← Тараджим

Тараджим · id 96611

عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية

الغبريني

Полный текст (382 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

١٤ - أبو عبد الله محمد بن صالح بن أحمد الكناني ٦١٤ - ٦٩٩هـ ١٢١٧ - ١٢٩٧م ــ ومنهم شيخنا الشيخ الفقيه الخطيب، النحوي الأستاذ المقرئ الصالح، أبو عبد الله محمد بن صالح بن أحمد الكناني من أهل شاطبة، رحل إلى العدوة واستوطن ببجاية ولقي المشائخ بالعدوتين، وروى ودرى واستجار وأجار، وروى وأقرأ، واستمتع واستنفع به خلق كثير، كان ﵁ عالم بعلم القراءات متقن فيها مجيد لها، وله معرفة بعلم العربية النحو واللغة والأدب، وله رواية متسعة في الحديث وفي غيره، وروايته عالية من جهات كثيرة، وله شعر حسن ومن شعره: جعلت كتاب ربي لي بضاعه ... فكيف أخاف فقرا أو إضاعه وأعددت القناعة رأس مالي ... وهل شيء أعز من القناعه وأنشدني لبعض أصحابه: ما ميلق العالم إلا الذي ... يخبره العالم في الميلق ذك الذي يكشف أسرارهم ... فيفضح الفاجر المتقي وقال ﵀ لقيت أبا بكر ابن محرز بن طاهر بر محرز ببجاية وكانت بيني وبينه قراءة وصحبة فقال لي على سبيل النصيحة والوصية:

стр. 72

سلكت أبا عبد الإله ابن صالح ... سبيلا فكم يفضي قويما لصالح يرجح عند الله ميزانكم غدا ... إذا لم يكن ميزان قوم براجح فإياه فاسلك طول عمرك واستمع ... وصاة محب مخلص لك ناصح قال: وكان ذلك في أول سنة أربع وخمسين وستمائة. وأنشدنا أيضا عن الخطيب أبي بكر ابن سيد الناس عن أبي الحسن ابن جبير يفضل المشرق من الأندلس على المغرب: لا يستوي شرق البلاد وغربها ... الشرق حاز الفضل باستحقاق فانظر لحسن الشمس عند طلوعها ... بيضاء تسحب بردة الإشراق وانظر لها عند الغروب كئيبة ... صفراء تعقب ظلمة الآفاق وكفى بيوم طلوعها من غربها ... أن تؤذن الدنيا بوشك فراق قال الفقيه الخطيب أبو عبد الله ابن صالح: ونقلت من خط شيخنا أبي عبد الله

стр. 73

القضائي قال قرأت بخط الأستاذ أبي عبد الله بن أبي البقاء من شعر الوزير أبي بكر محمد بن أبي مروان أبي العلاء ابن زهر الأيادي: يا من يذكرني بذكر أحبتي ... طاب الحديث بذكرهم ويطيب أعد الحديث علي من جنباته ... أن الحديث عن الحبيب حبيب ملأ الضلوع وفاض من أحنائها ... قلب إذا ذكر الحبيب يذوب ما زال يخفق ضاربا بجناحه ... يا ليت شعري هل تطير قلوب وأنشد إلي أبي بكر الالبيري: من ليس يسعى في الخلاص لنفسه ... كانت سعايته عليها لا لها أن الذنوب بتوبة تمحى كما ... يمحو سجود السهو غفلة زلها

стр. 74

وأنشد لبعض أشياخه: دنياك مهما اعتبرت جيفة ... قد عرضت فرصة انتهاب أن شئتها فاحتمل أذاها ... واصبر على خلطة الكلاب قلت: والخطيب أبو عبد الله ابن صالح أحد من كثرت القراءة عليه والرواية عنه ببجاية، تخطط فيها بالعدالة وهي صفته، وولي النظر في الانكحة نائبا عن قضاتها مدة، وولى إقامة الفريضة والخطبة بجامعها الأعظم ما ينيف على ثلاثين عاما، وهو إلى هذا الوقت وهو عام التسعة والتسعين وستمائة إمام مبارك أبقاه الله ووقاه. ومن الغريب في ذلك إنه لم يعرض له، مع طول هذه المدة، أن ناب عنه أحد في خطبة الجمعة. يقرأ كتب العربية فيجيد وأجود ذلك "مفصل" الزمخشري قرأه وأحكمه، وهو كذلك يقرئه ويجيد فيه، وتقرأ عليه دواوين الأشعار تفقها كشعر حبيب والمتنبي والمعري والأشعار الستة وغير ذلك، وكل ذلك على إتقان وإحكام وجودة إيراد. له خلق حسن، ونية صالحة، وطوية سالمة، ودعوة مباركة، من تعرض له بالاذاية يجزى. ذكر لي مرارا إنه رأى النبي ﷺ في المنام، فدعا له وقال له "الله يسترك بستره" فنفعه الله بهذه الدعوة، وهي دعوة لمن يكرم عليه. جلس للوثيقة والشهادة، فكان سمحا سهلا ولم يقع له قط وقوع في ذلك لحسن نيته وسلامة طويته. ولد بشاطبة في الليلة التاسعة والعشرين لذي القعدة، من عام أربعة عشر وستمائة، ولقي مشائخ جملة، منهم أبو بكر ابن محرز وأبو المطرف ابن عميرة

стр. 75

وأبو بكر ابن سيد الناس وابن قطرال وأبو القاسم الولي وأبو عثمان ابن زاهر وأبو محمد ابن برطلة وأبو عبد الله الابار وأبو الحسن ابن السراج وأبو الحسين ابن فتوح ومشيخة غير هؤلاء حسبما تضمنه برنامجه، وسيأتي من ذكر هؤلاء الأشياخ ما يوافق شرط هذا الكتاب أن شاء الله تعالى.

стр. 76

١٥ - أبو العباس أحمد بن محمد بن حسن بن محمد بن خضر الصدفي الشاطبي ... ٦٧٤هـ ... ١٢٧٦م ــ ومنهم، شيخنا الشيخ الفقيه المقرئ المحصل الرواية، الضابط المتقن المجود أبو العباس أحمد بن محمد بن حسن بن محمد بن خضر الصدفي الشاطبي، لقي المشائخ ببجاية، أبا بكر ابن محرز وأبا عثمان ابن زاهر وأبا عبد الله الابار وأبا المطرف ابن عميرة وأبا بكر ابن سيد الناس وأبا الحسن ابن السراج وأبا عبد الله بن عبد الرحمن بن برطلة، وأبا الحسن ابن أبي نصر وغيرهم. وأجاز له أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر بن عصفور العبدري التلمساني والقاضي أبو القاسم أحمد بن محمد بن بقي والحاج أبو بكر ابن محمد بن عبد الله بن داود بن مطروح الشريشي وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن خلف المري وأبو يحيى عبد الرحمن ابن

стр. 77

عبد المنعم الخزرجي (عرف بابن الفرس) وأبو بكر ابن طيب العتقي المرسي وأبو زيد عبد الرحمن بن عمر اليزناسني، وأبو العباس أحمد بن يوسف بن فرتون السلمي الفاسي نزيل سبتة، وغيرهم من فضلاء الأشياخ، له رواية واسعة ومعروفة بالقراءات، ما رأيت أتقن منه في القراءات ولا أضبط منه في طريق الروايات. ألف كتابا في "مرسوم الخط" وهو كتاب حسن كثير الفائدة، وألف أيضا جزءا في بيان "تمكين ورش" حروف المد واللين الثلاثة، الألف والواو والياء إذا تقدمتهن الهمزة، وألف أيضا جزءا آخر في بيان مذهب ورش في تفخيم اللام وترقيقها. كان ﵀، ناصحا مجدا مجتهدا، يرغب الطالب في الأخذ عنه ويعينه على ذلك، ولم يكن له عمل سوى الاشتغال بالقرآن على حال عفاف ونسك، وتخلى عن الناس إلى أن توفى ﵀. روينا عنه بعض كتب الحديث، واستفدنا منه بالمشافهة في علم القراءات، وفي طريق الضبط ما حصلت به المنفعة بفضل الله، وقل ما كان بخير في طريق القراءات إلا بعد التحصيل الجيد لأنه كان مشددا في هذا المعنى، ولم يكن عنده فيه من المسامحة شيء.

стр. 78

حدثنا أبو العباس أحمد بن خضر قال: أنشدني أبو محمد ابن برطلة الخطيب ببجاية لنفسه: أسلمني للبلى وحيدا ... من هو في ملكه وحيد قضى علي الفناء حتما ... فلم يكن عنه لي محيد وكيف يبقى غريق ترب ... بذاته أو لا صعيد يعيده آخر إليه ... من نعته المبدئ المعيد وله أيضا: أيا ناظرا نحوي ترحم لراحل ... أتته المنايا في ثياب مقيم فلم يلتمس زادا سوى حسن ظنه ... ومن يرتضي زادا لقصد كريم حدثنا أبو العباس ابن خضر عن الخطيب أبي بكر ابن سيد الناس عن أبي العباس ابن مقدام عن الحافظ أبي بكر ابن العربي قال: قال لي محمد بن

стр. 79

عبد الملك الواعظ حجبنا مع أبي الفضل الجوهري فلما دخلنا على باب بني شيبة، أخضل دمعه، وجعل عند ما رأى الكعبة وعليها أنماط الديباج ذات الحوك الفائق والرواء اللائق ينشد: ما علق الدر على نحرها ... إلا لما يخشى من العين تقول والدر على نحوها ... من علق الشين على الزين وحدثنا أبو العباس، عن أبي الحسن ابن السراج، عن أبي محمد ابن عبيد الله الحجري، عن القاضي عياض بن موسى بن عياض عن أبي الحسن علي بن

стр. 80

أحمد بن علي بن عبد الله الربعي المقدسي الشافعي التاجر، قال: لقيته بسبتة وحدثني بأشياء وأجازني جميع رواي عن شيوخه أبي إسحاق الشيرازي وأبي بكر الخطيب وذكر لي أن الخطيب أجازه جميع كتبه وروايته، وإنه سمع منه بعض تصانيفه، ومن جملة ما حدثنا عن الخطيب قال: حدثنا الحسين بن محمد حدثنا أبو بكر محمد بن محمد الجرجاني حدثنا الحسين بن أحمد

стр. 81

الكاتب بهمذان، حدثنا نفطويه قال: كنت عند المبرد فمر بنا إسماعيل بن إسحاق فوثب إليه وقبل يده وأنشد: فلما بصرنا به مقبلا ... حللنا الحبا وابتدرنا القياما فلا تنكرن قيامي له ... فإن الكريم يجل الكراما قال القاضي عياض: وأخبرنا ﵀ عن الخطيب قال: قال له رجل اكتب العلم ولا يعلم ما كتب، مالك إلا طول أرقك، وتسويد ورقك، قال: وحدثنا الخطيب قال: حدثنا الحسن بن أبي طالب، حدثنا عبيد الله ابن محمد

стр. 82

المقرئ حدثنا أبو بكر الصولي حدثنا جبلة بن محمد حدثنا أبي قال: جاء رجل إلى ابن شبرمة فسأله عن مسألة فعبرها له، فقال لم أفهم، فأعاد فقال لم أفهم، فقال أن كنت لم تفهم لأنك لم تفهم، فتفهم بالإعادة، وإن كنت لم تفهم، فهذا داء لا دواء له. وحدثنا أيضا عن أبي زكرياء ابن عصفور، عن أبي الحسن صاحب الصلاة، عن أبي محمد عبد الحق الاشبيلي قال: أنشدني لنفسه: لا يخدعك عن دين الهدى نفر ... لم يرزقوا في التماس الحق تأييدا عمي القلوت عروا عن كل معرفة ... لأنهم كفروا بالله تقليدا وتوفي أبو العباس أحمد بن خضر ببجاية يوم السبت الموفى عشرين لذي حجة عام أربع وسبعين وستمائة.

стр. 83

١٦ - أبو العباس أحمد بن عيسى بن عبد الرحمن الغماري ... ٦٨٢هـ ... ١٢٨٣م ــ ومنهم شيخنا الشيخ الفقيه، القاضي الجليل النبيل، أبو العباس أحمد بن عيسى ابن عبد الرحمن الغماري رحل إلى المشرق وقرأ وجد واجتهد، وحصل وأتقن، ولقي جملة مشائخ منهم الشيخ عز الدين ابن عبد السلام وغيره، له علم بأصول الفقه، وحظ من أصول الدين، ومشاركة في علم الأدب. وكان ممن يستفاد بالنظر إليه، والمثول بين يديه، وكانت دروسه منقحة الإيراد، عذبة المورد بقريب ما يستفاد، حضرت دروسه وشاهدتها، كان

стр. 84

يبدأ بين يديه ﵀ بقراءة الرقائق أولا وبعد ذلك بالفقه وأصول الفقه، وكان يقرأ التهذيب عليه ويقرأ الجلاب فيكثر البحث وتحتد القرائح ويجيء بالمسألة الخلافية فيرتضي أحد وجهيها، فيبحث عليه إلى أن يظهر الرجحان ويقع التسليم، ثم يأخذ الطرف الآخر ويلزم أصحابه ما كان هو يناظر عليه، فلا يزال إلى أن يظهر الرجحان في ذلك الطرف ويقع التسليم أيضا، وهذا من حدة فكره وجودة نظره، وكان له لسان يستنزل به العصم، وكان جادا طلبا، مناصبا لهم، وسيوسا مع ذلك لهم. كان قاضيا بذات العلمية، وولي المنصب مع ذلك في بلاده وفي بجاية كرتين، وتوجه رسولا إلى ملك المغرب مرارا من المستنصر بالله وما زال ناجح السعي، سديد الرأي. وكان سريع البديهة بالجواب، يطبق المفصل بموافقة الصواب.

стр. 85

ومن ملح جوابه إنه كان ببجاية في ولايته الثانية، ونزل أمير المؤمنين المستنصر على قسنطينة، وجه عنه واعتنى به وسأله عن بجاية وأهلها، فأجاب بما يليق به الجواب، ثم قال له الملك: يا فقيه سمعنا أن والي بجاية لو أراد أن يبنيها لبنة فضة ولبنة ذهبا لفعل فقال له مبادرا، يا مولانا، يكون ذلك بالتفاتكم إليها وعطفكم عليها، فسكت. وهذا جواب حسن، مانع لمقصد الملك بسهولة مأخذ. وسأله في مجلسه ذلك عن المشرف بالبلد فقال له: سمعنا إنه مسرف ... فقال مجاوبا: إنما رأيته إذا وقع الحضور في النهار لا يزال ناعسا ونائما، فأشار له بذلك إلى سهره بالليل فيما يعرف. وأجوبته كلها مستحسنة مستعذبة ملخصة مهذبة، ولقي من أصحاب فخر الدين جملة من فضلائهم واستفاد بهم، وكان ﵀ يحكي عن بعضهم إنه كان يقول له لما رأى من نبله وفضله، والله لو رآك مولانا الفخر لأحبك، وكان ﵀ يثني على الفخر كثيرا ولا يرى له نظيرا وكان يؤثر قراءة كتبه على غيرها من كتب المتقدمين والمتأخرين.

стр. 86

١٧ - أبو القاسم بن أبي بكر اليمني ١٢٢٤ - ٦٩١هـ ٦٢١ - ١٢٩٢م ــ ومنهم شيخنا الشيخ الفقيه القاضي، الإمام المجد المجتهد، جمال علماء المغرب، أبو القاسم بن أبي بكر اليمني، الشهير بابن زيتون، من أهل تونس توفي بها في رمضان المعظم عام أحد وتسعين وستمائة، لقيته ببجاية وتونس. هو رجل له علم وجلال، وأبهة وكمال، وفضل واعتدال، رحل إلى المشرق مرتين، وقرأ وحصل. له علم بأصول الفقه والعقائد الكلامية والفقيه والخلاف والجدل والمنطق، وله مشاركة في الحكمة، وفقهه جار على قوانين النظر والاجتهاد، وله فصاحة في الإيراد وبراعة، وكان من أجمل الناس منظرا وأحسنهم مخبرا، وكان أجرى مع الطلبة كثير الاعتناء بهم والاهتمام بأمرهم، توجه في الرسالة لبعض ملوك المغرب عن المستنصر بالله مرتين، فشكرت رسالته وحمدت همته وسياسته. وولي قضاء حاضرة افريقية، وكان قبل ذلك من أشياخ البيت في المدة

стр. 87

التي كان البيت بيتا وكان مصدرا للفتيا، ولم يزل مطوقا بالرياسة، مشتهرا بالسيادة والنفاسة إلى أن مات رحمه الله تعالى.

стр. 88

١٨ - أبو العباس أحمد بن عثمان بن عجلان القيسي ٦٠٧ - ٦٧٨هـ ١٢٠٩ - ١٢٧١م ــ ومنهم شيخنا، الشيخ الفقيه الصدر الكبير، العابد المبارك، أبو العباس أحمد ابن عثمان بن عجلان القيسي أحد أعلام الدين، وإمام من أئمة المسلمين، من مشائخ التقوى والورع، منزه عن الميل والطمع، له علم وعمل، وصلاح مكتمل، استوطن بجاية مدة من الزمان واقرأ بها وانتفع به الناس علما وعملا. وكان إذا جلس للإقراء يحضر بين يديه الكتب المقروءة عليه، فإذا فتح الطالب الكتاب، أخذ هو الكتاب في يده، ويقرأ الطالب وتقع المعارضة، وحينئذ يقع الشرح منه لما يقرأه القارئ وهذا من تثبته وتحوط ﵁. لقيته بتونس، ولما وقع بصري عليه أدركني من الوقار له والخشية لله ما لم أكن أقدره، ودمعت عيناي، ووجدت نفسي نشاطا وسرورا بلقياه. وكان معتنيا بحمل علم الفقه والحديث والقراءات وعلم العربية وطريق الصالحين، وكان كثير الانزواء، يحب الخمول على طريق السلف الصالح، ﵃. عرض عليه قضاء حاضرة افريقية فتمنع منه، وطلب منه أمير المؤمنين

стр. 89

المستنصر الاجتماع به فاعتذر عن ذلك وقال إني لا أصلح لذلك لعدم معرفتي بلقائهم، وطلب المستنصر أن يصل منزله بنفسه، فاستعفى من ذلك. وذكر لي، إنه لما كان الصلح الواقع بين المسلمين والنصارى عام نزول الفرنسي على تونس، كتب رسم شهد فيه مشائخ الفقهاء أن الصلح المذكور صلاح وسداد في حق المسلمين، وطلب الفقيه أبو القاسم ابن البرا ﵀، أن يكون من جملة شهوده الفقيه أبو العباس ابن عجلان، فاستحضر بدار الأمر وبمحضر الفقهاء وفيهم الفقيه أبو القاسم بن البرا وأمير المؤمنين، بحيث يسمع، فقيل له: تشهد في هذا الصلح؟ فقال إني لا أعلم الحال، يشهد من يعرف الحال، فقال له الفقيه أبو القاسم: هذا الصلح جائز أو غير جائز؟ فقال له مجاوبا: أن كان صلاحا وسدادا في حق المسلمين فهو جائز وإن لم يكن كذلك فهو غير جائز، فقال له هو صلاح وسداد أو لا؟ فقال له لا علم لي بالحال، فقال له لابد لك من الجواب، فسمع نقر أمير المؤمنين من وراء الحجاب وهو يشير إلى انقضاء المجلس، فانفض ولم يشهد، وحمد في جوابه ومقاله، واستحسن ذلك من حاله. ولما حللت بحاضرة افريقية، اجتمع جمع من الطلبة وكلفوني بالجلوس للإقراء فأسعفتهم بذلك، وسرت إليه فأعلمته بالقضية وسألته هل تقع البداية في السبت أو يوم الأحد؟ فقال لي ﵀: من أشياخي ﵏ من كان يختار البداية يوم السبت، ومنهم من كان يختار يوم الأحد، ولم يجبني بالتعيين، وخرج عن خاطري في الوقت أن أسأله عن اختياره لنفسه كيف كان. وسألته رحمه الله تعالى عن اختيارات أصحابنا المتأخرين من الفقهاء،

стр. 90

كاللخمي وابن بشير وغيرهما، هل تحكى أقوالا عن المذهب فيقال مثلا، في المذهب ثلاثة أقوال بما يقوله اللخمي أولا، فقال لي إنما تكون الحكاية بحسب الواقع، فيقال في المذهب قولان، ويقال وقال اللخمي كذا، أو فلان ويعزى إليه ما قال، وسألت عن هذه القضية شيخنا الفقيه أبا القاسم ابن زيتون، فقال لي نعم، يحكى قول اللخمي وغيره قولا في المذهب، كما يحكي قول من تقدم من الفقهاء في المذهب، وهذان الجوابان جيدان، أما جواب الفقيه أبي العباس، فإنه مبني على سبيل التوقف والورع، وأما جواب الفقيه أبي القاسم، فإنه مبني على سبيل النظر، لأنه رأى أن كل جواب بني على أصول مذهب مالك وطريقته فإنه من مذهبه، والمفتي به إنما أفتى على مذهبه، فيصح أن تضاف هذه الأقوال إلى المذهب وتعد منه. ولما أقمت المدة التي أقمتها بتونس، وأردت الانفصال إلى بجاية، جئت لوداعه فودعته وتبركت به، ولما أردت الانصراف قال لي أن رجعت نريك فعجبت من كلامه ذلك، لأني انفصلت وفي نيتي عدم العود، وكان القوم على السير في البحر، فركبت البحر بجملتي وتعذر علينا الهواء فأصبحت في المرسى أجفان غزوانية للنصارى، فهبطنا إلى البر خيفة منها، وبعد أيام قاتلت

стр. 91

الجفن المعروف بجفن الحراني وأخذته بالمرسى، فوقع العود إلى البلد، واجتمعت بالشيخ أبي العباس، فقال لي رجعت؟ فقلت له قد أشرتم بذلك عند وداعي لكم، ثم تيسر لي السفر في البر فودعته وسافرت، وهو آخر عهدي به، وكانت هذه من جملة ما رأيت له من الكرامات ﵀، وتوفي بتونس في عشر السبعين وستمائة أيام الواثق بحاضرة أفريقية ﵀.

стр. 92

١٩ - أبو زكرياء يحيى بن زكرياء بن محجوبة القرشي السطيفي ... ٦٧٧هـ ... ١٢٧٨م ــ ومنهم شيخنا، الشيخ الفقيه، الولي الصالح المبارك، أبو زكرياء يحيى بن زكرياء ابن محجوبة القرشي السطيفي باطنة شيخ شيوخنا، الشيخ أبي الحسن الحرالي ﵁. كان من المتعبدين لزهاد الأولياء، رحل إلى المشرق ولقي مشائخ، واقتصر على أبي الحسن الحرالي، واستفاد منه علم الظاهر والباطن، وحصل من هديه الجلي والكامن، لقيه بالديار المصرية وصحبه هناك مدة طويلة، وهناك ظهرت له حقائق، وانقطعت عنه عوارض العلائق، وكان للشيخ ﵁ هنالك، أصحاب قد أدركوا المدراك، وجاوزوا سبيل السالك، وكانوا يريدون ترقي الشيخ أبي زكرياء إلى بعض مداركهم، والانتظام في سلكهم وما زالوا إلى أن ظهر له بعض التحقيق، واعتمد جادة الطريق، فأنهوا ذلك إلى الشيخ أبي الحسن ﵀، فأنشده في معنى ما ظهر له، وبين له الحال فيما لم يظهر له، هذه الأبيات. جلت لك ليلى من مثنى نقابها ... طريقا وأبدت لمعة من جمالها فطبت بها عيشا وتهت لذاذة ... وفيأك الالماع برد ظلالها فكيف ترى ليلى إذا هي أسفرت ... ضحاء وأبدت وارفا من دلالها وكيف بها أن لم يغب عنا شخصها ... ولم تخل وقتا من منال وصالها

стр. 93

وكيف يكون الأمر أن كنتها ... وكانتك تحقيقا فحلت لحالها وكان ﵀ ممن تخلى عن الدنيا وتركها، وكان صاحب كرامات، وكان مستجاب الدعوة. سمعت عن الشيخ أبي الحسن الحرالي ﵁، إنه عين أصحابه بعده، فقيل إنه قال: أصحابي ثمانية وعشرون، منهم أربعة تستجاب دعوتهم، وعين من الأربعة الشيخ أبا زكرياء ﵁، وربما زاد الناقلون في العدد أو نقصوا منه، وروح المسألة أن الشيخ أبا زكرياء أحد الأربعة الذين تستجاب دعوتهم وسمعت أن منهم السيخ أبا محمد ابن عبد المسير الاطرابلسي ﵀. وكان في علم التصوف مقدما، وكانت له أخلاق حسنة، ومن فضائل وزهده، إنه عرض عليه في مدة الأمير أبي يحيى برد الله ضريحه، أن يجعل له مرتب من أعشار الديوان في كل شهر فامتنع من ذلك وقال: أن اسمي في ديوان الوجود المطلق فلا أجعله في لديوان المقيد، لأن الإطلاق أوسع من التقييد وهو في ديوان الحق فلا اجعله في ديوان الخلق. ورأيت له تأليفا حسنا في "شرح أسماء الله الحسنى" وله في التصوف "تقاييد" كثيرة، وله نظم حسن وقطع مستحسنة كلها في المعاني الصوفية. وكنت في زمان الشباب نظمت القصيدة الصوفية الهمزية التي مطلعها. واحيرة العشاق بالرقباء ... حرموا الوصول لطيبة الوسعاء وهي نحو أربعين بيتا، فحملتها إليه، وأنشدتها بين يديه، ففرح بها غاية الفرح وجعل يدعو ويقول: بصرك الله لمعنيها وأطلعك على ما فيها، لأن الحال كان حال شبيبة، فاعتقد الشيخ ﵀ أن ما أتيت به فيها إنما هو على

стр. 94

سبيل الصناعة لا على سبيل الاطلاع والشهود، والله يؤتي الفضل من يشاء. توفي ﵀ ببجاية في غرة ذي القعدة عام سبعة وسبعين وستمائة. ومن شعره ﵀. أتت والليل ممدود الجناح ... تعود مسهدا رطب الجراح فقالت كيف أنت ولا جناح ... فقلت العود يذهب بالجناح فوالهفي على الشكوى لسار ... وواجزعي لا عجال الصباح

стр. 95

٢٠ - أبو الحسن عبيد الله بن عبد المجيد بن عمر بن يحيى الازدي ٦٠١ - ٦٩١هـ ١٢٠٤ - ١٢٩٢م ــ ومنهم شيخنا، الشيخ الفقيه، الولي الصالح العابد الزاهد، الموفق المنقطع المتخلي، أبو الحسن عبيد الله بن أحمد بن عبد المجيد بن عمر بن يحيى الازدي، من أهل رندة رحل إلى العدوة وتخير استيطانه ببجاية فاستوطنها. كان على سنن الفقهاء، وعلى طريق المتعبدين الصلحاء، له علم ووقار، وعمل مرضي مختار إذا رآه الناظر تبينت له ولايته، وظهرت له أن خير السعاية سعايته، وذكر من رآه قول النبي ﷺ من أولياء الله فقالالذين إذا رءوا ذكروا اللهوكان منقطعا عن الناس، غير مخالط لهم، وكان يزوره القضاة والأمراء ومن دونهم، وكان لا يدخل نفسه في شيء معهم، وقلما يسأل أو يوجه في المسائل، وإن رغب السائل مع رغبة الناس أن يسألهم، ولكنه إذا تحدث في الشيء يقضي بفضل الله. وله دعاء مستجاب، وكرامات يستحسن ذكرها ويستطاب، وأكثر ما كان الناس يقصدونه ليدعو لهم فيعترفون ببركة دعائه. وكان متنزها عن مقالة المتلبسين، وشعوذة المشعوذين، غير مسامح في شيء مما يخالف ظاهر الشريعة ولا عامل على شطحات المتصوفة. ولقد مضى بمسجده أبو الحسن الفقير، المعروف بالطيار، مع صحب له من

стр. 96

الفقراء، ودخلوا عليه في وقت يحيا فيه المسجد فجلسوا من غير تحية، فأمرهم بالتحية، فقال له الطيار " ولذكر الله أكبر " وامتنع من الركوع، ووقع بينه وبينهم في هذا كلام، ولما ظهر منهم التوقف مع هذا المقال، وعدم النزوع عن هذا الحال، وقع العمل على نفيهم إلى المغرب، وإخراجهم من البلد. والنفي في حق هؤلاء وأمثالهم قليل، وإنما الواجب أن يعاملوا بأسوأ التمثيل. وهؤلاء جملة أغبياء لا علم ولا عمل ولا تصوف ولا فهم. وهم مع ذلك يجهلون الناس، ويعتقدون أن مبناهم على أساس، وما زال ﵀، متصل الأعمال، صالح الأحوال، إلى أن توفي ﵀ ببجاية، في النصف الأول من ليلة الثلاثاء السابع لرجب عام إحدى وتسعين وستمائة، ودفن بعد صلاة الظهر بمقربة من الباب الجديد. وكان له مشهد عظيم، وقبره اليوم هناك مزور ﵀. وولد في عام واحد وستمائة.

стр. 97

٢١ - أبو محمد عبد المجيد بن أبي البركات بن أبي الدنيا الصدفي الطرابلسي ٦٠٦ - ٦٨٤هـ ١٢١٠ - ١٢٨٥م ــ ومنهم شيخنا، الشيخ الفقيه، العالم المجتهد المحصل المتقن، الصالح المبارك، أبو محمد عبد المجيد بن أبي البركات بن أبي الدنيا، الصدفي الطرابلسي، وهذا الشيخ تعين ذكره وإن لم يوافق شرط الكتاب، لأنه لم يكن ببجاية، لكني لقيته بحاضرة افريقية وانتفعت برؤيته وتبركت بمشاهدته، وهو من الفضلاء الذين لا يسوغ الإخلال بذكرهم في المشيخة. هو أحد المشائخ الجلة بحاضرة أفريقية، رحل إلى المشرق وحج، ولقي الأفاضل عز الدين ابن عبد السلام وغيره، وقرأ وحصل ورجع إلى طرابلس واشتغل بها بالإقراء، وظهر أمره واشتهر خبره، فوجه إليه من حاضرة تونس واستدعى للسكنى بها من قبل ملك أفريقية ﵀، فوصل مرفع القدر جليل الخطر، وكان له رواء وسمت حسن، وكان له علم بالفقه وأصول

стр. 98

الفقه وأصول الدين على طريقة الأقدمين، وكان في الفقه على طريقة القرويين، ولا يرى بالطريقة المتأخرة في الأصلين طريقة فخر الدين ومن تبعه، وكان ينكر علم المنطق، وكان يجلس للإقراء فتقرأ عليه الفنون الثلاثة الفقه وأصوله وأصول الدين. وله "عقيدة" في علم الكلام، وكان الطلبة يحفظونها ويقرؤونها عليه. وكان مقدما للفتيا بحاضرة افريقية، وما زالت فتاويه تصل إلى بجاية، وأما العدالة فهي صفته والموضوعة رقى عنها لأنه واضعها. وكان ذا ديانة، وفضيلة وصيانة، وما زال قدره رفيعا، وجنابه مكرما منيعا. ولي قضاء حاضره افريقية وهو من يتجمل القضاء به لأهليته الدينية والعلمية. ومن ديانته ﵀، إنه كان إذا عرض عليه الرقيق للشراء، وحصل بمنزله وحضر وقت الصلاة، يأمر أهل منزله بتعليمه الفاتحة وسورة، ويأمره بالصلاة، فان تم الشراء بينه وبين البائع، استمر الرقيق على حاله وإلا فيعود وقد حصل ما يحصل له الفريضة. أخبرني بهذا من عرض عليه رقيقه للشراء ولم يتم البيع بينهما، فعاد الرقيق لربه وأخبره بهذه الصورة. وهذا من العقل المرضي وديانته وصيانته وروعه معلوم لا يشك فيه. توفي بحاضرة أفريقية في عشر الثمانين وستمائة.

стр. 99

٢٢ - أبو محمد عبد المنعم بن محمد بن يوسف بن عتيق الغساني ... بعد ٦٨٠هـ ... ١٢٨١م ــ ومنهم الشيخ الفقيه، القاضي الفاضل، أبو محمد عبد المنعم بن محمد بن يوسف ابن عتيق الغساني، من أهل الجزائر لقي المشيخة التي لقيها الفقيه أبو محمد عبد الحق بن ربيع، وكانت قراءتهما معا، ولقي الفقيه أبا علي ابن عبد النور الجزائري بالجزائر، ولقي بها أبا عبد الله ابن منداس وكان له فقه وأدب وعلم بالفرائض وإحكام لصناعة الوثائق، كان فيها تلو الفقيه أبي محمد عبد الحق السابق، وهو المصلي، ولم يكن أحد بعدهما يلحق بهما في وقتهما. وكانت له نزاهة ووجاهة ونباهة وديانة وصيانة، وله شعر رائق، وكتب أدبي فائق، وكان ينشئ البياعات والخطب والكتب السلطاني إنشاء وجوابا، تخطط بالعدالة وهي صفته، وتخطط بالقضاء ببجاية وطالت هدته فيه، وكان حاله فيه حال نزاهة وطهارة وعفاف، وقيام بحق الله على الواجب، وكان كثيرا ما يشاور أهل العلم والفضل، ويقف عند قولهم ويعمل على رأيهم وكان له رواء وسمت حسن، وكانت له فصاحة لسان، وتمام بيان، وكان معظما عند أهل بلده وعند ولاة الأمر، وبحضوره كان انعقاد المجلس، وكان مجلسه القاضوي معتدلا لا هو بالموسع ولا هو بالمضيق، ولقد جرت في مدته

стр. 100

خصومة لبعض الفقهاء، وكان يتحفظ فيها كثيرا فتارة قائم وتارة قاعد، فكان يقول إنما مثله كما قال الشاعر:- لا تظن ابن أقلش ... ضل في الحكم يرتشي إنما الشيخ هلهل ... فهو يصحو وينتشي فترى الحكم غدوة ... وترى النقض بالعشي وكان كثير ما يجري على لسانه ﵀ هذا البيت: فياليت شعري أين أو كيف أو متى ... يقدر ما لا بد أن سيكون وكان يحب الجري على طريقة سحنون ويؤثره، ولا جرم أن سحنونا هو قاضي قضاة المغرب، وما كان العمل بالمغرب إلا على قوله، كما كان العمل بالديار المصرية إلا على قول ابن المواز. صحبناه واستفدنا منه واهتدينا بهديه وتعرفنا بركة رأيه، ﵀ وغفر له، توفي في عشر الثمانين وستمائة ومن شعره: لكل نبي دعوة مستجابة ... وسيدهم طرا خباها لأمته إلى يوم لا يغنى عن المرء منطق ... فصيح ولا يدلي البليغ بحجته ويوم يفر المرء من ولد له ... حبيب ولا يجزى أب بأبوته ترى الناس فيه بين باك وصارخ ... وذاكر ما قد فات من فرط زلته فكل به حيران يندب شجوه ... وسكران لا من خمرة بل بغمرته

стр. 101

وكل نبي يسأل الله نفسه ... ويضرب صفحا عن سؤال لامته خلا شافع فينا كريم مشفع ... به يشمل الله العباد برحمته إذا لم يطق شخص فعالا مخلصا ... ولم يلف ما ينجيه من غمر حسرته يعمهم المختار أحمد بالذي ... خبا لهم للحشر من فضل دعوته فمن ذا له فضل كفضل محمد ... على امة أو من له مثل نعمته فيا ربه بلغ عبيدك قبره ... ليحظى بتقبيل لطاهر تربته ويأنس في الدنيا به في جواره ... ويدخل يوم العرض في أهل طيبته وجازه عنا بالذي أنت أهله ... أعز الورى أنت الكفيل بمنته وصل عليه كلما لاح كوكب ... وأجلى عمود الصبح ظلما لليلته

стр. 102

٢٣ - أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الخزرجي الشاطي ... ٦٩١هـ ... ١٢٩٢م ــ ومنهم شيخنا، الشيخ الفقيه القاضي العدل، الصدر المحصل المتقن المجيد، أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن يحيى بن حزب الله بن محمد بن خلف الله بن عبد الرحمن بن يعقوب الخزرجي، الأنصاري ثم الشاطبي، وجده يعقوب هو الداخل هكذا اخبرني ﵀، لقيته ببجاية في مدة اجتيازه عليها إلى المشرق، ولقيته بعد ذلك في مدة قضائه بها. له علم محكم، وعقد صحيح مبرم، رحل وحج، وكانت رحلته بعد تحصيله فزاد فضلا إلى فضله، ونبلا كثيرا إلى نبله. كان له علم بالعربية وأصول الفقه، وله مشاركة في أصول الدين وفي قوانين الطب. له شرح على الجزولية سمعت عنه ولم أره، والذي يقع في النفس إنه جيد وكثيرا ما كانت المذاكرة تقع معه فيما يعد إنه من مشكلات القانون، فيجيد في الجواب عليه، وكان بحثه في أصول الفقه جيدا، وكان متأنيا في

стр. 103

فقهه لا يستحضر من النقل الكثير ولكنه يستحضر ما يحتاج إليه. وكانت له ديانة متينة، وكان سري الهمة رفيع القدر، تخطط بخطة القضاء في غير ما بلد، وكان أبوه قاضيا وبيتهم بيت علم وقضاء وتوارث سؤدد، ثم قضى ببجاية فكان في قضائه على سنن الفضلاء وطريق الأولياء والعقلاء، قائما بالحقوق، وقافا مع الصدق، معارضا للولاة فيما يخالف طريق الشرع ومبائنا لهم. ثم أنصرف عن بجاية فولى قضاء حاضرة أفريقية، فكان له فيها الظهور في أحكامه، والمضاء في قضائه ما اشتهرت آثاره، وتواترت أخباره. ولما توفى ﵀، عجز القضاة بعده هنالك على سلوك منحاه، واقتفاء سننه الذي اقتفاه، وكان ﵀، كثير التشديد في أمر الشهادة والشهود، يرى التنصل عنها عملا وتقديما، ولقد أخبرني ﵀، إنه ما شهد قط إلا شهادة واحدة دعته الضرورة إليها، وكان لا يرى أن يقدم الشهود إلا عند الحاجة، وأما إذا كان من تقع به الكفاية فلا يقدم، ويرى أن الكثرة مفسدة، وقلما كان يقدم ﵀. ولقد ذكر لي إنه عرض عليه في مدة ولايته بحاضرة أفريقية، أن يقدم رجلا من أهلها، ووقعت العناية به حتى بلغ الأمر إلى عناية الملك به، إلى أن شابه فيه فتمنع من ذلك وقال له: إذا شئتم أن تقدموه اخبروني وقدموا من تقدمونه، فقبلوا قوله فأقروه ولم يقدم الرجل، وكان إذا جرى الأمر في تحرير معنى الشهادة ويجري فيه ما قاله القاضي أبو بكر ابن العربي وغيره، من أنها قول قبول الغير على الغير دليل، يرى أن هذا من الأمر العظيم الذي لا يليق أن يمكن منه إلا الآحاد، الذي تبين فضلهم في الوجود، وكان يرى أن جنايات الشاهد إنما هي في صحيفة من يقدمه من باب قوله، ﵇، من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة، وهذا كله باب احتياط وديانة، والشهادة أولى ما وقع التحوط عليه والنظر في أمره، ومنصب الشهادة من الأمر العظيم والخطب الجسيم.

стр. 104

وقد سئل الجنيد ﵀ ورضي عنه، من أولياء الله؟ فقال شهود القاضي لأنهم لا يأتون كبيرة ولا يواظبون على صغيرة، والشهادة إذا كانت صفة فلا شيء أجل منها، وإذا كانت خطة لا صفة، فلا شيء أنجس منها. توجه من قبل ملك أفريقية رسولا إلى صاحب الديار المصرية، فحمد مسعاه وشكر منحاه. وأخبرني ﵀، إنه لما كانت وقعة بني مرين بطنجة، عرض عليه أهلها أن يقدم وان يبايعوه، وكان قادرا على ذلك ومتمكنا بمعرفته ودهائه، فتمنع من ذلك وقال: "والله لا أفسد ديني ودنياي" وهذا من دينه وفضله وعقله ونبله، جازاه الله خيرا. توفي بتونس في الثامن عشر لصفر عام أحد وتسعين وستمائة.

стр. 105

٢٤ - أبو العباس أحمد بن محمد بن حسن ابن الغماز الأنصاري ٦٠٩ - ٦٩٣هـ ١٢١٢ - ١٢٩٤م ــ ومنهم شيخنا، الشيخ الفقيه، الفاضل الجليل، القاضي الكبير الشهير، العدل الرصن، أبو العباس أحمد بن محمد بن الحسن، ابن الغماز الأنصاري من أهل بلنسية، ورحل إلى بجاية واستوطنها، ولقي المشائخ بها كأبي بكر ابن محرز وأبي المطرف ابن عميرة وأبي الحسن ابن أبي نصر وغيرهم وتخطط بها بالعدالة وهو بها حقيق، وجلس للوثيقة وكان ممن يشار إليه بالنباهة والرياسة والسياسة. ثم ارتحل إلى حاضرة أفريقية واستوطنها، وثبتت له بها خطة العدالة والشهادة، واستمر على التصدي للوثيقة فظهر وأشهر ونبل قدره وكبر. ثم ولي قضاء بجاية وولي إقامة صلاة الفريضة بجامعها الأعظم، فظهر من

стр. 106

نبله في القضاء ومعرفته بوجوه الرد والإمضاء، ما عجز عنه من تقدمه من القضاة، وكان مقدما في فصل الأحكام وعارفا بمواقعها على التمام، وكانت له صلابة وسياسة ووقوف مع الحق، وكان في مدة ولايته ببجاية بعض ظلمة العمال، وكان يوافقه الموافقة التي تحمد، ويسلك من سبيل السياسة ما يعينه على حصول المقصد؛ ولما انفصل جيش بجاية مع جيش افريقية لحصار مليانة وبقيت البلاد شاغرة، عاث المفسدون في الخارج وأفسدوه وامتدت الأيدي ووقع هرج عظيم، فقام بأمر الناس، ووقف خير موقف، وحفر الحفير على البلاد وشيد ما احتاج إلى التشييد من الأسوار، وظهر من عقله وفضله ونبله وجده واجتهاد ما حمد به أمره وجل به قدره، وبعد انقضاء هذا العارض ورجوع الجيش إلى الوطن، استدعى لحاضرة أفريقية وقدم للقضاء بها، فظهر من أمره بها أضعاف ما ظهر ببجاية، وفصل من الأحكام ما كان متلبسا في المدة الطويلة قبله، وظهر قاضيا عمليا محكما، وسما عند المستنصر بالله وجاوز الحد والقياس، ولم يزل يخلع ولاية القضاء بحاضرة افريقية ويلبسها خلعا أحسن من لبس، ولبسا أحسن من خلع، لأنه كان لا يخلعها إلا لمثلها وما هو أسنى منها، ولم يكن الخلع لشيء أصلا. توجه إلى المغرب لبعض ملوكه عن المستنصر بالله، فكان يوصف من رياسته وعلو همته ما دل على فضيلته وانتخاب طينته، وكان محبوبا عند الناس لقربه منهم. تخلى في آخر عمره، ﵀، وجلس للرواية والتصحيح إلى أن مات ﵀. ولقد أخبرني بعض الطلبة، إنه كان يروي عنه وبقي عليه قدر يسير من الكتاب الذي كان يرويه، فحضه ﵀ على تكميله وقال له: انك قد لا تجدني بعد هذه الأيام، قال: ولم يقعد بعدها إلا قدر ثمانية أيام وتوفي ﵀. رأيته ببجاية ولقيته بها ورأيته أيضا بتونس رؤية جيدة، واستفدت من أخلاقه ومن الاطلاع على أحكامه بحضوري مجلسه، ما انتفعت به كثيرا، ولد

стр. 107

بتاريخ يوم عاشوراء عام تسعة وستمائة، وهو يوم العقاب وكان يوم الاثنين الرابع عشر لصفر من عام تسعة وستمائة المذكور من ناحية جيان، وتوفي بتونس في يوم عاشوراء من عام ثلاثة وتسعين وستمائة. ومن نظمه بالزهد ﵀. هو الموت فاحذر أن يجيئك بغتة ... وأنت على سوء الفعل عاكف وإياك أن تمضي من الدهر ساعة ... ولا لحظة إلا وقلبك واجف وبادر بأعمال تسرك أن ترى ... إذا نشرت يوم الحساب الصحائف ولا تيأسن من رحمة الله إنه ... لرب العباد بالعباد لطائف وله ﵀: أما أن للنفس أن تخشعا ... أما أن للقلب أن يقلعا أليس الثمانون قد أقبلت ... فلم تبق في لذة مطمعا تقضى الزمان ولا مطمع ... لما قد مضى منه أن يرجعا تقضى الزمان فواحسرتي ... لما فات منه وما ضيعا ويا ويلتاه لذي شيبة ... يطبع هوى النفس مهما دعا وبعدا وسحقا له إذ غدا ... يسمع وعظا ولن يسمعا

стр. 108

٢٥ - أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم السجلماسي -القرن السابع الهجري- ــ ومنهم، الشيخ المتصوف، الصالح العابد الزاهد، الولي المتخلي، أبو عبد الله محمد ابن أبي القاسم السجلماسي. لقي مشيخة فاضلة بالمغرب والمشرق، وأجل من يعتمد عليه الشيخ أبو محمد صالح ﵁، لقيته، قال بالمغرب ولزمته وأقمت في خدمته مدة، واخبرني إنه بقي أربعة أعوام على صورة المحرم بوزرة في وسطه وشملة على كتفيه، في خدمة الشيخ أبي محمد ﵁ إلى أن ظهرت له الأسرار وتجلت له الأنوار. وكان قويا في علم التوحيد، وكان يرى أن التوصل إلى الحقائق إنما هو بالتوحيد، والترقي إلى أعلى المراقي إنما هو في التوحيد، ولا جرم أن هذا هو الأمر السديد، لأن أول الأمر إنما هو التوحيد، وآخره إنما هو التوحيد، ومصداق ذلك قوله ﵇: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللهوقوله ﵇: أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا اللهومنتهى الأمر قوله ﵇: من مات وهو يعلم لا إله إلا الله دخل الجنةفالتوحيد عصمة في الدنيا وعصمة في الآخرة، وهو مطلوب ابتداء وانتهاء وما بينهما. وكان ﵀، إذا وقع الاجتماع به، يشير بالسبابة والوسطى مفتوحتين ويقول: الدخول من ها هنا، يشير إلى أنها "لام ألف" وإنه يشير بها إلى "لا إله إلا الله" وكان يحض على أن يكون هجيرا للإنسان "لا إله إلا الله" وهذه

стр. 109

إشارة إلى جلال أبي بكر ﵁، وكان أيضا يشير أحيانا بأن يكون الهجيرلا إله إلا الله الحق المبين. وكان يرى أن اسم الله الأعظم هو في قوله "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" وكثيرا ما يذكر قول النبي ﷺ (لا إله إلا الله حصني من دخله أمن من عذابي) قلت وهذه المعاني كلها إنما هي التوحيد. وكان زاهدا لا يملك من الدنيا شيئا ولا يلتفت إلى الملك والملك ولا غير ذلك. وصحبته كثيرا وأخذت عنه واستفدت منه، وهو أحد من أخذت طريق التصوف عنه، عن الشيخ أبي محمد صالح، عن الشيخ أبي مدين، عن الشيخ أبي يعزى، عن مشائخهم ﵃، وسند ذلك عندي إلى علي بن أبي طالب ﵁. توفي بقلعة بني حماد، وقبره مزور متبرك به، ﵀ ورضي عنه.

стр. 110

٢٦ - أبو الحسن علي بن محمد الزواوي -القرن السابع الهجري- ــ ومنهم شيخنا الشيخ العابد الزاهد، المتقي الولي لله تعالى، أبو الحسن علي بن محمد الزواوي اليتورغي من جملة الأعلام المتقين، ومن الأكابر الذين يجب اعتقادهم في الدين، له عبادة وديانة، وصلاح وانقطاع، وزهد وولاية. وكانت له كرامات ظاهرة متواترة، وكان على سنن السلف الصالح ﵃ أجمعين، ليس عنده من التحريف ولا من التبديل ولا من خزعبلات المتلبسين شيء. ولقيته رخمه الله ببلد بني يتورغ بموضع سكناه منها وأنا على أول السن، ففرح بي وسر بي واستدناني لنفسه، وأخذ يقرأ ويقول ويمسح على رأسي ويجبذ بأذني إلى أن استوفى ما أراد أن يقرأه، وما شاء الله من ذلك، وأنا يومئذ في المكتب، وكان ذلك منه غير سؤال سأله وإنما فعله من تلقاء نفسه، فوجدت بركة ذلك وتعرفت يمنه وهو أحد أشياخي المباركين ﵏. وأخبرني بعض من وثقت به، إنه لما حضرته الوفاة حضر ولده وبكوا عليه لفراقه واستوحشوا، فقال: "لا عليكم، مهما أصابكم أمر أو عارض فأتوا إلى قبري واذكروا شكواكم واسألوا الله يفرج عنكم" وما زال أولاده بعده مهما
следующие страницы →