النظريات، والتوجيه للاستراتيجية السياسية، وقيادة كل جهاز في الدولة والإشراف عليه (١).
يقول أحد الكتاب الشيوعيين: (إن وضع قيادة البلاد في يد مثل هذه القوة المنظمة الهادفة -وهى الحزب الشيوعي- يطبع المجتمع كله بطابع موحد، وهذا ينجح في مقاومة محاولات التدخل من الخارج ويحل مشكلات كبرى بروح المثل الشيوعي، (٢) تلك هي ملامح الديمقراطية الشعبية التي يهتف لها زعماء الشيوعية وكتابها، ويبالغون في إطرائها وتمجيدها ... !
فما رصيد هذه الديمقراطية الفريدة من الحق والعدل؟ وما هي إيجابيتها ومنجزاتها؟ وما مقدار سلامتها من عيوب نظيرتها ديمقراطية الرأسماليين)؟
إن الواقع المشاهد الذي لا يحتاج إلى دليل خارجي هو أن أنظمة الحكم الشيوعية الديمقراطية الشعبية! هي أبشع أنواع الأنظمة الاستبدادية " الدكتاتوريات" في التاريخ، وأن الدول الشيوعية المعاصرة هي في الواقع أشبه شئ بمعتقلات فسيحة زبانيتها أعضاء الحزب الشيوعي، ونزلاؤها الشعب بكامله، وما الستار الحديدي الذي ضربته هذه الدول لإخفاء تلك الحقيقة إلا واحداً من الأدلة الفاضحة عليها، وهذا ليس حكماً نصدره من عند أنفسنا، ولا هو برأي نقلناه عن كتاب مناهضين للشيوعية، ولكنه شيء من وصف زعماء سياسيين وصل بعضهم إلى مرتبة نائب رئيس دولة شيوعية، والآخرون كانوا في مرتبة عضو بالحزب الشيوعي للمستويين القطري والدولي.
كما أن الحقيقة أظهرها مفكرون بارزون في الغرب، دفعتهم
стр. 247
مساوئ المجتمع الديمقراطي الرأسمالي إلى اعتناق الشيوعية، والدفاع المتحمس عنها، فلما انجلت لهم الحقيقة المرة ارتدوا عنها إلى غير بديل.
فمثلاً: ميلوفان دجيلاس النائب السابق لرئيس يوغسلافيا يقسم المراحل التي مر بها الحكم الشيوعي إلى ثلاث:
١ - حكم ثوري فردي ديكتاتوري: لينين.
٢ - حكم عقائدي فردي إرهابي: استالين.
٣ - حكم سياسى (غير عقائدي) جماعي بيروقراطي: خروتشوف فصاعداً.
ويقول عن الانتخابات الشيوعية: إنها سباق يعدو فيه حصان واحد، ويقول عن الأحزاب الشيوعية: "لقد أكدت هذه الطقبة الجديدة أنها أكثر تسلطاً في الحكم من أية طبقة أخرى ظهرت على مسرح التاريخ، كما أثبتت في الوقت نفسه أنها تحمل أعظم الأوهام، وأنها تكرس أعتى أساليب الظلم في مجتمع طبقي جديد" (١).
ويقارن بين القوانين المعلنة وغير المعلنة قائلاً: "إن كافة المواطنين يدركون أن الحكومة هي في أيدي اللجان الحزبية، وتحت رقابة البوليس السري، وبالرغم من أن دور الحزب الشيوعي في الشئون الإدارية غير معلن، فإن سلطته مكرسة في كافة المؤسسات والمنظمات والقطاعات. كما أنه في الوقت نفسه ليس هناك أي قانون يعطي البوليس السري الحق في رقابة المواطنين، ومع ذلك فإنه يتمتع بمطلق الصلاحيات، ومع أنه ليس هناك أي نص قانوني يقضى بضرورة إشراف البوليس السري واللجان الحزبية على
стр. 248
السلك القضائي إلا أن هاتين القوتين الغاشمتين تقومان بالإشراف والهيمنة الفعلية على ذلك السلك" (١).
أما آرثر كوستلر - العضو السابق في الحزب الشيوعي والكاتب الروائي البارز - فيقول: "إن الكومنترن يتاجر في العناوين والشعارات، كما يتاجر مروجو الخمور الممنوعة في أنواعها الزائفة المقلدة، وكلما كان العميل أقرب إلى السذاجة سهل عليه أن يصبح ضحية لأنواع الخمور الفكرية التي تباع تحت عناوين السلام والديمقراطية والتقدم وما شئت من هذه الأسماء" (٢).
ويتحدث أندريه جيد بعد رجوعه عن الشيوعية قائلاً: "إن الناس في روسيا الآن يطلب منهم الموافقة والمصادقة على كل ما تفعله الحكومة، أما أقل معارضة أو نقد فإنها تعرض صاحبها لأقسى العقوبات، بالإضافة إلى إخماد هذه المعارضة وطمسها، إن أحسن الناس سجلاً في هذا السلم الاجتماعى الجديد من أسفله إلى أعلاه هم أكثرهم ذلة وعبودية، أما أولئك الذين تبرز منهم أية ناحية استقلالية فإنهم يحصدون أو ينفون، ولن نلبث حتى نرى أن هذا الجنس الباسل الذي استحق عن جدارة كل حبنا وإعجابنا لم يبق منه إلا النفعيون والجلادون والضحايا، لقد أصبح العامل الصغير صاحب الرأي الحر كالحيوان المطارد يلقى الجوع والتحطيم ثم الهلاك، إننى أسائل نفسي: هل هناك دولة أخرى في العالم - بما في ذلك ألمانيا في عهد هتلر - قد كان العقل فيها والروح أقل حرية وأكثر ذلة واستعباداً أو جبناً أو خوفاً منها في الاتحاد السوفيتي؟ " (٣).
стр. 249
ويصف لويس فيشر - الذي عانى التجربة نفسها مع الشيوعية - المسخ الفكري هناك بقوله: "ضاعت كل مقاييس الحكم الثابتة، ولم يعد يدرى ماذا يعتنق، وماذا يرفض، وقد لا يأتي المساء حتى يعلن على ملائكة هذا الصباح أنهم شياطين، إن التشويش العقلي الذي ينتج عن هذا أفضى إلى النفاق وإلى التقبل الآلي والتلقائي لكل وحي جديد قد يأتي من سماء الكرملين، فهنا على الأقل يجد الإنسان الحد الأدنى من السلامة والأمن لنفسه" (١).
وكان من المخدوعين بالديمقراطية الشيوعية برتراند رسل الذي اكتشف الحقيقة، فكتب مناقضاً لهذه الدعوى: "إن الطبقة العاملة في روسيا في سنة ١٩١٧ كانت أقلية ضئيلة بين السكان، وكانت الأغلبية الساحقة من الفلاحين، فتقرر عندئذٍ أن يكون الحزب البلشفي هو ذلك الجزء من الطبقة العاملة الذي يتمتع بالوعي الطبقي، وأن لجنة صغيرة من زعمائه هم الذين يعدون الجزء الواعي طبقياً بين الحزب البلشفي، وهكذا صارت دكتاتورية العمال دكتاتورية اللجنة الصغيرة، ثم انتهى الأمر بأن أصبحت دكتاتورية رجل واحد هو استالين، وإذ زعم أنه الوحيد ذو الوعي الطبقي بين طبقة العمال أخذ يحكم بإعدام الملايين من الفلاحين جوعاً، ويحكم على ملايين غيرهم بالسخرة في معسكرات الاعتقال" (٢).
ولعل خير ما نختم به موضوع الواقع المعاصر للأنظمة العالمية التي تحكم بغير ما أنزل الله هو العبارة اليائسة التي قالها لويس فيشر: "بعض الناس يقض مضاجعهم ما يقترفه العالم الرأسمالي من
стр. 250
جرائم وآثام، فيظلون عمياً لا يرون جرائم البلشفية وإفلاسها، وكثير منهم يستغلون نقائض العالم الغربي ليصرفوا الانتباه عن فظائع موسكو البشعة، أما أنا فأقول: لعن الله كليهماً".
стр. 251
- الفصل الثاني: علمانية الاقتصاد:
الاقتصاد هو: الإله الأكبر للجاهلية الأوروبية المعاصرة دون منازع! والجاهلية الأوروبية مثلها مثل أي جاهلية في التاريخ لا تنتهج خطاً وسطاً متزناً، بل تتحكم فيها ردود الفعل، وتتسم تصرفاتها بالغلو والتطرف والاندفاع، فليس طريق الحياة الأوروبية إلا خطاً متذبذباً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ولا تستطيع الجاهلية الأوروبية أن تنظر إلى أي شيء إلا من خلال منظار له عدستان متقابلتان: إحداهما تكبر كل شيء عن حجمه الحقيقي، والأخرى تصغره عن حجمه الحقيقي، وبين هاتين تضيع الرؤية الحقيقية.
وهذه الظاهرة تتجلى في كل ناحية من نواحي الحياة، وربما كانت في الاقتصاد أكثر تجلياً .. كانت أوروبا تحتقر الحياة الدنيا، وتزدري ما أحل الله من الطيبات، وتقدس الفقر والتقشف وتبارك البؤس والشقاء؛ لأن ذلك وسيلة للخلاص من الخطيئة، وهو الغرض الوحيد من الوجود الإنساني (١)
ثم انقلب الأمر رأساً على عقب وتحولت أوروبا إلى وحش ضار، وهجمت بكل قواها على المتاع الحسي، وتطلعت بكل حواسها إلى الشهوات الزائلة، تريد أن تلتهم كل متعة، وتنتهب كل لذة حتى
стр. 252
غرقت في الدنيا ونسيت الآخرة بل نبذتها نبذاً كاملاً، ليس هذا فحسب، بل إن أوروبا عبدت -حقيقة لا مجازاً- الإنتاج المادي والطواغيت الذين يتحكمون فيه الطبقة الرأسمالية أو الحزب الشيوعي، فالصورة التي لم تتغير هي صورة العبودية المذلة، وإنما تغير الطاغوت المعبود، فأصبح الرأسمالي أو عضو الحزب بعد أن كان النبيل أو رجل الدين!
هذه العبودية المطلقة، وذلك الاتجاه الكلي إلى المادية - فكراً وسلوكاً - هما اللذان يحددان موقف المجتمع الغربي المعاصر من الدين، وبهما تظهر الجاهلية المعاصرة مجردة عن كل زيف خالية من أي طلاء.
وما علينا إلا أن نتأمل مجرى التاريخ الاقتصادي الأوروبي، ونمعن النظر في نظرياته الكبرى من العصر الإقطاعي حتى الآن، وحينئذٍ لن نفاجأ بهذه الحقائق الواضحة.
أولاً: نظرية الكنيسة ونظام الإقطاع:
- على الرغم من أن الكنيسة لم تحاول تغيير بنية المجتمع المسيحي أو تنظيم بعض مجالات الحياة على الأقل، فقد كان لها أثر فعال في اقتصاد القرون الوسطى من الوجهة النظرية.
أقرت الكنيسة النظام الإقطاعي السائد، بل أصبحت مؤسسة من مؤسساته الثابتة، وأقرت الاضطهاد الفظيع الذي كان يتعرض له أرقاء المجتمع رغم تنافيه مع تعاليم الإنجيل، ولكنها في مواقف أخرى كانت أكثر تشدداً، لا سيما في مسألة الربا، والواقع أن الربا جريمة تشترك في تحريمها كل الرسالات السماوية، وتحاربها الكتب المقدسة جميعها، وهي ظاهرة لها مغزاها العميق.
стр. 253
ويتحدث ول ديورانت عن ذلك فيقول: "كانت العقيدة المسيحية في الربا أكبر العقبات في نمو النظام المصرفي وتقدمه، وكان جيروم يرى أن الكسب كله حرام، كما أن أوغسطين يرى أن جميع الأعمال المالية إثم، لأنها تصرف الناس عن السعي للراحة الحقة أعني الله وكان البابا ليو الأول قد رفض هذه العقائد المتطرفة، ولكن الكنيسة ظلت لا تعطف على التجارة، وترتاب في جميع أنواع المضاربات والمكاسب، وتعارض جميع صنوف "الاحتكار" و"الجبأ" و"الربا" وكان هذا اللفظ الأخير يطلق في العصور الوسطى على فائدة المال أياً كان قدرها وفي ذلك يقول أمبروز الربا هو كل مال يضاف إلى رأس المال، وقد أدخل جرايتان هذا التعريف الجامد في القانون الكهنوتي الذي تسير عليه الكنيسة.
ثم إن مجلس لا تران الثالث ١١٧٩ جدد هذا التحريم، وقرر أن الذين يجهرون بالربا لا يقبلون في العشاء الرباني، وإذا ماتوا وهم على إثمهم لا يدفنون دفن المسيحيين، وليس لقسيس أن يقبل صدقاتهم.
أما البابا جريجوري التاسع فقد قال: إن الربا هو كل ما يناله الإنسان من كسب نظير قرض، وظل هذا الرأي قانون الكنيسة الرومانية حتى عام ١٩١٧م، وقد ظلت قروناً طوالاً تظن أن جميع المرابين يهود.
وظل تشريع الحكومات زمناً طويلاً يؤيد موقف الكنيسة في هذه الناحية، وكانت المحاكم الدينية نفسها تحرم الربا، ولكن تبين أن حاجات التجارة أقوى أثراً من خشية السجن أو الجحيم.
ثم ألغت معظم الدول الأوروبية بعد عام ١٤٠٠ ما وضعته
стр. 254
من قوانين لتحريم الربا، ولم يكن تحريم الكنيسة إلا كلاماً مهملاً يتفق الناس جميعاً على إغفاله (١)
ويرى جورج سول أن الكنيسة كانت تحرم الربا لسبب نفعي؛ بالإضافة إلى الدافع الديني، فيقول سول: "هذا التأكيد بفساد الربا وشروره ليس فكرة مجردة فحسب، ولكنه كما هو الشأن بالنسبة إلى معظم المذاهب الأخرى البارزة في ذلك الحين وفي عصرنا هذا- كان يحقق غرضاً هاماً حينذاك لأولئك الذين عملوا على ترويج الفكرة".
لقد شعرت الكنيسة وحلفاؤها الإقطاعيون في العصور الوسطى -وبحق- أن ثمة خطراً يهدد سلامتهم وسلطانهم نتيجة نمو الرأسمالية، وإن لم يطلق عليها أحد هذه التسمية، إن استنكار الربا كان من الأغراض الدالة على أن وسائل جديدة في الإنتاج والتبادل بدأت تعمل على تقويض دعائم النظام الإقطاعي (٢).
وعلى أية حال فإن اقتصاد القرون الوسطى لم يكن يستطيع التملص من اتباع التعاليم الكنسية التي كانت جزءاً من النظام الأخلاقي المسيحي، كما أنه كان -في الوقت نفسه - خاضعاً ومقيداً بالأعراف الإقطاعية السائدة، ولذلك كان حتماً أن ينهار بانهيار الكنيسة والإقطاع.
ولا شك أن الكنيسة ارتكبت خطأ فادحاً بإقرارها للواقع السيئ، وعدم وضع سياسة اقتصادية عامة وعادلة تستمد أصولها من الدين، كما أن سلوكها الذاتي وطغيانها المالي الفظيع قد جعلاها قدوة للظالمين، ومحط أنظار المقت والحقد من المظلومين.
стр. 255
وإذا حاولنا تحديد النظرية العامة للكنيسة إجمالاً - مع استثناء مسألة الربا وملحقاتها - فإن أقرب وصف يفي بالمراد هو أنها نظرية طبيعية إقطاعية، ومن اليسير إدراك أن هذه النظرية لم يكن لها منهج مستقل، بل كانت تستمد من الأسس الأخلاقية العامة.
صورة مجملة لنظام الإقطاع:
إن النظام الذي هيمن على الحياة الأوروبية طوال القرون الوسطى، وعاصر شباب المسيحية، وشكَّل بالاندماج معها ملامح القارة الأوروبية آنذاك هو نظام الإقطاع، ونظام الإقطاع الأوروبي يأتي في طليعة الأنظمة الجاهلية التي لا ينفك عنها الظلم، ولا ينفصم عنها الطغيان، والإنسان في ظله مسلوب الإرادة مهدر الكرامة ضائع الحقوق.
والواقع أن الدول التي تتكون منها القارة الأوروبية لم تكن في الحقيقة إلا مجموعة من الإقطاعيات تخضع لملك أو إمبراطور مركزي، جل همه أن يحصل على الضرائب والجنود من السيد مالك الإقطاعية، أما داخل الإقطاعية فكانت تبرز الصورة البشعة للنظام الإقطاعي.
ومع ملاحظة أن هذا النظام تختلف صوره باختلاف العصور والأقاليم، فإن ملامحه العامة وجوهره الموحد يمكن أن يحصرا في تقسيم المجتمع طبقتين: إحداهما في قمة الترف، والأخرى في حضيض العوز، وكل طبقة تتألف من طائفتين، فالطبقة العليا هي طائفتا السادة الملاك ورجال الكنيسة، والطبقة الدنيا: هي طائفتا العبيد ورقيق المجتمع، ومن هذه الأخيرة صغار القساوسة والزهاد من رجال الكنيسة.
стр. 256
أما حقوق وواجبات كل فرد من هذه الطبقات فكما يلي:
١ - السيد المالك: هو المسيطر الفعلي وصاحب النفوذ القوي في هذا النظام، وقد كان يملك حقوقاً لا حصر لها في حين ليس عليه أي واجبات: "كان من حقه أن يضرب رقيق أرضه أو يقتله في بعض الأماكن أو الأحوال دون أن يخشى عقاباً، وكانت له في أملاكه كل السلطات القضائية والعسكرية، وكان يستفيد فوق ما يجب من الغرامات التي تفرضها محاكم الضيعة ... وكان في وسع السيد الإقطاعي أن يمتلك أكثر من ضيعة واحدة ... وقد يكون له قصر حصين في كل واحدة منها، وكان قصره يهدف إلى حماية سكانه أكثر مما يهدف إلى راحتهم ... يحيط به خندق عميق عريض وسور متصل عال وأبواب حديدية؛ وفي وسطه برج حجري دائري يسكن فيه السيد وأسرته، وكانت جدرانه الحجرية المنيعة عماد قوة الملاك ضد مستأجريهم وضد الملك.
وكان الرجل الذي يمنعه كبرياؤه من أن يكون رقيق أرض، ولكنه أضعف من أن يعد لنفسه وسائل الدفاع العسكرية، يؤدي مراسم الولاء لشريف إقطاعي، يركع أمامه وهو أعزل عاري الرأس، ويضع يديه في يدي الشريف، ويعلن أنه رجل ذلك الشريف، ثم يقسم على بعض المخلفات المقدسة ... أن يظل وفياً للسيد إلى آخر أيام حياته، ثم يرفعه السيد ويقبله" (١).
وكون الإنسان مالكاً نبيلاً لا يعتمد على جهوده الذاتية، ولا هو مما يمكن اكتسابه، فالنبيل يولد نبيلاً ويظل كذلك إلى الموت، والعبد يولد عبداً ويعيش حياته كلها في أغلال العبودية، أي أن المجتمع الإقطاعي
стр. 257
يقوم بتوزيع أعضائه على العامل الوراثي وحده، إلا إذا طرأ تبدل فجائي كامل على الحياة فينقطع، لكنه يعود إلى التحكم فور استقرار الأوضاع.
٢ - رجل الدين: كان رجل الدين بسلطته الروحية سيداً إقطاعياً إلى حد ما، وكان يملك الإقطاعيات، ويتحلى بالألقاب الإقطاعية، ويورث مرتبته لذريته، وقد سبق الحديث عن ذلك (١).
٣ - العبد: أباحت الكنيسة استرقاق المسلمين والأوروبيين الذين لم يعتنقوا الدين المسيحي، وكان آلاف من الأسرى الصقالبة أو المسلمين يوزعون عبيداً على الأديرة ... وكان القانون الكنسي يقدر ثروة أراضي الكنيسة في بعض الأحيان بعدد من فيها من العبيد لا بقدر ما تساوي من المال، فقد كان العبد يعد سلعة من السلع كما يعده القانون الزمني سواء بسواء، وحرم على عبيد الكنائس أن يوصوا لأحد بأملاكهم ... وحرم البابا جريجوري الأول على العبيد أن يكونوا قساوسة، أو أن يتزوجوا من المسيحيات الحرائر ... وكان القديس توماس أكونياس يفسر الاسترقاق بأنه نتيجة لخطيئة آدم، (٢) وإذا كان هذا هو نظر الكنيسة التي تنادي بالمحبة والرحمة فما بالك بمعاملة السيد رجل الدنيا لعبيد إقطاعيته ... ؟
٤ - رقيق الأرض: لم يكن رقيق الأرض عبداً بمعنى الكلمة، لكن حاله لا يختلف عن العبد في شيء، والفارق بينهما أن العبد - في الأصل - إما أسير مغلوب وإما مخالف للسيد في الدين أو الجنس أو المذهب، بعكس الرقيق الذي هو أصيل في الإقطاعية، وينتمي إلى الدين والجنس اللذين ينتمي إليهما سيده.
стр. 258
والأصل في رقيق الأرض أنه رجل يفلح مساحة من الأرض يمتلكها سيد أو بارون، وكان في وسع المالك أن يطرده متى شاء، وكان من حقه في فرنسا أن يبيع الرقيق مستقلاً عن الأرض ... أما في إنجلترا فقد حرم من مغادرة الأرض، وكان الذين يفرون من أرقاء الأرض يعاد القبض عليهم بنفس الصرامة التي يعاد بها القبض على العبيد، وهذا الصنف هو الصنف الغالب في الإقطاعيات، بل هو في الحقيقة يمثل مجموع سكان أوروبا تقريباً باستثناء النبلاء ورجال الدين, والمدهش -حقاً- هو تلك القائمة الطويلة من الواجبات التي يؤديها الرقيق للمالك، عدا خضوعه المطلق لسلطته وارتباطه المحكم بإقطاعيته:
١ - ثلاث ضرائب نقدية في العام.
٢ - جزء من محصوله وماشيته.
٣ - العمل سخرة كثيراً من أيام السنة.
٤ - أجر على استعمال أدوات المالك في طعامه وشرابه.
٥ - أجر للسماح بصيد السمك أو الحيوان البري.
٦ - رسم إذا رفع قضية أمام محاكم المالك.
٧ - ينضم إلى فيلق المالك إذا نشبت حرب.
٨ - يفتدي سيده إذا أسر.
٩ - يقدم الهدايا لابن المالك إذا رقي لمرتبة الفرسان.
١٠ - ضريبة على كل سلعة يبيعها في السوق.
١١ - لا يبيع سلعة إلا بعد بيع سلعة المالك نفسها بأسبوعين.
١٢ - يشتري بعض بضائع سيده وجوباً.
١٣ - غرامة إذا أرسل ابنه ليتعلم أو وهبه للكنيسة.
١٤ - ضريبة مع أذن المالك إذا تزوج هو أو أحد أبنائه من خارج الضيعة.
стр. 259
١٥ - حق الليلة الأولى! وهي أن يقضي السيد مع عروس رقيقه الليلة الأولى، وكان يسمح له أحياناً أن يفتديها بأجر، وقد بقي بصورته هذه في بافاريا إلى القرن الثامن عشر.
١٦ - وراثة تركته بعد موته.
١٧ - ضريبة سنوية للكنيسة، وضريبة تركات للقائد الذي يدافع عن المقاطعة (١).
هذا هو نظام الإقطاع الذي قامت على أنقاضه الحياة اللادينية المعاصرة، ومهما عدد الباحثون من سيئاته ومظالمه فإن أعظمها أثراً في الحياة والفكر أمران:
١ - ارتباط النظام الإقطاعي بالدين:
من الوجهة التاريخية كان النظام الإقطاعي في عنفوان شبابه، في الفترة نفسها التي كانت المسيحية فيها في أوج عظمتها، ثم كان انهيار النظام موازياً لانهيار الكنيسة، واستنتجت الجاهلية الحديثة من ذلك معادلة خاطئة هي:
إن المجتمع الإقطاعي طبقي ظالم، لأنه متدين، وإذن فزوال الظلم من المجتمع يستلزم نبذ الدين كلية، أو على الأقل عزله عن التأثير في مجريات الأحداث؛ وتلك كانت نظرية الكتاب الطبيعيين الذين وضعوا نواة الفكر الرأسمالي الحديث.
وتطرفت الشيوعية فنسبت للدين دوراً إيجابياً في إرساء قواعد الظلم الإقطاعي؛ بل حملت الدين كامل مسئولية تأخر الوعي الطبقي وعرقلة جهود الطبقة الكادحة، فلم تكتف بالقول بأن الدين يقر الظلم
стр. 260
ويوادعه؛ بل جعلت الدين أفيون الشعوب الذي يشل حركتها النضالية، ويعوقها عن المطالبة بحقوقها!
٢ - طابع الثبات المطلق:
كان النظام الإقطاعي نظاماً ثابتاً إلى درجة الجمود: ثابت التوزيع الاجتماعي، ثابت الحقوق والواجبات، ثابت الأخلاق والتقاليد، ثابت الأفكار والمعارف، ثابت الأحوال المعيشية، وكان ذلك مدعاة لأن يصطدم هذا النظام بسنة الله في الكون وفي سير التاريخ، فقد تزعزع هذا الثبات بالنهضة العلمية وحركة الإصلاح الديني، ثم نسف من أساسه بانفجار قنبلة التطور سنة ١٨٥٩ كما سبق، وقد شبه كتاب تاريخ البشرية انتقال أوروبا من الثبات إلى التطور بسفينة كانت راسية في ميناء وادع ثم ابحرت في خضم صاخب إلى غاية مجهولة بغير خريطة (١).
وهذان الأثران سيظهران بجلاء من خلال عرضنا للنظريات الاقتصادية، وإن كانا في الواقع قد شملا جوانب الحياة الأخرى، ومنها ما سبق عنه الحديث، ومنها ما سيأتي بإذن الله.
стр. 261
ثانياً: المذاهب الاقتصادية اللادينية:
-المذهب الطبيعي الفيزيوقراطي:
كانت المسألة الاقتصادية من أبرز المشكلات التي تصدى لها فلاسفة ومفكرو عصر التنوير -كما يسمى- في القرن الثامن عشر، وهو العصر الذي بدأت فيه العلوم والآداب تستقل عن المؤثرات الدينية بدرجة ملحوظة.
في ذلك العصر أخذت أوروبا الهاربة من نير الإقطاع وأغلال الكنيسة تبحث عن أنظمة ومناهج جديدة متحررة من التلازم التقليدي بين الشئون الحيوية وبين القواعد الأخلاقية الذي كان منهج القرون الوسطى.
وكانت الجفوة العميقة بين العلم والدين- التي مر الحديث عنها سلفاً - أبرز العوامل في انفصال النظريات الاقتصادية وغيرها عن المثل والقيم الدينية، وولادة الإله الذي عبده عصر التنوير بسذاجة متناهية: (الطبيعة).
كان لكل زاوية من زوايا الحياة مذهبها الطبيعي وكتابها الطبيعيون:
ففي السياسة عرفنا كيف قامت الديمقراطية على أسس المذهب
стр. 262
الطبيعي، وفي العلم والفلسفة حلت كلمة (الطبيعة) محل لفظ الجلالة، وهو إجراء ليس المقصود به التغيير اللفظي فحسب، وفي الشئون الاجتماعية ظهر كتَّاب يرون أن المجتمع الطبيعي هو المجتمع المثالي الذي يجب أن تعود إليه البشرية، وفي الأخلاق ظهرت فكرة الأخلاق الطبيعية؛ بل لقد كتب فلاسفة كبار عن موضوع الدين الطبيعي، ولعل أوضح تطبيقات المذهب الطبيعي يظهر في الموضوع الذي نحن بصدده وهو الاقتصاد.
يستعرض مؤلف كتاب المذاهب الاقتصادية الكبرى تاريخ هذا المذهب عموماً فيقول:
(اعتمد الناس خلال القرون التي خلت ... على القدامى من أمثال أرسطو وآباء الكنيسة يلتمسون عندهم المعرفة بشأن العالم الخارج عن دائرة ما يعيشون فيه، وكفاهم أن يعودوا إلى أولئك الأئمة ليستخلصوا من كتاباتهم تفسيراً لأي ظاهرة، وحل المنطق الاستنباطي محل دقة الملاحظة وعمق النظرية والتجربة.
غير أن نفراً من ذوي العقول أخذوا يكتسبون معرفة جديدة أكثر دقة، وذلك عن طريق دراسة الطبيعة ذاتها في تواضع وبالأسلوب الموضوعي، فالإدراك بأن الأرض ليست مركز العالم؛ بل تدور حول الشمس، والكشف الذي اهتدى إليه هارفي بشأن الدورة الدموية، (١) والنظريات التي طلع بها نيوتن عن الجاذبية والحركة، كل هذه أعقبتها عشرات من الملاحظات لها مغزاها وأهميتها، وإن كانت أقل شأناً ودرجة.
فإذا كانت المصادر القديمة قد أخطأت في نظراتها إلى العالم الطبيعي، أما كانت كذلك مخطئة في نظراتها إلى السلوك البشري؟!
стр. 263
أصبح كل شيء موضع التساؤل والشك، وعلى ذلك سمي العلم فلسفة، ولم يعد هناك تمييز بين الميادين التي عني كل منهما بفحصه، وأخذ الكتَّاب والمتفلسفون يعيدون البحث في النظم البشرية تماماً كما كانوا يفعلون بالنسبة إلى الأشياء غير البشرية، وهم في تصرفهم هذا كانوا يسلمون بأن الإنسان جزء من الطبيعة، وليس كائناً منفصلاً عن بقية المخلوقات؛ أوجدته العناية الإلهية وتولت رعايته.
وأصبح البحث ينصب على تفسير النتائج والأسباب بالنسبة إلى السلوك البشري -سواء أكان مرغوباً فيها أم غير مرغوب- عن طريق قوانين الطبيعة بدلاً من البحث عنها في إرادة الله، كما قالت الكتب المقدسة أو المذاهب الكنسية، ومعنى هذا - بتعبير آخر - أن علينا أن نسترشد في أعمالنا وتصرفاتنا بالعقل دون سلطة القدامى وآرائهم " (١).
إذن فقد كان عصر التنوير يرفض بصراحة الحكم بما أنزل الله، والرجوع إلى الله في تنظيم حياته العامة، أو على الأقل كان كما يقول بعض فلاسفته: يريد الرجوع تحت اسم مستعار هو الطبيعة، ومن طريق آخر غير طريق الوحي والكنيسة، وهو القانون الطبيعي.
أما أثر هذا المذهب على الاقتصاد فيوضحه سول بقوله: "سيطرت فكرة الآخرة على المذاهب السائدة خلال العصور الوسطى، وإن لم تسيطر على العادات والتقاليد، فالمجال الدنيوي بما
стр. 264
فيه الحياة الإنسانية نفسها ليس سوى مكان يستعد فيه الناس للحياة بعد الموت بما تشتمل عليه من ثواب وعقاب، فكان على المرء أن يتحمل الألم، وهو عالم أنه ليس إلا مقدمة لما يتوقع في حياة مستقبله، أما الدافع الفكري على تقويم العادات الاجتماعية أو زيادة الرفاهية الدنيوية فكان ضئيلاً اللهم إلا من حيث الفائدة الروحية التي يمكن اجتناؤها.
والآن تحول الاهتمام فأصبح محصوراً في تحسين الحياة على المجتمع، وكشفت العلوم والمخترعات عن إمكانيات المجتمع لذاتها، لقد كانت المكاسب المادية ظاهرة في كل شيء، وكان لا حد لها من حيث وجود أساليب أفضل وأيسر لإنتاج الأشياء، وسرت روح المغامرة.
وهنا برز السؤال التالي: أليس في وسع الفلسفة أن تعالج النظم البشرية بنفس الطريقة التي تدرس بها الأشياء المادية؟.
وكان الجواب: بالإمكان، ذلك أن المطلوب إنما هو تطبيق العقل على الأساليب التي يستخدمها الناس كيما يعيشون (كذا) معاً، وراح الكثيرون يصوغون الخطط والمشروعات التي تكفل قيام الحياة المثالية أو اليوتوبيا.
وصار لزاماً على الذين نبذوا الإيمان بالله كلية أن يبحثوا عن بديل لذلك، ووجدوه في الطبيعة، أما الذين ظلوا على استمساكهم بالدين ولو باللسان - وإن لم يكن في الواقع كما هو أغلبهم - فقد اعتقدوا أن الله يعبر عن إرادته عن طريق الطبيعة وقوانينها، وليس بوسيلة مباشرة، وبذلك لم تعد الطبيعة مجرد شيء له وجود فحسب، وإنما هو شيء ينبغي أن يطاع، وصارت مخالفتها دليلاً على نقص في التقوى والأخلاق (١).
стр. 265
وتعددت وجهات نظر الفلاسفة الطبيعيين بشأن تنظيم المجتمع، لا سيما من ناحية توزيع الثروة بطريقة عادلة، إلا أن الجامع المشترك بينهم في ذلك هو الفكرة التي سلفت في الفصل السابق، وهي حرية العمل التي يعبر عنها شعارهم المعروف: دعه يعمل، دعه يمر، أو دع الأمور وحدها تسير، فالطبيعة كفيلة بالتوازن.
وكانت بقايا النظام الإقطاعي في الواقع، مع شبحه الماثل في نفوسهم سبب مناداتهم بهذه الشعارات، واعتقادهم أنها أنجع الحلول لمشكلة الظلم الاجتماعي الناجمة عن سوء توزيع الثروة.
أما الأساس العلمي الذي توهموا أنهم أقاموا عليه صرح مذهبهم فهو نظرية نيوتن عن الأجرام السماوية وقوانين الحركة الطبيعية، فكما أن للنجوم والكواكب قانونها الطبيعي الذي يحدد لكل منها مساره الخاص دون أن يحدث بينهما أي اصطدام على الإطلاق، فكذلك - في نظرهم - لو ترك الناس إلى طبيعتهم، ولم يفرض عليهم قوانين خارجية، لانتظمت أحوالهم، وسارت وفق القانون الطبيعي الذي يكفل تطبيقه الحياة المثالية للمجتمع والأفراد دون تعارض واضطراب، وقد عرفنا في الفصل السابق كيف استغلت الطبقة المتوسطة المكونة من رجال المصارف وأصحاب المصانع المذهب الطبيعي، لكي تظفر باليد العاملة التي كانت حكراً على ملاك الإقطاعيات، ولتضمن حماية الدولة لممتلكاتها، لأن ذلك هو قانون الطبيعة.
وقد عبر راندال عن ذلك بقوله: "هكذا كان هذا العلم -أي: علم الاقتصاد السياسي- يبدو في الظاهر محاولة مجردة عن المصلحة، للوصول إلى فيزياء اجتماعية للثروة، لكنه كان في الحقيقية تبريراً منظماً للمطالب التي تهدف إلى
стр. 266
زيادة حرية جمع المال، وتستعين بالعلوم الجديدة البشرية والطبيعية (١)
٢ - المذهب الرأسمالي الكلاسيكي:
ليس هذا المذهب في الحقيقة إلا تطويراً للمذهب الطبيعي اقتضته الظروف الطارئة، والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية.
وكان الغرض المنطقي أن يكون هذا المذهب أكثر سماحة واعتدالاً في معاملة الطبقة الفقيرة، وأن يشتمل على خطط ومناهج إصلاحية تكفل إلى جانب امتيازات الأثرياء حقوقاً منصفة للفقراء.
لكن الذي حصل فعلاً هو عكس ذلك تماماً، فقد دعا زعماء هذا المذهب بكل صراحة إلى الجشع والاستغلال، وبرروا الوسائل غير الإنسانية التي كانت الطبقة الغنية تمارسها على المعدمين، ولم يكن إلحاحهم الشديد على حرية الفرد وحقه في العمل لمصلحته الذاتية إلا تأكيداً لحرية المحتكرين من أرباب المصانع والتجار والصيارفة.
كان المذهب الطبيعي ينسب للأرض القيمة الاقتصادية الكبرى، فأعطى المذهب الكلاسيكي هذه القيمة للعمل، وليس مرد ذلك إلى الانتقال من العصر الزراعي إلى العصر الصناعي فحسب، بل إنه ليعبر عن رغبات الطبقة الجديدة التي تريد أن تفرض نفوذها المالي على المجتمع، وتستأثر بالعمال الذين كانت غالبيتهم تعمل في الزراعة.
وتحت ستار التظاهر بالبحث عن أفضل السبل لتحقيق رفاهية المجتمع وتقدمه، وبناء قواعده على أسس علمية، كان دعاة المذهب يحملون نزعة لا أخلاقية لم يكن في وسعهم التكتم عليها، فقد
стр. 267
ظهرت في مؤلفاتهم الشهيرة التي يعدها العالم الرأسمالي اليوم أعز تراثه عليه، وإن كان حور وطور كثيراً من نظرياتها واستبعد الباقي.
وأشهر الرأسماليين الكلاسيكيين آدم سميث ومالتس وريكاردو إذ على أكتافهم نهض المذهب الفردي الرأسمالي وترعرع.
وهذه خلاصة لمذهب كل منهم وآثاره العملية:
أ- آدم سميث (١٧٩٠):
أما آدم سميث فهو فيلسوف الاستعمار، وكاهن الرأسمالية الأكبر، وكتابه ثروة الأمم أهم المؤلفات الاقتصادية وأبعدها أثراً، يقول روبرت دوانز في مؤلفه كتب غيرت وجه العالم: "النظرية الأساسية في كتاب ثروة الأمم نظرية ذات نزعة مكيافيللية، وهي أن العامل الأول في نشاط الإنسان هو المصلحة الشخصية، وأن العمل على جمع الثروة ما هو إلا مظهر من مظاهرها، وبذلك قرر أن الأنانية والمصلحة الشخصية تكمن وراء كل نشاط للجنس البشري، وصارح الناس باعتقاده أنها ليست صفات ممقوتة يجب الابتعاد عنها، وإنما هي على العكس عوامل تحمل الخير إلى المجتمع برمته، وفي رأيه أنه إذا أريد توفير الرفاهية للأمة، فلا بد من ترك كل فرد يستغل أقصى إمكانياته لتحسين مركزه بشكل ثابت منظم دون تقييد بأي قيد، فللحصول على غذائنا لا نعتمد على كرم الخمار أو الخباز أو الجزار، وإنما هم يقدمونه لنا بدافع من مصلحتهم الشخصية، وإنا عندما نخاطبهم لا نتجه إلى ما فيهم من دوافع إنسانية، وإنما نتجه إلى مصلحتهم المادية، ولا نكلمهم عن احتياجاتنا، بل عما يعود عليهم من نفع وفائدة" (١).
стр. 268
آثار مذهبه:
على الرغم من هذه الروح غير الأخلاقية، حظي سميث وكتابه بشهرة واسعة لا يضاهيها أي من المعاصرين له، ومنحه المفكرون والكتاب لقب (أبو الاقتصاد العصري) وليس ذلك إلا للخدمة التي أسداها سميث لرجال الأعمال الرأسماليين، والوسائل التي نبههم لاستعمالها في الوقت الذي أسقط فيه حساب الجموع الغفيرة من الزراعيين والعمال الذين يكابدون البؤس والشقاء. ولم يقتصر سميث على إنجلترا ولا على أوروبا وحدها، بل كان كتابه المذكور إنجيلاً للمستعمرين الذين تدفقوا على قارات العالم الأخرى، ينهبون خيراتها ويستعيدون شعوبها، حتى لقد عد الفصل الذي يتحدث عن المستعمرات أشهر فصول الكتاب.
يقول ماركس لرز: "كان أغلب الذين عنوا بقراءة ذلك الكتاب هم أولئك الذين أفادوا فائدة شخصية من الآراء التي وردت فيه، وهؤلاء هم التجار المحدثون وحلفاؤهم من الأعضاء في برلمانات العالم ولجانهم الثقافية التنفيذية في الجامعات، وعن طريق هؤلاء أثر الكتاب تأثيراً عظيماً في جميع من يليهم من شعوب العالم رغم أنها لا تعلم شيئاً عن الكتاب ذاته، كما أنه عن طريقهم أيضاً أحدث آثاره الهائلة في التفكير الاقتصادي والسياسة العالمية" (١).
على أن سميث لم يسلم من المعارضين من ذوي الميول الدينية مثل رسكن الذي قال عنه:
стр. 269
"إنه الاسكتلندي الغبي الهجين الذي يدعو الناس عامداً إلى ارتكاب التجديف في الدين بقوله: عليك أن تكره الرب إلهك، وتعصي وصاياه، وتشتهي مال قريبك ... كما لم يسلم ممن عارضه لأسباب إنسانية، مثل كثير من أحرار المفكرين الذين لم يغفروا لسميث قط أنه أداة في ذلك الاستغلال الدنيء الذي انتهجه رجال الأعمال وأصحاب المصانع، إذ اتخذوا من مبدأ حرية التجارة وآرائه فيه منهجاً لهم في أعمالهم، فقد انتهز هؤلاء تلك الفرصة فشوهوا كل مبدأ دعا إليه لحماية العامل والزارع والمستهلك والمجتمع عامة، وفسروها على أنها إباحة مطلقة لمصلحتهم الشخصية، لا تتقيد بأي قيود أو تدخل من جانب الحكومة" (١).
(ب) مالتس (١٨٣٤):
لئن كان سميث أب الرأسمالية فإن مالتس هو محاميها العظيم، وإذا كان سميث قد اتخذ موقفاً سلبياً أو شبه سلبي من المعوزين والمهضومين، فإن مالتس اتخذ حيالهم دوراً إيجابياً، لكنه - للأسف - ضدهم إلى أبعد الحدود.
ظهر في القرن الثامن عشر عدد من الكتاب المغرقين في التفاؤل من أمثال كوندورسيه وجدوين وتوماس بين وشكلوا مدرسة اجتماعية طبيعية، تؤمن بأنه إذا تمتع كل فرد بما أسموه حقوق الإنسان، وأزيلت الحواجز الاصطناعية التي تعوق ذلك، فإن عصراً مزدهراً أو يوتوبيا حقيقية تنتظر البشرية، فالطبيعة حسب تعبيرهم وفرت لوازم السعادة وهيأتها لبني البشر، وما عليهم إلا أن يحسنوا اقتسامها وتوزيعها.
стр. 270
لم ترق هذه النظرية لمالتس ذي النزعة التشاؤمية، وكانت معاصرته لهؤلاء الكتاب من أسباب تحمسه للرد عليهم، فنشر سنة ١٧٩٨ كتيباً بعنوان: مقال في قواعد ازدياد السكان أوضح فيه رأيه الصريح إزاء الموضوع.
يقول سول: "إن مذهب مالتس بسيط في جوهره، فالتكاثر إن لم يحده قيد فإنه يدعو إلى تزايد السكان وفقاً لمتوالية هندسية، في حين أن الزيادة في موارد الغذاء ليست بهذه السرعة أو أنها -بعبارة أخرى -تسير حسب متوالية عددية" (١).
ولم يخف مالتس اعتراضه على حقوق الإنسان التي أعلنها توماس بين فقد رد عليه قائلاً: "إن رجلاً يولد في دنيا قد استولى عليها الناس من قبله، وتملكوا خيراتها، ولم يجد العون الطبيعي من والديه، وما دام المجتمع في غنى عن خدماته، فهذا الرجل لا يستطيع أن يدعي لنفسه حقاً في كسرة خبز، ولا حق له في الوجود في هذا العالم" كما أنه انتقد البرنامج الذي وضعته الحكومة الإنجليزية لإعانة الفقراء بقوله: "إن قوانين الفقراء في إنجلترا تؤدي إلى تفاقم حالة الفقراء عامة في ناحيتين:
الأولى: هي أنها تعمل على زيادة عدد السكان دون زيادة غلة الأرض لإعالتهم.
والثانية: أن كميات الحاجيات التي تستهلك في ملاجئ الفقراء
стр. 271
-وهم طبقة غير منتجة- تقلل من الأنصبة التي كان يجب أن تعطي كاملة للطبقة العاملة" (١).
وهكذا حرم مالتس الإحسان تحريماً قاطعاً سواء أكان من الدولة أو من الأفراد، وذهب إلى أن كل مشروع لتحسين حالة المجتمع سينتهي إلى كارثة، وقال: إن على المجتمع أن يرفض تقديم الإحسان أو الإعانات إلى الأسر التي تعجز عن تدبير وسائل معيشتها (٢).
والمصيبة أن الذي يطرح هذه الأفكار، ويطالب المجتمع بتطبيقها ليس رجلاً علمانياً، ولكنه رجل دين بمرتبة قسيس! رجل دين يبرر سلوك طواغيت الرأسمالية، ويحرم البر والإحسان إلى المنكوبين، ويقول: إن ذلك هو قانون الطبيعة الذي يعبر عن إرادة الله، إن في وسعنا أن نتصور الأثر البالغ والانعكاس الذي تتركه المفارقة العجيبة في ذهن الفرد العادي عن الدين ورجال الدين.
آثار مذهبه:
يقول دوانز: "قوبلت آراء مالتس بترحاب وتحمس، إذ تلقفتها الطبقة المثرية وذوو السلطة في زمنه، فرددوا وراءه القول: بأن الفاقة الاجتماعية وغيرها من المساوئ الاجتماعية يصح إرجاعها الآن إلى أسباب الزواج المبكر وكثرة النسل، وليس لسوء توزيع الثروة في البلاد شأن في ذلك، وبالتالي لا يقع عليهم أي لوم" (٣).
стр. 272
ويقول سول: كان مذهب مالتس هذا يخدم مصالح أولئك الذين بالرغم من الأرباح الطائلة التي جنوها بفضل نمو الرأسمالية تعرضوا لهجوم عليهم، بسبب سوء الحال التي كان عليها فريق كبير من العمال والأجراء.
لقد قام مالتس بالدفاع اللازم حين أعلن أن شقاء الإنسان مرده إلى إغفال أحد القوانين الطبيعية (يعني: قانون زيادة السكان)، وإن تجاهل هذا القانون لن يؤدي إلى تحقيق أية منفعة اجتماعية في ظل أي نظام اقتصادي، وأن علاج الشقاء في يد هؤلاء التعساء أنفسهم، وأن الالتزام الوحيد على الطبقات العليا من المجتمع ينحصر في تعريف الناس بالموقف الحقيقي.
إن آراء مالتس هذه هي التي جعلت علم الاقتصاد يعرف باسم العلم القاتم النظرة.
والحق أن تَقَبُّل نظرية مالتس ومثلها نظرية سميث، وأضرابها ليس إلا جزءاً من ظاهرة فكرية أوروبية تستدعي الدهشة والعجب، وتستوجب التعليل والتفسير، وهي ميل الفكر الأوروبي دائماً إلى اعتناق الأفكار الشاذة والنظريات اللاأخلاقية المتطرفة، على الرغم من وفرة الأفكار والنظريات الأقرب إلى الاعتدال والموضوعية.
وهذه الظاهرة رأيناها -في الفصل السابق- في المكيافيللية، ثم هنا، وسنراها في الماركسية، ثم في الفرويدية وكذلك بعض الاتجاهات الأدبية.
وهذا -في نظرنا- يعود إلى مرض متأصل في النفسية الجاهلية
стр. 273
أكثر من كونه نتيجة طبيعية للأوضاع الفكرية والاجتماعية غير الطبيعية (١).
وعلى أية حال فقد كان لمالتس آثاره في العلوم الاقتصادية والاجتماعية لا يزال بعضها مثار نزاع الباحثين، على أن أقوى أثر لمذهبه - جاء بطريقة عفوية - هو إيحاؤه بقانون الانتقاء الطبيعي الذي بنى عليه داروين مذهبه في تطور الكائنات الحية، وقد طغى هذا الأثر على غيره نظراً للانقلاب الفكري الذي أحدثته نظرية التطور (٢).
ومن ناحية أخرى يجزم برتراند رسل بأن ماركس سرق من مالتس نظريته في السكان (٣) ويبدو أنه يعني بذلك الشعار الشيوعي المعروف (من لا يعمل لا يأكل) في الوقت الذي تلعن الماركسية فيه مالتس عدو الطبقة الكادحة.
(ج) ريكاردو:
يعد دافيد ريكاردو القطب الثالث من أقطاب الفكر الاقتصادي الكلاسيكي، وكان يهودياً يملك شركة تحمل اسمه جعلته من كبار الأثرياء ولمَّا يتجاوز الخامسة والثلاثين من عمره، (٤).
وهنا ينبغي أن نقف قليلاً.
إن الربا الذي هو عماد الرأسمالية ولب نظامها ليلازم اليهودي ملازمة الظل لأصله، وقد تكون الكنيسة على حق حينما اعتقدت أن كل المرابين يهود كما سلف قريباً واليهود لا يأكلون الربا ويحتكرون ضروريات الناس بدافع شهوة الذهب - التي يشترك معهم فيها سائر
стр. 274
البشر - فحسب، لكنهم يفعلون ذلك باعتباره واجباً دينياً يفرضه عليهم كتابهم المقدس التلمود! ضمن تعاليمه الصارمة تجاه الأميين.
من هذا المنطلق كانوا يتعاطون الربا الفاحش المشروط بأقسى الرهون كما في تاجر البندقية إلا أن دورهم ظل محدوداً حتى قامت الثورتان العلمية والفرنسية مع حركة الإصلاح الديني، وابتدأ العصر الصناعي يمد ظله على القارة الأوروبية، عندئذٍ انتهز اليهود مرحلة التحول الاجتماعي والاقتصادي ليخرجوا من "الجيتو" ويحطموا الكنيسة والإقطاع:
الكنيسة لأنها عدوهم اللدود دينياً وكذلك اقتصادياً بسبب موقفها من الربا، والإقطاع لأن الملاك الإقطاعيين يستأثرون بحظ الأسد من الثروة، لذلك كانوا محط حقد ومقت النفسية اليهودية الشرهة.
كما أن تحطيم المجتمع وتدمير بنيانه خطوة أولى نحو تحقيق هدفهم النهائي (استحمار البشرية) هذا التحول منحهم فرصة القيام بدور المنافس القوي للملاك الإقطاعيين، وذلك أن العهد الصناعي ابتدأ والمال محصور في يد طائفتين اثنتين هما:
الأولى: الملاك الإقطاعيون سواء أكانوا من رجال الكنيسة أم من غيرهم.
والأخرى: المرابون اليهود.
والصناعة تحتاج - بالدرجة الأولى - إلى الثروة لإدارة المشروعات الصناعية وتنميتها ثم يد عاملة لتنفيذها، فأما اليد العاملة فقد كان للمذهب الطبيعي -السابق الذكر- الفضل في توفيرها بتركيزه على حرية العمل بحسبانها حقاً من حقوق الإنسان الطبيعية،
стр. 275
وأما المال فكان على رواد الصناعة أن يستقرضوه من إحدى الطائفتين، وفعلاً مد هؤلاء أيديهم إليها يلتمسون ذلك.
وكانت النتيجة أن أحجم الملاك الإقطاعيون عن إقراض وتمويل المشروعات الصناعية بسبب ظاهر، وهو أنهم بمد يد العون لها إنما يسهمون في هدم مركزهم المالي والمجتمع بإيجاد منافس قوي لهم، إذ أن نمو المصنع سيكون على حساب الأرض، ومن ناحية أخرى كانت الصناعة لا تزال في مهدها، وليس من المؤكد أن يتحقق ما يتوخى منها، وهم ليسوا مستعدين للمغامرة في أمر مشكوك في عواقبه.
أما الفئة الأخرى اليهود فقد اندفعت لتمويل الصناعة، ولم تر في ذلك شيئاً من المخاوف، وليس ذلك تكرماً من عبيد الذهب ولا هو قصر نظر منهم، بل لأنهم كانوا واثقين من النتيجة، فهم - أولاً - يريدون أن ينفثوا حقدهم على المجتمع الإقطاعي الزراعي - الذي يذلهم ويحتقرهم - بتهيئة المناخ لطبقة جديدة تتولى قيادته، وتكون تحت رحمتهم وإشرافهم.
وهم -ثانياً- مطمئنون إلى نتيجة قروضهم، فهي مكفولة بالرهون الثقيلة إلى جانب الأرباح الفاحشة.
هذا مع العلم أن بعض أرباب المصانع كانوا يهوداً بأنفسهم، ومنهم ريكاردو، وهكذا سقطت الصناعة تلقائياً في قبضة الذهب اليهودي، وظل الزمن يزيدها استحكاماً حتى وصلت سيطرتهم الاقتصادية على العالم الصناعي إلى الحال التي لا يجهلها أحد اليوم) (١).
стр. 276
والآن لنعد إلى ريكاردو:
لقد خدم سميث اليهود بنزعه القيمة الاقتصادية الكبرى من الأرض إلى العمل؛ لكن ذلك لم يقض على نفوذ الملاك الزراعيين، فكان الأمر يستدعي نظرية علمية تدفع العجلة إلى الأمام بسرعة أكبر، وكان الناس آنذاك مستعدين لتصديق كل ما هو علمي مبهورين به إلى أبعد حد.
وجاءت هذه النظرية على يد اليهودي ريكاردو:
يرى ريكاردو أن مسئولية التفاوت المجتمع والأزمات الاقتصادية تنصب على ما أسماه الريع، وليس على الربح.
والريع هو المكسب الذي يحصل عليه مالك الأرض، أما الربح فهو مكسب الصناعي الرأسمالي، ويعلل ذلك معتمداً على نظرية سميث في إعطاء القيمة للعمل، بأن الريع ليس ثمناً للعمل ولكنه ناتج عن امتلاك مورد طبيعي للثروة.
وتمشياً مع قانون الأجور الحديدي الذي اقتبسه عن مالتس يرى ريكاردو أنه: حين يتقاضى الملاك أثمامناً أعلى لوسائل العيش فهم لا يستغلون العامل ولكنهم يستغلون صاحب العمل الذي يضطر إلى أداء أجور عالية لعماله، بينما هو لا يستطيع أن يرفع من أثمان منتجاته، لأنها تتحدد في سوق قوامها التنافس.
ويذهب ريكاردو إلى أنه نتيجة لذلك فإن الريع في جوهره عدوان على الربح، وتميل الأرباح في الأجل الطويل إلى الهبوط حتى تصل درجة الصفر، بينما يستولى ملاك الأراضي على الفائض الاقتصادي.
وكانت أولى نظريته أن أقنع الرأسماليون الحكومة
стр. 277
الإنجليزية بإلغاء القوانين التي سنتها للغلال، وأفسحت المجال لاستيراد الغلال من الخارج، فهبطت أرباح الملاك الزراعيين وكسدت سوقهم، وفي الوقت نفسه انخفضت تكاليف الصناعة كثيراً، واتخذ الرأسماليون من انخفاض سعر الغلال ذريعة لتخفيض أجور العمال، وبذلك ضربوا عصفورين بحجر واحد، ووطدوا مركزهم على حساب المجتمع، فنتج عن ذلك أزمات خانقة ذهب ضحيتها جموع غفيرة من العاطلين والمعدمين.
ومن ناحية أخرى تمادى ريكاردو فطالب بتأميم الأراضي أو فرض الضرائب الباهظة عليها، ومن هنا سقط في خطأ غير مقصود، إذ أنه نبه الاشتراكيين الأوائل إلى هذه الفكرة مما جعل نتيجتها تكون على عكس رغبة الرأسماليين ورغبة ريكاردو (١).
стр. 278
الأثر العام للمذهب الكلاسيكي:
هرب الطبيعيون من إله الكنيسة والتجئوا إلى (الطبيعة) يلتمسون الحق والعدل في قوانينها الأبدية، وأخيراً اكتشفوا أنهم كانوا يتعلقون بالوهم، إذ أن هذا الإله الأخرس الأعمى يستطيع كلٌ أن يقول باسمه ما يشاء ولا حرج.
وبدأ الكلاسيكيون من حيث انتهى أولئك، وأخذوا ينقبون عن معايير ذاتية مصلحية قالوا أول الأمر: إنها تساير قانون الطبيعة، ثم تنوسيت هذه العبارة، وأصبحت المنفعة المادية ذاتها هي القانون والهدف، وإذا كان لابد من وضع شعار للسياسة الاقتصادية لديهم فهو تحقيق أكبر ربح بأية وسيلة، أي: أنها كانت مكيافيللية اقتصادية بالفعل.
ومنذ ذلك الحين جرد الاقتصاد تجريداً كاملاً واعياً من أي مؤثر أو صبغة دينية بل أخلاقية، ورسمت له دائرة مستقلة تستقي أحكامها ومناهجها النظرية والعملية من مصادر ذاتية خاصة، واختفت من موازين الاقتصاد ومباحثه كل كلمة من كلمات الحق والعدل المجردين فضلاً عن الحلال والحرام، وأصبح الباحثون يختلفون حول قضية من قضايا الاقتصاد، وتتضاد آراؤهم نفياً وإثباتاً في حدود الدائرة
стр. 279
الاقتصادية المحصورة، ولو فرض أن أحداً دعم رأيه بأن هذا التصرف أو ذاك يحرمه الدين، فإن موجة من السخرية والاستهجان ستغمره، وسيجد نفسه في موقف رجعي للغاية، ذلك أن الجاهلية الغربية قد اقتنعت تماماً بأن الدين -إن كان- شئ شخصي لا علاقة له بشئون الحياة إطلاقاً.
وهنا نلتمس الحقيقة الواحدة المتكررة، وهي أن الجاهلية الأوروبية ترفض رفضاً باتاً أن تتلقى عن الله أي شرع، وتصر على عبادة طواغيتها المتألهين مهما أذاقوها من ألوان النكال.
وتلك هي بداية الانحراف وأساسه، وما لم تقتنع أوروبا بتعديل موقفها هذا، فإن التباحث معها في الفرعيات والجزئيات عبث لا طائل تحته.
وعلى أية حال فإن المذهب الكلاسيكي بتبنيه لشعار: تحقيق أكبر ربح بأية وسيلة قد أنتج مشكلتين خطرتين للغاية:
١ - قيام اقتصاد عالمي يجعل الربا والاحتكار اللذين حرمتهما الشرائع قاطبة عموده الفقري وموضوعه الرئيسي، مما ينذر بكارثة محققة على البشرية، وقد ظهرت -فعلاً- أعراض الكارثة وعواقبها الوخيمة جلية فيما بعد عندما قبض المرابون على ناصية الدول، وسخروا سياساتها وخططها لخدمة مآربهم الخاصة.
٢ - وضع الشعوب التي طبق عليها المذهب على حافة هاوية من الجوع والبطالة والأزمات الخانقة في عصر لم يكن للفقراء فيه أي تنظيم أو مقدرة على الضغط للمطالبة بحقوقهم، وهذه في الواقع مشكلة نشأت نتيجة حتمية للمشكلة الأولى.
ولنضرب مثالاً لذلك بالدولتين الغنيتين في القرن الماضي
стр. 280
إنجلترا وأمريكا: ففي إنجلترا -أسبق الدول إلى الثورة الصناعية- وصل عامة الناس والعمال منهم خاصة إلى درجة من البؤس والفاقة والتسخير لا تكاد تصدق.
كان النساء والأطفال يعملون في مناجم الفحم، ويجرون العربات في دهاليز ضيقة تحت الأرض مدة (١٦) ساعة يومياً نظير أجور زهيدة، وكذلك كانت معامل النسيج والمصانع الأخرى تسخرهم بالعمل المرهق في أماكن غير صحية ولا تعطيهم إلا الكفاف من الرزق (١) وكل البحوث التي تناولت موضوع الثورة الصناعية كشفت هذه الحقيقة، بل إن أثرها ليبدو في الأدب الإنجليزي، إذ نجد ديكنز كبير الروائيين الإنجليز يتعرض لحال الملاجئ والفقراء في رواية أوليفر تويست، ويجعل موضوع روايته الأخرى أوقات عصيبة هو مشكلة النزاع بين أصحاب المصانع والعمال والأضرار الاجتماعية الناجمة عن الثورة الصناعية (٢).
فإذا انتقلنا إلى أمريكا رأينا أيضاً حالة مزرية تحدث عنها أحد من يسمون المصلحين قائلاً: "إننا جميعاً في الشمال والجنوب نعمل في تجارة الرقيق الأبيض، وبقدر نجاح الشخص فيها يزداد احترامه، وهذه التجارة أشد قسوة من تجارة الرقيق الأسود؛ لأنها تفرض مزيداً من العمل على عبيدها، في الوقت الذي لا تحميهم فيه ولا تسوسهم برفق تفاخر بأنها تفرض المزيد.
نعم إنه (العامل) بعد انتهاء عمل اليوم يصبح حراً إلا أنه
стр. 281
يظل يرزح تحت عبء العناية بعائلته وبيته مما يجعل حريته سخرية جوفاء باطلة، في حين يبقى رب العمل حراً -بالفعل- ويستطيع أن يتمتع بالأرباح التي جناها من عمل الآخرين دون اهتمام بمصلحتهم ورفاههم، ولا عجب من أن يفضل الناس العبودية البيضاء -أي عبودية رأس المال- على عبودية الزنوج، طالما أنها تدر ربحاً أكثر وتحررهم من جميع المسئوليات والأعمال التي يقوم بها مالكو العبيد الزنوج (١).
وهكذا دفعت الجاهلية الغربية الثمن غالياً، وانتقلت إلى عبادة طاغوت جديد لا يقل بشاعة وإذلالاً عن طاغوت الإقطاع.
واقتضت سنة الله ألا تدوم فرحة الرأسماليين طويلاً، فقد كانت تصرفاتهم الجشعة، واستغلالهم الشره تضرم الحقد في القلوب، وتؤجج نار العداوة ضدهم، وانبعثت الشرارة الأولى على يد المفكرين الجماعيين، وبلغت ذروتها في الضغينة الماركسية.
٣ - المذهب الاقتصادي الشيوعي:
مقدمة عن مصادر الفكر الشيوعي:
في مقابل التطرف الذي اتخذه الطبيعيون والرأسماليون الكلاسيكيون نحو الفردية، تطرف طائفة أخرى، فاتجهت اتجاهاً جماعياً لا يقيم للفرد وزناً إلا من جهة كونه مسماراً في الآلة الاجتماعية.
والتاريخ يروي أن الفكر الجماعي قديم في أصله، وأن عصر التنوير ينحصر جهده في بعثه من جديد، كما أن الشيوعية قد طبقت عملياً قبل ماركس وإنجلز بقرون طويلة، فنحن نجد أن جمهورية أفلاطون تشكل نظرية عن أمة تسودها روح جماعية خالصة، يذوب
стр. 282
فيها الفرد داخل كيان المجموع، كما نرى في الحركة المزدكية (١) نموذجاً لمجتمع شيوعي تطبيقي.
والحق أن الجاهلية -كعادتها الدائمة في التذبذب والتطرف- قد عانت ولا تزال مشكلة العلاقة بين الفرد والمجتمع، ولم تهتد إلى حل وسط لها، وأنى لها ذلك؟! ففي أوروبا الحديثة كان الواقع الذي نجم عن تطبيق المذهب الفردي الحر دافعاً لبعض ذوي النوايا الحسنة إلى فكرة تنظيم المجتمع على أساس من عدالة التوزيع سميت لأول مرة: الاشتراكية.
وترجع نسبة هذه الفكرة إلى عدد من الباحثين وأبرزهم روبرت أوين وسان سيمون وفورييه، وهم طليعة المفكرين الاشتراكيين في الغرب، والشيوعية تسمى اشتراكيتهم الاشتراكية الطوبوية لأنها تميل إلى الخيال، أما اشتراكية (ماركس) فهي الاشتراكية العلمية الوحيدة في التاريخ.
ومع ذلك فالشيوعية الماركسية تدين لهم بالفضل، وتقر بأثرهم عليها، يقول أنجلز: "إن الاشتراكية النظرية لن تنسى قط أنها قامت على أكتاف سان سيمون وفورييه وأوين، ثلاثة رجال رغم كل مفاهيم الخيالية وكل طوبياتهم يقفون بين أعظم المفكرين في كل العصور، والذي تنبأت عبقريتهم بالكثير مما نثبت نحن صحته علمياً" (٢). وذلك هو المصدر الأول من مصادر الفكر الشيوعي.
والمصدر الثاني هو "الفلسفة المثالية الألمانية" التي أخذت عنها الشيوعية الكثير، لا سيما المبدأ الرئيسي الجدلية الذي ميز المادية الشيوعية عن الماديات الأخرى، يقول إنجلز:
стр. 283
إن الاشتراكية العلمية الألمانية - وهي الاشتراكية العلمية الوحيدة - التي وجدت على الإطلاق، ما كان يمكن أن توجد دون الفلسفة الألمانية التي سبقتها، وخاصة فلسفة هيجل " (١).
أما المصدر الثالث - وهو المصدر الذي حول الشيوعية من فكرة فلسفية محضة إلى نظرية مصطبغة بالصبغة العلمية - فهو نظرية داروين.
فعندما قال ماركس: إن الظواهر الاقتصادية يمكن ملاحظتها، وتسجيلها بنفس الدقة التي تسجل بها العلوم الطبيعية فإنما كان يشير إلى هذه الحقيقة.
وذلك ما أوضحه إنجلز بقوله: كما إن داروين اكتشف قانون التطور في تاريخ الإنسان الطبيعي، فكذلك اكتشف ماركس قانون التطور في تاريخ البشرية.
ويعلق داونز على ذلك قائلاً: "كانت الطريقة العلمية التي أشار إليها ماركس في أبحاثه عاملاً في تقبل الجمهور لآرائه، إذ كانت تسيطر على أذهان الناس نظرية التطور في القرن التاسع عشر بدرجة اعتقدوا معها إمكان تطبيقها على كل مظاهر الحياة، فلما ربط ماركس نظريته التاريخية في تنازع البقاء بين الطبقات وبين نظريات داروين في التطور، ضمن لها الاحترام العلمي الذي أبعدها عن الطعن والتشكك" (٢).
стр. 284
وهكذا يظهر أن المذهب الشيوعي تصور شامل للوجود وحركة التاريخ، ملفق من أشتات فكرية منوعة:
فالإطار الفلسفي مأخوذ عن الهيجلية بعد قلبها رأساً على عقب.
والمنهج التطبيقي منقول عن الداروينية مع إضافة إيحاءات فلسفية خاصة، ونظرية القيمة وفكرة التأميم منقولتان عن ريكاردو، كما أنها استوحت من سان سيمون ومالتس بعض النظريات المتعلقة بالملكية والعمل، أما الإلحاد فمأخوذ من فيورباخ ودولباخ والماديين الميكانيكيين عموماً.
والغريب حقاً هو أن الشيوعية تلعن هؤلاء جميعاً - كما قال رسل - وتتبرأ من أفكارهم الرجعية البورجوازية (١).
والحق أن هناك مصدراً مهماً للشيوعية قل من يشير إليه، وهو التراث اليهودي والنفسية اليهودية ذاتها، وهو ما يتجلى في العبودية الخانعة للمال والتأليه الأحمق للمادة، وكذلك في الحقد المضطرم على البشرية وكل قيمها وتراثها ومقدساتها (٢).
ومما يجدر التنبيه إليه أن الشيوعية - فكرة وحركة - لم تكن لتحظى بالقبول مع تطرفها إزاء الأديان والخلق ومصادمتها للفطرة، لولا
стр. 285
الجو الأوروبي المشحون بالضيق والتبرم من الكنيسة والطائفة الكهنوتية العليا، تلك التي أضافت إلى الطغيان والتحكم وقوفاً مستمراً مع الاستغلاليين والمحتكرين ضد البائسين، ومع الخرافات والأساطير ضد العلم والرقي المادي، واستطاعت الشيوعية استغلال الغضبة الهائجة والنفاذ إلى عقول السذج، فوجهت العداوة العارمة على الكنيسة إلى ثورة هوجاء على الدين ذاته.
إن دراسة الاقتصاد الشيوعي بمعزل عن الفلسفة الشيوعية في إطارها العام ليس إخلالاً بالموضوعية العملية فحسب، بل هو ضرب من إضاعة الجهد فيما لا طائل تحته، لا سيما إذا كان الهدف من الدراسة إيضاح نوع علاقة هذا الاقتصاد بالدين.
والواقع أن مؤلفات الإلحاد الشيوعي هي كتب اقتصادية شيوعية، كما أن الكتب الاقتصادية الشيوعية هي كتب إلحاد بالدرجة الأولى، بحيث لا يمكن الفصل بينهما، ولذلك كان لابد من عرض المذهب الاقتصادي للشيوعية ممزوجاً بفلسفتها العامة.
وتبدأ نظرة الشيوعية إلى الدين في التميز عن سواها من أول نقطة على الطريق من الإلحاد ذاته، فالشيوعية تصر على أن لها إلحادها الخاص، وهو في نظرها إلحاد إيجابي يقول غارودي: "أما الإلحاد الماركسي فهو في جوهره إنسي (أي إنساني النزعة)، منطلقه ليس رفضاً، بل هو تأكيد استقلال الإنسان، أما نتيجته فهي رفض كل محاولة لحرمان الإنسان من قدرته المبدعة والمبدعة لذاتهاً".