← Общие книги

Общие книги · id 96607

الغارة على العالم الإسلامي

ألفريد لوشاتليه

Полный текст (278 стр.). Показаны 246–278 · переход к 251.

стр. 246

مبادئ المذهب البروتستانتي. ثم قال: إن أفريقيا الجنوبية تتمخض بحركة دينية فيخلق بالمُبَشِّرِينَ أن يسرعوا بأعمالهم ويبذلوا قصارى جهدهم في هذا الأمر إذا كانوا لا يودون أن ينتشر الإسلام في هذه البلاد وترسخ أقدامه. وأشار إلى قول (هرتزل) الذي أفاض في مزايا ومحاسن السكة الحديدية التي تربط القاهرة ببلاد الكاب وقال: غير أن هذا الخط الحديدي يجعل القاهرة مَحَجًّا للمسلمين المنتشرين من جنوب أفريقيا إلى شمالها فيجدر نشر التبشير حينئذ من الكاب إلى القاهرة. ويقول: إن من سداد الرأي منع جامعة الأزهر أن تنشر الطلبة المتخرجين فيها في جنوب أفريقيا اتباعًا لقرار مؤتمر التبشير العام، لأن الإسلام ينمو بلا انقطاع في كل أفريقيا. وأشار إلى جمعية النهضة السياسية الأفريقية التي يرأسها الدكتور عبد الرحمن وهذه الجمعية تضم إليها كثيرًا من الأجناس والعناصر وهي برهان على النهضة التي دبت

стр. 247

روحها بين الوطنيين ولهذه الجمعية جريدة هي لسان حالها تنشر بالإنكليزية والهولندية وهي تبحث في صوالح الوطنيين وتحمل الحملات الشديدة في بعض الأوقات على الكنيسة الهولندية وعلى الحكومة. وقد قالت منذ مدة لقد أزف الوقت الذي يجدر بالوطنيين أن يقولوا للجنس الأبيض إن الدين المسيحي الذي تفتخرون به يباين وينافي تعاليم المسيح. وتهتم هذه الجريدة بنفخ روح النشاط بين السود لتستميلهم إلى اقتناء العقارات والاعتماد على أنفسهم، فعلى المُبَشِّرِينَ أن يحولوا أنظارهم نحو هذه الأعمال والحركات السياسية والاقتصادية. وقد أفاض صاحب التأليف في وصف فرق إرساليات التبشير المنتشرة في أفريقيا الجنوبية وكيفية اتفاقها وأصول تعاليمها والوسائل التي يجدر اتخاذها للم شعث إرساليات التبشير وجعلها كتلة واحدة أمام البحر الإسلامي الطامي. وقال: إن حظ هذه البلاد من المُبَشِّرِينَ أكثر بكثير

стр. 248

من حظ البلاد الأخرى لأن نصف المُبَشِّرِينَ الذين وطئوا أفريقيا للتبشير بين المائة والخمسين مليونًا من الوثنيين موجودون في أفريقيا الجنوبية ليبشروا بين ظهراني ستة ملايين من السكان فيكون حظ كل مبشر ١.٣٠٠ من الوطنيين بينما حظ المبشر في الجهات الأخرى يبلغ ٢١.٤٠٠ وطني. واختتم كتابه بذكر أسماء جمعيات التبشير ولجانها وما أسسته من المعاهد. - تم -

стр. 249

مُلْحَقٌ: ١ - نجوى إلى القراء (افتتاحية العدد ٦٦٦٣ من " المؤيد " بقلم السيد محب الدين الخطيب) ٢ - حول الغارة على العالم الإسلامي (ترجمة مقالة انتقاديه أنشأتها مجلة العالم الإسلامي الفرنسية) ٣ - الجواب على مقالة المجلة الفرنسية (افتتاحية العدد ٦٧٧٠ من " المؤيد" بقلم السيد محب الدين خطيب) ٤ - كلمة في أهمية هذا الكتاب (بقلم كاتب الشرق الكبير شكيب أرسلان)

стр. 250

نَجْوَى إِلَى القُرَّاءِ: بمناسبة مقالات " الغارة على العالم الإسلامي " افتتاحية العدد ٦٦٦٣ من " المؤيد " الصادر يوم الجمعة ٩ جمادى الأولى ١٣٣٠ هـ (١). أخبرني في الأمس زميل لي في قلم التحرير أن فريقًا من الناس ساءهم أن ينشر " المؤيد " مقالات " الغارة على العالم الإسلامي " بدون أن يعلق عليها، وأن بعضهم يرى عدم تعليق الصحف العربية على المقالات التي ترد عليها من الخارج أو التي تترجم فيها عن اللغات يعد موافقة من هذه الصحف على ما تضمنته تلك المقالات.

стр. 251

وسواء أصاب هذا البعض فيما يرى أو أخطأ فإن تطبيق ذلك على مقالات " الغارة على العالم الإسلامي " التي تترجم في " المؤيد " هو من قبيل وضع الشيء في غير محله، لأن " المؤيد " لما بدأ بنشر هذه المقالات مهد لها بتوطئة أبان فيها عن قصده من نشرها، وذكر لقرائه شَيْئًا عن المجلة التي كتبت تلك المقالات، والجمعية التي تنشر المجلة نفسها، وحالتيهما قبل حوادث مراكش وفارس وطرابلس الغرب وبعدها. ذلك غاية ما كان يقال توطئة لنشرها في " المؤيد ". وأما التعليق عليها بكلمة اعتبار بما ورد فيها فذلك ما لا يحسن إيراده إلا بعد إتمام نشر المقالات ليكون القول فيها أشمل والكلام عليها أعم. على أن مجرد نشر هذه المقالات كان كافيًا في تنبيه القراء إلى مكان العبرة منها والتوسل إلى مقابلتها بمثل

стр. 252

الوسائل الواردة فيها، لأنها ليست من المباحث العلمية أو الجدلية التي تقتضي رَدًّا ومناقشة، ولو كانت كذلك لكان رجال الدين وكتاب المجلات الدينية أولى بمناقشتها والرد عليها بل هي تاريخ وأنباء عن أعمال جرت من قبل وتجري الآن وستجرى من بعد، والأعمال لا تناقش إلا بأعمال مثلها. وكنا نظن أنه لا تنشر بضع مقالات منها حتى يذهب أهل الغيرة لزيارة مدرسة " دار الدعوة والإرشاد " التي هي بنت شهرًا أو شهرين وفيها المصري والمراكشي والجاوي والقفقاسي فيطلعوا على مبلغ نجاحها ويتطوعوا في تعضيدها وتثبيتها ويمدوها بالرأي والمال وكل ما يعد قوة، ليتسع نطاقها ويكمل نقصها. ومن الغريب أنه بينما ينتقد علينا بعض قرائنا الاقتصار على نشر هذه المقالات من غير تعليق عليها ولو كان وقت التعليق لم يحن بعد نرى بعض الجرائد الإفرنجية المتعصبة في القطر المصري تتقول علينا بعض الأقاويل وتنسب

стр. 253

إلينا ما لم يصدر منا وتزعم أننا نعلق على هذه المقالات بما يثير الضغائن، مع أننا لم نعلق بعد شيئًا بهذه المناسبة، فمن ذلك أن جريدة "لا بورص إجبسيان" (*) التي تصدر في الإسكندرية كتبت مقالة قالت فيها: «إن " المؤيد " يترجم مقالات مجلة " العالم الإسلامي " الفرنسية، ويلحقها بتعليقات شخصية يصوغها بقلم تظهر به كأنها لا غبار عليها، والذي يعرف مبدأ " المؤيد " وسجية قرائه يرى أنه إنما يتخذ من هذه المقالات وسيلة لتغذيتهم بالضغائن». فما قاله " المؤيد ": أن الغربي يجيء إلى هذه البلاد بوسيلة الاتجار ودعوى نشر حسنات الحضارة الكاذبة، مع أنه في الحقيقة لا يقصد غير مناوأة الإسلام الذي فشلت الحروب الصليبية في مناوأته. هذا بعض ما قالته " لا بورص إيجبسيان " (*) فهي كذبت علينا أولاً بأننا نعلق على هذه المقالات بتعليقات شخصية، وافترت علينا ثانيًا بأن عزت إلينا قولاً ليس

стр. 254

لنا، بل هو لرجل أوروبي مبشر، ولو أن كاتب مقالة " البورص " - أو الذي يترجم له عن " المؤيد " - يعرف العربية التي هي لغة البلاد لكان أدرك أن المقالات برمتها ملخصة عن مجلة " العالم الإسلامي "، وتلك الجملة نفسها نقلتها هذه المجلة عن كتاب " ملخص تاريخ التبشير " الذي ألفه المستر (أدوين بلس) ونص الجملة هو قوله: «أن ريمون لول الإسباني هو أول من تولى التبشير بعد أن فشلت الحروب الصليبية في مهمتها» (١). وكأنما " البورص إجبسيان " السكندرية لم يكفها ذلك حتى زادت عليه لومها للصحف الإسلامية لأنها تترجم لقرائها المسلمين ما تكتبه الصحف الأوروبية عنهم وعن حالهم ومستقبلهم حتى لو اقتصرت صحفنا على الترجمة فقط. ووجهت " البورص " انتقادها إلى صاحب السعادة

стр. 255

السيد علي يوسف وإلى المرحوم مصطفى كامل باشا لأنهما كانا يفعلان ذلك. واتهمت صحفنا أيضًا بأنها تعنون هذه المقالات بعناوين ذات شأن، وقالت: إن عنوان " الغارة على العالم الإسلامي " من هذا القبيل. على أن " البورص " لو راجعت الأصل الفرنسي أو لو قرأت توطئة " المؤيد " لكانت تعلم أن العنوان العربي هو ترجمة العنوان الفرنسي وكل ما فعله " المؤيد " هو أنه أطلع قراءه على أعمال تجري في بلادهم وهي ذات علاقة بهم. وَلَمْ يُحَدِّثْ القراء بهذه الأعمال من عنده مباشرة بل نقلها لهم عن مصادرها الأصلية. وبعد، فإن إغفال ترجمة هذه المقالات لا يحق لشرقي ولا لإفرنجي أن يطالبنا به ما دام متعلقًا بنا وبأمتنا وبلادنا مباشرة، وإذا كان من الجائز لمجلة فرنسية أن تنشر ذلك، فمن الواجب على جريدة عربية أن تترجمه. هذه الحقيقة قد أدركها الكثيرون في مصر وفي غير

стр. 256

مصر حتى إننا بعد كتابة ما تقدم جاءنا بريد سوريا بجريدة " الاتحاد العثماني " مصدرة بالمقالة الأولى من مقالات " الغارة على العالم الإسلامي " نقلاً عن " المؤيد "، ومما قالته تلك الجريدة: «إننا رأينا السكوت عن نشر هذه المقالة غِشًّا لا يجيزه لنا الدين ولا الوطنية بوجه من الوجوه، فإشفاقًا على عواطف القراء الذين ما اعتادوا حتى اليوم سماع أمثال هذه النغمات المدهشة رأينا أن يكون نشرها مدعاة لتفكر عقلاء المسلمين وتدبرهم في ملاقاة هذا الخطر المحدق بهم، وأن لا يكون حظ هذا الفصل الإغفال والاستهانة بل القيام بما يأمر به الدين من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم وضع أبناء المسلمين في المدارس الأجنبية إلا بعد أن يتمكنوا من دينهم ولغتهم ووطنيتهم». محب الدين الخطيب

стр. 257

حول " الغارة على العالم الإسلامي ": افتتاحية العدد ٦٧٦٨ من " المؤيد " الصادر يوم الأربعاء ١٥ رمضان ١٣٣٠ هـ. جاءنا العدد الأخير من " مجلة العالم الإسلامي " الفرنسية وفيه انتقاد علينا وعلى جرائد ومجلات إسلامية أخرى، وهذه ترجمة الانتقاد: هل تتكرم رصيفاتنا: " المؤيد " و" المنار " و" الاتحاد العثماني " وصحف إسلامية أخرى أن توضح لنا جنسية وأصل المحرر الأوروبي الذي أتى بالأقوال التي عَزَتْهَا هذه الصحف إلى مجلة " العالم الإسلامي "؟ لقد كتبت جريدة " المؤيد " في ٨ أبريل سنة ١٩١٢ تقول (١):

стр. 258

«في فرنسا (لجنة Comité) اسمها الإرسالية العلمية المغربية مؤلفة من المستشرقين درسوا الكتب الإسلامية والعادات الشرقية واللغة العربية وغيرها من لغات المسلمين، خدمة لجامعات فرنسا السياسية والدينية والاقتصادية». اهـ. ولكن من الخطأ الواضح أن يقال عن الإرسالية العلمية المراكشية أنها (لجنة Comité) وإذا كان العلامة مدير " المؤيد " يتتبع الكتب فلا يصعب عليه أن يقف على أصل ما جاء به خصوصًا وأن هذه الإرسالية العلمية لا تشبه اللجنة بوجه من الوجوه وليس من الصواب أن يقال عنها: إن لها مقاصد سياسية أو دينية أو اقتصادية، وكل ما في الأمر أن عملها نتيجة مساعي بعض الخاصة، وترجع هذه المساعي إلى سنة ١٨٨٩ - ١٨٩٥ وقد أعطيت الإرسالية منذ ذلك الحين مبلغًا صغيرًا من المال لإدارة شؤونها، أما الآراء التي تنشرها هذه الإرسالية فهي خاصة بها ولا شأن

стр. 259

للحكومة فيها وعلى هذا فإن ما قالته جريدة " المؤيد " بهذا الشأن مخالف للواقع. وتقول جريدة " المؤيد " (١): إن هذه اللجنة أخذت قبل خمس سنوات تنشر في باريس مجلة كبرى مصورة تصدر في كل شهر اسمها مجلة " العالم الإسلامي " (*) ولقد كانت هذه المجلة قبل الآن ظاهرة بمظهر علمي تكون الغايات السياسية فيها بالدرجة الثانية إلى أن تم لفرنسا احتلال مراكش أولاً ثم دخلت فارس في طورها الأخير وحل بعد ذلك ما حل بطرابلس فظهرت هذه المجلة كغيرها بمظهرها الحقيقي الذي تكون فيه الدروس العلمية واسطة لغايات سياسية ودينية. اهـ. وقد حذت مجلة " المنار " الدينية التي تصدر في مصر حذو جريدة " المؤيد " فقالت في الصفحة ٢٥٩ من المجلد الخامس

стр. 260

عشر ما يلي: «وبعد احتلال مراكش ودخول بلاد فارس تحت النفوذ الروسي الإنكليزي واعتداء إيطاليا على طرابلس الغرب ظهرت - أي مجلة " العالم الإسلامي " - بمظهر جديد تجلت فيه خطتها من التوسل بالعلم إلى المقاصد السياسية والدينية». اهـ. والقول بأن لمجلة " العالم الإسلامي " غاية دينية من شأنه أن يبعث السرور والفرح في قلوب قرائها الأوروبيين الذين لا يدركون وجود هذه الغاية إلا بتفسير وتأويل. اهتمت جريدة " المؤيد " ومجلة " المنار " وغيرهما اهتمامًا زائدًا بعدد مجلتنا الذي صدر في نوفمبر الماضي خاصًا بموضوع (الغارة على العالم الإسلامي) وقامت بترجمة فصوله مواظبة على ذلك، خصوصًا " المؤيد " الذي يصدر بها أعداده بعناية تستوجب إعجابنا واحترامنا، فليتكرم بقبول شكر المجلة له على ذلك. ولكن " المؤيد " لم يختتم

стр. 261

توطئته المنشورة في عدد ٨ إبريل (١) بدون تبرم بل قد قال في آخرها: إن المقاصد تتبين مع انكشاف الحوادث. إن نشر ترجمة هذه المقالات قد بعث لأول مرة الدهشة في قلوب الجميع كما يتضح مما قالته جريدة " الاتحاد العثماني " وهي جريدة مهمة تنشر في بيروت تحت رعاية جمعية الاتحاد والترقي (٢) وذلك أن بعض الصحف العربية ندد بلهجة شديدة على ترجمة مقالات " الغارة على العالم الإسلامي " وقال: إن من الغبن نشر كلمة الغارة على صفحات جريدة إسلامية، فردت عليه جريدة " الاتحاد العثماني " قائلة: «إننا رأينا السكوت عن نشر هذه المقالة غِشًّا لا يجيزه لنا الدين ولا الوطنية بوجه من الوجوه، فإشفاقًا على عواطف القراء الذين ما اعتادوا حتى اليوم سماع أمثال هذه النغمات المدهشة رأينا أن يكون نشرها مدعاة لتفكر

стр. 262

عقلاء المسلمين وتدبرهم في ملاقاة هذا الخطر المحدق بهم، وأن لا يكون حظ هذا الفصل الإغفال والاستهانة بل القيام بما يأمر به الدين من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم وضع أبناء المسلمين في المدارس الأجنبية إلا بعد أن يتمكنوا من دينهم ولغتهم ووطنيتهم». ومجلة " المنار " نشرت مقالات " الغارة على العالم الإسلامي " بالعنوان الذي وضعه " المؤيد " وفي ٢٦ أبريل عاد " المؤيد " إلى التعليق على هذه المقالات متأثرًا من استياء القراء بسبب نشرها. وهذا ملخص الانتقادات والإيضاحات الواردة في مقالة " المؤيد " يوم ٢٦ أبريل: ١ - أن بعض المسلمين يعد نشر هذه المقالات من قبيل الموافقة على ما جاء فيها.

стр. 263

٢ - والجواب على هذا القول أنه من قبيل وضع الشيء في غير محله، لأن " المؤيد " لما بدأ بنشر هذه المقالات مهد لها بتوطئة أبان فيها عن قصده من نشرها، وذكر لقرائه شيئًا عن المجلة التي كتبت تلك المقالات، والجمعية التي تنشر المجلة نفسها، وحالتيهما قبل حوادث مراكش وفارس وطرابلس الغرب وبعدها. ٣ - ليست هذه المقالات من المباحث العلمية أو الجدلية التي تقتضي رَدًّا ومناقشة بل هي تاريخ وأنباء. وكنا نظن أنها ستدفع أهل الغيرة لزيارة مدرسة دار الدعوة والإرشاد التي فيها المصري والمراكشي والجاوي والقفقاسي. اهـ. وهنا نكرر القول بأن إسناد غاية سياسية أو اقتصادية أو دينية إلى مجلة " العالم الإسلامي " هو أمر وهمي تمامًا وبعيد عن الصواب بُعْدَ الإرسالية العلمية المراكشية

стр. 264

عن شكل لجنة Comité . أما ما استنتجته " المؤيد " و" المنار " و" الاتحاد العثماني " مما هو متعلق بالإسلام فهو مهم في بابه وكنا نحب أن نقول: إنها جاءت في أوانها لولا أن هذا القول متعذر علينا، إذ أن العالم الإسلامي ليس مُهَدَّدًا فقط بالغارة والفتح بل هو قد أغير عليه وافتتح وأصبح مغلوبًا على أمره، تلك عاقبة غلطات وهفوات الذين تولوا مهمة إنقاذه فتدهوروا به في هاوية الهلاك وأعينهم في سِنَةٍ وَنَوْمٍ. كانت مكانة الخلافة الإسلامية مشرفة على السقوط في كل الجهات ثم حدث الانقلاب العثماني فخيل إلى الناس أن الخلافة قد عادت سيرتها الأولى عقب استظهار الحرية على الحكومة الحميدية وكان في استطاعة المسلمين يومئذ أن يبذلوا جهدهم لإحياء حضارة إسلامية مستقلة وقد كانت أوروبا الحرة في ذلك الحين تشد أزرهم ولكن الذين أنقذوا

стр. 265

الدولة العثمانية من ربقة الاستبداد وهتفوا بمبدأ المساواة هم الذين أرهقوا الولايات بعد ذلك باستبدادهم الذي فاقوا فيه الاستبداد الحميدى، فنصبت المشانق في دمشق وسفكت الدماء في آسيا الصغرى واندلع لهيب الثورات في ألبانيا، وبموجب سُنَّةِ الكَوْنِ التي تربط الأسباب بمسبباتها سلخت النمسا ولايتي البوسنة والهرسك عن السلطنة في مقابل ٥٣ مليونًا من الفرنكات لم يبق سوى أن نعرف من الذي تناول هذه المبالغ وفي سنة ١٩١١ أنجزت أركان حربية النمسا خريطة بلاد الأرناؤوط. ثم حدثت بعد ذلك إغارة إيطاليا على طرابلس الغرب فلم تلق فيها مقاومة ولم تسفر هذه الحادثة إلا عن طلب الإعانات في الصحف، وتبعها حادث استيلاء الإيطاليين أيضًا على جزر الأرخبيل وتقسيم الأملاك العثمانية في أوروبا. والظاهر أن الجيش العثماني المنظم والقوي أصبح لا وظيفة له إلا المباهاة بشكله بدون أن

стр. 266

يعمل عملاً وهو من هذه الوجهة مثل سفن الأسطول العثماني التي اشتريت بأثمان باهظة لكي تكون ساكنة غير متحركة. وأوروبا تركت هذه الحوادث تجري على مرأى من العرب والترك الأرناؤوط والروم والأكراد والسوريين وكل هؤلاء يميلون إلى الحكم الأجنبي أكثر مما يميلون إلى الاتفاق والائتلاف، وليس بين المشتغلين اليوم بالسياسة من العرب والأتراك من يجهل الاستعدادات العامة التي تجري لأجل التقسيم النهائي. وليس بين الدول الأوروبية العظمى غير الدولة الفرنسية ابتعدت عن هذا التقسيم لأنها لا ترغب أن يكون لها حظ فيه! وهي سوف لا تحصل على شيء! أما الدول الأخرى فدائبة على المساومة والتدقيق في الحساب وهذا الأمر صار غير مجهول البتة وأما الأمل ببقاء الدولة العثمانية فمتوقف على اتفاق عناصرها ولا ترى بين

стр. 267

أصدقاء الإسلام من يقوم فيرفع صوته مُحَذِّرًا من الخطر إلا وتقوم الجريدة العربية الكبرى في القاهرة والجريدة السورية ومجلة العلماء الدينية فيقلن: يا للفظاعة! فأين هي الفظاعة؟ هل هي في التحذير والتنبيه أم في العناد والإصرار على عدم التفكير؟ والآن من هم المدافعون الحقيقيون عن الحضارة الإسلامية؟ هل هم هؤلاء الفقراء كالمراكشيين والطرابلسيين الذين يضحون أنفسهم لأجل باشوات وقواد فاسدين ومرتشين ومشايخ ملئت بطونهم! أم هم نخبة المتعلمين في الجزائر وتونس والقطر المصري وسوريا وتركيا وفارس المنكودة الحظ والبلاد الهندية وجزائر السند الذين هم في مصاف الأوربيين محترمو الأفكار والنزعات؟ في يوم ٢٨ أبريل الماضي قام كاظم بك والي سلانيك يومئذ فتكهن في أمر الحركة السياسية التي تتمخض بها

стр. 268

الجيوش العثمانية في الولايات المقدونية وألقى خطابًا رنانًا بين جدران مسجد القاسمية عقب صلاة الجمعة فأتى على بيان القوات الإسلامية في الصين والهند وأفغانستان وتركستان وطرابلس الغرب ومراكش، وبحث في أسباب الفشل الذي لحق بها. ثم ختم خطابه بشرح برنامج سياسي إسلامي أوسع من برنامج جمعية الاتحاد والترقي ويختلف عنه، حض فيه على توسيع التعليم والتربية بين العنصر العربي المسلم، فهل كانت غاية كاظم بك دينية أو اقتصادية؟ جريدة " المؤيد " ومجلة " المنار " وجريدة " الاتحاد العثماني " ينكرون على مجلة " العالم الإسلامي " أنها بينت للمسلمين كيف أن القوات الأوروبية المختلفة تتهافت لاستدراج الشعوب الإسلامية وإدخالها في طرق أخلاقية واجتماعية وسياسية جديدة، ولو كانت هذه الصحف مدركة سير الأمور التي لا مبدل لها لكانت تشكر مجلتنا على صنيعها، ولما كانت

стр. 269

لتقول: «لترجع إلى التعليم العربي القديم ونكتفي بتغييره سطحيًا» بل كانت تقول: لنفتح مدرسة الغد وهي الكفيلة بخلاصنا، المؤسسة على حضارة إسلامية عصرية. والآن قد وصلنا إلى النقطة التي تتميز بها أراؤنا عن أراء رصفائنا العرب: أولئك مقاصدهم مقتصرة على توطيد استقلال الإسلام والهتاف به مع التأكد من عدم الحصول على هذا الاستقلال، بل مع التأكد من فقده. ونحن نود أن نراهم وطدوا أركان هذا الاستقلال بانتهاج طرق الترقي والفلاح المفتوحة أمام مستقبل الإسلام، ولكنهم يضعون الجامعة الشبيهة بالقديمة التي أسسها السيد رشيد رضا في مستوى الجامعة العصرية التي يدير شؤونها البرنس فؤاد باشا. إنهم لو أعملوا الفكر والروية لمعرفة الصعاب الحقيقية التي تعترض رسوخ الإنكليز في مصر لاتضح لهم - وهم في القاهرة - أنها ليست منوطة بالوطنية الدينية أو الوطنية

стр. 270

السياسية بل النهضة الاجتماعية الكاملة ولا يمكن للمصري المسلم أن يخرج من تحت السلطة البريطانية بتوطيد أركان دينه، بل بإنهاض الفرد المسلم المتنور إلى مستوى الفرد المسيحي المتنور. وبعد، فإذا كان يدور في خلد " المؤيد " و" المنار " و" الاتحاد العثماني " أن يتلافوا الغارة التي شنت على العالم الإسلامي، فالطريقة بسيطة وهي أن يقولوا لقرائهم: لنخرج من عزلتنا ولنقابل الحقيقة الواقعة وَجْهًا لِوَجْهٍ.

стр. 271

جَوَابُ " المُؤَيِّدِ " عَلَى مَقَالَةِ مَجَلَّةِ " العَالَمِ الإِسْلاَمِيِّ ": أكبرت رصيفتنا مجلة " العالم الإسلامي " الغراء تسمية الإرسالية المراكشية باسم لجنة Comité رغبة منها في الابتعاد عن مظنة الاشتغال لمقاصد سياسية، ولو رجع حضرة الفاضل المسيو ل. م. مرة ثانية إلى ما كتبناه وترجمه عنا لرأى أننا إنما كنا نستعمل لفظ جمعية وهو لفظ عام لا يقصد به بالذات المعنى الذي ذهبت إليه مجلة " العالم الإسلامي " لا سيما وفي القاهرة جمعيات علمية متعددة مثل (الجمعية الجغرافية الخديوية) و (المجمع العلمي المصري) و (الجمعية الخيرية) .... الخ، كلهن يطلق عليهن اسم

стр. 272

جمعية وليس لواحدة منهن مقاصد سياسية. نعم شعرنا بتعرض مجلة " العالم الإسلامي " لبعض المرامي التي كانت تتجنبها من قبل وفي مقالتها الأخيرة التي نحن الآن بصددها ما يزيد شعورنا هذا قوة. على أننا قد سررنا كثيرًا من نفي رصيفتنا حدوث التغير في خطتها ونحن لا ننكر عليها ما تقوله عن نفسها لأن ذلك ما كنا ولا نزال نتمناه لها. أما عنايتها بنشر ما حصلت عليه من المعلومات عن أعمال جمعيات التبشير البروتستانتية فهذا شيء نشكرها عليه كثيرًا وحبذا لو تتفضل رصيفتنا فتكمل هذا البحث التاريخي الجميل بنشر ما لديها من المعلومات عن أعمال جمعيات التبشير الكاثوليكية وغيرها. تقول مجلة " العالم الإسلامي ": إن ملاحظاتنا المتعلقة بالإسلام مهمة في بابها وكانت تحب أن تقول: إنها جاءت

стр. 273

في أوانها، لولا أن القول متعذر عليها، لأن العالم الإسلامي ليس الآن مُهَدَّدًا فقط بالغارة والفتح بل هو قد أغير عليه ... الخ ونحن لسنا على رأي رصيفتنا في هذه النتيجة لأن فرنسا نفسها قد مرت عليها أدوار أصعب من الدور الذي نحن فيه، ووقعت في أزمات أشد من أزمتنا الحاضرة، بل إن الخطر الذي تقول رصيفتنا إنه يتهددنا ليس بأقل من الخطر الذي تشعر فرنسا الآن بأنها مهددة به لأنها صارت لا يقوم لها أمر إلا بفضل حماية غيرها لها، وهي وإن كانت لا تزال حتى الآن تسعى لاستعمار غيرها فإنها تخشى أن تفضي بها الحال إلى أن تكون في يوم ما مستعمرة لغيرها، وإذا كانت هي غير يائسة من تلافي هذا الخطر مع الزمان فنحن أيضًا غير يائسين من المستقبل، والمستقبل بيد الله. وتقول رصيفتنا إن العرب والترك الأرناؤوط والروم

стр. 274

والأكراد والسوريين يميلون إلى الحكم الأجنبي. وهذه فكرة غير صحيحة، ولو تحقق اللبنانيون - مَثَلاً - في يوم من الأيام أن فرنسا الحاكمة على الجزائر وتونس والمحتلة لمراكش ستكون الحاكمة عليهم لتحفزوا حينئذ لقتالها بشدة لا تعدلها شدة مقاومة الطرابلسيين لإيطاليا. وقد صار اللبنانيون وكل مسيحيي الدولة العثمانية يعلمون أن فرنسا لا ترتبط معهم برابطة الدين وأنها تعد من التنور القضاء على الدين المسيحي ومطاردة رجاله، بل إن الأقطار التي هي تحت حكم فرنسا مثل الجزائر وتونس وغيرهما لو تيسر لأهلها التخلص من الحكم الفرنسوي ولو إلى حكم أي دولة أجنبية أخرى ما ترددوا في التخلص منه إلى غيره. وأعجب ما قرأناه في مقالة رصيفتنا - بعد قولها إنه ليس بين المشتغلين بالسياسة اليوم من العرب والأتراك من يجهل الاستعدادات العامة التي تجري لأجل تقسيم الدولة العثمانية تقسيمًا نهائيًا - أنه ليس بين الدول الأوروبية العظمى

стр. 275

غير الدولة الفرنسية ابتعدت عن هذا التقسيم (الخ) ونحن لم نفهم سر هذا الابتعاد، ولم نشأ أن نقول إنه من باب العفة والزهد لأن هذا الباب مفقود من كتاب السياسة، فحبذا لو تفضلت رصيفتنا بإزالة هذا الإشكال وإبانة السبب الموجب لهذا الابتعاد. تتهمنا رصيفتنا بأننا نستفظع من أصدقاء الإسلام! تنبيههم لنا وتحذيرهم إيانا من الخطر، ونحن لا نذكر أننا وقعنا في هذا الخطأ وإذا كانت تعني بهذا التنبيه والتحذير نشرها لمقالات " الغارة على العالم الإسلامي " فنحن قد أحللنا هذه المقالات محلها من الاهتمام وعنينا بنشرها بالعربية كما سررنا من انتشارها بالفرنسية، ولا نزال نستزيد رصيفتنا من هذه المعلومات. أما انتقاد مجلة " العالم الإسلامي " لمشروع دار الدعوة والإرشاد وقولها عنه إنه رجوع إلى الطريقة القديمة فلم يظهر

стр. 276

لنا أنه انتقاد وجيه، لأننا متحققون من فائدة هذه المدرسة لبلادنا. والناس أدرى بكثير من شؤون أنفسهم. ومع ذلك فنحن لا نرى ضررًا من انتشار معاهد العلم بكل أنواعها و" المؤيد " كان في مقدمة الصحف الداعية إلى تأسيس الجامعة المصرية التي يدير شؤونها الأمير فؤاد باشا ولكن هل لرصيفتنا مجلة " العالم الإسلامي " أن تبين لنا الفوائد التي نالتها بلادها من الجامعة المصرية من الوجهة التي هي موضوع بحثنا؟ إنها إذا أبانت لنا ذلك تكون قد استوجبت شكرنا لها مرة ثانية.

стр. 277

كَلِمَةٌ فِي هَذَا الكِتَابِ: بقلم كاتب الشرق الأكبر الأمير شكيب أرسلان لما أخذنا في نشر فصول هذا الكتاب في صحيفة " الفتح " كان أول من عرف أهميتها وَقَدَّرَهَا قَدْرَهَا، كاتب الشرق الأكبر الأمير شكيب أرسلان، فكتب إلينا هذه الكلمة القيمة مقترحًا طبعها في كتاب مستقل. قال حفظه الله: «إني أقترح طبع هذه المقالات المترجمة في " الفتح " عن أعمال المُبَشِّرِينَ كتابًا على حدة يطبع منه ألوف من النسخ وعشرات ألوف ويوزع على جميع العالم الإسلامي بدون استثناء ويقتنيه كل مسلم ذي حمية ويقرأ منه الخطباء والمدرسون في الجوامع ولا يبرح بين أيدي المسلمين حتى يستظهروه غَيْبًا لعلهم ينهضون أخيرًا لمقابلة الشيء بمثله ويؤلفون الجمعيات ويتبرعون لها بالأموال ولو بعشر عشر معشار ما يتبرع الإفرنج لجمعياتهم التبشيرية التي لا نحتاج إلى ذكر مآربها الخبيثة بما شرحته لنا تقاريرها وما

стр. 278

فضحته من أسرار أعمالها وما أوضحته من الطرق التي هي سائرة عليها لهدم الإسلام من كل أقطار الأرض. ويجب أن يترجم هذا الكتاب إلى التركي والفارسي ولسان الأورد ولسان الملايو وجميع ألسنة الشعوب الإسلامية. وإننا لنشكر (زويمر) وأقرانه وجميع هؤلاء المُبَشِّرِينَ على هذه التقارير التي لم ُتبق عند أحد شبهة في حقيقة مقاصد هذه الجمعيات وهذه البعثات التبشيرية على اختلاف نحلها، كما أنها لم تبق عند أحد شبهة في تعضيد الحكومات الأوروبية لهذه الجمعيات التبشيرية وهذه البعثات التي تبثها في العالم الإسلامي تارة خفية وتارة عَلَنًا، فإنه ما من سبيل للدفاع عن النفس أحسن من معرفة العدو ما يكيد له عدوه». لوزان شكيب أرسلان