ذلك هو موقف أنصار النظرية فماذا قال العلماء المحايدون في هذا القرن؟
يقول كريسى موريسون: (إن القائلين بنظرية التطور لم يكونوا يعلمون شيئاً عن وحدات الوارثة) (الجينات) وقد وقفوا في مكانهم حيث يبدأ التطور حقاً -أعني: عند الخلية- (١).
أما أنتوني ستاندن في كتابه العلم بقرة مقدسة، فيناقش مشكلة الحلقة المفقودة، وهى ثغرة من ثغرات كثيرة عجز الداروينيون عن سدها بقوله:-
(إنه لأقرب من الحقيقة أن نقول: إن جزءاً كبيراً من السلسلة مفقود وليس حلقة واحدة، بل إننا لنشك في وجود السلسلة ذاتها) (٢).
ويقول (ستيوارت تشيس): (أيد علماء الأحياء جزئياً قصة آدم وحواء كما ترويها الأديان، وإذا كانت تواريخ سفر التكوين في التوراة خاطئة وحوى كثيراً من الحذف والتهذيب والبيان الشاعري، فإن الفكرة صحيحة في مجملها) (٣).
وليت شعري ماذا سيقول هذا الرجل لو قرأ القصة كما وردت في القرآن؟! وتقول مجلة العلوم المصورة:
(إن العلم يؤيد قصة آدم وحواء إلى حد ما، إننا نعترف بحقيقة فكرة الأسرة البشرية ذات الأصل الواحد) (٤).
ويقول أوستن كلارك: (لا توجد علامة واحدة تحمل على الاعتقاد بأن أياً من المراتب الحيوانية الكبرى ينحدر من غيره، إن كل
стр. 177
مرحلة لها وجودها المتميز الناتج عن عملية خلق خاصة متميزة، لقد ظهر الإنسان على الأرض فجأة وفي نفس الشكل الذي نراه عليه الآن (١).
هذا من الوجهة العلمية، فما الحكم على النظرية من الوجهة المنطقية المجردة؟
إن نظرية التطور تقوم على أصلين كل منهما مستقل عن الآخر:
١ - إن المخلوقات الحية وجدت على الأرض في مراحل تاريخية متدرجة ولم توجد دفعة واحدة.
٢ - إن هذه المخلوقات متسلسلة وراثياً نتج بعضها من بعض بطريق التعاقب خلال عملية التطور البطيئة الطويلة.
والذي عملته الداروينية: أنها دمجت بين الأصليين، وجمعت شواهد ودلائل الأصل الأول لتؤيد بها الثاني. وهذا اللبس غير العلمي هو الذي أغرى بعض العلماء بقبول النظرية وأضفى عليها المسحة (العلمية)، مع أن هذه المسحة يصح أن تضفى على الأصل الأول، ولكن إضفاءها على الثاني خطأ محض، إذ من المعلوم بديهياً أن الترتيب التاريخي للوجود لا يستلزم التسلسل الوراثي، بل إن العقل ليؤكد ما هو أبعد من ذلك، وهو أن الترتيب المنطقي لا يستلزم الترتيب التاريخي، فالترتيب المنطقي للكائنات الحية هو -تصاعدياً- النبات ثم الحيوان ثم الإنسان، وليس في هذا الترتيب ما يدل على أن الوجود التاريخي لهذه الأجناس وقع بهذا الترتيب، بل نحتاج في إثبات ذلك إلى دليل خارجي، وذلك يشبه تماماً الترتيب المنطقي للأعداد: (١، ٢، ٣، ٤) وبديهي أنها ليس لها ترتيب تاريخي ولا يوجد بينها علاقة وراثية.
стр. 178
ولن نفيض في مناقشة النظرية أكثر من هذا، لكن ألا يحق لنا الآن أن نسأل: إذا كان هذا هو حكم العلم والعقل على النظرية، وإذا كانت تتعرض للطعون والاعتراضات من كل جهة؛ فلم يتشبث بها بعض علماء الغرب -بغض النظر عن غيرهم- ويصرون عليها إصراراً أعمى؟
والجواب على ذلك أقرب ما يكون إلينا: أنه الفصام النكد والعداوة الشرسة التي قامت بين العلم والدين في ظروف غير طبيعية، ولقد كفانا السير آرثر كيث مئونة الجواب بقوله:-
(إن نظرية النشوء ما زالت حتى الآن بدون براهين -وستظل كذلك- والسبب الوحيد في أننا نؤمن بها، هو أن البديل الوحيد الممكن لها هو الإيمان بالخلق المباشر وهذا غير وارد على الإطلاق) (١).
وإضافة إلى ذلك يقول واطسن: (إن علماء الحيوان يؤمنون بالنشوء لا كنتيجة للملاحظة أو الاختبار أو الاستدلال المنطقي، ولكن لأن فكرة الخلق المباشر بعيدة عن التصور) (٢).
ويقول د. هسكوت: (إن نظرية النشوء جاءت لتبقى، ولا يمكن أن نتخلى عنها حتى لو أصبحت عملاً من أعمال الاعتقاد) (٣).
موقف واضح صريح، أدنى ما يوصف به هو ما قاله ليكونت دي نوى حين اعترض عليه بعض المتعالمين بسبب استعماله كلمة (الله) في أحد كتبه قال: "إن عدم التسامح المنتشر في القرون الوسطى لم يمت مع أنه
стр. 179
انتقل إلى المعسكر الثاني" (١)، وهذا حق؛ فإن الموقف غير العلمي الذي يتخذه هؤلاء المسمون (علماء) هو بعينه موقف الكنيسة في عقيدتها القائلة بأن الله خلق آدم خلقاً مستقلاً سنة (٤٠٠٤ق. م) وإذا كان هناك من فرق فهو أن الكنيسة لم تدعِ أنها (علمية) كما يفعل هؤلاء المتعصبون، وإن في هذه الاعترافات الصارخة لعبرة بالغة للببغاوات في الشرق لو كانوا يعتبرون!!
آثار الداروينية:
أولاً: انهيار العقيدة الدينية:
وجد الإلحاد في العالم الغربي المسيحي قبل داروين، فقد أباحت الثورة الفرنسية حرية الإلحاد تحت شعار (حرية الاعتقاد) وقدمت الميكانيكية النيوتونية للملاحدة خدمة كبيرة، لكن الإلحاد ظل حتى سنة (١٨٥٩م) قضية فلسفية محدودة النطاق، وظلت العقيدة المسيحية محتفظة بمركز قوي ليس في الطبقات الدنيا من الشعب فحسب، بل حتى في الجامعات الأكاديمية العلمية التي كانت في الغالب هيئات دينية أو خاضعة لنفوذ رجال الكنيسة.
وبعد سنة ١٨٥٩ أصيب العالم بنقص حقيقي في الإيمان -على حد تعبير ويلز- بسبب ما أشاعه أعداء الدين من تفسيرات باطلة لنظرية التطور، والاستغلال البشع الذي قام به المغرضون، والحماس المنقطع النظير الذي استقبلت به النظرية، أما موقف الكنيسة فقد كان مهزوزاً منذ البداية -لا سيما- وأن الزمن قد أثبت خطأ المواقف التي اتخذتها من النظريات الكونية السابقة، ولذلك خشي الكثير من
стр. 180
المتعاطفين معها أن يقعوا في الخطأ نفسه، ناهيك عن الأعداء الذين شهروا بالدين ورجاله أشنع تشهير.
ونشبت معركة من أعظم المعارك الفكرية في التاريخ، واشتط أصحاب النظرية في موقفهم، وتطرفوا إلى حد إنكار التصور الديني جملة وإعلان إلحادهم الصريح، كما تطرفت الكنيسة وأشياعها فأعلنت كفر وهرطقة كل من لم يكن في جانبها.
وانتهت المعركة إلى نتيجة مفزعة، فقد تزلزلت العقائد الدينية جملة، وانتشر الإلحاد وشاع بطريقة غريبة شاذة.
والواقع أن طبيعة الفلسفة المسيحية تجعلها أكثر الأديان تعرضاً للانهيار في حالة ثبوت النظرية، صحيح أن الأديان كلها تؤمن بعقيدة الخلق المستقل، لكن المسيحية تزيد على ذلك بأنها تجعل هذه العقيدة قطب الرحى للإيمان المسيحي برمته.
فالمسيحية البولسية تعتقد أن الله خلق آدم وحواء ونهاهما عن الأكل من شجرة معرفة الخير والشر، فأغرتهما الحية فأكلا من الشجرة، فارتكبا بذلك خطيئة لا تغتفر، وظل الجنس البشري يرسف في أغلال الخطيئة الموروثة، حتى رحم الله العالم فأرسل ابنه الوحيد -تعالى عن ذلك- الذي هو الأقنوم الثاني من الثالوث، فقتل على الصليب ليخلص البشرية من الخطيئة.
وهذه العقيدة هي محور التعاليم الكنسية، ولا يمكن بحال أن يعد المرء مؤمناً بالمسيحية ما لم يعتقدها، لذلك فبدهي أن تقض نظرية داروين مضاجع رجال الدين، والغيورين من المسيحيين الذين رأوا - محقين- أن التصديق بأن الإنسان خلق بالطريقة التي فسرها داروين معناه بوضوح أنه لم يكن هناك آدم ولا حواء ولا عدن ولا
стр. 181
خطيئة (وإذا لم يكن ثمة خطيئة فإن الصرح التاريخي للمسيحية وقصة الخطيئة الأولى، والكفارة التي أسس عليها التعليم الساري للعواطف المسيحية فإن كل ذلك ينهار كبيت من ورق اللعب (١).
وما دام أن الإنسان الغربي عموماً لا يعرف عن الدين إلا أنه المسيحية، فإنه سيجد نفسه تلقائياً قد أصبح ملحداً.
يقول ويلز: "الحق أنه لم يخل عصر من العصور من متشككة في المسيحية، على أن هؤلاء كانوا أُناساً غير عاديين، أما الآن (أي: بعد نظرية داروين) فقد أصبحت كل المسيحية بوجه الإجمال متشككة إذ مست الخصومة كل إنسان قرأ كتاباً أو سمع محاورة بين أذكياء" (٢).
والحق الذي لا مرية فيه أن هذه النظرية لو تركت وشأنها أو وجدت في غير الظروف والملابسات التي وجدت فيها، لما كان لها هذا الشأن كله، أو على الأقل لما استشرت ايحاءاتها وصبغت الحياة والفكر بهذه السرعة المخيفة، ولكن الذي أعطى الداروينية هذا الحجم الكبير هو تضافر عاملين خارجيين عنها، هما:
١ - الظروف التاريخية السيئة:
فقد ولدت النظرية في عصر كان فيه الصراع بين العلم والدين على أشده، وكانت الثورة الصناعية قد أخذت تطمس ملامح المجتمع الأوروبي، وتصبغه بصبغة جديدة متحللة من الدين والأخلاق، وكان الإنسان الأوروبي في كل مكان يتحفز للأخذ بثأره من رجال الكنيسة الذين أذاقوه ألوان الذل والاستعباد، فكان ظهور النظرية فتحاً جديداً بالنسبة له، صحيح أن الجماهير وقفت أول الأمر بجانب الكنيسة ضد داروين، (ولكن موقف
стр. 182
الجماهير بعد ذلك تغير، فلئن كانت قد عز عليها أن يسلبها داروين إنسانيتها ويردها إلى أصل حيواني، فقد أخذت تشمت في الكنيسة ورجالها الذين وجدت أن الفرصة سانحة للتخلص من نيرها المرهق وسلطانها البغيض) (١).
هذا بالإضافة إلى طبيعة الإيمان المسيحي ذاته، فهو إيمان عاطفي لا يقوم على الاقتناع العقلي بل على العكس تماماً، فسواء لدى من أوتي حظاً من الثقافة والمعرفة أن إله الكنيسة قد قتل ابنه ليخلصه من الخطيئة أم لم يفعل ذلك، فهو أصلاً غير مقتنع بأنه ولد مخطئاً وأن للرب ابناً، كما أن عقيدة التثليث والأساطير المسيحية الأخرى تسبب لعقله إزعاجاً مستمراً، لذلك فلا غضاضة في أن يضحي بهذه العقيدة الهشة في سبيل نجاته من قبضة الكنيسة الجائرة.
٢ - الاستغلال البشع للنظرية من قبل القوى الشيطانية الهدامة:
غني عن البيان أن نقول: إن اليهود يخططون للقضاء على البشرية و (استحمارها) من طريق القضاء على دينها وأخلاقها وتقاليدها، فهي حقيقة آمن بها كثير من العقلاء في الغرب، وإن الزمن ليكشف تدريجياً خيوط المؤامرة الشيطانية التي يدبرونها ضد الجنس البشرى بجملته، وما من شك في أن نظرية داروين سلاح فتاك لم يكن هؤلاء ليحلموا به.
تقول البروتوكولات: (لا تتصوروا أن تصريحاتنا كلمات جوفاء، ولاحظوا هنا أن نجاح داروين وماركس ونيتشة قد رتبناه من قبل، والأثر غير الأخلاقي لاتجاهات هذه العلوم في الفكر الأممي سيكون واضحاً لنا على التأكيد، (٢)
стр. 183
ويستطيع المرء أن يتأكد من حقيقة هذه الدعوى إذا استعرض السرعة المذهلة التي طبقت بها الداروينية في مختلف مجالات الحياة وميادين العلوم والفكر والرءوس اليهودية البارزة في هذا التطبيق، ولعلنا الآن نتذكر السبب في خيبة النبوءة التي تنبأ بها أوين وأغاسيز لمستقبل الداروينية.
وليس التطبيق العاجل للنظرية والرواج المنقطع النظير هو السبب الذي يؤكد ذلك، فهناك أسباب أخرى مؤيدة.
الإهمال الكامل للنظريات التطورية اللاهوتية، حتى إن (والاس) قرين داروين وشريكه في اكتشاف النظرية لا يكاد يعرف عند غير المختصين، وليس لذلك من علة، إلا أنه قال بأن وراء عملية التطور قوة مدبرة (١).
الطريقة الغريبة التي استقبلت وأشيعت بها النظرية، والتي جعلت الناس يتلقفونها لا بوصفها نظرية علمية بل كما لو كانت ديناً جديداً بالفعل، وطرحت لا كمناقض للمسيحية فحسب بل كبديل لها.
التمجيد الأسطوري لصاحب النظرية فقد حاز داروين من الشهرة ما لم يظفر به أعظم خدام البشرية من أمثال (باستور وفلمنغ وأديسون) وجعله مؤرخو الفكر الغربيون أعظم محرر للفكر البشري، بل إن بعضهم ليشبهه بالمسيح، وقال عنه أرنست هيكل: (إنه أطلس يحمل عالم الفكر على منكبيه)، ووصفه آخرون بأنه (قاهر الطبيعة) (٢).
الحملة الصحفية المكثفة للتشهير بأعداء النظرية، وتحيز الصحف شبه الكامل لداروين على الكنيسة، إذ كانت الصحافة قد
стр. 184
وقعت في قبضة المرابين اليهود، بفضل المركز المالي الذي هيأته لهم الثورة الصناعية.
وهذه جميعاً دلائل واضحة على أن المعركة لم تكن طبيعية، وأن عنصراً غريباً كان ينصب شباكه في الظلام للإجهاز على القيم الدينية والأخلاقية، وهو غاية ما تهدف إليه البروتوكولات.
ولقد كانت النتيجة المنطقية لانتصار الداروينية على المسيحية وهو الانتصار الذي سببه العاملان السابقان - أن عمت موجة الإلحاد المجتمعات الغربية، وانتقلت منها إلى بقاع العالم الأخرى، وسيطرت الأفكار المادية على عقول الطبقة المثقفة، وتخلت جموع غفيرة من الناس عن إيمانها بالله تخلياً كاملاً أو شبه كامل، وطغت على الحياة الأوروبية فوضى عقائدية غريبة.
والحق أن أوروبا بعد داروين، قد عبدت الشيطان بعد أن كانت تعبد المسيح، عبدته مرة عن طريق عبادة الطبيعة تلك الكلمة غير العلمية، فقد قال داروين: (الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق) وقال (إن تفسير النشوء والارتقاء بتدخل الله، هو بمثابة إدخال عنصر خارق للطبيعة في وضع ميكانيكي بحت) (١).
صحيح أن الطبيعة عبدت قبل داروين، ولكن داروين كان نبياً جديداً لها، -إن صح التعبير- وعبدته مرة عن طريق عبادة الإنسان، وهى الفكرة التي دعا إليها الفيلسوف اليهودي (٢) (نيتشة) قائلاً: (إن الإله قد مات وإن الإنسان الأعلى (سوبرمان) ينبغي أن يحل محله، ومن هنا قرنته البروتوكولات بداروين وماركس) كما نادى بها في القرن
стр. 185
العشرين الدارويني الملحد دوليان هكسلي الذي ألف كتاب (الإنسان في العالم الحديث)، زاعماً أن الإنسان اختلق فكرة الله إبان عصور عجزه وجهله، أما الآن فقد تعلم وسيطر على الطبيعة بنفسه ولم يعد بحاجة إليه، فهو العابد والمعبود في آن واحد.
وعبدته مرة عن طريق عبادة المادة ولا غرابة في أن يكون نبي هذه العبادة يهودياً كذلك، وهى ديانة ماركس التي يدين بها اليوم مئات الملايين من البشر.
وعبدته مرة عن طريق عبادة (الجنس) وكان اليهودي فرويد هو بطل هذه العبادة.
وعبدته في صور شتى تتفق جميعها في الاستمداد من داروين ونظريته.
وهكذا نجد أن نظرية التطور أسهمت إسهاماً عظيماً في هدم العقيدة الدينية وتحطيمها، وليس من المبالغة أن نقول: إن دورها في ذلك لا يوازيه أي نظرية بشرية أخرى.
ثانياً: نفي فكرة الغاية والقصد:
من الحقائق التي تتطابق عليها الأديان وتتضافر على الإيمان بها العقول والفطر السليمة؛ أن للوجود الإنساني على الأرض غاية مقصودة أرادها الخالق واقتضتها حكمته النافذة، ومهما اختلفت الآراء والمذاهب في ماهية هذه الغاية وتصورها، فإن حقيقتها العامة لا تقبل الجدل.
وهذه الحقيقة درجت الأجيال البشرية المتعاقبة على الإيمان بها، ليس لأنها منبثقة عن فكرة الخلق المستقل -كما يتوهم دعاة التطور-
стр. 186
بل لأن الفكرتين كلتيهما عميقتان في التصور الإنساني مركوزتان في الفطرة البشرية.
لذلك نجد أن الرسالات السماوية لم تأتِ لإثبات هذه الغاية، بل للتذكير بها وأيضاح حقيقتها، وكذلك نلاحظ أن المباحث الفلسفية كانت تركز جهدها على الخوض في العلل الغائية للأشياء لتبني عليها نظرياتها عن الكون والحياة، ولا تبالي كثيراً بالعلل الصورية، فكان الفلاسفة يجهدون أنفسهم في البحث حول الغاية من خلق الإنسان ووظيفته في الوجود، دون أن يهتموا كثيراً في كيفية الخلق وعللها المباشرة.
فلما ظهرت نظرية التطور العضوي، ونادت بأن الإنسان وليد سلسلة طويلة من التطورات المتعاقبة، بدأت من جرثومة في مستنقع آسن وانتهت في خط سيرها المتخبط إلى صورته الراهنة، لم يعد هناك ما يدعو إلى التفكير في الغاية من خلق الإنسان.
إن هذه النظرية تنسب عملية التطور إلى العوامل الطبيعية البحتة، والطبيعة كما قال داروين: (تخبط خبط عشواء) وإذن فإنه من العبث أن نبحث عن غاية مرسومة وهدف مقصود لعملية الخلق وللوجود الإنساني، فلو أن الطبيعة وهبت الضفدعة - مثلاً - القدرة على التطور ومنحتها ما منحته صدفة واعتباطاً للإنسان؛ لكانت هي سيدة المخلوقات، وقد قال دوليان هكسلي: (من المسلَّم به أن الإنسان في الوقت الحاضر سيد المخلوقات، ولكن قد تحل محله القطة أو الفأر) (١).
وكان ظهور هذه النظرية في عصر ازدهار النظرية المكانكية أحد العوامل المشجعة على قبولها فكلا النظريتين ترجع الحوادث
стр. 187
الكونية كلها إلى قوانين الطبيعة العمياء فراراً من نسبتها إلى إله الكنيسة.
ويشيد الفيلسوف الملحد برتراندرسل بالأثر الداروينى في هذا المجال قائلاً:
(بالرغم من أنه لا يزال في إمكان الفيلسوف أو عالم، اللاهوت أن يقول: إن لكل شئ غرضاً ظهر أن الغرض ليس فكرة نافعة، حين نبحث في القوانين العلمية، وقد قيل في الإنجيل: إن القمر قد خلق لينير بالليل، ولكن العلماء مهما كانوا متدينين لا يعتبرون ذلك أيضاحاً علمياً لأصل القمر، ولقد كان عمل داروين فاصلاً بهذه المناسبة، فالذي فعله جاليلو ونيوتن من أجل الفلك فعله داروين من أجل علم الحياة).
(إن الذي جعل من الممكن تفسير التكيف دون الكلام عن الغرض، لم يكن حقيقة التطور، بل كان الميكانيكية الداروينية كما تتضح من تنازع البقاء وبقاء الأصلح، فالاختلاف الاعتباطي واختيار الطبيعة لا يستخدمان إلا العلل الصورية) (١).
ونجم عن ذلك أن أهملت العلوم الغربية بجملتها فكرة (الغائية)، بحجة أنها لا تهم الباحث العلمي ولا تقع في دائرة عمله، وتحللت علوم الطب والفلك والجيولوجيا والأحياء وسائر العلوم من التأثيرات الدينية -كما سيأتي في فصل علمانية العلم- وأدى الإيمان بهذه الفكرة إلى اعتناق فكرة هزيلة لا قيمة لها ولا وزن في حساب العلم، تلك هي فكرة المصادفة، فبعد أن أبطل (باستور) أسطورة (التولد الذاتي) إلى الأبد، لم يجد دعاة الإلحاد والهاربون من الدين ما يسترون به عورتهم إلا هذه النظرية التافهة.
стр. 188
وإنه لمن المدهش حقاً أن يرى الإنسان الكثير ممن يسمون علماء، يعتقدون أن الكون بدقته المذهلة وعظمته الهائلة وجد صدفة واعتباطاً ((ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ)) [ص:٢٧].
هذا على المستوى النظري، أما على مستوى الحياة الواقعية فقد كانت النتائج مروعة، إذ تزعزعت قيمة الحياة لدى الناس -لا سيما- ذوى الإحساس المرهف، واستبد بهم شعور يائس بالقنوط والضياع، وظهرت في أوروبا أجيال حائرة مضطربة لا تطمح إلى غاية ولا تفكر في هدف، وخيم الخواء الروحي على المثقفين بصفة خاصة، وأصبح شغلهم الشاغل هو البحث عن الذات المفقودة واستكناه أسرار النفس، وذلك هو المناخ الخصب الذي استغله اليهود لبذر نظرياتهم الهدامة، فجاء (فرويد) بالتحليل النفسي، و (برجسون) بالروحية، و (سارتر) بالوجودية.
يقول الفيلسوف (جود) تحت عنوان تفاهة الحياة:
(إذا كان الماديون على حق فلا ينبغي أن نعتبر الحياة شيئاً مهماً في صميم الكون، نتخذه أساساً لتفسير سائر الموجودات الأخرى، بل أنها لا تعدو أن تكون حصيلة ثانوية قذف بها سير التطور مصادفة واتفاقاً، أو هي تحوير عرضي للمادة أصبحت بموجبه تملك الشعور بذاتها) (١).
ولقد تجلى الشعور بتفاهة الحياة أكثر ما تجلى في الأدب الأوروبي، حيث تلمح الإحساس بالضياع هو السمة العامة للمدارس الأدبية التي ظهرت عقب الحرب العالمية الأولى بصفة خاصة.
وهذا الشعور الناجم عن فقدان الإيمان هو العلة الحقيقية
стр. 189
للتمزق الرهيب الذي تعانيه النفسية المعاصرة في الغرب، رغم الرفاهية المادية المتناهية، ومن هنا استحق هذا العصر أن يطلق عليه (عصر القلق)!!
ولقد صدق أحد العلماء (١) في قوله (إن أشقى الناس -جميعاً- هو الذي يأتي إلى هذه الدنيا ثم يخرج منها وهو لا يدري لماذا جاء ولماذا خرج)!
ثالثاً: حيوانية الإنسان وماديته:
عندما طلع كوبرنيق بنظريته الفلكية القائلة: بأن الأرض ليست مركز الكون، أحس الضمير الأوروبي بأنه قد صدم في صميم كرامته ومركزه في الوجود، واعتقد البعض أن الإيمان بهذه النظرية إهانة مباشرة للإنسان (سيد المخلوقات)، فلما جاء داروين بنظريته، لم يزد الطين بلة فحسب بل جاء بالطامة الكبرى، فزعم أن الإنسان حيوان كسائر المخلوقات الحيوانية، فوجه بذلك إلى الكرامة الإنسانية أعنف لطمة في تاريخها، وقلب الشعور الإنساني رأساً على عقب، وهز المشاعر والمعتقدات والقيم التي كانت منذ فجر التاريخ حتى عصره راسخة لا مراء فيها، وأصبح الحال كما قال جوليان هكسلي:
(بعد نظرية داروين لم يعد الإنسان يستطيع تجنب اعتبار نفسه حيواناً) (٢).
وداروين لم يكتف بأن جعل بين الإنسان وبين القردة نسباً، بل زعم أن الجد الحقيقي للإنسان هو جرثومة صغيرة عاشت في مستنقع راكد قبل ملايين السنين.
стр. 190
لقد كانت بالفعل صدمة هائلة وانتكاسة خطرة.
نعم إن داروين لم يصدر أحكاماً مستقلة على الإنسان -وليس من حقه ذلك- ولكن الذين جاءوا من بعده أصدروا أحكاماً وأي أحكام!
ذلك أنهم تلقفوا النظرية -أصلاً- بدوافع مغرضة ووجهوها لتخدم أهدافاً خفية، ولهذا فليس غريباً أن يثوب (الداروينيون المحدثون) -راضين أم راغمين- إلى رشدهم، ويعترفوا بحقيقة تفرد الإنسان عن كل المخلوقات، بينما لا يزال أولئك المغرضون ينفثون أفكارهم الهدامة التي تنظر للإنسان على أنه حيوان، وتحدد مطالبه بمطالب الحيوان وتدرسه كما تدرس الحيوان.
وليس الإيحاء بحيوانية الإنسان هو الأثر الدارويني الوحيد الذي حط من قدره وكرامته، بل اقترن به إيحاء آخر لا يقل خطورة عن الأول، وهو الإيحاء بـ (مادية الإنسان) أي: خضوعه للقوانين المادية التي تفرض عليه ما تفرضه على المادة الجامدة.
فالإنسان في نظر الداروينية لم يتطور مختاراً، بل كان تطوره مظهراً لخضوعه المطلق للبيئة الطبيعية، أي لعوامل خارجية حتمية، صحيح أن هذا التطور لمصلحته لكنه لم يكن نابعاً من إرادته، ولم يكن متوقعاً من الداروينية أن تقول في تلك الظروف السيئة إن الله هو الذي اختار للإنسان، لأن ذلك يفقدها صفة (الميكانيكية).
بل ويجرها إلى اعترافات أخرى كالإقرار بأن له روحاً، وأن لوجوده غرضاً، كما تقول الكنيسة، وإذن فلا مناص من القول بأن العوامل الطبيعية وحدها صانعة التطور وفارضته على الإنسان، والإنسان ما هو إلا مرآة تنعكس عليها تقلبات الطبيعة المفاجئة وتخبطاتها غير المنهجية.
стр. 191
وعليه نستطيع أن نقول: إن فكرة التطور في ذاتها أوحت بحيوانية الإنسان، بينما أوحى تفسير العملية التي سار عليها التطور بماديته.
وظهر أثر هذين الإيحاءين جلياً في الدراسات الاجتماعية والنفسية التي تناولت موضوع الإنسان فرداً أو جزءاً من مجموع.
وهي دراسات تقوم على نظريات تلتقي بجملتها في نقطة واحدة (حيوانية الإنسان وماديته) ثم يسلك كل فرع منها طريقاً مستقلاً.
ومن أبرز الأمثلة على الأفكار الاجتماعية نظريتان: (النظرية الشيوعية، ونظرية العقل الجمعي) فاليهودي كارل ماركس -صاحب النظرية الأولى- استمد من حيوانية الإنسان ما ظهر جلياً في البيان الشيوعي، إذ حدد المطالب الرئيسية له بـ (الغذاء والسكن والجنس).
واستمد من ماديته التي أوحت بها (جبرية التطور) التفسير المادي للتاريخ، والجبرية الاقتصادية، فهو يرى (أن القوى المادية أو القوى الاقتصادية هي التي تكيف الحياة البشرية وتعطيها طابعها، وتنشئ أفكارها ومفاهيمها وعقائدها حسب درجتها من التطور، فإذا انتقلت البشرية من طور إلى طور بحكم قوة التطور الدائمة المفروضة على الإنسان من خارج نفسه والتي لا علاقة لها بإرادته الذاتية؛ فإن صور الحياة تتغير، ومشاعر الناس تتغير، وأفكارهم ومفاهيمهم وعقائدهم تتغير، ويتغير كل شيء في المجتمع من أخلاق وعادات وتقاليد تغيراً حتمياً (١).
أما اليهودي (دور كايم) فقد جمع بين حيوانية الإنسان وماديته بنظريته في (العقل الجمعي) التي تقول: إن الإنسان حيوان خاضع
стр. 192
(الجبرية الاجتماعية)، أو قهر اجتماعي يفرضه عليه العقل الجمعي للقطيع البشري ويستمد شواهده المؤيدة من عالم الحيوان ومجتمع الحيوان (١).
أما المذاهب النفسية فمن واضح الأمثلة عليها (مدرسة التحليل النفسي):
فاليهودي (فرويد) استمد من حيوانية الإنسان نظريته في تفسير السلوك الإنساني من الولادة حتى الوفاة تفسيراً حيوانياً بشعاً، فهو يرى أن الدافع الجنسي هو دافعه الوحيد، فالمولود يرضع ثدي أمه بدافع جنسي، ويتبرز بدافع جنسي، ويظل يتعامل مع الآخرين بناءً على هذا الدافع وحده، والدين والأخلاق والمثل العليا كلها نابعة من هذا الدافع أيضاً، وهكذا فالإنسان عند فرويد ليس حيواناً فحسب، بل هو حيوان جنسي، وراء كل حركة منه شهوة جنسية ظاهرة أو خفية، (٢) واستمد من ماديته (جبرية نفسية تجعل الإنسان خاضعاً لغريزته مسَّيراً بها بلا اختياره، فهو لا يملك إلا الانصياع لأوامرها وإلا وقع فريسة الكبت المدمر للأعصاب (٣).
واليهودي (دور كايم) وعلم النفس -بصفة عامة- يدرس الإنسان كما يدرس أي حيوان ثديي، والنظريات النفسية التي استنتجها (بافلوف، وثورندايك، وواطس، وهول) وأضرابهم، إنما استنبطت من التجارب التي أجراها أولئك على الكلاب والقردة والفئران ... إلخ!! (٤).
وهكذا تركت نظرية داروين فيما يتعلق بحيوانية الإنسان
стр. 193
وماديته بصمات واضحة في كل حقل من حقول الفكر، وصادفت هوى في نفوس الباحثين الماديين في كل مجال.
رابعاً: فكرة التطور المطلق:
كانت الحياة الأوروبية طيلة القرون الوسطى مستغرقة في سكون مطبق وجمود عام، أوحى إلى العقلية الأوروبية الخاملة -آنذاك- بفكرة الثبات المطلق في كل شيء، وأسهمت الكنيسة -بطقوسها الجامدة ووقوفها ضد كل جديد- في ترسيخ هذه الفكرة وتعميقها (١).
وأول هزة تعرضت لها هذه الفكرة كانت على يد (كوبرنيك) - من غير قصد - فدوران الأرض التي نادت به نظريته يناقض المسلَّمة البدهية في نظر عصره، وهى أنها ثابتة وما عليها ثابت كذلك، ثم إن التقدم في الكشف والبحث الذي ابتدأ منذ عصر النهضة، والذي اقتبس حيويته ونشاطه من الشرق المتحضر كان عاملاً مؤثراً في إضعاف الإيمان بهذه الفكرة.
وظهرت فكرة التطور لدى بعض الباحثين مثل: (أوجست كومت) صاحب نظرية التطور العقلي (من الخرافة إلى الدين إلى الوضعية)، وظهرت كذلك لدى (هوبز) الذي يرى أن المجتمع الإنساني تطور من الوحشية الغابيَّة إلى الحالة الاجتماعية، وكذلك (روسو) الذي قال بتطور المجتمع من الحالة الطبيعية إلى الحالة الفوضوية، مما استوجب وجود (عقد اجتماعي) بين الأفراد.
لكن هذه النظريات لم تكن من القوة والتعميم بحيث تزلزل فكرة الثبات كلية، وإن كان لها فضل في التمهيد لذلك.
стр. 194
وتمت هذه الزلزلة على يد (داروين) ونظريته في التطور العضوي، وبعد داروين انتقلت أوروبا من الإيمان بالثبات المطلق إلى الاعتقاد في التطور المطلق.
لقد حدث في القرن التاسع عشر تحول شامل في الحياة الأوروبية كلها، بسبب ما أحدثه الانقلاب الصناعي من نقل الناس من البيئة الزراعية إلى البيئة الصناعية مما كان له أثره البالغ في أخلاق الناس وتقاليدهم وأوضاعهم عامة، فكان ذلك تطوراً اجتماعيا واقتصادياً موازياً للتطور العلمي والثقافي.
في ظل هذه الظروف المتغيرة والمتطورة ولدت نظرية التطور في كتاب داروين (أصل الأنواع) الذي قال عنه وست:
(لقد كان تأثير هذا الكتاب عظيماً ولا شك، فعن طريق وضع مبدأ جديد للدراسة وهو مبدأ ديناميكي، وليس مبدأ استقرارياً أو استاتيكياً، استطاع أن يحدث ثورة في كل فروع المعرفة من علم الفلك إلى التاريخ، ومن علم الحفريات القديمة إلى علم النفس ومن علم الأجنة إلى علم الدين) (١).
والواقع أن التطور الديني الذي أوحت به النظرية ليتجاوز الأثر العلمي إلى ميادين الحياة كافة (الاجتماعية والسياسية والاقتصادية) ... إلخ، ونزلت الضربة القاضية على رأس الدين والأخلاق). والحق أن داروين لم يقل صراحة: إنه لا شيء ثابت على الإطلاق وأن الحياة البشرية تمضي في حلقات متباينة تختلف كل لاحقة عن سابقتها اختلافاً كاملاً، ولكن نظريته توحي بذلك وتومئ إليه، وذلك أن التطور كما شرحه داروين يشتمل على عنصرين بارزين: (الحتمية والاضطراب) فكل مرحلة من مراحل التطور أعقبت سلفها بطريقة حتمية، بمعنى أن العوامل الخارجية - كما أسلفنا - هي التي
стр. 195
تحدد نوعية هذه المرحلة، أما خط سير التطور ذاته بمراحله جميعها فهو مضطرب لا يسعى إلى غاية مرسومة أو هدف بعيد؛ لأن (الطبيعة) التي أوجدته غير عاقلة ولا واعية، بل تخبط خبط عشواء!!
عن طريق هذين العنصرين أوحت النظرية بتطور حتمي مطلق لا غاية له ولا حدود، الحتمية تجعل الإيمان بثبات أي شيء وإن كان الدين والقيم أو التقاليد جموداً ورجعية، وكل محاولة للثبات على شيء من ذلك هي معركة خاسرة مع القدر الذي لا يقهر، واضطراب خط التطور يلغي كل المعايير الثابتة المتعارف عليها للحكم على الأشياء، ويستبدل بها معياراً واحداً لا ميزة له في ذاته إلا عدم قبوله صفة التطور وهو (الزمان) فكل عقيدة أو نظام أو خلق هو أفضل وأكمل من غيره ما دام تالياً له في الوجود الزمني.
يقول لوبون: "إن الزمان (إله) لأنه (هو الذي يولد المعتقدات فينميها ثم يميتها ومنه تستمد قوتها وبفعله يتولاها الضعف والانحلال" "إن الزمان هو صاحب السيادة الحقيقية فينا، وما علينا إلا أن نتركه يعمل لنرى كل شيء يتحول ويتبدل" (١).
وهكذا آمنت أوروبا بالتطور المطلق، وحسبت كل تغير -وإن كان انتكاسة وانحطاطاً- تطوراً وتقدماً.
فالشيوعية أكبر المذاهب الأرضية وأوسعها انتشاراً تستمد تفسيرها المادي للتاريخ من هذه الفكرة (فكرة التطور الحتمي) فالمجتمع البشرى مر -كما تخيل فلاسفتها- بخمس مراحل حتمية، لكل مرحلة منها عقائدها وأخلاقها وتقاليدها النابعة من الظروف الاقتصادية والأوضاع المادية.
стр. 196
فمثلاً في المجتمع الزراعي كان الإنسان متديناً؛ لأن الزراعة عملية غيبية لا يستطيع أن يتحكم فيها بجهده الذاتي، فلجأ إلى الاعتقاد في (قوى غيبية) لتسيير العملية وإنجاحها.
وكان المجتمع الزراعي مجتمعاً أسرياً ذا تقاليد؛ لأن الرجل هو المنتج الرئيسي فيه وهو الذي يعول المرأة، ولذلك كان يرى أن له الحق في امتلاكها وحده، ففرض عليها قيوداً أخلاقية نشأ عنها أخلاق وتقاليد زراعية.
ثم تطور المجتمع الإنساني -حتمياً- وانتقل إلى الطور الصناعي فتبدلت الأحوال ... عملية الإنتاج لم تعد (غيبية) فهي عملية منظورة يقوم بها الإنسان وليس (الله)!! ولذلك فلا داعي للإيمان بالغيبيات، بل إن التطور ليفرض على المجتمع أن يكون بلا دين.
والمرأة قد استقلت اقتصادياً ومن ثم تحررت من سيطرة الرجل وقيوده، فأصبح من حقها -أو من واجبها- أن تنبذ تقاليد وأخلاق العصر الزراعي، وتساير موكب التطور الذي يغري، بل يدفع إلى الإباحية الجنسية.
وباختصار ترى الشيوعية أن لكل عصر دينه وأخلاقه وتقاليده، ولا ضير في ذلك، لكن العيب الشائن هو أن يعيش المرء في عصر الصناعة والتطور متحجراً على دين وتقاليد العصر الزراعي الجامد، ولم يقتصر الأمر على الشيوعية، بل إن علوم النفس والاجتماع، أو على الصحيح زعماء هذين من اليهود وأتباعهم ليؤمنون بالتطور في كل شيء، حتى الدين نفسه، بل لعل الدين هو الهدف المقصود من العملية كلها!!
стр. 197
فعلم الاجتماع -بل يهودية دور كايم- ينفي أن يكون الدين والزواج والأسرة فطرية في الإنسان، وإنما هي من عمل (العقل الجمعي) ذي السطوة القاهرة على الأفراد، وهذا العقل دائم التغير والتطور والتشكل (وهنا نلحظ عنصر الاضطراب) فإذا قال العقل الجمعي في طور من أطواره: ليكن دين أو زواج أو أسرة فليكن ذلك، أما إذا قال حسب هواه: ليكن لا دين ولا زواج ولا أسرة، فسرعان ما يخضع الأفراد لقهره فينسلخون من دينهم وأخلاقهم وتقاليدهم، (١) ويتفق علم النفس مع علم الاجتماع في عدم فطرية الدين ولكنهما يختلفان في تفسير تطوره.
فعلم الاجتماع يرى أن أصل الدين شيء خارجي هو -الأرواح أو القوى الطبيعية أو المحرم (التابو) - وابتدأ الإنسان تدينه بالسحر والشعوذة، ثم تطور إلى عبادة آلهة متعددة، ثم تطور إلى التوحيد الذي يمثل آخر حلقة في عصر الدين أعقبها مباشرة -بفعل التطور- عصر العلم الذي ينفي الدين بجملته.
أما علم النفس أو يهودية (فرويد) فيرى حسب تفسيره الدنِس للدين أن أصل الدين هو الشعور بالندم الذي استولى على أبناء الأسرة البشرية البدائية الأولى حين قتلوا أباهم، ولماذا قتلوه؟ لأنه كان يحول بينهم وبين اللقاء الجنسي مع الأم، فابتداء الدين في صورته الأولى عبادة للأب، ثم تطور إلى عبادة (الطوطم)، ثم تطور إلى عبادة القوى الخفية في صورة الدين السماوي وهو في الأطوار كلها ينبع من العقدة نفسها عقدة (أوديب) كما يصرح بذلك في كتابه الذات والغرائز (٢).
والأخلاق تطورت في المراحل نفسها باعتبارها جزءاً من الدين
стр. 198
أو مستمدة منه، بل إن (برتراندرسل) ليرى أنها تطورت خلال ثلاث مراحل (أخلاق المحرم (التابو) ثم أخلاق الطاعة الإلهية، ثم أخلاق المجتمع العلمي) (١).
ويقول (وليم جيمس) عن الأثر الدارويني في الأخلاق:
(إن فلسفة النشوء والارتقاء قد ألغت المعايير الأخلاقية التي سبقتها كلها لأنها رأتها معايير ذاتية شخصية وقدمت لنا بدلها معياراً آخر، نتعرف به الخير من الشر، وبما أن المعايير السابقة معايير نسبية فهي مدعاة للقلق والاضطراب، وأما هذا المعيار الذي ارتضوه وهو أن الحسن ما قدر له أن يبقى ويظهر ويبقى فهو معيار موضوعي محدد) (٢).
وإجمالاً فقد آمنت أوروبا شرقها وغربها بأن لا شيء ثابت على الإطلاق وهو الإيمان الذي عبر عنه (رسل) بقوله:
(ليس ثمة كمال ثابت ولا حكمة لا تَقدم بعدها ... وأي اعتقاد نعتقده وإن كان مما نظنه بالغ الأهمية ليس بباق مدى الدهر، ولو تخيلنا أنه يحتوى على الحق الأبدي، فإن المستقبل كفيل بأن يضحك منا (٣).
ومن الحق أن نقول: إن هناك علماء عارضوا فكرة التطور المطلق لكنهم قوبلوا بالنقد العاصف والاستنكار الشديد بحجة أنهم رجعيون متخلفون يعرقلون مسيرة التطور الحضاري، يقول كارل بوير: "إنني أشعر بشيء من الإرهاب مما يميل إليه أصحاب مذهب التطور من إلصاق تهمة الوقوف في وجه الإصلاح والتنوير بكل من
стр. 199
لا يشاركهم موقفهم العاطفي إزاء التطور باعتباره تحدياً جريئاً ثورياً للفكر التقليدي" (١).
وقال لوبون: "الملوكي بمقتضى كونه ملوكياً يعتقد أن الإنسان ليس متولداً من القرد، والجمهوري يعتقد الضد تماماً".
وهكذا رسخت فكرة التطور المطلق في كل فرع من فروع المعرفة النظرية، وفي كل حقل من حقول التطبيق الواقعي وأصبحت السمة الظاهرة للحضارة المعاصرة.
стр. 200
- الباب الثالث: العلمانية في الحياة الأوروبية:
الفصل الأول: علمانية الحكم.
الفصل الثاني: علمانية الاقتصاد.
الفصل الثالث: علمانية العلم.
الفصل الرابع: علمانية الاجتماع والأخلاق.
الفصل الخامس: علمانية الأدب والفن.
الفصل السادس: ماذا بقي للدين؟
стр. 201
- الفصل الأول: علمانية الحكم:
سبق أن ذكرنا في الباب الأول أن الشريعة المسيحية لم تطبق في عالم الواقع، وذكرنا هنالك بعض العوائق التاريخية التي عرقلت قيام مجتمع إسلامي تحكمه هذه الشريعة.
على أن إقصاء الشريعة المسيحية عن واقع الحياة لا يعني أنها كانت عديمة التأثير في النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن السلوك الشخصي للحكام المسيحيين، وذلك بفضل المنهج الأخلاقي المثالي الذي كان الدعاة المسيحيون المخلصون يبثونه بحرارة وإصرار، والنفوذ القوي الذي كان رجال الدين يتمتعون به في الأمم.
وكان للكنيسة آراؤها السياسية التي يمكن أن يستخلص من مجموعها نظرية سياسية تعبر عن وجهة نظرها الذاتية وإن كانت -طبعاً- لا تعبر عن أحكام الدين كما أنزل من عند الله.
والنظرية الكنسية في أكمل صورها أشبه شئ بالنظريات الخيالية التي تتحدث عن مدن فاضلة وهمية، هذا إذا نظرنا إلى أوغسطين على أنه قديس مسيحي وليس فيلسوفاً رومانياً، فهو الذي عبر عن هذه النظرية في كتابه مدينة الله وفكرة أوغسطين الأساسية صحيحة تماماً من جهة أنه ليس في الوجود إلا مملكتان أو مدينتان لا ثالث لهما إحداهما مدينة الله، والأخرى مدينة الشيطان.
стр. 202
ولكن الخطأ الذي يفسد هذه الفكرة ذاتها عنده يكمن في تحديده لخصائص كل مدينة، فهو يرى أن مدينة الله هي التي يحكمها آباء الكنيسة بخلاف مدينةالشيطان التي يسوسها رجال الدنيا، ثم إن الصورة التي تخيلها لمدينة الله موغلة في الخيال إلى درجة تجعل إمكان تطبيق نظريته عملياً خارقة نادرة إن لم تكن مستحيلة (١).
أما النظرية الأكثر واقعية والتي سادت عملياً طيلة فترة نفوذ الكنيسة، فالحكام في نظرها لا يشترط أن يكونوا رجال دين؛ ولكن يجب أن يخضعوا في ذواتهم لسلطة رجال الدين.
فعلى الرغم من قصور النظرية الكنسية وعجزها عن تنظيم شئون الحياة بسب تحريفها وإهمالها لشريعة الله ونظرتها الخاطئة إلى الحياة الدنيا، وإيمانها بقاعدة: "اعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله" بالمدلول الخاص لهذه العبارة - على الرغم من ذلك فقد كان الملوك والأباطرة في القرون الوسطى يخضعون -في صورة ما- لرجال الدين، ولا يعدون أنفسهم مسيحيين فحسب، بل جنوداً للمسيحية -كما حدث في الحروب الصليبية- والخطأ الفادح جاء من قبل الكنيسة، إذ وجهت واستغلت عواطفهم الدينية لخدمة مصالحها الذاتية وجهدت في إخضاعهم لا لشريعة الله بل لأهواء البابوات (٢).
صحيح أن إيمانهم بالدين كان محصوراً في الحدود الضيقة التي رسمتها الكنيسة، ومشوباً بالتصورات الوثنية، لكنهم كانوا يرون أنفسهم ملزمين بالأخلاق الدينية في تعاملهم السياسي - ولو ظاهراً - لأن ذلك هو مقتضى كونهم مسيحيين.
стр. 203
وكانت ضرورات العمل السياسي -كما يدَّعون- تلجئهم إلى مخالفة الروح المسيحية فينكثون بالعهود، ويزهقون أرواح الأبرياء ويستبيحون الكذب والمواربة في سبيل تحقيق مصالحهم السياسية، غير أنهم لم يتخذوا ذلك مسلكا عاماً ولم يختلقوا له تبريراً عقلياً منافياً لتعاليم الدين.
ربما كان منهم من يتلهف للحصول على مبرر ما ليقيه على الأقل وطأة التناقضات النفسية وعقاب الضمير، لكن العثور على ذلك ظل مستحيلاً أمداً غير يسير.
وصحيح أن الكنيسة أهملت تنظيم شئون الدولة، وأن القانون الروماني كان يطبق على مسمع منها ومرأى، لكنها كانت متشددة فيما يتعلق بالسلوك الشخصي للحكام، يشاركها في ذلك عواطف الشعب وضمير الأمة، وكان الأباطرة مضطرون للتمسك بالأخلاق المسيحية كي يكسبوا ود الكنيسة، حيث أن إبقاء سلطانهم وشرعيته مرهونان برضاها عنهم، فهي التي تتولى تتويجهم وتقدس حكمهم وتباركه، ثم إن من حقها - كما قال البابا جريجوري السابع - أن تخلع المسيئين منهم وتحل رعيتهم من طاعتهم.
لهذه الاعتبارات يصح القول بأن عملية الفصل بين السياسة وبين الدين والأخلاق بمفهومها المعاصر لم تكن معروفة لدى سياسيي القرون الوسطى، وإن كانت أوروبا -حقيقة وواقعاً- لم تحكم بما أنزل الله قط في أية مرحلة من تاريخها.
وإذا تجاوزنا النظرية الكنسية إلى الفكر السياسي اللاديني، فسنجد نظريات عديدة قبل أن نصل إلى النظريات المعاصرة.
стр. 204
وأشهر تلك النظريات ثلاث:
١ - النظرية الخيالية.
٢ - نظرية العقد المجتمع.
٣ - نظرية الحق الإلهي.
أولاً: النظرية الخيالية:
عرفت هذه النظرية قديماً في الفكر الإغريقي حيث كان الفلاسفة يهربون من الواقع السيئ إلى عالم الخيال الواسع، ويبنون من الأوهام والأحلام الجانحة مجتمعات مثالية أو مدناً فاضلة تتمتع بالوئام التام والإيثار المتناهي والمساواة الكاملة في جو ملائكي حالم!
ومن النماذج القديمة لها: جمهورية أفلاطون (١) لأفلاطون (٣٤٨ق. م)، ومن أبرز المحاولات التي قام بها مسيحيون لصياغة هذه النظرية يوتوبيا لتوماس مور (١٥٣٥)؛ ومدينة الشمس لكامبانيلا (١٦٣٩).
والذي يهمنا من هذه النظرية هو أنها لا تجعل الدين هو المنهج الذي تقوم عليه الحياة، والأساس الذي تنبثق منه كل التصورات والقيم، بل إن الانسجام العقلي والمصلحة الدنيوية المجردة هما الدعامة التي بنت النظرية عليها مجتمعاتها اللادينية، وإن كان بعض متخيليها كتوماس مور تخيل وجود دين في مدينته إلا أنه دين شخصي بارد لا أثر له في الحياة (٢).
هذه الفكرة الخطرة ترسبت - لا شعورياً - في أذهان المثقفين الذين كانوا شغوفين بقراءة مثل هذه المؤلفات، وولدت فيهم إحساساً بأن الحياة تكون سعيدة فاضلة لو عزل الدين عن الواقع
стр. 205
وبقي طقوساً جامدة لا علاقة لها بالحياة؛ بل أوحت إليهم بإمكان قيام حياة بهيجة متكاملة بلا دين
ولا شك أن مثل هذه الأفكار يسهل استيعابها وتقبلها في بيئة تخضع لطغيان الكنيسة الأعمى ومضايقاتها المرهقة.
ثانياً: نظرية العقد الاجتماعي:
كانت الفلسفة المدرسية أشهر المذاهب الفلسفية في القرون الوسطى - تقدس فلسفة أرسطو (٣٢٢ق. م) وأفلاطون والتراث الإغريقي جملة -رغم الوثنية المشبع بها هذا التراث- وكان مذهب أرسطو "الإنسان حيوان اجتماعي" (١)، أو كما تعبر المصادر العربية مدني بطبعه، -أي: أن الحالة الاجتماعية للإنسان مقترنة بوجوده منذ القدم- وكانت هذه النظرية من المسلمات التي لا تحتاج إلى دليل.
ولكن أحد الباحثين المجتمعين الأوائل وهو: هوبز خالف -وربما عن غير قصد- هذه الفكرة حيث اعتقد أن الإنسان لم يكن في الأصل إلا ذئباً على أخيه الإنسان - على حد تعبيره - وأن الحالة الفطرية أو الطبيعية كانت حرباً لا هوادة فيها بين أفراد النوع الإنساني؛ ولذلك احتاج الناس إلى عقد يتنازل بواسطته بعضهم لبعض عن شيء من الحقوق في سبيل أمن وسلامة الجميع.
ولما كانت طبيعة الإنسان -كما يراها هوبز- هي الشر دائماً استلزم الأمر وجود قوة نفوذها أعلى من العقد تكون مهمتها تنفيذ العقد إجبارياً على الأفراد، هذه القوة هي الدولة أو الحكومة (٢).
стр. 206
وبغض النظر عن النتيجة الخاطئة التي وصل إليها هوبز وهي تبرير الطغيان بحجة تنفيذ العقد بالقوة، فإن فكرة العقد ذاتها حظيت بعناية الباحثين من بعده (١).
وتلا هوبز جون لوك (١٧٠٤) الذي اتفق معه في وجود عقد اجتماعي بين الدولة والأفراد، إلا أنه خالفه في كون سلطة الحكومة المشرفة على تنفيذ العقد مطلقة، فهو يرى أن السلطة مقيدة بقبول الأفراد لها؛ ولذلك يمكن سحب السلطة منها بسحب الثقة فيها (٢).
وأخيراً اكتملت الفكرة على يد جان جاك روسو (١٧٧٨) مع فارق أساسي بينه وبين هوبز، ذلك أن روسو يرى أن الحالة الطبيعية للإنسان هي الفترة الذهبية من تاريخه، ولكن الإنسان بفعل الأطماع وبتأثير (الأديان!) تجرد من النقاء الطبيعي، وانتقل إلى حالة من الفوضوية اقتضت وجود عقد اجتماعي لتنظيم حياة الناس ومحاولة العودة بهم إلى الحالة الطبيعية (٣).
والملاحظ على النظرية بشكل عام هو إغفالها لدور الدين سواء فيما هو كائن أو فيما ينبغي أن يكون إلى درجة أن روسو لا يكتفي بإهمال الأثر الديني في توجيه المجتمع، بل يعد الدين الإلهي عاملاً من العوامل التي تعوق الرجوع إلى الحالة الطبيعية السوية.
وحين يطالب روسو بفصل السياسة عن الدين، فإنه يتهم الأديان بأنها هي التي سببت هذا الفصل حيث نجده يقول: "إن الشعوب القديمة كانت تعبد الملوك، وكان لكل دولة ملكها وإلهها في الوقت نفسه، فكانت السياسة والدين شيئاً واحداً، ولكن الأديان ومن بينها
стр. 207
المسيحية فصلت بين العالم المادي والعالم الروحي فهي تتعلق بالعالم الروحي ولا تشرع للمجتمع السياسي، فلماذا لا يكون لهذا المجتمع دين سياسي خاص؟ ".
ونظراً لتهجم روسو على الدين ومطالبته بعزله عن واقع الحياة وصفه بعض الباحثين الغربيين بأن مؤلفاته كانت إعلاناً صارخاً لحرب ضد المجتمع وضد الله (١).
ومن العوامل المشجعة التي دفعت هذه النظرية إلى الأمام قيام الثورة الفرنسية على وحي من مبادئها وآراء فلاسفتها -لا سيما روسو- إذ يعد كتابه الذي يحمل اسم النظرية إنجيل الثورة الفرنسية.
وأوحت نظرية العقد الاجتماعي إلى الناس بفكرة جديدة هي الوطنية أو القومية إذ أن العقد يكون بين الإنسان والمجتمع الذي يعيش فيه، وتتفق مصالحه مع مصالح الفرد ورغباته، لا مع مجتمع آخر بعيد مهما كانت قوة الصلة الدينية به، فهي تهدف إلى نزع ولاء الفرد من الكنيسة وإعطائه للدولة وإلى قطع الروابط الدينية ليحل محلها روابط وطنية، كما أنها جعلت القيمة العليا للمصلحة المادية الدنيوية التي بسببها تم إبرام العقد، وليست للملكوت الذي تبشر به المسيحية أو المثل أو الفضائل التي كان المجتمع يعدها أغلى ما يملك.
لذلك فليس بعيداً ما قاله ويلز من أن روسو كان يلتمس المعاذير لنقض العقد الاجتماعي وهدمه أكثر مما يؤكد ضرورته (٢).
стр. 208
ثالثاً: نظرية الحق الإلهي:
في المرحلة السابقة للإسلام كان الملوك يستعبدون الناس لأنفسهم زاعمين أن لهم سلالة عرقية خاصة أسمى من العنصر البشري المشترك، وغلا بعض الطواغيت، فادعى أنه إله أو من نسل الآلهة كما فعل أباطرة الروم، ولم يكن ليدور في خلد أي منهم أن للأمة عليه واجبات وحقوقاً، وأن الكرسي والمنصب تكليف لا تشريف، بل كانوا يرون أن ما تقدمه لهم الأمم من مراسم الخدمة والولاء والخضوع المذل والتضحية بالنفس والنفيس لأجلهم ليس إلا واجباً مقدساً يقومون به تجاه العرش المحروس!
جاء الإسلام فنسف هذه الفكرة من أساسها، ورد العبودية كلها لله وحده، وفرض على الحكام تبعات ومسئوليات تناسب مركزهم في الأمة، فرأى الناس في معظم أنحاء المعمورة الولاة المسلمين يرعون مصالحهم، وينهضون بأعباء المسئولية كاملة في الوقت الذي لا يتميزون فيه عن الأمة بكبير فرق.
ولكن الأقطار التي لم يشملها نور الإسلام - لا سيما في أوروبا الهمجية - ظلت ترزح تحت نير الطغاة وظل الفرد الأوروبي عدة قرون يعبد الهين من البشر: الامبراطور والبابا، الأول يدعي أن له الحق في حكم الناس وفق مشيئته ويخضعهم لهواه، والثاني يبارك خطواته ويلزم الشعب بإطاعته لأن ذلك يأمر به الله وتمليه السماء.
وظلت عروش أوروبا تتوارثها سلالات وعائلات معينة لا يجرؤ أحد أن ينافسهم ولا يستسيغ إنسان أن يسأل لماذا يحكم هؤلاء؟ وبماذا يحكمون؟، فالرعاع كلهم مقتنعون تماماً بأنهم يستمدون حكمهم من الله مباشرة!!
وظهر فلاسفة وباحثون برروا هذا الاستبداد والعبودية وفلسفوها
стр. 209
في قوالب متعددة؛ فجاء هوبز ليتملق ملوك عصره مطالباً بأن لهم الحق في سلطة مطلقة يستطيعون بها تنفيذ العقد الموهوم، وكذلك كان جان بودان (١٥٩٦) وجروتس (١٦٤٥) من المدافعين عن الحكم المطلق، ويعلل بودان ذلك بأن الحكم غير المطلق معرض للثورات والفتن وصراع الأحزاب، وينكر نظرية العقد المجتمع لأنها تمنح الفرد الشعور بالمشاركة في تكوين الدولة.
أما جروتس فيدافع عن الاستبدادية بذريعة أنها أفضل السبل لتطبيق القانون الطبيعي، وأن الناس إذ قد ارتضوا هذا النوع من الحكم، فليس من حقهم أبداً أن يتراجعوا عنه (١).
وفي القرن التاسع عشر تطورت هذه الفكرات إلى فكرة فلسفية معقدة على يد هيجل (١٩٠٠)، ومدرسته التالية التي تمثل حلقة وصل بين العقائد المسيحية وبين النظريات الفلسفية المجردة، ولعل أعظم ما حققه أساتذتها هو تحويل الدين إلى فكر ومنطق.
فتحول الله إلى مطلق، والوحي إلى معرفة مطلقة، والمسيح إلى توسط، والشريعة إلى قانون مجرد، أي: أن العقيدة هي الحياة نفسها، والعقائد رموز تفكك إلى حقائق (٢).
ويرى هيجل أن التاريخ هو عبارة عن (تطور منطقي قائم على أساس مفهوم التقدم نحو النظام والمعقولية والحرية)، والدولة ليست مصطنعة عن طريق عقد اجتماعي أو غيره، بل هي كائن طبيعي له وجوده المتميز إذ هي تجسيد للحرية التي يرنو إليها التطور التاريخي.
والتاريخ -في نظره- ظل يتطور وفق قانون: الجدلية حتى بلغ
стр. 210
القمة في الدولة البروسية - التي كانت معاصرة لهيجل - ففيها تجسد المطلق والحرية والألوهية!! (١)
وعلى الرغم من النقد العاصف الذي تعرضت له النظرية من قبل أنصار النظريات الأخرى بسبب تقديسها الزائف للاستبداد، فقد كان لها أثر بالغ -لا سيما- في نفوس الألمان الذين ظلوا على استعداد للانقياد لحكومة ديكتاتورية يرون فيها تجسيداً لأعلى مثلهم القومية فكان بسمارك في القرن الماضي وهتلر في القرن العشرين.
واشتق منها ماكس فيبر نظريته في الكاريسما، ومعناها -عنده- القوة الخاصة التي منحتها الطبيعة للقلة المختارة للدلالة على الزعماء الذين يقوم نفوذهم على اعتقاد عام عند الناس بأن روحهم من روح الله مثل يوليوس قيصر ونابليون (٢).
وهذه النظرية -رغم أن عداوتها للدين ليست كسابقتها- ألحقت بالدين ضرراً بالغاً بتمسحها به وانتسابها اللفظي إليه وادعاء أن طواغيتها يستمدون سلطتهم من تفويض الله لهم، إذ نجم عن ذلك رد فعل عنيف ضد الدين من قبل من يسمون دعاة الحرية الذين وجدوا في هذه الدعوى فرصة لمهاجمة الأديان متذرعين بأنها تبارك الطغيان وتقدس الدكتاتورية.
والحق الذي لا مرية فيه أن الحكام الذين مارسوا الطغيان متسترين بهذه الدعوى هم أبعد ما يكون عن تنفيذ القانون الإلهي أي الحكم بما أنزل الله، فوق أنهم لا يستطيعون إقامة الدليل على أن الله منحهم الحق في التسلط على الأمم وإذلال الشعوب باسمه.
стр. 211
وواقع التاريخ يؤكد أن العدل الرباني والطغيان البشري نقيضان لا يجتمعان، وأن الذين كانوا يحكمون بما أنزل الله -فعلاً- ويستندون في سلطتهم إلى الوحي الإلهي حقيقة هم أعظم حكام البشرية عدلاً وإنصافاً وأشدهم رحمة وتواضعاً، وأنهم بفضل ذلك قد حققوا في دنيا الواقع ما كان الفلاسفة يحلمون به في الخيال، وهاهي ذي سيرة الأنبياء الذين حكموا بني إسرائيل وسيرة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين ومن حذا حذوهم تظهر فيها الصورة المشرقة والنموذج الرفيع للحكم الأمثل، وعكس ذلك تماماً كان الحكام الطغاة الذين يتبجحون بنظرية الحق الإلهي، فهم يمثلون أسوأ النماذج للجبروت والاستبداد.
وهكذا كلما كان الحاكم أقرب إلى الحكم بما أنزل الله كان حكمه أقرب إلى النزاهة والاستقامة، وحالت خشية الله بينه وبين أي لون من ألوان الطغيان، وكلما ابتعد عن الحكم بما أنزل الله سقط في مهاوي الظلم؛ وتلطخت صفحة حكمه بصنوف الاستبداد وأنواع الجور.
إذن فليست نظرية الحق الإلهي على حق فيما تضفيه على حكامها من القداسة المصطنعة والعمل حسب تفويض الله وإرادته، وكذلك ليس خصومها على حق في دعوى أن الدين يحبذ الطغيان ويشجع على الاستبداد.
стр. 212
النظريات الحديثة والمعاصرة:
انتقد المفكرون السياسيون في القرن الماضي والقرن العشرين النظريات السياسية السابقة، وأبدوا اعتراضاتهم المتباينة عليها.
فهل انتقدوها لأنها تعطي حق الحاكمية لغير الله، وتضرب صفحاً عن الدين، وضرورة قيام الحياة كلها على تعاليمه وانبثاق معاييرها وتصوراتها كافة من مبادئه وأحكامه؟.
كلا، لم يحدث ذلك، بل إن احتمال حدوثه في هذه المرحلة التاريخية أبعد منه في المراحل السابقة، أما النظرية الخيالية فيرى هؤلاء أن من العبث أن يضاع الوقت في نقدها، وحسبها أن تكون خيالية بينما يعدون أنفسهم واقعيين.
وأما نظرية الكنيسة القائمة على أساس مملكة الله أو مملكة المسيح كما كانت تسميها، فما أسهل أن تنتقد ويشدد عليها اللوم، فهي نظرية رجعية، لا لأنها مخالفة لحقيقة الدين، بل لأنها -في نظرهم- تقوم على أساس تحكيم الدين.
والدين -أياً كانت صورته- هو العدو اللدود للباحثين العلميين هؤلاء، بعضهم يرى أن الدين عاطفة وجدانية أو رابطة
стр. 213
روحية تصل قلب الإنسان في فترات من حياته بالسماء، ولا ينبغي بحال من الأحوال إقحامه فيما لا علاقة له به، وهو واقع الحياة اليومية بالنسبة للفرد فضلاً عن الدولة والمجتمع عامة، وإلا فالدمار والاستبداد!
ويستشهدون بالتاريخ - تاريخ الكنيسة الكاثوليكية - التي كان رجالها أعتى الطغاة وأظلم الجبابرة.
وبعضهم يغلو ويشتط فيقول: إن الدين من أساسه شر محض وداء عضال يجب أن يستأصل ويزال؛ لأنه مخدر للشعوب وعائق عن التطور ووسيلة يتقنع بها المستبدون والمحتكرون لامتصاص ثروات الطبقات الكادحة المنكوبة.
ونظرية الحق الإلهي ينحى عليها باللائمة للعلة نفسها علة استمدادها من الدين؛ وإن كانت نسبتها إليه لا تعدو أن تكون من قبيل التزويق اللفظي.
ولنأخذ هارولد لاسكي وهو كاتب سياسي بارز مثالاً للكتاب المحدثين:
يلخص لاسكي هاتين النظريتين بإيجاز، ثم ينقدهما نقداً علمياً فيقول: "يمكننا أن نسمي نظرة الإنسان السائدة إبان تجربته البدائية بالنظرة اللاهوتية؛ فالقانون ليس سوى مجموعة من القواعد الإلهية التي منحها الإله أو الآلهة لمن يعيشون في ظلها، وبناء على ذلك فهي خليقة بأن تطاع لأن مصدرها الوحي المقدس، والمثل الواضح على ذلك قوانين موسى وشريعة حمورابي ... ".
وتصبح هذه النظرة عند هيجل نظرة كونية عندما ينظر إلى سير التاريخ على أنه فكرة تكشف عن حرية تتزايد على الدوام، وتحقق وجودها خلال تطور الدولة.
стр. 214
هذه النظريات كلها تتفق في خاصية واحدة هي أنها تجعل إبرام العقد خارج سيطرة الإنسان، فجوهر القانون دائماً بعيد عن الإنسان، وعليه أن يجده، ويكمن الصلاح في اتباع الإنسان شريعة لا يد له في وضعها.
ومن الواضح قصور مثل هذه النظريات، فقد أثبتت البحوث التاريخية خطأ كل النظم التي تدعي أنها تعمل في ظل العقوبات اللاهوتية. فالإله الذي أوحى بها يتكلم لغة غامضة لا سحر فيها إلا على من نصبوا أنفسهم أتباعاً له (١).
ومع أن لمناقشة هذه الأفكار -إجمالاً- موضعاً آخر من البحث؛ فإن مثل هذا الكلام لا ينبغي أن نتجاوزه دون تمحيص؛ لا سيما وأنه ليس فلتة من كاتب، وإنما هو اتجاه سائد وظاهرة عامة في الفكر السياسي الغربي.
إن هذا الكلام وما شاكله من مواقف غير علمية يتخذها معظم الباحثين اللادينيين حيال أية قضية من قضايا الدين مما لا يليق بالباحث النزيه الذي يتحرى الدقة والموضوعية فيما يقول.
ويتجلى فيه بوضوح جهالة مزدوجة بحقائق التاريخ وحقائق العلم على حد سواء، أما الجهالة التاريخية فتبدو في تعميم الأحكام، وهو خطأ ندر من ينجو منه من كتاب الجاهلية الغربية الصليبية، إذ يعممون أحكامهم عن الدين والشرائع جاهلين - أو متجاهلين - أن الدين في صورته الإلهية الحقة (الإسلام) لا يصح مطلقاً أن يعبر عنه ضمن الأديان والنحل الأخرى وأن يوصم بما توصم به المسيحية الرسمية التي دانت بها أوروبا ولا بما توصف به شريعة التوراة المحرفة التي يسميها لاسكي قوانين موسى.
стр. 215
إن التاريخ - على العكس مما توهم لاسكي - ليسجل للأمة الإسلامية إبان تطبيقها الكامل لشريعة الله أزهى عصر عرفته البشرية عدالة ورخاء، وأنصع صفحة من صفحاته على الإطلاق، اللهم إلا إذا كانت البحوث التاريخية التي يقصدها لاسكي هي بحوث المتعصبين الغربيين الحاقدين!
وأما الجهالة العلمية فتبرز في دعوى أن القانون الأمثل هو الذي يضعه الإنسان لنفسه، وليس الذي يضعه له الإله.
وهي دعوى ناشئة لا عن الجهل بمقام الألوهية فحسب، بل عن الجهل الفاضح بحقيقة الإنسان وقصور علمه وعجز إدراكه ومحدودية معرفته، حيث أن في طبيعته وتكوينه من صفات النقص ونواحي الضعف ما يجعله أعجز وأجهل من أن يشرع لنفسه.
وهو مهما اكتشف من نواميس الكون وأسرار الوجود فلن يصبح إلهاً بحال من الأحوال كما يتوهم المغرمون بالعلم، وصفة الحاكمية التي تعني حق التشريع من أخص صفات الألوهية وأوجبها.
والإنسان في كل مرحلة من مراحل وجوده خلق ليعبد الله لا ليعبد نفسه؛ بدليل أنه يجد نفسه محكوماً بسنن ونواميس إلهية لا يستطيع - بالغاً ما بلغ - أن يتجاوز نطاقها.
أما الجانب الإرادي من حياته فإنما أعطاه الله حرية الاختيار فيه ليبتليه أيكفر أم يشكر، وفي ذلك تكريم له ورفع لقدره بين المخلوقات، فإن اتبع فيه شريعة الله حصل له الانسجام مع نفسه ومع الكون كله، وإن اتبع هواه وتمرد على خالقه كان التصادم بينه وبين فطرته