وقد كان للمنافسة التي حصلت ضد المُبَشِّرِينَ الكاثوليك شأن كبير في توسيع نطاق التبشير أكثر بكثير من فكرة مناوأة الإسلام ومناضلته. وعلى كل فسيرى الإسلام نفسه أمام قوة التربية والحضارة الإنكليزية التي يقوم بها المُبَشِّرُونَ الإنجيليون.
وجاء بعد ذلك في التقرير ذكر إرساليات التبشير في مصر والسودان التي يرجع عهد تأسيسها إلى سنة ١٨١٥ عقب حروب نابليون حيث هبطت إرسالية التبشير على جزيرة مالطة وأخذ نطاقها يمتد وينتشر حتى بلغ مصر والحبشة واليونان وبلاد الدولة العثمانية وفلسطين. ومن شأن هذه الإرساليات إرجاع كنائس الشرق سيرتها الأولى وتنصير المسلمين.
لكن بالرغم مما يبذله المُبَشِّرُونَ من الغيرة في هذه البلاد الإسلامية لم تتكلل أعمالهم بالنجاح حتى أنهم
стр. 212
أقفلوا مدرسة التبشير في القاهرة سنة ١٨٦٢ بعد أن تخرج فيها بعض المبشرين. ثم تأسست إرسالية تبشيرية في مصر انتقلت إلى القدس عقب الاحتلال الإنكليزي للقطر المصري وعززت سنة ١٨٨٩ بإرسالية تبشيرية طبية.
ولجمعية التبشير الإنكليزية في مصر ستة معاهد للتبشير فيها كثير من النساء المبشرات ولها مدرسة تبشيرية ومدرسة داخلية ومدرستان للبنات في القاهرة، ومدرسة عالية في حلوان ولهذه الجمعية مكتبة هامة في القاهرة. ويقوم مبشروها بنشر مجلة " الشرق والغرب " وتبلغ ميزانيتهم في القطر المصري ١٦٠ ألف فرنك. أما الإيرادات التي يتلقاها المُبَشِّرُونَ من الوطنيين فلا تكاد تبلغ ٤٥٠ فرنكًا. وهذه الجمعية لا تعتبر إرسالياتها التبشيرية في مصر إنها أهم ما لديها كما يتضح من تقريرها السنوي وقد كانت سنة ١٩١٠
стр. 213
مهددة بصعوبات وعقبات إذ حملت الصحف الإسلامية في هذه السنة حملة شعواء على المُبَشِّرِينَ عُمُومًا. وقد كانت الصحف الوطنية خصوصًا تمتاز بما كانت تصب عليهم من كلمات السب والشتم وكان الشيخ سكندا (كذا) وامرأته عرضة للاضطهادات الأليمة. وهذه المعاملة لم تمنع بائعة كتب مسلمة متنصرة أن تقوم بواجباتها بمزيد الغيرة والنشاط والأعمال الطبية مستمرة في النمو إلا أنها لا تأتي بفائدة من الوجهة الدينية لأنه لا يكاد الطبيب يظهر بمظهر المبشر حتى تعلو حوله الاعتراضات كما كان شأن الدكتور (هربور) التابع لإرسالية تبشير النيل. وقد قام إمام جامع (حامول) حيث كان مكث الدكتور ستة أشهر فحث الأهالي على عدم حضور مذاكرة هذا الدكتور الذي استطاع مع ذلك إبراز بعض مناظر بالفانوس السحري في قرية (ستريس) وأسس فيها مدرسة صغيرة لتعليم التوراة. وللجمعية أيضًا مدرسة في منوف وأخرى في شبرازنجي
стр. 214
بقرب منوف بين سكان كلهم مسلمون.
وقد رصدت الجمعية بعض أموال لإقامة ذكرى (غردون) عقب موته في الخرطوم. وهذه الأموال مكنت الجمعية بعد فشل الخليفة من تأسيس إرساليات تبشير في أم درمان والخرطوم وعطبرة ومليك وفي أواسط السودان مع مدارس بنات، ولها أيضًا ثلاث مدارس للبنات في السودان الشمالية. وأحوال مدرسة (عطبرة) سائرة من حسن إلى أحسن لأنه أصبح في استطاعة المُبَشِّرِينَ في عطبرة أن يطلبوا من التلاميذ الصغار المسلمين أن يصلوا معهم صلاة الصبح. وهم يطلبون أيضًا مثل هذا الطلب من المرضى المسلمين في مستشفى أم درمان.
واختتمت الجمعية نبذة تقريرها عن هذه الجهة قائلة: إن على أثر موت (ليوبولد الثاني) ملك بلجيكا أرسلت
стр. 215
الحكومة ٥٠٠ جندي مسلم إلى مقاطعة اللادو فانتشر هؤلاء الجنود في البلاد وأخذوا يفتحون المدارس الإسلامية وسط القبائل الوثنية. وللجمعية أيضًا إرساليات تبشير عديدة في فلسطين أخذت تنتشر في هذه البلاد منذ سنة ١٨٥١ وتفضل الجمعية إرسال مبشرات غير متزوجات لأن لهن تأثيرًا على النساء المسلمات، ولها مدرسة ومعهد للتبشير في بغداد والموصل.
ويرجع عهد التبشير في بلاد فارس إلى سنة ١٨١١ وسنة ١٨٣٤ حيث ابتدأ المُبَشِّرُونَ الأمريكيون بالتبشير بين النسطوريين ثم بين المسلمين، وقد اتضح للمبشر (بروس) سنة ١٨٦٩ أن المسلمين في أصفهان يميلون إلى المجادلات الدينية فجاء إلى (جولفة) ومكث فيها حيث فتح مدارس، ثم شدت أزره جمعية التبشير الكنسية الإنكليزية واتسع بذلك نطاق التبشير إذ أسست مدارس
стр. 216
ومستشفيات ضمنها مستشفى للبنات. وفتحت مدرسة داخلية للبنات في أصفهان.
وقد قالت الجمعية إن الثورة الفارسية مهدت السبل للحصول على حرية الأديان، إلا أن نفوذ العلماء لم يزل ثابتًا والفوضى منتشرة في عرض البلاد حيث بدأت الأشرار والسلابون على قطع طرق المواصلات.
وأوسعت جمعية التبشير الكنسية مَكَانًا من تقريرها لمقدمة صغيرة استهلت بها أقوالها عن البلاد الإسلامية، وذكرت فيها مزايا الدين الإسلامي من حيث الاعتقاد بوحدانية الله تعالى، ثم بحثت في هذه الوحدانية فقالت: إنها تحتك من بعض الأوجه بمذهب اللاأدرية ومن وجه آخر بمذهب وحدة الوجود القائل إن الله والكون واحد! وتقرب أيضًا من مذهب تعدد الآلهة والشرك! حتى إن لهذه العقيدة صلة بالمذهب الحيوي القائل بوجود روح في
стр. 217
نفس الحيوان ووجود عامل حي في النبات والجماد وأن هذا هو علة الأعمال الحيوية ولا تأثير للقوى الكيماوية أو المادية، وتقول أيضًا إنه يجب أن ينكر على الإسلام سماحه لكل مسلم أن يعمل ما شاء لأنه سيكون في آخر الأمر مظهرًا للرحمة الإلهية. وقالت: إن في الإسلام عيبًا فاحشًا وهو حطه من شأن المرأة! ودعمت ما عزته إلى الإسلام بذكر نبذة جاء فيها أن امرأتين فارسيتين سميتا ابنتيهما الأولى (غير مطلوبة) والثانية (كفى بنات). ثم انتقلت الجمعية في مقدمتها إلى التساؤل عما إذا كان في الإمكان حمل المسلمين على الدخول في حظيرة المسيح. وافتتحت بابًا خاصًا أتت فيه على صنوف المجاملة التي تظهرها الحكومة الإنكليزية نحو المسلمين وهي لا تنكر أن موقف الحكومة الإنكليزية دقيق نظرًا لكثرة المسلمين الموجودين تحت سيطرتها إلا أنها تنكر على بريطانيا إهمالها مجهودات المُبَشِّرِينَ في القطر المصري والسودان
стр. 218
ونيجيريا وجعلها يوم الجمعة في دوائر الحكومة المصرية يوم بطالة لدرجة أن ذهاب الأقباط المستخدمين في الحكومة في الأرياف للكنيسة يوم الأحد منوط بإرادة رؤسائهم المسلمين.
ثم انتقلت الجمعية في تقريرها إلى ذكر أعمالها في الأقطار الهندية، وقد اتضح أنها ليست منتشرة في عرض البلاد وطولها كما يجب رغمًا عن الألفي المحطة التبشيرية التي فيها والألف المدرسة التي يدرس بين جدرانها ٦٥ ألف تلميذ وتبلغ ميزانيتها في هذه البلاد ٤ ملايين من الفرنكات منها ٥٠٠ ألف فرنك تأخذها من الإيرادات المحلية، وقالت إن أعمالها وأغراضها تختلف في هذه البلاد بحسب الأقاليم، ولها إرساليات عديدة في مقاطعة البنغال وأشغال مبشريها ليست مقتصرة على التبشير بين المسلمين، وقد يتفادى حدوث مشاكل بينهم وبين المسلمين كما هو الأمر في (بيحار) حيث قام مشايخ القرى واعترضوا على المُبَشِّرِينَ لكن هذه الأعمال لم تحل دون انتشار التوراة باللغة الأوردية ولها أيضًا معاهد وإرساليات تبشيرية في ولايتي (أوده) و (أكرا) وتقول: إن
стр. 219
أول نائب قام بأعباء التبشير في هذه الأرجاء هو رجل هندي الأصل متنصر اسمه عبد المسيح ثم انكفأ بعد ذلك مبشروها على هذه المقاطعة، ولها معاهد ومدارس في (أكرا) و (الله أباد) ويدرس في مدارسها كثير من المسلمين. ويتفق تنصير بعض أفرادها من وقت إلى آخر إلا أنها رَغْمًا من فتحها بعض مدارس بطلب من المسلمين ومساعدتهم فإن (أريا سماج) توفق إلى إقفال عشر مدارس كانت في (أزمغار) لكن هذا الأمر لم يكن ليثبط هِمَمَ المُبَشِّرِينَ بل هم دائبون على أعمالهم التبشيرية التي تأتي من وقت إلى آخر ببعض الفوائد واضعين نصب أعينهم نشر تعاليمهم وأفكارهم وجل ما يطلبونه مباشرة من الوطنيين أن يدققوا النظر في الدين المسيحي وتعاليمه. وهم ينشرون تعاليمهم التبشيرية بتلاوة التوراة في القرى وإلقاء المذاكرات في المدن وينشرون المطبوعات حتى إن أهم الأشخاص في الكلية الإسلامية في (أكرا) يطالعون التوراة المكتوبة بالعربي.
стр. 220
وقد توفقت اللجنة التبشيرية الكنسية إلى نشر بعض مؤلفات باللغة الأوردية وبحث طويل باسم " الهند والإسلام " وللجمعية إرساليات تبشير في (جابالبار) تهتم بالأمور الإسلامية ولها مدرسة عالية يتردد إليها المسلمون، وإرسالياتها التبشيرية منتشرة في كل مدن (بنجاب) وتبلغ ميزانيتها في هذه الولاية ٧٥٠ ألف فرنك يضاف إليها مبلغ ٥٠ ألف فرنك إيرادات مدارسها. وحركة أعمالها التبشيرية في هذه البلاد أحسن منها في غيرها نظرًا لما تلقاه من المساعدة والمجاملة من المستر (لورنس) أو السير (منفوماري) أو الكولونيل (مارتين) عندما تقلدوا زمام الأمور في هذه الولاية وقد اتسع نطاق التبشير من حيث التدريس والتطبيب ونشر المطبوعات والمدارس الصناعية وترجمة الكتب التبشيرية إلى اللغة الأوردية والسندية، وقالت إن أسقف (لاهور) عين المحترم إحسان الله أرشمندريتًا على دهلي، ولمدرسة
стр. 221
لاهور التبشيرية قسم صناعي ويدير أعمال مدرسة (بهاولبور) الواقعة في أحد أقاليم بنجاب الإسلامية المحضة مدير وطني وليست أعمال التبشير في كشمير ماشية كما يرام لأن المسلم الذي يتنصر يقع في حيص بيص ويصبح عرضة للتعصب والامتهان. وقد اضطر المُبَشِّرُونَ إلى إقفال مدرستهم التبشيرية في بلوشستان وتقول الجمعية في آخر تقريرها إن الإسلام يقاوم الأعمال التي توجه ضده من حيث أنه عقيدة ودين، أما من جهة حركة الحضارة والمدنية فلا شك أن أعمال مبشري جمعية التبشير الكنسية جارية على محور النشاط والتقدم.
وجاء بعد ذلك ذكر الهند الغربية فقالت الجمعية: إن هذه البلاد من الأقاليم التي اتسع فيها الاهتمام بالتبشير بين المسلمين إذ يلقي مبشروها محاضرات باللغة الإنكليزية على المسلمين الذين اقتبسوا العلوم الأوروبية ويحتدم
стр. 222
بخلالها الجدال على الأمور الدينية. كما أن المتنصر المولوي أحمد مسيح يلقي محاضرات تبشيرية في (بومباي) وتتبادل المناقشات الدينية في (أورنك آباد) باللغة الهندية ويقوم بعض المُبَشِّرِينَ بالتبشير في المحطات مثل محطة (سمند) وهي نقطة مهمة تلتقي فيها قطارات عديدة وتظهر الجمعية ارتياحها إلى علاقة المسلمين بالمُبَشِّرِينَ في هذه المقاطعة وإلى رواج مطبوعاتها التبشيرية. وللجمعية أيضًا معاهد تبشيرية في الهند المتوسطة في مثل مدينتي مدراس وحيدر آباد اختصت بالشؤون الإسلامية ليس إلا.
وقد ابتدأت الجمعية بإرسال مبشريها منذ سنة١٨١٧ إلى جزيرة سيلان التي اتسعت أعمالهم فيها ولهم أكثر من ٢٠٠ معهد و٣٢٦ مدرسة يدرس فيها ٢٣ ألف تلميذ وجل ما يصبو إليه المُبَشِّرُونَ هو التحكك بالمسلمين خصوصًا القاطنين منهم في مقاطعة (كندي) وما جاورها لأن هؤلاء الأهالي يتظاهرون بالعداء للمبشرين ولا يدعون
стр. 223
أولادهم يذهبون إلا إلى المدارس الخاصة التي أسسوها لأنفسهم.
ولم تذكر الجمعية شيئًا عن المسلمين في الصين إلا أن مبشريها بلا شك يعلقون على المسألة الإسلامية أهمية كما يتضح من مؤلف القسيس (مارشال برومهال) بخصوص الإسلام في الصين، ولهذه الجمعية في بلاد الصين ٣٠٠ مدرسة ويبلغ ميزانية مبشريها ١.٣٠٠.٠٠٠ فرنك.
أما جمعية تبشير التوراة الطبية فتختص بالتبشير بين النساء المسلمات والهنديات ويقوم مبشروها ومبشراتها بأكثر من ٦٠٠٠ زيارة في البيوت وتعنى بتعليم ٦٠٠٠ شخص وتعالج ٣٢ ألف امرأة وحسب هذه الجمعية أن تظهر احتياجها لتمطر عليها الدراهم من كل حدب.
* * *
انتقلت بعد ذلك المجلة إلى الخوض في إرساليات
стр. 224
التبشير الأمريكية فاستهلت البحث بالجمعية التبشيرية الأمريكية التي يرجع عهدها إلى سنة ١٨١٠ وقد اتسعت أعمال هذه الجمعية اتساعًا هائلاً حتى إنه بلغ عدد اللجان التي شكلتها من الوطنيين في مناطق التبشير ٥٦٨ اشترك فيها ٧٣ ألف وطني يدفعون إلى هذه الجمعية مبلغ ١.٦٠٠.٠٠٠ فرنك للقيام بنفقات الكنائس والمعاهد وتربية أولادهم ويبلغ عدد التلاميذ الذين يدرسون في مدارسها ٧٠.٠٠٠ تلميذ، كما أن لديها كثيرًا من النساء المبشرات يزداد عددهن من يوم إلى آخر. ومن جملة المبادىء والأصول التي يروجها مبشرو هذه الجمعية أنهم عندما يهبطون إحدى المدن لأجل التبشير يتركون الحرية التامة للذين يدخلون في مذهبهم في تأسيس وتشكيل كنائس خاصة يدير الوطنيون أعمالها حتى يتسنى للوطنيين الاستقلال في أعمالهم إذا اتفق أن المُبَشِّرِينَ طردوا من البلاد، وازداد عدد المدارس العالية والابتدائية في بلاد الدولة العثمانية والهند.
стр. 225
ويهتم ذوو الشأن في هذه الجمعية بإيجاد مبلغ مليوني دولار ترصد إيراداتها لسد نفقات مدارس التعليم ومدارس التبشير. وتهتم هذه الجمعية في أمر التبشير في البلاد العثمانية خصوصًا سوريا وفلسطين لأنها لا ترغب في ترك البلاد التي كانت مهبطًا للتوراة تحت سيطرة الإسلام.
إن الكنائس المسيحية الشرقية الخاملة في هذه البلاد لها أربعة فروع: الأول في البلاد الأوروبية العثمانية ومركزها (سافوكو) في بلغاريا، والثاني في آسيا الصغرى ومركزه (الآستانة)، والثالث في سوريا وله مركزان في (مرعش) و (عينتاب)، والرابع في الكردستان ومركزه (خربوط) وجل ما يتوخاه مبشرو هذه الجمعية استمالة الكنائس الشرقية وتنصير المسلمين بالتدريج وبالوسائط الفكرية والتعليمية، لأنهم يعلمون يقينًا أنه يتعذر تنصيرهم مباشرة.
стр. 226
وأشارت هذه المجلة إلى التعضيد الذي يلاقيه المُبَشِّرُونَ الأمريكيون من أغنياء أمتهم ومتمولي بلادهم الذين يمدونهم بالأموال الطائلة، ثم أتت على ذكر حادثة حصلت إبان انعقاد المؤتمر التبشيري المختلط في (روشستر) إذ انبرى المستر (ألفريد ميرلنغ) الصيرفي والمثري الشهير في نيويورك وتقدم إلى الحاضرين قائلاً: «إن لدي أمرًا أريد أن أبسطه عليكم وهو أننا أصدقاء قديمون اجتمعنا هنا ورأينا أننا كنا في ضلالة لأن السعي الوحيد وراء اقتناء الأصفر الرنان الذي لا يأتي بفائدة أدبية ولذلك يجب أن نعمل مجهوداتنا للتأثير على رجال الكنيسة وعلى الأغنياء الذين يتمتع كل منهم بشيء عن ثروة البلاد التي تربو على ١٠٧ مليارات ريثما يستعملوا ثروتهم لأغراض سامية نبيلة لأن العالم كله في حاجة شديدة ليسوع المسيح. ولذا فإننا نقول للقائمين بأعمال لجان التبشير سندر عليكم أموالنا بمزيد من الدقة فهل لكم أن تنضموا إلينا وأنتم في شرخ الشباب؟
стр. 227
ضحوا حياتكم نظير ما نبذله لكم من الأموال، لأننا نحن الآن في سن الشيخوخة وأصبحت أيامنا معدودة، هل لكم أن تقفوا حياتكم على خدمة يسوع المسيح؟ نحن نريد جمعية تبشيرية لا يعطلها على أعمالها غير الموت ولنبرم إذن هذا العقد بيننا».
ثم اجتمع متمولو أمريكا وأغنياؤها لأول مرة سنة ١٩٠٦ بدعوة من أحد أغنياء التجار في واشنطن وهو الذي انبهر بما قام به شبان التبشير في مؤتمرهم في (ناشغيل) سنة ١٩٠٦ فقرر هؤلاء المتمولون تأليف لجنة منهم للمذاكرة مع رؤساء كل إرساليات التبشير الأمريكية في الأمور الآتية:
١ - بذل المجهودات لأجل تربية المُبَشِّرِينَ العلمانيين.
٢ - البحث وإعمال الفكرة لرسم خطة تنصير العالم قاطبة في مدة ٢٥ سنة.
стр. 228
٣ - تشكيل لجنة هامة مؤلفة من ٦٠ عُضْوًا أو أكثر بأقرب ما يمكن لكي تتعهد وتزور مراكز إرساليات التبشير وتعمل التقارير عنها.
وقد كان من نتيجة هذا الاجتماع الذي أقامه المتمولون الأمريكيون رواج فكرة التبشير وتأسيس لجان لهذا الغرض في كل أرجاء الولايات المتحدة، وصار يرجع أمرها إلى لجنة مركزية مؤلفة من مائة شخص منتشرين في الولايات المتحدة وبلاد كندا. ثم أقيمت اجتماعات صغيرة في ١٠١ مدينة من أمهات مدن الولايات المتحدة، وكذا عقد على أثرها مؤتمر تبشيري وطني في كندا، ومؤتمر آخر في شيكاغو.
وهذه المجتمعات والمؤتمرات تقام في أفخم الفنادق فتعمل لها الولائم إبان انعقادها ويحضرها رهط من المثرين الأمريكيين ويستعين كبار المُبَشِّرِينَ بتلاوة الإحصائيات
стр. 229
والتقريرات المالية ليتسنى لهم استمالة الأغنياء واستنداء أكفهم، ومن ذلك أن رئيس حركة التبشير العلماني تلا الإحصاء الآتي فقال: لو فرضنا أن عشرة ملايين من المسيحيين تعهد كل واحد منهم أن يدفع عشرة ريالات في السنة في سبيل التبشير، وتعهد مليون من الأغنياء بأن يدفع كل واحد منهم ٢٠٠ ريال في السنة لهذا الغرض، لكانت هذه المبالغ تسد نفقات كل جمعيات إرساليات التبشير، ثم لو رأى البروتستانتت الأمريكيون أن من الواجب عليهم أن ينصروا مائة مليون من غير المسيحيين لاحتاجوا إلى ٤.٠٠٠ مبشر و٢٠.٠٠٠ شخص من الوطنيين لمساعدتهم، هذا إذا فرضنا أن كل ٢٥ ألفًا من غير المسيحيين يفتقروا إلى مبشر أمريكي واحد وخمسة من الوطنيين لمساعدته. وكل ما يتطلبه هؤلاء المُبَشِّرُونَ من النفقات يقدر بأربعة وعشرين مليون ريال، أعني يمكن الحصول عليه إذا اكتتب كل شخص من التابعين للكنيسة بمبلغ سنوي لا
стр. 230
يتجاوز عشرين ريالاً. وقد اعترض أحد المُبَشِّرِينَ الألمانيين على الوسائل التي يستعين بها المُبَشِّرُونَ الأمريكيون، فلم يحفلوا باعتراضه بل أيدوا أعمالهم وبرهنوا على أن هذه الوسائل عززت إيراداتهم التي زادت سنة ١٩٠٩ ما يقرب من ثلاثة ملايين ريال.
وقد حذت إرساليات التبشير النسائية حذوهم وطافت البلاد تستدر الأموال وأقامت الحفلات الشائقة وتتوخى هذه الإرساليات النسائية تحسين أحوال المرأة الشرقية والتحبب إليها. وقد كانت من نتيجة الأعمال التي قامت بها أن إيرادات هذه الجمعيات تعززت بمبلغ مليون ريال أمريكي.
وقد أقام المُبَشِّرُونَ معرضًا عامًا لإرساليات التبشير في (بوسطن) في باحة الماكنات الواسعة افتتحه المستر (تفت) رئيس الجمهورية في شهر أبريل سنة ١٩١١، واشترك في ترتيب هذا المعرض ٤٠٠ رئيس من رؤساء إرساليات التبشير
стр. 231
فعرضت فيه نماذج محصولات البلاد التي يرتادها المُبَشِّرُونَ مع صور محطات التبشير المنتشرة وصور متحركة تمثل أعمال المبشرين، وحاصل القول أنهم جمعوا في المعرض ملاهي عديدة وجعلوا أجرة الدخول نصف ريال أمريكي وأخذت بلدان أخرى أيضًا تعد المعدات لفتح معارض تبشيرية.
* * *
ثم جاء بعد ذلك ذكر إرساليات التبشير الألمانية التي امتازت فيها جمعية إرساليات التبشير الشرقية الألمانية، وقد كانت هذه الجمعية التبشيرية جمعية صغيرة للصلاة والتوسل من أجل تأسيس إرساليات تبشير في المشرق وذلك عقب مذابح الأرمن سنة ١٨٩٥ أسسها القسيس (لبسيوس) ثم دخلت هذه الجمعية في دورها العملي إذ نشر مؤسسها منشورًا حماسيًا قال فيه:
«إن الشرق يدعو الغرب لشد أزره فجعل ما نتوخاه أن نحرر الشرق بواسطة السيد المسيح ونخلص الكنائس
стр. 232
المسيحية من ظلم الإسلام، ونفتح طريقًا للسيد المسيح لإرجاع هذه الكنائس سيرتها الأولى، هلموا إلى قلب العالم الإسلامي، لنحرر فوز الصليب على الهلال».
وطفق بعد ذلك القسيس (لبسيوس) يطوف في بلاد الأناضول وسوريا وينشر تقاريره عن حقيقة حال الأرمن، وتشكلت لجان ألمانية لمساعدتهم وأسس هو بعض محطات تبشيرية وانتهز فرصة انتصار اليابانيين في حربهم الأخيرة وذهب إلى روسيا لأجل تنصير الروسيين الذين يكرعون من المياه القذرة في الكنيسة الروسية، وقد قال هذا القسيس: «إن الاهتمام في صيانة الكنيسة الشرقية لا يكفي للنهوض بالشرق بل يجب مناضلة ومناوأة الإسلام عدو المسيحيين الشرقيين القديم».
وعلى أثر ذلك تحولت جمعية إسعافات الأرمن إلى جمعية التبشير الألمانية في سنة ١٩٠٠ وقال (لبسيوس)
стр. 233
إنه لا يكفي المناضلة والمناوأة، بل يجب شحذ السلاح.
قد أدرك مبشرو هذه الجمعية مغزى أقوال رئيسهم وفهموا أن مناضلة الإسلام بصورة جدية حقيقية تفتقر إلى الوقوف عليه تمامًا ولذلك باشروا طبع المؤلفات المتعلقة بالإسلام وأصوله ونشرها بين العالم المسيحي ورأوا من الواجب الاقتداء بإرساليات التبشير الأخرى وذلك بترجمة الكتب الدينية إلى اللغات الإسلامية وتأسيس مدارس للمبشرين واتخاذ التدابير لصيانة المسلمين المُتَنَصِّرِينَ من تعدي بني جلدتهم، وقد تمكنت هذه الجمعية من إخراج خطتها إلى حيز الفعل بفضل القسيس المولا (أفتارنيان) (١) الذي اعتنق النصرانية بعد أن قرأ الإنجيل ثم قام بالتبشير في البلاد البلغارية، وأنشأ مجلة أخرى سماها " كونش " أي الشمس ويعني بهذا الاسم أنه
стр. 234
يرغب في بث الأفكار الدينية المسيحية بين المسلمين وقد انتشرت هذه المجلة في البلاد العثمانية والبلغارية وكانت تلاقي في بعض الأوقات معارضات شديدة.
ومما قاله رئيس إرساليات التبشير الألمانية في تقريره عن أعمالها: إن نار الكفاح بين الصليب والهلال لا تتأجج في البلاد النائية ولا في مستعمراتنا في آسيا أوأفريقيا، بل ستكون في المراكز التي يستمد الإسلام منها قوته وينتشر سواء أكان في أفريقيا أم في آسيا، وبما أن كل الشعوب الإسلامية تولي وجوهها نحو الآستانة عاصمة الخلافة فإن كل المجهودات التي نبذلها لا تأتي بفائدة إذا لم نتوصل إلى قضاء لبانتنا فيها. ويجب أن يكون جل ما تتوخاه جمعية إرساليات التبشير الألمانية هو بذل مجهوداتها نحو هذه العاصمة وهي قلب العالم الإسلامي.
وقد نشرت مجلة " الشرق المسيحي والتبشير الإسلامي " الألمانية التي هي لسان حال جمعية إرساليات التبشير الألمانية مقالة بخصوص تعيين الدكتور (ريتشر) رئيسًا
стр. 235
لهذه الجمعية ومما قالته: إن أهمية أعمال التبشير بين المسلمين تزداد يومًا بعد يوم وتستغرق أكثر مجهودات ووسائل المُبَشِّرِينَ الألمانيين حتى إن الجمعية اضطرت عقب تأسيس المدرسة التبشيرية لدرس الإسلام وأصوله ومبادئه في (بوتسدام) أن تترك الحرية التامة لرئيسها ريثما يتخصص للتبشير بين المسلمين.
وقد فتحت هذه المدرسة سنة ١٩٠٩ والقصد منها تربية المُبَشِّرِينَ واطلاعهم على الأمور الإسلامية والمؤلفات الدينية لأنه رغمًا من اطلاع المستشرقين الألمانيين وطول باعهم في المؤلفات الإسلامية فإن التعليم والعقائد التي تلقى في المساجد والمعاهد الإسلامية لم تزل خافية علينا. وقد نفح الله الجمعية التبشيرية بأستاذين علامتين اعتنقا الدين المسيحي يقومان بالتدريس في المدرسة وهما بمثابة سيل طام صب على الدين المسيحي الحي، القوتين الإسلاميتين اللتين هما الشريعة والصوفية واسم الأستاذ الأول المدرس نسيمي
стр. 236
أفندي الذي ينتمي إلى عائلة إسلامية عريقة سبق لأحد أعضائها أن تقلد منصب المشيخة الإسلامية، واسم الثاني الشيخ أحمد الكشاف شيخ طريقة صوفية.
وانضم إليها القسيس (أفتارنيان) الآنف الذكر الذي كان اسمه المُلاَّ محمد شكري أفندي وهؤلاء الثلاثة يدرسون التفسير والتعاليم الصوفية واللغة العربية والفارسية والتركية ودروسًا تاريخية دينية إسلامية لتلاميذ مدرسة (بوتسدام) وتبلغ ميزانية جمعية التبشير الألمانية ١٨٦ ألف مارك.
стр. 237
مَقَاصِدُ المُبَشِّرِينَ وَآمالُهُمْ فِي المُسْتَقْبَلِ:
لا تكتفي إرساليات التبشير بالنظاميات والأوضاع التي أخرجتها إلى حيز الفعل بمزيد الدقة والنشاط وإجهادها النفس لتوحيد أصولها وأوجهها بل هي تعد المعدات لتوسيع دائرة أعمالها ريثما تشن الغارة على الأراضي الإسلامية المقفلة في وجهها أو تتحفز لمنازعة الإسلام على البلاد التي ترسخ قدمه فيها.
وقد ظهر في عالم المطبوعات مؤلفان يتعلقان بالغارات التبشيرية في المستقبل والحظ الذي سيكون للشبيبة المتنورة فيه: أحدهما القسيس زويمر الذي يوجه
стр. 238
تأليفه إلى الطلبة ويذكر لهم الأقاليم الخالية من المبشرين، والآخر بقلم المستر (غوردنر) السكرتير العام لجمعية الطلبة المسيحيين بخصوص الأعمال التبشيرية في أفريقيا الجنوبية، وقد كانت فكرة هذين المؤلفين منطبقة على قرار مؤتمر (إدنبرج) التبشيري الذي جاء فيه: إن القسم الأعظم من العالم الإسلامي خال من التبشير المسيحي وأشير إلى الأقاليم الإسلامية الخالية من التبشير في أفريقيا وآسيا وإلى ضرورة اكتساحها.
وقد أشار (زويمر) في القسم الأول من كتابه إلى البلاد الإسلامية الخالية من المُبَشِّرِينَ مثل أفغانستان وعدد سكانها ٤ ملايين مسلم والعشرين مليونًا من المسلمين القاطنين في بخارى وخيوه وتركستان الروسية وكلها لا يوجد فيها مبشر بروتستانتي واحد.
وهناك بلاد أخرى لا تخلو من المُبَشِّرِينَ إلا أن
стр. 239
مجهوداتهم غير كافية لقضاء لبانتهم. قال: إن أهالي تركستان الصينية يظهرون مزيد الحفاوة بالمُبَشِّرِينَ وهم أقل تعصبًا من سكان البلاد الإسلامية الأخرى، ولفت الأنظار إلى أنه لا يشغل الطريق التي تصل بين الهند والتركستان الروسية وتجتاز جبل (قره قروم) إلا بعض مبشرين متنقلين من جمعية التوراة التبشيرية مع أن هذه السكة يمر بها المسلمون الصينيون الذين يتوجهون من مكة لأداء فريضة الحج. أما الوثنيون في سيبيريا فإنهم يميلون بسهولة إلى اعتناق الدين الإسلامي ولا يوجد بين مسلمي الهند الصينية الفرنساوية الذين يبلغون ٢٣٢.٠٠٠ إرسالية تبشيرية بروتستانية واحدة.
ثم جاء بعد ذلك ذكر البلاد العربية فقال:
إن جزيرة العرب التي هي مهد الإسلام لم تزل نذير خطر للمسيحية. أما المُبَشِّرُونَ القاطنون حول عدن
стр. 240
والشاطئ الشرقي منها فلا يشغلون إلا أربع نقط تبشيرية ووجودهم لم يمنع جزيرة سقطرة التي كانت في سالف أيامها مسيحية أن تصبح إسلامية محضة.
والمؤلف يعلل النفس بأن السكة الحديدية الحجازية التي تربط دمشق بمكة والمدينة ستمهد للمبشرين سبيل نشر الإنجيل باللغة العربية التي هي أكثر اللغات الإسلامية انتشارًا. والقسم الوحيد من البلاد العربية التي تتمخض به حركة تبشيرية واقعية هو القسم الواقع بين ولايتي بغداد والبصرة إذ توجد فيه محطتان مهمتان للتبشير وثلاث محطات مساعدة لها.
وقبل أن ينتهي المؤلف من البحث في القارة الآسيوية أشار إلى جزر ماليزيا وتساءل عما إذا كانت هذه الجزر تبقى في قبضة الإسلام أم لا؟ وقال: إنه دخل في حظيرة المسيحية ٤٧.٧٢٩شخصًا من البتاكس القاطنين في غرب
стр. 241
(صومترا) إلا أن الإسلام يتوطد في جزيرة بورنيو ويتوغل في كل الجزر الأخرى عدا (بالي) وينتشر في قسم من (لمبوك)، والمُبَشِّرُونَ كثيرون في سنغافورة وفي الممالك الملازمة المستقلة، إلا أنهم يتحاشون التحكك بالإسلام مع أنهم لا يلاقون أمامهم الصعاب التي يلاقيها المُبَشِّرُونَ المنتشرون في البلاد العربية الفارسية.
والمُبَشِّرُونَ في الصين والهند قليلون جِدًّا ولا يهتمون بالمسلمين.
ثم انتقل (زويمر) إلى قارة أفريقيا فقال: إنه يوجد في أواسط أفريقيا مجال فسيح للتبشير وأقاليم واسعة الأرجاء واقعة على مسافة مائة ميل من الشاطئ يربو عدد سكانها على الخمسين مليونًا لم تنتشر فيها الآيات الإنجيلية، والإسلام يتقدم وينتشر بهدوء ونظام في أفريقيا ونيجيريا بين القبائل الوثنية. لأن الحكومة الإنكليزية تمنع تبشير
стр. 242
المسلمين! وتحظر على المُبَشِّرِينَ المسيحيين ولوج الأقاليم التي يتوغل فيها الإسلام!
أما طرابلس الغرب وتونس والجزائر فليس فيهن سوى أربع محطات تبشيرية!
وقد خص (زويمر) القسم الثاني من مؤلفه بالبحث في الأمور الاجتماعية التي تتعلق بالأعمال التبشيرية فقال: إن أكبر حجة كان المُبَشِّرُونَ يدعمون بها أعمالهم التبشيرية منذ مائة سنة كانت لاهوتية دينية محضة، أما الآن فقد أصبحت أعمالهم مشفوعة بأسباب اجتماعية. وكان ينظر في سابق الأيام إلى المُبَشِّرِينَ نظر قوم يشنون حربًا صليبية ترمي إلى التنصير فقط فتحولت الأفكار وصارت الأعمال التبشيرية تشف عن فكرة الإصلاح الاجتماعي وعن رفع شأن الشعوب غير المسيحية لأن احتلال الأقاليم الخالية من المُبَشِّرِينَ ناشئ عن أحوال هذه البلاد الاجتماعية
стр. 243
المحرومة من يسوع المسيح والتي هي بالتالي خالية من كل بارقة أمل.
وأتى القسيس (زويمر) على ذكر الأوصاب الاجتماعية التي تلم بالشعوب الإسلامية وأشار إلى المتاجرة بالرقيق والقسوة الملازمة لهذه التجارة، وقال: إنها ليست في خبر كان بل ما زالت منتشرة في البلاد العربية والأفريقية حيث توجد أسواق لهذا الغرض تحميها الشرائع الإسلامية القرآنية بالرغم من الأوروبيين.
ثم ذكر بعد ذلك أسباب الانحطاط الاقتصادي في شبه جزيرة العرب ومنغوليا وأفغانستان والغزوات والغارات التي يشتعل لظاها بين القبائل العربية في الصومال وأفريقيا الوثنية والفقر المدقع المنتشر في بعض الجهات وقال: إن تمادي الاعتقاد بالتمائم وتأثيرها يؤخر أحوال الشعوب الإسلامية ويزيدها شقاء.
стр. 244
وختم هذا الباب من كتابه بقوله: إن الخطة الفاسدة الخطرة التي تفضي ببث مبادئ المدنية مباشرة ثم نشر المسيحية ثانيًا عقيمة لا فائدة ترجى منها لأن إدخال الحضارة والمدنية قبل إدخال المسيحية لا تحمد مغبته بل تنجم عنه مساوئ كثيرة تفوق المساوئ التي كانت قبلاً. وأشار في القسم الأخير إلى المزايا والسجايا العقلية التي يجب على المُبَشِّرِينَ أن يتذرعوا بها، وقال: إن المشايخ والرؤساء الروحيين في (بلوشستان) وأفغانستان غير قائمين بوظائفهم وهم على شاكلة الرؤساء الروحيين المنتمين للأديان غير المسيحية.
ثم بين أهمية الأقاليم الخالية من المُبَشِّرِينَ وأفاض في شرح الوسائل للتحكك بالشعوب غير المسيحية وجلبها إلى حظيرة المسيح وتناقش طويلاً في الخطط التي يجدر اتباعها. واستنهض همة المُبَشِّرِينَ بخطاب وجيز اختتم به كتابه الذي سماه " مجد المحال ".
стр. 245
أما كتاب المستر (غردنر) فيقع في ٢١٢ صفحة مُزَيَّنًا بصور شمسية للمساجد والمعاهد الإسلامية المنتشرة في جنوب أفريقيا ومدغشقر وضعها السكرتير العام لجمعية الطلبة المسيحيين عَمْدًا ليلفت الأنظار إلى التقدم السريع الذي يتمخض به الإسلام في هذه الأقاليم نَظَرًا لأمور سياسية واقتصادية وهذا السفر أشبه باستصراخ وإعلان حرب يحوي كيفية وأدوار النزال الذي ستدور رحاه بين الإسلام وحاملي لواء التنصير في أفريقيا الجنوبية.
وقد تساءل المؤلف عن إمكان تنصير سكان البلاد الأصليين وانتقد أقوال الدكتور (رهربك) القائل: إنه يتعذر على الوطني أن يتأثر بنفوذ المسيحية، هذه العقيدة الخاصة بالأجناس الراقية واستصوب أن يعتبروا في بادئ الأمر داخلين تحت حماية المسيحية! وأتى على براهين تنافي أقوال الدكتور وأشار إلى المنصرين في كوريا وأواسط أفريقيا وقال: إنه في الإمكان تنصير الوطنيين ببث
стр. 246
مبادئ المذهب البروتستانتي. ثم قال: إن أفريقيا الجنوبية تتمخض بحركة دينية فيخلق بالمُبَشِّرِينَ أن يسرعوا بأعمالهم ويبذلوا قصارى جهدهم في هذا الأمر إذا كانوا لا يودون أن ينتشر الإسلام في هذه البلاد وترسخ أقدامه.
وأشار إلى قول (هرتزل) الذي أفاض في مزايا ومحاسن السكة الحديدية التي تربط القاهرة ببلاد الكاب وقال: غير أن هذا الخط الحديدي يجعل القاهرة مَحَجًّا للمسلمين المنتشرين من جنوب أفريقيا إلى شمالها فيجدر نشر التبشير حينئذ من الكاب إلى القاهرة.
ويقول: إن من سداد الرأي منع جامعة الأزهر أن تنشر الطلبة المتخرجين فيها في جنوب أفريقيا اتباعًا لقرار مؤتمر التبشير العام، لأن الإسلام ينمو بلا انقطاع في كل أفريقيا.
وأشار إلى جمعية النهضة السياسية الأفريقية التي يرأسها الدكتور عبد الرحمن وهذه الجمعية تضم إليها كثيرًا من الأجناس والعناصر وهي برهان على النهضة التي دبت
стр. 247
روحها بين الوطنيين ولهذه الجمعية جريدة هي لسان حالها تنشر بالإنكليزية والهولندية وهي تبحث في صوالح الوطنيين وتحمل الحملات الشديدة في بعض الأوقات على الكنيسة الهولندية وعلى الحكومة. وقد قالت منذ مدة لقد أزف الوقت الذي يجدر بالوطنيين أن يقولوا للجنس الأبيض إن الدين المسيحي الذي تفتخرون به يباين وينافي تعاليم المسيح. وتهتم هذه الجريدة بنفخ روح النشاط بين السود لتستميلهم إلى اقتناء العقارات والاعتماد على أنفسهم، فعلى المُبَشِّرِينَ أن يحولوا أنظارهم نحو هذه الأعمال والحركات السياسية والاقتصادية. وقد أفاض صاحب التأليف في وصف فرق إرساليات التبشير المنتشرة في أفريقيا الجنوبية وكيفية اتفاقها وأصول تعاليمها والوسائل التي يجدر اتخاذها للم شعث إرساليات التبشير وجعلها كتلة واحدة أمام البحر الإسلامي الطامي.
وقال: إن حظ هذه البلاد من المُبَشِّرِينَ أكثر بكثير
стр. 248
من حظ البلاد الأخرى لأن نصف المُبَشِّرِينَ الذين وطئوا أفريقيا للتبشير بين المائة والخمسين مليونًا من الوثنيين موجودون في أفريقيا الجنوبية ليبشروا بين ظهراني ستة ملايين من السكان فيكون حظ كل مبشر ١.٣٠٠ من الوطنيين بينما حظ المبشر في الجهات الأخرى يبلغ ٢١.٤٠٠ وطني.
واختتم كتابه بذكر أسماء جمعيات التبشير ولجانها وما أسسته من المعاهد.
- تم -
стр. 249
مُلْحَقٌ:
١ - نجوى إلى القراء
(افتتاحية العدد ٦٦٦٣ من " المؤيد " بقلم السيد محب الدين الخطيب)
٢ - حول الغارة على العالم الإسلامي
(ترجمة مقالة انتقاديه أنشأتها مجلة العالم الإسلامي الفرنسية)
٣ - الجواب على مقالة المجلة الفرنسية
(افتتاحية العدد ٦٧٧٠ من " المؤيد" بقلم السيد محب الدين خطيب)
٤ - كلمة في أهمية هذا الكتاب
(بقلم كاتب الشرق الكبير شكيب أرسلان)
стр. 250
نَجْوَى إِلَى القُرَّاءِ:
بمناسبة مقالات " الغارة على العالم الإسلامي "
افتتاحية العدد ٦٦٦٣ من " المؤيد " الصادر يوم الجمعة ٩ جمادى الأولى ١٣٣٠ هـ (١).
أخبرني في الأمس زميل لي في قلم التحرير أن فريقًا من الناس ساءهم أن ينشر " المؤيد " مقالات " الغارة على العالم الإسلامي " بدون أن يعلق عليها، وأن بعضهم يرى عدم تعليق الصحف العربية على المقالات التي ترد عليها من الخارج أو التي تترجم فيها عن اللغات يعد موافقة من هذه الصحف على ما تضمنته تلك المقالات.