Полный текст (382 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
٣ - أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين بن سعيد بن إبراهيم الازدي الاشبيلي
٥١٠ - ٥٨١هـ
١١١٦ - ١١٨٥م
ــ
ومنهم الإمام الشيخ الفقيه الجليل، المحدث الحافظ المتقن المجيد، العابد الزاهد، القاضي الخطيب أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين بن سعيد بن إبراهيم الأزدي الأشبيلي رحل إلى بجاية وتخيرها وطنا وكمل بها خبرة، فألف التآليف وصنف الدواوين وولى الخطبة وصلاة الجماعة بجامعها الأعظم، وجلس للوثيقة والشهادة وولي قضاء بجاية مدة قليلة، ولم يشتهر ذلك من أمره ولا أطلعت على ذلك إلا من رسوم وجدتها مسجلا عليه فيها وكان
стр. 37
ذلك في مدة ابن غانية المعروف بالميورقي اللمتوني، سمعت إنه ﵀ كان يقسم ليله أثلاثا، ثلثا للقراءة، وثلثا للعبادة، وثلثا للنوم. وكان مع ذلك متقللا من الدنيا، مقتصرا على أقل الكافي منها، وكان مصاحبا ومواليا للفقيه أبي علي المسيلي ﵀.
ومن نقل من أثق بنقله، ما نفله من كلام محيى الدين أبي بكر محمد بن علي ابن العربي الحاتمي الطائي وقد ذكر الشيخ أبا مدين ﵁ فقال: كان الشيخ جمال الحافظ، زين العلماء، عماد الرواة، رأس المحدثين أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الاشبيلي الخطيب المحدث قد وأخاه في بجاية وأقر له بالسبق في طريق الحق، وكان إذا دخل سيدنا أبي مدين ويرى ما أيده الله تعالى به ظاهرا وباطنا، كان يجد في نفسه حالة سنية لم يكن يجدها قبل حضوره مجلسه، فيقول عند ذلك: هذا وارث على الحقيقة. انتهى. قلت: كمال حصل في الجانبين وجمال التقى من الطرفين.
وله ﵁ تآليف جليلة نبل قدرها، واشتهر أمرها، وتداولها الناس رواية وقراءة وشرحا وتبينا. له "الأحكام الكبرى" في الحديث "والأحكام الصغرى" فيه، وله كتاب "العاقبة في علم التذكير" وله كتاب "التهجد" وله "اختصار الرشاطي" وهو أحسن من الأصل. وسمعت من شيخنا الفقيه أبي محمد ابن عبادة ﵀ إنه ألف كتابا كبيرا في الأحكام
стр. 38
في الحديث وهو أضعاف الأحكام الكبرى، سمعت منه أن الكتاب المذكور اضمحل أمره بعد كمال تأليفه لكبيره، وسمعت من بعض الطلبة إنه ألف كتابا في اللغة سماه "بالحاوي" وهو في ثمانية عشر مجلدا ورأيت كتابا مجموعا من شعره كله في الزهد وفي أمور الآخرة ﵁. والذي كثر تداوله بين أيدي الناس من كتبه هو الاحكامان الكبرى والصغرى والعاقبة.
وقد كتب أبو عبد الله ابن القطان مزوار الطلبة بالمغرب على الأحكام الصغرى نكتا واستلحاقا، وكتب غيره عليها ردا وإصلاحا، وقد اشتهرت كتبه بالمشرق ووقع النقل منها، ونقل عنه صاحب الجواهر الثمينة في آخر كتاب الزكاة من كتابه فصلا نقله أبو محمد عبد الحق في كتاب الزكاة من كتاب الأحكام ونصه: قال المؤلف، وقال عبد الحق البجائي، وفي بعض نسخ ابن شاس وقال عبد الحق اليماني وهو غلط، وإنما نسبه إلى بجاية لاستيطانه بها وظهور حاله وتصانيفه فيها.
وكانت له أخلاق حسنة فاضلة، سمعت شيخنا الفقيه أبا محمد عبد الحق، يقول، كان الفقيه أبو محمد عبد الحق الاشبيلي متخليا عن الدنيا وكان كثيرا ما يجلس مع الفقيه أبي علي المسيلي رحمهما الله، فربما أتته الوصيفة من داره لقضاء
стр. 39
بعض مآرب منزله، فإذا أتته تطلب منه ما يقضي بالشيء اليسير يخرج لها، قال: أضعاف ذلك، وكان ذلك في مدة "البلكيني" فربما قال له بعض الحاضرين هذا أكثر من المطلوب أو من المحتاج إليه، فيقول لا أجمع على أهل المنزل ثلاث شينات، شيخ واشبيلي وشحيح، يكفي ثنتان، وهذا من لوذعته وطيب طينته مع ما هو عليه من جلال العلم وكمال الفهم ﵁. ولد في ربيع الأول سنة عشر وخمسمائة، وارتحل إلى بجاية بعد الخمسين وخمسمائة، وتوفي بها في أواخر ربيع الثاني من عام اثنين وثمانين وخمسمائة وكان تاريخ وفاته مكتوبا في رخامه عند قبره.
وحكي أن بعض النصارى أخذ هذه الرخامة وسافر بها إلى بلاده ثم أعادها إلى مكانها لأنه تشاءم بها ثم سرقت بعد ولم تعد.
وقبره خارج باب المرسى وهو من القبور المزورة المتبرك بها، وكثيرا ما رأيت الطلبة يقرؤون تآليفه عند قبره ﵁، وأما الشيخ المبارك أبو علي الاركشي فاني ختمت قراءة العاقبة بين يديه على قبره رحمهما الله، ويتصل سندنا بالفقيه أبي محمد عبد الحق المذكور من طريق الفقيه المقرئ أبي العباس أحمد بن محمد بن حسن الصدفي عن الفقيه أبي زكرياء بن عصفور عن أبي الحسن علي عن صاحب الصلاة عنه.
стр. 40
٤ - أبو طاهر عمارة بن يحيى بن عمارة الشريف الحسني
... بعد ٥٨٥هـ
... = ١١٨٩ م
ــ
وممن يجب أن يذكر مع هؤلاء الفضلاء الفقيه أبو الطاهر عمارة بن يحيى بن عمارة الشريف الحسني، لعلمه وشرفه، هو عمارة بن يحيى بن عمارة الشريف الحسني هكذا وجدته من خط يده ﵀، يكني أبا الطاهر، له علم وأدب وفضل ونبل، قضى في بعض النواحي ببجاية. كان متقدما في علم العربية والأدب، وله تأليف في علم الفرائض منظوم، وتواشيحه في نهاية الحسن وبها يضرب المثل، وكثيرا ما يقول الناس عندما يشطط الإنسان على الإنسان في الطلب فيجاوبه وأغني لك موشحا لعمارة.
وقد ذكر لي أن شعره قد جمع في ديوان، ولكني ما اطلعت عليه وقد رأيت بعض قطع مستحسنة من شعره وانا اذكرها واذكر سببها قبلها، وذلك أن بجاية كانت بلدة غزاة، وكان غزاة قطعها يدخلون إلى دواخل الجزر الرومانية وغيرها ويسوقون السبي الكثير منها. وينزل الناس لشرائه بحومة المذبح من جهة ربضها وهناك يخمس ويقع الفصل فيه، ولم يزل الحال على ذلك، وبلغ الحال من كثرة سبي الآدميين أن يباع بيضاوان من الروم بسوداء من الوخش، وكانت أجفان إسحاق بن غانية تصل أيضا من ميورقة كما تصل به أجفان
стр. 41
بجاية، وكان إسحاق ابن غانية بجزيرة ميورقة وهو بقية اللمتونيين، فوجه له من مراكش من قبل خليفتها من يطلبه بالبيعة والدخول تحت الطاعة، فامتنع من ذلك، وكان بين يديه ولداه علي ويحيى فقال للرسول أنا لا أراهم ولا يرونني، ولكن قل للموحدين يهيئون ما ينفقون على رأس هذين، وأشار إلى رأس ولديه، فانفصل الرسول عنه وتجهز الولدان بعد كبرهما في طرائد فيها بعض الفرسان ووصلا إلى شاطئ بجاية بمحل بيع السبي منها. وكانت البلدة شاغرة من الجيش، فتلقاهم الناس على عادة تلقيهم لأجل السبي، فنزلت الخيل معدة ولما وصلت له مستعدة، والناس ما عندهم من شأنهم خبر، فطلعوا على جبل الخليفة ودخلوا من باب "اللوز" إلى قصبة البلد وتملكوا البلد، ولم يكن فوق باب اللوز سور في ذلك الزمان، وطلبوا الناس بالبيعة فبايعوهم، وكان الشريف أبو الطاهر عمارة ﵀ ممن امتدحهم وأنشد بين أيديهم وربما تعرض في بعض مقاله جريا على عادة الشعراء أمثاله، ثم أن الموحدين تجهزوا برا وبحرا من فورهم ليستأصلوا من البغاة شأفة أمرهم فانفصل علي بن غانية عن الحال وتبع الموحدون الناس بما ظهر منهم من مقال أو فعال، وكان من جملة الأمر إنه لما خطب لهم قال الخطيب في خطبته، والحمد لله الذي أعاد الأمر إلى نصابه، وأزاله من أيدي غصابه، فاشتدت وطأتهم على أهل العلم واعتقلوا أناسا منهم وكان من جملة من اعتقل الشريف أبو طاهر عمارة، ولما وصل الموحدون خرج إلى الجهة التي كان بها قاضيا فوجه إليه وجيء به مصفدا في الحديد، فبقي معتقلا مع أصحابه مدة من الزمان وهو يروم أن يقول فلا يجد للقول
стр. 42
سبيلا، إلى أن سمع منشدا ينشد سحرا لعلي بن الجهم.
عيون المها بين الرصافة والجسر ... جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
فترك بلباله، وزال عن لسانه عقاله، فكتب بالقصيدة التي منها هذه القطعة للوالي فتلقاها بالقبول، وشفع فيه وفي أصحابه جده النبي الأمي خير شفيع وأكرم رسول، وهي هذه:
سلام كعرف المندل الرطب في الجمر ... وإلا كما هب النسيم على الزهر
فلله در مقلتين بعبرة ... تعبر فوق الخد عن كامن السر
وقد راعني ايماض برق بذي الغضا ... كما ابتسم الزنجي عن بهج الثغر
بدا لي أن الليل أروى زناده ... ولا نار إلا نور برق له يسري
ونار بأكبادي أكابد حرها ... وقلب سليم قلب في لظى جمر
وما طائر فوق الغصون مسرح ... كمن بات مقصوص الجناحين في وكر
فلم أنس توديع البنين مصفدا ... وأصغرهم يجري وأدمعه تجري
أبا زيد إني بالحسين وسيلتي ... وجدي شفيع الناس في موقف الحشر
وكانت له ﵀ ابنة تسمى عائشة كانت أديبة أريبة، فصيحة لبيبة، وكان لها خط حسن، رأيت كتاب الثعالبي بخطها في ثمانية عشر جزءا، وفي خاتمة كل سفر منه قطعة من الشعر من نظم والدها ﵀، إذا ختم السفر وتم التأريخ يكتب بخط يده، وقال عمارة بن يحيى بن عمارة الشريف الحسني، وتكتب ابنته القطعة بخطها، وهي نسخة عتيقة ما رأيت أحسن
стр. 43
منها ولا أصح، ولقد رأيت منه نسخا كثيرة منتقدة إلا هذه النسخة، ولقد يجب أن تكون هذه النسخة أصلا لهذا الكتاب حيث كان، ويقع التصحيح منها، وهذه النسخة من جملة الخزانة السلطانية ببجاية أبقاها الله وحفظها، ومن الغريب أني رأيت هذا الكتاب في سفر واحد، رأيته بحاضرة قسنطينة عند أمام جامع قصبتها المحروسة وهو المعروف بابن الغازي، وأكثر ما رأيته في ثمانية عشر سفرا وأقل ما رأيته في سفر، وهو بخط بين لا بأس به. ومن شعر الشريفة عائشة رحمها الله:
أخذوا قلبي وساروا ... واشتياقي أودعوني
لا عدا أن لم يعودوا ... فاعذروني أو دعوني
ويقال أنها بعثت بهما إلى ابن الفكون شاعر وقته، وقالت عارضهما أو زد عليهما، فكتب لها معتذرا عن الجواب، أن الاقتصار عليهما هو الصواب. ولها أيضا.
صدني عن حلاوة التشييع ... اجتنابي مرارة التوديع
لم يقم خير ذا بوحشة هذا ... فرأيت الصواب ترك الجميع
ولها في معنى المداعبة -وقد خطبها رجل من الأشراف كان أصلع- فلم تجبه إلى مراده، وقالت هذه الأبيات تداعب صاحبتها من الفتيات:
عذيري من عاشق أصلع ... قبيح الإشارة والمنزع
يروم الزواج بما لو أتى ... يروم به الصفع لم يصفع
برأس حويج إلى كية ... ووجه فقير إلى برقع
ولها رحمها الله ظرائف أخبار، ومستحسنات أشعار، لكن هذا الموضع لم يقصد به هذا المعنى فيقع منه الإكثار، وإنما المقصود منه صورة التعريف بالرجال، وذكر بعض شواهد الحال.
стр. 44
٥ - أبو عبد الله العربي ﵁
-أوائل القرن السادس الهجري-
ــ
ومنهم الشيخ المبارك الصالح الفاضل الواصل، أبو عبد الله العربي ﵁. كان من أولياء الله المقربين، ومن عباد الله الذين هم لمعالم العلي أخص الوارثين. قال أبو بكر ابن العربي الطائي الحاتمي: وهو من الأميين كشيبان الراعي، وكان ﵁ مخفيا لأمره، مستترا بصورة البله مدة دهره، كان يحج من بجاية في بعض العشر من ذي الحجة ويرجع من غير أن يعلم بذلك سوى من هو على السرائر والخفيات مطلع.
وكان ﵁ كثيرا ما يركب قصبة كما يفعل الصبيان سترا منه لحاله، ولقد وصل في بعض الأحيان من ناحية الشام جفن في شهر ذي الحجة عهد ثمانية أيام، فبينما الشيخ بحومة باب البحر إذ رآه النصراني صاحب الجفن وقال له: يا سيدي خذ مزودك الذي دفعته لي بالشام، فركب قصبته وانفصل عنه، فحلف النصراني وقال: والله ما دفع لي هذا الشيخ المزود إلا بالشام منذ ثمانية أيام والله ما هو إلا ولي الله.
ولما كان في عام الاركش احتزم في يوم من الأيام وركب قصبة ومسك قصبة أخرى في يده عوضا عن مزراق، وجعل يكر ويفر وهو يتفصد عرقا إلى أن رمى بالقصبة من يده ضاربا بها في جهة عدوه وقائلا عند رميها: في سبيل الله، وسقط إلى الأرض من شدة جهده، ومبلغ كده، فأرخ ذلك الوقت من اليوم، فكان هو اليوم الذي هزم فيه النصارى في عام الاركش وهو يوم
стр. 45
الأربعاء التاسع لشعبان الحرام عام واحد وتسعين وخمسمائة، فكان ﵁ في جملة المجاهدين ذلك اليوم، وممن أعان الله به المسلمين وأوقع الهزيمة على يده، وقد يقع في هذا إنكار من ملحد لا علم له وحقه لإعراض عنه وعدم الالتفات إليه، وإن زاد فيصفع في وجهه عوضا عن قفاه، كما جمع الله له الخزي في أولاه وأخراه.
ومن كراماته ﵁، أن رجلين كانا متصاحبين وكان احدهما على حالة لا ترضى، وكان صاحبه لا يزال يراه في منامه على حالة تسوءه ولا تسره، فعز عليه ذلك من أمره، فلما كان في بعض الليالي رآه صاحبه على حالة وصورة حسنة، فقال له: ما هذا الحال؟ قال: غفر الله لي، قال: وبماذا؟ قال: أن سيدي أبا عبد الله العربي خطر بهذه الحومة، فعثر فدميت إصبعه، فقال "اللهم ما وهبت لي من اجر فاني قد وهبته لجماعة الموتى" فغفر الله لجميع من بهذه الناحية وأنا في جملتهم.
ووقفت على مثل هذا المعنى في ملخص من "المنتخب المقرب في ذكر بعض صلحاء المغرب" قال: حدثني أحمد بن حسن قال: حدثني يعيش بن شعيب السقطي قال: أتيت من باب إيلان، فلما قربت من باب الدباغين نطرت في المقابر فرأيت قبرا حديث عهد بالدفن فيه، فوقفت وأنا أقول يا صاحب هذا القبر هل أنت ذكر أم أنثى حر أم عبد؟ ثم وقفت عليه ساعة وانصرفت، فلما كان بالليل رأيت في المنام امرأة فقلت لها يا هذه من أنت؟ قالت لي أنا صاحبة القبر الذي وقفت عليه تعتبر ولي إليك حاجة، فقلت لها ما هي؟ فقالت لي أن زوجي رجل قطان اسمه فلان، بن فلان، فاذهب إليه واسأله أن يغفر لي، فلما أصبحت سألت عن الرجل وأعلمته أن زوجته سألته أن يغفر لها، فأبى
стр. 46
أن يغفر لها، فانصرفت عنه مغموما فلما كان بالليل رأيتها في المنام، فقالت لي عسى أن تذهب إلى عمه فلان اللحام لعله يشفعه أن يغفر لي، قال: فلما أصبحت سألت عن الرجل اللحام وأعلمته، فقال لي نعم، فذهبت معه إلى الرجل زوج المرأة فرغبناه أن يغفر لزوجته حقه قبلها فأبى من ذلك، فانصرفنا عنه مغمومين من أجل تلك المرأة، فأقمت مدة ثم رأيتها في النوم على أحسن حالة فقلت لها ما هذا؟ فقالت أتيت لأبشرك بأن الله تعالى قد غفر لي، فقلت لها بماذا غفر الله لك؟ فقالت: دفن بجوارنا رجل صالح فشفعه الله تعالى في كل من يجاور قبره من جهاته الأربع مسافة أربعين ذراعا، فكنت فيمن حاز قبري الأربعون ذراعا، فغفر الله تعالى لي.
وقبره رضي الله تعالى عنه عند مسجد الفقيه أبي زكرياء الزواوي ﵁، بخارج باب المرسى. وعليه وضع الفقيه أبو زكرياء رباطه ملتمسا بركته، ومجاورا ضريحه النير وتربته، ولم يتصل بي من حديثه ﵁ سوى ما ذكرته ولا أعلم له وقت ولادة ولا وفاة ولا نسبا سوى شهرة اسمه، وما عرف من رسمه، ﵀ ورضي عنه.
стр. 47
٦ - أبو الفضل ابن محمد بن علي بن طاهر بن تميم القيسي
حوالي ٥٤٠ - ٥٩٨هـ
= ١١٣٥ - ١٢٠٢م
ــ
ومنهم الشيخ الفقيه الجليل، العالم الصدر النبيل، النبيه الذكي السني القدر، الكاتب البارع أبو الفضل ابن محمد بن علي بن طاهر بن تميم القيسي من أهل بجاية، واصله قد اشتهر ويعرف بابن محشرة، يكنى أبا الفضل وأبا العلى، كان أبوه قاضيا ببجاية. له علم متسع المدى، وتخصص ووقار بما سبيله فيما يقتدى. كان متمكن المعرفة، حسن الشارة والصفة، له الهمة السنية، والأخلاق المرضية، وكان وجيها مكرما، ومشرفا معظما. استدعاه الخليفة ابن عبد المؤمن إلى حضرتهم بمراكش فارتحل من بجاية وهو كاره لارتحاله، مع علمه إنه استدعاه لمنصب يسمو به على أمثاله، ولكن عزة العلم أغنته عن الناس، وحصبت له من المزية في الأنفس أزيد مما يقاس.
أخبرنا شيخنا الفقيه أبو محمد عبد الحق بن ربيع أن سبب استدعائه أن كاتب سر الخليفة في ذلك الزمان توفى، واهتم أمير المؤمنين لذلك غاية الاهتمام،
стр. 48
وكان مسعود بن سلطان الرياحي المعروف بمسعود البلطي، وفد على أمير المؤمنين من هذه البلاد، وكانت له عنده مزية، وكان يحضر معه أكثر الأوقات في الخلوات. قال: فدخلت عليه يوما فوجدته مغتما وقد ظهر التغير في وجهه، فقلت له يا سيدي يا أمير المؤمنين ما الذي أهمكم لا أهمكم الله؟ فقال لي أن كاتب سرنا فلانا قد مات، وقد احتجنا إلى من نقيمه مقامه وما وجدنا، لأنه يحتاج في كاتب السر أن يكون على صفة كذا وعلى نعت كذا. فقلت له بشراك يا سيدنا يا أمير المؤمنين، هذا الرجل ببجاية أبو الفضل ابن محشرة، ووصف له من صفاته ما وقع منه موقع القبول، فكتب إليه أمير المؤمنين من حينه، وأمر والي بجاية أن يحتفى به ويحمله خير محمل، فلم يمكنه بعد وصول الأمر إلا طاعة أمير المؤمنين ولم يمكنه التخلف، ولما وصل إلى حضرة مراكش ومثل بين يدي الخليفة رأى من حسن سيمته وروائه ووقاره، ما أغناه عن اختباره، فأكرم نزله، ورفع منزلته ومحله، ولما وقع الاطلاع على ما عنده من فنون العلم علم أن الكتابة التي وقع الاستدعاء بسببها إنما هي بعض صفاته، وإحدى آلاته وأدواته. وكان عادته إنه إذا وجه إليه أمير المؤمنين ليأتي محله، يتأنى ويتربص، ويأتي على التؤدة والتأني والوقار وإصلاح الهيئة واستكمال الزينة، ولم يزل ذلك دأبه إلى أن وشى به عند الملك من غص منه، فقال إنه لا يأتي إلا على قعود عن الخليفة، وقال ما شاء الله أن يقول. فوقع في نفس الملك من ذلك شيء، فاستدعاه واعجله، فتأنى وجرى على عادته، ولما حضر بين يديه عاتبه وقال له: يا فقيه كثيرا ما تبطئ علينا إذا استدعيناك فما هذا منك؟ فقال له: يا أمير المؤمنين، أنت إمام المسلمين، وما أحسب أن محل الإمامة إلا كمحل الصلاة، فكما آتي إلى الصلاة آتي إلى هذا المحل، وقد قال رسول الله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون واتوها تمشون وعليكم السكينة، فما
стр. 49
أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" فاستحسن ذلك منه أمير المؤمنين وزاد في تقريبه، وتركه على حاله، وحاجة الخليفة كانت إليه أكثر من حاجته. وله رواية عن أبي القاسم السهيلي ﵁ وأبي محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الاشبيلي وسمع منه. قال أنشدني أبو محمد عبد الحق لنفسه:
قالوا صف الموت يا هذا وشدته ... فقلت وامتد مني عندها الصوت
يكفيكم منه أن الناس لو وصفوا ... أمرا يروعهم قالوا هو الموت
توفي سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وولد سنة أربعين وخمسمائة أو قبلها بيسير. فهؤلاء الفضلاء هم الذين رأيت أن ألحقهم بعلماء هذه المائة السابعة لأنهم كانوا في أواخر المائة السادسة، وقد بقي خلق كثير من أهل المائة السادسة ممن لهم جلال وكمال، ولكن شرط الكتاب منع من ذكرهم، وقد مضى من قول الشيخ أبي علي المسيلي ﵁ إنه قال: أدركت ببجاية ما ينيف على تسعين مفتيا ما منهم من يعرف أبا علي الحسن بن علي المسيلي من يكون، وإذا كان من المفتين تسعون فكم يكون من المحدثين ومن النحاة والأدباء وغيرهم ممن تقدم عصرهم ممن لم يدركه، كان الناس على اجتهاد، وكان الأمراء لأهل العلم على ما يليق ويراد، وها أنا أذكر مشيختي وأعلام إفادتي ﵃.
стр. 50
٧ - أبو محمد عبد الحق بن ربيع بن أحمد بن عمر الأنصاري
... ٦٧٥هـ.
... ١٢٨٥م.
ــ
فمنهم شيخنا الفقيه، الإمام العالم المحصل، المحقق المجيد، الصوفي المجتهد، أبو محمد عبد الحق بن ربيع بن أحمد بن عمر الأنصاري. أصله من "أبدة" وجده عمر هو الواصل إلى بجاية مستوطنا.
ولد ببجاية وقرأ بها ولقي مشائخ، وكان ﵀ روح بلده ومصره، وواسطة نظام أهل زمانه وعصره، كان يحمل فنونا من العلم، الفقه والأصلان، أصول الدين وأصول الفقه والمنطق والتصوف، والكتابتان الشرعية والأدبية، والفرائض والحساب، وكان ابن مقلة زمانه، له خطوط جملة وهو في كل واحد منها ابن مقلة زمانه، كان يكتب الشرقي والغربي على فنون من ريحاني وتحساني وديواني وغير ذلك من أنواعه، ومن أبدع حاله في خطة إذا بدأ بنوع حكم عليه إلى آخره حتى لا يوجد فيه حرف واحد من غيره، ولقد رأيت كثيرا ممن يشارك بين خطين فيختلط كتبه.
وكانت له ﵀ أخلاق حسان لم تكن لغيره، وكانت فيه دعابة مستحسنة مستطرفة، وكان من أملح الناس نادرة على طريقة أمثاله من
стр. 51
فضلاء أهل العلم والتخلق، وكان إذا اثني عليه بحسن الخلق يقول: قال النبي ﷺ : "أول ما يوضع في الميزان الخلق الحسن" ومن لم يكن عنده أول ما يوضع في الميزان لم يكن عنده غيره، لأن هذا إنما يجري مجرى الأساس.
تخطط في بلده بالعدالة، وكانت له صفة، وناب عن القضاة في الأحكام مطلقا، وكان هو المشاور عندهم والمعول على ما عنده، وهو كان القاضي على القضاة بالحقيقة لأن مرجع أمرهم إنما كان إليه. وكان له باطن سليم، سمعته ﵀ يقول "والله ما بت قط وفي نفسي شر لمسلم" فجزاه الله عن نيته، وعامله بالحسنى عن طويته. وكان مسمتا مفوها، حسن العبارة مليح الإشارة، أربى في وثيقته على من تقدم، لو رآه أبو الحسن علي بن يحيى القاسم لأتبعه، ولقد رأيت الشيخ أبا محمد عبد الحق بن سبعين ﵀ أثنى عليه في بعض كتبه ثناء حسنا، وذكر حاله في الوثيقة، وذكر بعض كتبه في وثيقة ابتياع سفينة فقال: إنه كتب فيها، فقال: "اشترى فلان من فلان السفينة الفلانية بجميع ما يحتاج إليه جارية وراسية: وأعجبه هذا من كتبه، وهذه واحدة من آحاد، وفرد من جملة أفراد" والوثيقة مع هذا إنما هي صفة من صفاته، وإحدى من حاجاته، ولما كانت معرفته باللسان وبمواقع المعاني مجملة ومفصلة، وبالأحكام كلية وجزئية على حال إحاطة، تقدمت وثيقته الوثائق وأماطت الشبه والعلائق.
وسمعت عن الفقيه أبي المطرف ابن عميرة إنه قال: أما الكتابة الأدبية
стр. 52
فنحن فيها وإياه على نسق، وأما الشرعية فقد انفرد بها الناس "ولولا الإطالة لذكرت من كتابته الأدبية والشرعية ومن ظرائف أخباره وملح آثاره مما رأيت وشاهدت، ما تصغي له الآذان ويسعد به الفؤاد والجنان".
ولقد أجيبت فيه دعوة أبيه، سمعت إنه لما حج دعا له حيث يجب، فقال يا عبد الحق رزقك الله لفظا وخطا، فكان كذلك. وقد نظم في مدة قراءته على الشيخ أبي الحسن الحرالي القصيدة الصوفية، وكانت من نحو خمسمائة بيت، فلخصها له الشيخ ﵀ لهذه الأبيات انتقاها منها وترك ما عداها وهي:
سفرت على وجه الجميل فأسفرا ... وبدا هلال الحسن منها مقمرا
ودنت فكاشفت القلوب بسرها ... وسقت شراب الأنس منها كوثرا
ورأيتها في كل شيء أبصرت ... عيناي حتى عدت كلي مبصرا
وسمعت نطق الناطقين فكلهم ... بالحمد والتسبيح عنها أخبرا
وبها ركبت زواخرا من حبها ... ولبست سر السر ثوبا أحمرا
وبها فنيت عن الفناء وغصت في ... ماء الحياة مسرمدا ومدهرا
في الماء يظهر كل شيء كائن ... وبه يرى مثل الوجود مصورا
وأنا أرى في كل ماء ماءه ... ورأى وراء الماء ماء آخرا
فإذا وصلت به إليه فراجعن ... تلك المنازل نقله متنكرا
فمتى أردت إبانة عن بعض ما ... في القلب من سر مصون عبرا
فارفع به ظلم الحجاب فرفعها ... تجنيك من غرس المنى ما أثمرا
فتراه حين تراك ذاتا رافعا ... للبس حتى لا ترى إلا العرا
فهناك يفتح بابه ولطالما ... قد كان دونك مبهما متعذرا
إفصاح قولي لا يفي بمواجدي ... وبيانه لا يستقل بما جرى
لو كان سر الله يكشف لم يكن ... سرا ولكن لم يكن ليذكرا
стр. 53
قلت وهذه قصيدة حسنة المعنى، قدسية المبنى، ولقد وقع الحديث معه في حديث مقتضياتها، ونظم مفرداتها بمزدوجاتها.
وكان أكثر الناس إنصافا في المذاكرة عرض عليه قضاء بجاية فامتنع منه، ووصل إليه كتاب المستنصر من حاضرة افريقية بقضاء قسنطينة حرسها الله فاعتذر وتلطف في الاستعفاء عنه، وسمعت كثيرا من أهل العلم يثنون عليه ويقولون إنه لم يكن في وقته بمغربنا الأوسط مثله. توفى ﵀ في الثامن والعشرين لربيع الأول من عام خمسة وسبعين وستمائة ودفن بخارج باب المرسى، وكان له مشهد لا يكون إلا لمثله، وتاريخ وفاته في رخامة وضعت لحدا على قبره وكتب فيها بيتان هما من نظم الأديب الفاضل أبي نصر الجيني
بكيتك عبد الحق حقا لأنني ... بكيت بك الدنيا وما في جميعها
من الدين والأفضال والعلم والحجا ... وان كنت زين الدين يا ابن ربيعها
وكان رحمه أعلى الناس همة وارفعهم منزلة. وكان إذا أولى المعروف لا يذكره، وربما من فعل معه لا يعلم إنه هو الفاعل له، وإنما قصده وصول النفع علم الموصول إليه ذلك أو لم يعلمه، ومن ذلك ما هو مشهور عند أصحابنا، وهو أن القاضي أبا إسحاق ابن عباس ﵀ أيام كان ببجاية ساعيا في نيل الخطة وعاملا على تحصيل الحضوة، سعى في شأنه عند القاضي الجليل أبي محمد ابن الطيران يرسمه برسم العدالة ويقدمه للشهادة، فطلبه أن يكتب فيه رسما بتأهله لذلك تحوطا منه، فكتب رسما وشهد فيه وشهد معه شاهد آخر
стр. 54
استكتمه الفقيه في ذلك، وأعطى الرسم للقاضي، فأذن له في الشهادة وبقي القاضي مدة بقائه بها، وانفصل إلى افريقية وانتقل أيضا أبو إسحاق ابن عباس إلى حاضرة تونس واستوطنها وكان أحد عدولها المنتصبين للوثيقة بها، وتوفى القاضي أبو محمد ابن الطيران بعد مدة بتونس ووقع الحضور لتركته وحضر لها شهيدان، لا نعلم هل القاضي أبو إسحاق أحدهما أو ابن عباس، فوجد الرسم في تركته وأطلع عليه القاضي ابن عباس، فتعجب كل العجب وأثنى عليه الشيخ ﵀ بم وجب. وقال: والله ما شعرت بهذا قط ولا عرفته.
ودخلت عليه ﵀ في مرضه الذي توفى فيه فألمت لألمه وذرفت عيناي لما اعتراه من سقمه، فقال لي يا فلان والله ما بي موتي، وإنما بي ما قاله أفلاطون لأصحابه لما حضرته الوفاة وحضروا عنده، قال: والله ما بي أن أموت وإنما بي أن أموت، ولم أرق بأصحابي إلى مراقيهم التي اقتضتها صفاتهم واستحقتها ذواتهم. فشكرته على ذلك وعلقت الأمل بالحياة وطول البقاء إلى أن يوفي لأصحابه بما جبلت عليه نفسه الكريمة من الوفاء ﵁.
стр. 55
٨ - أبو محمد ويكنى أبا فارس عبد العزيز بن عمر بن مخلوف
٦٠٢ - ٦٨٦هـ.
١٢٠٥ - ١٢٨٧ م.
ــ
ومنهم شيخنا الشيخ الجليل الفقيه، القاضي العالم المتقن المحدث، أبو محمد ويكنى أبا فارس عبد العزيز بن عمر بن مخلوف، خزانة مالك ﵁. فصيح اللسان والعبارة، حسن الإشارة، له عكوف على التدريس دءوب عليه، كان له درس بالغداة، ودرس بين الصلاتين، ودرس بين العشاءين، وكلها دروس مشهورة وأوقات باستفادة العلم مقصودة، دأب على هذا مدة طويلة من عمره، واقتصر بعده على تدريس درسين، أحدهما في مسجده بالغداة بين الجزيري والآخر بالجامع الأعظم بين الصلاتين، وكان مبارك التعليم ميمون النقية في التفهيم، درس عليه العلم خلق كثير وانتفعوا به، وكان أكثر الناس أصحابا، وألينهم جنابا، وكان سليم الصدر، لا يعرف شيئا من الشر.
أسند إليه قضاء الانكحة ببجاية عن بعض قضاتها، وولي القضاء مستقلا: بعد ذلك بمدينة بسكرة ثم بمدينة قسنطينة ثم بالجزائر، تكرر إليها مرتين، ومات بها في ثانيتها ﵀.
وكان مشاورا وعلى فتواه العمل، كانت قراءته ببجاية. لقي بها جملة من الفضلاء كالشيخ أبي الحسن الحرالي ﵁ وأبي بكر بن محرز وأبي
стр. 56
العباس الملياني وأبي زيد اليزناسني وأبي الحسن بن أبي نصر وغيرهم ﵏. جد واجتهد وحصل.
قرأت عليه ﵀ وحضرت دروسه وسمعت منه كثيرا، قرأت عليه "الجلاب" وقرأت بعده "الموطأ" بالجامع الأعظم شرفه الله بذكره.
ولد بتلمسان يوم الثلاثاء الثالث عشر من جمادى الآخرة من عام اثنين وستمائة، وتوفي بالجزائر في اليوم الثاني عشر لجمادى الآخرة عام ستة وثمانين وستمائة.
وكان يحكى في مجلس الدرس إنه رأى النبي ﷺ في المنام، قال: فقلت له يا رسول الله كيف رجعت في قضية ذي اليدين هل جالسا أو قائما؟ قال، فالتفت إلي متبسما بعد أن جذبته من ثوبه فقال لي، بل قائما. وقيد الطلبة عنه كثيرا واستكملوا التقييد على "الجلاب" كل إنسان بحسب قوته، ومنهم من قيد على "الموطأ" ورغب في التأليف فامتنع منه، ولو ألف لجرى على طريق القرويين ولم يخرج عن قانون الفضلاء والمحدقين، رأى فيما ألفه أهل المذهب كفاية، ﵀.
стр. 57
٩ - أبو محمد عبد الله بن محمد بن عمر بن عبادة القلعي
... ٦٦٩هـ.
... ١٠٧١م.
ــ
ومنهم شيخنا الشيخ الفقيه المحصل، العدل الرضي التاريخي المحدث، أبو محمد عبد الله بن محمد بن عمر بن عبادة القلعي من قلعة بني حماد أدركته يدرس بالجامع الأعظم بالغداة بمجلس القضاة منه، وكان حافظا للخلاف العالي والمذهب المالكي، حسن النظر والتوجيه وحافظا للتأريخ وذاكرا لجسد صالح من الحديث، وكان مشاورا شاهدا بالديون، وانتهت الرياسة إليه، وتأخر عنه في التأخر. سمعته ﵀ يقول في مجلس التدريس: أن لي منذ انتزعت من الديوان ستة أعوام، وان من هو هناك في خطته يقدر إنه اكتسب في هذه المدة ستة آلاف دينار، وإني قد اكتسبت فيها ستة آلاف حديث وحديث بدينار أشرف من دينار.
стр. 58
وكانت قراءته ﵀ ببجاية، لقي بها مشائخ كالشيخ أبي زكرياء اللفنتي وأبي زيد اليزناسني وأبي العباس الملياني وغيرهم.
وكان من أسباب التوفيق له إنه أخذ أسيرا فوافق في الأسر بعض الفقهاء، فشرع في القراءة عليه ثم خلص الله كليهما، فجد بعد خروجه واجتهد إلى أن حصل ما حصل، وقادة زمام التوفيق إلى ما إليه وصل.
قرأت عليه ﵀ وسمعت منه وأخذت عنه، وهو أول من بدأت قراءة الفقه عليه، وكان يبدأ في مجلسه بالرقائق وبعد ذلك بقراءة الفقه والحديث والرواية، وكان محبا في العلم وأهله، ومات على انقطاع الدنيا وتخل عنها واشتغال بنفسه، وكانت وفاته عام تسعة وستين وستمائة، وكانت له ببجاية وجاهة ونباهة، وكانت جموح الأمراء في الأمور المجتمع لها لا تنعقد إلا بوجوده هو، وكان لسان الناس فيها.
стр. 59
١٠ - أبو عبد الله محمد بن الحسن بن ميمون التميمي القلعي
... ٦٧٣ هـ.
... ١٢٧٤م.
ــ
ومنهم شيخنا الشيخ الفقيه، الأستاذ النحوي اللغوي، المحصل التاريخي أبو عبد الله محمد بن الحسن بن علي بن ميمون التميمي القلعي من قلعة بني حماد، كان جده ميمون قاضيا بها، نشأ بالجزائر وقرأ بها وانتقل إلى بجاية مستوطنا، وبها قرأ وبرع، لقي بها مشائخ منهم الشيخ أبو الحسن الحرالي، والفقيه أبو الحسن ابن أبي نصر، والفقيه أبو بكر ابن محرز، والفقيه أبو المطرف ابن عميرة، وأبو زيد ابن السطاح وغيرهم. وقرأ بالجزائر على أبي عبد الله ابن منداس وغيره.
كان في علم العربية بارعا مقدما محكما لفنونها الثلاثة، النحو واللغة والأدب، وكان له درس يحضره من الطلبة فضلاؤهم ونبهاؤهم، وتجري فيه المذكرات المختلفة في التفسير والحديث، وأبيات الغريب وغيرها، وتمضى في ذلك من المعاني المنقحة ما لا يكاد أن يوجد مثله في نوادر الكتب. وكان ﵀ قويا في علم التصريف ومحبا في التعليل، وكان جاريا فيه على سنن أبي الفتح ابن
стр. 60
جني وكان كثير التلامذة والأصحاب، وتقرأ عليه جميع الكتب النحوية واللغوية والأدبية ويقوم على جميعها أحسن قيام، وهو أفضل من لقيت في علم العربية، لزمت عليه القراءة ما ينيف على عشرة أعوام واستمتعت به كثيرا واستفدت منه كبيرا، قرأت عليه الإيضاح من فاتحته إلى خاتمته، وقرأت عليه قدر النصف من كتاب سيبويه وقرأت عثيه قانون أبي موسى الجزولي وقرأت
стр. 61
عليه جملة من "الأمالي" ومن "زهر الأدب" ومن "المقامات" وقصائد متخيرات من شعر حبيب ومن شعر المتنبي وحضرت قراءة "المفصل" ومضى في الميعاد في مدة قراءتي عليه أضعاف أضعاف ما قرأته بلفظي عليه.
стр. 62
له كتاب سماه "بالموضح في علم النحو" وله "حدق العيون في تنقيح القانون" وله "نشر الخفي في مشكلات أبي علي" هو على الإيضاح، وكان يؤثر كتاب الإيضاح على غيره من الكتب.
وكان فيه فضل سخاء ومروءة وانتخاء، وكانت يده ويد الطلبة في كتبه سواء لا مزية له عليهم فيها، وكان في ذلك على نحو قول الأول:
كتبي لأهل العلم مبذولة ... يدي مثل أيديهم فيها
أعارنا أشياخنا كتبهم ... وسنة الأشياخ نمضيها
وكان سخي الدمع سريع العبرة، سمعته يقول إنه رأى رب العزة ﷻ في المنام، فقال له يا محمد قد غفرت لك. فقال يا رب وبماذا؟ قال بكثرة دموعك. وكان بارع الخط حسن الشعر، ومن نظمه ﵀ في الزهد ومدح النبي ﷺ [قوله]
أمن أجل أن بانوا فؤادك مغرم ... وقلبك خفاق ودمعك يسجم
وما ذاك إلا أن جسمك منجد ... وقلبك مع من سار في الركب متهم
ومن قائل في نظمه متعجبا ... وجسم بلا قلب فكيف رأيتم
ولا عجب أن فارق الجسم قلبه ... فحيث ثوى المحبوب يثوى المتيم
وما ضرهم لو ودعوا أودعوا ... فؤادي بتذكار الصبابة يضرم
عساكم كما أبدوا صدودا وجفوة ... يعودون للوصل الذي كنت أعلم
وأني لأدعو الله دعوة مذنب ... عسى انظر البيت العتيق والثم
فيا طول شوقي للنبي وصحبه ... ويا شد ما يلقى الفؤاد ويكتم
توهمت من طول الحساب وهوله ... وكثرة ذنبي كيف لا أتوهم
وقد قلت حقا فاستمع لمقالتي ... فهل تائب مثلي يصيح ويفهم
стр. 63
وذلك في القرآن أوضح حجة ... وما ثم إلا جنة أو جنهم
إليك رسول الله أرفع حاجتي ... فأنت شفيع الخلق والخلق هيم
فقد سارت الركبان واغتنموا المنى ... واني من دون الخلائق محرم
فيا سامع الشكوى أقلني عثرتي ... فانك يا مولاي تعفو وترحم
ويا سامعين استوهبوا لي دعوة ... عسى عطفة من فضله تنسم
وهبني عصيت الله جهلا وصبوة ... فمن يقبل الشكوى ومن يرحم
وقد أثقلت ظهري ذنوب عظيمة ... ولكن عفو الله أعلى وأعظم
وأختم نظمي بالصلاة مرددا ... على خير خلق الله ثم أسلم
ومن شعره أيضا في هذا المعنى:
الخبر أصدق في المرأى من الخبر ... فمهد العذر ليس العين كالأثر
واعمل لأخرى ولا تبخل بمكرمة ... فكل شيء على حد إلى قدر
وخل عن زمن تخشى عواقبه ... أن الزمان إذا فكرت ذو غير
وكل حي وان طالت سلامته ... يغتاله الموت بين الورد والصدر
هو الحمام فلا تبعد زيارته ... ولا تقل ليتني منه على حذر
يا ويح من غره دهر فسر به ... لم يخلص الصفو إلا شيب بالكدر
انظر لمن باد تنظر آية عجبا ... وعبرة لأولي الألباب والعبر
أين الألى جنبوا خيلا مسومة ... وشيدوا إرما خوفا من القدر
لم تغنهم خيلهم يوما وان كثرت ... ولم تفد إرم للحادث النكر
بادوا فعادوا حديثا أن ذا عجب ... ما أوضح الرشد لولا سيئ النظر
تنافس الناس في الدنيا وقد علموا ... أن المقام بها كاللمح بالبصر
أودى بدارا وأودى بابن ذي يزن ... وفل غرب هرقل إنه لحر
стр. 64
ولم يفد سبأ مال ولا ولد ... ومزقته يد التشتيت في الأثر
ولتفتكر في ملوك العرب من يمن ... ولتعتبر بملوك الصين من مضر
أفناهم الدهر أولاهم وآخرهم ... لم يبق منهم سوى الأسماء والسير
وكان يسلك في شعره على طريق حبيب بن أوس، وكان صاحبه أبو عبد الله الجزائري يسلك في شعره سلوك المتنبي، وكانا يتراسلان الأشعار يجاوب كل واحد منهما الآخر على طريقته، فكان الأستاذ ﵀ ينحو نحو حبيب والأديب أبو عبد الله الجزائري ينحو نحو المتنبي، ولولا الإطالة لأتيت من شعر كل واحد منهما ما يستظرف معناه ويروق محياه.
وشهرته بالأديب سماه بذلك الشيخ أبو الحسن الحرالي، وذكر أن سبب هذه التسمية إنه جرى بين يدي الشيخ ﵁ ذكر ما قاله الرجل "واترك الريحان برحمة الرحمن للعاشقين" وتكلم في معناه فقال بعض من حضر أشار إلى العذار لأن ولوع القائل كان به، قال فقلت إنما أشار إلى دوام العهد لأن الأزهار كلها تنقضي أزمانها والريحان يدوم عهده، فاستحسن ذلك الشيخ ﵀ وقال أنت أديب، فجرى عليه اسم الأديب. وهو أكثر الناس شعرا، وقد شرع في تدوين شعره في عام ثلاثين وستمائة، وهو في كل عام يقول منه ما يكتب في ديوان، وعاش بعد شروعه في تدوين شعره ثلاثا وأربعين سنة، ولو تم له تدوينه لكان في مجلدات كثيرة، ولكن بأيدي الناس منه كثير، وتواشيحه حسنة جدا، وتوفي ﵀ ببجاية عام ثلاثة وسبعين وستمائة ﵁.
стр. 65
١١ - أبو العباس أحمد بن خالد من أهل مالقة
نحو سنة ٦٦٠هـ.
١٢٦٢م.
ــ
ومنهم شيخنا، الشيخ الفقيه الأصولي المشارك المحصل أبو العباس، أحمد بن خالد من أهل مالقة، قرأ بالأندلس وقرأ بمراكش، ولقي جملة أفاضل ولازم الفقيه الإمام أبا عبد الله المومناني ملازمة كثيرة، سمعته يقول إنه لازمه مدة عشرين سنة، وكان يقول أن مثل هذه المدة لازم أرسطو لأفلاطون. كان متحملا لأصول الفقه ولأصول الدين على طريقة الأئمة المتقدمين، وكان لا يرى بطريقة فخر الدين ويرى فيها تخليطا في إدخاله طرفا من المنطق في الأصلين، وكانت له شركة في الطب، وله مشاركة في الحكمة في الطبيعيات والإلهيات، وكان قليل الكلام كثير الملكة في إمساك نفسه في البحث.
جلس للإقراء ببجاية وكان يقرأ عليه في منزله. قرأت عليه جملة من "الإرشاد"، وجملة من "المستصفى"، وقرأت عليه في بدء أمري بعض "معيار العلم" في علم المنطق، وقرأ عليه بعض أصحابنا "الإشارات والتنبيهات" لابن سينا من فاتحتها إلى خاتمتها، وكان مسدد النظر حسن الفكر، وكان يعد نفسه ﵀ من أهل التوكل ويقول إني ما ادخرت قط شيئا وإنما جريان الحال بحسب ما يحتاج إليه الوقت، وكذلك كانت حاله ﵀ لم يكن عنده شيء وكانت حاجته لشيء. وكان أحسن الناس خلقا وأطيبهم نفسا،
стр. 66
كنا إذا تحدثنا معه ﵀ في تصور الحركة وفيما قال الناس فيها يستبعد الأمر في تصورها ويستعظمه، وكان ﵀ يقول إنه كان يوما على شجرة لاقتطاف جني وهو يفكر في معنى الحركة، فلما أن لاحت له حقيقة المعنى وتصوره سقط عنها وبقي في ظلها مغشيا عليه قدر نصف يوم، وكان له تحقيق في أمر يظن الناس إنها حاصلة، وهي بالحقيقة غير حاصلة. توفى ﵀ ببجاية في عشر الستين وستمائة ودفن بحومة باب امسيون، بالمقبرة التي الشجرة المسماة بزاد رخص بها، وهي شجرة عظيمة وليس في تلك الناحية ولا في غيرها من نواحي البلد شجرة زاد رخص سواها.
стр. 67
١٢ - أبو القاسم محمد بن أحمد بن محمد الأموي
... ٦٧٤هـ.
... ١٢٧٥م.
ــ
ومنهم شيخنا، الشيخ الفقيه الحكيم الحاذق الفاضل، أبو القاسم محمد بن أحمد ابن محمد الأموي المعروف بابن اندراس من أهل مرسية، ورد على بجاية في عشر الستين وستمائة مستوطنا، وتبسط للطب طبيبا باحثا جيدا، وله معرفة بعلم العربية وله شركة في أصول الدين جيدة، ويشارك مع هذا في فنون غير هذه مشاركة حسنة، وكانت له حدة ذهن وجودة فكر. تبسط لإقراء الطب والعربية، وكان حاذقا في عربيته، حضرت لإقرائه قانون أبي موسى الجزولي فكان بحثه فيه جيدا ونظره فيه حسنا، ولقد جرت مسألة علم الجنس عند ذكرى أبي موسى لها في قوله العلم ضربان، ضرب للفرق بين الأشخاص وضرب للفرق بين الأجناس، فكان فيه من الحديث معه ما يعجز عن تصوره حذاق النحاة، لأن هذه المسألة مما يعتقد كثير ممن يتعاطى العربية إنه يعرفها وهو لا يعرفها ولا يعرف إنه لا يعرفها. قرأت عليه أرجوزة ابن سينا قراءة إتقان وجودة بيان، وكان يحضر لذلك نبهاء الطلبة ويجري فيها من الأبحاث ما يعجز الكتب عنه، وحضر لمجالس من القراءة عليه القاضي الجليل أبو عبد الله ابن يعقوب في المرة التي اجتاز فيها على بجاية حين وصوله من طنجة، والفقيه الحكيم أبو بكر ابن القلاس، وقرأت جملة من كليات القانون
стр. 68
بعد قراءة الأرجوزة، وكانت الأبحاث في كل ذلك جارية على القوانين النظرية والاستدلالات الجلية.
وكان ﵀ إذا سئل عن المسألة الطبية كثيرا ما يتوقف عن الجواب إلا بعد نظر، ورأيت غيره من الأطباء ممن يقصر عن معرفته إذا سئل ساعة ما يسأل يجيب، وربما اعتقد هذا المسرع في الجواب أو غيره من الأغبياء أن سرعة المسرع هي لمعرفته وان إبطاء المبطئ هو لتقصيره، وهذا هو اعتقاد الأغبياء في أمثال هذا، وإنما الإبطاء في الجواب دليل العلم لأنه بين السائل للطبيب الغرض العارض للعليل، ولابد أن يقع له النظر في الأسباب وتمييزها والحدس على السبب الفاعل أن تعارض وينظر أنسب الأودية، وحينئذ يقع الجواب، وهكذا هو حال حذاق الأطباء، وأما عوامهم ومن يعد منهم في أعداد القوابل، فعندما يسأل يجيب بغير علم، ولقد رأيت بعض من كان مبخوتا في الطب يعالج المرضى فتخفى عليه الشكاية فيعالجها بالحار تارة وبالبارد تارة أخرى، بحيث ينظر فان انجح فيها احدهما استمر عليه، ويحرم على الإنسان أن يمكن نفسه ممن حاله مثل هذه الحال ويحرم على من هذه صفته أن يطب، وهذه الصناعة هي أشد الصنائع ضياعا في بلاده لأنه يتعرضها الغث والسمين، ولا يقع بينهما التمييز إلا عند القليل من الناس.
وكان ﵀ متوليا لطب الولاة ببجاية هو وبعض خواص الأطباء بها، ورحل إلى حاضرة أفريقية باستدعاء أمير المؤمنين المستنصر له بعد أن سمع به وعرف خبره، فحضر مجلسه وسئل فأجاب ووافق طريق الصواب، وانتظم في سلك أطبائه، وكان من جملة جلسائه.
وله "رجز" نظم فيه بعض الأدوية واستكمله وهو ببجاية، وكان ﵀ شرع في نظم الأدوية المفردة من القانون، وكلفني بنظم بعض الأدوية على سبيل التعاون فنظمت له بعضها وما علمت استكملها بعد أم لا، وتوفي بتونس حرسها الله في عام أربعة وسبعين وستمائة.
стр. 69
١٣ - أبو الحجاج يوسف بن سعيد بن يخلف الجزائري
ــ
ومنهم شيخنا، الشيخ الفقيه، الأستاذ الأديب، النحوي اللغوي، أبو الحجاج يوسف بن سعيد بن يخلف الجزائري، له علم بعلم العربية، واللغة والنحو والأدب، وكان يقرأ عليه الفقه، وكانت بضاعته فيه مزجاة، وأما علم اللغة والنحو والأدب فكان فيه جيدا، وكان له مجلس واسع الحضور يحضر فيه كثير من الطلبة ويقرأ كل واحد منهم باختياره، حضرت مجلسه يقرأ فيه "الإيضاح" و"الجمل" و"المفصل" وقانون أبي موسى الجزولي ومقدمة ابن بابشاذ و"إصلاح المنطق" ويعرب فيه شعر حبيب والمتنبي والأشعار الستة والمعري و"الحماسة" لغير واحد، ويقرأ فيه من الأدب "المقامات" و"الأمالي" وغير ذلك من الكتب الأدبية والنحوية واللغوية، ويطول مجلسه لكثرة الطلبة وكثرة تفننهم فيما يقرئون، وكان حسن الإيراد مبارك الإقراء،
стр. 70
انتفع به خلق كثير كل على قدره، ولقد حضرت مجلسه يوما فذكر القارئين عليه من الطلبة واستكثرهم، وأخذ يعد من على ذكره منهم ممن له نبل وقدر، فعد منهم نحو الثمانين ما منهم إلا من قد تخطط بخطة اقلها الكتابة، خلاف الغائبين ومن لم يحضر ذكره ومن هو غير مخطط. قرأت عليه وسمعت منه وأخذت عنه، ولم يكن له ﵀ عمل إلا الاشتغال بالإقراء، وكان يلي قضاء بعض النواحي بتولية قضاة البلد، وكانت له نفس طيبة وأخلاق حسنة، وكانت له فكاهة مستعذبة مستملحة ﵀.
стр. 71
١٤ - أبو عبد الله محمد بن صالح بن أحمد الكناني
٦١٤ - ٦٩٩هـ
١٢١٧ - ١٢٩٧م
ــ
ومنهم شيخنا الشيخ الفقيه الخطيب، النحوي الأستاذ المقرئ الصالح، أبو عبد الله محمد بن صالح بن أحمد الكناني من أهل شاطبة، رحل إلى العدوة واستوطن ببجاية ولقي المشائخ بالعدوتين، وروى ودرى واستجار وأجار، وروى وأقرأ، واستمتع واستنفع به خلق كثير، كان ﵁ عالم بعلم القراءات متقن فيها مجيد لها، وله معرفة بعلم العربية النحو واللغة والأدب، وله رواية متسعة في الحديث وفي غيره، وروايته عالية من جهات كثيرة، وله شعر حسن ومن شعره:
جعلت كتاب ربي لي بضاعه ... فكيف أخاف فقرا أو إضاعه
وأعددت القناعة رأس مالي ... وهل شيء أعز من القناعه
وأنشدني لبعض أصحابه:
ما ميلق العالم إلا الذي ... يخبره العالم في الميلق
ذك الذي يكشف أسرارهم ... فيفضح الفاجر المتقي
وقال ﵀ لقيت أبا بكر ابن محرز بن طاهر بر محرز ببجاية وكانت بيني وبينه قراءة وصحبة فقال لي على سبيل النصيحة والوصية:
стр. 72
سلكت أبا عبد الإله ابن صالح ... سبيلا فكم يفضي قويما لصالح
يرجح عند الله ميزانكم غدا ... إذا لم يكن ميزان قوم براجح
فإياه فاسلك طول عمرك واستمع ... وصاة محب مخلص لك ناصح
قال: وكان ذلك في أول سنة أربع وخمسين وستمائة. وأنشدنا أيضا عن الخطيب أبي بكر ابن سيد الناس عن أبي الحسن ابن جبير يفضل المشرق من الأندلس على المغرب:
لا يستوي شرق البلاد وغربها ... الشرق حاز الفضل باستحقاق
فانظر لحسن الشمس عند طلوعها ... بيضاء تسحب بردة الإشراق
وانظر لها عند الغروب كئيبة ... صفراء تعقب ظلمة الآفاق
وكفى بيوم طلوعها من غربها ... أن تؤذن الدنيا بوشك فراق
قال الفقيه الخطيب أبو عبد الله ابن صالح: ونقلت من خط شيخنا أبي عبد الله
стр. 73
القضائي قال قرأت بخط الأستاذ أبي عبد الله بن أبي البقاء من شعر الوزير أبي بكر محمد بن أبي مروان أبي العلاء ابن زهر الأيادي:
يا من يذكرني بذكر أحبتي ... طاب الحديث بذكرهم ويطيب
أعد الحديث علي من جنباته ... أن الحديث عن الحبيب حبيب
ملأ الضلوع وفاض من أحنائها ... قلب إذا ذكر الحبيب يذوب
ما زال يخفق ضاربا بجناحه ... يا ليت شعري هل تطير قلوب
وأنشد إلي أبي بكر الالبيري:
من ليس يسعى في الخلاص لنفسه ... كانت سعايته عليها لا لها
أن الذنوب بتوبة تمحى كما ... يمحو سجود السهو غفلة زلها
стр. 74
وأنشد لبعض أشياخه:
دنياك مهما اعتبرت جيفة ... قد عرضت فرصة انتهاب
أن شئتها فاحتمل أذاها ... واصبر على خلطة الكلاب
قلت: والخطيب أبو عبد الله ابن صالح أحد من كثرت القراءة عليه والرواية عنه ببجاية، تخطط فيها بالعدالة وهي صفته، وولي النظر في الانكحة نائبا عن قضاتها مدة، وولى إقامة الفريضة والخطبة بجامعها الأعظم ما ينيف على ثلاثين عاما، وهو إلى هذا الوقت وهو عام التسعة والتسعين وستمائة إمام مبارك أبقاه الله ووقاه. ومن الغريب في ذلك إنه لم يعرض له، مع طول هذه المدة، أن ناب عنه أحد في خطبة الجمعة. يقرأ كتب العربية فيجيد وأجود ذلك "مفصل" الزمخشري قرأه وأحكمه، وهو كذلك يقرئه ويجيد فيه، وتقرأ عليه دواوين الأشعار تفقها كشعر حبيب والمتنبي والمعري والأشعار الستة وغير ذلك، وكل ذلك على إتقان وإحكام وجودة إيراد.
له خلق حسن، ونية صالحة، وطوية سالمة، ودعوة مباركة، من تعرض له بالاذاية يجزى.
ذكر لي مرارا إنه رأى النبي ﷺ في المنام، فدعا له وقال له "الله يسترك بستره" فنفعه الله بهذه الدعوة، وهي دعوة لمن يكرم عليه.
جلس للوثيقة والشهادة، فكان سمحا سهلا ولم يقع له قط وقوع في ذلك لحسن نيته وسلامة طويته.
ولد بشاطبة في الليلة التاسعة والعشرين لذي القعدة، من عام أربعة عشر وستمائة، ولقي مشائخ جملة، منهم أبو بكر ابن محرز وأبو المطرف ابن عميرة
стр. 75
وأبو بكر ابن سيد الناس وابن قطرال وأبو القاسم الولي وأبو عثمان ابن زاهر وأبو محمد ابن برطلة وأبو عبد الله الابار وأبو الحسن ابن السراج وأبو الحسين ابن فتوح ومشيخة غير هؤلاء حسبما تضمنه برنامجه، وسيأتي من ذكر هؤلاء الأشياخ ما يوافق شرط هذا الكتاب أن شاء الله تعالى.
следующие страницы →