← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 96609

علل الحديث - الفلاس

أبو حفص الفلاس

Полный текст (321 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

قوس النور (١) الحمد لله مزجي النعم ومديمها، والصلاة على هادي الخلائق وشفيعها، وبعد: كانت كتب أبي حفص الصيرفي إلى سنوات خلت في حكم المعدوم، ما عرفها أحد ولا استهدى إليها بوجه، ولا نهض للتفتيش عنها ناهض، للظن أنها أعز من بيض الأنوق والأبلق العقوق، ثم لغلبة اليأس من وجدانها بما تباعد العهد بيننا وبين آخر المتملكين لها أو المحيلين عليها… لكن قدرا من سابغ النعمة أبقى نسخة يتيمة من كتاب العلل ردحا من الدهر قابعة في خزانة ابن يوسف بمراكش تحت رقم ٦٨٤، يمر عليها أحاد العلماء وعامتهم مصبحهم وممساهم. ما التفتوا إليها قط ولا رعوها حق رعايتها، وزواهم عن التفرس فيها والبصارة بها، عرو المجموع عن عنوان، وشأن الناس من الزهادة في مكابدة الصعب من المراكب، والتولع بالمسلك السهل، ولا سيما مما انكشف حجابه ولاح بريقه؛ لأنه يعفيهم من ضنك الاختيار ومضايقه - وما كل أحد يحمد ارتياده -؛ فتراهم يتطارحون لأجل ذلك على الاشتغال بالكتاب الواحد يكشفه أحدهم تطارح الفراش، ولو وسعهم التنقير عن هذا الكثير النادر المتواري مما لم يعلم، لم يقع هذا التهارش، ولا نازعوا الكتاب صاحبه المضنى من التنقير عليه والسابق إلى إبدائه، ولا هموا بسرقته أو كادوا… وفي ذلك ما فيه من هذر الجهد والوقت بالتوارد على عمل لا يتعين فيه جمع، وإشعار برقة الدين والجراءة على الفرية، مما لا يناسب هذا العلم الشريف المنيف. _________ (١) مشرع بدو الهلال؛ وهو اصطلاح فلكي قديم.

стр. 2

وليس هذا الكتاب مما تخفى قيمته، إذ هي لائحة في جملة أمور: - أنه ثالث كتاب في العلل - بعد كتابي علي بن المديني (ت ٢٣٤ هـ) والإمام أحمد (ت ٢٤١ هـ) (١) - يقع العثور عليه ويكشف عنه اللثام لأول مرة، بعد أن ظل قرونا عديدة في حيز المفقود، ونسخته الأندلسية الإسناد، المغربية الوراقة والدار، هي الوحيدة في العالم فيما أحسب. - أنه من أنفس الآثار النقدية لمدرسة شيوخ الإمام البخاري، في النصف الأول من القرن الثالث؛ بما احتجنه من أشهر الآراء النقدية لشيخي البصرة الأكبرين يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، وهو بذلك يعتبر أوسع مدونة مفردة تجمع أقوالهما (٢) - أنه يحتفظ بعنوان تفصيلي دال ونادر: «كتاب فيه علل الحديث ومعرفة الفقهاء الثقات من الضعاف مما اجتمع عليه العلماء من أهل البصرة»؛ زيدا على ما يطرح من قضايا تتعلق بمنهج التصنيف؛ ككونه يجعل وحده تمييز الرواة الثقات من الضعاف المختصين بصقع معين كالبصرة. - أنه أنموذج يكشف عن إرهاصات تقعيد المنهج التاريخي عند المحدثين في البصرة، ومناخ القضايا التي كانت رائجة بها. - أنه تضمن نصوصا وآثارا كثيرة استبد بها لا توجد في غيره؛ فهي من أفراده. - أن عراض نصوصه على ما نقل منها، أسفر عن تصحيح كثير من الأوهام في العزو، وتعديل بعض من الأحكام النقدية وكان من أعضل ما مر بنا في هذا الجزء، أن المؤلف كتبه على عين من متلق بعينه في زمن بعينه، افترض فيه جملة من الكفايات الفنية والمنهاجية، وقدرا من المعرفة بالنصوص والقضايا والتمثل الصناعي، فأداه ذلك إلى طي _________ (١) برواية ابنه عبد الله وزياداته. (٢) أي: مما وصلنا.

стр. 3

سياقات النصوص والإغماض في ذكر المتون باختصارها حينا والاجتزاء بطرف بعضها دون تمامها حينا، خصوصا فيما يورده حكاية لمجالس النقاد، وهي كما تعلم مثار لقضايا تروج بين ذوي الصنعة، وفيها من الاختزال والحوالة والتضمين والاقتصار على كنى الرواة ومجرد أسمائهم، واقتضاب النصوص والإيماء إليها برؤوس المسائل، وإرسال الاصطلاح لم يصر بعد مشكوكا، واشتراع الأحكام النقدية بعبارات طويت عن مجال التداول، وإيراد الإسناد مجردا عن مثنه تعويلا على اشتهاره وما هو بمشتهر اليوم. فإن انضاف إلى ما مر تضحيف ملبس أو سقط خفي، كان التفطن للمراد أبعد منالا وأعز إدراكا؛ فمنه أنه حكى عن شيخه القطان أنه كان يقول في الرهن: إن كان بأكثر مما يسوى، فهو بما فيه، وإن كان بأقل رد عليه الفضل (١). وفي المسألة استغلاق جره اختصار دعا إليه اشتهار المسألة في حينه؛ وتفصيلها: «في الرهن: يهلك في يدي المرتهن؛ إن كانت قيمته والدين سواء، ضاع بالدين، وإن كانت قيمته أقل من الدين، رد عليه» (٢). وليس هذا مما يدرك بداهة. ومن مصاعب تحقيق هذا السفير أيضا، التردد في اعتبار ما هو من كلام المؤلف جملة واحدة أو جملا؛ فإن بعض الفقرات تتضمن حكما نقديا على راو من الرواة تستحق أن تفرد برقم خاص، وبعضها أحيانا يتعلق بسؤال أو قضية تتعلق بأمثلة متعددة، فهل يسوغ إفرادها لأن كلا منها قضية بعينها أم يجوز الجمع بينها تعلة الخيط المعنوي الذي ينتظمها؟. وكان من نتائج النظر في تصحيح الكتاب، أن مما يستعان به على إدراك سياق الخبر المروي في النقد خاصة طلبه من وجوه شتى لا من وجه واحد، فإن الحكاية المنقولة - للمثال ـ عن يحيى القطان، قد تجدها محكية لابن _________ (١) العلل: ر: ٥٨. (٢) ن: مزيد التعليق على المسألة في موضعها من الكتاب.

стр. 4

المديني أو أبي موسى الزمن أو الفلاس أو بندار… ولا بد في واحد من الأسبقة أن يكون أوعب وأصرح في ذكر ما يميط لثام الغموض عن المعنى من غيره، وقد يزيد أحد مخارج الخبر زيادة لازمة بدونها لا يتضح المعنى. فيكون ضرب كلام بعضهم ببعض، تحريا لإدراك مناخ النص الذي وقع فيه إنتاجه. وغالب الظن - المؤسس على التقري وترداد النظر - أنه لو بلغنا تراث كثير من مجايلي الفلاس أمثال من ذكرنا، لوجدنا أن أحدهم وحده يقوم بعظم روايتهم، وينقل إسوة بهم ما ينقلونه، فلا يبقى لكل أحد منهم مما ينفرد به إلا الشيء القليل (١)، وقد خلصنا إلى هذه النتيجة بعد أن وقفنا كثيرا عند أخبار ونصوص في كتاب أبي حفص، لم تسعف بإضاءتها إلا مرويات أقرانه ومجايليه بالعراق خاصة، وهو ما قد نسميه بالقدر المشترك في الراوية الذي ينتجه في العادة اتحاد الشيوخ والزمان والمكان؛ فلهذا كان المعنى الذي ينتجه تسليط نص على نص آخر في موضوعه - وقد تحققت لهما شروط الوثاقة - أصح وأدق من المعنى الذي تنتجه قراءة نص معزول، مهما تسلحت القراءة بآليات قويمة. ومن فوائد كتاب العلل، أنه يحدد أين ينتهي كلام المؤلف، لتخليصه من كلام من نقل عنه؛ لأن بعضا من النصوص النقدية التي تؤوب في أصلها إليه، تعزى أبعاض منها في العادة لناقليها، خاصة إذا طال النقل، فيظن لأول وهلة أن مبدأه فحسب للفلاس دون بقيته؛ كما في الخبر المتعلق بإرسال ابن جريج (٢). ومعلوم أن تصحيح النص دون التعليق عليه تفص أنيق من العهدة، ولكنه _________ (١) يستثنى من هذا علي ابن المديني؛ لأنه في ظني لا يدخل تحت هذا النظر، ولو وصلنا تراثه كاملا لكان مستبدا بكثير من تراث هؤلاء المذكورين مجتمعين، ولا عكس. (٢) العلل: رقم ٢٩٢.

стр. 5

مفوت لأمرين عظيمين: تمرس بفهم قضايا النصوص، وكشفها للشداة. فما كان من تعليقي على نصوص الكتاب فمن هاته البابة، وبدهي أن يحالفني الصواب لماما وأن يخالفني أكثر، وأنا في كلا الحالين أفزع إلى قصد سليم، ومرام عال؛ إن شاء الله. ولعل قارئا يلم بعملنا هذا، فيسر النجوى: كم أسرف هذا المحقق على نفسه، وكم ألزم نفسه غير ملزم، وليست هاته الورقات بالكاد مما يحسن أن يستحيل سفرا. ولضريب هذا وغيره أقول: إن معاناة نصوص النقدة المتقدمين، ليس من اليسر بذاك، ورب كلمة يسبق إلى وهم القارئ العجلان حيدها عن الصواب، ويقترح تبعا لذلك ردها - اعتسافا ـ بزعمه إلى الجدد وهو الوجه الذي استقر عليه نظره، وبلغ إليه علمه -، فيفسد الأصل من حيث لا يرعوي، وإنما جنى عليه جهله بما تعني تلك الكلمة في الوقت الذي قيلت فيه، لانزوائها مع مر الزمن رويدا رويدا عن مجال التداول، ولو تلبث مليا واستشار طبقة المؤلفات الموافقة في الفن والتاريخ، لكانت ربما أنارت دربه، وأقالت عثاره. ويخطئ من يظن أن هاته النصوص التي جلبها المؤلف طيعة بالبوح عما فيها، فإنها تحتاج لمعرفة عميقة بجملة القضايا التي كانت رائجة في رحبة الحديث، وبالمتون التي كانت متداولة، وبإدارك حاد للحيثيات والسياقات الخاصة التي تحكم إصدارا نقديا معينا. وهذا الذي وصفته هو الذي جعل أكثر ما أخشاه أن أستهين بمعارضة نصوص الكتاب بالمنقول عنها ولو لدى متأخر، فيذهب بذلك عني صواب خفي، أو تنبيه نبيه، فإن المحقق مهما بلغت مدارج رقيه في الصنعة، لا يلتفت إلى كل معضلات النسخة إلا ببلاغ من نسخ هادية موفورة، فإن عدمت، نزلت الاقتباسات عن الأصل - إن وجدت - منزلتها، على أن هذا من الضرائر المرتكبة، لما يعتري المنقول في الغالب من أفانين التصرف. وأما صنيعنا في التخريج، فالدلالة على الوجه الذي ذكره المؤلف

стр. 6

للحديث دون غيره، وجلب متابعاته وذكر نبذ من اختلاف لفظه أو الزيادة عليه، ومحاولة تقريب الحكم عليه - لا الحكم عليه، إذ ليس بمسطاعنا ذلك - دون سوق المعارضات أو المعاضدات، ولا التهمم بإيراد غيره من الوجوه؛ لأن ذلك خارج عن شرطنا، ولأنه يفضي - حتى مع إعماله - إلى خلط الصحيح بالضعيف، ضرورة أن طريق المؤلف إلى الحديث قد يصح أو يضعف، وقد توجد له طريق أو طرق أخرى يختلف الحكم عليها بحسبها ولا يسعنا تعاطيها. وما كان في المناقل من طريق المؤلف فلا أدرجه في التخريج البتة، وإنما أحيل عليه لتصحيح النص وتوثيقه. وقد نشطت - بادي الرأي - لجمع كلام النقاد في الرواة المختلف فيهم ممن وقع ذكره في هذا الجزء، وقطعت في ذلك شوطا غير قصير، ولا سيما حين كانت أسماء هؤلاء تتخلل قضايا التاريخ والعلل في أول الكتاب ووسطه، لكن لما اختصت عظم مسائل آخر الكتاب بالحديث عنهم، وبدا أن الحواشي استأسدت على نص الفلاس وأخذت بخناقه، وصار التعليق عاقا لأصله، كففت عن سيرتي الأولى، واقتصرت على أن أحيل في كل راو إلى كتابين جمعا فأوعيا، وهما تهذيب الحافظ المزي، وإكماله للحافظ مغلطاي، وفيهما من النقول المحشورة، والمجلوبات النادرة، ما لا يخفى على العالمين. وقد قر عندي أن لا أحشي على النص بنقل الأحكام النقدية إلا لطائفة من النقدة يجمعهم إطار زمني محدد هو زمن الفلاس أو بعيده بقليل، فلا تخرج هذه المناقل عن طبقة شيوخه وأقرانه وتلاميذه، إما بالأصالة من كتبهم، أو بسواها من الوسائط المأمونة وإن كانت متأخرة، ضرورة أن الاستئناس بهاته الأحكام، سواء أكانت مؤكدة لما عندنا أو مباينة له، أشد غناء في تبين الجو العلمي ومناخ القضايا من أحكام المتأخرين، التي لا تعدو أن تكون قراءة مسبورة لمجمل الأحكام التي وقفوا عليها، أداهم اجتهادهم المؤطر بقواعد الفن إلى اختيار أو ترجيح إنما أصبح ملزما في الغالب عند غياب كتب التأسيس أو ضياعها أو عدم الثقة بالناقل عنها، أما وأن نص الفلاس هذا ـ أو

стр. 7

ما يشبهه إن وجد - من فترة التأسيس، فلا يصح البتة محاكمة ما فيه إلا إلى ما يناظره ويماثله على مستوى البنية والدلالة. ودعانا إلى هذا التحديد المنهجي - وإن لم نفلح في طرده لصعوبته البالغة - محاولة استشراف أنماط تفكير محدثي القرن الثالث، ومشامة القضايا التي أسهمت في بناء أحكامهم، عقدية كانت أم فكرانية (١) أم صناعية. وليس هذا حاش الله طمرا للتراكم العلمي الخطير عند المتأخرين ولا إغفالا له، ولكنه قصد إلى التشبع بروح هاته النصوص يوم أن أنتجت، بالانفكاك «المؤقت» (٢) عن سلطة القراءات المتأخرة، فإن تسليط أحكام «التقريب» للمثال اعتسافا على رواة هذا الجزء، مذهب بالكلية للفائدة المرجوة منه؛ لأننا نهدر بذلك فرصة الاستغلال والاستقلال العلمي في معرفة أصول وحيثيات ودلائل تبني مثل هذه الأحكام عند ناقد عظيم جهبذ كالحافظ ابن حجر ﵀، ومثل هذا هو الذي جعل الجانب النقدي في علم الحديث ضامرا أشد ما يكون الضمور، فإن رجونا من الكتاب أن يدلنا على مسالك أولئك، فلا تذهب بك الظنون في غير ذلك. وإني أبرأ إلى الله جلت قدرته وتعالى اسمه أن أقع في إمام في الحديث أو منتسب إليه عامدا، إلا ما زاغ به القلم ولم أقصد إليه، فإن الكلام في حملة شريعة رسول الله شديد، وعقباه وخيمة، ونحن إن كان لنا شأن - ولا إخاله - فبشرف انتسابنا إليهم، وإصحارنا عن فضلهم، «نعوذ بالله من الحور بعد الكور». هذا، ومن اشتغل بالحديث اليوم لقي الألاقي، لقلة عصبته، وفقدان المذاكرة فيه، وضعف الغناء في تعاطيه، وتأخر القداح الفهم للمنخرط فيه إلا بعد ردح، لارتكازه على النسيئة فلا ينتج للتو، فإن ظفرت فيه بعد هذا بمن يرفع عنك سامة الوحدان، وترقيت معه في أطوار البحث، خشي أن يكون _________ (١) مصطلح نحته أ. د. طه عبد الرحمن. (٢) هذا احتراز لازم.

стр. 8

ذلك علة إدراكك، ومادة ترقيك، فيقطع الوصلة رجاء أن ينقطع مددك بذلك… ورجاؤنا أن لا ينقطع بالله، عليه التكلان، وله الشكران، وهو حسبنا ونعم الوكيل. و «المركز إحسان لدراسات السنة النبوية» سابغ الامتنان على احتفائه بالكتاب وتقديره له، ودعواتي له بالنجح المطرد لما هو بسبيله من الخير المقيم. انتدبنا الله للخير، ورزقنا حبه، وأيدا على لزوم سبيله، وخيارا من أهله يتواصون بالحق والصبر. وكتبه محمد بن محمد الطبراني (الحسيني الصقلي) أستاذ علوم القرآن والتفسير بكلية اللغة العربية جامعة القاضي عياض، مراكش

стр. 9

الدراسة

стр. 10

تفاريق جديدة من أخبار عمرو بن علي (١) ١ - من فائت مصادر الترجمة: ٣٤٦ هـ - مروج الذهب، للمسعودي: ٤/ ٨٢. ٤٠٥ هـ - المعجم في مشتبه أسامي المحدثين للهروي، بزيادات البغوي: المخطوط: ١٥٨؛ المطبوع: ١٨٢؛ ر: ٣٢٠. ٥٠٠ هـ - معرفة رجال البخاري، للنحات من رواية عبد الرحمن بن عبد الله الوهراني (ت ٤١١ هـ): ١١٧؛ ر: ١٢٨. ٥٧٨ هـ - الفوائد المنتخبة والحكايات المستغربة للحافظ ابن بشكوال: نسخة مكتبة الفاتيكان: و ٣٦ و. ٦٥٠ هـ - أسامي شيوخ البخاري للصغاني - بخطه ـ: نسخة السلميانية رقم ٦٨: و ٤٥ ظ ـ ٤٦ و. ٦٥٥ هـ - النخبة من مشتبه النسبة لابن باطيش المؤصلي: القرويين رقم ١٢٤٨: و ١٣٦ و. ٨٠٤ هـ - التلويح في معرفة رجال الصحيح، لابن الملقن: مخطوطة رئيس الكتاب رقم ١١٩: المجلد الأول: و ١٦٢ ظ. - العقد المذهب، له: ٢٢٢؛ ر: ٧٠٢. ٩٠٩ هـ - تذكرة الحفاظ وتبصرة الأيقاظ، لابن عبد الهادي: ١٨٥؛ ر: ٥٥٠. ضبط من غبر فيمن قيده ابن حجر: ٢٢٥؛ ر: ١٨٦٣ (٢) _________ (١) هذا الفصل كالصلة للترجمة التي صنعناها للمؤلف في مقدمة تحقيق تاريخه. (٢) نشرة الكتاب يعوزها الضبط والتحقيق.

стр. 11

هـ ـ كتاب في رجال البخاري، لمؤلف غير معلوم: كوبريلي رقم ٤٥: و ٢٠٣ و. ٢ - جده لأمه، بحر بن كنيز السقا ء: جده هذا كان صديقا لعمرو بن عبيد، وما من ريب في أن الخط الجامع بينهما ما احتذياه معا من سبيل البر وتحري الاستقامة وإن كانا معا صنوين في الضعف والترك (١) - كل بحسبه!.. وإذ لم ينقل إلينا غمزه بشيء من معتقدات العدليين، فلعله صحب عمرا قبل استحكام النحلة فيه، أو قبل أن يرفع بها رأسه. وكانت له أيضا صلة بالمنصور قبل توليه الخلافة، إما استقلالا وإما بواسطة ابن عبيد، مثلما ينبي عنه خبر ساقه البلاذري عن التوزي، عن أبي زيد؛ قال: «قدم المنصور البصرة قبل الخلافة، فقال عمرو بن عبيد لبحر بن كنز (٢) السقاء: قد قدم هذا الرجل وكان زوارا إذا قدم بلدنا، فامض بنا إليه، فأتياه؛ فلما وقفا ببابه نادى عمرو: يا جارية. فأجابته جارية، فقال: قولي لأبي جعفر: أبو الفضل وأبو عثمان. فأذن لهما فدخلا عليه، فإذا هو على مصلى مخلق دارس، وإذا بين يديه طبق عليه قصعة فيها مرق لا لحم فيه. فقال: يا جارية، أعندك شيء تزيديناه؟ قالت: لا. قال: أفعندك درهم نشتري به فاكهة لأبي عثمان؟ قالت: لا. قال: ارفعي؛ ﴿قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون﴾ [الأعراف: ١٢٩] (٣). وقول عمرو للجارية: «قولي لأبي جعفر: أبو الفضل وأبو عثمان»؛ فيه _________ (١) ن: كلام النقاد مستوفى عن بحر في كامل ابن عدي: ٢/ ٤٨٥؛ ر: ٢٨٧؛ الضعفاء للعقيلي: ١/ ٤٣٨؛ ر: ١٩٧. وقد خرج الفلاس من العهدة إذ قال عن جده: «ليس عندهم بقوي»؛ نقله البخاري في التاريخ الكبير: ٢/ ١٢٨؛ ر: ١٩٢٧. (٢) في مطبوعات أنساب الأشراف كلها: «كثير»؛ تصحيف. (٣) أنساب الأشراف: ٤/ ٢٣٤.

стр. 12

إذلال على المزور بتمكن الود؛ لإفضائه إليه بالكنيتين مجردتين، وفيه إشعار بأن بحرا كان من معارف المنصور أيضا، وإلا لكان سماه، فلما أطلق كنيته علم أنها كانت معهودة للمنصور. وبالنظر إلى أن بحرا توفي سنة ١٦٠ هـ (١)، فقد عاصر من خلافة أبي جعفر المنصور، اثنتين وعشرين سنة، لست أظنه في كلها ممن درب على الوقوف ببابه، إلا أن يدلي إليه الخليفة بقديم المعرفة كما كان يفعل مع عمرو بن عبيد ويداريه، من غير أن يظفر منه بشيء، وهو القائل فيه: كلكم طالب صيد… وهو ذو مي رويد غير عمرو بن عبيد (٢) ويساعدنا على هذا الذي قدرنا أن الصفدي قال في ترجمته: «من أعيان البصرة» (٣). ٣ - جده لأبيه: كنت ألمعت في تقديم التاريخ (٤) إلى أن نسب الفلاس بعد والد الصلب يرتفع إلى جده من قبل أمه، وهذا مع مخالفته للمعتاد، عفى على ذكر والده وأرخى عليه ستورا من الإهمال، فلا نعلم عنه شيئا سوى أن اسمه عليا، وما من شيء فوق ذلك. لكن وجدت بعد في موضع فارد تسمية الفلاس لجده الآخر عند الدولابي في كناه (٥) إذ قال: «حدثنا عمرو بن علي؛ قال: حدثني جدي أبو سفيان صالح بن مهران - وكان ثقة -…». وقوله: «جدي» ثابت في جميع نشرات كتاب الدولابي (٦)، والحديث مخرج من طريق الدولابي عند _________ (١) تاريخ مولد العلماء ووفياتهم: ١/ ٣٧٣ (٢) أنساب الأشراف: ٤/ ٢٣٢. (٣) الوافي بالوفيات: ١٠/ ٥١. (٤) ١٥ - ١٦. (٥) ٢/ ٦٢٢. (٦) طبعة حيدر آباد الدكن: ١/ ٢٠٠؛ وطبعة دار ابن حزم.

стр. 13

أبي نعيم في أخبار أصبهان (١)، وليس فيه «جدي»، ورواه عن الفلاس تلميذه النسائي في صغرى السنن (٢) وكبراها (٣)، مجردا في الموضعين من الزيادة. وأبو سفيان صالح بن مهران، هذا شيباني أصبهاني، وهو مولى زكريا بن مصقلة بن هبيرة الشيباني، ثم هو بعد خراساني الأصل، كان يقال له: الحكيم (٤). فإذا تمخضت صحة الزيادة المتقدمة - وفي النفس منها شيء - أنتجت أن جد الفلاس مؤلى من أصبهان، ورد هو أو ابنه علي البصرة فاستوطنها وخطب هذا إلى بحر بن كثير بنته فأولدها عمرا… (٥) وبين جدي الفلاس من جهة الأب والأم قواسم مشتركة لا تخفى لمن أنعم النظر في ترجمتيهما (٦)، سوى أن الفلاس وثق الأول وضعف الثاني. ولعل في شبهة معرفة الفلاس بالفارسية، ما يشفع لتصحيح الزيادة، فإن هذه المعرفة ميسورة لو كان خراساني الأصل إذ تلك لغة البلد، وإنما رتبنا هذه الشبهة على خبر وحيد مصحف ساقه ابن أبي حاتم في رسم عمر بن رياح أبي حفص الضرير؛ قال: سمعت أبي يقول: قال أبو حفص الصيرفي: «هورد»» (٧). قلت: فلعله قصد «هو: رد»، و «رد»، كلمة فارسية معناها: مرفوض. لكن هذا الاحتمال فيه بعض تمحل. ٤ - علاقته بيحيى القطان وإعظامه له: بدت شدة ملازمة الفلاس ليحيى في أمور شتى منها استفساد ما نقله عنه _________ (١) ١/ ٤٠٨. (٢) ٣/ ٢١٩؛ ر: ١٦٤٥. (٣) ٢/ ١٢٧؛ ر: ١٣٢٨. (٤) ن: ترجمته مستوفاة في الجرح والتعديل: ٤/ ٤١٣؛ ر: ١٨١٥؛ أخبار أصبهان: ١/ ٤٠٧ - ٤٠٨؛ حلية الأولياء: ١٠/ ٣٩١؛ تهذيب الكمال: ١٣/ ٩٣ - ٩٤؛ ر: ٢٨٤٠. (٥) لو قطعنا بصحة هذا الخيط، لتعلقنا به في ربط علائق شتى، وأسسنا عليه خلاصات كثيرة، لكن صح العدول عن ذلك لأن الأساس غير متين. (٦) ن: عن الأول كتاب التاريخ: ١٦ - ١٧. (٧) الجرح والتعديل: ٦/ ١٠٨؛ ر: ٥٧٢. وصحفت فيه العبارة إلى «هوزد»؛ ولا معنى لها.

стр. 14

في كتبه على ما نقله عن غيره؛ وحكايته عنه بعض معهود عباراته وأجوبته الخارجة عن مهيع الفن، والمتعلقة بشخصه فحسب، وكان يعجبه أن يثني عليه، فقد ذكر في كتابه أنه حدثه بحديث فاستحسنه (١)، وأخبره بآخر فاستحسنه أيضا واستعاده منه غير مرة (٢). وهو يلحف في سؤاله فلا يتبرم به بل يسعفه مثلما في قوله: «سألت يحيى عن حديث ثور، عن حريز، عن أبي خداش. فقال لي: معاد سمعه من حريز، فسله عنه. فلم أدعه حتى حدثني به» (٣). وهو لا يني يعنى بنقل مواقف يحيى من قضايا مختلفة؛ كموقفه من المفاضلة بين علي وعثمان ا؛ مثلما يسفر عنه هذا الخبر: «سمعت معاذ بن معاذ يقول: حدثنا شعبة، عن حصين، قال: قلت لأبي وائل: علي أفضل أو عثمان؟ قال: علي؛ حتى أحدث ما أحدث. فأما اليوم، فعثمان. قال معاذ: فحدثت به بشر بن المفضل فقال: عثمان كان خيرا قبل وبعد. فغضب يحيى وقال: ما درى هذا عمر بن الخطاب، حين جعلها شورى بين ستة!» (٤). وفيه إنكار ورد من يحيى لهذا الكلام بصنيع الفاروق ﵁، إذ لو كان ظهر له مفاضلة لم يلجأ إلى الشورى؛ فظهر أن عليا وعثمان ا عند يحيى كفرسي رهان أو وكركبتي بعير؛ أو الوقف، وهذا هو المشهور عنه، قال أبو زكريا يحيى بن معين: «قال يحيى بن سعيد: كان رأي سفيان الثوري: أبو بكر وعمر، ثم يقف. قال يحيى بن معين: وهو رأي يحيى بن سعيد» (٥). وأما أدبه معه فمضرب الأمثال؛ وناهيك به وبالجلة يقومون بين يدي يحيى ساعات طوالا لا يجرؤون يجلسون ما لم يأذن لهم؛ أسند الخطيب إلى إسحاق الشهيدي قوله: «كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر ثم يستند إلى أصل منارة مسجده، فيقف بين يديه علي بن المديني، والشاذكوني، وعمرو بن علي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين وغيرهم؛ يسألونه عن الحديث، وهم _________ (١) العلل: ر: ١٠٨. (٢) العلل: ر: ١٨٨ (٣) العلل: ر: ٧٠. (٤) العلل: ر: ٤٨. (٥) من كلام ابن معين في الرجال، رواية الدقاق: ٢٩؛ ر: ٦ - ٧.

стр. 15

قيام على أرجلهم إلى أن تحين صلاة المغرب، لا يقول لواحد منهم: «اجلس»، ولا يجلسون هيبة وإعظاما (١). ولازمه آخر حياته، وكان يتعاهده في مرضه، يدل له قوله: «قلت ليحيى في مرضه الذي مات فيه: يعافيك الله إن شاء الله. قال: أحبه إلي أحبه إلى الله!» (٢). ويميز الفلاس ممن نقل عن القطان أقواله في الرجال والعلل، أنه حكى عنه كثيرا من اختياراته الفقهية وفتاواه وانفرد بنقلها، فذكر أنه كان يرفع يديه في كل خفض ورفع. وأن ركبتيه كانت تقعان قبل يديه (٣). وأنه كان لا يتوضأ مما غيرت النار (٤). وأنه كان يكره النبيذ كله (٥). وكان يقول في الرهن: إن كان بأكثر مما يسوى، فهو بما فيه، وإن كان بأقل رد عليه الفضل (٦). وسئل عن السمك يعتلف العذرة، فلم ير به بأسا (٧). وسأله الفلاس عن رجل ترك سجدة من ركعة، فذكرها وهو في الثانية. فقال: يسجدها إذا ذكرها، وعليه سجدتا السهو (٨). وسأله أيضا عن امرأة في بطنها ولدان، فوضعت أحدهما. فقال: هي (٩) نفساء. ونقل عن يحيى تذمره من إمامة القدرية، ووسمهم بإساءة الصلاة (١٠)، وتكرر له ضريبه في مثل قوله: «رآني يحيى مرة وأنا أجيء من قبل الجبل بعد ما صلينا الصبح، فقال: من أين جئت من ها هنا؟ فقلت: لم أدرك الصلاة معهم، فصليت في هذا المسجد. فقال: لا تصل فيه؛ فإن إمامهم معتزلي (١١).» ٥ - بعض صحبه ورفقائه في الطلب (١٢): مثل هؤلاء الأعلام، تضيع كثير من تفاصيل حياتهم في غمرة أنشطتهم _________ (١) الجامع: ١/ ١٨٥؛ ر: ٢٩٩. (٢) العلل: ر: ١٦٨. (٣) العلل: ر: ٥٥. (٤) العلل: ر: ٥٦. (٥) العلل: ر: ٥٧. (٦) العلل: ر: ٥٨. (٧) العلل: ر: ٥٩. (٨) العلل: ر: ١٦١. (٩) العلل: ر: ١٦٢. (١٠) العلل: ر: ١٦٠. (١١) العلل: ر: ٣٥. (١٢) ممن لم نذكرهم في التاريخ: ٨٥ - ٨٧.

стр. 16

المتعددة، بمقتضى أنهم مقصودون للتعليم والفتوى، ويعسر على كاتب سيرهم أن يمين بيسر بين العابر من معارفهم، وبين المقيم الثابت، ومجلى ذلك أننا لم نظفر في تسمية أصدقائه إلا بعدد لا تنعقد عليه الخناصر، فعرفنا منهم - بعسر - أبا الآذان عمر بن إبراهيم، وهو بغدادي حلاه الخطيب البغدادي بالحافظ (١)؛ لقب بذلك لكبر آذانه، وكنيته أبو بكر (٢)، مات سنة ٢٨٦ هـ (٣)، فيكون من طبقة تلاميذ الشيخ الأذنين إلى قلبه كالصاحب. قال محمد بن أحمد بن بخيت: «سألت عمرو بن علي، وهو متكئ على يد رجل… ثم زاملت أبا الآذان عمر بن إبراهيم في طريق مكة، فقال لي يوما: تذكر يوم سألت عمرو بن علي… وهو متكئ على يد رجل؟ أنا كنت ذلك الرجل…» (٤). وأما أبو قتادة، الذي قال عنه ابن عبد البر: «صاحب لعمرو بن علي الباهلي الصيرفي، سمع عاصما الكوزي» (٥)؛ فمعرفة كالنكرة، ولم نجد ما يجلو عنه غبش الجهالة، فإن الكوزي هذا وضاع جرحه الفلاس نفسه (٦). وكان الإمام أحمد من طبقته، فلست أدري كيف كانت صلته به، وما من ريب أنهما اجتمعا في مجالس شتى، منها ذلك الذي جمعهما في التلقي عن ابن مهدي، وقد عرضا معا بالذكر لواحد من تلك المجالس؛ فقال عنه عمرو بن علي: «سمعت عبد الرحمن بن مهدي، وذكر ابن أبي عدي فأحسن الثناء عليه، ونظر في كتابه معي له عن جعفر بن ميمون…» (٧). وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: «سمعت أبي يقول: حدث ابن أبي عدي عن جعفر بن ميمون أحاديث، فجعل ابن مهدي ينظر فيها، يطلع في كتاب مع _________ (١) غنية الملتمس: ٣٥٠؛ تارخ بغداد: ٣/ ٥٧١. (٢) تهذيب الكمال: ٣٥/ ٥٨. (٣) وقيل غير ذلك. (٤) الكامل: ١/ ٣١٦؛ ر: ٧٧٦. (٥) الاستغنا: ٣/ ١٥٢٢؛ ر: ٢٣٢٤. (٦) الجرح والتعديل: ٦/ ٣٤٤؛ ر: ١٩٠١. (٧) ن كتابنا هذا: رقم ٣٥.

стр. 17

إنسان. قلت: كان الكتاب معك؟ قال: لا؛ مع إنسان آخر (١). قلت: وأنت ترى أن ابن حنبل أبهم صاحب الكتاب لما سأله ابنه عنه، وكنى عنه «بإنسان آخر»؛ فلعله لم يذكره للحين فحسب، فقد كان الفلاس من مشاهير البصرة، فلست أدري علة الإبهام، على أن الإمام أحمد لم يذكر صاحبنا في علله غير مرتين، سماه في إحداهما وكناه في الأخرى (٢). ٦ - موقفه من أبي حنيفة: كان أبو حنيفة من أعمدة الرأي والقائلين بالإرجاء، وكان المحدثون يرونه ضعيفا في الحديث، فناله منهم لأجل هذا نقد غير يسير، وخرج غيرهم بدعوى التعصب الفقهي عن النقد إلى النقض، فتولى رد هذه الكنائن المفوقة على طريق الإنصاف، الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني ﵀ في كتابه الحفيل «التنكيل» بأبدع وأوسع ما يتأتى، وأثبت من النقود والردود ما صح مما لا مدفع له، ووجه كثيرا منه. وقد كان الفلاس من زمرة من توجه بهذا النقد الحارق، لكنه ليس مؤقفا فرديا، بل يعكس وجهة نظر المدرسة البصرية كلها إذ له نظائر كثر، وإليك سياق كلامه، مجردا عن التعليق إلا حزة فلذ يسيرة: قال عمرو (٣): «وأبو حنيفة صاحب الرأي، واسمه النعمان بن ثابت، ليس بالحافظ، مضطرب الحديث، واهي الحديث». وزاد في تاريخ بغداد (٤): «وصاحب هوى». وقال (٥): «حدثني أبو غادر الفلسطيني، أخبرني رجل أنه رأى النبي ﷺ _________ (١) كتاب العلل ومعرفة الرجال (رواية عبد الله): ٣/ ٩٠؛ ر: ٤٣٢٣. (٢) ن: العلل ومعرفة الرجال (رواية عبد الله): ١/ ٣٦٦؛ ر: ٧٠٠؛ ٣/ ١٥٤؛ ر: ٤٦٨٥. (٣) الكامل: ٧/ ٦. قلت: مثل هذه الأخبار حقيقة بالتثبت والنقد. (٤) تاريخ بغداد: ١٥/ ٥٨٢. (٥) الكامل: ٧/ ٦.

стр. 18

في المنام، فقلت: يا رسول الله، حديثنا (١) هذا عمن نأخذه؟ قال ﷺ : «عن سفيان الثوري». فقلت: فأبو حنيفة؟ قال ﷺ : «ليس هناك!». - يعني: ليس في موضع الأخذ عنه». قلت: هذا أفدح من سابقه، ومتى كانت للرؤى صدقية في الأحكام؟ حتى ولو وقعت إناطتها بالرسول ﷺ ؛ وذاك ذريعة إلى فساد عظيم؛ هذا لو صح الخبر، أما وفيه جهالة أحد رواته كما في هذا، فلا عبرة به أصلا، ولا يصح أن يذكر، «ولكنها الأهواء عمت فأعمت». وقال (٢): «سمعت معاذ بن معاذ يقول: سمعت سفيان الثوري يقول: استتيب أبو حنيفة من الكفر مرتين». وقال (٣): «سمعت يحيى - يعني: القطان - وقال له جار له: حدثنا أبو يوسف، عن أبي حنيفة، عن جواب التيمي، فقال: مرجي، عن مرج، عن مرجئ». ٧ - رقته: من قوات ما قدمنا به كتاب التاريخ عند العروض لترجمته، الإشارة إلى ملمح مهم في شخصيته، وهو تلك الرقة التي لم يفلح صاحبنا في طيها عن الناس، فانكشفت في مواقف بإجهاشه بالبكاء وجريان عبرته، تعبيرا عن تأثره الديني العميق بمناقب وأحوال ونصوص؛ فمن ذلك ما شهده ابن أبي الدنيا وحكاه فقال (٤): نا أبو حفص الصيرفي؛ قال: بلغني أن عمر بن ذر (٥) كان إذا تلا ﴿وأقسموا بالله جهد أيمنهم لا يبعث الله من يموت﴾ [النحل: ٣٨] قال: _________ (١) تصحف في الكامل إلى «حدثنا». (٢) تاريخ بغداد: ١٥/ ٥٢٤ - ٥٢٥. (٣) تاريخ بغداد: ١٦/ ٣٧٥. (٤) حسن الظن بالله (دار طيبة): ٢٧؛ ر: ١٥؛ (طبعة مكتبة القرآن): ٢٧ - ٢٨؛ ر: ١٥. (٥) كثير من النقلة عن ابن أبي الدنيا يجعلونه «عمر بن الخطاب»؛ كابن رجب في رسائله (٤/ ٣٦٨) وليس ذلك في نشرات الكتاب. والمقصود أبو ذر الهمداني المرهبي الكوفي.

стр. 19

ونحن نقسم بالله جهد أيماننا ليبعث من يموت؛ أتراك تجمع بين [أهل] (١) القسمين (٢) في دار واحدة (٣). قال أبو بكر: وبكى أبو حفص (٤) بكاء شديدا». وشدة بكائه هاته تجد تفسيرها في العرق الذي ينزعه إلى جده بحر، وإلى صحبته لأهل الحديث مذ كان حدثا يتردد إلى مجالسهم. وحضر تلميذه ابن أبي خيثمة موقفا مماثلا - حين ورد الشيخ بغداد آخر عمره وحدث بها عند باب خراسان - فقال: «… فلما أصبحنا، اجتمع عليه الخلق ورقوه سطحا، فكان أول شيء حدثنا به، قال: حدثنا فلان بن فلان منذ سبعين سنة، قال: حدثنا فلان - لصاحبه - منذ سبعين سنة، وأرسل عينيه بالبكاء، وقال: ادعوا الله أن يردني إلى أهلي» (٥). ٨ - اهتمامه بمسالك الرواية ومخارج الأخبار ودقته في ضبط المتون: فمنه ما أورده محمد بن عبد السلام بن سعدان في أحاديثه، قال: «حدثنا يوسف؛ قال: حدثنا محمد بن موسى الحلواني؛ قال: حدثنا عمرو بن علي؛ قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أنس أنه كان إذا حدث عن رسول الله ﷺ قال: «أو كما قال». قال عمرو بن علي: «هذا حديث عبد الرحمن، سمعه أصحاب حماد من عبد الرحمن»» (٦). فلم يكتف برواية الحديث عن ابن مهدي، حتى زاد عليه علم أنه عند أصحاب حماد عنه بإفادة عبد الرحمن. وكان ضابطا لحديث شيوخه، يردهم إلى الجدد إذا وهموا فيه؛ فعنه قال: «نا أبو عاصم، نا عثمان بن الأسود، عن ابن أبي مليكة، «أن _________ (١) مستدرك عن سير أعلام النبلاء: ٦/ ٣٨٧. (٢) في طبعة مكتبة القرآن: المرأين المقسمين. (٣) قلت: يروى ضريبه أيضا عن عون بن عبد الله كما في حلية الأولياء: ٤/ ٢٦٣. (٤) هو: الفلاس. (٥) تارخ بغداد: ١٤/ ١٢٢ - ١٢٣؛ تهذيب الكمال: ١٠/ ٢٣٤، رت: ٤١٤٥. (٦) من أحاديث محمد بن عبد السلام بن سعدان: مكتبة فيض الله، ضمن مجموع ٥٠٦.

стр. 20

رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم». قال أبو حفص: فلما كان بعد قال: «عن عائشة»؛ فقلت لأبي عاصم: أنت أمللته علينا من الدفتر، وليس فيه عائشة. فقال: دعوا عائشة حتى أنظر فيه! (١). فانظر دقته إذ كان ذاكرا للحديث مستحضرا كيفية تلقيه عن شيخه إملاء. ومنه أيضا؛ قوله: «سمعت رجلا من أصحابنا ثقة يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول في سجوده: «اللهم اغفر لخالد بن الحارث، ولمعاذ بن معاذ». فذكرته ليحيى، فلم ينكره (٢). وفيه أن الفلاس لم يكتف برواية الثقة عن يحيى حتى سمعه منه رأسا، وقد كان في إمكانه مع ذلك إسقاط الواسطة فلم يفعل، فدل على تحريه. وإنه ليبدو هذا الإمعان في ضبط مخارج الرواية في بعض حكاياته في هذا الجزء؛ كقوله: سمعت رجلا يسأل يحيى عن حديث عبد الله بن السائب، عن زاذان في الأمانة، فقال له يحيى: هو عن سفيان والأعمش؛ فأيهما تريد؟ قال: حديث الأعمش. قال: تريد الاسم! أنا سمعت سفيان يقول: أنا ذهبت بالأعمش إلى عبد الله بن السائب حتى سمعه» (٣). فأظهرت حكايته أن سفيانا تقدم الأعمش في تلقيه حديث عبد الله بن السائب، وهو الذي دل الأعمش عليه. وهذا الضبط والتحري والإدراك هو ما عبر عنه بالبصارة في الحديث، في حكمه النقدي على أبي حذيفة موسى بن مسعود حين قال عنه: «لا يحدث عنه من يبصر الحديث» (٤). ٩ - وصف آخر مجلس للإملاء عقده الفلاس قبل موته بيوم: من مخطوط الفوائد المنتخبة والحكايات المستغربة للحافظ ابن يشكوال (ت ٥٧٨ هـ)؛ قال: _________ (١) الجامع لأخلاق الراوي: ٢/ ١٢؛ ر: ١٠٢٨. (٢) العلل: ر: ١٤٥. (٣) العلل: ر: ١٣٠. (٤) المعلم لابن خلفون: ٣١١؛ ر: ٢٦٦.

стр. 21

«قرأت على القاضي الشهيد أبي عبد الله محمد بن أحمد بن خلف حملا له ونقلت من كتابه بخطه؛ قال: نا أبو علي حسين بن محمد الغساني؛ قال: نا أبو عمر النمري؛ قال: حدثنا أبو الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف الفرضي؛ قال: نا أبو زكريا العابدي؛ قال: حدثنا أبو قتيبة محمد بن عبد الله بن مخلد الباهلي بالبصرة - في سكة بني وديعة -؛ قال: حدثني سهل بن نوح الجناني المحدث بالبصرة؛ قال: كنت أكتب عن عمرو بن علي الفلاس. قال: وكان يحدثنا في الجامع، فإذا أملى علينا ورقة كأنما قد عمل معنا كبيرا، فلما كان ذات يوم جلس لنا إلى الظهر، ثم قال لنا: من كان عنده بياض وإلا يدع بعض ما عنده عند البقال ويأخذ بياضا، ثم ارجعوا؛ فرجعنا إليه، فأملى علينا إلى العصر، ثم قال: صلوا واجلسوا. فقلت: للشيخ قصة! فجلسنا إلى المغرب، ثم قال للمستملي: قل للناس ينصتوا. فأنصت الناس. ثم قال: رأيت البارحة في المنام رب العزة وهو يقول: اخرج منها في غد بسلام. فلما أن كان في غد جتنا مبادرين وقد توفي ﵀» (١). وفي هذا الخبر على وجازته: إقلال الفلاس في مجالس الإملاء، وأن تلاميذه كانوا يكتبون، وأنهم من الكثرة بحيث احتيج معهم إلى ممل؛ وفيه من المبشرات رؤية الصيرفي رب العزة في المنام، وحديثه إليه، وإعلامه بأن خروجه من الدنيا بسلام، ثم تصديق الرؤيا بموته في الوقت الذي أعلم به. ومن مرويات الفلاس في آخر سني عمره، ما ساقه الخطيب بسنده إليه؛ قال: قال أبو حفص الفلاس البصري، سنة تسع وأربعين بسر من رأى: «ثنا يحيى بن سعيد القطان، أنا عبد الملك بن جريج، عن عطاء؛ قال: أرسل ابن الزبير إلى عبد الله بن عباس - وكان الذي بينهما حسنا - فقال: إن هذا العيد _________ (١) نسخة مكتبة الفاتيكان: ٣٦ و.

стр. 22

قد حضر؛ فكيف أصنع؟ قال: فأرسل إليه عبد الله بن العباس: «ابدأ بالصلاة قبل الخطبة، ولا تؤذن، ولا تقم»؛ قال: فساء الذي بينهما، فأذن وأقام وخطب قبل الصلاة» (١). ١٠ - الفلاس في الأراجيز الحديثية التعليمية: وقفت على أراجيز في أسماء الرجال وضبطها، تسمي الفلاس فيمن تسميه؛ أولها منظومة «القناعة فيمن روى له الجماعة»، لابن بردس البعلبكي (ت ٧٨٦ هـ)، تاتي - غير مسماة ولا معزوة (٢) - أول مجموع رقم ٤١٤ بالخزانة الحسنية (٣)، بقيت منها ١١ ورقة، وهي مرتبة على حروف المعجم، وقد ذهب منها من الحروف إلى حرف العين، وتاريخ نظمها ٧٧٦ هـ. وذكر الفلاس فيها: «عمرو بن عثمان بن عفان أتى… والصيرفي عمرو أبو حفص اثبتا» (٤) والرجز الثاني: التبيان لبديعة البيان في وفيات المحدثين الأعيان، لابن ناصر الدين (ت ٨٤٢ هـ)؛ وفيه: بعد فتى صباح البزار… وعمرو الفلاس، ذا الخيار (٥) _________ (١) الكفاية: ٢٤٣. (٢) وليس على النسخة ما يستفاد منه تعيين المؤلف، وهذا إنما وقع لنا من طريق آخر. (٣) رصيد مراكش. (٤) و ٤ و. والمنظومة مطبوعة في دار النوادر، ورقم البيت فيها ٢٦٠. (٥) ٢/ ٦٩٠ - ٦٩١؛ ر: ٤٩٩.

стр. 23

من التبيان؛ نسخة الإسكوريال رقم ١٨٦١: ٨٤ ظ. والثالث: منظومة لأبي العرفان محمد بن علي الصبان (ت ١٢٠٦ هـ) في ضبط رجال البخاري ومسلم والموطأ: نسخة المكتبة الأزهرية رقم ٢٣: و ٦٠ و. وفيها: فهد بفتح، ثم فلاس تشد… بالفتح فالسكون، فروي ورد ١١ - ثناء الأئمة عليه: - ابن ناصر الدين (ت ٨٤٢ هـ): كان لهذا الشأن أحد الفرسان، ومن الثقات المتقنين، والحفاظ الناقدين (١). _________ (١) بديعية التبيان: ٢/ ٦٩١.

стр. 24

- الداودي (ت ٩٤٥ هـ): الحافظ الإمام… أحد الأئمة الأعلام… أكثر وأتقن وجود وأحسن (١). - محمد بن عبد الرحمن، ابن الغزي (ت ١١٦٧ هـ): الإمام الحافظ العلم الشيخ… صاحب الجرح والتعديل (٢). _________ (١) طبقات المفسرين: ٢/ ١٩ - ٢٠؛ ر: ٣٩٥. (٢) ديوان الإسلام: ٣/ ٤٢٥ - ٤٢٦؛ ر: ١٦٢٨.

стр. 25

لمحات عن الكتاب ومنهجه ١ - هل هذا هو كتاب الضعفاء؟ من محاذير ذكر الضعفاء في عنوان كتابنا هذا أن المجتزئ به دون بقية كتب المؤلف قد يتوهمه المذكور كثيرا في تضاعيف كتب الرجال باسم «الضعفاء» أو «تضعيف الرجال»، وهو ما تفيده أيضا عبارة ابن خلفون الأونبي: «وله كتاب في الضعفاء من أهل البصرة» (١)، مع أن المغايرة بين كتابي العلل والضعفاء متحققة، وأدنى ما يكفي في إثباتها أن الخطيب البغدادي تملك الكتابين معا وورد بهما دمشق، وسماهما دون أن ينسقهما معا، بل ذكر الثاني متراخيا عن الأول بعنوانين (٢)، فلعل كتاب الضعفاء أشمل من كتابنا الذي قصره الفلاس على ثقات وضعفاء أهل البصرة، منضافا إلى ذكر قضايا عللية؛ فليس مخلصا للضعفاء، بدليل أن كثيرا من كلام الصيرفي في ضعفة الرواة لا يتضمنه الجزء الذي بين يديك. فضلا عن أن أقوال الفلاس المنقولة عنه خارج كتابي التاريخ والعلل، أكثر دلالة على شخصيته في الجرح والتعديل، وهي أطول نفسا وأوسع مدى في تحرره الظاهري من النقل، وهجومه على النقد، بخلاف ما في كتاب العلل، فإنه استمسك بعصم الرواية عن شيوخه فحسب، التزاما بشرطه الذي بسطه في عنوان الكتاب الطويل، وهو الاحتكام إلى أقوال مشايخ البصرة. ويزيد دلالة على تمام المغايرة بين الوضعين، ميز ابن خير الإشبيلي (ت ٥٧٥ هـ) بينهما؛ وإدلاؤه إليهما بسندين متباينين؛ فقال عن تضعيف الرجال: _________ (١) المعلم: ٤٤٠؛ ر: ٣٧٢. (٢) تسمية ما ورد به الخطيب دمشق من الكتب من روايته: ٢٩١.

стр. 26

إنه جزء صغير، وزاد: «حدثني به أبو محمد بن عتاب ﵀ عن أبي عمر ابن عبد البر الحافظ، عن أبي الوليد ابن الفرضي؛ قال: حدثنا محمد بن محمد بن أبي دليم، وأحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم؛ قالا: حدثنا محمد بن قاسم؛ قال: حدثنا محمد بن أحمد بن زهير بن حرب؛ عن أبي حفص الفلاس ﵀» (١). ٢ - من قضايا العنوان: أ - اسم الكتاب: إن عاكسنا الحظ في العثور على العنوان التام لكتاب التاريخ - وقد رجحنا أنه مفصل طويل (٢) -، فقد أسعفنا في هذا الجزء، فأعثرنا على التسمية مبسوطة مفصلة: «كتاب فيه: علل الحديث ومعرفة الفقهاء الثقات من الضعاف، مما اجتمع عليه العلماء من أهل البصرة» (٣). ولنا عليه ملاحظات نبديها ولا نبتديها، وننشئ الإشارة إليها دون إيغال، فرارا من خلاصات جازمة تستلزم استقراء المثل واطرادها وإدمان النظر فيها، وهو قصد مباين لما نؤم إليه، من تيسير النص للذكر، وتوطئة أكنافه لمريده. _________ (١) فهرسة ابن خير: ٢٦٥؛ ر: ٣٦٠./ (٢) ن: تقديمنا لكتاب التاريخ: ٩٤. (٣) النسخة الخطية: ٤٦ و.

стр. 27

ومن تلك الملاحظات: ب - ذكر الفقاهة في الحديث: وقع في هذا الجزء ما يشفع لتسمية الفقهاء في العنوان؛ فعن حذيفة بن أسيد قال: «لقد رأيت أبا بكر وعمر، وما يضحيان؛ إرادة أن يستن بهما. ثم أتيتكم فحملتموني على الجفاء بعدما فقهت السنة» (١). وأورد العبارة للتمثيل مجردة عن العزو، أبو علي الفارسي في الحجة (٢) عند قوله تعالى: ﴿ولا يكادون يفقهون قولا﴾ [الكهف: ٩٣]. وجميع من روى كلام أبي سريحة قال: «علمت السنة»، ولم يتابع أيهم الفلاس على «فقهت» - فهي من أفراده - ولكنها دالة وأقوم من أختها؛ وفيها ظهور مبكر لمصطلح «فقه السنة». ويظهر أن التقارب بين المحدث والفقيه كان شديدا لحد التباسهما، فلا يذكر الأول في طبقات الرجال إلا ذكر الثاني مثلما عند ابن سعد وابن خياط وابن زنجويه في مسارد طبقاتهم، ولعل صاحبنا جرى على هذا السبيل أيضا، فلذلك أفرد في التاريخ بابا لذكر من مات من أهل البصرة من الفقهاء (٣)، غالب من سموا في تضاعيفه من أهل الحديث، وقال في خبر آخر (٤): سمعت أزهر السمان يقول: قدم علينا محمد بن عمرو، فما تخلف عنه أحد، وما سمعت منه حرفا. ورأيت كبار أصحاب الحديث؛ رأيت حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وفقهاء البصرة ومشيخة البصرة عنده. ثم إن وجاهة ذكر الفقهاء في عنوان الكتاب، تتأسس على أن في الجزء مسائل فقهية ليحيى وقضايا تتعلق بأحاديث تروج عند الفقهاء دون غيرهم، كما يعلم بتصفحه. _________ (١) العلل: رقم ٧٣. (٢) الحجة: ٥/ ١٧٢. (٣) ٢٨٢ (٤) ٢٦٨

стр. 28

ج - البعد البلداني في التصنيف: هذا أول كتاب يصلنا يختص بنقود أهل الرواية من طريق مشايخ البصريين، وقد تلته كتب بمعنى أعم لم تصلنا؛ منها أخبار البصرة، لعمر بن شبة (١)، وابن أبي خيثمة (٢)، ولا يظن بهاته أن تكون مقصورة على تبيان أقوال علماء البصرة دون غيرهم. وفي هذا الإفراد على هذا الوجه ترفيع من المؤلف ببلده، وإعلاء لشأو مشايخه، وإقرار منه لسدنة علم الحديث منهم؛ أعني: شعبة ويحيى وعبد الرحمن. وقد عرف البصريون بالتحرز في الرواية وتحري الألفاظ، حتى قال الإمام أحمد: «ما رأيت قوما سود الرؤوس في هذا الشأن مثل أهل البصرة - يعني: الحديث والألفاظ -، كأنهم تعلموه من شعبة» (٣)، وقد أدرك هذا الأمر كبار النقدة كابن المبارك، فقد قال له ابن مهدي: «أهل الكوفة ليس يبصرون الحديث. فقال: كيف؟!». ثم لقيه بعد ذلك، فقال له: «وجدت الأمر على ما قلت». وعلله أبو عبد الله بأنهم كانوا يسألونه عن رأي حماد والزهري، وأحاديث الصغار (٤). والملاحظ أن أبا حفص يقصد بالبصريين من كان من البصرة أصالة أو ورد عليها أو مات بها ممن ليس من أهلها صليبة، فيقع له تسامح في تعيين البصريين، بوقوع اسمهم على الكوفيين والمؤصليين وغيرهم من الطارئين على البصرة وما صاقبها. فقد أورد خبرا عن المغيرة بن زياد (٥)، وهذا مؤصلي وكذلك ذكر أبا معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي، وهو مدني (٦). وإسماعيل المكي (٧)، لكنه بصري الأصل، وإنما يقال له المكي؛ لأنه سكن مكة (٨). وذكر _________ (١) الإنابة لمغلطاي: ١/ ٣٦٢. (٢) الإنابة: ١/ ٥٦. (٣) سؤالات أبي داود: ٢٠٠؛ ر: ١٤٠. (٤) سؤالات أبي داود: ٢٠١؛ ر: ١٤٢. (٥) العلل: ر: ٢٢٢. (٦) العلل: ر: ٢٥٨. (٧) العلل: ر: ٢٢٣. (٨) سؤالات أبي داود: ١٧٢؛ ر: ٢٨.

стр. 29

عبد الكريم المعلم (١)، وهذا وإن كان بصريا؛ فقد نزح إلى مكة (٢). والظاهر أنه يدخل في هذا الاختصاص المكاني الرواة المنقودون والنقدة المفيدون، ولذلك لا يذكر من الرواة غير البصريين، فإن ذكرهم فعرضا في سياق اقترانهم بالغير؛ كذكره لعبد الكريم الجزري، في قوله: «وكان يحيى وعبد الرحمن، لا يحدثان عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم (٣). وقد نقل المؤلف عن مشايخه البصريين، يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ومعاذ بن معاذ العنبري، وسليمان بن داود الطيالسي، وأمية بن خالد، وعفان بن مسلم، وسلم بن قتيبة، ويزيد بن زريع، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي، ومحمد بن جعفر غندر، وإبراهيم بن عرعرة، وعبد الله بن سلمة الأفطس، والضحاك بن مخلد، وزياد بن الربيع، ومحمد بن أبي عدي، وميمون بن زيد العدوي، وهشام بن عبد الملك الطيالسي، وبشر بن المفضل الرقاشي، وأزهر بن سعد السمان، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، ومعتمر بن سليمان التيمي، وصفوان بن عيسى الزهري، وعبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، وحاتم بن وردان، وحيان بن عبد الله الدارمي، ومعاذ بن هشام الدستوائي… فهؤلاء ستة وعشرون شيخا من مشايخ أهل البصرة، لم يسم من غيرهم سوى خمسة: حسين بن حفص الأصبهاني، وعبد الله بن نمير الكوفي، ومحمد بن خازم الكوفي، ووكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ويزيد بن هارون الواسطي. ومما مر نفهم مقصود المؤلف من عبارته: مما اجتمع عليه العلماء من أهل البصرة»، ومع ذلك ففيها تسامح ولا شك؛ لأن عمدة المؤلف هما شيخاه يحيى وعبد الرحمن، ونصيبهما من مرويات الكتاب كبير راجح لا يقاربه نصيب آخر، فالاعتبار أغلبي. _________ (١) العلل: ٢٣٢. (٢) سؤالات أبي داود: ١٩١؛ ر: ١١١. (٣) العلل: ر: ٢١٩.

стр. 30

٣ - سمات التأليف عند عمرو: أ - لزوم جدد الرواية والإحجام عن إيراد مستنبطاته: إن إناطة عمرو ما سيق في كتاب العلل بكونه من إجماعات نقدة البصرة، ناء به عن أن يفصح عن آرائه النقدية بوضوح، وقد كنا ننتظر أن يتحرر من مورد الرواية لوهلة، بانفكاكه عن القيد الذي التزمه في التاريخ، لكن تحصل أن هذا الميسم عام فيما وصلنا من كتبه (١). وقد قال الفلاس يوما لأبي الآذان عمر بن إبراهيم: «أنت لا تحسن شيئا إلا بإسناد» (٢)، وما أجدره هو بهاته العبارة، فإنها متمكنة فيه. ولك أن تتحقق ذلك بأن كتاب التاريخ لم يتضمن جرحا للرواة ولا تعديلا إلا في خصوص راويين اثنين هما: أبوا عقيل: بشير بن عقبة الدورقي (٣)، ويحيى بن متوكل صاحب بهية (٤)، الأول ثقة وتلوه ضعيف. ومع أن كتب التاريخ لم تتمحض لهذا، إلا أننا وجدنا المؤلفين الأول، يعطفون على بعض قضايا الجرح والتعديل فيها وينثرون في تلافيفها نقدات وترجيحات، بل توسع منهم من قصر التاريخ على ذلك كابن معين، وضيق منهم من حصر إهابه في الأسماء والكنى كالمقدمي الصغير؛ وحقق مفهوم التاريخ من جمع أمورا بين ذلك كثيرا، كالبخاري ﵀. وأجلى مما مر أنك لن تجد على امتداد مساحة الكتاب كلاما خالصا لعمرو، بل كل ما فيه إما مروي أو محكي، ويكفي للدلالة على ذلك، أن عبارة «سمعت» لم تخل منها صفحة من صفحات هذا الجزء، فتكررت مئة وإحدى وتسعين مرة (١٩١). ب - الأم إلى الاختصار والاقتصاد في الرواية: ويظهر هذا الإقلال أول ما يظهر في مسرد كتبه، فإننا لم نحصل من _________ (١) وقد وجدنا للفلاس آراء نقدية كثيرة خارج هذين الكتابين. (٢) ن: الحكاية بسياقها في الكامل لابن عدي: ١/ ٣١٦؛ ر: ٧٧٦. (٣) التاريخ: ٣٥٤. (٤) التاريخ: ٣٥٥.

стр. 31

أسمائها غير ستة (١) مع الإيغال في التنقير… وأين يأتي من هذا ذلك العدد الوفير البالغ مئتين من مصنفات غريمه علي، والذي حفظ الحاكم من أسمائها نحو التسعة والعشرين أكبرها في ثلاثين جزءا (٢)، ويلزم من الإكثار كما هو مقرر التشعيث والإخلال بعض الإخلال بالإحكام. ثم يبدو الإيجاز في جرم ما بلغنا من كتبه، فأكبره ثلاثة أجزاء (٣)، وصنوه جزء. وعلى عادة ابن خير في الإشعار بما يفيد أنه وقف على الكتاب الذي تلقى حق روايته، أو تملكه أو تناوله، قوله عن كتاب تضعيف الرجال لعمرو: «جزء صغير» (٤)؛ وفيه بلاغ آخر على ما قلنا. وأما القصد في الرواية، فيدل له أنه لم يشره إلى المكاثرة فلم يعرف من حديثه غير جزء واحد (٥)، ولا خرج عن حد الاعتدال في الرواية عن الشيخين، مع أنه لو فعل لأيدته شواهد الامتحان؛ قال عباس العنبري: «لو رو عمرو بن علي عن عبد الرحمن بن مهدي ثلاثين ألفا لكان مصدقا» (٦) وأوغل في البيان، ما أورده ابن بشكوال الحافظ في «فوائده» (٧): «قال سهل بن نوح الجناني المحدث بالبصرة: كنت أكتب عن عمرو بن علي الفلاس؛ قال: وكان يحدثنا في الجامع، فإذا أملى علينا ورقة كأنما قد عمل معنا كبيرا». ج - جودة التصنيف: لعل في كلمة أبي حاتم عن الفلاس أنه أرشق من ابن المديني (٨)، ما _________ (١) ذكرنا منها في تقدمة التاريخ خمسة (٨٧ - ٨٩)، واضطرب علينا الأمر ثمة فعددنا العلل وتضعيف الرجال كتابا واحدا، وليس ذلك بسديد؛ فإنهما متغايران. (٢) معرفة علوم الحديث: ٧١. (٣) باعتبار ما بلغنا، ولعل التفسير أكبر جرما، لكن لم أقف على إشباع وصفه في كتب الفهارس. (٤) فهرسته: ٢٦٥؛ ر: ٣٦٠. (٥) ن: عنه التاريخ: ٨٨ - ٨٩. (٦) تارخ بغداد: ١٤/ ١٢١. (٧) نسخة مكتبة الفاتيكان: و ٣٦ و. (٨) الجرح والتعديل: ٦/ ٢٤٩؛ ر: ١٣٧٥. وتصحفت العبارة على البعض فصارت «أوثق».

стр. 32

يجنح بها إلى أن تكون مخصوصة بجودة التصنيف لا غير ـ هذا إن لم يكن لتباين مؤقف الرجلين من محنة خلق القرآن أثرا في هذا الحكم، فإن ابن أبي حاتم نقل عن كتب الفلاس أكثر مما نقل عن كتب علي بثلاثة أضعاف، وأسعفه ما فيها من النقول المهمة، ليطلق ذلك الحكم الذي حير الكثيرين، وأما أن يظن بابن أبي حاتم أنه يرى الفلاس أعلم من ابن المديني، فهو إلى البعد ما هو، والناس سواء في دفعه، شداتهم والمنتهون، وهو فوق ما قلناه لا يتسق مع ما يتلو من قوله: «بصري صدوق» (١). ويدل لما قلنا أن الرعيل المتأخر من المتقدمين كانوا يرون للفلاس شفوفا في جودة الترتيب وحسن التأليف، قال الرامهرمزي (ت ٣٦٠ هـ): «وسمعت من يذكر أن المصنفين ثلاثة؛ فذكر أبا عبيد القاسم بن سلام، وابن أبي شيبة، وذكر عمرو بن بحر في معناه» (٢)؛ وهي كلمة فضل فيما انتحيناه. ٤ - من عادات المؤلف في الكتاب: راعى المؤلف روابط خفية وترتيبات في منهج التصنيف؛ منها: - المزج بين مباحث التاريخ ومباحث العلل. - رعي المتشابهين والمتناظرين من الرواة في الطبقة، بالسن أو الحال من الضعف أو الوثاقة، ولو من طرف خفي: مثاله: أن الكلام عن أجلح يأتي بعد الكلام عن فطر؛ وفي وجه ارتباط هذا الخبر بالذي قبله نكتة؛ وهي أن فطرا كان ينظر بأجلح؛ قال عبد الله بن أحمد: «سمعت أبي يقول: ما أقرب الأجلح من فطر بن خليفة» (٣). وزد عليه أن كليهما شيعي. وهذا من جوانب التداعي المعنوي في ذهن الفلاس أثناء _________ (١) الجرح والتعديل: ٦/ ٢٤٩؛ ر: ١٣٧٥. (٢) المحدث الفاصل: ٦١٤؛ ر: ٨٩٣. (٣) العلل ومعرفة الرجال: ٢/ ٤١٣؛ ر: ٢٨٤٩.

стр. 33

التأليف. على أن جمع كلام الأئمة في كليهما - وإن كانا متقاربين - يظهر أن حال فطر أمثل من حال قرينه، والله أعلم. ومن فقه الفلاس أنه قرن حكم الشيخين على المثنى بن الصباح إلى حكمهما على طلحة بن عمرو، إذ غالبا ما كانا ينظران ببعضهما عند المتقدمين كابن معين، فقد سئل عن المثنى، فقال: ضعيف الحديث، هو أقوى من طلحة بن عمرو (١). مع أن هذين وإن اشتركا في الضعف، إلا أن الأول معتبر بحديثه دون الآخر. وهذا التنظير واضح في نقله عن يحيى قوله: «عبد الواحد بن قيس، نحو السن من الأوزاعي» (٢)، والنزال بن عمار في السن، مثل عمران بن حدير (٣). قلت: ووجه التنظير بينهما أن عمران بن حدير من الرواة عن النزال، وكونه من أسنانه وأترابه من فوائد الكتاب، ولم أقف عليه في غيره. - إيراد خبر الراوي بإثر من روى عنه أحيانا: فمنه أنه ذكر الخبر عن يحيى الجزار (٤) بعد خبره عن عمرو بن مرة (٥)؛ وفي وجه ارتباط هذا الخبر بسابقه لطيفة، وهي أن عمرو بن مرة، يروي عن يحيى بن الجزار، وانظر أنموذجا عن روايته عنه في مسند أبي يعلى (٦). - التفنن في الإسناد، بإيراد الخبر بعينه بأسانيد مختلفة باختلاف المجالس: مثاله قوله: «سمعت يحيى يقول: سمعت سفيان يقول: أرادوا أبا البختري الطائي أن يستعملوه يوم الجماجم على القراء فأبى، وقال: أنا رجل من الموالي، ولا أحسن أهز السيف. فاستعملوا زحر بن جبلة بن زحر؛ فما برح حتى قتل» (٧). ثم ساقه بإسناد من طريق آخر: «وسمعت أمية بن خالد _________ (١) سؤالات ابن الجنيد الختلي: ٣٠٧؛ ر: ١٤١. (٢) العلل: ر: ٩١. (٣) العلل: ر: ٩٢. (٤) ن: العلل: ر: ٤٥. (٥) ن: العلل: ر: ٤٦. (٦) ٩/ ١٣٣؛ ر: ٥٢٠٨. (٧) العلل: ر: ٤٩.

стр. 34

يقول: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: أرادوا أبا البختري أن يستعملوه فقال: أنا رجل من الموالي، ولا أحسن أهز السيف» (١). ويتعلق بهذا الموضع أيضا أن الصيرفي ذكره بسياق أتم في كتاب التاريخ (٢)، وبسياق أخصر في العلل، وأخشى أنه وقع له قلب فركب إسناد الأول لمتن الثاني أو العكس كما يظهر بالمقارنة. - توزيع الخبر الواحد بين موضعين يسوقه تاما في أحدهما ويختصره طورا آخر: كتقديمه لخبر سؤال القواريري يحيى عن قول مجاهد في ﴿يمريم اقنتي لربك﴾ [آل عمران: ٤٣] واختصاره (٣)، ثم تأخيره لبيان مجاهد للآية وتفصيل خبرها بعد (٤). ووقع للمؤلف بهذا الاعتبار، قدر مشترك من الأخبار بين التاريخ والعلل (٥)، وتلك قرينة ظاهرة في التباين الأصلي بين الوضعين. - من منهج الفلاس - وهو سبيل جرى عليه العقيلي وابن عدي وغيرهما - أنه يلمع إلى صفة للراوي أو حكم، ثم يردفه بأنموذج عن روايته: مثاله: حديثه عن صفة تحديث عوف بن مالك الجشمي، ثم سوق رواية له عن عبد الله بن مسعود بعد. ونص كلام عمرو: «وسمعت أبا داود يقول: حدثنا شعبة، قال: قلت لأبي إسحاق: كيف كان أبو الأحوص يحدثكم؟ قال: كان يسكبها علينا في المسجد: «قال عبد الله، قال عبد الله»» (٦). ثم قال بإثره: «وسمعت بشر بن المفضل، قال: نا خالد، قال: سمعت علي بن الأقمر، قال: سمعت أبا الأحوص، قال: سمعت عبد الله بن مسعود قال: _________ (١) العلل: ر: ٥٠. (٢) ٣٣١ - ٣٣٢ (٣) العلل: ر: ٥٤. (٤) ن: العلل: ر: ٦١؛ ٦٢؛ ٦٣. (٥) ن: ١٦؛ ٢٦؛ ٢٧، ٤٢؛ ٥٠؛ ٧٨؛ ٩٤، ٩٩، ١٣٦؛ ١٣٧؛ ١٨٨؛ ١٩١؛ ١٩٧؛ ١٩٩؛ ٢٠٠؛ ٢٠١، ٢٠٢. (٦) كتاب العلل: ر: ١٧٨.

стр. 35

«من لم يدرك الركوع، فلا يعتد بالسجود» (١) ومنه أنه ذكر مؤقف يحيى وعبد الرحمن من عبد الكريم المعلم، ثم ساق أنموذجا عن روايته؛ فقال: «وكان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عن عبد الكريم المعلم. قال: فذكروا مرة عند يحيى في المسجد الجامع يوم الجمعة - وأنا شاهد - الترويح في الصلاة؛ فقال: يذكرون عن مسلم بن يسار وأبي العالية. فقال له عفان الصفار: من حديث من؟ فقال: حدثنا هشام ـ فقال له فيما بينه وبينه وأنا أسمع - عن عبد الكريم، عن عمير بن أبي يزيد - فيما بينه وبينه.. وأما عبد الرحمن، فإني سألته في المجلس، عن حديث من حديث محمد بن راشد، عن عبد الكريم، فقال: دعه! فلما قام، طمعت أن يحدثني به؛ فسألته عنه فقال: فأين التقوى!» (٢). - الانتقال من التصريح بالحكم النقدي إلى لازمه، أو إلى ما يشير إليه، أو إلى الحالة التي تحتف بالناقد عند ذكره: كقول الفلاس: «كان يحيى بن سعيد إذا ذكر عنده أبو بكر بن عياش، كلح وجهه وأعرض»، فيما أنه قال بالمقابل: «وكان عبد الرحمن يحدث (٣) عنه» - إناطة الأحكام على الرواة بعلاتها: كلما وقع الفحص عن سبب الجرح كان البيان أفضل للتثبت من السبب هل هو قادح أم لا. وقد اقترنت بعض الأحكام في الكتاب بأسبابها؛ وكان مدارها على: الغلو في الرفض: ٤٦. والنصب: ١. والاعتزال والقدح في الثقات: ٣؛ ٣٥. _________ (١) كتاب العلل: ر: ١٧٩. (٢) العلل: ر: ٢٣٢. (٣) كتاب العلل: رقم ٢٧٢.

стр. 36

وشتم الصحابة رضوان الله عليهم: ٢٥٠. والإلتباس بالقدر: ٣٦؛ ٣٧؛ ١٦٠؛ ١٧٥. والفسق: ٢٣٧؛ ٢٤٥. والكذب: ٣١٦. والتدليس الشديد: ٢. والرواية عن كل: ٨٩؛ ١٤٤. والتحديث عن أهل الكتاب ورواية الضعيف من السير: ٢٢. وسوء الحفظ: ٥٣؛ ١١٠؛ ٢٣٣. وقبول التلقين: ٢٢؛ ٧٤. والإختلاط: ٨٢؛ ٨٤؛ ٨٧. والإضطراب: ٢٧١. ونكارة الحديث: ١٠٤؛ ٢٨٠؛ ٢٩٠؛ ٢٩٧؛ ٣٠٢. ٥ - طريقة الكتاب في سوق العلل: لا يخرج الخبر النقدي عن أن يكون محتجنا التنصيص على ما سيق له، إفصاحا من المؤلف، وهو بذلك يعفي القارئ من ضنك التأويل وتطلب الفهم، ناهيك عما فيه من إمداد الطالب وإسعاده بإيقافه على مستنبطات النصوص، لكن هذا الصنيع هو الأغلب على المتأخرين. وقد يجبهك المؤلف بالنص النقدي كفاحا من غير توطئة ولا تذييل، وليس ثمة من هاد يأخذ باليد إلى السبيل الأقوم، والمهيع الأسلم، وعلى هذا السنن عظم كتب المتقدمين، فهي إذا تحوجك قسرا إلى مراجعة الأصول ومساءلتها لفك المعمى، وإبراز المضمر، فإن ظفرت فيها بالطلبة، فقد أمنت البائقة، وقلدت الأماثل، وإن لم تجد، أعملت فكرك ما وسعك، وأثبت ما فتح الله به. وكتب العلل تنتهج سبيلين في الغالب، وثالثا يجمع بينهما هو أقرب رحمى إلى الأول، فتبقى القسمة ثنائية على الحقيقة.

стр. 37

فأما الأول: فيقصد في الجملة إلى النظر، بذكر قواعد وضوابط الفن، وما أصله النقاد، دون أن ينفك عن التاريخ والطبقات، وتتناثر في مطاويه مثل الأحاديث المعللة. وأما الثاني: فيطوي جميع ما ذكر، ويهجم على الأحاديث المعللة بجمع طرقها لتبيان وجه العلة فيها دون تسميته أو الاكتفاء بالإشارة المختلسة إليه؛ لتعويل مؤلفي هذا الضرب على النوعية المختارة للمتلقي الافتراضي الذي لا ييمم وجهه تلقاء العلل إلا وقد استوفى من المعرفة بأفانين الحديث شطرا يمكنه من الفهم والمشاركة، ولذلك تفصى أولئك من وزر التيسير التعليمي؛ لأن صغار الطلبة بأمنة من أن يردوا هذا الحوض بكثرة الصوارف. وقد ألف شيخ الصنعة وإمامها العبقري علي ابن المديني في الضربين معا، له في الأول كتاب العلل (١)، وهو جزء بينه وبين كتابنا هذا أواصر لا تخفى، وله في الثاني كتاب الأحاديث المعللات، لم يكن معلوما منه غير ورقة واحدة من الجزء الأول بظاهرية دمشق (٢)، ثم ظهر منه بأخرة الجزء الخامس بتجزئة أبي الحسين بن المظفر في ١٤ ورقة، وسنسوق أول حديث منه وآخر حديث لندلل على أن هذه الطريقة الثانية هي التي انتهجها من بعده كبار صيارفة العلل كالدار قطني، وأن كتابنا ليس من نحوها. فأما أول حديث - وقد ذهب من أوله شيء -: «… بني العباس، فكنا معه ثلاثة على الدابة. وربما قال سفيان: حملنا وغلاما من بني عبد المطلب، وكنا معه ثلاثة على دابة». حدثنا علي، ثنا الضحاك بن مخلد؛ قال: أخبرني ابن جريج؛ قال: أخبرني جعفر بن صالح بن سارة، أن أباه أخبره أن عبد الله بن جعفر أخبره؛ قال: «لو رأيتني وقثم وعبد الله بن عباس، ونحن صبيان نلعب، فمر _________ (١) معروف مشتهر. (٢) المنتخب من مخطوطات الحديث: ص ٤٩٠؛ ر: ١٣٨٤. ضمن مجموع رقم ٦٢.

стр. 38

رسول الله ﷺ على دابة فقال: ارفعوا إلي هذا. قال: فجعلني أمامه ثم قال لقثم: ارفعوا إلي هذا. فجعله وراءه، قال: ثم مسح رأسي مليا، وكلما مسح رأسي دعا لي؛ قال: «اللهم اخلف جعفرا في ولده». حدثنا علي: ثنا عبد الوارث بن سعيد، ثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ حمل الفضل بن العباس وقثم، وأحدهما بين يديه والآخر خلفه (١). وأما آخر حديث بهذا الجزء: «حدثنا علي: ثنا يحيى بن زكريا؛ قال: حدثني إسماعيل بن أبي خالد؛ قال: حدثني حجاج الهمداني؛ قال: قال رجل لعامر: إن بي الباصور (٢). قال: صل وإن سال من قرنك إلى قدمك. حدثنا علي: ثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد؛ قال: سأل حجاج عامرا عن رجل به باصور (٣)، فقال: صل وإن سال من قرنك إلى قدمك. قال علي: فقول يحيى عن حجاج والذي رواه ابن أبي زائدة أثبت وأجود» (٤). وبين كتاب ابن المديني المطبوع وعلل الفلاس تشابه في أنحاء شتى ينتجه اشتراك المؤلفين زمانا ومكانا ومشايخ ومشارب، وتقارب الكتابين في المنهج والجرم. _________ (١) الأحاديث المعللة: الجزء الخامس: وا و؛ ضمن المجموع: و ١٦٢ و. (٢) كذا في الأصل؛ والمعروف «الناسور»؛ وقد يكتب الصاد. (٣) ن: التعليق فوقه. (٤) و ١٣ ظ - ١٤ و؛ ضمن المجموع و ١٤٧ ظ ـ ١٧٥ و.

стр. 39

من أثر الشيخين في الكتاب ١ - صيغة الحكاية في العلل عن الشيخين في التحديث أو الترك وقيمتها عند النقاد: حفلت كتب الرجال بنقل أحكام شيخي البصرة الأكبرين عن الرواة، وكان مقصود الفلاس وغيره بتحديثهما عن الراوي أو تركهما له: الاحتجاج وعدمه (١). واستقر ذلك في العرف النقدي عند المتقدمين والمتأخرين على حد سواء، بل إن روايتهما عن المجهول رفع للجهالة عنه وتمشية له، فقد سئل أحمد: «إذا روى يحيى أو عبد الرحمن بن مهدي عن رجل مجهول، يحتج بحديثه؟ قال: يحتج بحديثه» (٢). ولم يختلفوا عنهما عند روايتهما معا عن الراوي أو تركه، وإنما اختلفوا إذا روى أحدهما وترك الآخر؛ فنقل أحمد بن محمد بن أبي بكر المقدمي عن علي ابن المديني قوله: «إذا اجتمع يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي على ترك رجل لم أحدث عنه، فإذا اختلفا أخذت بقول عبد الرحمن؛ لأنه أقصدهما، وكان في يحيى تشدد» (٣). وقال الذهبي عنهما: «انتدبا لنقد الرجال، وناهيك بهما جلالة ونبلا وعلما وفضلا، فمن جرحاه لا يكاد والله يندمل جرحه، ومن وثقاه فهو الحجة المقبول، ومن اختلفا فيه اجتهد في أمره، ونزل عن درجة الصحيح إلى الحسن، وقد وثقا _________ (١) سير أعلام النبلاء: ٤/ ٣٧٥؛ ر: ١٥١. (٢) سؤالات أبي داود لأحمد: ١٩٨؛ ر: ١٣٧. (٣) تهذيب الكمال: ١٧/ ٤٣٨. ون: موقفا أقل تفصيلا لابن المديني، نقله عنه الساجي في إكمال تهذيب الكمال: ٨/ ٢٣٥؛ ر: ٣٢٥٣.

стр. 40

خلقا كثيرا، وضعفا آخرين (١). ولا غرو أن يميز النقاد القرينين بهذه الخصيصة المنهجية؛ فإنهما فضلا عن امتناعهما عن الرواية عن الضعاف، فقد كانا يتبعان مروياتهم في كتب تلاميذهم فيخطئان عليها؛ مثلما حكى بندار، قال: «أخذ يحيى وعبد الرحمن القلم من يدي، فضربا على نحو من أربعين حديثا من حديث الحارث (٢) عن علي (٣).» وإن الأمر ليصل بالشيخين إلى أن يستعديا على من لم يكف عن الرواية عن هؤلاء الهلكى ممن وقع إضفاقهما معا على تركه، حكاه أبو داود وقال: «استعدى عبد الرحمن بن مهدي على عيسى بن ميمون صاحب محمد بن كعب في هذه الأحاديث، فقال: لا أعود (٤).» وصار هذا الصنيع من صيغة نفي تحديث الشيخين أو إثباته مسلكا مطروقا في طبقة المؤلف وطبقة تلاميذه، وعنهم تلقفها من بعدهم، فتجدها عند الإمام أحمد (٥) وفيلسوف الصنعة ابن المديني (٦) واختصها هذا بتأليف مستقل في خمسة أجزاء لم يصلنا (٧) - ومحمد بن المثنى العنزي - وأظن _________ (١) ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل: ١٨٠؛ ر: ٩٦. (٢) الخارفي الأعور. (٣) الضعفاء للعقيلي: ٥٥٣/ ١؛ ر: ١٠٢٠. (٤) سؤالات الآجري: ٤٤١/ ١ - ٤٤٢؛ ر: ٩٣٧. (٥) سؤالات أبي داود: ٣٣٨ - ٣٣٩؛ ر: ٥٠٣؛ ٣٤١؛ ر: ٥٠٩؛ ٣٦٩/ ١؛ ر: ٦٧٧؛ ٢٧٢؛ ر: ٣١٦؛ ٣٦٢؛ ر: ٥٦٧. العلل ومعرفة الرجال (رواية) عبد الله): ٤١٢/ ١؛ ر: ٤٨٧٤؛ ٥٢٥/ ١؛ ر: ١٢٣١؛ ٥٣١/ ١؛ ر: ١٢٤٩؛ ٥٢٤/ ٢؛ ر: ٣٤٦١؛ ٣/ ٨٠؛ ر: ٤٢٦٨؛ العلل (رواية المروذي): ٨٩؛ ر: ١٢٧. (٦) طرر ابن شاقلا على نسخة أيا صوفيا من مجروحي ابن حبان: ٨٣؛ ر: ٦٩؛ الضعفاء للبخاري: ٣٣؛ ر: ٤٠؛ التاريخ الكبير: ٣٠٨/ ٤؛ ر: ٢٩٣٥؛ ٣٥١/ ٥؛ ر: ١١١٣؛ ٣٣٩/ ٧؛ ر: ١٤٥٨. (٧) الجامع لأخلاق الراوي: ٣٠١/ ٢؛ ر: ١٩١٥.
следующие страницы →