← Тараджим

Тараджим · id 96611

عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية

الغبريني

Полный текст (382 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ذخائر التراث العربي عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية تأليف أبو العباس الغبريني أحمد بن أحمد عبد الله (٦٤٤هـ - ٧١٤هـ) حققه وعلق عليه عادل نويهض ليسانس ودبلوم صحافة رئيس مصلحة الصحافة والنشر (سابقا) في الجزائر منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت

стр. 2

الطبعة الثانية نيسان - (أبريل) ١٩٧٩

стр. 3

كلمتنا كتاب "عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية" للعلامة المؤرخ المحقق الشيخ أبي العباس الغبريني، من أهم المصادر التاريخية في المكتبة العربية عن الحياة العلمية في القرن السابع الهجري في بجاية، بالمغرب الأوسط، وسجل حافل بتراجم عشرات العلماء والمؤرخين والأدباء والشعراء وغيرهم ممن عرفتهم المدينة من مشاهير أعلام الجزائر وتونس والمغرب والأندلس. وقد نشر هذا الكتاب لأول مرة في مدينة الجزائر سنة ١٩١٠ بعناية الأستاذ محمد بن أبي شنب. و"دار الآفاق الجديدة" التي قدمت للعالمين، العربي والإسلامي، أنفس ما في تراثنا من مؤلفات، يسرها اليوم، أن تقدم هذا الكتاب في طبعة جديدة، أشرف على تحقيقها والتعليق على أصولها تعليقات وافية، الأستاذ عادل نويهض، فجاءت ضعف الكتاب الأصلي. وفقنا الله، وأخذ بيدنا لما فيه خير العرب والمسلمين. الناشر

стр. 4

مقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بجاية مدينة مشهورة بالمغرب الأوسط، تقع شرقي الجزائر على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، اختطها سنة ٤٦٠ هـ الناصر بن علناس أشهر ملوك الدولة الحمادية وأعظمهم شأنا، ثم اتخذها عاصمة ملكه وسماها الناصرية باسمه. بلغت بجاية- في عهد الحماديية- درجة كبيرة من التقدم والعمران، واحتلت مكانة مرموقة بين حواضر العلم في المغرب والمشرق، فأمها الكثير من علماء مصر والشام والأندلس، فانتعشت الثقافة العربية وازدهرت الحركة العلمية، حين قيل إن عدد المفتين فيها بلغ تسعين مفتيا في زمن واحد. وبنهاية دولة بني حماد (٥٤٧هـ) على أيدي الموحدين، ودخول المغرب الأوسط تحت نظام الحكم الجديد، أخذت بجاية تفتح صفحة جديدة من صفحات تاريخها الثقافي والسياسي والعمراني والعلمي. ففي هذا العصر، أصبحت معقلا من أهم معاقل الحركة العقلية التي عرفها الشمال الافريقي، ينتقل إليه عشاق الأدب وطلاب العلم والمعرفة من مختلف المدن والقرى ... وقبلة تهوى إليها أفئدة المسلمين من بلاد الأندلس غربا إلى أصفهان في بلاد العجم شرقا، فاستهوت ألباب عدد غير قليل من مشاهير العلماء ومدرسي العلوم وأهل الفتوى والقضاء الأندلسيين والتونسيين والليبيين، كعبد الحق الاشبيلي وابن سيد الناس اليعمري وأحمد بن خالد المالقي وغيرهم، فزاروها وأقاموا بها واتخذوها وطنا. كما نبغ في هذا العصر عدد من العلماء والشعراء والكتاب الجزائريين الذين نشأوا في المدينة أو أخذوا عن شيوخها.

стр. 5

دام حكم الموحدين للمغرب الأوسط ما يقرب من قرن (٥٣٩ - ٦٣٣هـ)، ثم تلاهم الحفصيون، وكانت مدينة بجاية هي عاصمة الجزائر الحفصية في هذا العهد. وكتاب "عوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية" الذي صنفه فقيهها وقاضيها ومؤرخها أبو العباس الغبريني، وترجم فيه لأكثر من مائة وأربعين من رجال القرن السابع الهجري- وأكثرهم عاصر العهدين، الموحدي والحفصي- يعد أحفل سجل عن هذه الحقبة الذهبية التي عرفتها المدينة الإسلامية العربية، ففيه يتبين للقارىء ما كان لهذه المدينة من الصلات الوثيقة مع مراكز الحركات الثقافية في العالم الإسلامي، ومدى أثرها في الانتاج الأدبي من نثر وشعر وتاريخ ... وفي العلوم الدينية من فقه وأصول وتصوف. الخ. ولما كانت المكتبة العربية- وما تزال- في حاجة إلى بعث مثل هذا التراث النفيس الذي يبين عن أمجادنا في مختلف المجالات العلمية، وقع اختياري عليه ليكون أول كتاب أقوم بنشره من سلسلة كتب التراث الجزائري التي عقدت العزم على تحقيقها وطبعها. واليوم إذ أقدم هذا الكتاب للقارئين العرب في أبهى حلة، بعد أن حققت أصوله وعلقت عليها حيث وجب التعليق، وترجمت لأعلامه المذكورين في متنه، أرجو أن يرضي رغبات المثقفين من أبناء هذه الأمة، ويقع موقع الرضى والقبول من الباحثين والدارسين والمؤرخين. كما أرجو أن أكون بعملي المتواضع هذا، قد أسديت للمكتبة الجزائرية بخاصة، والمكتبة العربية بعامة، يدا تذكر بالخير كلما ذكر العاملون في سبيل إحياء تراثنا. وقد بدأت عملي بتقديم المؤلف والكتاب إلى القراء ليكونوا على بينة من الرجل وكتابه قبل أن يقرأوه من بابه إلى محرابه.

стр. 6

المؤلف عقد غير واحد من المؤرخين المغاربة ترجمة للغبريني. أما في المؤلفات المشرقية فذكره لم يرد إلا في معاجم المؤلفين والمطبوعات. والذي بلغنا من خبره مما كتب عنه، ما ملخصه: إسمه ونشأته: هو أحمد بن أحمد (١) بن عبد الله بن محمد بن علي الغبريني، وكنيته أبو العباس، وقد غلبت عليه شهرته الغبريني، نسبة إلى " بني غبري" بطن من قبائل الأمازيغ "البربر" في المغرب الأوسط. وكان ميلاده في اواسط المائة السابعة سنة ٦٤٤ - ١٢٤٦م. أما نشأته الأولى فقد كانت في موطن عشيرته الكائن في ضواحي أعزازقه في أعلى وادي سباو بالقرب من مدينة بحاية.- وقيل في بجاية بالذات-. تعليمه: انطلق منذ صغره نحو العلم فانكب على حفظ القرآن، وعلوم الفقه والتفسير والحديث والعربية والمنطق وغير ذلك من فنون العلم التي كانت سائدة في عصره، حتى بلغ عدد شيوخه الذين أخذ عنهم نحو السبعين شيخا. ومن خلال نظرة عجلى نلقيها على أسماء الكتب والفنون التي قرأها على هؤلاء الاعلام

стр. 7

من شيوخ المغرب الاوسط " الجزائر" والأندلس، وافريقية "تونس" المذكورة في " برنامجه " الملحق في نهاية هذا الكتاب، ندرك كم بذل الرجل من جهد من أجل الحصول على المعرفة من مصادرها المختلفة. في الحياة العامة: اتفق المؤرخون وكتاب السيرة المغاربة على أن الغبريني ولي القضاء بمواضع عدة، آخرها مدينة بجاية، "فكان في حكمه شديدا، مهيبا ذا معرفة بأصول الفقه، وحفظ لفروعه، وقيام على النوازل، وتحقيق للمسائل (١). ولكن ليس لدينا في كتب التاريخ والسير سند يركن إليه عن حياة الغبريني قبل ولايته لخطة القضاء، غير أن النباهي أورد جملة في ترجمته الوجيزة له، تعيننا عل الكشف عن تلك المرحلة من حياته. يقول النباهي: "ولما ولي خطة القضاء، ترك حضور الولائم، ودخول الحمام، وسلك طريق اليأس من مداخلة الناس" (٢). وبناء على ما تقدم، ترانا محمولين للقول، أن الغبريني قد عاش في غمرة الاحداث التي مرت ببجاية بخاصة، وعلى المغرب الأوسط بعامة، فكان على اتصال بالمسؤولين وغيرهم من رجال الدولة، يجالس الكبراء، ويناقش الحكام، ويدلي برأيه في المسائل الهامة. ولا يبعد أن يكون قد لعب دورا في سياسة بلده، فقد كانت السياسة من مستلزمات من هم في منزلة الغبريني وجاهة وعلما ودراية. أما كلام النباهي حول زهد الغبريني بعد ولايته للقضاء، فتؤيده شواهد كثيرة من كلام الغبريني نفسه في ثنايا هذا الكتاب. فبالرغم عما اشتهر به

стр. 8

الرجل من إحاطة واسعة بثفافة وعلوم عصره، إلا أنه قد تأثر إلى حد كبير بسلوك فئة قليل من شيوخه من الزهاد والمتصوفين، المؤمنين بقدرة قيام بعض الناس بعمل المعجزات والخوارق، فآمن مثلهم وسلك سبيلهم، ثم عمد إلى تسجيل ما سمع منهم من قصص لا يقبلها عقل، ضمن إطار من التهليل والتكبير، بالاضافة إلى توبيخ المعرضين عنها والمنكرين لها وانذارهم بسوء العاقبة والمصير في الحياة الدنيا والآخرة. وإذا علمنا أن الغبريني ألف معظم كتابه في السنوات الأخيرة من حياته، وبعد أن، سلك طريق اليأس من مداخلة الناس، أدركنا مدى أثر بعض هؤلاء الشيوخ في نفسه وعلى تفكيره وحياته .. ولعل قوله- بعد ان سرد قصة من هذه القصص- "وقد يقع في هذا انكار من ملحد لا علم له، وحقه الإعراض عنه وعدم الالتفات إليه، وإن زاد فيصفع في وجهه عوضا عن قفاه، كما جمع الله له الخزي في أولاه وآخراه" (١). لعل هذا القول أصدق برهان على صحة ما ذكرناه. وهذه اللوحة البسيطة التي رسمناها لفترة من حياة الغبريني، تنطبق على غيره أيضا، فالرجل لم يكن أول المؤلفين في هذا الميدان. إنما سبقه بعض من ترجم لشيوخه وأتى على ذكر مثل هذه القصص والدعوة إلى تصديقها والايمان بها. ثم جاء بعده آخرون وساروا على نفس الطريق. ولا أكون مغاليا إذا قلت: أن في العالم الإسلامي وفي يوم الناس هذا، يوجد من يكتب مثل هذه القصص في مؤلفاته، إلا أننا نؤمن، أن هؤلاء المعاصرين الذين يقومون بهذا العمل، لا يقومون به عن إيمان خالص أو لوجه الله والوطن، إنما عن قصد سيء ونية خبيثة، ولوجه غير وجه الله والوطن. وهم يعلمون أن الإنسان العربي في هذا العصر، مهما كان مذهبه أو دينه الذي ينضوي تحت لوائه، يفحص ويحلل ويقارن دون أن تتغلب عليه رهبة التقديس، وأنه لا يستطيع تصديق مثل هذه القصص أو قبول نظرتها للحياة والفكر والوجود. ولذلك نجدهم يزرعون

стр. 9

هذه الأشواك في الأماكن البعيدة عن التقدم والعمران، ويبتعدون عن مواطن العلم ومراكز التثقيف. أما شيخنا الغبريني، الذي وقع تحت رهبة التقديس، شأنه شأن الكثيرين من رجالات الدين القدماء في العالم الإسلامي، الذين جنت عليهم شطحاتهم إلى حد الاغراق والمبالغه، التي يحانبها الإبداع الفكري، فإنه لم يكتف بسرد وتسجيل القصص التي اعتقد أنها حدثت في عصره، إنما عاد إلى الكتب القديمة المحشوة بمثا هذه القصص، ونقل مجموعة منها ثم جعل واحدة ذيلا لقصة من قصص بعض شيوخه، كأنه يقول لقارئه- وقد رأى عليه ملامح الشك- إن لم تصدق الحاضر فدونك حكايات من الماضي، أو بمعنى آخر، أراد- وهو الخبير بشؤون القضاء- أن يكثر من الأدلة والبينات التي تؤيد وجهة نظره، ويجعل منها حجة قوية في يده ضد خصمه الذي لا يؤمن بصحة مثل هذه القصص والحكايات ولا يصدقها؛ فسجلها في كتابه. أسلوبه: لا نعتقد أن الغبريني ترك من المؤلفات غير "عنوان الدراية" فلا هو نفسه ولا الذين ترجموا له أو أرخوا لعصره، ذكروا غير هذا الكتاب. ولذا نستطيع أن نحكم على أسلوبه النثري من خلال مضمون كتابه الوحيد. تأثر الغبريني تأثرا قويا بالسجع، فلازمه في كتابه من عنوان الكتاب نفسه إلى آخر سطر من سطور صفحاته. كما أنه أغرم بالجمل القصيرة والتزيينات اللفظية. فعمد في كل ترجماته إلى صيغ وعبارات تكاد تكون واحدة في الأسلوب. فعبارة " الفقيه المجتهد المحصل المتقن" مثلا، وكذلك عبارة "الفقيه الصالح الزاهد الورع" نجدها وصفا أطلقه المؤلف على المترجم لهم دون تمييز أو تفريق بين أديب وشاعر ومحدث ومؤرخ، وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة، إذ من غير المعقول، أن يكون جميع الأشخاص على مستوى واحد في المعلومات

стр. 10

أو على درجة واحدة من الذكاء والاجتهاد والشاعرية و ... الخ. إن هذه الكلمات والنعوت والأوصاف العامة كثيرة في كتاب الغبريني، وما أبرز ما يلفت النظر فيه .. وقد يكون التزام المؤلف وتقيده بها معقولا، فيما لو اعتمد على وضع كل وصف أو نعت في مكانه اللائق به أو اللازم له. ولكنه لم يفعل. نظمه: من خلال محاولة نقوم بها لجمع التراث الجزائري، علمنا أن للغريني بعض القصائد والأبيات الشعرية لا تزال مخطوطة في مكتبات المغرب الأقصى، وحيث أنها لم تصل إلينا بعد لنتحقق منها، لا يمكننا الجزم بأنها له، فقد تكون نسبت إليه. ولم نجد له في المصادر التي أهتمت بحياته ووضعته في عداد المؤرخين سوى بيتين من الشعر ذكرهما النباهي هما: لا تنكحن سرك المكنون خاطبه ... واجعل لميته بين الحشا جدثا ولا تقل نفثة المصدور راحته ... كم نافث روحه من صدره نفثا ونفهم مما ذكره هو نفسه من خلال ترجمته لأبي زكريا يحيى بن محجوبة السطيفي المتوفي سنة ٦٧٧ هـ، أنه قال الشعر في شبابه. فهو يقول: "وكنت في زمن الشباب نظمت القصيدة الصوفية الهمزية التي مطلعها: واحيرة العشاق بالرقباء ... حرموا الوصول لطيبة الوسعاء وهي نحو أربعين بيتا، فحملتها إليه (إلى السطيفي) وأنشدتها بين يديه، ففرح بها غاية الفرح وجعل يدعو ويقول: بصرك الله لمعانيها واطلعك الله على ما فيها، لأن الحال كان حال شبيبة، فاعتقد الشيخ ﵀ أن ما أتيت به فيها إنما هو على سبيل الصناعة لا على سبيل الاطلاع والشهود. والله يؤتي الفضل من يشاء .. " فهل تكون هذه القصيدة من ضمن القصائد المخطوطة والموجودة

стр. 11

في المغرب؟ سيبقى السؤال دون جواب، لأن الخبر اليقين يكمن في المخطوطات. وهذه لا سبيل إليها الآن، ويوم يقدر لها أن ترى النور، نتحقق من شعره ونضعه في كفة الميزان. وفاته: أجمع أكثر المؤرخي على أن الغبريني قد توفي بمدينة بجاية سنة ٧١٤هـ، ١٣١٥ م. نتيجة لإصابته بالطاعون. غير أن إبن قنفذ القسنطيني في كتابه "الوفيات" وابن القاضي في كتابه "لقط الفرائد" الذي وضعه ذيلا لكتاب ابن قنفذ، والنباها في "المرقبة العليا" ذكروا أن وفاته كانت سنة ٧٠٤هـ. ونحن استنادا لما ذكره الاستاذ محمد بن أبي شنب في الطبعة الأولى، ولما ذكره المؤرخون المغاربة عن سيرة الرجل، نقلا عن مخطوطات قديمة، نؤكد أن التاريخ الأول هو الصحيح. هذا الكتاب وقيمته التاريخية: ترك كثير من مشاهير الجزائريين مصنفات أسماها بعضهم بـ "الثبت" وأسماها البعض الآخربـ"البرنامج" أو " المشيخة"، ذكروا فيها أسماء العلوم التي أخذوها عن معاصريهم من علماء الفقه والحديث والتفسير واللغة والأدب والتاريخ وغيرها، كما ترجموا فيها لهؤلاء العلماء الأعلام. وهذه الكتب أو المصنفات وإن كانت لا تدخل في عداد كتب التراجم والسير بمفهومهما العلمي، إلا أنها حفظت لنا صفحات مجيدة عن حياة مشاهير المغرب الأوسط ابتداء من القرن الثالث الهجري، وأعطتنا صورة واضحة المعالم عن الحياة العقلية في عصر كل مؤلف من هؤلاء المؤلفين، يضاف إليها تلك المؤلفات التي وضعها الجزائريون خارج حدود وطنم وذكروا فيها أسماء من أخذوا عنهم أو سمعوا منهم من أعلام المشرق العربي وبعض الأقطار الإسلامية، والتي تبين لنا مدى إهتمام الجزائريين الأوائل بالعلم والحج إليه حيث كان .. ككتاب "نظم اللآلي في سلوك الأمالي" للمقري الجد، و" ثبت الندرومي" لمحمد بن محمد

стр. 12

بن يحيى الندرومي. وهذا الكتاب الأخير وصل إليا مخطوطا ... ذكر فيه مؤلفه من أخذ عنهم من علماء الحديث في بيت المقدس ودمشق ومكة المكرمة والقاهرة المعزية، أمثال صلاح الدين العلائي الدمشقي ومحمد بن محمد الربيعي المتوفي ببيت المقدس، وسليمان بن سالم الغزي والإمام اسماعيل بن عمر بن كثير وغيرهم. إنما ميزة كتاب "عنوان الدراية" عن غيره من كتب التراجم والسير، هي الشمول في التعريف بغير شيوخ المؤلف، وتسجيله لبعض الأحداث التاريخية، وإثباته لبعض النماذج الشعرية والنثرية المنسوبة للمترجم لهم ... زد على ذلك، أنه حفظ لنا صورة صادقة عن الحياة العقلية في مدينة بجاية في مدة قرن كامل، عكست لنا ما كان لهذه المدينة الخالدة من أثر يذكر في تنمية وإنتاج مختلف العلوم الإسلامية، ومدى صلاتها الوثيقة التي كانت تربطها مع مراكز النهضة العلمية الإسلامية في المغرب والمشرق. ولولا هذا الكتاب لظلت أكثر هذه الصفحات من تاريخ الحركة العلمية الجزائرية مجهولة. ولكن لا بد من القول، أن الطريق التي اتبعها الغبريني في كتابته لتراجم أعلام المائة السابعة، كانت غير ذاتية في معظمها، فهو لم يعتمد على إنتاجهم من حيث قيمته الفنية، ولا على الحياة الشخصية أو العوامل التي ألهمتهم هذا الأدب أو هذا الإنتاج، مع أنه كان واسع الإلمام بكل ما كتبوه، متتبعا مراحل حياتهم مرحلة مرحلة، ولذلك لم يعكس- في بعض تراجمه- صورا واضحة على ضوء فن كتابة السير والتراجم، مما كان يساعدنا في يومنا هذا على معرفة ما كانت تنطوي عليه أحاسيسهم ونزواتهم، ومقام كل واحد من هؤلاء في عالم الدين والأدب والتاريخ .. الخ. ومدى تجاوبهم مع مجتمعهم ومع المجتمعات الأخرى المجاورة لهم. تبقى كلمة أخيرة، وهي أن هذا الكتاب- بشادة كبار العلماء- هو أصدق وأشمل سجل طبع عن الحياة العقلية في المائة السابعة للهجرة لا في بجاية وحدها إنما في المغرب الأوسط أيضا. بيروت- لبنان عادل نويهض

стр. 13

مقدمة الطبعة الأولى الحمد لله وحده الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين [أما بعد] فإن الكتاب المسمى "عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية" للعلامة المحقق، والفهامة المدقق، الجامع بين الدراية والرواية، قاضي القضاة ببجاية، الشيخ أبي العباس أحمد بن أحمد بن عبد الله الغبريني ﵀ ورضي عنه كتاب تلوح أنوار الحقائق من سبل عباراته، ويعبق شذا عرف المعارف من بيان إشاراته، أورد فيه مؤلفه من تراجم علماء عصره، وأخبار أحبار مصره، ما يحتاجه المتشوق إلى فرائد الفوائد، والمتشوق إلى أوابد العوالد، مع ذكره وفياتهم ومؤلفاتهم، وسيرهم في مذاهبهم وعاداتهم، واستطراد الأحاديث الشريفة، والآثار الصالحة المنيفة، والمباحث الفقهية، والفتاوي الشرعية، وغير ذلك مما لا يحصى، ولا من غيره يستقصى، وقد اعتمدنا في التصحيح على أربع نسخ (الأولى) للمكتبة الدولية الجزائرية محفوظة تحت عدد ١٧٣٤ (والثانية) للفقيه النبيه سيدي عبد الرزاق الأشرف قاضي (باتنه) الحالي (والثالثة) للعالم العلامة سيدي علي بن الحاج موسى، الإمام بمسجد ضريح سيدي عبد الرحمن الثعالبي بالجزائر (والرابعة) للفقيه النجيب والوجيه الأديب الشيخ سيدي أبي القاسم محمد الحفناوي المدرس بالمسجد الأعظم بالجزائر. هذا وقد بذلنا غاية الجهد في تصحيح التحريف. وتصويب التصحيف. وما العصمة والكمال، إلا للكبير المتعال. محمد بن أبي شنب المدرس بالمدرسة الثعالبية الدولية وكلية الآداب العليا بالجزائر

стр. 14

عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية

стр. 15

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي حفظ الذكر بحفظ أهله، وشرفهم بوراثة أنبيائه ورسله، وجعل تفاوتهم في علي الدرجات بحسب تفاوتهم في حمله، وأسبغ عليهم سوابغ نعمه ووعدهم بالمزيد من فضله، وصلواته على سيدنا محمد نبيه المخصوص بما لم يختص به نبي من قبله، وعلى آله وصحبه المقتفين سننه القويم والمعتصمين بحبله، صلاة نرجو بها الفوز يوم يبين للمرء ما هو المقبول والمردود من قوله وفعله. (أما بعد) فإنه لما كان طلب العلم اللدني فرضا على الكفاية حينا ومتعينا في الحال، ولم يكن بد في تحصيله من تلقيه عن الرجال، وكان التلقي أما بمباشرة أو عن سند ذي اتصال، وكان المباشر تكفي معرفته، والمسند عنه لا بد أن تعرف صفته، فلذلك اهتم العلماء بذكر الرجال، واستعملوا في تمييز أحوالهم الفكر والبال ليوضحوا سبيل التحمل، ويبينوا وسيلة التوصل، وقد اختلفت في ذلك مصادرهم ومواردهم، وان اتفقت في بعض الوجوه مقاصدهم، فمنهم من ذكر التجريح والتعديل في المحدثين، ومنهم من ذكر من يعرف بالحفظ والإتقان من المتقدمين، ومنهم من اقتصر على ذكر العلماء المجتهدين، ومنهم من ذكر المؤلفين والمصنفين، ومنهم من ذكر الصلحاء والمتعبدين، ومنهم من ذكر علماء وقته، ومنهم من اقتصر على ذكر مشيخته، وكل ذلك يحصل الإفادة، ويسهل للطالب مراده، وإنما ينبغي أن يعرض في هذا على سبيل المكاثرة، وطريق المباهلة والمفاخرة، كما قصده بعض من قصرت معرفته، ولم ترف إلى درجة أولي النهي درجته، وان يكون القصد في هذا إنما هو ما يتعلق بالأمور الدينية، ويوصل إلى سبيل المرضية، والله تعالى متولي صلاح النية والطوية، وذلك بحيث يعلم طالب العلم الأئمة الذين بهم يقتدى، وبسلوك

стр. 16

سننهم السوي يهتدى، واني قد رأيت أن أذكر في هذا التقييد من عرف من العلماء "ببجاية" في هذه المائة السابعة التي نحن في بقية العشر الذي هو خاتمتها ختمها الله بالخيرات، وجعل ما بعدها مبدءاَ للمسرات، أذكر منهم من اشتهر ذكره، ونبل قدره، وظهرت جلالته، وعرفت مرتبته في العلم ومكانته، وقد رأيت أن أصل بذكر علماء هذه المائة، ذكر الشيخ أبي مدين (١) والشيخ أبي علي المسيلي (٢) والفقيه أبي محمد عبد الحق الاشبيلي (٣) ﵏ ورضي عنهم، لقرب عهدهم بهذه المائة، لانهم كانوا في أعقاب المائة السادسة للتبرك بذكرهم، ولانتشار فخرهم .. وأبدأ بهم ﵃، ثم أتلوهم بذكر مشيختي، وأعلام إفادتي، ثم أتلوهم بمن سواهم إلى أن يقع الإتيان على جميعهم ﵏. وسميت هذا المجموع (عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية) والله تعالى يجعل السعي في هذا كله موصلا إلى الزلفي لديه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، ولنأخذ في ذلك على الله متوكلين، وبه مستعينين.

стр. 17

ذكر الأشياخ الثلاثة ومن يستطرده ذكرهم معهم ﵃

стр. 18

١ - أبو مدين شعيب بن الحسين الأندلسي ٥٩٤هـ - ١١٩٨م. ــ الشيخ الفقيه المحقق، الواصل القطب، شيخ مشائخ الإسلام في عصره، إمام العباد والزهاد وخاصة الخلصاء من فضلاء العباد، سيدي أبو مدين شعيب بن الحسين الأندلسي من ناحية اشبيلية، ومن حصين يقال له "منتوجب" فتح الله عليه بمواهب قلبية، وأسرار ربانية، استفادها بالتوجه والعمل، وارتقى إلى غاية ما يؤمل؛ كان الشيخ أبو يعزى رحمه الله تعالى، يثني

стр. 19

عليه ويشكره ويقول بلسانه: "إيشار أفان أندلسي" وكان الشيخ أبو يعزى ممن يتبرك بثنائه لعظم خطره، وجلالة قدره. رأيت من كلام الشيخ أبي مدين ﵁، إنه قال: طالعت أخبار الأولياء من عهد أويس القرني إلى زمننا، فما رأيت مثل الشيخ أبي يعزى، وطالعت كتب التذكير فما رأيت مثل كتاب الإحياء. قال الشيخ العارف محي الدين أبو بكر بن العربي الحاتمي الطائي المعروف بابن سراقة، أن الشيخ أبا مدين ﵀ لم يمت حتى تقطب قبل أن يغر غر بثلاث ساعات، والقطبية للعارف هي منتهى مناله، وغاية آماله. قلت بلغ من ورعه ﵁، إنه كان لا يأكل البقلة المسماة ببقلة الروم لذكر اسم الروم عليها وإضافتها إليهم،

стр. 20

وهذا تقدم كبير في باب التقوى، ومثل ما ذكر، ما روي عن الإمام أحمد بن حنبل ﵁، إنه كان لا يأكل البطيخ، لأنه لم يبلغه كيف كان النبي ﷺ يأكله بقشره أو بغير قشره، وهل تناوله رضا أو قطعا أو بالفم، ومثل ذلك ما يحكى عن المحاسبي الذي مات أبوه وترك كذا وكذا ألف درهم، فما أخذ منها شيئا وقال: أن أبي كان يقول بالقدر. وقال ﷺ ، لا يتوارث أهل ملتين. وكابن القاسم الذي مات أبوه وترك كذا وكذا ألف درهم، فأبى أن يأخذها وقال أن أبي كان تاجرا وكان لا يحسن العلم، فربما دخل عليه الربى وهو لا يشعر، وهو الذي اكترى دابة فسافر عليها فجاءه إنسان برسالة وقال له، تحمل هذه معك لفلان، فقال ما اشترطت على رب الدابة حمل هذا. وهذا كله من باب الورع ﵃. سمعت عنه

стр. 21

رضي الله عنه، إنه قرأ حتى انتهى إلى سورة تبارك الذي بيده الملك، فظهرت له معالم العلى، وتحلى من مواهب الله بأحسن الحلي، فكانت تلك السورة سدرة منتهاه، وغاية مرماه. أخبرني بعض المشيخة ﵃، أن الشيخين القاضيين، أبا علي المسيلي وأبا محمد عبد الحق الاشبيلي ﵄، سمعا عنه إنه يأتي من العلم بفنون، وإنه اطلع من أمر الله على سره المكنون، مع إنه لم ينته بالقراءة إلا إلى السورة المذكورة فكانا يتعجبان، ويكادان يحيلان ما عنه يسمعان، فاتفق رأيهما على الاجتماع معه، والاطلاع على ما عنده، فسارا إليه إلى أحد مسجديه الذين كان يجلس فيهما مع بعض خواص أصحابه، فدخلا فألفياه يفيض في أمور، ويستخرج الدرر من قيعان البحور، فجلسا إلى أن فرغ من كلامه، ورجع إلى ما يخصه من مرامه، فسلما عليه وسلم عليهما ولم يكن لهما رؤية قبل فقال لهما أما هذا فالفقيه أبو محمد عبد الحق، وأما هذا فالفقيه أبو علي المسيلي، فقالا نعم، وكان هذا من جملة كراماته، وإن صح أن يقال في هذا إنه مما تقرر عنده من رسم الصفة، فأحق أن ينسب ذلك إلى طريق الكرامة، فسألاه حيث انتهى بدراسته، وعن مبلغ قراءته، وذكرا له أنهما سمعا عنه إنه انتهى إلى سورة تبارك الذي بيده الملك، وإنه لم يزد عليها، فأجابهما ﵁ وقال لهما نعم كانت سورتي، فوجدتها سدرتي، ولو تعديتها لأحرقتني سبحات الوجه الكريم، ثم التفت إليهما مخاطبا بنزعة صوفية مشيرا عن يمينه ويساره وهو يقول "بي قل وعلي دل فأنا الكل" فانفصلا عنه وقد تأكد العلم

стр. 22

عندهما بأن لله مواهب لا تسعها المكاسب وإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. وأخبرني بعض الأصحاب أن بعض الطلبة وقع بينهم نزاع في بعض الأحاديث المروية عن النبي ﷺ وهو قوله ﵊: إذا مات المؤمن أعطي نصف الجنة: فتردد الكلام بينهم في أن مؤمنين إذا ماتا استحقا الجنة وبقي الناس أجمع دون شيء، فساروا إلى مجلس الشيخ أبي مدين ﵁ ليطلعوا على ما عنده في المسألة، فلما استقر بهم الجلوس في مجلسه وكان حديثه في ذلك المجلس على رسالة القشيري ﵀، ترك كلامه الذي كان يتحدث فيه وقال نزيل عن أصحابنا الإشكال، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : إذا مات المؤمن أعطي نصف الجنة، أراد ﷺ نصف جنته، وإذا كان بعد الحشر يعطى النصف الثاني من جنته، فبعد البعث تكمل له جنته، وفي القبر يعطى نصف جنته، وبين إنه يكشف له في القبر عن مقعده من الجنة وإنه يتنعم برؤيته، وإن أرواح المؤمنين تسرح في الجنة وفي يوم القيامة تتصل الأرواح بالأجساد ويجتمع الجميع في الجنة، وفي هذا من العلم ما لا ينتهي إلى حقيقته إلا أهل الصفاء وخاصة الأولياء، جعلنا الله منهم، وهذه إحدى كراماته رضي الله تعالى عنه حيث أخبرهم بما أتوا إليه قبل أن يخبروه. وأخبرني الشيخ أبو محمد عبد الحق بن ربيع عن أبيه الفقيه أبي الزهر ربيع ﵀، أن والده أبا الزهر كان كتب لبعض الولاة ببجاية واكتسب معه مالا ثم رأى رؤيا مهولة وهي أن القيامة قد قامت وإنه يساق ليقذف به في النار

стр. 23

وانه سأل عن السبب فقيل بسبب ما اكتسبت من المال، فسأل واستغاث، فخلي عنه فتاب إلى الله تعالى ونزع نفسه عن الكتابة واشتغل بملازمة العبادة ولزوم القراءة، واستعمل حرفة الخياطة للمعيشة فلم يكفه ما ينتجه من ذلك فضاقت حاله وساءت، فسار يوما إلى والدته فأخبرها بضيق حاله وما انتهى إليه أمره ورغب أن يجد عندها فرجا فقالت له: يا بني، والله ما عندي شيء ولا أعلم لك نفعا سوى هذا الرسم، وهو رسم دار كانت لها، واغتصبها الموارقة حين دخولهم بجاية واستمر الغصب عليها، فخذه واطلب الدار وهي لك. فأخذت ذلك الرسم ومشيت به إلى الفقهاء استفتيهم فيه، فاستفتيتهم فأفتوني بجواز الطلب وإن الحق لمستحقه وجب، فقلت قد استفتيت فقهاء الدنيا ولا بد أن استفتي فقهاء الآخرة، قال فسرت إلى الشيخ أبي مدين ﵁ بالمسجد المعروف الآن بمسجد الفقيه أبي زكرياء الزواوي ﵁ بحومة اللؤلؤة فقصصت عليه القصة وسألته الفتيا فيها، فقال لي ﵁ استفت ربك يفتك، فقلت له يا سيدي وهل بلغت أن يفتيني ربي؟ فقال لي استفت ربك يفتك، قال وكان هذا وهو ينتظر صلاة الصبح، فأقام المؤذن الصلاة وتعلقت نفسي بالفتيا، فلما كنت في الركعة الثانية من الصلاة عرض علي

стр. 24

شبه سنة فرأيت مرجا مريعا مخضر الجناب، رائق الجلباب، وفي وسطه بركة ماء كأنها اللجين، وفي ذلك المرج طاووس لا يرى في طواويس الدنيا مثله، وإذا به يخاطبني بلسان فصيح، ونطق بين صريح، يقول لي اطلب حقا واجبا اطلب حقا واجبا، فأتممت الصلاة وجلست بمجلسه المبارك لاستماع الذكر، وبعد فراغه وانصراف الناس عنه أقبل علي وقال لي أفتاك ربك، فقلت له أفتاني يا سيدي. قلت وفي هذا له ﵁ كرامات أحدها أحالته على فتيا ربه، والثانية صدور الفتيا له، والثالثة إخباره له بأن ربه أفتاه وأطلعه على ذلك. وكراماته ﵁ وأحواله المباركة الصادرة عنه مما لا يحصى وصفه، ولا يسع نظمه ووصفه. ولما اشتهر أمره ببجاية سعي به عند خلفاء بني عبد المؤمن بمراكش، فأمر بطلوعه إلى مراكش وكتب لوالي بجاية في ذلك وأمر أن يحمله خير محمل، فلما وصل إليه الأمر، اجتمع عليه أكابر أصحابه وعز عليهم فراقه وتألموا من حاله وانفوا عليه، فقال ﵁ لا عليكم، شعيب شيخ كبير ضعيف لا قدرة له على المشي، منيته قدرت بغير هذه البلدة ولا بد من الوصول إلى محل منيته. فقيض الله له من يحمله برفق ويسوقه إلى مرام المقادير أحسن سوق، والقوم لا أراهم ولا يرونني، فطابت بذلك نفوسهم وذهب ضيرهم وبؤسهم، وارتحل ﵁ إلى أن وصل تلمسان ونزل بها بالموضع المسمى بالعباد وهنالك قال لأصحابه ﵁: لا بأس بالنوم بهذا المكان، فوافته هناك منيته، وشرفت تلك البقاع تربته، وهذه من جملة كراماته ﵁ وقبره هناك معمر مشهود، وحوض مورود، والدعاء عنده مستجاب، وهو

стр. 25

أحد المعالم التي عرف بالتجربة استجابة الدعاء عندها، وكذلك قبر الشيخ أبي زكريا يحيى الزواوي ﵁ ببجاية، وقبر الشيخ أبي مروان اليحصبي ببونة وقبر معروف الكرخي ببغداد، نفعنا الله بخالص النيات، وأعاننا على الاعمال الصالحات. ورأيت في فهرسة أبي عبد الله محمد بن عبد الحق التلمساني بعد ذكره لفضل الشيخ أبي مدين وبعد وصفه إياه ببعض أوصافه الجليلة، إنه قال ظهر فيه صدق قول رسول الله ﷺ يموت المرء على ما عاش عليه، إذ كان من قوله عند آخر الرمق الله الحي. قلت هذه الخاتمة حسنا ومرتبة عليا، ﵀ ورضي عنه. وتوفي في نحو التسعين وخمسمائة. وذكر بعض العلماء قال: رأيت ذا القرنين في المنام فسألته عن قوله تعالى ﴿حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة﴾ ما هذه العين التي تغرب فيها الشمس والشمس أكبر من الدنيا نيفا وستين مرة، وقال لي أين

стр. 26

تغيب السماوات والنجوم والقمر حين يعدم الخلق؟ فقلت لا أدري، فقال لي في عظمة الله وقدرته، والعين هي العظمة والقدرة، فقلت ما عندي غير هذا، فقال ولا عند جبريل، ثم قال لي، قل للشيخ أبي مدين أنت قطب والدراري دائرة بك، وأنت ستر لبجاية الناجية فبثك العلم في بجاية رحمة لهم وعناية، وكان سبب هذا إنه وقع ذكر في هذه العين التي تغرب فيها الشمس، فقال الشيخ أبو مدين لصاحب الرؤيا أن رأيت أحدا من الأنبياء فاسأله عن هذه العين، وقال بعضهم رأيت النبي ﷺ في النوم ومعه أبو مدين وأبو حامد ﵄، فسأل أبو حامد الشيخ أبا مدين بين يدي رسول الله ﷺ فقال له، ما روح الروح؟ فقال له أبو مدين المعرفة، فقال له فما روح المعرفة؟ قال اللذة، قال فما روح اللذة؟ قال نظرة إليه، فغشيهم نور عظيم فأخذتهم الملائكة وصعدت بهم حتى غابوا في الهواء. وهنا أنا أثبت من كلامه المبارك ما يدل على علو مقامه، وبديع قصده ومرامه، ولولا الإطالة لألحقت كل كلمة منها بمعالمها، وبينت وجه ارتباطها بما هو من مراسلها، وفي حفظها أن شاء الله والعمل بها ما يرقى إلى منازل الأبرار، ويوصل إلى عالم المقربين الأخيار قال ﵁: الحق تعالى، مطلع على السرائر والضمائر في كل نفس، وقال: فأيما قلب رآه مؤثرا له حفظه من الطوراق والمحن ومتعاظلات الفتن. وقال: إياك أن تميل إلى غير الله فيسلبك لذة مناجاته. وقال: من رأيته يدعى مع الله حالا لا يكون على ظاهره منه شاهد فاحذره. وقال: من رزق حلاوة المناجاة زال عنه النوم. وقال: من عرف الله استفاد منه في اليقظة والنوم. وقال:

стр. 27

لا يصلح سماع هذا العلم إلا لمن جمعت له أربعة، الزهد والعلم والتوكل واليقين. وقال: اجعل الصبر زادك، والرضى مطيتك، والحق مقصدك ووجهتك. وقال: من تعلق بدعوى الأماني لم يفارق التوانى. وقال: من اشتغل بطلب الدنيا ابتلي فيها بالذل. وقال: جعل الله تعالى قلوب أهل الدنيا محلا للغفلة والوسواس وقلوب العارفين محلا للذكر والاستيناس: وقال: لا ينفع مع الكبر عمل ولا يضر مع التواضع بطالة. وقال: الفترة الاشتغال بالخلق عن الخالق. وقال: أهل الصدق قليل في أهل الصلاح. وقال من لم يجد في قلبه زاجرا فهو خراب. وقال: توكل على الله حتى يكون الغالب على ذكرك، فإن الخلق لم يغنوا عنك شيئا. وقال: بالمحاسبة يصل العبد إلى درجة المراقبة. وقال: من أهمل الفرائض فقد ضيع نفسه. وقال: من عرف نفسه لم يغتر بثناء الناس عليه. وقال: الدعوى من رعونة النفس وقال: أبناء الدنيا يخدمهم العبيد والإماء وأبناء الآخرة يخدمهم الأحرار والكرماء. وقال: من خدم الصالحين ارتفع بخدمته. وقال: من حرم احترام الأولياء ابتلاه الله بالمقت من خلقه. وقال: ثمرة التصوف تسليم كلك وقال من ترك التدبير والاختيار طاب عيشه. وقال: مروءتك إعطاؤك عن تقصير غيرك. وقال: الغيبة عن الحق خيبة. وقال: التعظيم امتلاء القلب بإجلال الرب. وقال: المهمل في الأحوال لا يصلح لبساط الحق. وقال: كل حقيقة لا تمحو أثر العبد ورسمه فليست بحقيقة. وقال: ما عرف الحق من لم يؤثره وما أطاعه من لم

стр. 28

يشكره. وقال المروءة موافقة الإخوان فيما لم يحظره العلم عليك. وقال: قوة العارف معروفة وقوة الغير فمعتادة مألوفة. وقال: من أراد الصفاء فليلزم الوفاء. وقال: أساس هذا الشأن على الزهد والاجتهاد. وقال: التدارك بالبلاء تحقيق بالرضى. وقال: الفقر أمارة على التوحيد ودلالة على التفريد [وحقيقة الفقر أن لا تشاهد سواه]. وقال: الزهد فريضة وفضيلة وقربة، فالفرض في الحرام، والفضل في التشابه، والقربة في الحلال. وقال: من قطع موصولا بربه قطع به. وقال: من شغل مشغولا بربه أدركه المقت [في الوقت] (يا نفس هذه موعظة لك أن اتعظت). وقال: من استكن إلى غير الله بسره نزع الله الرحمة من قلوبهم عليه وأليسه لباس الطمع فيهم. وقال: علامة الإخلاص أن يغيب عنك الخلق في مشاهدة الحق. وقال: احذر محبة المبتدعين فهو أبقى على دينك واحذر محبة النساء فهو أبقى على قلبك. هذه كلمات طيبات ونبذ متخيرات من كلامه ﵁، وكل قضية منها لو اقتصر عليها المقتصر، وتمسك بمجردها الفطن اللبيب المختصر، لأغنته وحصلت له المراد وكفته، فإنها تضمنت من جوامع المعاني ما يطول فيه التفصيل، وتعظم به الإفادة لذوي التحصيل، والله موفقنا ومرشدنا بمنه.

стр. 29

٢ - أبو علي حسن بن علي بن محمد المسيلي ... نحو ٥٨٠هـ ... ١١٨٥م ــ ومنهم الشيخ الفقيه الفاضل، العلم العامل العابد، المحقق المتقن المحصل المجتهد، الإمام أبو علي حسن بن علي بن محمد المسيلي كان يسمى أبا حامد الصغير، جمع بين العلم والعمل والورع، وبين علمي الظاهر والباطن، له المصنفات الحسنة والقصص العجيبة المستحسنة، له "التذكرة في أصول علم الدين" وهو كتاب حسن طالعته وكررت النظر فيه فرأيته من أجل الموضوعات في هذا الفن، وله "النبراس في الرد على منكر القياس" وهو كتاب مليح على ما أخبرت عنه، ولم أره، وأنا شديد الحرص عليه، ولقد اخبرني بعض الطلبة المتمسكين بالظاهر وهو من أنبلهم إنه رأى هذا الكتاب وإنه ما رأى في الكتب الموضوعة في هذا الشأن مثله، فأنشدته: ومليحة شهدت لها أعداؤها ... والحسن ما شهدت له الأعداء فأعجبه ذلك. وله كتاب في علم التذكير سماه كتاب "التفكير فيما يشتمل عليه السور والآيات من المباد والغايات" وهو كتاب جليل سلك فيه مسلك أبي حامد في كتاب "الإحياء" وبه سمي أبا حامد الصغير، وكلامه

стр. 30

فيه أحسن من كلام أبي حامد وأسلم، ودل كلامه فيه على إحاطته بعلم المعقول والمنقول وعلم الظاهر والباطن، ومن تأمل كلامه أدرك ذلك بالعلم اليقين، ولم يفتقر فيه إلى تبيين، وهو كثير الوجود بين أيدي الناس، وكثرة وجود الكتاب دليل على اعتناء الناس به وإيثارهم له. ولقد رأيت على نسخة من نسخه ما قصه "اعلم وفقك الله أن هذا الكتاب حسن في معناه، مخترع في الترتيب ومبناه، قل فيه ما ينتقد، وكثر ما يعتقد، وعليه يعتمد، سلك مؤلفه فيه مسالك المهتدين، وترك مهالك الضالين المعتدين، فهو فيه على صراط مستقيم، ومقصد قويم، طرزه بمعاني الكتاب العزيز، فجاء كالذهب الإبريز، وسلم فيه من غلو الغالين، وتحريف المبطلين، وتأويل الجاهلين، نفعه الله به آمين، وصلى الله على محمد وعلى جميع الملائكة والنبيين وسلم، والحمد لله رب العالمين" انتهى الكلام. قلت وهذا الكلام واضح السبيل، بارع الغرر والتحجيل، واعتقادي فيه ﵁ أكثر مما ذكر، وأظهر مما ظهر، وكان من النسك والدين حيث كانت الجن تقرأ عليه. أخبرنا شيخنا أبو محمد عبد الحق ﵀ عمن أخبره، أن الشيخ أبا علي المسيلي كان يأتي إلى الجامع العظم في الثلث الأخير من الليل للتهجد وكان بعض من يتجسس عليه فسمع تجويد القرآن عليه، فقيل أنهم مؤمنو الجن، وهذا كثير الاشتهار عنه ﵀. ولي قضاء بجاية ودخل عليه الموارقة وهو قاض والجئوه إلى بيعتهم واكرهوه وغيره عليها، وكانوا يتلثمون ولا يبدون وجوههم فامتنع من البيعة وقال: لا نبايع من لا نعرف هل هو رجل أو امرأة؛ فكشف له الميورقي عن وجهه. وهذا هو منتهى ما بلغ توقفه وهو أمر كبير عند مطالبته بالبيعة

стр. 31

لولا علو منصب الفقيه أبي علي ﵁ ما ساعده عليه. وتأخر عن القضاء وولي بعده بنو الخطيب، فبقي على دراسة العلم والاشتغال بسلوك أولي النهى والفهم، وأحاج إليه الناس في أمور دينهم فمالوا إليه وعولوا عليه، وكان واليا بالبلد بعض سادات بني عبد المؤمن، فتحدث معه القاضي ابن الخطيب في أن يوجه إلى الفقيه أبي علي ﵀ من يحدثه في أن يشتغل بشأنه ويقتصر على خاص أمره، فوصله رسوله وهو جالس بالجامع الأعظم بمحل تدريسه منه، فأخبره عن حديث السيد وكان من جملة القراء بين يديه حفيد له، فقال له: أقرأ عليه، ولم يأمره بما يقرأه، فاستفتح متعوذا فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيمواتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم أن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون﴾ فانفصل الرسول وقد انتقع لونه وهو ترتعد فرائضه، ولما حصل في أثناء الطريق وصله رسول السيد يسترجعه ويقول له لا تحدث الشيخ عن شيء، وسبب ذلك أن ساعة انفصال الرسول عنه أصاب السيد وجع كاد أن يقضي عليه، ولما وصله الرسول اخبره بما شاهد من حال الفقيه، وبما كان من قوله وكيف انفصل عنه وهو لا يعرف كيف انفصل، فعرفه السيد بما أصابه بعد انفصاله عنه ورده إليه ليعتذر له ووجه معه بصلة، ولما وصل إليه الرسول وألقى إليه ما ألقى قبل عذره ورد الصلة واستمر على ما كان عليه ﵀، واستحسن نبل الحفيد المأمور بالقراءة حيث وافق من غير أن يشعر به، ولقد يعد هذا من كرامات الشيخ ﵁. وقبره بباب امسيون بالمقبرة التي تقابل الخارج من الباب، والدعاء عنده مستجاب، وهو مجهول في قبور هنالك ثلاثة أو أربعة لا يعلم أيها هو من بينها،

стр. 32

لكن المتبرك يتبرك بجميعها ليوافق المقصود منها. وسمعت عنه ﵁ إنه قال: أدركت ببجاية تسعين مفتيا ما منهم من يعرف الحسن بن علي المسيلي من يكون، كان يقول هذا حين يشار إليه بالتفرد في العلم، والتوحد في الفهم، وهذا من فضله ﵁. وكان له ﵀ وللفقيه أبي محمد عبد الحق الاشبيلي وللفقيه العالم أبي عبد الله محمد بن عمر القرشي المعروف بابن قريشة مجلس أظنه يجلسون فيه للحديث. وكثيرا ما كانوا يجلسون بالحانوت الذي هو بطرف حارة المقدسي وهو المقابل للطالع للحارة المذكورة، وكان الحانوت المذكور يسمى مدينة العلم لاجتماع هؤلاء الثلاثة فيه، الفقيه أبو علي المسيلي، والفقيه أبو محمد عبد الحق، والفقيه أبو عبد الله القرشي. ولم يصلني من أخبار أبي عبد الله القرشي إلا خبر يسير، سمعت الفقيه أبا محمد عبد الحق ﵀ يصفه بأنه كان من أهل العلم، وكان أكثر حاله النظر في المعقولات، وكان له نظر جليل في التعليم، ومن ولده هم الذين يسمون الآن بني قريشة، وسمعت أن الفقيه أبا زكرياء الزواوي ﵁ كان في نفسه منه شيء، فدخل عليه داخل يوما فسأله من أين أتى، فقال جئت من عند أبي عبد الله القرشي. فقال له: ذلك الزنديق؟ فقال لا تفعل يا سيدي، والله ما دخلت عليه الآن وهو لا يشعر وهو يقرأ المصحف ويبكي، فلما أحس بي غطى المصحف بحيث لا أراه ومسح عينيه وخاض في الحديث معي، وكان ما

стр. 33

عنده من المر الأول خبر. قال: فجعل الشيخ يضرب في رأسه وينتف شعره ويقول عن نفسه إنه هو المغتاب ووجه إلى أبي عبد الله القرشي يسأله في المغفرة. ولا اعرف من أخبار أبي عبد الله غير هذا وهو من جملة الفضلاء وأكابر العلماء ﵏. وذكر لي أن الفقيه أبا علي المسيلي ﵀ عرض له في مدة ولايته مرض، اقتضى أن يستنيب من ينوب عنه في الأحكام الشرعية فاستناب حفيده، وكان له نبل، فتحاكمت عنده يوما امرأتان ادعت إحداهما على الأخرى إنها أعرتها حليا وإنها لم تعده إليها، وأجابتها الأخرى بالإنكار، فشدد على المنكرة وأوهمها حتى اعترفت وأعادت الحلي. وكان من سيرته إنه إذا انفصل عن مجلس الحكم، يدخل لجده الفقيه أبي علي ويعرض عليه ما يليق عرضه من المسائل، فدخل عليه فرحا وعرض عليه هذه المسألة، فاشتد نكير الفقيه ﵀ عليه وجعل يعتب على نفسه تقديمه وقال له: إنما قال النبي ﷺ (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) ولم يقل ﷺ الإبهام والتخويف على من أنكر. واستدعى شاهدين وأشهد بتأخيره، وهذا من ورعه ووقوفه مع ظاهر الشرع ﵀. وعلى هذا يجب أن يكون العمل وهو مذهب مالك، وظاهر مذهب الشافعي

стр. 34

تجويز مثل هذا، فإنه يرى أن القصد إنما هو الوصول إلى حقيقة الأمر، فبأي وجه وصل إليه حصل المقصود، ولأجل هذا يجوزون قضاء الحاكم بعلمه والحق خلافه لقوله ﷺ فإنما أقضي له على نحو ما أسمع والله الموفق. ويناسب هذا من وجه ما حكي أن واليا كان بالإسكندرية يسمى قراجة وكان بها إذ ذاك الفقيه أبو عبد الله ابن جارة وكان عالما رفيع القدر قد ألبسه العلم والإعراض عن أبناء الدنيا لباس الهيبة، وكان لا يخاف في الله لومة لائم، واتفق أن عامل رجل يوما بياعا ودفع له درهما جعله البياع في قبضته ثم لم تتم بينهما المعاملة فقال له الرجل: اصرف علي درهمي، فقال البياع لا أعرفه في الدراهم ولكن هذا درهم مكانه فحلف الرجل بطلاق زوجته أن لا يأخذ إلا درهمه بعينه، وكثرت بينهما المراجعة في ذلك إلى أن تداعيا إلى الوالي هذا الرجل المسمى قراجة، فوصفا له القصة فأطرق ساعة ثم قال للبياع ادفع للرجل جميع ما في قبضتك من الدراهم ويدفع لك مكانها دراهم من عنده فيتحلل بذلك من يمينه؛ وكانت فتوى حسنة مرضية صحبها ذكاء، فنهى المجلس بحاله إلى الفقيه أبي عبد الله ابن جارة فاستحسن فتواه وصوبها، فنهي المجلس بحاله إلى الفقيه أبي عبد الله ابن جارة فاستحسن فتواه وصوبها، ثم خاف أن يحمله العجب على أن يفتي في غيرها من المسائل بغير علم ولا موافقة شرعية فوجه إلى الوالي حتى وصل إلى باب داره فقال له، أنت المفتي بين الرجلين في أمر كذا؟ فقال نعم، فقال له ومن أباح التسور على فتاوى المسلمين والدخول في أحكام الشرع وإنما أنت صاحب شرطة؟ فلا تتعرض لما لم تؤهل له. فقال له يا فقيه أنا تائب من ذلك، فقال له: أما إذا تبت فانصرف واشتغل بالجد فيما كلفت ولا تتعرض لما ليس من شأنك، أو كما قال.

стр. 35

وحكي أن رجلا من العباد أضاف الشيخ ﵀ فبات عنده، فلما حان وقت الصلاة أخذ أناء مملوءا بالماء ليتوضأ به فانهرق ثم ملأه ثانية وثالثة فانهرق، فقال أعوذ بالله من الشيطان الرجيمقل ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ فسمع هاتفا يقول ما أذن لنا ولا افترينا ولكنا قوم من الجن المؤمن ورد علينا قوم من الجن الكافر فلمسوا الإناء فخفنا أن يلحق بنجاسة فغسلناه خاصة. وحكي أن الفقيه أبا عبد الله محمد بن إبراهيم الوغليسي كان جالسا بإزاء قبر الشيخ أبي علي ﵀ متبركا به، قال فإذا بفارس وهو يتفصد عرقا، فقال لي أين قبر الشيخ أبي علي؟ قلت هذا، فنزل عن دابته وتضرع وبكى ثم نظر إلي فقال: أنا من موحدي افريقية كان لي صاحب ببجاية وكان واليها توفي، فرأيته على حالة لا تسرني فعز علي ذلك، ثم رأيته بعد مدة طويلة على حالة حسنة فسرني ذلك وسألته عن السبب الموجب لذلك، فقال لي: توفي أبو علي المسيلي ببجاية ودفن بباب امسيون وكان الرجل دفن بجبل الخليفة، قال فغفر الله لما بين ضفتي المدينة فكبت في إحدى الضفتين فغفر لي. ويتصل سندنا بالقاضي أبي علي المسيلي عن الشيخ الخطيب أبي عبد الله الكناني عن أبي محمد بن برطلة عن الشيخ أبي عبد الله ابن حماد عن القاضي أبي علي المسيلي قراءة عليه وألقاه إليه.

стр. 36

٣ - أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين بن سعيد بن إبراهيم الازدي الاشبيلي ٥١٠ - ٥٨١هـ ١١١٦ - ١١٨٥م ــ ومنهم الإمام الشيخ الفقيه الجليل، المحدث الحافظ المتقن المجيد، العابد الزاهد، القاضي الخطيب أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين بن سعيد بن إبراهيم الأزدي الأشبيلي رحل إلى بجاية وتخيرها وطنا وكمل بها خبرة، فألف التآليف وصنف الدواوين وولى الخطبة وصلاة الجماعة بجامعها الأعظم، وجلس للوثيقة والشهادة وولي قضاء بجاية مدة قليلة، ولم يشتهر ذلك من أمره ولا أطلعت على ذلك إلا من رسوم وجدتها مسجلا عليه فيها وكان

стр. 37

ذلك في مدة ابن غانية المعروف بالميورقي اللمتوني، سمعت إنه ﵀ كان يقسم ليله أثلاثا، ثلثا للقراءة، وثلثا للعبادة، وثلثا للنوم. وكان مع ذلك متقللا من الدنيا، مقتصرا على أقل الكافي منها، وكان مصاحبا ومواليا للفقيه أبي علي المسيلي ﵀. ومن نقل من أثق بنقله، ما نفله من كلام محيى الدين أبي بكر محمد بن علي ابن العربي الحاتمي الطائي وقد ذكر الشيخ أبا مدين ﵁ فقال: كان الشيخ جمال الحافظ، زين العلماء، عماد الرواة، رأس المحدثين أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الاشبيلي الخطيب المحدث قد وأخاه في بجاية وأقر له بالسبق في طريق الحق، وكان إذا دخل سيدنا أبي مدين ويرى ما أيده الله تعالى به ظاهرا وباطنا، كان يجد في نفسه حالة سنية لم يكن يجدها قبل حضوره مجلسه، فيقول عند ذلك: هذا وارث على الحقيقة. انتهى. قلت: كمال حصل في الجانبين وجمال التقى من الطرفين. وله ﵁ تآليف جليلة نبل قدرها، واشتهر أمرها، وتداولها الناس رواية وقراءة وشرحا وتبينا. له "الأحكام الكبرى" في الحديث "والأحكام الصغرى" فيه، وله كتاب "العاقبة في علم التذكير" وله كتاب "التهجد" وله "اختصار الرشاطي" وهو أحسن من الأصل. وسمعت من شيخنا الفقيه أبي محمد ابن عبادة ﵀ إنه ألف كتابا كبيرا في الأحكام

стр. 38

في الحديث وهو أضعاف الأحكام الكبرى، سمعت منه أن الكتاب المذكور اضمحل أمره بعد كمال تأليفه لكبيره، وسمعت من بعض الطلبة إنه ألف كتابا في اللغة سماه "بالحاوي" وهو في ثمانية عشر مجلدا ورأيت كتابا مجموعا من شعره كله في الزهد وفي أمور الآخرة ﵁. والذي كثر تداوله بين أيدي الناس من كتبه هو الاحكامان الكبرى والصغرى والعاقبة. وقد كتب أبو عبد الله ابن القطان مزوار الطلبة بالمغرب على الأحكام الصغرى نكتا واستلحاقا، وكتب غيره عليها ردا وإصلاحا، وقد اشتهرت كتبه بالمشرق ووقع النقل منها، ونقل عنه صاحب الجواهر الثمينة في آخر كتاب الزكاة من كتابه فصلا نقله أبو محمد عبد الحق في كتاب الزكاة من كتاب الأحكام ونصه: قال المؤلف، وقال عبد الحق البجائي، وفي بعض نسخ ابن شاس وقال عبد الحق اليماني وهو غلط، وإنما نسبه إلى بجاية لاستيطانه بها وظهور حاله وتصانيفه فيها. وكانت له أخلاق حسنة فاضلة، سمعت شيخنا الفقيه أبا محمد عبد الحق، يقول، كان الفقيه أبو محمد عبد الحق الاشبيلي متخليا عن الدنيا وكان كثيرا ما يجلس مع الفقيه أبي علي المسيلي رحمهما الله، فربما أتته الوصيفة من داره لقضاء

стр. 39

بعض مآرب منزله، فإذا أتته تطلب منه ما يقضي بالشيء اليسير يخرج لها، قال: أضعاف ذلك، وكان ذلك في مدة "البلكيني" فربما قال له بعض الحاضرين هذا أكثر من المطلوب أو من المحتاج إليه، فيقول لا أجمع على أهل المنزل ثلاث شينات، شيخ واشبيلي وشحيح، يكفي ثنتان، وهذا من لوذعته وطيب طينته مع ما هو عليه من جلال العلم وكمال الفهم ﵁. ولد في ربيع الأول سنة عشر وخمسمائة، وارتحل إلى بجاية بعد الخمسين وخمسمائة، وتوفي بها في أواخر ربيع الثاني من عام اثنين وثمانين وخمسمائة وكان تاريخ وفاته مكتوبا في رخامه عند قبره. وحكي أن بعض النصارى أخذ هذه الرخامة وسافر بها إلى بلاده ثم أعادها إلى مكانها لأنه تشاءم بها ثم سرقت بعد ولم تعد. وقبره خارج باب المرسى وهو من القبور المزورة المتبرك بها، وكثيرا ما رأيت الطلبة يقرؤون تآليفه عند قبره ﵁، وأما الشيخ المبارك أبو علي الاركشي فاني ختمت قراءة العاقبة بين يديه على قبره رحمهما الله، ويتصل سندنا بالفقيه أبي محمد عبد الحق المذكور من طريق الفقيه المقرئ أبي العباس أحمد بن محمد بن حسن الصدفي عن الفقيه أبي زكرياء بن عصفور عن أبي الحسن علي عن صاحب الصلاة عنه.

стр. 40

٤ - أبو طاهر عمارة بن يحيى بن عمارة الشريف الحسني ... بعد ٥٨٥هـ ... = ١١٨٩ م ــ وممن يجب أن يذكر مع هؤلاء الفضلاء الفقيه أبو الطاهر عمارة بن يحيى بن عمارة الشريف الحسني، لعلمه وشرفه، هو عمارة بن يحيى بن عمارة الشريف الحسني هكذا وجدته من خط يده ﵀، يكني أبا الطاهر، له علم وأدب وفضل ونبل، قضى في بعض النواحي ببجاية. كان متقدما في علم العربية والأدب، وله تأليف في علم الفرائض منظوم، وتواشيحه في نهاية الحسن وبها يضرب المثل، وكثيرا ما يقول الناس عندما يشطط الإنسان على الإنسان في الطلب فيجاوبه وأغني لك موشحا لعمارة. وقد ذكر لي أن شعره قد جمع في ديوان، ولكني ما اطلعت عليه وقد رأيت بعض قطع مستحسنة من شعره وانا اذكرها واذكر سببها قبلها، وذلك أن بجاية كانت بلدة غزاة، وكان غزاة قطعها يدخلون إلى دواخل الجزر الرومانية وغيرها ويسوقون السبي الكثير منها. وينزل الناس لشرائه بحومة المذبح من جهة ربضها وهناك يخمس ويقع الفصل فيه، ولم يزل الحال على ذلك، وبلغ الحال من كثرة سبي الآدميين أن يباع بيضاوان من الروم بسوداء من الوخش، وكانت أجفان إسحاق بن غانية تصل أيضا من ميورقة كما تصل به أجفان
следующие страницы →