ميادين العلم والفلسفة، لا سيما آراء أرسطو وبطليموس، وقد بذلوا جهودهم في التوفيق بين معتقداتهم الدينية وآرائهم الفلسفية، ونشأ عن ذلك فلسفة مركبة تسمى " الفلسفة المسيحية" وهي خليط من نظريات الإغريق وظواهر التوراة والأناجيل وأقوال القديسين القدامى، ولما كان العلم والفلسفة في ذلك العصر شيئاً واحداً، فقد أدمج الفلاسفة المسيحيون في صرح فلسفتهم كل ما وصل إليه العلم البشري في عصرهم من النظريات الكونية والجغرافية والتاريخية، ورأت الكنيسة في هذه الفلسفة التوفيقية خير معين على الدفاع عن تعاليمها ضد المارقين والناقدين، (١) فتبنتها رسمياً وأقرتها مجامعها المقدسة حتى أضحت جزءاً من العقيدة المسيحية ذاتها وامتدت يد التحريف فأدخلت بعض هذه المعلومات في صلب الكتب الدينية المقدسة.
ولم يبدأ عصر النهضة الأوروبية في الظهور حتى كانت آراء أرسطو في الفلسفة والطب ونظرية العناصر الأربعة ونظرية بطليموس في أن الأرض مركز الكون، وما أضاف إلى ذلك القديس أوغسطين وكليمان الإسكندري وتوما الأكويني، أصولاً من أصول الدين المسيحي وعقائد مقدسة لا يصح أن يتطرق إليها الشك".
وكانت الفلسفة المسيحية هذه تشتمل على معلومات تفصيلية عن الكون تقول: "إن الله خلق العالم ابتداءً من سنة (٤٠٠٤ ق. م) وتوج ذلك بخلق الإنسان في جنة عدن على مسيرة يومين من البصرة بالضبط، والعجيب أنها ظلت مصرة على هذا الرأي حتى مطلع القرن التاسع عشر، فقد طبع كتاب الأسقف " آشر" الذي يحمل هذه النظرية سنة (١٧٧٩م) " (٢).
стр. 142
أما تاريخ الطوفان فتختلف فيه تقاويم التوراة، لكنه على أقصى آرائها وقع بعد خلق آدم بـ (٢٢٦٢) سنة (١).
ومعنى ذلك أنه كان سنة (١٧٤٢ق. م) ومن الطريف أن مجلساً كنسياً كان قد أعلن في بداية القرن العاشر للميلاد أن القرن الأخير من حياة العالم قد استهل؛ لأن الله قد جعل المدة بين إنزال ابنه ونهاية العالم ألف سنة فقط (٢).
أما معلوماتها الطبية، فقد كانت أفضل وأنجح الوسائل العلاجية في نظرها إقامة الطقوس لطرد الشياطين التي تجلب المرض، ورسم إشارة لصليب، ووضع صور العذراء والقديسين تحت رأس المريض ليشفى.
وعرفت أوروبا الطريق إلى النهضة بفضل مراكز الحضارة الإسلامية في الأندلس وصقلية وجنوب إيطالية، التي كانت تشع نور العلم والمعرفة على القارة المستغرقة في دياجير الخرافة والجهل، فاستيقظ العقل الأوروبي من سباته، وأخذ يقتبس عن المسلمين طرائق البحث ومناهج التفكير التي تجعله يكد ويعمل في مجال اختصاصه دون وصاية ضاغطة.
وثارت ثائرة رجال الكنيسة على الذين يتلقون علوم الكفار (المسلمين)، ويعرضون عن التعاليم المقدسة، فأعلنت حالة الطوارئ ضدهم، وشكلت محاكم التفتيش في كل مكان تتصيدهم وتذيقهم صنوف النكال.
وأصدرت منشورات بابوية جديدة تؤكد العقائد السابقة وتلعن وتحرم مخالفيها، وبذلك قامت المعركة على قدم وساق وأخذت تزداد سعاراً بمرور الأيام.
وكان من سوء طالع الكنيسة أن النظريات الكونية سبقت
стр. 143
النظريات الإنسانية في الظهور، وهي نظريات أثبتت الأيام صحتها - إجمالاً - بخلاف الأخرى، وبذلك قدر للكنيسة أن تصطدم بالصحيح قبل الزائف، فلما خسرت معركتها معه سهلت هزيمتها أمام الآخر.
هذا وسنستعرض بإيجاز هذا الصراع مراعين التسلسل التاريخي:
أولاً: مطلع العصر الحديث والقرن السابع عشر:
إن النظرية التي هزت الكنيسة لأول مرة هي نظرية كوبرنيق (١٥٤٣) الفلكية، فقبل هذه النظرية كانت الكنيسة المصدر الوحيد للمعرفة، وكانت فلسفتها تعتنق نظرية بطليموس التي تجعل الأرض مركز الكون وتقول: إن الأجرام السماوية كافة تدور حولها (١).
فلما ظهر كوبرنيق بنظريته القائلة بعكس ذلك كان جديراً بأن يقع في قبضة محكمة التفتيش، ولم ينج من ذلك لأنه كان قسيساً، بل لأن المنية أدركته بعد طبع كتابه بقليل؟. فلم تعط المحكمة فرصة لعقوبته، إلا أن الكنيسة حرمت كتابه " حركات الأجرام السماوية "ومنعت تداوله، وقالت: إن ما فيه هو وساوس شيطانية مغايرة لروح الإنجيل.
وظنت أن أمر هذه النظرية قد انتهى، ولكن رجلاً آخر هو " جردانو برونو" بعث النظرية بعد وفاة صاحبها فقبضت عليه محكمة التفتيش وزجت به في السجن ست سنوات، فلما أصر على رأيه أحرقته سنة ١٦٠٠م وذرت رماده في الهواء وجعلته عبرة لمن اعتبر.
وبعد موته ببضع سنوات كان " جاليلو " قد توصل إلى صنع
стр. 144
المرقب "التلسكوب" فأيد تجريبياً ما نادى به أسلافه نظرياً، فكان ذلك مبرراً للقبض عليه ومحاكمتة و" قضى عليه سبعة من الكرادلة بالسجن مدة من الزمان وأمر بتلاوة مزامير الندم السبعة مرة كل أسبوع طوال ثلاث سنوات" (١) ولما خشي على حياته أن تنتهي بالطريقة التي انتهى بها برونو أعلن ارتداده عن رأيه وهو راكع على قدميه أمام رئيس المحكمة قائلاً: "أنا جاليلو وقد بلغت السبعين من عمري سجين راكع أمام فخامتك، والكتاب المقدس أمامي ألمسه بيدي، أرفض وألعن وأحتقر القول الإلحادي الخاطئ بدوران الأرض، وتعهد مع هذا بتبليغ المحكمة عن كل ملحد يوسوس له الشيطان بتأييد هذا الزعم المضلل" (٢).
هؤلاء هم زعماء النظرية، وهذا هو موقف الكنيسة منهم، وليس غريباً أن تضطهدهم وتحارب أفكارهم، فإن أفكارها لا تعيش إلا في الظلام، وهي لن تستعبد الناس بالحق، بل بالخرافة .. ولكن الغريب هو أدلتها الدينية التي ساقتها لتكذيب النظرية وما كان ليضير الدين في شيء أن تصدق أو تكذب.
قالت الكنيسة: إن الأرض يجب أن تكون مركز الكون الثابت لأن الأقنوم الثاني - المسيح - تجسد فيها، وعليها تمت عملية الخلاص والفداء، وفوقها يتناول العشاء الرباني، كما أن التوراة تقول: "الأرض قائمة إلى الأبد والشمس تشرق والشمس تغرب وتسرع إلى موضعها حيث تشرق" (٣)
стр. 145
أما كروية الأرض وسكنى جانبها الآخر فنفتها الكنيسة بحجة أن " من خطل الرأي أن يعتقد الإنسان بوجود أناس تعلو مواطئ أقدامهم على رءوسهم، وبوجود نباتات وأشجار تنمو ضاربة إلى أسفل، وقالت: إنه لو صح هذا الزعم لوجب أن يمضي المسيح إلى سكان الوجه الآخر من الأرض ويموت مصلوباً هناك من أجل خلاصهم" (١).
ومع ذلك، فلم يكد القرن السابع عشر يستهل حتى كان لنظرية كوبرنيق وما أضاف إليها برونو وجاليلو آثار واسعة، ظلت راسخة في الفلسفة الأوروبية عامة، فقد أفقدت الكثيرين ثقتهم في الكنيسة، وأدت إلى التشكيك في سلامة معلوماتها، وهو أثر له أهميته القصوى، كما أنها أعطت الأولوية للتجربة والبحث العقلي في الوصول إلى الحقائق، وإضافة إلى ذلك قدمت إيحاءات فلسفية جديدة، فقد هزت فكرة الثبات المطلق التي كانت مسيطرة على العقلية الأوروبية وحطت كذلك من قيمة الإنسان ومكانته في الوجود أو هكذا تخيل الناس آنذاك.
وفي القرن السابع عشر تبلور النزاع واتخذ شكلاً جديداً؛ فقد أصبح النزاع بين مرقب جاليلو وحجج الكنيسة الواهية، نزاعاً بين النص الذي تعتمد عليه أدلتها وبين العقل والنظر الذي استند إليه أصحاب النظريات الجديدة.
وثار العلماء ودعاة التجديد مطالبين بتقديس العقل واستقلاله بالمعرفة بعيداً عن الوحي، ولم يجرؤ دعاة المذهب العقلي أول الأمر على
стр. 146
إنكار الوحي بالكلية، بل جعلوا لكل من الطرفين دائرة خاصة يعمل فيها مستقلاً عن الآخر.
وكان مذهب " ديكارت " أبرز المذاهب الفلسفية في هذا العصر، وقد دعا إلى تطبيق المنهج العقلي في الفكر والحياة واستثنى من ذلك -لسبب ما - الدين والعقائد الكنسية والنصوص المقدسة، وكان يرى "أن ميدان العلم الطبيعة، وموضوعه استغلال القوى الطبيعية، وأدواته الرياضة والتجربة، ويختص الدين بمصائر النفس في العالم الآخر، ويعتمد على الاعتقاد والتسليم، فلا مضايقة بين العلم والدين ولا سلطان لأحدهما على الآخر" (١).
وهذه الازدواجية الديكارتية وجدت لها نظيراً في منهج بيكون التجريبي، الذي قال عنه أندرسن: " إن أعظم مآثر بيكون الفصل بين العلم البشري والوحي الإلهي "، فعند بيكون يمكن أن تكون أي قضية خاطئة تماماً في نظر العقل، ولكنها صحيحة تماماً لأنها نظر الدين (٢).
والواقع أن المذهب الازدواجي ليس إلا مرحلة طبيعية في سلم التدرج من الإيمان المطلق بالوحي إلى الإنكار المطلق له.
ومع ذلك فقد وجد فلاسفة آخرون معاصرون لهؤلاء لم ترق لهم هذه الفلسفة، بل أغرتهم تفاهة آراء الكنيسة وحقدهم عليها أن يهاجموا التعاليم الدينية هجوماً مباشراً.
وكان " سبينوزا" -بحكم يهوديته- أعنف هؤلاء، فقد طبق المنهج العقلي على الكتاب المقدس نفسه، ووضع الأسس التي قامت عليها "مدرسة النقد التاريخي" التي ترى أنه يجب أن تدرس الكتب
стр. 147
الدينية على النمط نفسه الذي تدرس به الأسانيد التاريخية -أي: على أساس أنها تراث بشري وليست وحياً إلهياً- وبالفعل حقق " سبينوزا " نتائج إيجابية:
فمثلاً: استنتج أن أسفار التوراة لم يكتبها موسى، مستدلاً بما جاء في سفر التثنية من ذكر موت موسى ورثائه، وقول كاتب السفر: "لم يأت نبي مثله من بعده "، وأيضاً استطاع أن يثبت أن التوراة قد عينت أماكن بأسماء لم " توضع لها إلا بعد موسى بقرون عديدة " (١) كما استطاع " باسكال" أن يوجه نقده إلى عقيدة الخطيئة قائلاً: " لا شيء يزحم العقل الإنساني بالألم كعقيدة الخطيئة الأصلية، وإنه ليبدو أبعد ما يكون عن العقل أن يعاقب إنسان من أجل خطيئة اقترفها أحد أسلافه منذ أربعة آلاف سنة " (٢).
أما " جون لوك " فقد خطا خطوة أبعد من ديكارت بأن طالب بإخضاع الوحي للعقل عند التعارض قائلاً: "من استبعد العقل ليفسح للوحي مجالاً فقد أطفأ نور كليهما، وكان مثله كمثل من يقنع إنساناً بأن يفقأ عينيه ويستعيض عنهما بنور خافت يتلقاه بواسطة المرقب من نجم سحيق" (٣).
كما دعا إلى تطبيق مبدأ جديد على الحياة الأوروبية آنذاك، وهو مبدأ التسامح الديني، وإعطاء الحق لكل إنسان في أن يعتنق ما يشاء ويكفر بما يشاء من الأديان والمذاهب.
على أن نقد هؤلاء الرواد لم يصل إلى إنكار الوحي والرسالات السماوية بصراحة، كما أنه ظل خافتاً أمام بطش محاكم التفتيش أو على
стр. 148
الأقل أمام ضغط المجتمع الذي كان يدين بالمسيحية ويراها جزءاً من كيانه وتراثاً عزيزاً عليه.
وقد تعرضت كتب ديكارت وسبينوزا ولوك وأضرابها للحرق والمصادرة، كما تعرضوا شخصياً للإيذاء والمضايقة من قبل الكنيسة، إلا أن تفجر البركان العلمي في كل مكان والخلافات الداخلية بين الطوائف المسيحية شغلتها عن إعطائهم ما يستحقون من الاهتمام.
كما أن النظريات الجديدة عن الكون في هذا القرن قد غمرت الأفكار الفلسفية، واستأثرت بالاهتمام البالغ من قبل الأوساط الدينية والعلمية على السواء، وأعظم هذه النظريات " نظرية الجاذبية " لإسحاق نيوتن.
ولد إسحاق نيوتن في السنة التي توفي فيها جاليلو ١٦٤٢ق. م) ويعد عمله تتميماً لما بدأه جاليلو، فقد مهد اكتشاف جاليلو لقانون البندول سنة (١٦٠٤م) الطريق أمام النظرية القائلة " إنه من الممكن تفسير ظواهر الطبيعه بربط بعضها ببعض دون حاجة إلى تدخل قوى خارجية عنها " (١)، وبذلك كان هذا الاكتشاف الضئيل بمثابة النواة للمذهب "الطبيعي "والنظرية الميكانيكية اللذين كان لهما صدى واسع فيما بعد.
وقد حاربت الكنيسة هذه النظرية وشنعت على معتنقيها قائلة: إن الأشياء لا تعمل بذاتها ولكن عناية الله هي التي تسيرها، ولم تكن الكنيسة من سعة الأفق على جانب يسمح لها بتفهم عدم المنافاة بين نسبة الأفعال إلى الله تعالى باعتباره الفاعل الحقيقي، وبين نسبتها إلى الأسباب باعتبارها وسائط مباشرة، بل كان حنقها على كل جديد
стр. 149
صارفاً لها عن ذلك، كما أن أصحاب النظرية اندفعوا وراء رد الفعل الأهوج، فأنكروا عمل العناية الإلهية وربط الأسباب بالمسببات، معتقدين أن كل ما عرفت علته المباشرة فلا داعي لافتراض تدخل الله فيه حسب تعبيرهم.
فلما جاء نيوتن بنظرية الجاذبية مؤيدة بقانون رياضي مطرد انبهرت عقول الفئات المثقفة واتخذها أعداء الدين سلاحاً قوياً حتى لقد سميت "الثورة النيوتونية" وأحس هؤلاء بنشوة انتصار عظيمة، فقد أمكن تفسير الكون كله بهذا القانون الخارق، كما تأكدت صحة نظريات كوبرنيق وبرونو وجاليلو، وفي الوقت نفسه اهتز موقف الكنيسة وتداعت حججها الواهية أكثر من ذي قبل، ولجأت إلى التعسف والعنف، وهاجم رجالها نيوتن الذي كان مؤمناً بوجود الله، بحجة أنها تفضي إلى إنكار وجود الله، بنفي العناية الإلهية من الكون، وقد ثبت أنهم كانوا على حق في توقعهم هذا، لكنهم كانوا مخطئين في موقفهم من النظرية، فقد ساعد هذا الموقف الخاطئ على الوصول إلى تلك النتيجة الباطلة.
ولا شك أن نظرية نيوتن من أعظم النظريات العلمية أثراً في الحياة الأوروبية، فهي التي وضعت الفكر المادي الغربي، وإليها يعزى الفضل الأكبر في نجاح كل من المذهب العقلي والمذهب الطبيعي، كما أن مذهب الإيمان بإله مع إنكار الوحي والإلحاد ذاته مدانان لهذه النظرية من قريب أو بعيد، على أن هذه الآثار لم تظهر إلا فيما بعد.
أما في القرن السابع عشر فإن النتائج الإيجابية التي أمكن للعلماء أن يُكوِّنوا منها النظرية العلمية المعادية لتعاليم الكنيسة، والتي اشتقت من نظريتي كوبرنيق ونيوتن - هي كما لخصها " برتراندرسل " ثلاث نتائج:
стр. 150
١ - أن تقرير الحقائق يجب أن يبنى على الملاحظة لا على الرواية غير المؤيدة (أي: النصوص).
٢ - أن العالم غير الحيواني نظام متفاعل في نفسه مستبق لنفسه، وتنطبق كل التغيرات فيه مع قوانين الطبيعة.
٣ - أن الأرض ليست مركز الكون وأن الإنسان ربما لا يكون الهدف من وجودها، إذا كان لوجودها أي هدف، وفوق ذلك أن فكرة الهدف فكرة لا فائدة منها من الناحية العلمية " (١).
وإذا كان القرن السابع عشر هو قرن الانتفاضة العارمة على الكنيسة ومبادئها، فإنه كذلك القرن الذهبي لمحاكم التفتيش، فقد قاسى العلماء أنواع الاضطهاد، واستخدمت ضدهم أساليب القمع الوحشية وظهرت الفهارس أو "القوائم البابوية " التي تحتوي على أسماء الكتب المحرمة، وكان وجود شيء من هذه الكتب في حوزة إنسان ذريعة لسوقه إلى محكمة التفتيش وتعريضه لأليم عقابها.
وقاومت الكنيسة كل محاولة للتجديد، وإن كانت نافعة خيرة، فقد كفرت رئيس بلدية في ألمانيا، لأنه اخترع غاز الاستصباح بحجة أن الله خلق الليل ليلاً والنهار نهاراً، وهو بمخترعه يريد تغيير مشيئة الخالق فيجعل الليل نهاراً" (٢).
واضطرب حبل الكنيسة بظهور الروح الجديدة اضطراباً واضحاً وألقت بكل ثقلها في معركة كانت في غنى عن دخولها أمام الناس -لا سيما المثقفون- فقد اهتبلوا الفرصة، وخيل إليهم أن الأقدار قد ألقت إليهم مفتاحاً سحرياً يخلصهم من سجن الكنيسة وأغلالها، ذلك هو مفتاح "العلم والتجربة ".
стр. 151
كان إيمان هؤلاء بالمسيحية متغلغلاً إلى درجة يصعب معها فراقه ولكن كفرهم برجال الدين - أولئك الطغاة المتغطرسين - كان كفراً صريحاً لا هوادة فيه.
ونستطيع أن نقول: إن ما قام به علماء وفلاسفة القرن السابع عشر من هجوم على الدين، ليس في حقيقته سوى اندفاع أعمى، ورد فعل غير موجه هدفه الانفكاك من ربقة الكنيسة والتحرر من عبوديتها، فلم يكن همهم "إلى أين نتجه؟ " بقدر ما كان "كيف نهرب؟ ".
ولكن التأثيرات والايحاءات الفلسفية لنظرية نيوتن أسهمت في إيجاد فكر لا ديني منظم ينتهج طرائق محددة، وإن كان قد ظل مشوباً بالتعصب والسلبية، مندفعاً في مهاجمة الكنيسة ومعتقداتها.
ولعل من الصواب أن نقول: إن نظرية نيوتن لم تمهد فكرياً للثورة الفرنسية فحسب، بل إنها قطعت نصف الطريق إلى داروين أيضاً.
والكلام عن آثار النيوتونية ينقلنا إلى القرن الثامن عشر الذي كان دخوله إيذاناً بأفول نجم الكنيسة وولادة آلهة جديدة لا كنائس لها.
ثانياً: القرن الثامن عشر:
يتميز القرن الثامن عشر بظهور روح الشك العام في كل شيء تقريباً، ومع ذلك فقد ظهرت فلسفات إيجابية متنوعة يدور محورها حول كلمتين، هما في الواقع صنمان استحدثهما الهاربون من نيران الكنيسة، ليحلا محل إلهها المخيف، وهما: "العقل والطبيعة".
أما العقل فلم يعد مقيداً بأغلال الثنائية الديكارتية، بل بدأ يبحث عن ذاته ويسلك طريقه
стр. 152
لكي يتصرف كما لو كان "إلها" بالفعل، وتعالت أصوات الباحثين والفلاسفة، منادية بأن العقل هو الحكم الوحيد والعقل هو كل شيء، وما عداه فوهم وخرافة، الوحي يخالف العقل فهو أسطورة كاذبة، والمعجزات لا تتفق ومألوف العقل فهي خرافات بالية، والفداء والصلب والرهبانية ... إلخ، كلها أباطيل مضللة وعقائد مرذولة لأنها لا تتسق مع العقل، والصنم الثاني كان "الطبيعة ".
يقول " سول": "صار لزاماً على الذين نبذوا الإيمان بالله كلية أن يبحثوا عن بديل لذلك ووجدوه في الطبيعة" (١).
وكتب الفكر الغربي تسمي ذلك العصر عصر "تأليه الطبيعة " أو عبادة الطبيعة، وليست هذه العبارات مجازاً، بل هي مستعملة على الحقيقة تماماً، فكل صفات الله التي عرفها الناس عن المسيحية نقلها فلاسفة الطبيعة إلى إلههم الجديد، مع فارق كبير بين الإلهين في نظرهم.
فإله الكنيسة بطَّاش حقود يعذب السلالة البشرية ويقتل ابنه لأن الإنسان الأول أكل فاكهة من حديقته.
وهو إله متعنت يضع القيود الاعتباطية على حرية الإنسان ويقيده بالالتزامات، ويفرض عليه الرهبانية والخضوع المذل لممثليه على الأرض.
أما الطبيعة فإلهها "جذاب" رحب الصدر ليس له كنيس ولا التزامات، ولا يستدعي طقوساً ولا صلوات، وكل ما يطالب به الإنسان أن يكون إنساناً طبيعياً يلبي مطالبه الطبيعية في وضوح وصراحة.
والإله الجديد ليس له رجال دين يستعبدون الناس لأنفسهم، ولا كتاب مقدس متناقض ولا أسرار عليا مقدسة، بل له دعاة من أمثال
стр. 153
" روسو وفولتير وديدرو" وله كتب علمية هي " دائرة المعارف" أو " العقد الاجتماعي" أو " روح القوانين".
والقانون الطبيعي "الجاذبية" يجعل الكون مترابطاً متناسقاً لا اضطراب فيه ولا خلل، وبالمقابل جعلت الطبيعة للإنسان قانوناً طبيعياً يكفل له السعادة التامة، ولكن النظم الإنسانية والأديان طمست هذا القانون فشقي الإنسان وتعذب.
تلك هي المبادئ الأولى للمذهب الطبيعي الذي تبلور ليصبح ديناً إنسانياً عند " كومت " في القرن التاسع عشر، وعنه انبثقت الماديات المتعددة التي تفسر الكون تفسيراً آلياً حسب القوانين التي سميت "قوانين الطبيعة ".
أما هنا في القرن الثامن عشر فإن عبادة العقل والطبيعة هي ميزة العصر الذي يسمى "عصر التنوير ".
ويصف برنتن " شيئاً من مظاهر الصراع بين الدين والعلم في هذا العصر بقوله:
"كان العقل للرجل العادي في عصر التنوير هو كلمة السر الكبرى لعالمه الجديد، العقل هو الذي يسوق الناس إلى فهم الطبيعة" وهذه هي كلمة السر الثانية الكبرى "وبفهمه للطبيعة يصوغ سلوكه طبقاً لها، وبذلك يتجنب المحاولات العابثة التي قام بها في ظل أفكار المسيحية التقليدية الخاطئة، وما يخالفها في الأخلاق والسياسة مما يناقض الطبيعة" (١).
"والعقل يبين أن الرهابنية تعني إسرافاً عظيماً في قدرة الإنسان الإنتاجية، وأوضح من ذلك أن العقل يبين أنه من غير الطبيعي
стр. 154
للكائنات البشرية صحيحة البدن أن تمتنع بتاتاً عن الاتصال الجنسي، وأن التبرير الديني لمثل هذا السلوك غير الطبيعي كان هراء كَهُراء فكرة الشياطين التي تستولي على المجنون ".
"إن المسيحية التقليدية لم تعد قادرة على أن تمد المستنيرين بنظرية كونية، فقد بدأ الناس يعرفون ما يكفي من الجيولوجيا لكي يبين أن تاريخ الخليقة الذي حدده الأسقف " آشر" بعام (٤٠٠٤ق. م)، وتاريخ قصة الطوفان بعيدا الاحتمال، ولكن لم تكن هناك حاجة إلى أن ينتظر الناس نمو المعرفة الجيولوجية، خذ مبدأ التثليث في المسيحية مثلاً: إن الرياضة كانت ضد هذا المبدأ فإن أي نظام رياضي محترم لا يسمح بأن يكون الثلاثة ثلاثة وواحداً في آن واحد، أما عن المعجزات فلماذا توقفت؟ إذا أمكن إحياء الميت في القرن الأول فلماذا لا يحيا في القرن الثامن عشر؟ (١)
وربما كان أعدى أعداء الكنيسة آنذاك هو فولتير، ولنقتطف نماذج من نقده للدين ورجاله من كتابه (القاموس الفلسفي):
(أول ما انتقد فولتير العقيدة المسيحية في التثليث وتجسيم الإله والصور المقدسة، وأنحى باللائمة على بولس الذي طمس المسيحية وحرفها، ولذلك كان الإيمان بالمسيحية في نظره هو " الاعتقاد بأشياء مستحيلة أو بأشياء تستعصي على الفهم، فالحية تتكلم، والحمار يتحدث، وحوائط أريحا تتساقط بعد سماعها صوت الأبواق، أن الإيمان على هذا النحو هو على ما يقول إرازم هو الجنون ".
"أما الخطيئة الأولى فيرفضها فولتير ويعتبرها إهانة لله واتهاماً له بالبربرية والتناقض، وذلك للتجرؤ على القول بأنه خلق الأجيال
стр. 155
البشرية وعذبها لأن أباهم الأول قد أكل فاكهة من حديقته" (١).
وينقد فولتير الطقوس السبعة نقداً مريراً، ويسخر من الكتاب المقدس سخرية لاذعة، تتجلى في قوله تعليقاً على معلومات التوراة الجغرافية:
(من الواضح أن الله لم يكن قوياً في الجغرافيا) (٢)، وقوله: إن صيام المسيحية دواء للفقراء لا يتعاطاه الأغنياء "ويرى" أن الطقوس والشعائر والعبادات والاحتفالات الدينية جرائم محلية يعاقب عليها كل من يزاولها لأنها ضارة بالمجتمع خاصة إذا تمت في صورة أضاحٍ وقرابين " أما آراؤه السياسية فقد عبر عنها بقوله:
"إن التوحيد بين الدين والدولة لهو أبشع نظام، لذلك يجب إلغاؤه وإقامة نظام آخر يخضع فيه رجال الدين لنظم الدولة، ويخضع فيها الراهب للقاضي" وقوله:
"إنه لا يمكن طاعة البشر باسم طاعة الله، لابد من طاعة البشر باسم قوانين الدولة" ولقد جزعت الكنيسة من هذه الانتقادات والآراء جزعا شديداً، ولعنت فولتير وأشياعه وكفرتهم، وحرمت قراءة كتبهم وتعرض فولتير للمضايقة والاضطهاد من قبل رجال اللاهوت، حتى إنه قال مخاطباً إنسان ذلك العصر: " أنت طائر في قفص محاكم التفتيش، لقد قصت محاكم التفتيش جناحيك " (٣).
وفي إنجلترا طور جيبون النقد التاريخي للمسيحية في كتابه " سقوط الامبراطورية الرومانية واضمحلالها" " أما هيوم فقد ابتدع
стр. 156
مذهب الشك المطلق، الذي كان ثورة نفسية على الإيمان المطلق طوال القرون الماضية.
وجدير بالذكر أن شيوع المذهب العقلي الطبيعي في عصر التنوير قد نتج عنه بالاعتماد على نظرية نيوتن مذهبان جديدان على العالم المسيحي ينمان عن التخبط والضياع:
الأول: مذهب المؤلهة الربوبيين " دايزم " Deism" أو المؤمنين بإله مع إنكار الوحي، وهذا المذهب يمثل فكرة انتقالية لأن الوثبة من إله مسيحي إلى عدم وجود إله كانت مستحيلة كما يقول برنتن.
"هذا المذهب هو أقرب انعكاس ممكن واضح لعالم نيوتن، الذي يخضع للنظام ويدور وفقاً للقانون، والإله في هذا المذهب هو الشخص المسئول عن التدبير والبناء وتحريك هذا العالم الآلي".
وكان من زعماء هذا المذهب " فولتير وبوب "ومعهم عدد آخر ممن كانوا يرون ضرورة الإيمان بالله - ولو أمام الجمهور - أما الوحي فأنكروه لأن إثباته يعني صحة تعاليم عدوهم الكنيسة، وليس معنى ذلك أن إيمانهم بالله يمكن أن يسمى ايماناً على الحقيقة، فإن كل عمل هذا الإله في نظرهم هو أنه خلق الكون ثم تركه يدور وفق القوانين المودعة فيه والتي أوضحها نيوتن، فهو يشبه صانع الساعة الذي يديرها ثم يدعها تتحرك من تلقاء نفسها. أما الإنسان فقد منحه العقل وتركه وشأنه، فهو وإن كان جزءاً من آلة الكون العظمى، إلا أنه عليه أن يستغل مواهبه ويستخدم عقله بما يتمشى مع قانون الطبيعة ".
ومن الواضح (في نظر أصحاب هذا المذهب) أنه ليست هناك فائدة من الصلاة للإله الذي يشبه صانع الساعة، والذي لا يستطيع -حتى إن أراد- أن يتدخل فيما صنعت يداه.
"ومن الواضح كذلك أن هذا الإله لم يظهر لموسى في صحراء
стр. 157
سيناء، ولم يرسل ابنه الأوحد إلى الأرض ليخلص الناس المذنبين، بل لا يمكن أن يكون له ابن" (١).
- الثاني: المذهب الإلحادي المادي: إن تهافت مذهب المؤلهة وتفاهته، هي التي أوحت إلى بعض معاصريهم بإنكار هذا الإله البعيد البارد، الذي لا أثر له ولا ضرورة لاختراعه، كما تقول حكمة فولتير "إذا كان الله غير موجود فلا بد من اختراعه"! فالطبيعة تغني عنه، والاعتراف بوجوده هو نوع من الإقرار بصحة دعاوى الكنيسة، فالأولى أن نستبعد وجوده نهائيا إرغاماً لأنف الكنيسة على الأقل.
وتطرف منهم طائفة "رأوا أن الله شر إيجابي، وبخاصة إذا كان إله الكنيسة الكاثوليكية الرومانية".
يقول " كرسون": ذهب بعضهم في الإنكار إلى أبعد حد، حتى أنهم يدعوننا حتى إلى حذف اسم الله نفسه وفي هذا يقول " دولباخ":
إن عقيدة الله المأثورة نسيج من المتناقضات، إن فكرة الله هو الضلالة المشتركة للنوع الإنساني" (٢).
تلك هي الخطوط العامة في القرن الثامن عشر للصراع بين الكنيسة والدين، على أنه ينبغي أن ننبه إلى أن هذا الصراع كان مقتصراً على الفلاسفة والطبقات المثقفة، ولم يتجاوز ذلك إلى القاعدة الشعبية ويصبح قضية جماهيرية، إلا بعد الثورة الفرنسية التي قامت في أواخر هذا القرن سنة (١٧٨٩م) وبقيامها رُسم معلم واضح من معالم التاريخ الأوروبي، وافتُتح عصر جديد من الصراع بين الدين واللادين يستحق أن يفرد له فصل مستقل.
стр. 158
- الفصل الثالث: الثورة الفرنسية:
إن النظام الاجتماعي الذي هيمن على الحياة الأوروبية طيلة القرون الوسطى هو نظام "الإقطاع"، وربما كان أبشع وأظلم النظم الاجتماعية في التاريخ.
ولا شك أن الظلم دائماً سمة من سمات الحكم الجاهلي لأي مجتمع في كل زمان ومكان، ولكن صورته في المجتمع الأوروبي الإقطاعي كانت أتم وأظهر، (١) ففي الفترة التي كان فيها الشرق المسلم ينعم بالحياة في ظل أفضل وأعدل مجتمع عرفه التاريخ. كان الغرب المسيحي يرزح تحت نير هذا النظام البغيض.
والفطرة البشرية -كما خلقها الله - تأبى الظلم وتنفر منه، مهما طال خضوعها له، ولذلك فإنها تنتهز أدنى فرصة سانحة للثورة عليه وتقويض دعائمه.
وترتبط أولى محاولات الإنسان الأوروبي الانفلات من المظالم الإقطاعية بالاحتكاك المباشر بالمسلمين عن طريق الفتوحات الإسلامية في أوروبا، وبلغ ذلك ذروته إبان الحروب الصليبية.
وليس غريباً أن يكون أرقاء فرنسا هم رواد الثورة على
стр. 159
الإقطاعيين؛ فإن موقعها الجغرافي المحاذي للجزء المسلم من أوروبا" الأندلس، ثم حملاتها الصليبية الكثيفة مضافاً إليهما بعدها النسبي عن مركز البابوية في روما، كل هذه جعلتها أقرب إلى روح التحرر والانطلاق.
وهكذا قامت في فرنسا أول ثورة فلاحية "الجاكريه" في القرن الرابع عشر للميلاد، وهي وإن أخفقت، كالشأن في المحاولات الأولى، فقد هيأت الأذهان لإمكان القيام بعمل ناجح مستقبلاً، وأثرت في ظهور انتفاضات مماثلة في أنحاء القارة.
وكان من العوائق الكبرى التي خيبت جهود الثائرين أن الكنيسة " أكبر الملاك الإقطاعيين " وقفت ضدهم وأجهضت محاولاتهم.
فالكنيسة لم تكتف بصد الناس عن نور الإسلام، بل ناقضت تعاليم الإنجيل الداعية إلى المحبة والتسامح، ونافست الأمراء الإقطاعيين في إذلال الشعوب وقهرها.
ويأتي التبرير المسيحي لنظام الاسترقاق الإقطاعي على يد القديس توما الأكويني، الذي فسره بأنه "نتيجة لخطيئة آدم " (١) وكأن رجال الكنيسة والبارونات ليسوا من بني آدم. وهناك حقيقة ينبغي ألا تغيب عن أذهاننا فيما يتعلق بالثورات الفلاحية، وهي أن هذه الثورات لم تكن تمرداً على الكنيسة لأنها كنيسة بل لأنها "مالك إقطاعي".
يقول ويلز: "كانت ثورة الشعب على الكنيسة دينية ... فلم يكن اعتراضهم على قوة الكنيسة بل على مساوئها ونواحي الضعف فيها، وكانت حركات تمردهم على الكنيسة حركات لا يقصد بها الفكاك من
стр. 160
الرقابة الدينية بل طلب رقابة دينية أتم وأوفى ... وقد اعترضوا على البابا لا لأنه الرأس الديني للعالم المسيحي، بل لأنه لم يكن كذلك -أي: لأنه كان أميراً ثرياً دنيوياً- بينما كان يجب أن يكون قائدهم الروحي" (١).
وحدث إلى جانب ذلك وبعده تحولات ظاهرة في الحياة الأوروبية:
فالملوك المركزيون استطاعوا أن يذوبوا البارونات في رعاياهم ويدمجوا إقطاعياتهم في الدولة، وإن كان قد بقي لهم امتيازات ومخصصات كثيرة، وتمت هذه العملية بفضل حصول الحكومات على البارود عن طريق الشرق، وهو سلاح لم تصمد له قلاع البارونات طويلاً.
وأدى هذا إلى مزيد من الاستغلال للأرقاء من قبل أسيادهم، كي يعوض الأسياد عن الضرائب التي فرضتها الحكومة المركزية على إقطاعياتهم، ولم يَدُر ببال الملوك أن يفكروا في شأن الأرقاء، بل كان كل همهم أن تأتي الضريبة كاملة من أي طريق.
والتحول الآخر يتمثل في ظهور الحركات التي تزعمها (لوثر، كالفن، هس) وأمثالهم، فقد حطمت هذه الحركات الوحدة الشكلية للعالم الغربي المسيحي، وأضعفت السلطة الكنسية المركزية بكثرة ما أحدثته من مذاهب وفرق لا حصر لها.
وهذا التحول -بالإضافة إلى سابقه- أدى إلى تخلخل المجتمع الأوروبي وتغيير بعض ملامحه الثابتة، فابتدأت المدن الأوروبية في النمو، وظهرت الطبقة الوسطى "البورجوازية " فظهر منافس قوي للإقطاعيين
стр. 161
يتمثل في طبقة تجار المدن البورجوازيين، الذين كانوا بمثابة الطلائع للرأسماليين الكبار (١).
وإلى جانب ذلك كانت اليقظة التي عرضناها في الفصل السابق، وكان ظهور الورق والمطابع العامل الفعال في نشرها وتوسيع ميدانها.
كل هذه التحولات آذنت بهبوب رياح التغيير على القارة وأنذرت بافتتاح عصر جديد مغاير للماضي في قيمه وتصوراته وأوضاعه، وكانت أحوال فرنسا الثقافية والاجتماعية تؤهلها لافتتاح ذلك العصر.
في السنوات السابقة للثورة بلغ الفساد السياسي والتدهور الاقتصادي في فرنسا غايته، حتى إن "كالون" وزير الخزانة الملكية اعترف بذلك سنة (١٧٨٧م) وأرادت الحكومة سد عجز الميزانية بإرهاق الشعب بضرائب جديدة فادحة، فازدادت أحوال الطبقات المسحوقة سواءً، وعصفت بالبلاد موجة من الجوع ونقص المؤن.
وفي الوقت الذي عيل فيه صبر الشعب وأنهكته المجاعة والبؤس، كان هناك طبقتان تترنحان في أعطاف النعيم وتنغمسان في مختلف الملاذ هما: طبقة رجال الدين، وطبقة الأشراف، بالإضافة إلى الأسرة المالكة التي كانت عبئاً ثقيلاً على الجميع.
وكان إنقاذ الشعب يتطلب منه أن يقوم بعمل يودي بالظلم ويزيح كابوسه عن المهضومين، ووقف الشعب بكل فئاته "الفلاحين، المهنيين، القساوسة الصغار" جبهة واحدة، وكانت الجبهة الأخرى ائتلافاً بين الطبقتين المحتكرتين "رجال الدين والأشراف".
стр. 162
وقضت سنة الله أن ينتصر الشعب على جلاديه، وأن تحصد "المقصلة" معظم الرءوس المترفة الطاغية.
وتمخضت الثورة عن نتائج بالغة الأهمية، فقد ولدت لأول مرة في تاريخ أوروبا المسيحية دولة جمهورية لا دينية، تقوم فلسفتها على الحكم باسم الشعب "وليس باسم الله"، وعلى حرية التدين بدلاً من الكثلكة، وعلى الحرية الشخصية بدلاً من التقيد بالأخلاق الدينية، وعلى دستور وضعي بدلاً من قرارات الكنيسة.
وقامت الثورة بأعمال غريبة على عصرها، فقد حلت الجمعيات الدينية، وسرحت الرهبان والراهبات وصادرت أموال الكنيسة، وألغت كل امتيازاتها، وحوربت العقائد الدينية هذه المرة علناً وبشدة، وأصبح رجل الدين موظفاً مدنياً لدى الحكومة (١).
هذه النتائج والتطورات تستحق أن يقف عندها الإنسان باحثاً عن أسبابها ودوافعها، وبالنظرة الفاحصة نجد أن عوامل متعددة قد تضافرت على تحقيقها، وأهمها ثلاثة:
أولاً: الفكر اللاديني الذي طبع عصر التنوير:
-كما يسمى- بطابعه الخاص، والذي كانت مدارسه رغم تباينها تسعى إلى غاية واحدة، هي تقويض الدين واجتثاث مبادئه من النفوس، وقد سلكت كل مدرسة منحى خاصاً لتحقيق ذلك وأشهرها:
١ - مدرسة ذات طابع علمي عام، وأبرز الأمثلة عليها الكتاب الموسوعيون الذين كتبوا دائرة المعارف بزعامة " ديدرو"، وكانوا كما يقول ويلز: " يناصبون الأديان عداوة عمياء ".
стр. 163
٢ - مدرسة ذات طابع اجتماعي وسياسي: ويرأس هذا الاتجاه "روسو" صاحب كتاب "العقد الاجتماعي" الذي أطلق عليه "إنجيل الثورة الفرنسية" و"مونتسكيو" صاحب "روح القوانين"، ومن كتابات هؤلاء استلهم زعماء الثورة مبادئهم واقتباساتهم.
والغرض من فكرة العقد الاجتماعي واضح للعيان؛ فهي تهدف إلى استبدال "المصلحة الاجتماعية " أو الرابطة النفعية للأفراد "بالأخلاق والنظم الدينية وتحل عبادة "المجتمع " ممثلاً في الوطن أو القوم محل عبادة الله، وذلك ما نادت به الثورة حرفياً.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الفكرة ليست من بنات أفكار روسو، فقد سبقه إليها الفلاسفة المثاليون في المدينة الفاضلة، ففي " جمهورية أفلاطون" و" اليوتوبيا" لتوماس مور، و" مدينة الشمس" لكامبانيللا، نماذج واضحة للحياة اللادينية، التي تقوم على أساس من التفاهم والوفاق المجرد بين الأفراد، وهو ماعبر عنه روسو بالعقد الاجتماعي، إلا أنه أضاف إلى هذا النموذج ما اقتبسه من "هوبز" و"ميكافيلي"، اللذين غلَّبا جانب الشر لدى الإنسان على الخير، لذلك كان روسو هداماً أكثر منه فيلسوفاً (١).
٣ - مدرسة ذات طابع فلسفي هدام: سبق الفلاسفة العقلانيون غيرهم في بحث علاقة الفرد بالدولة، والمناداة بمجتمع ينفصل فيه الدين عن الدولة، وكانت فكرتهم اللادينية أوسع مما تصوره ميكافيلي، لأن الدين نفسه عندهم يجب أن يلغى ليحل محله "الدين الطبيعي، أو القانون الطبيعي" وربما كان الفيلسوف اليهودي "سبينوزا" رائد الفكرة العلمانية باعتبارها منهجاً للحياة، فهو يقول في كتابه" رسالة في اللاهوت والسياسة":
стр. 164
"ومن الخطورة على الدين وعلى الدولة على السواء إعطاء من يقومون بشئون الدين الحق في إصدار القرارات أياً كانت، أو التدخل في شئون الدولة، وعلى العكس يكون الاستقرار أعظم إذا اقتصروا على الإجابة على الأسئلة المقدمة إليهم، والتزموا في أثناء ذلك بالتراث القديم الأكثر يقيناً والأوسع قبولاً بين الناس" (١).
واكتملت لدى فولتير فكرة الدين الطبيعي التي ورثها عن سبينوزا ولايبنتز، واشتق منها فكرة "القانون الطبيعي" حيث نجده يقول:
"إن دين أهل الفكر دين رائعٍ خالٍ من الخرافات والأساطير المنتاقضة، وخال من العقائد المهينة للعقل والطبيعة، لقد منع الدين الطبيعي آلاف المرات المواطنين من ارتكاب الجرائم، أما الدين المصطنع فإنه يشجع على جميع مظاهر القسوة ... كما يشجع على المؤامرات والفتن وعلى أعمال القرصنة وقطع الطريق .. ويسير كل فرد نحو الجريمة مسروراً تحت حماية قديسه ".
ويقول: "هناك قانون طبيعي مستقل عن الاتفاقات الإنسانية، يبدو لي أن معظم الناس قد أخذوا من الطبيعة حساً مشتركاً لسن القوانين " (٢).
وإذا كان روسو وفولتير لم يدركا الثورة الفرنسية، فإن الفيلسوف الألماني " كانت" (١٨٠٤م) عاصرها واشتهر بتأييدها، وهو الذي طور فكرة "العقد الاجتماعي" في كتابه "الدين في حدود العقل وحده " (٣).
كما أن كاتباً ثائراً معاصراً لها، هو "وليم جدوين"، نشر سنة ١٧٩٣ كتاب "العدالة السياسية" الذي كان دعوة علمانية صريحة (٤).
стр. 165
وهكذا بتأثير هذا الفكر اللاديني جسمت الثورة الفرنسية الفكرة الفلسفية القديمة بإقامة مجتمع يرفض القيم والأخلاق الدينية، ويجعل العلاقات النفعية المحضة هي الرباط المقدس الوحيد.
ثانياً: وقوف الكنيسة ضد مطالب الجماهير:
كان من الممكن ألا تعتنق الجماهير المسيحية أفكار الكتاب العلمانيين هؤلاء وتتخلى عن عقيدتها الراسخة، لولا الموقف الشائن الذي وقفته الكنيسة من مطالبهم المشروعة.
ربما كان للكنيسة عذر أو بعض عذر في شكوكها الحائمة حول القائمين على الثورة، لكن الأمر الآن قد أفلت من يدها، فإن هيجان الرعاع الهالكين جوعاً وظلماً لا يسمح لهم بالتروي والأناة في مثل هذه المواقف الصاخبة، وأصبح لزاماً عليها أن تسدد ديون قرون طويلة من الاستغلال البشع والطغيان الجائر.
إن ذهن الفلاح الساذج قد لا يستطيع أن يستوعب شيئاً من أفكار روسو وانتقادات فولتير، لكنه يستطيع بسهولة أن يرى مخازي الكرادلة والقساوسة وفضائحهم وثراءهم الباذخ، لقد رأى بأم عينيه ما عبر عنه توماس جفرسن بقوله:
"إن القسيس في كل بلد وفي كل عصر من أعداء الحرية، وهو دائماً حليف الحاكم المستبد يعينه على سيئاته في نظير حمايته لسيئاته هو الآخر" (١) وكان ذلك مدعاة لأن تصب الجماهير جام غضبها على الكنيسة، وتصرخ خلف " ميرابو": (اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس).
стр. 166
ثالثاً: القوى الشيطانية الخفية (١):
كان من الممكن -كذلك - أن تثأر الجماهير من الكنيسة فتصادر أملاكها وتقضي على نفوذها، وتظل مع ذلك مؤمنة بدينها وفيهً لتاريخها متمسكة بتقاليدها العريقة، لولا أنه وجد عامل آخر قلب أهداف الثورة وحول خط سيرها.
عندما اندفعت الجموع الغوغائية لهدم الباستيل -رمز العبودية والاستبداد- لم تكن ترفع سوى شعار واحد هو "الخبز" والخبز وحده.
غير أنها لم تبدأ في قطف أولى نتائج ثورتها حتى وجدت نفسها تهتف بشعار، الحرية، المساواة، الإخاء، وهو شعار لقنت إياه تلقيناً، وبرز أيضاً شعار آخر لم يكن الرعاع ليصنعوه، هو "لتسقط الرجعية" وهي كلمة ملتوية تعني الدين.
وعندما كانت المقصلة دائبة العمل كان الضحايا يقدمون على مذبحها بحجة واحدة هي أنهم من أعداء "الشعب" مع أنه كان بينهم من يعرف الشعب براءته، ودهش الشعب حين كان يرى من يقرأ بيان القتل اليوم باسم الشعب يقدم هو نفسه غاص إلى المقصلة باسم الشعب أيضاً. إذن ما وراء هذه التطورات المفاجئة والتدبيرات الغريبة؟
يدعي اليهود في تبجح وغرور أنهم صناع الثورة الفرنسية ومدبروها، فتقول البروتوكولات: "تذكروا الثورة الفرنسية التي نسميها "الكبرى" إن أسرار تنظيمها التمهيدي معروفة لنا جيداً لأنها من صنع أيدينا وتقول:
(كذلك كنا قديماً أول من صاح في الناس "الحرية والمساواة
стр. 167
والإخاء" كلمات ما انفكت ترددها منذ ذلك الحين ببغاوات جاهلة، متجمهرة من كل مكان حول هذه الشعائر) (١)
وصدق ذلك بعض الكتاب من أمثال وليم كار، في "أحجار على رقعة الشطرنج" وسيبريدوفيتش في "حكومة العالم الخفية" (٢).
والواقع أنها دعوى مسرفة يعلم مقدار المبالغة فيها من له بصيرة بحركة سير التاريخ وسنة الله فيه.
كان اليهود يعانون من المسيحيين أشد احتقار وازدراء، وكانوا بحكم الذلة التي ضربها الله عليهم، أمة مرذولة مستهجنة أينما حلت وسارت، منطوية على نفسها في مجتمع منعزل " الجيتو "، ولم ينعموا بالحياة الكريمة إلا في ظل الحكم الإسلامي.
والمفارقة العجيبة أن هذ الشعب الحقير الممتهن يملك تراثاً عريقاً ينفث في نفسه الكبرياء الكاذبة، والأثرة البغيضة ويعده الوعود الخيالية، فالتلمود كتابهم الخطير يقول: "تتميز أرواح اليهود عن باقي الأرواح بأنها جزء من الله، كما أن الابن جزء من والده "فهم شعب الله المختار، أما غيرهم فيقول عنه التلمود" الخارج عن دين اليهود حيوان فسمه كلباً أو حماراً أو خنزيراً، والنطفة التي هو منها هي نطفة حيوان" (٣).
وهكذا نجد اليهود يرون أنهم شعب الله المختار ولهم وحدهم خلقت خيرات الكون وكنوزه، وأن الله أوجب عليهم إبادة كل الأميين (غير اليهود) لأنهم كفار ووثنيون، والقضاء عليهم لا يتم إلا بالقضاء على أديانهم وتدمير أخلاقهم.
стр. 168
إلى جانب ذلك كانت العداوة التي أغرى الله بين اليهود والنصارى، وهي عداوة تقليدية لا تنفك بحال، وكان اليهود في ظل فرنسا الكاثوليكية أقلية محتقرة لا تحسب في عداد المواطنين وليس لها "حق المواطنة"، وكان اليهود موقنين من أن تحقيق أحلام التلمود بكسر أطواق الذل المضروبة عليهم والخروج من "الجيتو" للسيطرة على الأميين لن يتم ما دام في الكنيسة عرق ينبض، فكانوا يتحينون الفرصة للإجهاز عليها ويتلهفون شوقاً إلى اليوم الذي يثأرون فيه منها ومن دينها وأخلاقها، ويسيطرون على أتباعها.
فلما نزلت الضائقة الاقتصادية، واندلعت الثورة على الكنيسة، وجدها اليهود فرصة ذهبية لا ينبغي أن تفوت، وهي فرصة ساقتها المقادير إليهم، وما صنعوها كما يزعمون إلا أنهم أجادوا استغلالها.
وحين يقول فيشر "إن أرباب الأموال مولوا الغوغاء الذين قاموا بالثورة نستطيع أن نعرف أن أرباب الأموال هؤلاء ليسوا سوى المرابين اليهود؛ لأن من عداهم كانوا هدفاً للثورة".
واستطاع اليهود أن يتغلغلوا في منظمات الثورة المختلفة، كالجمعية التأسيسية، ونادي اليعاقبة وبلدية باريس، وأن ينفثوا تلك الشعارات التي رددتها الجماهير ببلاهة -لا سيما- شعار الثورة البارز "الحرية والإخاء والمساواة" هذا الشعار الذي قامت عليه الثورة وحققته، كان له عند اليهود تفسير آخر:
فهم يقصدون بالحرية تحطيم القيود الأخلاقية والتقاليد الموروثة، التي تحول بينهم وبين إفساد الأمم وتدميرها، ويقصدون بالإخاء والمساواة كسر الحواجز النفسية والاجتماعية التي تحول بينهم وبين الانسلال إلى أجهزة الدولة وتنظيماتها، وإذابة الفوارق الدينية بينهم وبين غيرهم كي تزول عنهم وصمة الاحتقار والمهانة.
стр. 169
وهكذا نجحوا في تحويل الثورة من ثورة على مظالم رجال الدين إلى ثورة على الدين نفسه، وجعلوا لفظة الدين عند الشعوب الأوروبية مرادفة للظلم والرجعية والتخلف والاستبداد.
وأياً ما كان الأمر؛ فإن الثورة الفرنسية كانت فاتحة عصر جديد في التاريخ الأوروبي، إذ توالت الثورات كالبراكين في أنحاء القارة وعرفت أوروبا - ربما لأول مرة - شيئاً اسمه حقوق الإنسان، ولا تزال تنسبه لهذه الثورة إلى اليوم، وكان نجاح أي ثورة يعني انهيار النظام الإقطاعي وانهيار نفوذ الكنيسة، ولذا فإن من الطبيعي لتغير عميق كهذا أن يصحبه فراغ هائل في المعتقدات والقيم، فإذا علمنا أن هناك من يستغل هذا الفراغ لتحطيم إنسانية الإنسان وتدمير قيمه، أدركنا المغزى الحقيقي للحرية التي نادت بها تلك الثورات.
إن كل الشعارات البراقة التي رفعت لتحل محل الإيمان الديني لم تفِ بهذا الغرض، كما فشلت جميع الدساتير والنظم في جلب الاستقرار للقارة، ولذلك شهدت أوروبا في الفترات التالية ما لا يحصى من الاتجاهات الفكرية والاجتماعية الحائرة، كما شهدت حروباً طاحنة مدمرة جعلت خريطة أوروبا عرضة للتغير المستمر، وحلت الفاجعة الكبرى بالدين والأخلاق والتقاليد التي أصبحت ينظر إليها وكأنها قطعة متحجرة من الماضي البغيض.
стр. 170
- الفصل الرابع: نظرية التطور:
قبل أن تبصر نظرية (داروين) النور كان الإيمان المسيحي والأخلاق المسيحية قد تعرضا لضربات قاسية وهزات عنيفة:
تهافت النظرية المسيحية عن الكون، انتقادات سبينوزا وفولتير الشديدة، الثورة الفرنسية وما أصاب الكنيسة على يديها من نكبات، النظرية الآلية (الميكانيكية) المنبثقة عن نظرية نيوتن، الدين الطبيعي الذي نادى به الفلاسفة العقليون، نظرية التطور الفكري كما تخيلها كومت، النجاح الذي صادفه المذهب اللاأدري ومذهب الربوبيين، الجمعيات السرية الهدامة وأفكارها الموبوءة ... وأحداث فكرية واجتماعية لا يظهر أحدها إلا وينهش من جسد الكنيسة نهشة أو يطوح من بنيانها بلبنة أو لبنات.
لكن ذلك كله لم يكن ليسمح لأي مفترض أو متكهن بأن يتنبأ بانهيار كامل للمسيحية قبل قرون عدة، على الأقل، فقد بقيت رغم الطعنات النافذة كياناً قائماً تدعمه عواطف الكثرة الكاثرة من الناس، وتسانده موروثات عميقة الجذور من القيم والمثل والتقاليد.
نعم، لقد تغيرت نظرة الناس إلى المسيحية، لكنها -إلى ذلك الوقت- لم تتغير بالنسبة للتصور الديني في حد ذاته، فقد بقي هذا
стр. 171
التصور سائغاً، بل متأصلاً، بدليل الجهد الذي بذله الفلاسفة لاصطناع دين طبيعي أو دين إنساني كما يدعون.
وتغيرت كذلك نظرية الإنسان إلى الكون وحجمه فيه، لكن نظرته لم تتغير أبداً بالنسبة لإنسانيته وتفرده بوصفه كائناً روحياً متفوقاً على كل الموجودات، إن لم يكن بجسمه فبعقله وروحه.
وتغيرت نظرة الناس إلى حركة التاريخ وخط سير الحياة، ولكن لم يكن في وسع أحد أن يعتقد - أو أن يجاهر - بأنه لا توجد قيم ثابتة ولا أخلاق ثابتة ولا تقاليد ثابتة.
ولقد صدق الناس الكثير مما قاله أعداء الدين، كفولتير وهيوم ودولباخ، ولكنهم إلى الآن يعدون مثل هؤلاء الناس ملاحدة ومجدفين.
وفي سنة (١٨٥٩م) نشر الباحث الإنجليزي (تشارلز داروين) كتابه (أصل الأنواع) (١) فأحدث ضجة لم يحدثها أي مؤلف آخر في التاريخ الأوروبي قاطبة، وكان له من الآثار في المجالات الفكرية والعملية ما لم يكن في الحسبان.
والغرض الذي يدور حوله الكتاب هو افتراض تطور الحياة في الكائنات العضوية من السهولة وعدم التعقيد، إلى الدقة والتعقيد وتدرجها من الأحط إلى الأرقى، وأن الفروق الخلقية داخل النوع الواحد تنتج أنواعاً جديدة مع مرور الأحقاب الطويلة، ولذلك يفترض داروين أن أصل الكائنات العضوية ذات الملايين من الخلايا كائن حقير ذو خلية واحدة.
وحسب قانون (الانتقاء الطبيعي وبقاء الأنسب) نمت الأنواع التي استطاعت التكيف مع البيئة الطبيعية ومصارعة الكوارث المفاجئة،
стр. 172
وتدرجت في سلم الرقي في حين هلكت الأنواع التي لم يحالفها الحظ في ذلك.
وعلة ذلك أن الطبيعة -حسب تعبير داروين- وهبت بعض الكائنات عوامل البقاء ومؤهلات حفظ النوع بإضافة أعضاء أو صفات جديدة تستطيع بواسطتها أن تتواءم مع الظروف الطارئة، وقد أدَّى ذلك إلى تحسن نوعي مستمر نتج عنه أنواع جديدة راقية كالقردة ونوع أرقى وهو الإنسان، أما البعض الآخر؛ فقد حرمته الطبيعة من ذلك فتعثر وسقط، والطبيعة إذ تهب هذا وتحرم ذاك لا تنتهج خطة مرسومة، بل تخبط خبط عشواء -على حد قوله- كما أن خط التطور ذاته متعرج ومضطرب، لا يسير على قاعدة منطقية مطردة.
ذلك بايجاز شديد هو لب النظرية التي طلع بها داروين في ذلك الكتاب، وهي في جوهرها فرضية بيولوجية أبعد شيء عن أن تكون نظرية فلسفية عامة، كما أنها بعيدة عن أن تكون حقيقة علمية ثابتة.
ولقد قال عنها اثنان من أساطين علم الأحياء في القرن الماضي، وهما: أوين في إنجلترا، وأغاسيز في أمريكا:
(إن الأفكار الداروينية مجرد خرافة علمية وأنها سوف تنسى بسرعة) (١).
ولن نبحث الآن في السبب الذي لأجله خاب ما توقعه هذان العالمان، لكننا نستدل على حقيقة ما كان متوقعاً لها إبان ظهورها من قبل أصحاب الفن المعترف بهم.
والواقع أن الجديد الذي جاء به داروين ليس فكرة التطور ذاتها، ولكنه القانون الذي تسير عليه عملية التطور، بغض النظر عن قيمته العلمية.
стр. 173
فقد عرفت الفكرة سلفاً من قبل علماء اكتشفوا من استقرائهم للسجل الجيولوجي للحياة، أن الحياة لم توجد على الأرض دفعة واحدة -كما يتوهم الناس- بل وجدت تدريجياً في ترتيب تاريخي، ولاحظوا أن الأنواع المتأخرة في الظهور أكثر رقياً من الأنواع المتقدمة، ومن هؤلاء (راي، وباركنسون، ولينو).
أما السبب في إهمال النتائج التي توصلوا إليها فهو -على ما يبدو- التفسير الذي قدموه للتطور، فقد قال هؤلاء: (إن التطور خطة مرسومة فيها رحمة للعالمين) (١) ولذلك وصفت نظريتهم بأنها (لاهوتية) وكان ذلك كافياً لإضفاء النسيان عليها حتى داخل معامل الأحياء.
ذلك أن الصراع بين العلم والدين آنذاك، كان في حالة من الهيجان لا تسمح بانتشار نظرية تشم منها رائحة إله الكنيسة السفاح الحقود!!
وكان العلم النيوتوني قد ألقى في روع أعداء الكنيسة إمكان تفسير الظواهر الطبيعية (ميكانيكياً) أي دون الحاجة إلى مدبر، ولذلك فلم تكن ظروف الصراع تستدعي إلا إيجاد فكرة عن الحياة، تقوم على قانون ميكانيكي كقانون نيوتن في الفلك.
وفعلاً حاول الكثيرون الحصول على شرف اكتشاف هذا القانون، فبذل كل من: بوفون ولامارك وكوفييه وبترس كمبر جهوداً مضنية في هذا الشأن، أما داروين فقد استطاع العثور على ذلك القانون المزعوم من طريق بعيد عن مجال الحياة والأحياء، إذ استوحاه من علم آخر هو (علم دراسة السكان)، ومن نظرية مالتوس بالذات (٢).
стр. 174
استنتج داروين من إفناء الطبيعة للضعفاء لمصلحة بقاء الأقوياء، كما توهم مالتوس، قانونه في التطور المسمى (الانتقاء (أو الانتخاب) الطبيعي وبقاء الأنسب) بواسطته والاستعانة بأبحاث (ليل) الجيولوجية تمكن من صياغة نظرية ميكانيكية للتطور، فعثر أعداء الدين على ضالتهم المنشودة.
وقبل أن نبحث عن الآثار التي خلفتها النظرية في مختلف الحقول والميادين، يحسن بنا أن نقف لنرى مكانها من العلم والحقائق العلمية:
وأول ما ينبغي مراعاته بهذا الشأن هو التفرقة بين جوهر النظرية نفسها وبين الايحاءات الفلسفية والتفسيرات المنبثقة عنها والتطبيقات التعسفية لها، وهى أمور ربما لم تخطر لداروين على بال، كما أنها ليست نظريات علمية، إذ كان الوضع الطبيعي للنظرية حتى في حالة ثبوتها كحقيقة علمية أن تظل محصورة داخل المعمل متجردة عن ذلك كله.
وأول من نقد هذه النظرية علمياً هم العلماء المعاصرون لداروين، وقد مرَّ قول أغاسيز، وأوين قريباً، وانتقدها كذلك العالم الفلكي الشهير (هرشل) ومعظم أساتذة الجامعات في القرن الماضي.
ولنضرب عن هؤلاء صفحاً فربما قيل أنهم هاجموها لأسباب دينية أو عاطفية، ولننظر إلى ما نال هذه النظرية على يد أكثر الداروينيين حماسة وتعصباً.
لقد اضطر أصحاب (الداروينية الحديثة) إلى إجراء سلسلة من التعديلات على النظرية تستحق أن توصف -علمياً- بأنها نظريات جديدة.
فأرغموا على الاعتراف بأن قانون (الانتقاء الطبيعي) قاصر عن تفسير عملية التطور، فأضافوا إليه واستبدلوا به -في الواقع- قانوناً
стр. 175
جديداً أسموه (قانون التحولات المفاجئة) أو (الطفرات) (١) وهو قانون لا سند له إلا المصادفة البحتة.
ثم أرغموا على القول بأنه ليس هنالك أصل واحد نشأت عنه الحياة كلها كما تخيل داروين، بل إن هناك أصولاً عدة تفرع عن كل منها أنواع مستقلة.
ثم أرغموه -كذلك- على الاعتراف بتفرد الإنسان (بيولوجياً) رغم التشابه الظاهري وهو المنزلق الذي سقط منه داروين ومعاصروه.
يقول جوليان هكسلي، بعد أن سرد الكثير من خصائص الإنسان الفذة: (هكذا يضع علم الأحياء الإنسان في مركز مماثل لما أنعم عليه كسيد المخلوقات كما تقول الأديان) (٢) ومن الداروينيين المتعصبين - أرثر كيث- الذي اضطر إلى كتابة النظرية من جديد (٣) رغم اعترافه بأنها ما زالت حتى الآن بدون براهين كما سيأتي.
ومن أشهر التطوريين المحدثين ليكونت دي نوي، وهو في الحقيقة صاحب نظرية تطورية مستقلة، ومع ذلك فهو يقول:
(أما تطور الكائنات الحية بجملتها فإنه يناقض علم المادة الجامدة تناقضاً تاماً، وهو يتنافي مع المبدأ الثاني من مبادئ علم القوة الحرارية، وهو حجر الزاوية في علمنا المرتكز على قوانين المصادفة، فلا سبب التطور ولا حقيقته يدخلان في نطاق علمنا الحاضر، وليس من عالم يستطيع إنكار ذلك (٤).
стр. 176
ذلك هو موقف أنصار النظرية فماذا قال العلماء المحايدون في هذا القرن؟
يقول كريسى موريسون: (إن القائلين بنظرية التطور لم يكونوا يعلمون شيئاً عن وحدات الوارثة) (الجينات) وقد وقفوا في مكانهم حيث يبدأ التطور حقاً -أعني: عند الخلية- (١).
أما أنتوني ستاندن في كتابه العلم بقرة مقدسة، فيناقش مشكلة الحلقة المفقودة، وهى ثغرة من ثغرات كثيرة عجز الداروينيون عن سدها بقوله:-
(إنه لأقرب من الحقيقة أن نقول: إن جزءاً كبيراً من السلسلة مفقود وليس حلقة واحدة، بل إننا لنشك في وجود السلسلة ذاتها) (٢).
ويقول (ستيوارت تشيس): (أيد علماء الأحياء جزئياً قصة آدم وحواء كما ترويها الأديان، وإذا كانت تواريخ سفر التكوين في التوراة خاطئة وحوى كثيراً من الحذف والتهذيب والبيان الشاعري، فإن الفكرة صحيحة في مجملها) (٣).
وليت شعري ماذا سيقول هذا الرجل لو قرأ القصة كما وردت في القرآن؟! وتقول مجلة العلوم المصورة:
(إن العلم يؤيد قصة آدم وحواء إلى حد ما، إننا نعترف بحقيقة فكرة الأسرة البشرية ذات الأصل الواحد) (٤).
ويقول أوستن كلارك: (لا توجد علامة واحدة تحمل على الاعتقاد بأن أياً من المراتب الحيوانية الكبرى ينحدر من غيره، إن كل
стр. 177
مرحلة لها وجودها المتميز الناتج عن عملية خلق خاصة متميزة، لقد ظهر الإنسان على الأرض فجأة وفي نفس الشكل الذي نراه عليه الآن (١).
هذا من الوجهة العلمية، فما الحكم على النظرية من الوجهة المنطقية المجردة؟
إن نظرية التطور تقوم على أصلين كل منهما مستقل عن الآخر:
١ - إن المخلوقات الحية وجدت على الأرض في مراحل تاريخية متدرجة ولم توجد دفعة واحدة.
٢ - إن هذه المخلوقات متسلسلة وراثياً نتج بعضها من بعض بطريق التعاقب خلال عملية التطور البطيئة الطويلة.
والذي عملته الداروينية: أنها دمجت بين الأصليين، وجمعت شواهد ودلائل الأصل الأول لتؤيد بها الثاني. وهذا اللبس غير العلمي هو الذي أغرى بعض العلماء بقبول النظرية وأضفى عليها المسحة (العلمية)، مع أن هذه المسحة يصح أن تضفى على الأصل الأول، ولكن إضفاءها على الثاني خطأ محض، إذ من المعلوم بديهياً أن الترتيب التاريخي للوجود لا يستلزم التسلسل الوراثي، بل إن العقل ليؤكد ما هو أبعد من ذلك، وهو أن الترتيب المنطقي لا يستلزم الترتيب التاريخي، فالترتيب المنطقي للكائنات الحية هو -تصاعدياً- النبات ثم الحيوان ثم الإنسان، وليس في هذا الترتيب ما يدل على أن الوجود التاريخي لهذه الأجناس وقع بهذا الترتيب، بل نحتاج في إثبات ذلك إلى دليل خارجي، وذلك يشبه تماماً الترتيب المنطقي للأعداد: (١، ٢، ٣، ٤) وبديهي أنها ليس لها ترتيب تاريخي ولا يوجد بينها علاقة وراثية.
стр. 178
ولن نفيض في مناقشة النظرية أكثر من هذا، لكن ألا يحق لنا الآن أن نسأل: إذا كان هذا هو حكم العلم والعقل على النظرية، وإذا كانت تتعرض للطعون والاعتراضات من كل جهة؛ فلم يتشبث بها بعض علماء الغرب -بغض النظر عن غيرهم- ويصرون عليها إصراراً أعمى؟
والجواب على ذلك أقرب ما يكون إلينا: أنه الفصام النكد والعداوة الشرسة التي قامت بين العلم والدين في ظروف غير طبيعية، ولقد كفانا السير آرثر كيث مئونة الجواب بقوله:-
(إن نظرية النشوء ما زالت حتى الآن بدون براهين -وستظل كذلك- والسبب الوحيد في أننا نؤمن بها، هو أن البديل الوحيد الممكن لها هو الإيمان بالخلق المباشر وهذا غير وارد على الإطلاق) (١).
وإضافة إلى ذلك يقول واطسن: (إن علماء الحيوان يؤمنون بالنشوء لا كنتيجة للملاحظة أو الاختبار أو الاستدلال المنطقي، ولكن لأن فكرة الخلق المباشر بعيدة عن التصور) (٢).
ويقول د. هسكوت: (إن نظرية النشوء جاءت لتبقى، ولا يمكن أن نتخلى عنها حتى لو أصبحت عملاً من أعمال الاعتقاد) (٣).
موقف واضح صريح، أدنى ما يوصف به هو ما قاله ليكونت دي نوى حين اعترض عليه بعض المتعالمين بسبب استعماله كلمة (الله) في أحد كتبه قال: "إن عدم التسامح المنتشر في القرون الوسطى لم يمت مع أنه
стр. 179
انتقل إلى المعسكر الثاني" (١)، وهذا حق؛ فإن الموقف غير العلمي الذي يتخذه هؤلاء المسمون (علماء) هو بعينه موقف الكنيسة في عقيدتها القائلة بأن الله خلق آدم خلقاً مستقلاً سنة (٤٠٠٤ق. م) وإذا كان هناك من فرق فهو أن الكنيسة لم تدعِ أنها (علمية) كما يفعل هؤلاء المتعصبون، وإن في هذه الاعترافات الصارخة لعبرة بالغة للببغاوات في الشرق لو كانوا يعتبرون!!
آثار الداروينية:
أولاً: انهيار العقيدة الدينية:
وجد الإلحاد في العالم الغربي المسيحي قبل داروين، فقد أباحت الثورة الفرنسية حرية الإلحاد تحت شعار (حرية الاعتقاد) وقدمت الميكانيكية النيوتونية للملاحدة خدمة كبيرة، لكن الإلحاد ظل حتى سنة (١٨٥٩م) قضية فلسفية محدودة النطاق، وظلت العقيدة المسيحية محتفظة بمركز قوي ليس في الطبقات الدنيا من الشعب فحسب، بل حتى في الجامعات الأكاديمية العلمية التي كانت في الغالب هيئات دينية أو خاضعة لنفوذ رجال الكنيسة.
وبعد سنة ١٨٥٩ أصيب العالم بنقص حقيقي في الإيمان -على حد تعبير ويلز- بسبب ما أشاعه أعداء الدين من تفسيرات باطلة لنظرية التطور، والاستغلال البشع الذي قام به المغرضون، والحماس المنقطع النظير الذي استقبلت به النظرية، أما موقف الكنيسة فقد كان مهزوزاً منذ البداية -لا سيما- وأن الزمن قد أثبت خطأ المواقف التي اتخذتها من النظريات الكونية السابقة، ولذلك خشي الكثير من
стр. 180
المتعاطفين معها أن يقعوا في الخطأ نفسه، ناهيك عن الأعداء الذين شهروا بالدين ورجاله أشنع تشهير.
ونشبت معركة من أعظم المعارك الفكرية في التاريخ، واشتط أصحاب النظرية في موقفهم، وتطرفوا إلى حد إنكار التصور الديني جملة وإعلان إلحادهم الصريح، كما تطرفت الكنيسة وأشياعها فأعلنت كفر وهرطقة كل من لم يكن في جانبها.
وانتهت المعركة إلى نتيجة مفزعة، فقد تزلزلت العقائد الدينية جملة، وانتشر الإلحاد وشاع بطريقة غريبة شاذة.
والواقع أن طبيعة الفلسفة المسيحية تجعلها أكثر الأديان تعرضاً للانهيار في حالة ثبوت النظرية، صحيح أن الأديان كلها تؤمن بعقيدة الخلق المستقل، لكن المسيحية تزيد على ذلك بأنها تجعل هذه العقيدة قطب الرحى للإيمان المسيحي برمته.
فالمسيحية البولسية تعتقد أن الله خلق آدم وحواء ونهاهما عن الأكل من شجرة معرفة الخير والشر، فأغرتهما الحية فأكلا من الشجرة، فارتكبا بذلك خطيئة لا تغتفر، وظل الجنس البشري يرسف في أغلال الخطيئة الموروثة، حتى رحم الله العالم فأرسل ابنه الوحيد -تعالى عن ذلك- الذي هو الأقنوم الثاني من الثالوث، فقتل على الصليب ليخلص البشرية من الخطيئة.
وهذه العقيدة هي محور التعاليم الكنسية، ولا يمكن بحال أن يعد المرء مؤمناً بالمسيحية ما لم يعتقدها، لذلك فبدهي أن تقض نظرية داروين مضاجع رجال الدين، والغيورين من المسيحيين الذين رأوا - محقين- أن التصديق بأن الإنسان خلق بالطريقة التي فسرها داروين معناه بوضوح أنه لم يكن هناك آدم ولا حواء ولا عدن ولا