابع ما ذكره المقدسي في " أحسن التقاسيم ". في كلامه في كل إقليم، ومنه يعلم أنه كان الغالب على أهل صنعاء وصعدة باليمن، والغالب على فقهاء العراق وقضاته، وكان منتشرًا بالشام. تكاد لا تخلو قصبة أو بلد من حنفي.
стр. 42
وربما كان القضاة منهم، إلا أن أكثر العمل فيها كان على المذهب الفاطمي في زمنه، أي كما كان في مصر في عهد الفاطميين».
ويسترسل في بيان أماكن المذاهب ما كان فيها شائعًا، وما كان فيها من غير شيوع.
ثم يتجه من بعد إلى مذهب مالك، ويسميه (مذهب أهل الحديث)، فيبين موطنه الأصيل، وهو المدينة، ثم ظهوره ببغداد، وضعفه في القرن الرابع الهجري.
ثم ظهوره منتشرًا في غرب البلاد الإسلامية، وسيطرته وشيوعه في مصر وما والاها من شمال إفريقيا، حتى يصل إلى الأندلس والجزر التي تصاقبها من البحر المتوسط، ويتتبع المذهب في الشرق، حيث يدخل (الرَيَّ)، وزيارته للهند ... إلى آخره.
ويتقدم بالتوضيح للمذهب المالكي في مصر، فيبين أول دخوله ومن أدخله، ويحقق في ذلك مقارنًا في ذلك بين النصوص جامعًا بينهما - ثم يشير إلى الحال في العصر الحاضر - وسيادة المذهب الحنفي في إفريقية (تونس) ثم غلبة المذهب المالكي عليه.
ويبين أن أول ما دخل إلى الأندلس من المذاهب الفقهية مذهب «الأوزاعي» وقد غلب عليها، ثم أدخل المذهب المالكي الأمويون بالأندلس، وزال مذهب الأوزاعي حول المائتين.
стр. 43
ويبين أن شيوع المذهب كان بإلزام من أميرها الأموي، لأنه أثنى عليه ثناء طيبًا، وفضله على حكام الحرم المدني، وقال لمحدثه: «نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُزَيِّنَ حَرَمَنَا بِمُلْكِكُمْ».
ويتقصى شيوع المذهب المالكي لا يغادر بلدًا كان فيه إلا ذكره.
وهكذا يسير على طريقته في بيان أماكن انتشار المذهبين الشافعي الحنبلي من غير تقصير في بيان المواضع، كما فعل في المذهبين الحنفي والمالكي، وقد ضربنا بهما الأمثال.
١٥ - (*) ويلاحظ في هذا الكتاب القيم ثلاثة أمور:
أولها - أنه لم يُعْنَ بدراسة حياة الإمام دراسة تحليلية متقصية، ولم يدرس أصول فقهه، ذاكرًا ما بنى عليه آراءه، لأن هذين الأمرين لم يكونا غايته، إذ أن فقهه عمل فقهي يترك للفقهاء يدرسونه ويبينون مبادئه، ونهايته، ويقابلون بينه وبين غيره، ولأن تاريخ الأئمة كان قائمًا في مناقبهم، وما كان من شأنه أن يكرر ما هو مجموع مبسوط في إطار واحد، إنما كانت عنايته متجهة إلى ما هو منثور غير مجموع، وفي وقت لا نكاد نجد فيه كتابًا جمع فيه بين ما هو منثور من أماكن المذاهب، وبين ما هو شائع في أرضه، وما هو قليل فيها، وقد سَدَّ الأستاذ أحمد تيمور تلك الثغرة، وملأ ذلك الفراغ، وهو في ذلك مَحْمُودُ الصَّنِيعِ.
الأمر الثاني - إنك لا تجد مذهبًا من المذاهب قد استولى استيلاء كاملاً على بلد من البلدان، بل كان يزاحمه غيره أحيانًا، ويجاوره في أماكن تمكنه أحيانًا أخرى، ولذلك تراه قد ذكر المذهب الواحد في عدة
стр. 44
أقاليم وذكر غيره أيضًا في هذه الأقاليم، ولكن أحدهما يكون كثيرًا في هذا الإقليم، والآخر قليل فيه.
الأمر الثالث - الذي يلاحظ في هذا الكتاب المفيد القيم كثرة نُقُولِهِ، وذلك في فضل التثبت عند الكاتب الجليل، وهو يتكلم في حكاية نقول فكان لا بد أن يكون ذكرها بالنص مقصودًا، ليأخذ بيد القارئ، ويكون على مقربة من المصادر الإسلامية، ولكي يتأكد من صدق الحكاية، وسلامة النقل، ولكي ينقل علم الأسلاف إلينا ليخاطبوا خيالنا، وفي كلام الكثيرين منهم مَشْرِقَ الحِكْمَةِ.
١٦ - وأن عبقرية التصنيف التي اتسم بها الكُتَّابُ السلفيون هي هذا النوع من التأليف المحكم، إذ يصفون النقول القديمة متناسقة يأخذ بَعْضُهَا بِحُجَزِ بَعْضٍ بحيث لا تجد تنافرًا في أجزائها، ولا تضاربًا في معانيها. ولا تجد كلمة تكون نائية عن الأخرى غير مؤتلفة معها، ولا ناشزة عنها، بل هي [هي] (١) في طوعها وانقيادها وسلاستها.
وليس ذلك هَيِّنًا لَيِّنًا، إنما هو صنيع لا تقوم به إلا يد ماهرة، ومثله مثل عالم الآثار الذي يجيء إلى الجدار المتناثر في بقعة الآثار، وكأنه حجارة منثورة، فيجيء إليها ويجمع متناثره، ويؤلف بينه ويجعل منه إناء يمثل أواني عصره، وقد جمعه من قطع غير متآلفة فجعلها متألفة.
стр. 45
فليست الكتابة العلمية إنشاء فيه جمال ألفاظ، أو سبك عبارات، إنما الكتابة العلمية تأليف بين الألفاظ والمعاني، وجمعها من بين المتناثر، ليكون كيانًا قائمًا بذاته.
ولا أحسب أني رأيت كاتبين عظيمين يتشابهان في جودة هذا النوع كالأستاذ أحمد تيمور وصديقه الفقيه العظيم الأستاذ «أحمد إبراهيم» فقيه عصره.
١٧ - إن بعض الذين يدرجون حول الكتابة وتأليف الكتب يحسبون ذلك عملاً صغيرًا، ويقولون مستهزئين:
إن أقصى ما يدل عليه الكتاب أن صاحبه عنده مكتبة استطاع أن ينتفع بها، وقد سمعتها من أستاذ جامعي توفي إلى رحمة الله، وقد وقع الكثيرون في هذا لأنهم حسبوا التأليف ضجة عبارات، وترديد أقوال وتغيير كلمات وتبديل جُمَلٍ.
إن الأستاذ أحمد تيمور قد جمع كتابه من أجزاء منثورة في كتب التاريخ العام، ومعاجم البلدان، والتراجم والمناقب، وغير ذلك، وإنك لتجد في الصفحة الواحدة أحيانًا خمسة مصادر، وهي لا تزيد على ستة عشر سطرًا، ولا تقل صفحة عن مصدرين.
وإذا كان تعارض بينها عمل على التوفيق، ولولا أنه يعزو قوله دائمًا إلى مصدره ما ظننت أن أكثر ما فيها منقولات مؤتلفة.
стр. 46
وقد حاولت إحصاء ما اعتمد عليه من كتب فوجدت الحسبة قاربت المائة. وفي الحق إني أعظمت المجهود الذي بذل في ذلك الكتاب الصغير الحجم، العظيم الجدوى والذي سد به فراغًا، لم يسده أحدٌ قبله، ولم أجد من بعده من سايره أو سار في طريقه.
إن الفراغ قائم في المذاهب الأربعة الأخرى، وهي المذهب «الزيدي والإمامي والظاهري والإباضي».
وقد ذكر فيما كتبنا بعضًا من ذلك، ولكن دون ما قام به العالم الجليل ﵁، وأثابه عن الإسلام خيرًا، وَمَكَّنَ الأخلاف من أن ينتفعوا بما خلف، إنه سميع مجيب
محمد أبو زهرة
стр. 47
حُدُوثُ المَذَاهِبِ الفِقْهِيَّةِ وَانْتِشَارِهَا:
تَمْهِيدٌ لِلْمُؤَلِّفِ:
نريد بهذه المذاهب الفقهية مذاهب الفقهاء المجتهدين الأربعة: الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي. وهي المذاهب المعمول بها عند جمهور المسلمين إلى اليوم والتي كتب لها البقاء والتغلب على سواها من مذاهب أهل السنة. كمذهب سفيان الثوري بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة. والأوزاعي بالشام والأندلس وغيرهما، وابن جرير وأبي ثور ببغداد، وداود الظاهري في كثير من البلدان وغيرها من مذاهب فقهاء الأمصار.
وكانت الفُتْيَا - قبل حدوث هذه المذاهب - تؤخذ في عصر الصحابة عن القراء منهم، وهم الحاملون لكتاب الله، العارفون بدلالاته (١).
стр. 48
فلما انقضى عصرهم، وخلف من بعدهم التابعون، اتبع أهل كل عصر فُتْيَا من كان عندهم من الصحابة، لا يتعدونها إلا في اليسير مما بغلهم عن غيرهم. فاتبع أهل المدينة في الأكثر فتاوى عبد الله بن عمر، وأهل الكوفة فتاوى عبد الله بن مسعود، وأهل مكة فتاوى عبد الله بن عباس، وأهل مِصْرَ فتاوى عبد الله بن عمرو بن العاص (١).
وأتى بعد التابعين فقهاء الأمصار، كأبي حنيفة ومالك وغيرهما ممن ذكرناهم، فاتبع أَهْلُ كُلِّ مِصْرٍ مذهب فقيه في الأكثر.
ثم قضت أسباب بانتشار بعض هذه المذاهب في غير أمصارها، وبانقراض بعضها، فلم يطل العمل بمذهب الثوري والبصري لقلة أتباعهما، وبطل العمل بمذهب الأوزاعي بعد القرن الثاني، وبمذهب أبي ثور بعد الثالث، وابن جرير بعد الرابع (٢).
كما انقرض غيرها من المذاهب، إلا الظاهري فقد طالت مدته، وزاحم المذاهب الأربعة المذكورة، بل جعله المقدسي في " أحسن التقاسيم " رابع المذاهب في زمنه - أي في القرن الرابع - بَدَلَ الحنبلي وذكر الحنبلية في أصحاب الحديث. وَعَدَّهُ ابن فَرْحُونْ في " الديباج " الخامس من المذاهب المعمول بها في زمنه أي في القرن الثامن ثم دَرَسَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يَبْقَ إلا المذاهب الأربعة، ومذاهب أخرى خاصة بطوائف من
стр. 49
المسلمين، لا يعدها جمهورهم من مذاهب أهل السنة، ولهذا لم نتعرض لذكرها.
وذكر ابن خلدون: أن المذهب الظاهري دَرَسَ بِدُرُوسِ أئمته وإنكار الجمهور على منتحله، ولم يبق إلا في الكتب وربما يعكف متكلفو انتحاله عليها لأخذ فقههم منها، فلا يظفرون بطائل، ويصيرون إلى إنكار الجمهور عليهم. ولم يبق إلا مذهب اهل الرأي في العراق، وأهل الحديث في الحجاز.
أحمد تيمور.
стр. 50
المَذْهَبُ الحَنَفِيُّ:
مَذْهَبُ أَهْلِ الرَّأْيِ:
هو أقدم المذاهب الأربعة، وصاحبه الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان، الكوفي ﵁، المولود سنة ٨٠ هـ، والمتوفى ببغداد سنة ١٥٠ هـ على الأصح.
وكان منشأ هذا المذهب بالكوفة موطن الإمام، ثم انتشر في سائر بلاد العراق.
ويقال لأصحابه أهل الرأي، لأن الحديث كان قليلاً بالعراق، فاستكثروا من القياس ومهروا فيه، ولإمامهم مقام في الفقه لا يُلْحَقُ، شهد له بذلك أهل جلده، وفي مقدمتهم مالك والشافعي (١).
ويذكر أصحاب طبقات الحنفية أن هذا المذهب شاع في بلاد بعيدة ومدن عديدة، كنواحي بغداد ومصر، وبلاد فارس والروم، وَبَلْخٍ وَبُخَارَى وَفَرْغَانَةَ، وأكثر بلاد الهند والسند وبعض بلاد اليمن وغيرها.
стр. 51
وفي " طبقات الحنفية " (١) عندنا: أن أصحاب أبي حنيفة الذين دَوَّنُوا مذهبه أربعون رجلاً منهم: أبو يوسف، وَزُفَرْ، وأن أول من كتب كتبه أسد بن عمرو.
وفيها أيضًا أن نوح بن أبي مريم عُرِفَ بالجامع، لأنه أول من جمع فقه أبي حنيفة في قول، وقيل: لقب بذلك لجمعه بين علوم كثيرة.
إِيثَارُ الحَنَفِيَّةِ بِالقَضَاءِ:
ثم لما قام هارون الرشيد في الخلافة، وَوَلَّى القضاء أبا يوسف صاحب أبي حنيفة، بعد سنة سبعين ومائة، أصبحت تولية القضاء بيده، فلم يكن يُوَلِّي ببلاد العراق وخراسان، والشام ومصر - إلى أقصى عمل إفريقية - إلا من أشار به، وكان لا يُوَلِّي إلا أصحابه والمنتسبين إلى مذهبه، فاضطرت العامة إلى أحكامهم وفتاواهم، وفشا المذهب في هذه البلاد فشوًا عظيمًا.
كما فشا المالكي بالأندلس بسبب تمكن يحيى بن يحيى بن كثير عند الحكم المنتصر، حتى قال ابن حزم: مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرئاسة والسلطان: الحنفي بالمشرق، والمالكي بالأندلس (٢).
ولم يزل هذا المذهب غالبًا على هذه البلاد، لإيثار الخلفاء العباسيين بالقضاء، حتى تبدلت الأحوال وزاحمته المذاهب الثلاثة كما
стр. 52
سيأتي في الكلام عليها. وبلغ من تمسكهم به في القضاء أن القادر بالله استخلف مرة أبا العباس أحمد بن محمد البارزي الشافعي عن أبي محمد بن الأكفاني الحنفي قاضي بغداد، وكتب أبو حامد إلى السلطان محمود بن سبكتكين وأهل خراسان: أن الخليفة نقل القضاء عن الحنفية إلى الشافعية. فاشتهر ذلك وصار أهل بغداد حزبين ثارت بينهما الفتن، فاضطر الخليفة إلى جمع الأشراف والقضاة، وأخرج إليهم رسالة تتضمن أن الإسفراييني أدخل على أمير المؤمنين مداخل أوهمه فيها النصح والشفقة والأمانة، وكانت على أصول الدَّخَلِ والخيانة، فلما تبين له أمره، ووضح عنده خبث اعتقاده فيما سأل فيه من تقليد البارزي الحُكْمَ، وما في ذلك من الفساد والفتنة، والعدول بأمير المؤمنين عما كان عليه أسلافه من إيثار الحنفية وتقليدهم واستعمالهم، صرف البارزي، وأعاد الأمر إلى حقه، وأجراه على قديم رسمه، وحمل الحنفية على ما كانوا عليه من العناية والكرامة والحرمة والإعزاز. وتقدم إليهم ألا يلقوا أبا حامد، ولا يقضوا له حَقًّا، وَلاَ يَرُدُّوا عليه سلامًا. وخلع على أبي محمد الأكفاني، وانقطع أبو حامد عن دار الخلافة، وظهر التسخط عليه، والانحراف عنه، وذلك في سنة ٣٩٣ هـ. واتصل ببلاد الشام ومصر (١).
стр. 53
المَذْهَبُ الحَنَفِيُّ فِي إِفْرِيقِيَّةَ وَصِقِلِّيَّةَ:
وكان الغالب على إفريقية السُّنَنُ والآثار، إلى أن قدم عبد الله بن فروح أبومحمد الفاسي بمذهب أبي حنيفة، ثم غلب عليها لما ولي قضاءها أسد بن الفرات بن سنان (١). ثم بقي غالبًا عليها حتى حمل المعز بن باديس أهلها على مذهب مالك (٢) وهو الغالب إلى اليوم على أهلها إلا قليلاً منهم يقلدون المذهب الحنفي.
وفي " الديباج " لابن فرحون: أن المذهب الحنفي ظهر ظهورًا كثيرًا بإفريقية إلى قريب من سنة ٤٠٠ هـ، فانقطع ودخل منه شيء ما وراءها من المغرب قريبًا من الأندلس ومدينة «فاس». وفي " أحسن التقاسيم ": أن أهل صقلية حنفيون.
وذكر أيضًا أنه سأل بعض أهل المغرب: كيف وقع مذهب أبي حنيفة ﵀ إليكم ولم يكن على سابلتكم؟
قالوا: لما قدم وهب بن وهب من عند مالك ﵀، وقد حاز من الفقه والعلوم ما حاز، استنكف أسد بن عبد الله أن يدرس عليه،
стр. 54
لجلالته وَكِبَرِ نفسه، فرحل إلى المدينة ليدرس على مالك، فوجده عليلاً، فلما طال مقامه عنده، قال له: إرجع إلى ابن وهب فق أَوْدَعْتُهُ عِلْمِي، وَكَفَيْتُكُمْ بِهِ الرِّحْلَةَ. فصعب ذلك على أسد وسأل: هل يُعْرَفُ لِمَالِكٍ نَظِيرٌ؟ فقالوا: فتى بالكوفة يقال له محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة.
قالوا: فرحل إليه، وأقبل عليه محمد إقبالاً لم يقبله على أحد، ورأى فيه فهمًا وحرصًا، فزقه الفقه زَقًّا.
فلما علم أنه قد استقل وبلغ مراده فيه، سَيَّبَهُ إلى المغرب، فلما دخلها اختلف إليه الفتيان، ورأوا فروعًا حيرتهم، ودقائق أعجبتهم، ومسائل ما طنت على أذن ابن وهب. وخرج به خلق، وفشا مذهب أبي حنيفة ﵀ بالمغرب.
قلتُ: فلم لم يَفْشُ بالأندلس؟
قالوا: لم يكن بالأندلس أقل منه ها هنا، ولكن تناظر الفريقان يومًا بين يدي السلطان فقال لهما: من أين كان أبو حنيفة؟
قالوا: من الكوفة. فقال: ومالك؟. قالوا: من المدينة. قال: عالم دار الهجرة يكفينا. وأمر بإخراج أصحاب أبي حنيفة وقال: لا أحب أن يكون في عملي مذهبان: وسمعت هذه الحكاية من عدة مشايخ بالأندلس ... انتهى.
стр. 55
قلنا: وفي هذه القصة ما لا يخلو من نظر، فإن وهب بن وهب هذا لا نعلم أحدًا ذكره فيمن أخذ عن الإمام مالك، وإنما الآخذ عنه عبد الله بن وهب، وهو لم يرحل إلى المغرب، بل كان بمصر ومات بها.
وأما أسد بن عبد الله فصوابه على ما يظهر أبو عبد الله، ويكون المراد به أبا عدب الله بن أسد بن الفرات، فهو الذي لقي محمد بن الحسن وتفقه بأصحاب أبي حنيفة، ونشر مذهبه بإفريقية، وذلك بعد أن رحل إلى الإمام مالك وأخذ عنه، ولم يصادفه عليلاً، فأحاله على ابن وهب كما ذكروا، بل قال له لما استزاده بعد فراغه من السماع منه: «حَسْبُكَ مَا لِلْنَّاسِ يَا مَغْرِبِيُّ، إِنْ أَحْبَبْتَ الرَّأْيَ فَعَلَيْكَ بِالعِرَاقِ».
الحَنَفِيَّةُ فِي مِصْرَ:
وكان أهل مصر لا يعرفون هذا المذهب حتى ولو قضاءها إسماعيل بن اليسع الكوفي من قبل المهدي سنة ١٤٦ هـ وهو أول قاض حنفي بمصر، وأول من أدخل إليها مذهب أبا حنيفة، وكان من خير القضاة، إلا أنه كان يذهب إلى إبطال الأحباس، فثقل أمره على أهل مصر وقالوا: أحدث لنا أحكامًا لا نعرفها ببلدنا: فعزله المهدي (١).
стр. 56
ثم فشا فيها بعد ذلك مدة تمكن العباسيين، إلا أن القضاء بها لم يكن مقصورًا على الحنفية، بل كان يتولاه الحنفيون تارة، والمالكيون أو الشافعيون أخرى.
إلى أن استولى عليها الفاطميون، وأظهروا مذهب الشيعة الإسماعيلية، وولوا القضاة منهم، فقوي هذا المذهب بالدولة، وعمل بأحكامه - إلا أنه لم يقض على المذاهب السنية في العبادات، لأنهم كانوا يبيحون للرعية التعبد بما يشاؤون من المذاهب.
وقال القلقشندي في " صبح الأعشى ": «كانوا يتألفون أهل السنة والجماعة، ويكنونهم من إظهار شعائرهم على اختلاف مذاهبهم، ولا يمنعونهم من إقامة صلاة التراويح في الجوامع والمساجد (١) على مخالفة معتقدهم في ذلك، ومذاهب مالك والشافعي وأحمد ظاهرة الشعار في مملكتهم بخلاف مذهب أبي حنيفة، ويراعون مذهب الإمام مالك، ومن سألهم الحكم به أجابوه» انتهى.
قلنا: بل أقام وزيرهم أبو علي أحمد بن الأفضل ابن أمير الجيوش قضاة من المالكية والشافعية، لما حجر على الخليفة الحافظ لدين الله وسجنه، فإنه أعلن مذهب الإمامية وأقام أربعة قضاة: اثنين شيعيين أحدهما إمامي والآخر إسماعيلي. واثنين سُنِّيَيْنِ أحدهما مالكي والآخر
стр. 57
شافعي، فكان كل قاض منهم يحكم بمذهبه، ويورث بمقتضاه. فلما قُتِلَ أبو علي عاد الأمر إلى ما كان عليه من مذهب الإسماعيلة (١).
ويظهر لنا أن غض الفاطميين من المذهب الحنفي لم يكن إلا لأنه مذهب الدولة العباسية المناوئة لهم في المشرق.
ثم لما قامت الدولة الأيوبية بمصر، وكان من سلاطينها شافعية، قضوا على التشيع فيها، وأنشأوا المدارس للفقهاء الشافعية والمالكية.
وكان «نور الدين الشهيد» حنفيًا فنشر مذهبه ببلاد الشام، ومنها كثرت الحنفية بمصر، وقدم إليها أيضًا عدة فقهاء منهم من بلاد المشرق. فبنى لهم «صلاح الدين الأيوبي» المدرسة اليوسفية (٢) بالقاهرة، وما زال مذهبهم ينتشر ويقوى، وفقهاؤهم يكثرون بمصر، إلا في آخر هذه الدولة (٣).
وأول من رتب دروسًا أربعة للمذاهب الأربعة في مدرسة واحدة هو «الصالح نجم الدين أيوب» في مدرسته الصالحية بالقاهرة سنة ٦٤١ هـ (٤).
стр. 58
ثم فشا هذا النوع من المدارس في الدولتين التركية والجركسية. وحدث في الأولى جعل القضاة أربعة، فعاد الحنفية إلى القضاء بعد انقطاعهم عنه مدة الفاطميين، والاقتصار مدة الأيوبيين على نواب منهم، ومن المالكية والحنابلة عن القاضي الشافعي.
ثم لما استولى العثمانيون على مصر حصروا القضاء في الحنفية، وأصبح المذهب الحنفي مذهب أمراء الدولة وخاصتها، ورغب كثير من أهل العلم فيه لتولي القضاء، إلا أنه لم ينتشر بين أهل الريف والصعيد (١) انتشاره في المدن ولم يزل كذلك إلى اليوم.
المَذْهَبُ الحَنَفِيُّ فِي البِلاَدِ الإِسْلاَمِيَّةِ الأُخْرَى:
أما بدء دخول المذهب الحنفي في سائر البلاد الإسلامية فيعسر تعيين لكل بلد، وغاية ما وقفنا عليه من انتشاره في القرن الرابع، ما ذكره المقدسي في " أحسن التقاسيم " في كلامه على كل إقليم.
ومنه يعلم أنه كان الغالب على أهل صنعاء وصعدة باليمن، والغالب على فقهاء العراق وقضائه، وكان منتشرًا بالشام، تكاد لا تخلوفيه قصبة أو بلدًا من حنفي، وربما كان القضاء منهم، إلا أن أكثر العمل فيها كان على مذهب الفاطمي في زمنه، أي كما كان بمصر.
стр. 59
وكان في إقليم الشرق أي خراسان وسجستان وما وراء النهر وغيرها، إلا في بلاد منها ذكرها، فإن أهلها شافعية وكان أهل جرجان وبعض طبرستان من إقليم الديلم حنفية. وكان غالبًا على أهل «دبيل» من إقليم الرحاب الذي منه الران وأرمينية وأذربيجان وتبريز، وموجودًا في بعض مدنه بلا غلبة.
وكان غالبًا على أهل القرى من إقليم الجبال، وكثيرًا في إقليم خوزستان المسمى قديمًا الأهواز (١). وكان لهم به فقهاء وأئمة كبار.
وكان بإقليم فارس كثير من الحنفية إلا أن الغلبة كانت في أكثر السنين للظاهرية، وكان القضاء فيهم. وكانت قصبات السند لا تخلو من فقهاء حنفية.
وفي " معجم البلدان " لياقوت أن أهل الرَّيِّ كانوا ثلاث طوائف: شافعية وهم الأقل، وحنفية وهم الأكثر، وشيعة وهم السواد الأعظم.
ثم فنى أهل المذهبين وغلب الشيعة على ما سيأتي، وذكر أيضًا أن أهل سجستان كانوا حنفية.
وذكر ابن تغري بردي في " المنهل الصافي " أن ملوك بنجالة بالهند كانوا جميعًا حنفية.
وسنذكر في الخاتمة مبلغ انتشار هذا المذهب اليوم في البلاد.
стр. 60
عَقَائِدُ الحَنَفِيَّةِ:
ويتبع الحنفية في الأصول الإمام أبا منصور محمد الماتريدي الحنفي، وليس من أصحابه وأصحاب الإمام الأشعري خلاف إلا في بضع عشرة مسألة، ومنهم أشعرية ولكن على قله حتى قيل: من المستظرف أن يكون حنفي أشعريًا (١).
والذي في " طبقات السبكي " أن الحنفية أكثرهم أشاعرة، أعني يعتقدون عقيدة الأشعري - لا يخرج منهم إلا من لحق بالمعتزلة.
وذكر أنه تأمل " عقيدة الطحاوي " التي زعم أنها «ما كان عليه الإمام أبو حنيفة وصاحباه، فلم يجد إلا ثلاث مسائل خالف فيها الأشعرية في العقائد ثلاث عشرة مسألة، منها ست معنوية والباقي لفظي».
قلنا: وكأنه يريد أن خلافهم في هذه المسائل لا يخرجهم عن كونهم أشعرية، وإن تَسَمَّوْا بالماتريدية، لتصريحه بعد ذلك بأنها كالمسائل التي اختلف فيها الأشاعرة فيما بينهم، ولأن المسائل الثلاث عشرة لم تثبت جميعها عن الشيخ، ولا عن الإمام أبي حنيفة.
* * *
стр. 61
المَذْهَبُ المَالِكِيُّ:
مَذْهَبُ أَهْلِ الحَدِيثِ:
ينسب هذا المذهب إلى الإمام مالك بن أنس الأصبحي ﵁ المولود على الأشهر، والمتوفى بالمدينة سنة ١٧٩ هـ على الصحيح. وهو ثاني المذاهب الأربعة في القدم، ويقال لأصحابه: أهل الحديث، واختص إمامه بمدرك آخر للأحكام غير المدارك المعتبرة عند غيره وهو عمل أهل المدينة (١).
وقد نشأ المذهب المالكي بالمدينة موطن الإمام مالك، ثم انتشر في الحجاز، وغلب عليه وعلى البصرة ومصر وما والاها من بلاد إفريقية والأندلس وصقلية والمغرب الأقصى إلى بلاد من أسلم من السودان.
وظهر ببغداد ظهورًا كثيرًا، ثم ضعف فيها بعد القرن الرابع.
стр. 62
وضعف بالبصرة بعد الخامس، وغلب في خراسان على «قَزْوِينْ» وأبهر، وظهر بنيسابور أولاً، وكان له بها وبغيرها أئمة ومدرسون.
وكان ببلاد فارس، وانتشر باليمن وكثير من بلاد الشام (١) وكان قد خَمَلَ بالمدينة، فلما تولى قضاءها ابن فرحون سنة ٧٩٣ هـ أظهره بعد خموله (٢).
المَالِكِيَّةُ فِي مِصْرَ:
وأول من قدم به إلى مصر - على ما في " خطط المقريزي " عبد الرحيم بن خالد بن يزيد بن يحيى، مولى جُمح، ثم نشره بها عبد الرحمن بن القاسم، فاشتهر بها أكثر من مذهب أبي حنيفة لتوافر أصحاب مالك بها، ولم يكن مذهب أبي حنيفة يعرف بمصر.
ويوافق ما في " الأوائل " للسيوطي، ولكنه ذكر في " حسن المحاضرة " نقلاً عن " الديباج " «أن المشهور أنه من أصحاب مالك المصريين، وهو أول من أدخل علم مالك بمصر، ولم تنبت مصر أنبل منه إلى أن قال: وتوفي سنة ١٦٣ هـ، وكلا القولين صحيح.
ففي ترجمة عثمان الجذامي من " تهذيب التهذيب " للحافظ ابن حجر ما نصه: وقال ابن وهب:
стр. 63
أول من قَدِمَ مصر بمسائل مالك: عثمان بن الحكم، وعبد الرحيم بن خالد بن يزيد» انتهى. فالظاهر أنهما بعد أن أتما الأخذ عن الإمام، عادا مَعًا إلى مصر ونشرا بها علمه.
وفي " خطط المقريزي " أن هذا المذهب مازال معمولاً به بمصر مع الشافعي، وتولى القضاء من يذهب إليهما أو إلى مذهب أبي حنيفة إلى أن قدم القائد جوهر، فمن حينئذٍ فشا بديار مصر مذهب الشيعة، وعمل به في القضاء والفتيا، وأنكر ما خالفه.
قلنا: ثم عاد الانتعاش إلى المذهب المالكي في الدولة الأيوبية، وبنيت لفقهائه المدارس، ثم عمل به في القضاء استقلالاً لما أحدث الظاهر بيبرس في الدولة التركية البحرية القضاة الأربعة، وصار قاضيه الثاني في المرتبة بعد الشافعية وكان القضاء في الدولة الأيوبية للشافعية، ولقاضيهم نواب من المذاهب الثلاثة، ولم يزل منتشرًا بمصر إلى الآن معادلاً للشافعي، وأكثر انتشاره في الصعيد.
فِي إِفْرِيقِيَّة وَالأَنْدَلُسْ:
وكان الغالب على أهل إفريقية السُّنَنُ، ثم غلب الحنفي كما تقدم فلما تولى عليها المعز بن باديس سنة ٤٠٧ هـ حمل أهلها وأهل ما والاها من بلاد المغرب على المذهب المالكي، وحسم مادة الخلاف في المذاهب (١).
стр. 64
فاستمرت له الغلبة عليها وعلى سائر بلاد المغرب. وفي ذلك يقول مالك بن المرحل المالكي شاعر المغرب:
مَذْهَبِي تَقْبِيلُ خَدَّ مُذْهِبِ * ... * ... * سَيِّدِي مَاذَا تَرَى فِي مَذْهَبِي
لاَ تُخَالِفْ مَالِكًا فِي رَأْيِهِ * ... * ... * فَعَلَيْهِ جُلُّ أَهْلِ المَغْرِبِ (١)
وهو الغالب على هذه البلاد إلى اليوم. وذكر الفاسي في " العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين ": أن المغاربة كلهم مالكية، إلا النادر ممن ينتحلون الأثر.
وكان الغالب على أهل الأندلس: مذهب الأوزاعي، وأول من أدخله بها صعصعة بن سلام لما انتقل إليها، وبقي بها إلى زمن الأمير هشام بن عبد الرحمن (٢). ثم انقطع مذهب الأوزاعي منها بعد المائتين، وغلب عليها المذهب المالكي.
وفي " نيل الابتهاج " أن أهل الأندلس التزموا مذهب الأوزاعي حتى قدم عليهم الطبقة الأولى ممن لقوا الإمام مالكًا، كزياد بن عبد الرحمن، والغازي بن قيس، وقرعوس بن العباس، ونحوهم، فنشروا مذهبه، وأخذ الأمير هشام الناس به، فالتزموه وحُمِلُوا عليه بالسيف، إلا من لاَ يُؤْبَهُ لَهُ.
стр. 65
في " بغية الملتمس " للضبي: أن هذا المذهب انتشر بالأندلس بيحيى بن يحيى بن كثير، وتفقه به جماعة لا يحصون. وتوفي سنة ٢٣٤ وقيل سنة ٢٣٣ هـ.
وفي " خطط " المقريزي، و" الديباج " لابن فرحون: أن أول من أدخله بالأندلس: زياد بن عبد الرحمن القرطبي الملقب بِشَبْطُونْ قبل يحيى بن يحيى، وكانت وفاة زياد سنة ثلاث ومائتين وقيل سنة أربع ومائتين، وقيل سنة تسع وتسعون ومائة.
وفي " نفح الطيب " تفصيل لذلك ملخصه: أن جماعة من أمثال شبطون، كقرعوس بن العباس، وعيسى بن دينار وسعيد بن أبي هند وغيرهم ... رحلوا - إلى الحج أيام هشام بن عبد الرحمن، والد الحكم، فلما رجعوا وصفوا من فضل مالك وسعة علمه وجلالة قدره ما عظم به صيته بالأندلس، فانتشر يومئذٍ رأيه وعلمه بالأندلس، وكان رائد الجماعة في ذلك شبطون، وهو أول من أدخل " الموطّأ " إلى الأندلس مكملاً متقنًا، فأخذه عنه يحيى بن يحيى، ثم أشار على يحيى بن يحيى بالرحيل إلى مالك ما دام حَيًّا، فرحل سريعًا، وأخذ يحيى عنه، فكان اتشار المذهب به، وبزياد، وبعيسى بن دينار.
وقال في موضع آخر:
إن سبب حمل ملك الأندلس الناس على المذهب المالكي في بعض الأقوال، أن الإمام مالكًا سأل عن سيرته (١) بعض الأندلسيين فذكروا له
стр. 66
منها ما أعجبه. فقال: نسأل الله تعالى أن يزين حرمنا بملككم (١)، أو قال كلامًا هذا معناه، وذلك لأن سيرة بني العباس لم تكن مرضية عند مالك، ولقي منهم ما لقي مما هو مشهور، فلما بلغ قوله ملك الأندلس - مع ما علم من جلالة مالك ودينه - حَمَلَ الناس على مذهبه وترك مذهب الأوزاعي.
قلنا: وقد ذكر هذا السبب ابنُ نباتة أيضًا في " مسرح العيون " إلا أنه جعل ذلك في زمن عبد الرحمن الداخل، والذي أجمع عليه المؤرخون أن دخول المذهب كان في زمن ابنه هشام.
ثم زاد انتشار هذا المذهب بالأندلس وبالمغرب، بانتقال الفُتْيَا إليه في دولة الحكم بن هشام، وكان يحيى بن يحيى بن كثير مكينصا عنده، مقبول القول، فصار لا يُوَلِّي القضاء إلا من أشار به، فانتشر (٢) به مذهب مالك، كما انتشر الحنفي بأبي يوسف في المشرق (٣).
وَعَلَّلَ ابن خلدون غَلَبَةَ هذا المذهب على المغرب والأندلس تعليلاً فقال: «وأما مالك - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - فاختص بمذهبه أهل المغرب والأندلس. وإن كان يوجد في غيرهم إلا أنهم لم يقلدوا غيره إلا في القليل، لأن رحلتهم كانت غالبًا إلى الحجاز وهو منتهى سفرهم، والمدينة يومئذ دار
стр. 67
العلم، ومنها خرج إلى العراق، ولم يكن العراق في طريقهم، فاقتصروا على الأخذ عن علماء المدينة، وشيخهم يومئذ وإمامهم مالك وشيوخه [من قبله وتلميذه من بعده. فرجع إليه أهل المغرب والأندلس] وقلدوه دون غيره ممن لم تصل إليهم طريقته.
وأيضًا فالبداوة كانت غالبة على أهل المغرب والأندلس ولم يكونوا يعانون من الحضارة التي لأهل العراق فكانوا إلى أهل الحجاز أميل لمناسبة البداوة، ولهذا لم يزل المذهب المالكي غَضًّا عندهم، ولم يأخذه تنقيح الحضارة وتهذيبها كما وقع في غيره من المذاهب» (١) انتهى.
قلنا: وتقدم في الكلام على الحنفي شيء عن سبب انقطاعه بالأندلس وغلبة المالكي فيما رواه المقدسي.
فِي المَغْرِبِ الأَقْصَى:
ولما قامت دولة بني تاشفين بالمغرب الأقصى في القرن الخامس، واستولوا على الأندلس، وتولى ثانيهم أمير المسلمين على بن يوسف بن تاشفين اشتد إيثاره لأهل الفقه والدين. فكان لا يقطع أمرًا في جميع مملكته دون مشاورة الفقهاء، وألزم القضاة بألا يَبَتُّوا حكومة في صغير الأمور وكبيرها إلا بمحضر أربعة من الفقهاء، فعظم أمر الفقهاء. ولم يكن يقرب منه، ويحظى عنده إلا من علم مذهب مالك، فنفقت في زمنه كتب المذهب، وعمل بمقتضاها وَنُبِذَ ما سواها. وكثر ذلك حتى نُسِيَ
стр. 68
النظر في كتاب الله وحديث رسوله ﷺ . فلم يكن أحد يعتني بهما كل الاعتناء (١).
ثم زالت دولتهم، واستولى الموحدون على مملكتهم في أوائل القرن السادس، وسلك خليفتهم عبد المؤمن بن علي هذا المسلك، فجمع الناس بالمغرب على مذهب مالك في الفروع، ومذهب أبي الحسن الأشعري في الأصول (٢) وكان مقصده في الباطن - هو وابنه يوسف - مَحْوَ المَذْهَبَ المَالِكِيَّ، وَحَمْلِ الناس على العمل بظاهر القرآن والحديث، ولكنهما لم يتمكنا من ذلك (٣).
فلما تولى حفيده يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، تظاهر بمذهب الظاهرية وأعرض عن مذهب مالك، فعظم أمر الظاهرية في أيامه، وكان بالمغرب منهم خلق كثير يقال لهم الحَزْمِيَّةُ نسبة لابن حزم رئيسهم، إلا أنهم كانوا مغمورين بالمالكية، فظهروا وانتشروا في أيام يعقوب، ثم في آخر أيامه استقصى الشافعية على بعض البلاد ومال إليهم (٤).
قال المراكشي في " المعجب ":
«وفي أيامه انقطع علم الفروع، وخافه الفقهاء، وأمر بإحراق كتب المذهب بعد أَنْ يُجَرِّدَ ما فيها من حديث رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ
стр. 69
وَسَلَّمَ - والقرآن، ففعل ذلك، فأحرق منها جملة في سائر البلاد، كـ " مدونة " سحنون، و" كتاب " ابن يونس، و" نوادر " أبي زيد و" مختصره "، وكتاب " التهذيب " للبراذعي، و" واضحة " ابن حبيب، وما جانس هذه الكتب [ونحا نحوها].
لقد [شهدت منها] وأنا يومئذ بمدينة فاس، يؤتى منها بالأحمال فتوضع ويطلق فيها النار. [وتقدم إلى الناس في ترك الاشتغال بعلم الرأي والخوض في شيء منه، وتوعد على ذلك بالعقوبة الشديدة. وأمر جماعة ممن كان عنده من العلماء المحدثين] بجمع أحاديث من المصنفات العشرة: " الصحيحين "، و" الترمذي "، و" الموطأ "، و" سنن أبي داود "، و" سنن النسائي"، و" سنن البزار "، [و" مسند ابن أبي شيبة "]، و" سنن الدارقطني "، و" سنن البيهقي " في الصلاة وما يتعلق بها، [على نحو الأحاديث التي جمعها محمد بن تومرت في الطهارة؛ فأجابوه إلى ذلك، وجمعوا ما أمرهم بجمعه]، فكان يمليه بنفسه على الناس ويأخذهم بحفظه، [وانتشر هذا " المجموع " في جميع المغرب، وحفظه الناس من العوامِّ والخاصة]. فكان يجعل لمن حفظه الجُعْلَ السني من الكُسَى والأموال». انتهى ملخصًا.
وكان المذهب المالكي في القرن الرابع بالعراق والأهواز، ومنتشرًا بمصر وبلاد المغرب، وغالبًا على الأندلس على ما ذكره المقدسي في " أحسن التقاسيم ".
ويتبع المالكية في الأصول عقيدة أبي الحسن الأشعري بحيث لاَ يُرَى مَالِكِيٌّ إِلاَّ أَشْعَرِيًّا - كما في " الطبقات " و" معيد النعم " للتاج السبكي.
стр. 70
المَذْهَبُ الشَّافِعِيُّ:
فِي مِصْرَ:
ينسب هذا المذهب إلى الإمام محمد بن إدريس الشافعي القرشي ﵁ المولود بغزة سنة ١٥٠ هـ والمتوفى بمصر سنة ٢٠٤ هـ.
وكان آية في الفهم والحفظ، واجتمع له من الفضائل ما لم يجتمع لغيره، ومذهبه ثالث المذاهب الأربعة في القدم، ويقال لأصحابه أهل الحديث كالمالكية (١) بل كان أهل خراسان إذا أطلقوا «أصحاب الحديث» لا يعنون إلا الشافعية (٢) وهو ممن أخذ عن الإمام مالك، ثم استقل بمذهب خاص.
قال ابن خلدون: رحل إلى العراق بعد مالك، ولقي أصحاب الإمام أبي حنيفة وأخذ عنهم، ومزج طريقة أهل الحجاز بطريقة أهل
стр. 71
العراق، واختص بمذهب، وخالف مالكًا ﵀ في كثير من مذهبه.
ويذكر أصحاب الطبقات أن ظهور المذهب الشافعي كان أولاً بمصر، وكثر أصحابه بها، ثم ظهر بالعراق، وغلب على بغداد وعلى كثير من بلاد خراسان، وتوران، والشام، واليمن، ودخل ما وراء النهر وبلاد فارس والحجاز، وبعض بلاد الهند ودخل شيء منه في إفريقية والأندلس بعد سنة ٣٠٠ هـ (١).
وكان الغالب على أهل مصر الحنفي والمالكي كما تقدم، فلما قدم إليها الإمام الشافعي انتشر بها مذهبه وكثر (٢).
قال ابن خلدون: (*) «وأما الشافعي فمقلدوه بمصر أكثر مما سواها وكان مذهبه قد انشر بالعراق وخراسان وما وراء النهر، وقاسم الشَّافِعِيَّةُ الحَنَفِيَّةَ في الفتوى والتدريس في جميع الأمصار.
وعظمت مجالس المناظرات بينهم، وشحنت كتب الخلافيات بأنواع استدلالاتهم. ثم دَرَسَ ذلك كله بدروس المشرق وأقطاره.
وكان الإمام محمد بن إدريس الشافعي لما نزل على بني عبد الحكم بمصر، أخذ عنه جماعة من بني عبد الحكم ... وأشهب وابن القاسم وابن
стр. 72
المواز وغيرهم ثم الحارس بن مسكين وبنوه، [ثم القاضي أبو إسحاق بن شعبان وأولاده]. ثم انقرض فقه أهل السنة من مصر لظهور الرافضة، وتداول بها فقه أهل البيت وتلاشى من سواهم، إلى أن ذهبت دولة العُبَيْدِيِّينَ من الرافضة على يد صلاح الدين يوسف بن أيوب ورجع إليها فقه الشافعي وأصحابه من أهل العراق والشام فعاد إلى أحسن ما كان، ونفق سوقه.
واشتهر منهم محيي الدين النووي من الحلبة التي ربيت في ظل الدّولة الأيوبية بالشام، وعز الدّين بن عبد السلام أيضًا. ثم ابن الرفعة بمصر، وتقي الدين بن دقيق العيد، ثم تقي الدين السبكي بعدهما. إلى أن انتهى ذلك إلى شيخ الإسلام بمصر لهذا العهد. وهو سراج الدين البُلْقِينِي. فهو اليوم أكبر الشافعية بمصر، وكبير العلماء بل أكبر العلماء في أهل العصر» انتهى.
ولما أخذت الدولة الأيوبية في إنعاش مذاهب أهل السنة بمصر، ببناء المدارس لفقهائها، وغير ذلك من الوسائل جعلت للشافعي الحظ الأكبر من عنايتها فخصت به القضاء لكونه مذهب الدولة.
وكان بنو أيوب كلهم شافعية، إلا المعظم عيسى بن العادل أبي بكر سلطان الشام، فإنه كان حنفيًا، ولم يكن فيهم حنفي سوه، وتبعه أولاده (١). وكان مغاليًا (٢) في التعصب لمذهبه ويعتبره الحنفية من
стр. 73
فقهائهم. ألف شرحًا على " الجامع الكبير " في عدة مجلدات، وله " السهم المصيب في الرد على الخطيب البغدادي " فيما نسبه للإمام أبي حنيفة في تاريخ بغداد (١).
ثم لما خلفتها دولة الترك البحرية، وكان سلاطينها شافعية أيضًا (٢) استمر العمل في القضاء على ذلك، حتى أحدث الظاهر بيبرس نظام القضاة الأربعة، فكان لكل قاض التحدث فيما يقتضيه مذهبه بالقاهرة والفسطاط، ونصب النواب وإجلاس الشهود، وميز القاضي الشافعي باستقلاله بتولية النواب في سائر بلاد القطر، لا يشاركه فيها غيره، كما أفرد بالنظر في مال الأيتام والأوقاف (٣) وكانت له المرتبة الأولى بينهم، ثم يليه المالكي، والحنفي، والحنبلي (٤).
ثم استمر الحال على ذلك في الدولة الجركسية حتى استولى العثمانيون على مملكتهم فأبطلوا نظام القضاة الأربعة، وحصروا القضاة في الحنفي، لأنه مذهبهم. ولم يزل مذهب الدولة إلى اليوم، إلا أن ذلك لم يؤثر في انتشار المذهبين الشافعي والمالكي بين الأهلين السابق
стр. 74
تمكنهما (١) وانتشارهما بينهم. فبقيا غالبين على الريف والصعيد، والشافعي أغلب على الريف المعبر عنه بالوجه البحري.
وكانت شياخة الأزهر - وهي رئاسة العلماء الكبرى - محصورة في علمائه من سنة ١١٣٧ هـ (٢) إلى أن تولاها من الحنفية الشيخ محمد المهدي العباسي سنة ١٢٨٧ هـ، مضافة إلى الإفتاء، فلم تنحصر بعد ذلك في مذهب من المذاهب، ولكن لم يتولها حنبلي لقلة الحنابلة بمصر.
فِي الشَّامِ وَالعِرَاقِ: وَإِيرَانْ: (*)
وكان الغالب على أهل الشام مذهب الأوزاعي، حتى ولي قضاء دمشق بعد قضاء مصر أبو زرعة محمد بن عثمان الدمشقي الشافعي، فأدخل إليها مذهب الشافعي وحكم به، وتبعه من بعده من القضاة. وهو أول من أدخله الشام، وكان يَهِبُ لمن يحفظ " مختصر المُزني " مائة دينار، وتوفي سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وثلاثمائة (٣).
стр. 75
وذكر المقدسي في " أحسن التقاسيم ": أن الفقهاء بإقليم الشام في زمنه - أي في القرن الرابع - كانوا شافعية (١)، قال: «وَلاَ نَرَى بِهِ مَالِكِيًّا وَلاَ دَاوُدِيًّا».
وفي " طبقات السبكي " و" الإعلان بالتوبيخ " للسخاوي أن المذهب انتشر فيما وراء النهر بمحمد بن إسماعيل القفال الكبير الشاشي (٢)، وتوفي سنة ٣٦٥ هـ. وذكر المقدسي أنه كان الغالب على كثير من البلدان في إقليم المشرق، ككورة الشاش (٣) وإبلاق وطوس وَنَسَا وأبيورد وغيرها.
وفي هراة وسجستان وَسَرْخَسْ كانت تقع فيها عصبيات بين الشافعية والحنفية، تُرَاقُ فيها الدماء ويدخل بينهم السلطان.
وذكر عن إقليم الدَّيْلَمِ أن أهل قومسي وأكثر أهل جُرْجَانَ، وبعض طَبَرِسْتَانْ، كانوا حنفية، والباقون حنابلة وشافعية، وكان لا يرى ببيار صاحب حديث إلا شافعيًا.
وذكر عن إقليم «القور» الذي هو من بلاد الموصل وآمد ... الخ، انتشار الحنفي والشافعي فيه قال: وفيه حنابلة. وذكر أن الشافعي كان الغالب على إقليم كَرْمَانْ.