← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96612

العلمانية - نشأتها وتطورها

سفر الحوالي

Полный текст (715 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

يظل يرزح تحت عبء العناية بعائلته وبيته مما يجعل حريته سخرية جوفاء باطلة، في حين يبقى رب العمل حراً -بالفعل- ويستطيع أن يتمتع بالأرباح التي جناها من عمل الآخرين دون اهتمام بمصلحتهم ورفاههم، ولا عجب من أن يفضل الناس العبودية البيضاء -أي عبودية رأس المال- على عبودية الزنوج، طالما أنها تدر ربحاً أكثر وتحررهم من جميع المسئوليات والأعمال التي يقوم بها مالكو العبيد الزنوج (١). وهكذا دفعت الجاهلية الغربية الثمن غالياً، وانتقلت إلى عبادة طاغوت جديد لا يقل بشاعة وإذلالاً عن طاغوت الإقطاع. واقتضت سنة الله ألا تدوم فرحة الرأسماليين طويلاً، فقد كانت تصرفاتهم الجشعة، واستغلالهم الشره تضرم الحقد في القلوب، وتؤجج نار العداوة ضدهم، وانبعثت الشرارة الأولى على يد المفكرين الجماعيين، وبلغت ذروتها في الضغينة الماركسية. ٣ - المذهب الاقتصادي الشيوعي: مقدمة عن مصادر الفكر الشيوعي: في مقابل التطرف الذي اتخذه الطبيعيون والرأسماليون الكلاسيكيون نحو الفردية، تطرف طائفة أخرى، فاتجهت اتجاهاً جماعياً لا يقيم للفرد وزناً إلا من جهة كونه مسماراً في الآلة الاجتماعية. والتاريخ يروي أن الفكر الجماعي قديم في أصله، وأن عصر التنوير ينحصر جهده في بعثه من جديد، كما أن الشيوعية قد طبقت عملياً قبل ماركس وإنجلز بقرون طويلة، فنحن نجد أن جمهورية أفلاطون تشكل نظرية عن أمة تسودها روح جماعية خالصة، يذوب

стр. 282

فيها الفرد داخل كيان المجموع، كما نرى في الحركة المزدكية (١) نموذجاً لمجتمع شيوعي تطبيقي. والحق أن الجاهلية -كعادتها الدائمة في التذبذب والتطرف- قد عانت ولا تزال مشكلة العلاقة بين الفرد والمجتمع، ولم تهتد إلى حل وسط لها، وأنى لها ذلك؟! ففي أوروبا الحديثة كان الواقع الذي نجم عن تطبيق المذهب الفردي الحر دافعاً لبعض ذوي النوايا الحسنة إلى فكرة تنظيم المجتمع على أساس من عدالة التوزيع سميت لأول مرة: الاشتراكية. وترجع نسبة هذه الفكرة إلى عدد من الباحثين وأبرزهم روبرت أوين وسان سيمون وفورييه، وهم طليعة المفكرين الاشتراكيين في الغرب، والشيوعية تسمى اشتراكيتهم الاشتراكية الطوبوية لأنها تميل إلى الخيال، أما اشتراكية (ماركس) فهي الاشتراكية العلمية الوحيدة في التاريخ. ومع ذلك فالشيوعية الماركسية تدين لهم بالفضل، وتقر بأثرهم عليها، يقول أنجلز: "إن الاشتراكية النظرية لن تنسى قط أنها قامت على أكتاف سان سيمون وفورييه وأوين، ثلاثة رجال رغم كل مفاهيم الخيالية وكل طوبياتهم يقفون بين أعظم المفكرين في كل العصور، والذي تنبأت عبقريتهم بالكثير مما نثبت نحن صحته علمياً" (٢). وذلك هو المصدر الأول من مصادر الفكر الشيوعي. والمصدر الثاني هو "الفلسفة المثالية الألمانية" التي أخذت عنها الشيوعية الكثير، لا سيما المبدأ الرئيسي الجدلية الذي ميز المادية الشيوعية عن الماديات الأخرى، يقول إنجلز:

стр. 283

إن الاشتراكية العلمية الألمانية - وهي الاشتراكية العلمية الوحيدة - التي وجدت على الإطلاق، ما كان يمكن أن توجد دون الفلسفة الألمانية التي سبقتها، وخاصة فلسفة هيجل " (١). أما المصدر الثالث - وهو المصدر الذي حول الشيوعية من فكرة فلسفية محضة إلى نظرية مصطبغة بالصبغة العلمية - فهو نظرية داروين. فعندما قال ماركس: إن الظواهر الاقتصادية يمكن ملاحظتها، وتسجيلها بنفس الدقة التي تسجل بها العلوم الطبيعية فإنما كان يشير إلى هذه الحقيقة. وذلك ما أوضحه إنجلز بقوله: كما إن داروين اكتشف قانون التطور في تاريخ الإنسان الطبيعي، فكذلك اكتشف ماركس قانون التطور في تاريخ البشرية. ويعلق داونز على ذلك قائلاً: "كانت الطريقة العلمية التي أشار إليها ماركس في أبحاثه عاملاً في تقبل الجمهور لآرائه، إذ كانت تسيطر على أذهان الناس نظرية التطور في القرن التاسع عشر بدرجة اعتقدوا معها إمكان تطبيقها على كل مظاهر الحياة، فلما ربط ماركس نظريته التاريخية في تنازع البقاء بين الطبقات وبين نظريات داروين في التطور، ضمن لها الاحترام العلمي الذي أبعدها عن الطعن والتشكك" (٢).

стр. 284

وهكذا يظهر أن المذهب الشيوعي تصور شامل للوجود وحركة التاريخ، ملفق من أشتات فكرية منوعة: فالإطار الفلسفي مأخوذ عن الهيجلية بعد قلبها رأساً على عقب. والمنهج التطبيقي منقول عن الداروينية مع إضافة إيحاءات فلسفية خاصة، ونظرية القيمة وفكرة التأميم منقولتان عن ريكاردو، كما أنها استوحت من سان سيمون ومالتس بعض النظريات المتعلقة بالملكية والعمل، أما الإلحاد فمأخوذ من فيورباخ ودولباخ والماديين الميكانيكيين عموماً. والغريب حقاً هو أن الشيوعية تلعن هؤلاء جميعاً - كما قال رسل - وتتبرأ من أفكارهم الرجعية البورجوازية (١). والحق أن هناك مصدراً مهماً للشيوعية قل من يشير إليه، وهو التراث اليهودي والنفسية اليهودية ذاتها، وهو ما يتجلى في العبودية الخانعة للمال والتأليه الأحمق للمادة، وكذلك في الحقد المضطرم على البشرية وكل قيمها وتراثها ومقدساتها (٢). ومما يجدر التنبيه إليه أن الشيوعية - فكرة وحركة - لم تكن لتحظى بالقبول مع تطرفها إزاء الأديان والخلق ومصادمتها للفطرة، لولا

стр. 285

الجو الأوروبي المشحون بالضيق والتبرم من الكنيسة والطائفة الكهنوتية العليا، تلك التي أضافت إلى الطغيان والتحكم وقوفاً مستمراً مع الاستغلاليين والمحتكرين ضد البائسين، ومع الخرافات والأساطير ضد العلم والرقي المادي، واستطاعت الشيوعية استغلال الغضبة الهائجة والنفاذ إلى عقول السذج، فوجهت العداوة العارمة على الكنيسة إلى ثورة هوجاء على الدين ذاته. إن دراسة الاقتصاد الشيوعي بمعزل عن الفلسفة الشيوعية في إطارها العام ليس إخلالاً بالموضوعية العملية فحسب، بل هو ضرب من إضاعة الجهد فيما لا طائل تحته، لا سيما إذا كان الهدف من الدراسة إيضاح نوع علاقة هذا الاقتصاد بالدين. والواقع أن مؤلفات الإلحاد الشيوعي هي كتب اقتصادية شيوعية، كما أن الكتب الاقتصادية الشيوعية هي كتب إلحاد بالدرجة الأولى، بحيث لا يمكن الفصل بينهما، ولذلك كان لابد من عرض المذهب الاقتصادي للشيوعية ممزوجاً بفلسفتها العامة. وتبدأ نظرة الشيوعية إلى الدين في التميز عن سواها من أول نقطة على الطريق من الإلحاد ذاته، فالشيوعية تصر على أن لها إلحادها الخاص، وهو في نظرها إلحاد إيجابي يقول غارودي: "أما الإلحاد الماركسي فهو في جوهره إنسي (أي إنساني النزعة)، منطلقه ليس رفضاً، بل هو تأكيد استقلال الإنسان، أما نتيجته فهي رفض كل محاولة لحرمان الإنسان من قدرته المبدعة والمبدعة لذاتهاً".

стр. 286

ثم يقول في تفصيل ذلك: "إن ما يميز الإلحاد الماركسي البحت هو أنه على خلاف سابقيه، لم يكتف باعتبار الدين خديعة فحسب اصطنعها المستبدون، أو مجرد وهم ولده الجهل، بل إن ماركس وإنجلز قد بحثا عن الحاجات الإنسانية التي تلبيها الأديان بهذه الصورة المخادعة، فوصلا -كما يقول ماركس- إلى أن الأديان هي في وقت واحد: انعكاس لشقاء فعلي واحتجاج على هذا الشقاء. هذه الحقيقة التاريخية (أن الدين انعكاس لشقاء فعلي) هي التي يلخصها ماركس في تعبير مقتضب "الدين أفيون الشعوب" (١) وجرياً مع المادية الجدلية وتطبيقاً للتفسير الاقتصادي للتاريخ حول علاقة الفكر بالوجود ترى الشيوعية أن الفكر البشري انعكاس للواقع المادي، فالمادة هي الأساس الوحيد وعنها ينبثق الفكر وتنبثق المشاعر والأحاسيس، ومن هذه المشاعر الدين نفسه. أي أن وجود الناس هو الذي يحدد مشاعرهم وليس العكس. وعند تفسير الدين على هذا الأساس يقول إنجلز: "من الأزمنة الموغلة في القدم إذ وصل الفكر بالناس وهم بعد في جهل تام ببنياتهم الجسدية الخاصة وتحت تأثير أحلامهم - إلى القول بأن أفكارهم وأحاسيسهم ليست من فعل أجسادهم ذاتها، بل من فعل روح خاصة تسكن هذا الجسد وتفارقه لحظة الموت، منذ ذلك الحين اضطروا لأن يصطنعوا لأنفسهم أفكاراً عن علاقات هذه الروح مع العالم الخارجي. وعلى هذا النحو تماماً - عن طريق تشخيص القوى الطبيعية - ولدت الآلهة الأولى التي اتخذت خلال التطور اللاحق شكلاً غير

стр. 287

أرضي أكثر فأكثر، إلى أن حدث أخيراً عملية تجريد ... فنشأ على نحو طبيعي خلال التطور العقلي، أن تولدت في عقل الناس -من الآلهة المتعددين ذوي السلطة الضعيفة والمقيدة بعضهم حيال بعض- فكرة الإله الواحد المنفرد في الديانات التوحيدية" (١). ومع ذلك يستنتج إنجلز أن المطالب الجسدية هي منشأ الاعتقادات الفكرية، وأن الدين ما هو إلا الانعكاس الخيالي للأشياء البشرية في دماغ الإنسان، (٢) وما دام أن الوضع الاقتصادي هو الذي يفسر ويحدد المطالب الجسدية فإن النتيجة هي أن الدين ناشئ عن الأوضاع الاقتصادية، ولا ينبغي أن يفسر إلا على ذلك: "أما المجالات الأيدلوجية التي تحوم أعلى في الفضاء كالدين والفلسفة ... إلخ فإنها مؤلفة من بقية تعود إلى ما قبل التاريخ وقد وجدها العهد التاريخي أمامه فالتقطها لما قد نسميه اليوم غباءً. إن هذه التصورات المختلفة الخاطئة عن الطبيعة وعن تكون الإنسان ذاته، وعن الأرواح وعن القوى السحرية وهلم جرا، ليس لها في الأغلب غير أساس اقتصادي سلبي، فالتطور الاقتصادي الضعيف لعهد ما قبل التاريخ تكون فيه ... تصورات خاطئة عن الطبيعة" (٣). إذن فالاقتصاد - أو البحث عن الطعام والشراب - هو منبع كل عقيدة وتصور وأساس كل مبدأ وقيمة؛ بل إن الشيوعية لتطبق ذلك على كل معنى وسلوك إنساني: على العلم والحرب .. على

стр. 288

المشاعر والفنون .. على العلاقات المجتمعة .. على كل شئ، فالعلم -مثلاً- ليس أصله الرغبة الفطرية في اكتشاف الحقيقة، فليس في قاموس الشيوعية شيء اسمه الفطرة، ولكنه كما قال إنجلز: "إذا كانت العلوم قد نهضت فجأة بعد ليل القرون الوسطى المظلم بقوة لا ريب فيها، ونمت بسرعة المعجزة، فإننا مدينون بهذه المعجزة الجديدة للإنتاج" (١). وعن الحروب تقول الشيوعية: "إن ما يسمى بالحروب الدينية ... كانت تتضمن مصالح طبقية مادية إيجابية، فقد كانت هذه الحروب حروباً طبقية تماماً .. ورغم أن الصراعات الطبقية كانت عندئذٍ مغلفة بشعارات دينية، ورغم أن مصالح وحاجات ومطالب مختلف الطبقات كانت مختفية خلف ستار ديني فلم يبدل هذا شيئاً من الأمر، ويمكن تفسيره ببساطة من واقع ظروف تلك الأيام" (٢). وتقول عن الأخلاق: "إن الناس عن وعي أو لا وعي يستمدون مفاهيمهم الأخلاقية - في التحليل الأخير - من العلاقات العملية التي يقوم عليها وضعهم الطبقي، أي من العلاقات الاقتصادية التي ينتجون بها ويتبادلون فيها" (٣). وليس أغرب من هذه الأفكار إلا قول إنجلز: إن العمل هو الذي خلق الإنسان، وليس الإله كما يقول الرجعيون من البورجوازيين والإقطاعيين، وحتى لا نحسن الظن فنحمل كلامه على المجاز، فقد

стр. 289

شرح هذه العبارة شرحاً وافياً - نرى فيه إلى جانب الاستنباط العجيب الاستمداد الساذج من الداروينية - يقول: "منذ مئات عدة من ألوف السنين ... كان يعيش في مكان ما من الدائرة الاستوائية ... عرق من القردة الشبيهة بالبشر بلغت تطوراً رفيعاً بوجه خاص، وقد أعطانا داروين وصفاً تقريباً لهذه القردة التي قد تكون أسلافنا. وقد أخذت هذه القردة متأثرة بالدرجة الأولى دون شك بنمط معيشتها الذي يتطلب أن تنجز الأيدي من أجل التسلق غير وظائف الأرجل- أخذت تفقد عادة الاستعانة بأيديها من أجل السير على الأرض، واتخذت أكثر فأكثر مشية عمودية، وهكذا تم اجتياز الخطوة الحاسمة لانتقال القرد إلى إنسان" (١). وإذا كان الاقتصاد بهذه المثابة، فلماذا اعتقد الناس أن شيئاً آخر غيره هو الذي يسير التاريخ وينشئ الأفكار؟ وكيف غابت هذه الحقيقة عنهم حتى أظهرها فلاسفة الشيوعية؟ يجيب الشيوعيون عن ذلك بسهولة قائلين: لا غرابة في ذلك فإن الإنسان أصله قرد، وظل يجهل هذه الحقيقة ظاناً أن العناية الإلهية هي التي خلقته حتى عرف ذلك أخيراً. ويعبر إنجلز عن ذلك قائلاً: "ينسى الناس أن الظروف الاقتصادية لحياتهم هي منشأ الحقوق التي لديهم، مثلما أنهم نسوا أنهم قد نسلوا من عالم الحيوان" (٢). وانطلاقاً من تأليه الاقتصاد على هذا النحو، وانطلاقاً من اعتبار تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام، ومن الانتكاس بالإنسان

стр. 290

وجعل معدته هي العليا وروحه وعقله السفلي - جاء التفسير الاقتصادي للتاريخ، وهو تفسير يقوم على مبادئ نظرية أهمها: ١ - حتمية الصراع بين المتناقضات: وذلك يعني بالنسبة للمجتمع البشري الصراع بين الطبقات، وبين المصالح المادية المتعارضة، وهو صراع حامٍ لا يهدأ على الإطلاق، وسببه الوحيد البحث عن الطعام وامتلاك وسائل الإنتاج، وقد آمن فلاسفة الشيوعية بحتمية الصراع هذه تطبيقاً للفلسفة الجدلية المثالية لهيجل على الواقع المادي. وملخص هذه الفلسفة أن كل شيء يحمل معه نقيضه المضاد له، وبالصراع بين النقيضين يتولد جامع بينهما أقوى منهما، ثم لا يلبث هذا الجامع أن يدخل -بعد أن يصبح قوة ثالثة- في صراع مع نقيضه الذي يحمله معه، وهكذا دواليك. ٢ - في أثناء البحث عن الطعام: على مدار التاريخ، انقسم تاريخ البشرية خمس مراحل كبرى اقتبستها الشيوعية من موريس مورجان وهي: ١ - الشيوعية الأولى البدائية. ٢ - الرق (العبودية). ٣ - الإقطاع. ٤ - الرأسمالية. ٥ - الشيوعية الثانية والأخيرة (١).

стр. 291

٣ - الانتقال من مرحلة إلى أخرى سببه الدائم اكتشاف مادي، نشأ عن تحول جديد في وسائل الإنتاج؛ فاكتشاف الزراعة -مثلاً- نقل البشرية من المرحلة الأولى إلى مرحلة الرق، واكتشاف المحراث نقل المجتمع البشري من الرق إلى الإقطاع، واكتشاف الآلة كان الناقل من الإقطاع إلى الرأسمالية. ٤ - الانتقال من مرحلة إلى مرحلة حتمي لا إرادة لإنسان فيه: إن المبادئ الثلاثة السابقة نظرية بحتة، أما هذا المبدأ وما بعده فتطبيقية، ومن هنا كان اهتمام الشيوعية بهما ودفاعها عنهما. وهذا المبدأ (الحتمية) شرحه إنجلز في كتاب لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية، (١). وذكر كيف أن الشيوعية تعمدت معاكسة هيجل في دعوى أن أفكار الناس هي التي تنشئ واقعهم -أي: أن الإرادة البشرية هي التي تغير الواقع الحيوي- وأوضح إنجلز أن سبب القطيعة بينهم وبين هيجل والمثاليين هي ما أسماه الثلاثة الاكتشافات عن الطبيعة: ١ - اكتشاف الخلية كوحدة تتطور بدءاً منها العضوية النباتية والحيوانية كلها عن طريق التكاثر والتباين. ٢ - اكتشاف تحول الطاقة، الذي بين لنا أن كل ما يسمى بالقوى الفاعلة بالدرجة الأولى في الطبيعة غير العضوية، إنما هي جميعاً تجليات مختلفة للحركة

стр. 292

الشاملة المتنقلة من الواحدة إلى الأخرى وفق بعض النسب الكمية. ٣ - البرهنة الإجمالية التي تحققت للمرة الأولى على يد داروين، والقائلة: إن جميع العضويات الطبيعية المحيطة بنا الآن -ومنها الناس- إنما هي نتاج عملية تطور طويلة (١). وواضح أن الجبرية الشيوعية منقولة بحذافيرها عن الداروينية كما أسلفنا فالإنسان -في الداروينية- خضع دون وعي منه ولا إرادة لعملية التطور البطيئة الطويلة التي قذفت به إلى وضعه الراهن دون أن يكون له يد في ذلك (٢). ٥ - الانتقال من مرحلة إلى مرحلة يصحبه تغير حتمي في الأفكار والمعتقدات والسلوك: هذا المبدأ من أخطر المبادئ الفلسفية الشيوعية، وهو مبني أساساً على فكرة التطور المطلق التي أوحت بها الداروينية كما سبق، وتطبيقاً لهذا المبدأ ترى الشيوعية أن لكل طور تاريخي دينه وأخلاقه وتقاليده وعلاقاته المنبثقة من وضعه الاقتصادي، فإذا ما انتقل إلى طور آخر تغير كل ذلك تغيراً حتمياً تبعاً لتغير الطور الاقتصادي (٣). يقول إنجلز: "منذ اللحظة التي تطورت فيها الملكية الخاصة للأشياء المنقولة

стр. 293

كان لابد لجميع المجتمعات التي تسود فيها هذه الملكية الخاصة أن يكون فيها هذه الوصية الأخلاقية المشتركة: لا تسرق! فهل يعني أن تصبح هذه الوصية وصية أخلاقية سرمدية؟ كلا، أبداً، ففي مجتمع أزيلت منه دوافع السرقة حيث السرقات، وبالتالي لا يمكن أن يرتكبها مع مرور الزمن غير مجانين، كم سيضحك الناس من الواعظ الأخلاقي الذي يود أن يعلن على رءوس الأشهاد الحقيقة السرمدية: لا تسرق". ولهذا فإننا نرفض بكل اطمئنان بأن تفرض علينا أية عقائدية أخلاقية كقانون سرمدي نهائي لا يتزعزع بعد اليوم؛ بذريعة أن لعالم الأخلاق هو أيضاً مبادئه الدائمة التي هي فوق التاريخ والفوارق القومية. فنحن نؤكد -بالعكس- أن كل نظرية في الأخلاق حتى اليوم إنما كانت في التحليل الأخير نتاج الوضع الاقتصادي للمجتمع في أيامها، كما أن المجتمع قد تطور -حتى اليوم- ضمن تعارضات طبقية فقد كانت الأخلاق على الدوام أخلاقاً طبقية: إما أنها كانت تبرر سيطرة ومصالح الطبقة السائدة، وإما أنها كانت منذ أن تصبح الطبقة المضطهدة على جانب من القوة، تمثل الثورة على هذه السيطرة ومصالح المستقبل للمضطهدين (١). ويقول ماركس: (ترتبط العلاقات الاجتماعية وتتعلق بالقوى الإنتاجية ولدى تحقيقنا لقوى إنتاجية جديدة يغير الناس نوع الإنتاج، وعند تغييرهم لنوع إنتاجهم، وعند تغيير طريقة كسبهم لمعيشتهم؛ فإنهم يغيرون كل

стр. 294

العلاقات الاجتماعية (١). وبناء على ذلك يعتقد الشيوعيون أن هناك أخلاقاً وتقاليد زراعية إقطاعية، وأخرى برجوازية، وثالثة شيوعية، تختلف كل منها عن الأخرى، وأن الدين وليد البيئة الزراعية وجزء من غيبيتها، كما أن الإلحاد هو سمة البيئة الصناعية وعقيدتها، ومثل الدين الأسرة والعرض بصفة خاصة، وليس أكثر رجعية من إنسان يعيش في المجتمع الصناعي بدين وأخلاق المجتمع الزراعي، فمثل هذا الإنسان جدير بأن تلصق به الشيوعية أقذع النعوت وأمَر الهجاء، بل ستسحقه الحتمية القاهرة). هذا على الصعيد الفلسفي، أما على الصعيد التطبيقي، فإن الشيوعية تحصر الشرور كلها - منذ بدء الخليقة إلى الآن - في علة واحدة هي الملكية الفردية، ولذلك فإنهم يؤمنون إيماناً أعمى بأن القضاء على الملكية الفردية، وقبض الدولة على وسائل الإنتاج كفيل بتحقيق الجنة الأرضية، وإزالة كل الشرور والمساوئ التي يعج بها التاريخ، ولا تستثني الشيوعية من ذلك شيئاً حتى المرأة فإن الشيوعية الجنسية والإباحية المطلقة هدف صريح من أهداف الثورات الشيوعية في كل مكان، فالزواج ينتج الأسرة، والأسرة في نظرهم أعدى أعداء المجتمع اللاطبقي، لأنها تحتم على المرء أن يتملك ويدخر، والملكية الفردية تقليد إقطاعي استغلالي، إن لم يتم القضاء عليه انتكس المجتمع إلى طور تاريخي أدنى! خاتمة حول وضع الدين في المجتمع الشيوعي: أصبح جلياً بعد العرض الموجز للمذهب الشيوعي أن نعرف موقف الشيوعية من الدين بوضوح:

стр. 295

فهي مبدأ ينكر - دون تحفظ - أن يكون لهذا الكون إله، وعبارة (لا إله والحياة مادة) ليست شعاراً مجرداً، بل مادة دستورية في قانون الاتحاد السوفيتي. والدين في نظرها أوهام وخيالات انعكست عن الوضع الاقتصادي، أو وضعها المحتكرون من الطبقات العليا ليخدروا الكادحين المنكوبين، فيستأثروا بكل شئ في الدنيا، ويعدوهم بالعوض في الآخرة، ومن هنا وجبت عليهم محاربته والنضال في سبيل القضاء عليه لتحرير المجتمع من الاستغلال والتحكم الطبقي! ثم هو فوق ذلك ليس أمراً فطرياً في الإنسان منذ وجد وإلى أن تنتهي الدنيا، بل هو أمر عرضي في التاريخ جاء لتلبية رغبة فئة من الناس في مرحلة من مراحل التطور التاريخي للبشرية، وهي مرحلة جاوزتها البشرية ابتداءً من اكتشاف الآلة، فمحاولة التمسك به بعد ذلك انتكاس وعبث يثير الازدراء والاشمئزاز. أما الأسرة والزواج والأخلاق والفضيلة ... فهي كلها هراء برجوازي! كما أن الحق والعدل الأبديين كلام فارغ، ولا وجود لشيء من ذلك إلا في مخيلة المثاليين وأوهامهم. والدول الشيوعية تتبنى رسمياً محاربة الدين، وتدرس الإلحاد والمادية كما يدرس المؤمنون دينهم، وتبذل كل وسائل التنفير الدعائي والاضطهاد المباشر لاستئصال جذور الدين من مجتمعاتها، واجتثاث ما بقى لديها من رواسب الخلق والفضيلة. ويرى الشيوعيون أن الإنسان الذي يسهم في هدم الأوهام الإقطاعية، ويبث الوعي الإلحادي في صفوف الطبقة الكادحة هو إنسان مناضل شريف، يعمل لتطوير بلاده وتنوير شعبها، وعلى العكس من

стр. 296

ذلك أي داعية أخلاقي أو مصلح اجتماعي فهو حجر عثرة في سبيل الرقي وأداة للإمبريالية العالمية، وعميل للبرجوازيين والرجعيين، بل إن كل من يخالف سياسة الحزب الشيوعي ولو مخالفة سلبية بطريقة الصمت هو عدو للطبقة الكادحة وعميل للقوى الاستغلالية؛ فإذا شم من صمته رائحة الإيمان بدين ما فقد عرض نفسه لعقوبة أدناها العمل سخرة في المعسكرات التأديبية مدة كافية لإذابة كل الأفكار الرجعية من دماغه. والنظرية الشيوعية دين رسمي متعصب لا يقبل الجدل ولا يسمح بالمنافسة، وكل شئ في الدولة الشيوعية لابد أن ينبثق من العقيدة الماركسية ويتمشى معها، فالعلم يجب تسخيره لتثبيت الفكر المادي والمناداة بأزلية الكون ومادية الحياة، والأدب والفن لابد أن يلتزما بما سمي الواقعية الاشتراكية، ووسائل الإعلام شغلها الشاغل تمجيد النظرية وإطراء النظام والإطناب في شرح إنجازات الثورة والتشهير بمخالفيها. وهكذا في كل شئ تريد الشيوعية أن تفرض نفسها عقيدة ونظام حياة ومصدر تشريع وأساس علم وفكر وفن وأدب، فهي فكرة جاهلية متكاملة تقابل تماماً الدين بمفهومه الحقيقي الشامل، وتريد أن تحل محل العقيدة الدينية في مجالات الحياة ونشاطاتها.

стр. 297

ثالثاً: الواقع المعاصر للجاهلية الحديثة: كفرت أوروبا بالله وعبدت المادة، وألقت بالزهد المسيحي، وامنت بالشره اليهودي، ورفضت أن تخضع نظمها الاقتصادية لله في أية صورة من الصور، ورضيت بعبادة فلاسفة الاقتصاد، والحكم بماتمليه أهواؤهم، فكان لزاماً عليها أن تدفع ضريبة ذلك من أمنها وطمأنينتها، وأن تنتكس إلى مستوى الحياة البهيمية، وأن يذيقها جلادوها أقسى أنواع النكال وأفظع صنوف التعذيب. وما الأمراض المجتمعة المزمنة، والتهالك الأحمق على المادة، والضياع المرعب، والقلق الذي يخيم على الوجوه، إلا أعراض طبيعية لعبادة غير الله والحكم بغير ما أنزل الله؛ لا سيما عبادة المادة وطواغيتها، حيث نسي الإنسان وأظلم قلبه وتبلد إحساسه لحساب المعدة والجسد، وغرق في المتاع الحسي حتى غفل عن حكمة خلقه وسر وجوده ومصيره المحتوم في الدار الآخرة. يقول الأستاذ محمد أسد: "إن الأوروبي العادي سواء عليه أكان ديمقراطياً أم فاشياً رأسمالياً أم بلشفياً صانعاً أم مفكراً يعرف ديناً إيجابياً واحداً هو التعبد للرقي المادي، أي الاعتقاد بأن ليس في الحياة هدف آخر سوى

стр. 298

جعل هذه الحياة نفسها أيسر فأيسر أو كما يقول التعبير الدارج: طليقة من ظلم الطبيعة، إن هياكل هذه الديانة إنما هي المصانع العظيمة ودور السينما والمختبرات الكيماوية وباحات الرقص وأماكن توليد الكهرباء، وأمَّا كهنة هذه الديانة فهم الصيارفة والمهندسون وكواكب السينما وقادة الصناعات وأبطال الطيران، وإن النتيجة التي لا مفر منها في هذه الحال هي الكدح لبلوغ القوة والمسرة، وذلك بخلق جماعات متخاصمة مدججة بالسلاح ومصممة على أن يفني بعضها بعضاً حينما تتصادم مصالحها المتقابلة". أما على الجانب الثقافي، فنتيجة ذلك خلق نوع بشري تنحصر فلسسفته الأخلاقية في مسائل الفائدة العملية، ويكون أسمى فارق لديه بين الخير والشر إنما هو التقدم المادي (١). ١ - في الغرب الرأسمالي: إن كثيراً من المفكرين في الغرب قد راعهم التناحر المادي وسيطرة الآلة على الإنسان، وكان ذلك موضوع جزع شديد عند بعض الأكابر من رجال الفكر، فجورج برنانوس مثلاً يرى في طغيان ذلك العملاق الميكانيكي الرهيب مؤامرة كونية كبرى على كل حياة داخلية، ثم هذا جول رومان يهوله التباين الشاسع بين ارتفاع منحنى التكنيك، وانخفاض منحنى المؤسسات الاجتماعية مع بقاء الطبيعة البشرية دون هذا وذاك ثابتة على خط بياني واحد، فيبقى واجماً مكفهر الوجه، منقبض النفس أمام معضلة المنحنيات الثلاثة، وآلبر كامو يتحيف به اليأس عندما يدرك ما استولى علينا من كابوس الخوف

стр. 299

والهلع، مرده أننا نعيش في عالم لا ينفع فيه الإقناع تجاه أناس وثقوا وثوقاً أعمى بآلاتهم وبآرائهم. وعبر بعضهم على ذلك قائلاً: "ألا ترون إلى النظام الصناعي الحاضر كيف جعل من سواد الكادحين سوائم تسير بفعل الغريزة العمياء بدلاً من أن تكون أناسي من آدم كرمها الله باستعمال الذكاء ... ناس كأنعام أصبحوا عبيداً للآلات!؟ " (١). ويقول الفيلسوف جود: "إذا لم نكن على يقين في شأن من الشئون؛ فإن مذهب الاستمتاع بالحاضر واليقين بزوال الحياة بعده مذهب تتمسك به الأجيال المعاصرة أي تمسك، وهو يرسم لها طريقاً عملياً محدداً في العيش والحياة، ومهما يعني هذا الاتجاه للحكيم المجرب، فإنه يستتبع بالنسبة لشباب هذا العصر الاستخفاف بالنواحي والقيود التي كانت محور الأخلاق ومدارها والخلاص منها في القرن التاسع عشر، وكذلك فقدت النواهي الأخلاقية التقليدية قوتها المألوفة بعد أن زال سندها من سلطان مافوق الطبيعة، وقد كنا نسمع أننا ينبغي لنا عمل الخير لأن الخير يرضى عنه الله، والله تعالى يحب أن يرى عبده صالحاً علىخط من القناعة والاعتدال في حياته، ومادامت ممارسة الفضيلة مقصوداً منها كسب رضى الله، فإن المرء يحار هل الدافع إليها الظفر بنعيم الجنة أو إنه الرغبة في الخلاص من الجحيم المقيم، ولم يعد للطمع بثواب النعيم في الآخرة أو الوعيد بعقابها تلك القوة التي كانت لها قبلاً، فكثير من الناس يستخفون بذلك، وما داموا لا يطمعون

стр. 300

بنعيم الجنان وملذاتها فهم ينغمسون في نعيم هذه الدنيا وملذاتهاً" (١). أما الباحث توني فإنه يتحدث عن التفكك الذي طرأ على الحياة الغربية نتيجة والإيمان بالمادة وإقصاء الدين عن شئون الحياة، ويبين بوضوح التمييز بين المجتمع الوظيفي الذي يعرف فيه كل فرد مكانه وقيمة عمله لصالح المجموعة، وبين المجتمع المتفكك الذي لا يجد فيه سعادة، لا في عمل مضمون ولا في قيمة شخصية ثابتة، ويوضح أن النجاح في المجتمع المتفكك يقاس بالحصول على الثروة أكثر من المسئولية الشخصية أو أي معيار آخر للقيمة الاجتماعية ويقول: "كانت الثورة الصناعية -برغم أنها كارثة في تأثيراتها كانت القمة المنظورة فقط لأجيال في التغير الأخلاقي الخبيث. ويصف توني التغير الأخلاقي هذا على أنه يحدث خاصة في علاقة -الدين بالتنظيم الاجتماعي في القرن الثامن عشر، لقد تنازل كل من الكنيسة والدولة عن ذلك الجزء في محيطها الذي كان يعمل على إبقاء مجموعة عامة في الأخلاق الاجتماعية" ويقول: "كانت الكنيسة أكثر بعداً عن الحياة اليومية للبشر في الدولة، لقد تكاثر حب الإنسانية، ولكن الدين الذي كان قوة اجتماعية عظمى، صار شيئاً خاصاً فردياً، كضيعة صاحب الأرض أو ملابس الشغل للعامل" (٢). وكانت النتيجة التي لا مفر منها هي الشقاء والدمار للفرد والمجتمع، هي المعيشة الضنك التي يصلى سعيرها الغرب المادي.

стр. 301

يقول أليكسيس دوتوكفيل عن المجتمع الأمريكي -وهو النموذج الرأسمالي البارز-: "رغم ما شاهدت في أمريكا من حرية وثقافة يتمتع بها الكثيرون في ظروف هي خير ما يمكن أن تقدمه لهم الدنيا، فقد كنت ألمح سحابة من الحزن مخيمة فوق جباههم، حتى ظننت أن التزمت والقلق يلازمانهم في أفراحهم وأتراحهم. إن ابن الولايات المتحدة يتعلق بمتاع هذه الدنيا، وكأنه على ثقة من أنه لن يموت أبداً، فهو يتعجل اغتراف كلما يقع في متناول يده، حتى لتحسبنه خائفاً من أنه لن يمتد به العمر حتى يتمتع بها كلها، فهو يمسك كل شئ بقبضة متراخية، ثم لا يلبث أن يتخلى عنه ليلاحق غيره من الغنائم الجديدة. وثمة شيء قد تعجب منه للوهلة الأولى يبدو في هذا القلق الغريب المسيطر على عدد كبير من هؤلاء الذين يعيشون في سعادة وبحبوحة كبيرة من الثراء، إن هذا المشهد قديم قدم الدنيا، والجديد فيه هو رؤية شعب بأسره يضرب لنا مثلاً على ذلك. إن تذوقهم للمسرات الجسدية يجب أن يعتبر المصدر الرئيسي للقلق الخفي، وللتغلب البارزين في أفعال الأمريكيين الذين يقدمون يومياً أمثلة جديدة عنه، فالذي يكرس نفسه لمطاردة الرفاه الدنيوي -عساه يلحق به- يسرع دائماً لضيق الوقت المحدد لبلوغه واكتناهه والتمتع به، إذ أن تذكره الدائم لقصر الحياة وزوالها شوكة ثابتة تخزه دوماً" (١).

стр. 302

وهنا هذا الدكتور أليكسيس كاريل ينحي باللائمة على الذين يظنون أن الاقتصاد هو كل شئ في الحياة، وأن الرخاء والطمأنينة يمكن أن يحصل عليهما المجتمع والفرد بطريق الخطط الاقتصادية وتنمية الموارد والثروات، يقول: "من حسن الحظ أن حادثاً لم يخطر على بال المهندسين والاقتصاديين والسياسيين قد حدث؛ ذلك أن صرح المالية الأمريكية قد انهار فجأة، وفي بادئ الأمر لم يصدق الجمهور وقوع الكارثة فعلاً ولكن أصغى إلى شروح الاقتصاديين في استسلام مؤملاً في عودة الرخاء إلا أن الرخاء لم يعد، ولهذا بدا أكثر رؤساء القطيع ذكاء يرتابون ويتساءلون هل أسباب الأزمة الاقتصادية مالية فقط؟ ألا يجب أن نتهم أيضاً فساد وغباء الساسة ورجال المال وجهل وأوهام الاقتصاديين؟! ألم تهبط الحياة العصرية بمستوى ذكاء الشعب كله وأخلاقه؟! لماذا يجب أن ندفع ملايين الملايين من الدولارات كل عام لنطارد المجرمين؟! لماذا يستمر رجال العصابات في مهاجمة المصارف بنجاح وقتل رجال البوليس واختطاف الناس وارتهانهم أو قتل الأطفال بالرغم من المبالغ الضخمة التي تنفق في مقاومتهم؟! لماذا يوجد مثل هذا العدد الكبير من المجانين وضعاف العقول بين القوم المتحضرين؟!

стр. 303

ألا تتوقف الأزمات العالمية على الفرد والعوامل الاجتماعية الأكثر أهمية من العوامل الاقتصادية؟." (١) لقد فطن الدكتور كاريل إلى أن الأمر أعمق من أن يكون مشكلة اقتصادية؛ ولكنه لم يستطع أن يقع على السر الحقيقي لأزمة الإنسان المعاصر، وهو أنه يعبد غير الله ويحتكم إلى غير شرعه! إن الإنسان في الغرب يفاخر بأنه يعيش فيما يسمى العالم الحر؛ وذلك لأنه يرى نفسه أفضل حالاً من زميله الواقع في براثن الشيوعية، لكنه ينسى أنه هو الآخر خاضع لتسخير واستغلال الطبقة الرأسمالية التي تستعبده دون وعي منه، فهو يتخبط في شباكها دوماً، ومع ذلك يحسب أنه حر طليق، وهذه الحقيقة مضى في الفصل السابق ما يؤيدها، وسنورد هنا ما يدعم ذلك مع ملاحظة التلازم الذي سبق أن أشرنا إليه بين السياسة والاقتصاد خاصة. يقول ر. م. ماكيفر وزميله: "إن المجتمع الحديث يتميز بالعديد من المنظمات والمؤسسات الكبيرة والروابط الاقتصادية والسياسية المنشأة على نطاق واسع، التي تقوم جميعاً على تقسيم الوظائف والتخصص، حتى يصبح الفرد وكأنه أحد أسنان عجلة في آلة اجتماعية ضخمة، وتنحصر مهمته في أداء عمله بشكل آلي داخل دائرة تخصصه، فلا تتهيأ له إلا أقل الفرص لإظهار فرديته. كذلك ينزعج كثير من الناس لمدى ما تتعرض له مواقف الرجل المتحضر وآراؤه من تشكيل بفعل النمط العام للمجتمع الذي يعيش

стр. 304

فيه، وربما كان هناك ما يسوغ هذا الانزعاج عندما نرى في الولايات المتحدة الأمريكية مظاهر تحديد مستويات الحياة الاجتماعية، بتأثير الإعلان والدعاية العريضة والغذاء الرتيب الذي تقدمه برامج محطات الإذاعة، وإنتاج السينما في هوليود، وقد أدت السيطرة على عقول الناس بهذه الكيفية إلى تضييق الحدود التي يعمل في نظامها كل من المنتج والكاتب والعامل والممثل، كما حَدَّت من مال الجماهير وأذواقها بحيث لا تتعدى الحواجز التي أقيمت حولهاً (١). ويتحدث الدكتور كاريل عن الاستعمار الذي يمارسه الرأسماليون بطريق الدعاية فيقول: "تتأثر حياتنا بالإعلانات التجارية إلى حد كبير، وهذا اللون من الدعاية يهدف إلى تحقيق مصلحة المعلنين أكثر من مصلحة المستهلكين، مثال ذلك لقد أوهمت الدعاية الجمهور أن الخبز الأبيض أفضل من الخبز الأسمر، وهكذا ينخل الدقيق مرة بعد أخرى ليجرد من عناصره الغذائية النافعة، ومعالجة الدقيق على هذا النحو يجعل في الإمكان الاحتفاظ به فترات أطول، كما يسهل صناعة الخبز، وبذلك يستطيع أصحاب المطاحن والمخابز أن يحصلوا على نقود أكثر بينما يطعم المستهلكون بخبز أردأ، وهم يعتقدون أنه خبز ممتاز، ومن ثم فإن سكان البلاد الذين يتخذون من الخبز غذاءً أساسيا آخذون في الانحطاط والتدهور. إن مبالغ ضخمة تنفق في الدعاية، ونتيجة لذلك أصبحت

стр. 305

كميات كبيرة من المنتجات الغذائية والطبية لا فائدة منها على الأقل، وغالباً ما تكون ضارة أصبحت هذه المنتجات ضرورية لبني الإنسان المتحضرين، وعلى هذا المنوال فإن شراهة الأفراد الذين وهبوا ذكاء كافياً يمكنهم من خلق تهافت الجمهور على طلب السلع التي لديهم تلعب دوراً رئيسياً في الدنيا العصرية" (١). وفى العالم الغربي الرأسمالي كُتَّاب تخصصوا في الكتابة عن المستقبل المشئوم الذي ينتظر البشرية على يد الطبقة الطاغوتية المسيطرة من أصحاب رءوس الأموال الضخمة والمستبدين، وتنبأوا بالقبضة الحديدية التي سيمسك بها هؤلاء القطيع البشري عن طريق استخدام التكنولوجيا وأحدث الدراسات النفسية والمجتمعة، حيث يأتي اليوم الذي يرى الإنسان فيه أن أيامه السالفة في ظل نظام الإقطاع أفضل ألف مرة منها في هذا العصر الذي يتعرض فيه لمسخ حقيقي وتطويع رهيب. ولسنا نعني بذلك أولئك الذين كتبوا عن اليهود، فمؤلفاتهم رغم ما تحويه من حقائق صارخة لا تزال مثاراً للشك عند البعض لسبب ما، غير أن هناك كُتَّاباً استخدموا لغة العامة منتهجين أسلوب العرض العلمي أو الأدبي لإثبات توقعاتهم المفزعة، من ذلك أن كاتباً غربياً مرموقاً هو: جوروج أوريل ألف كتاباً عنوانه: ١٩٨٤، صور فيه الوضع البشري المنتظر في تلك السنة تصويراً مرعباً يجعل قراءة يرتجفون على حد تعبير رسل، ورغم المعارضة التي قوبلت بها نظريته فقد أيدها الواقع كما ناصرها كثير من المفكرين ومنهم رسل الذي علق عليه قائلاً: ظل العالم يسير شيئاً فشيئاً وخطوة خطوة نحو تحقيق كابوس

стр. 306

أورويل، ولكن التدرج على هذا الطريق قد جعل الناس لا يتبينون المدى الذي قطعوه في هذا الطريق المحتوم. إن الموقف الآن شبيه بذلك الموقف الذي نشأ من ازدياد قوة الملوك في القرن السادس عشر، فقد كان طغيانهم المسرف هو السبب في كل الصراع الذي قامت به الحركات التقليدية وكسبته، ولكن ما إن تضاءلت قوة الملوك حتى نشأت محلها قوة لا تقل عنها خطورة (١). وظهر في أمريكا أستاذ جامعي استطاع بعد جهود مضنية، وباستعماله الأساليب الإحصائية والشواهد الواقعية أن يقرب إلى الأذهان تشاؤمات أورويل، وأثبت بقوة أن امبراطوريات المال في الولايات المتحدة قد وصلت في سيطرتها على الإنسان إلى درجة ربما لم يحلم بها أورويل، ولكن أساليبها الخفية وتخطيطها العميق وهيمنتهاعلى وسائل الإعلام تلقي ظلالاً كثيفه على غولها البشع، فلا يستطيع أن يلمع مخالبه إلا القلة النادرة، يقول هذا الأستاذ وهو فينس باكارد: "إننا نجد تناقضاً في مجتمع يحاول أن يضع أناساً على القمر في حين أن ملايين من سكانه في المدن لا يجرءون على السير وحدهم ليلاً في الشوارع أو الحدائق المجاورة لبيوتهم" (٢). ويستعرض في كتابه المسمى المجتمع العاري الوسائل الخفية التي تستخدمها امبراطوريات الذهب لتنغيص حرية الإنسان والسيطرة على سلوكه وشعوره ويذكر منها: ١ - أجهزة استراق السمع الإليكترونية: وهي أجهزة منها ما يستخدم في التنصت على المكالمات الهاتفية، ومنها أجهزة للتصوير والتسجيل

стр. 307

في غاية الصغر والدقة، ومنها عيون وآذان وعقول إليكترونية ترصد أنفاس فريستها بدقة مذهلة. ٢ - أجهزة خاصة لكشف الكذب، تستعملها الشركات العملاقة في إجراء المقابلات الشخصية مع طالبي وظائفها. ٣ - التجسس الخفي بواسطة العيون البشرية أو العيون التليفزيونية. ٤ - الإحصائيات والاختبارات النفسية، التي يتهافت عليها الجمهور المخدوع، بينما تجني الشركات الاحتكارية من ورائها فوائد ومعلومات مهمة، وتضع خطوطها المستقبلية على ضوئها. ٥ - البنوك وشركات التأمين ومؤسسات البريد التي تجبر الفرد على الإدلاء بمعلومات وافرة عن حياته وثروته وعلاقاته، لتستخدم في أغراض لا يعلمها. ٦ - شركات متنوعة متخصصة في استقاء المعلومات والتجسس على الأفراد والهيئات، تضع حصيلتها في قوائم تباع أو تعار بمبالغ باهظة للشركات والمؤسسات التجارية (١). وقد أدرك حقيقة هذا الكابوس كثير ممن يسمون مصلحين اجتماعيين في أمريكا، حتى آل الأمر بأحدهم وهو: هـ. ل. منكن المتوفى سنة ١٩٥٦ إلى أن يقول: يبدو أن بعض الناس لم يعودوا يجدون العيش في البلاد مستساغاً بل إنهم يرونه مستحيلاً، وقد ملأ ضيقهم هذا الصحف الأسبوعية، والسفن المقلعة من نيويورك حاملة شحنة ثائرة منهم تقصد باريس ولندن وميونخ وروما وغيرها من المدن التي تقع في طريقها،

стр. 308

حيث يحط بعضهم في أي مكان ليهربوا من اللعنات الكبرى والآثام الفظيعة التي جعلت حياتهم لا تطاق في الوطن. ثم يعلل منكن ذلك قائلاً: "إن حكومة الولايات المتحدة بسلاحيها التشريعي والتنفيذي جاهلة غير كفء، وفاسدة تثير الاشمئزاز في النفس". ((فوزارة العدل في الجمهورية مغفلة فاشلة، تعمل ضد كل ما هو معقول وعدل)) ((السياسة الخارجية للولايات المتحدة في أسلوبها العادي في التداول مع الأمم الأخرى سواء أكانت صديقة أو عدوة، هي سياسة رياء ونفاق ومراوغة ماكرة مخجلة)). إن الشعب الأمريكي بقبوله كل هذه الشئون يؤلف أعظم مجموعة من الرعاع الجبناء الحقيرين المستعبدين ... وإن هذا الشعب ليزداد جبناً ونذالة وحقارة كل يوم. وإني لأجد في بلدي هنا أكثر مما أرى أو أسمع به في أي بلد آخر من جنون خاص وعام، أرى موكباً لا نهاية له من أعمال السلب والاحتيال الحكومية، واللصوصية التجارية وشنق الأعناق، والمجون اللاهوتي وقلة الذوق والاختلاس والزنا الشرعي، وأعمال الاحتيال المتنوعة والدناءة والبلاهة والسخرية والإسراف، إنه موكب ضخم غير معقول يجري بأعظم قوة يمكن إدراكها، وتغذيها أعظم جرأة وشذوذ بعيدين عن التصديق (١) ذلك هو ما يقوله الكُتَّاب الرأسماليون في مصادر رأسمالية. (١٠٠%)، وهي اعترافات يخالها المرء للوهلة الأولى من صنع الدعاية البلشفية. وكل ما ذكره أولئك ليس إلا أعراضاً لابد أن يكابدها كل

стр. 309

مجتمع أعرض من ذكر الله وتكالب علىلمادة، إنه الشقاء الذي لا يخفف حدته ترف مادي ولا نعيم دنيوي، ولا تستطيع قشور الحضارة والرقي الصناعي أن تستره، لأنه أعمق من أن ينال وأدق من أن يستأصل. وغاية ما يستطيع عقلاء الغرب إدراكه وتنبيه أقوامهم له هو انهيار صرح حضارتهم وطغيان المادة على الروح لديهم، ثم يقفون عند ذلك، أو يصفون العلاج الذي لا يزيد عن مسكنات ضعيفة التأثير، هي غاية ما يمكن للعقل البشري المحدود أن يقدمه إذا انقطع عن الله ولم يرتض الاستضاءة بنوره. ولو كتب للذين يطلقون بين الحين والحين صرخات الويل والثبور على الحضارة الغربية أن يدركوا سنة الله في خلقه وأن يضعوا أيديهم على مكمن الداء لتغيرت الصورة بكاملها، ولكن أنى لهم التناوش من مكان بعيد!! ٢ - في الشرق الشيوعي: كل ما يردده المستغيثون في الغرب ويستفظعونه من المظالم، فإن المجتمعات الواقعة داخل الستار الحديدي تعج به بل بأضعافه، ففي هذه المجتمعات يتناسب الشقاء والتعاسة مع التطرف المغالي في محادة الله، والحرب الصريحة على الإيمان وعلى كل ما كرم الله به الإنسان من خلق وسلوك. إن الحط من كرامة الإنسان والنزول به ليس إلى مرتبة الحيوان بل إلى منزلة المادة الصماء، هو جزء من جوهر النظام الجاهلي الشيوعي، وهدف مقصود من أهداف برامجه ومخططاته، وما كان لها وهي على ما هي عليه من الكفر والعتو إلا أن تكون كذلك.

стр. 310

وبغض النظر عن المساوئ العامة للشيوعية، والشرور التي لم تدع منحى من مناحي الحياة إلا تغلغلت في أعماقه، فإن الناحية الاقتصادية خاصة كان ينبغي لها أن تكون أليق وأنسب في الدول الشيوعية منها في الغرب، وذلك لأن المبرر التاريخي لوجود الشيوعية فكراً وتطبيقاً هو المظالم والشرور الرأسمالية، فإذا جاءت الشيوعية بما يجعل الناس يترحمون على أسياد الإقطاع وطواغيت رأس المال فذلك هو المحير حقاً. كان المفروض في مذهب ينادي بمساواة خيالية بين الناس، ويندد بالطبقة والطبقات والامتيازات والاحتكارات أن يكون -على الأقل- أقرب النظم العالمية إلى المساواة وأقلها فوارق بين الطبقات، هذا إن لم يحقق أحلامه الموعودة بالفردوس الأرضي، ولكن واقع الدول الشيوعية يصادم هذا الفرض كل المصادمة، وها هو ميليوفان دجيلاس نائب الرئيس تيتو يقول في كتابه الذي أسماه (الطبقة الجديدة): "إن الطبقة البيروقراطية الشيوعية الجديدة صاحبة الامتيازات الضخمة، تستخدم جهاز الدولة كستار وأداة لتحقيق مآربها وأغراضها الخاصة، وإذا ما عدنا لدراسة الملكية فإننا سنجدها ليست أكثر من حقوق الربح وحرية السيطرة، وإذا ما اتجه المرء إلى تحديد ربح الطبقة من خلال هذه الحقوق، وفي إطار تلك الحرية، فإن الدول الشيوعية تتجه في النهاية إلى خلق شكل جديد من أشكال الملكية، وخلق طبقة حاكمة مستثمرة جديدة. إن الطغيان الشيوعي والإرهاب في أساليب الحكم هما الضمانة لامتيازات طبقة جديدة تبرز على المسرح السياسي. لقد سبق أن أعلن إستالين عام ١٩٣٦ مع صدور الدستور الجديد في الاتحاد السوفيتي أن الطبقة المستثمرة قد تم القضاء عليها

стр. 311

نهائياً، وفي الحقيقة لقد تم في المعسكر الشيوعي القضاء التام على قوى الرأسمالية الوطنية التي استؤصلت تماماً من الجذور، ولكن مع زوالها بدأت تبرز في صلب المجتمع الشيوعي طبقة جديدة لم يسبق للتاريخ أن رأى لها مثيلاً. ولقد أكدت هذه الطبقة أنها أكثر تسلطاً في الحكم من أية طبقة أخرى ظهرت على مسرح التاريخ، كما أثبتت في الوقت نفسه بأنها تحمل أعظم الأوهام، وأنها تكرس أعتى أساليب الظلم في مجتمع طبقي جديد. لقد تم تأميم المقدرات المادية إلا أنه لم يجر توزيعها على أبناء الشعب، بل أصبحت ملكاً مكتسباً للطبقة الحاكمة وللأعضاء القياديين للحزب والبيروقراطيين السياسيين. لقد حاز الأعضاء الكبار من أفراد النخبة الممتازة على أفضل المساكن والبيوت، كما شيدت لهم الأحياء الخاصة ومنازل الاصطياف، وحصل أمناء سر الحزب وروساء البوليس السري ليس على السلطة العليا وحسب، إنما على أجمل المساكن وأفخم السيارات وسواها من مظاهر الأبهة والعظمة والامتيازات، أما بقية الأعضاء من دونهم مَرْتبة فقد حازوا على امتيازات متناسبة مع مراكزهم الحزبية. وليس هناك أية طبقة أخرى في التاريخ تشابه الطبقة الجديدة في وحدة تماسكها، ووحدة الفكر والعمل في دفاعها عن نفسها، وفي قدرتها على إحكام القبضة على كل ما هو واقع تحت سيطرتها من الملكية الجماعية حتى السلطة الاستبدادية المطلقة. هذه الطبقة الجديدة تتمتع بشراهة وجشع البرجوازية، إلا أنها لا تحتوي أية فضيلة من فضائلها، ومن جهة أخرى فإن هذه الطبقة تشابه الطبقة الارستقراطية في بعض أمورها الخاصة، وبطابعها

стр. 312

الانفرادي والانعزالي، ولكنها تظل بعيدة عنها في مجال رقتها ونبلها وفروسيتها." (١) أما الكاتب الفرنسي أندريه جيد، الذي أصيب بخيبة أمل عظمى في الشيوعية بعد زيارته للاتحاد السوفيتي؛ فيتحدث في كتابه: العودة من الاتحاد السوفيتي عن هذا الواقع بأسلوبه الأدبي قائلاً: " .. ماذا أقول عن فندق سينوب الذي كنت أقطن فيه بجوار سوكوم، لقد كان أرقى وأسمى من كل شيء آخر، بحيث لا يقارن إلا بأفخر فنادق أوروبا وأعظمها ... وكان بجوار الفندق مزرعة نموذجية تمده بثمرها، وكانت المزرعة تشتمل على زرائب نموذجية للخيل والبقر والخنازير وبيوت للدجاج، وكلها مهيأة بالوسائل الحديثة؛ إلا أنك إذا عبرت النهر الذي يحد هذه المزرعة رأيت صفاً من الأعشاش الحقيرة يعيش في كل حجرة من حجره الصغيرة -ستة أقدام مربعة- أربعة أفراد ويدفع كل منهم روبلين إيجاراً شهرياً". إن اختفاء الرأسمالية لم يجلب الحرية للعامل السوفيتي، ومن الضروري للطبقة العاملة في كل مكان أن تعلم هذا، إن العمال -طبعاً- لم يعد يستغلهم حملة الأسهم الرأسماليون، إلا أنهم مع ذلك يستغلون أبشع الاستغلال وبطرق خفية منحرفة ملتوية، بحيث لم يعد العمال يعلمون على من يلقون اللوم. إن غالبيتهم العظمى يعيشون تحت مستوى الفقر، وإن أجورهم الهزيلة هذه هي التي تعين على ملء جيوب العمال المميزين الذين يمتازون بانعدام الشخصية وبالتزلف والخضوع، إن الإنسان ليروعه ما يلحظه على ذوي الشأن من عدم مبالاة بمن هم أقل منهم شأناً كما يروعه ما يظهره الأخيرون من تذلل وعبودية.

стр. 313

آمنّا بأنه لم تعد هناك طبقات أو امتيازات طبقية في الاتحاد السوفيتي؛ إلا أن الفقراء ما زالوا هم الفقراء؛ بل إن عددهم جد كبير ... إنني أخشى أن يكون معنى هذا كله العودة إلى نوع من برجوازية الطبقة العاملة تشبه البرجوازية الحقيرة التي تركتها في بلدي، ولقد بدأت -فعلاً- أرى أعراضها، ولا شك أن كل رواسب البرجوازية موجودة - رغم الثورة - لدى الكثيرين وإن كانت هاجعة راقدة. إن الإنسان لا يمكن إصلاحه من الظاهر، فإن تغيير القلب وإصلاحه أمر جوهري، ولذلك يراودني القلق عندما أرى كل الغرائز البرجوازية تلقى الإطراء والتشجيع في الاتحاد السوفيتي. رغم أن ديكتاتورية الطبقة العاملة التي طالما نادوا بها لم تتحقق بعد، إلا أنه توجد مع ذلك دكتاتورية من نوع آخر، دكتاتورية الحكومة الاستبدادية البيروقراطية السوفيتية، إن العامل السوفيتي البائس مربوط بمصنعه والعامل الزراعي مربوط بمزرعته الجماعية كارتباط أكسيون بعجلته، إن العامل إذا فكر في ترك عمله الحالي لأي سبب شخصي كان يتصور أو يأمل أن يكون في غير هذا المكان أحسن حالاً أو أقل سوءاً، أو لمجرد أنه يرحب بالتغيير، فإنه وهو المصنف المسجل المنظم يصبح على خطر من ألا يجد عملاً في أي مكان، بل إنه إن ترك مصنعه ولو ظل باقياً في نفس المدينة يحرم من مسكنه الذي كان من حقه طالما هو في العمل، والذي يصعب أن يجد غيره في أي مكان آخر، رغم أنه مع ذلك كان يدفع إيجار هذا المسكن ... أما إذا قامت السلطات نفسها بنقل العامل لسبب من الأسباب، فإنه لا يستطيع أن يرفض الانتقال، فلا هو حر في الذهاب إلى حيث يريد ولا في البقاء حيث تجمعت عواطفه الخاصة ومصالحة الشخصية (١).

стр. 314

وإذا كان هناك الكثير من الشواهد القاطعة تثبت الواقع البشع الذي يعيشه الإنسان في ظل الجاهلية الشيوعية، والمآسي الشنيعة التي يتعرض لها ليس في فكره وروحه فحسب، بل وفي قوته اليومي -أيضاً- فإن بعض المخدوعين بالشيوعية يروعهم التقدم الملموس في المستوى الصناعي، فيغشي أبصارهم عن الحقائق المرة المصاحبة لهذا التقدم، فينسون -أولاً- أن سعادة الإنسان وطمأنينته هي المقياس الحقيقي لنجاح أي عقيدة أو مذهب، وليس الإنتاج المادي بالغاً ما بلغ، وهذه الحقيقة يعترف بها أحد المرتدين عن الشيوعية، وهو الكاتب القصصي لويس فيشر، الذي يسخر من نفسه حينما كان يفضل الكيلوات على الإنسان، مخدوعاً بإنجازات الثورة الشيوعية في بعض مجالات الإنشاء والتعمير (١). والحقيقة الثانية هي أن التفوق الشيوعي في المجالات المدنية ضئيل إذا قورن بالمستويات التي وصل إليها الغرب، وأن المجال الذي برز فيه الشيوعيون هو ميدان الإنتاج الحربي بصفة خاصة، وما ذلك إلا لإحكام القبضة الحديدية على الشعب وإرهابه بدرجة تجعله يطرد من ذهنه كل أمل في الخلاص وكل طمع في عون خارجي. والحقيقة الثالثة: أن مكاسب هذا التقدم تؤول إلى الطبقة الحاكمة المستبدة وحدها، وأن الشعب هو الضحية والثمن، فلولا معسكرات العمل الإجباري لما تحقق كل ذلك. يقول دجيلاس: "إذا كان من الأمور الممكنة إحصاء الخسائر الناجمة عن نظام الملكية الجديد في المحاصيل الزراعية وفي المواشي؛ فإنه من الصعب جداً إحصاء الخسائر في اليد العاملة، وفي ملايين الفلاحين الذين

стр. 315

زجوا في المعتقلات، وأجبروا على العمل في معسكرات العمل الإجباري" (١). غير أن مؤلف كتاب نظاما البشرية الديمقراطية والشيوعية يعطي أرقاماً قد تقرب هذه الحقيقة فيقول: "في عام ١٩٢٨ كان في روسيا ٣٠ ألف عامل سخرة، وعندما قرر إستالين في مشروع الخمس سنوات أنه سينشئ صناعات جديدة في روسيا، بدأت معسكرات السخرة تمتلئ بسرعة، وما إن حل عام ١٩٣٣ حتى كان فيها خمسة ملايين من عمال السخرة، وبمرور الزمن ارتفع هذا الرقم إلى ما يتراوح بين عشرة ملايين وخمسة عشرة مليوناً ... ولم يكن يرسل إلى معسكرات السخرة في بداية الأمر غير الأعداء الحقيقيين للحكومة السوفيتية، ولكن لم تكد تمضي فترة طويلة حتى تم تحويل عدد كبير من الناس إلى عمال سخرة لمجرد الشعور بأنهم قد يصبحون في يوم من الأيام خطراً على الحكومة، وهذا فضلاً عن أن الحكومة احتاجت إلى عمال لتنفيذ مشروعات في مناطق نائية لا يمكن أن تجتذب عمالاً يذهبون باختيارهم". وفي الصين -أيضاً- أنشئت معسكرات السخرة بسرعة عقب انتصار الشيوعية في الحرب الأهلية عام ١٩٤٩، وقد قدر عدد عمال السخرة في الصين الحمراء بأكثر من عشرين مليوناً (٢) هذا. بالإضافة إلى أن التقدم الصناعي ليس معياراً كافياً؛ وذلك لسبب كامن في طبيعة العمل الصناعي ذاته، وهو إمكان خضوعه للمراقبة من قبل البوليس السري الذي يعرف مهمة كل عامل ويستطيع بسهولة أن يكتشف تقصيره؛ إذ أن العمل موزع توزيعاً دقيقاً، أما العمل الزراعي الذي يصعب خضوعه لمثل هذه المراقبة الآلية ففيه تظهر

стр. 316

الحقيقة بجلاء، لقد كانت روسيا القيصرية أكثر دول العالم إنتاجا للقمح، بل إن جزءاً منها مثل أوكرانيا يكفي لأمداد أوروبا كلها بالغذاء، ولكن الواقع الحالي يشهد أن الاتحاد السوفيتي يستجدي القمح من أعداء العقيدة الرأسماليين الأمريكان، ويدفع ثمناً له العملة الصعبة، وهذا هو المحك الحقيقي لمقدار نجاح النظام الشيوعي أو فشله في جانبه الاقتصادي الذي يعده أهم وأرقى جوانبه. ويقدم لنا لويس فيشر بعض الحقائق عن المزارع الجماعية في روسيا فيقول: "إن هذه المزارع الجماعية ليست إلا نوعاً جديداً بارعاً من العبودية الجماعية يناسب القرن العشرين، ويجبر الفلاح على العمل تحت رقابة بعض شيوعيي القرية المختارين ووخزاتهم، ويجعله عالة على الدولة ومحتاجاً إليها دائماً في بذوره وآلاته وحيواناته ومعظم دخله. وكان من الطبيعي أن يلقى هذا التأميم للزراعة مقاومة عنيفة بعيدة المدى، وقد شاهدنا كيف كان رد الحكومة على هذه المقاومة، لقد أرسلت بمئات الآلاف من الكولاك أو أغنياء الفلاحين إلى معسكرات العمل الجماعية، ولم يكف هذا النفي الجماعي لتحطيم القرية ... واستعمل المسئولون القوة لإجبار الفلاحين على الدخول في هذه المزارع الجماعية، وكثيراً ما كانت وحدات الجيش الأحمر تظهر في القرية، وتنتقل من كوخ إلى كوخ، مصدرة أمرها إلى السكان بتشكيل مزرعة جماعية. وكان الفلاحون يهددون بالنفي إلى سيبريا والتركستان، كما حدث في الكولاك إذا تشبثوا بالزراعة الفردية. بهذه الوسائل وغيرها أمكن أن تحشر الغالبية العظمى من الفلاحين الروس في المزارع الجماعية، ولكنهم مع ذلك ظلوا يعارضون أو يهدمون المجهود التعاوني، فقد كانوا يأملون -حتى الآن- أن تعتبر الحكومة هذه

стр. 317

المزارع الجماعية فكرة فاشلة، ثم تتنازل عنها، وقد أدت هذه الأمور في أوكرانيا إلى مجاعة ١٩٣١ - ١٩٣٢، التي مات فيها الملايين من الناس، فكانت القرية تموت بجميع من فيها، لقد كان ثمن تسرع البلاشفة وتعصبهم غالياً". ويقول أندريه جيد: "لقد حدث أن زرت إحدى المزارع الجماعية النموذجية، وهي من أبدع مزارع الإتحاد السوفيتي وأغناها، ودخلت بيوتاً متعددة وليتني أستطيع أن أنقل إليكم ذلك الانطباع المطرد الكئيب الذي يحس به من يدخل هذه البيوت من أثر انعدام الفردية انعداماً كاملاً، لقد كان في كل منها نفس قطع الأثاث القبيحة، ونفس الصورة للزعيم استالين، ولا شيء غير هذا، فلم يكن هناك أدنى أثر لأي تحف أو ممتلكات شخصية، ولو دخل أحد السكان بيتاً غير بيته ناسياً لما أحس بأي تغيير أو اختلاف" (١). هذه هي الأمثلة الواضحة لتطبيق الشيوعية والمعيار السليم للحكم عليها، وتلك هي نتائجها الاقتصادية المزرية، فضلاً عن نتائجها السياسية الفضيعة، التي تتمثل في وقوع الكثرة الكاثرة من الشعب عبيداً في قبضة الحكومة الإستبدادية، مرهونين بقوتهم الضروري وأمنهم المحفوف بالمخاطر، كما سبق في فصل علمانية السياسة. ومع أن في وسعنا أن نفصل القول فيما سبق إلا أننا سنكتفي بهذا الإجمال، إذ أن الواقع المعاصر ملء سمع وبصر كل إنسان أوتي حظاً من المعرفة والنظر، وليس إدراك هذه الحقائق مما يخفى على

стр. 318

الكثير، ولكن الذي يخفى -فعلاً- ويغيب عن أذهان الناس في الشرق والغرب سواء، هو سر هذه الأدواء الوبيلة الحقيقي، ومصدر هذا الشقاء المستديم الذي يطبق فكيه على العالم الغربي الجاهلي ولا يستطيع منه خلاصاً.

стр. 319

- الفصل الثالث: علمانية العلم: سبق أن عرضنا في الباب الثاني فصلاً من الصراع بين الكنيسة وبين العلم، ولمحنا الخطوط العريضة لتلك المعركة الضارية وبعض نتائجها السيئة، ووصل بنا العرض التاريخي إلى القرن التاسع عشر، حيث رأينا في فصل آخر كيف أجهزت الداروينية على الرمق الباقي في حطام مدعيات الكنيسة وتعاليمها. موقف العلم المعاصر تجاه الدين في القرن التاسع عشر: ولعل من الأوفق - قبل أن نعرض لموقف العلم المعاصر تجاه الدين - أن نلقى نظرة سريعة على الموقف في القرن الماضي، إذ هو بمثابة الأساس لما تلاه في هذا القرن، وقد حاول مؤلف كتاب تكوين العقل الحديث، أن يجمل الصورة العامة للنزاع بين العلم والدين آنذاك فكان هذا الموجز: "إن نمو العلم الميكانيكي والنقد العلمي للتوراة، وانفجار قنبلة التطور عام ١٨٥٩م أبرزت الخلاف بين التقاليد الدينية والعلم الحديث". وفصل ذلك في موضع تالٍ قائلاً: "أدى النقد التاريخي إلى إهمال الكثير من الاعتقادات، كما هدم العلم الميكانيكي بدوره مقداراً أكبر منها، ومنذ نقد ديفيد هيوم للمعجزات في القرن الثامن عشر رفض المتدينون الأحرار الاعتقاد بأي خرق

стр. 320

للقانون الطبيعي ونظامه، وفسروا أخبار المعجزات بأنها من نتاج أسباب طبيعية إنسانية كالسذاجة والخيال والخرافة، ثم إن التفسيرات الجيولوجية والبيولوجية لماضي العالم قد أدت بالطبع إلى إهمال أي اعتقاد حرفي بالحوادث الواردة في الفصول الأولى من سفر التكوين. وأخيراً: أهمل القرن التاسع بشكل أكيد الاعتقاد بأن الله مبدأ علمي، فقد اختفى الخالق صانع الساعة الذي تصوره عصر التنوير مع تقدم التفسيرات العقلية والعلمية عن كيفية تشكل الكون. وإذا كان المتدينون من الناس مازالوا يعتقدون بوجود خالق وراء هذه العمليات الطويلة، فهم يفعلون ذلك على أسس دينية أكثر منها علمية) " (١). وكما ابتهج الماديون بالنصر الحاسم - ظاهراً - الذي ظفر به العلم على الكنيسة في معركة (أصل الإنسان)، والانسحاب النهائي لها من حلبة الصراع؛ فقد كان الفلاسفة النظريون أيضاً لا يقلون عنهم، رغم الخلاف في وجهات نظر الفريقين الذي بلغ مداه في الصراع بين الواقعية والمثالية. وإلى ذلك يشير (هنتر ميد) في كتابه عن الفلسفة: "في الجزء الأكبر من القرون الوسطى -مثلاً- كانت العلاقة الرسمية بين الفلسفة والدين، تتلخص في أن للفيلسوف الحرية في الوصول إلى أية نتائج قد يوحي بها تفكيره، شريطة ألا تكون هذه النتائج متعارضة مع نتائج الوحي واللاهوت المقدس، والواقع أن الفلسفة لم تتمكن من التحرر من هذه القيود إلا منذ أقل من قرنين من الزمان، حتى في البلاد الديمقراطية الليبرالية ذاتها، بل إن هذه الحرية قد اكتسبت في مجالات معينة منذ وقت يذكره أناس
следующие страницы →