ولعل هذا العرض الموجز يعطينا الدليل القاطع على أن للفصل بين العلم والدين في أوروبا ظروفه وأسبابه الخاصة، ويقدم لنا شاهداً آخر - بالإضافة إلى شواهد كثيرة - على أن الجاهلية المعاصرة مهما تمسحت بالعلم والعقلانية- إنما تتحكم فيها ردود الفعل المتعارضة جيئة وذهاباً دون أن تطعم - ولو مرة واحدة - لذة الهدوء والاستقرار.
стр. 352
- الفصل الرابع: علمانية الاجتماع والأخلاق:
مجتمع القرون الوسطى وأخلاقها:
كانت أوروبا في القرون الوسطى تعيش حالة من الهمجية والانحطاط لا يكاد يضارعها فيها أي جزء من العالم آنذاك، لا سيما القرون الثلاثة الأولى التي اصطلح مؤرخو الغرب على تسميتها العصور المظلمة، وإن كان يطلق أحياناً على القرون الوسطى كلها العصور المظلمة تلك التي امتدت قرابة عشرة قرون (١).
كان التفسخ الاجتماعي والتدهور الأخلاقي يسيطران على حياة أوروبا القاتمة ابتداءً من غزو النورمانديين البرابرة لجنوب أوروبا وسقوط إيطاليا خاصة، في أيديهم. لكن التاريخ مهما أسهب في وصف التدني الاجتماعي والأخلاقي لتلك الفترة لا يستطيع أن ينزع منها صفة البشرية، فهي مهما بلغ انحطاطها لا تصل إلى القاع الحيواني الذي تنغمس فيه أوروبا المعاصرة، والصورة مختلفة بين مجتمعين: أحدهما بشري متخلف، والآخر حيواني هابط!
كان لمجتمع القرون الوسطى قيمه وتقاليده وأخلاقه البشرية، وهي قيم مجردة وتقاليد وأخلاق قائمة بذاتها، لا تتوقف على سند
стр. 353
موضوعي أو عامل خارجي أياً كان، وبغض النظر عن مقدار مراعاتها وتطبيقها عملياً، فإنها كانت حقائق مقررة لا مراء فيها، وكان التمسك بها مدعاة للاعتزاز، والخروج عليها مصدراً للاستنكار وجرحاً في الفضيلة والرجولة.
أما حراسة تلك القيم والأخلاق ومحاولة ترسيخها فكانت ملقاة على عاتق الكنيسة ومنوطة بجهود الآباء والرهبان الذين يقدمون النماذج العليا لها، غير أن الكنيسة بتحريفها لدين الله وابتداعها ما ليس منه أجرمت في حق نفسها وأتباعها، وأسهمت من غير قصد في هدم الأسس الأخلاقية التي قام عليها مجتمع القرون الوسطى، وقام عليها سلطانها العظيم.
وقصة أخلاق الكنيسة تحكي تناقضاً صارخاً وتبايناً عجيباً:
فمن جهة التصور اشتطت الكنيسة وغلت في تصورها للفضيلة والخلق الرفيع، ووضعت لها الشروط والمواصفات التي تنوء بالجهد البشري، ولا يستطيع استكمالها-عدا الملائكة- إلا حفنة ضئيلة من البشر تتمتع بمزايا غير عادية، ولا يصح أن تتخذ مقياساً لسائر بني الإنسان.
ومن جهة السلوك تلطخت سيرة رجال الكنيسة وأعضاء الأديرة برذائل وأرجاس يترفع عنها الفرد العادي ويتستر عليها الفاجر البذيء وقد سبق الحديث عن ذلك في الباب الأول أي: أنها في الوقت الذي تحلق فيه تعاليمها في السماء نجد أن واقعها يتخبط في الوحل! فالعفة -مثلاً- خلق إنساني نبيل فطرت عليه البشرية، ودعت إليه الأديان كافة، لكن الكنيسة بالغت في تصورها لهذا الخلق، حتى حرمت ما أحل الله، وأنكرت ما تلح عليه الفطرة، وتدعو إليه الغاية من الوجود الإنساني، وذلك بابتداعها الرهبانية وتنفيرها الشديد من
стр. 354
المرأة لذاتها، فتعاليمها تقول عن النظر المجرد: إذا نظرت عينك إلى معصية فاقلعها؛ فإنه خير لك أن تفقد عضواً من أعضائك من أن يلقى جسدك كله في النار (١).
وانطلاقاً من ذلك حرمت الزواج على رجال الدين معتقدة أن رجل الدين لا يجوز له أن يهبط إلى مستوى أخلاق الشعب، ويشاركهم في الاستمتاع الدنس!
هذا من الوجهة النظرية، أما الواقع العملي فشيء مختلف تماماً، فقد كانت الأديرة مباءات للفجور ومواخير للدعارة، وكان للبابوات والقساوسة من العشيقات والحظايا ما لا يكون لدى الملوك الدنيويين، وتولى منصب البابوية عدد من الأبناء غير الشرعيين لبعض الآباء والكرادلة (٢)
والمصيبة أن تلك الحقائق لم تكن خافية على الشعب، بل كانت حديث الألسنة ومثار الجدل.
والجشع على المال والملذات خلق ذميم - ما في ذلك شك - ولكن الكنيسة غالت في ذمه وتحريمه والدعوة إلى الزهد والتقشف، إلى درجة أنها حرمت المال الحلال، وقدست الفقر، وحظرت سبل الرفاهية، وقالت أناجيلها: مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله ... وفي الوقت نفسه كان رجالها أجشع الناس وأغنى الملاك وأترف الأغنياء.
والتسامح خلق رفيع ومنقبة عظيمة - باتفاق العقول والفطر - غير أن الكنيسة بالغت في فرضه، حتى أوجبت على أتباعها قبول الذل
стр. 355
وتحمل الظلم فقالت: "من لطمك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر أيضاً، ومن سخرك ميلاً فامش معه ميلين، ومن نازعك رداءك فاعطه الآخر"
وقالت: باركوا لاعنيكم، وصلَّوا لأجل الذين يسيئون إليكم.
كل هذا في العقيدة والتصور، ولكن الواقع العملي يشهد أن الكنيسة ارتكبت من ألوان الظلم وفظائع الطغيان ما يتورع عنه جبابرة الفاتحين وعتاة المستبدين، ولم تعرف رحمة ولا تسامحاً حتى مع مخالفيها من أتباعها أو أبناء دينها.
وهكذا الحال في سائر الصفات النبيلة والأخلاق المحمودة.
تطرف وشطط في التصور، وإسفاف وهبوط في السلوك، وكان لهذا التناقض الصارخ أثره البالغ على الناس في واقع حياة أتباعها أيام مجدها وسطوتها، ثم في ثورة أعدائها بعد أن تصدعت أركانها، وهوجمت من كل مكان.
كان أتباعها طيلة القرون الوسطى لا يستطيعون الارتفاع عملياً إلى المستوى المثالي النظري لأخلاقها - ولهم في ذلك العذر - فكانوا يتزوجون ويجمعون المال ويثأرون لأنفسهم من ظالميهم، ويتصرفون في سلوكهم بعيداً عن قيودها التي لا تطاق، ولا يلزمون أنفسهم بتطبيق قواعد وأنماط سلوكية لم يسجل التاريخ أنها طبقت - بصورتها النظرية - على نطاق واسع في أية مرحلة من المراحل، لكنهم كانوا وهم يفعلون ذلك يجدون في أنفسهم تناقضاً وجدانياً، ويشعرون أنهم -إذا لم يكونوا على الصورة المثلى- مقصرون ومخطئون، يتعرضون للتأنيب المستمر من أعماق ضمائرهم، وكان هذا الشعور ملازماً لهم نفسياً رغم أنهم مظهرياً يمارسون الحياة العادية بكاملها.
وتولد من ذلك إحساس دائم بالذنب لدى النفسية الأوروبية
стр. 356
كلما تاقت إلى مباح أو استمتعت بمتاع وإن كان الحلال المحض! وهو إحساس توارثته الأجيال المتعاقبة حتى أصبح من الرسوخ بدرجة تجعل التخلص منه لابد أن يأتي في صورة ثورة نفسية هائجة ورد فعل جانح، وهو ما فعلته أوروبا الحديثة، هذا من جهة.
ومن حيث النظرة الشكلية العامة نجد أن مجتمع القرون الوسطى كان أسرياً في تكوينه، زراعياً في حرفته، إقطاعياً في طبقاته ومراتبه ولكل ميزة من هذه المميزات انعكاسه الواضح على الأخلاق الاجتماعية.
فالنظام الأسري ساعد على ترسيخ فكرة المحافظة على العرض وقداسة العلاقة الزوجية، حتى لقد كان القتل هو العقوبة المتوقعة للزوجة الخائنة أو للمعتدي على العرض.
وطبيعته الزراعية أسهمت في المحافظة على الواجبات الفردية وعلى التقاليد المتوارثة منذ القدم، والتي كانت مزيجاً من تعاليم دينية وأعراف اجتماعية، تشكل بمجموعها قواعد أخلاقية ثابتة يلتزم بها المجتمع.
ولكن هذه الحال -في الوقت نفسه- بإهمال الكنيسة وأحياناً بإشرافها، ساعدت على تشرب المجتمع لأفكار عتيقة وخرافات بالية من بقايا الأساطير القديمة أو من اختلاق الأقوال الساذجة، روجها الجهل المطبق وهبوط المستوى العقلي للعامة والخاصة، فتشابكت مع تلك القواعد الأخلاقية وامتزجت هذه بتلك مما أغرى الباحثين الاجتماعيين اللادينين بالاعتقاد بأن تلك، الأخلاق وليدة الخرافات نفسها أو قرينتها الدائمة.
стр. 357
ونظامه وطبقاته الإقطاعية أضفت عليه صفة الثبات المطلق الذي يميز عصر الإقطاع برمته، وذلك ما أوحى إلى الباحثين بعد انفجار قنبلة التطور في أوروبا بأن التقاليد والأخلاق ليست ذاتية ولا ثابتة بل تكتسب سماتها ومميزاتها من طبيعة الوضع الاجتماعي أو الاقتصادي.
هذه بعض الملامح الإجمالية الموجزة لاجتماع وأخلاق القرون الوسطى، وستزداد صورتها وضوحاً عند عرض الاتجاهات الاجتماعية اللادينية التي إنما نبتت أصلاً لتكون ردود فعل لذلك الواقع الاجتماعي نفسه.
стр. 358
النظريات والمدارس المجتمعة اللادينية:
مقدمة:
الفكر الاجتماعي اللاديني قديم الأصول، فقد تحدث أرسطو عن الحياة الاجتماعية للإنسان، وقال عبارته المشهورة: "الإنسان حيوان اجتماعي" كما أن أفلاطون كانت له نظراته الاجتماعية التي دونها في جمهوريته وإن كانت من صنع الخيال.
ولما كان عصر النهضة الأوروبية وبعثت الآداب والفلسفات الإغريقية انبعث التفكير الاجتماعي اللاديني باتجاهيه: الخيالي الممثل في الطوبيات أو المدن الفاضلة، والواقعي الذي يحاول أن يستمد من الفلسفة والعقل ما يناهض به الكنيسة وتعاليمها.
وكانت ريادة هذا المجال من نصيب مكيافيللي وهوبز اللذين ألمحنا إليهما في الفصل الأول من هذا الباب ويتلخص رأي هوبز ومكيافيللي في أنه عندما تنحرف المعتقدات عن المبادئ الأخلاقية والشرعية يستتبع ذلك في مجال الأفكار فترة فراغ نرى فيها أن فكرة العنف هي التي تسود لعدم وجود ضابط للشرعية، وفي رأي هذين الكاتبين أن الحياة في المجتمعات تقوم على استخدام القوة، وتتلخص السيكولوجية المجتمعة عندهما في العبارة الشهيرة: أن الإنسان ذئب
стр. 359
بالنسبة للإنسان، وفي قول مكيافيللي: إن ميل الإنسان للشر يفوق ميله إلى الخير.
ويعلق بوتول على ذلك قائلاً عن مكيافيللي: إن أهمية هذا المؤرخ الفلورنسي أنه جعل لفلسفة التاريخ: ولعلم الاجتماع السياسي وجوداً مستقلاً (١).
وكان من رواد الأفكار الجديدة أيضاً الفيلسوف اليهودي سبينوزا الذي اشتهر بعداوته للأديان وأخلاقياتها، وكان معاصراً لهوبز، وفي رأيه أن الناس يعيشون في الأصل خاضعين لسيطرة شهواتهم، وأن حقوق الناس في نزاع دائم مع قوتهم التي تتعادل فقط مع هذه الحقوق، ويهاجم سبينوزا علم الأخلاق الذي كان يسود في العصور الوسطى، والذي يمجد النسك ويدعو للندم والذي يغلب فيه الميل للشقاء فيقول: "إن اللذة خير في ذاتها والألم قبيح في ذاته ... وأن الحكمة هي التأمل في الحياة لا في الموت"
على أن كاتباً آخر تطرف في عداوته للكنيسة وأخلاقها بدرجة عجيبة وهو مانديفيل في كتابه أقصوصة النحل الذي أثار فضيحة، وكان له دوي عظيم، فقد ذهب إلى أن النقائص هي بالتحديد التي يدمغها الأخلاقيون كالشراهة والتعجرف والفسق ... إلخ، وهي التي أتاحت انتشار الحضارة والفنون والتكتيك فهذه الاتجاهات التي اعتبرت مذمومة هي في الواقع أعظم العناصر الديناميكية التي لولاها لاضمحل الإنسان إلى حالة قريبة من الحيوانية (٢).
وهذه البدايات والأفكار ظلت مبعثرة لم تنسق في علم واحد حتى ولد علم الاجتماع باعتباره علماً خاصاً يدرس العلاقات والظواهر المجتمعة دراسة مفصلة ضمن قواعد ومعايير خاصة.
стр. 360
ولادة علم الاجتماع:
يبدأ نسب العلم وأصله في فرنسا من مونتسكيو (١٦٨٩ - ١٧٥٥) فكتابه روح القوانين بحث في الفلسفة السياسية، وكان يعني بكلمة (قوانين) العلاقات الضرورية المستمدة من طبائع الأشياء، وقد ميز بين طبيعة المجتمع ومبدأ المجتمع بقوله طبيعة المجتمع هي بناؤه الخاص المميز ومبدأ المجتمع هو الرغبات والأهواء الإنسانية التي تدفعه للعمل.
ثم جاء سان سيمون الذي كان ابناً حقيقياً لعصر التنوير ولذا كان يؤمن إيماناً شديداً بالعلم والتقدم كما كان يرغب فوق كل شيء في إنشاء علم وضعي للعلاقات الاجتماعية.
وأِشهر تلاميذه هو أوجست كونت، ثم جاء دور كايم وتلاميذه وليفي بريل وقد كانوا جميعاً يتابعون نفس التقليد الذي وضعه سان سيمون ..
أما في بريطانيا فكان ديفيد هيوم وآدم سميث وهوبز، وكان هؤلاء الفلاسفة ينظرون إلى المجتمع على أنه نسق طبيعي، أي أنه ينشأ من الطبيعة البشرية ذاتها، وليس من العقد المجتمع، وبهذا المعنى كانوا يتكلمون عن الأخلاق الطبيعية والدين الطبيعي والفقه الطبيعي وغير ذلك (١).
هذا الإجمال الذي ذكره مؤلف الانتروبولوجيا الإنتاجية يحتاج إلى تفصيل بذكر كل اتجاه وإعطاء فكرة عن منهجه وآرائه:
стр. 361
أولاً - نظرية العقد الاجتماعي:
كانت النظرية السائدة قبل كونت هي نظرية العقد الاجتماعي وصاحبها هو جان جاك روسو وقد سبق شيء من الحديث عنها في الفصل الأول من هذا الباب، والذي يهمنا منها الآن هو نظرتها إلى الأخلاق، أي إلى أسلوب التعامل بين أفراد المجتمع.
والواقع أن روسو كان جريئاً في تحديه للدين وخروجه على أخلاق وتقاليد عصره، فقد نفى العنصر الإيماني من الأخلاق، وجعل مدارها الرئيسي المصلحة الدنيوية المجردة، أي: تحقيق أفضل وسيلة للتعاون مع المجتمع في حدود الدنيا فقط، ولغرض المنفعة الخاصة أو العامة إن أمكن، وبذلك نشأ للمرة الأولى في تاريخ المسيحية -أن نظر الباحثون للأخلاق على أنها مظاهر صورية للتعامل الخارجي، لا حقائق وقيم تنبع من ضمير الإنسان ويوحي بها وجدانه الإيماني.
ولم يصرح روسو بمعتقده بطريق مباشر بل استخدم خياله لتصوير دعائم فلسفية وهمية يقيم نظريته عليها، وسنتابعه افتراضاته حتى نصل معه إلى النتيجة المبتغاة: الأصل في الإنسان الفردية، وكان سعيداً أيام حياته تلك ومتبعاً للقانون الطبيعي ولكن الكوارث ودواعي الاجتماع جعلته يتعلم اللغة ويألف الاجتماع حتى أصبح الإنسان الطيب شريراً بالاجتماع.
على أن الاجتماع قد أضحى ضرورة، ومن العبث محاولة فضه والعودة إلى حال الطبيعة، وكل ما نستطيع صنعه هو أن نصلح مفاسده، بأن نقيم الحكومة الصالحة، ونهيئ لها بالتربية المواطنين الصالحين (١).
أما كيفية تحقيق ذلك فيرى روسو: "أن هذا الغرض ممكن
стр. 362
التحقيق بأن تجمع الكثرة المفككة على أن تؤلف شيئاً واحداً وأن تحل القانون محل الإدارة الفردية وما تولده من أهواء وتجرده من خصومات، أي أن يعدل كل فرد عن أنانيته وينزل عن نفسه وعن حقوقه للمجتمع بأكمله، وهذا هو البند الوحيد للعقد الاجتماعي، ولا إجحاف فيه، إذ بمقتضاه يصبح الكل متساوين في ظل القانون، والقانون إرادة الكل تقر الكلي، أي المنفعة العامة"
وبعد هذه الافتراضات يبدأ روسو في إملاء مقترحاته حول المجتمع المتعاقد:
لهذا المجتمع دين مدني لا يدع للفرد ناحية من نواحي الحياة مستقلة عن الحياة المدنية، ويتعين على الدولة أن تنكر ديناً كالمسيحية يفصل بين الروحي والسياسي، وألا تطيق إلى جانبها سلطة كنسية، إذ لا قيمة لما يفصم الوحدة الاجتماعية وإنما لزم الدين؛ لأنه ما من دولة قامت إلا وكان الدين أساسها، على أن يكون هذا الدين قاصراً على العقائد الضرورية للحياة، تفرض كقوانين حتى لينفى أو يعدم كل من لا يؤمن بها، لا باعتباره كافراً، بل باعتباره غير صالح للحياة المجتمعة!
هذه العقائد هي عقائد القانون الطبيعي: وجود الله والعناية الإلهية والثواب والعقاب في حياة آجلة وقداسة العقد المجتمع والقوانين، ولكن أن يضيف إليها ما يشاء من الآراء في ضميره، أما بالنسبة للأخلاق فعند روسو أن كل ما يسمى الآن حقوقاً وأخلاقاً، ويستمد له سنداً من العقل هو صناعي ناشئ عن الحياة الاجتماعية التي هي صناعية كذلك، وليس في حال الطبيعة أخلاق وحقوق، ما دام الإنسان في تلك الحال مستغنياً عن الإنسان مقطوع الصلة به (١).
стр. 363
من ذلك يتضح أن موقف روسو يقوم على أمرين:
١ - فراره الأعمى من الكنيسة المسيحية وعقائدها وأخلاقها، لا سيما وأنه تعرض هو وأمثاله لاضطهادها.
٢ - الرومانسية التي يعد أعظم روادها، والتي كانت رد فعل لتقديس العقل الذي كان طابع ما يسمى عصر التنوير، والتي ظهر أثرها أكثر ما ظهر في مجال الفن والأدب.
هذا وقد سبقت الإشارة إلى قيام الثورة الفرنسية على أفكار روسو الاجتماعية حتى لقد وصف كتابه العقد الاجتماعي بأنه إنجيل الثورة الفرنسية.
ثانياً: المدرسة الطبيعية:
إذا تابعنا الفكرة القائلة أن في تاريخ العلم الحديث ثلاث ثورات، لكل منها أثره البالغ في عصره في أكثر من ميدان، فإن الثورة النيوتونية -أي: نظرية الجاذبية- هي الثورة الثانية من جهة الوجود التاريخي ومن جهة شمول تأثيرها (١).
لقد برهن نيوتن على أن الكون أو الطبيعة ليست منفلتة ولا مفككة كما كان يتوهم الأقدمون، ولكنها متسقة بدقة عجيبة يربط بين أجزائها قانون رياضي مطرد، ولا شيء من مظاهرها يشذ عليه، هذه الفكرة أوحت إلى العلماء والباحثين الذين كانت الكنيسة تحصي عليهم أنفاسهم وتضيق الخناق على معطياتهم، بأن ينعتقوا من ربقتها ويكفروا بإلهها مؤمنين بإله جديد أسموه بالطبيعة، لكنهم إذ تخلصوا من العقيدة المسيحية المزعجة للعقل، رأوا أن أصعب من ذلك التخلص
стр. 364
من الأخلاق المسيحية، التي يراها كل إنسان عاقل ضرورية لبقاء مجتمعهم، لذلك لم يتورعوا عن الإدعاء بأن للإله الجديد قانونه الأخلاقي وشريعته الاجتماعية، التي تجعلنا في غنى تام عن أخلاق وشريعة الكنيسة. ويشترك في هذا الادعاء الذين أنكروا وجود إله الكنيسة جملة والذين آمنوا به على أنه صانع ساعة على حد تعبيرهم مع إنكار الوحي والأديان، وهؤلاء يطلق عليهم بمجموعهم اصطلاح الطبيعيين.
ويرى أولئك أن العقل البشري -قادر بالاعتماد على نفسه- أن يكتشف القانون الطبيعي المجتمع مثلما استطاع نيوتن اكتشاف القانون الطبيعي لنظام الكون، ومن ثم فليست الأخلاق مرتبطة بالدين، بل لا داعي أصلاً للوحي والكتب السماوية والهيئات الكهنوتية، فكل هذه ليست سوى عوائق تباعد بين الناس وبين القانون الطبيعي الذي له وحده أن يسود.
يقول راندال: "إن أحد الأركان الأساسية الثلاثة لديانة العقل كان الاعتقاد أن نظام الطبيعة متضمن لقانون طبيعي في الأخلاق يجب معرفته واتباعه كأي من المبادئ العقلية التي تضمنتها آلة العالم النيوتونية، ومعنى ذلك: أن مبادئ الثواب والخطأ والعادلة والظلم كانت بالنسبة إلى القرن الثامن عشر منسجمة في منهج العقل والعلم، وأن المسلم به كلياً أن لعلم الأخلاق استقلالاً عن أي أسس لاهوتية وإلهية يماثل استقلال أي نوع آخر من المعرفة البشرية، والحقيقة أن الله أمر بالمبادئ الأخلاقية مثلما أمر بقانون الجاذبية لكن مضمون أوامره كمضمون جميع قوانين الطبيعة الأخرى لابد من كشفه بالطرق العقلية والتجريبية للعلم النيوتوني".
стр. 365
وقد أحست بعض النفوس الجريئة مثلما أحس مونتسكيو بأنه لو لم يكن هناك إله على الإطلاق وتحررنا كما يجب، من عبودية الدين فيجب ألاَّ نتحرر من عبودية العدالة، وذلك أن مناهج علم الإنسان والسياسة والاقتصاد والمجتمع بصورة عامة يجب أن تشمل في نطاقها الأخلاق أيضاً (١).
أما التخلص من أخلاقيات الكنيسة فقد سلك الطبيعيون إليه طريقاً ملتوياً إذ قالوا: "إن الله لا يقتصر على وضع القانون الأخلاقي في الكون، وإنما هو قد بث في كل نفس قبساً أو صدى لهذا القانون الأخلاقي نفسه. وهكذا فإن إصغاءنا لصوت ضميرنا أو الالتجاء إلى النور الواضح للعقل الطبيعي - وهي عبارة أثيرة لدى مفكري القرن الثامن عشر - يؤدي بنا إلى كشف نفس الأوامر التي وردت إلينا من الكتاب المقدس ومن كتابات آباء الكنيسة، وعلى ذلك فإن الوحي يدعم الضمير، والضمير من جانبه يدعم سلطة الوحي، ومن هنا فإننا نستطيع أن نستدل على واجبنا من مصادر أخرى غير سلطة الكتاب المقدس أو القانون الكنسي وحده" (٢).
واشتد الطبيعيون -ومن جرى مجراهم- في نقد الأخلاق المسيحية لا سيما بعد التشهير والتكفير اللذين تعرضوا لهما من جانب الكنيسة وحاولوا إثبات خطأ الأخلاق المسيحية وعدم فعاليتها، معتمدين على أسس عقلية وأدلة تاريخية وواقعية نستطيع حصرها فيما يلي:
١ - أنها أخلاق اصطناعية غير طبيعية: ومن السهل أن يجد هؤلاء الأدلة الكافية لإثبات هذا الرأي، فقد ذكر كرسون وغيره من الباحثين الأخلاقيين، أن السيرة السيئة لرجال الدين والسلوك الشائن
стр. 366
الذي امتازوا به كان أعظم أثراً في الهدم الأخلاقي من كل النظريات العقلية المهاجمة لها، وأصحاب هذا الرأي يقولون: إن الأخلاق المسيحية كالعفة والإيثار والرحمة مبنية على التكلف والاصطناع -وهم هنا يلتقون مع روسو- وليس أدل على ذلك عندهم من أن رجال الدين أنفسهم أول من يخالفها ويصادم دعاوها ... ولو كانت هذه الأخلاق طبيعية أي متمشية مع القانون الطبيعي، لما كانت هذه المفارقة التي يشهد بها الواقع المحسوس، لذلك فإن الواجب على المجتمع الذي ينشد الخير والتكامل أن ينفي عنه هذا الزيف والنفاق الذي يسمى الأخلاق المسيحية ويستعيض عنها بالأخلاق الطبيعية، التي يوحي بها الضمير الداخلي ويدعو إليها الانسجام الماثل في الطبيعة الخارجية.
٢ - أنها أخلاق تعسفية غير عقلية: يرى هؤلاء أن النظرة المسيحية هي: "إن قوام الحياة الأخلاقية هي طاعة القانون لكن المشكلة في نظرهم هي أن هذا القانون ليس قانوناً يكتشفه العقل البشري وليس بالتالي قانوناً يبدو لنا معقولاً، وإنما هو قانون أتانا من الوحي الإلهي الذي لا يكون أمامنا إلا أن نطيعه، سواءً أكان يبدو معقولاً أم غير معقول، منطقياً أم تعسفياً، عادلاً أم ظالماً، فمن الواجب إطاعته لمجرد كونه تعبيراً عن الإرادة الإلهية، لا لأننا نرى فيه وسيلة لتحقيق سعادتنا المباشرة، وبطبيعة الحال فنحن نفترض أنه لما كانت القوة التي تسهر على تنفيذ هذا القانون الإلهي هي ألوهية خيرة، فسوف يكون بذلك قانوناً خيراً يعبر عن حكمة عليا، ولكن لما كان خلاصنا يتوقف مباشرة على إطاعتنا لهذا القانون، فمن الواضح أن المطلوب منا هو أداء واجبات يحددها بغض النظر عن رأينا البشري في هذه الأوامر.
ولقد ظل أداء المسيحي لواجبه يعد حتى يومنا هذا مسألة طاعة لا مسألة تبصر، وقد أحسن بعضهم التعبير عن هذه الفكرة إذ قال: إن
стр. 367
سبب كون هذه الطاعة خيراً أو حتى سبب كونها لازمة هو أمر لا شأن لنا به وكل ما يهمنا بحق هو أنها لازمة (١).
٣ - أنها أخلاق نفعية انتهازية: يرى أولئك أيضاً أن الأخلاق المسيحية تقوم على مبدأ الثواب والعقاب في العالم الآخر، وتعد الجنة والنار حافزين لهما أهمية قصوى في السلوك الأخلاقي للمسيحي، وهناك حجة مشهورة على وجود الله تقول: "لو لم يكن الله موجوداً لكان من الضروري ابتداعه، ونستطيع أن نتصور أنصار هذا الرأي وقد أعادوا صياغة هذه الحجة، بحيث تصبح لو لم تكن الجنة والنار موجودتين لكان من الضروري ابتداعهما، وذلك لضمان إقبال الناس على أداء واجباتهم المسيحية"
ويتلخص رد أولئك على هذا الرأي بأنه يجعل الأخلاق في أساسها مسألة انتهازية أو شطارة وأن الأخلاقية ليست إلا سياسة حكيمة، فلو أردنا اكتساب البركة الإلهية أو البقاء بمنأى عن المتاعب في هذا العالم وفي العالم الآخر معاً فعلينا إطاعة أوامر الأخلاق ولا سيما الأخلاق المسيحية، ومع ذلك فإن هذا الموقف لا يقتصر على المسيحية الشعبية بل إنه على العكس من ذلك قد انتشر على نطاق واسع منذ كانت للناس آلهة يطيعونها أو يسترضونها أو يبتهلون إليها، فقد كانت الأذهان الساذجة تميل دائماً إلى أن تجعل من العبادة الدينية نظاماً للمقايضة يعد فيه العبد بعمل شيء للرب -أي: بطاعته والتضحية له أو مجرد الاعتراف به- ويتوقع في مقابل ذلك نعماً معينة من الرب (٢).
تلك بعض الأسس التي ارتكز عليها أولئك في هجومهم على الأخلاق المسيحية، وسنرى أن هذا الهجوم قد تبلور واتخذ صيغاً مغايرة أعمق نقداً وأقوى أثراً في النظريات التالية.
стр. 368
ثالثاً: المدرسة الوضعية العقلية:
(أ) أوجست كونت:
شهد النصف الأول من القرن التاسع عشر اضطرابات اجتماعية وتقلبات فكرية منوعة، فقد سقطت أنظمة وأوضاع دامت قروناً متوالية. وانهارت قواعد ومبادئ كانت تسد حاجات المجتمع وتلبي رغباته في مجالات كثيرة، ولم يعقب هدم الماضي الذي أوغل فيه عصر التنوير بناء جديد للحاضر والمستقبل، وظهر لكثير من المفكرين حقيقة أن الهدم قد يتم بوسائل وأفكار خاطئة تماماً، إلى درجة أنها لا تستطيع أن تبني شيئاً جديداً.
وكان الإنجاز الوحيد الذي استقطب الأذهان وبهر الأنظار هو التقدم العلمي في مجالات البحوث الطبيعية. إلا أنه مهما بلغ من العظمة لم يكن ليغطي القبائح والأمراض التي يعاني منها المجتمع الأوروبي المتناقض، والتي سببها تدهور وانحطاط القيم الاجتماعية بعد أن عجز الفلاسفة عن الإتيان ببديل لقيم الكنيسة الآخذة في الاضمحلال.
وتساءل كثير من زعماء الفكر: أليس في إمكان العقل البشري بعد تحريره من نير الكنيسة البغيض أن يحقق النجاح الذي ظفر به في مجالات الطبيعة فيبتكر ديناً وضعياً يوازي العلم الوضعي الذي استطاع أن يحل محل علم الكنيسة الميتافيزيقي.؟
وكان أبرز من أجاب على هذا السؤال عملياً، هو الفيلسوف الفرنسي أوجست كونت رائد المدرسة الوضعية في الفكر والحياة، والذي يمثل التيار الأهوج الذي انبعث لمواجهة طغيان الكنيسة وحماقاتها.
стр. 369
ينطلق كونت في فلسفته الوضعية من زعمه أنه اكتشف القانون الأساسي للتقدم البشري، وهو قانون تتابع المراحل الثلاث:
١ - مرحلة الخرافة.
٢ - مرحلة الدين.
٣ - مرحلة العلم الوضعية، (١)
ويرى كونت أنه لكي نتجنب أخطاء المرحلة الثانية لنصل إلى علمية المرحلة الثالثة، فإنه على الفكر أن يتجرد من الغيبيات والأوهام ويركز اهتمامه على فكرتي الواقع والنافع لا غير، وهذا هو أساس الوضعية.
أما الواقع فشرط ضروري لقيام علماء الاجتماع مقام رجال الدين، وعلينا الآن أن نُعدِّل عمل رجال الدين معتمدين على الوقائع وحدها وعلى العقل وحده.
والمنهج الذي يحقق ذلك في نظره هو (استخلاص العنصر الوضعي الإنساني الثابت من العناصر السلبية الهرمة التي تحتويها الأديان التقليدية، والتي اتخذت من ذلك العنصر الوضعي مطية لها، وبذلك يكتمل المذهب الوضعي ويتوجه على هذا النحو الدين الوضعي).
والدين الوضعي يقوم على الانتقال من الواقع إلى النافع:
يرى كونت أن تعاليم الأديان يمكن تلخيصها في معتقدين: الله والخلود، والدين الوضعي يعمد إلى اختيار المضمون الوضعي لهذين المعتقدين، فالمضمون الوضعي لفكرة الألوهية هو فكرة موجود كلي عظيم أزلي تتصل به نفوس العباد فيضفي عليها القدرة على قمع
стр. 370
ميولهم الأنانية المتنافرة .... والمضمون الوضعي للخلود هو فكرة مشاركة أهل الحق والعدل ... في جانب من الحياة الأزلية للموجود الإلهي ومن هذين المضمونين يستخلص كونت فكرة واحدة شاملة هي الإنسانية، فالإنسانية هي الفكرة الوضعية المتطورة لفكرتي الله والخلود اللتين كانت البشرية تدين بهما في المرحلة الثانية، ويعتقد كونت أن الإنسانية إذا فهمت على هذا النحو فإنها تكون هي نفسها الإله الذي ينشده الناس، أي الموجود الحق العظيم الأزلي يتصلون به اتصالاً مباشراً ويستمدون منه الوجود والحركة والحياة، وبذلك يصل بنا كونت إلى هدفه المراد وهو إلغاء العقائد الدينية الغيبية، وما يتصل بها من أخلاق ونظم اجتماعية، واعتبارها أفكاراً وأوهاماً غير واقعية ولا نافعة، وإنما تعبر عن الصورة غير المكتملة للإنسانية في مرحلة دنيا من مراحل تطورها.
أما الأسلوب العلمي الحديث، فهو أن يعتنق الناس الدين الوضعي ويعبدوا الإله "غير المشخص": الإنسانية، وعليهم أن يستمدوا مثلهم وأخلاقهم وقوانين تنظيمهم الاجتماعي من ذخيرته وحدها، وعن هذه الذخيرة من القوى الخلقية المتجمعة على مر الأجيال في الموجود تفيض إلى القلوب الأفكار العظيمة والمشاعر النبيلة، فالإنسانية هي الموجود العظيم الذي يسمو بنا عن أنفسنا، ويضيف إلى ما عندنا من تعاطف قدراً فائضاً من القوى التي يحتاج ذلك الميل إليها لإخضاع ميول الأثرة، وفي الإنسانية يتحاب الناس ويتآخون، ثم في الإنسانية يستطيع الناس أن ينعموا حقاً بالخلود الذي يتطلعون إليه (١).
تلك هي أسس الوضعية التي أراد كونت أن يتحدى بها تعاليم
стр. 371
الدين في العقيدة والسلوك، وقد كان يرى نفسه قادراً على وضع منهج للحياة بديل للمسيحية، وهي حماقة مغرورة نتج عنها علم الاجتماع اللاديني الذي ما يزال بعض المفكرين يتردد في تسميته علماً (١).
ويمكن القول بأن آراء كونت وفلسفته لم تكن لتشتهر وتصل من التطبيق إلى الحد الذي بلغته، لولا تلميذه اليهودي دوركايم، الذي طور المذهب ووضع له قواعد محددة، واهتم بالمشاكل العملية مضيفاً إلى ذلك حقداً أعمى وعداوة للدين مريرة.
(ب) دور كايم:
كان من حظ المدرسة الوضعية (وبالنظرة البعيدة من حسن حظ الهدامين التلموديين) وفي الوقت نفسه من سوء حظ الأخلاق الأوروبية أن انفجرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الثورة الفكرية الثالثة أو نظرية التطور.
فالتفسير الآلي الميكانيكي لنشأة الحياة وتطورها عزز الآلية النيوتونية عن الكون غير العضوي، وأفسح المجال أمام الناقمين على الكنيسة لاستنتاج تفسيرات اجتماعية وسلوكية آلية كذلك.
وهكذا أصبح من الواضح أن أثر الداروينية في العلوم الإنسانية لا يقل عنه في علوم الطبيعة والحياة، لا سيما الإيحاءان الخطران حيوانية الإنسان مع نفي الغاية من وجوده والتطور المطلق، فليس من مؤلف اجتماعي غربي لا يبرز فيه هذان الإيحاءان بجلاء.
والواقع أن علم الاجتماع كان يعاني صعوبات جمة ويستهدف لانتقادات غير يسيرة، لم ينقذه منها إلا نظرية التطور التي أشيعت بطريقة مذهلة تثير علامات استفهام كثيرة!
стр. 372
ويتحدث دور كايم نفسه عن هذه الصعوبات متفائلاً لعلم الاجتماع بنجاح يضاهي نجاح النظريات الطبيعية: "ليس هناك علم إلا وواجه مقاومة من قبل العواطف الإنسانية التي كانت تمس الظواهر الطبيعية، وكانت هذه المقاومة لا تقل في عنفها عن المقاومة التي يلقاها علم الاجتماع في وقتنا الحاضر، وذلك لأن الظواهر الطبيعية كانت هي الأخرى ذات طابع ديني أو خلقي، أما وقد تحررت العلوم واحداً بعد آخر من سيطرة تلك الفكرة الشائعة، فإنه يحق لنا الاعتقاد أنها سوف تختفي في نهاية الأمر من علم الاجتماع أيضاً، أي: من آخر معاقلها، وبذلك تدع السبيل حراً أمام العلماء" (١).
ويعلل دور كايم توقعاته بالمبررات التي يراها كافيه لفصل علم الاجتماع عن الدين، ومن ذلك اعتقاده أن المجال الاجتماعي مجال من مجالات الطبيعة لا يفرقه عنها إلا أنه أشد منها تعقيداً، ومعلوم أنه من المستحيل أن تختلف الطبيعة اختلافاً جذرياً عن أصلها من حالة إلى حالة فيما يتعلق بالأسس الكبرى (٢).
أي أننا في المجال البشري نستطيع بمقدراتنا الذاتية أن نكتشف ما اكتشفه نيوتن في الطبيعة من قوانين ثابتة، أو ما اكتشفه داروين من حركة آلية متغيرة.
ولا يفوت دور كايم أن يحدد طبيعة مذهبه كيلا يلتبس بالنظريات الأخرى، فهو يقول: "إن الوصف الوحيد الذي نرتضيه لأنفسنا هو أن نوصف بأننا عقليون (لا ماديون ولا روحيون) وذلك لأن الهدف
стр. 373
الرئيسي الذي نرمي إليه ما هو في الواقع إلا محاولة نريد بها مد نطاق المذهب العقلي حتى يشمل السلوك من الناحية التاريخية إلى بعض العلاقات السببية، وأنه من الممكن أيضاً تحويل هذه العلاقات بعملية عقلية إلى بعض القوانين التي يمكن تطبيقها عملياً في المستقبل، وليس مذهبنا الذي خلع عليه البعض اسم المذهب الوضعي سوى إحدى نتائج المذهب العقلي"
ولو حاولنا أن نختصر مذهب دور كايم لوجدنا أن محوره ثلاثة أسس:
١ - عقل جمعي عشوائي خارج عن شعور الأفراد.
٢ - هذا العقل يصدر أوامره على شكل ظاهرة اجتماعية تتقلب وتتغير بطريقة غير منطقية.
٣ - هذه الظاهرة تقهر الأفراد وتخضعهم لسطوتها شعروا أو لم يشعروا.
وتفصيل ذلك يبدأ من اعتبار الظواهر الاجتماعية أشياء موضوعية لها حقيقتها الخارجية: "إن طريقتنا طريقة موضوعية؛ ذلك لأنها تقوم بأسرها على أساس الفكرة القائلة بأن الظواهر الاجتماعية أشياء ويجب أن تعالج على أنها أشياء".
((إذا سلم الناس بأن هذا المركب الفريد في جنسه الذي يتكون منه كل مجتمع يؤدي إلى وجود بعض الظواهر الجديدة التي تختلف في طبيعتها عن الظواهر النفسية التي تمر بشعور الأفراد كل منهم على حدة؛ فلابد من التسليم -أيضاً- بأن هذا النوع الجديد من الظواهر لا يوجد في المجتمع، ونعني بها أفراده وإنما يوجد في نفس المجتمع الذي أوجدها، وبناءً على ذلك فإن هذه الظواهر تكون خارجة عن شعور الأفراد حالة تفرقهم)).
стр. 374
((إن الظاهرة الاجتماعية هي كل ضرب من السلوك -ثابتاً كان أم غير ثابت- يمكن أن يباشر نوعاً من القهر الخارجي على الأفراد، أو هي كل سلوك يعم في المجتمع بأسره وكان ذا وجود خاص مستقل عن الصور التي يشكل بها في الحالات الفردية)).
وهذه الظواهر غير ثابتة وليس لها صور معينة تتشكل فيها:
((إنه كلما أصبحت البيئة الاجتماعية أشد تعقداً وأسرع تطوراً أدت إلى تزعزع التقاليد والعقائد المتوارثة، التي تتشكل بصور غير محددة شديدة المرونة)).
كما أن العواطف المتعلقة بها ليس مصدرها الله أو الدين كما يتصور الناس: ((لا تمتاز العواطف التي تتعلق بالظواهر الاجتماعية في شيء عن الظواهر الأخرى على مر العصور، وهي وليدة التجارب الإنسانية ولكن أي تجارب؟!)).
إنها تجارب غامضة مهوشة، وليست هذه العواطف فيما أعلم وليدة فكرة علوية مثالية، وجدت من قبل أن يوجد هذا العالم الحسي، ولكنها نتيجة لألوان شتى من الخواطر والانفعالات التي تراكمت على غير نسق وعلى غير هدى، ودون أي تفسير منهجي سليم (١).
ثم إن بيت القصيد في مذهب دور كايم هو تطبيق هذه الأسس الوهمية على الدين وما يتصل به من عقائد وأخلاق، ويتلخص هذا التطبيق في ثلاث قضايا:
١ - أن الدين ليس إلهياً لأن فكرة الألوهية - في نظره - ليست
стр. 375
إلا تعبيراً عن البيئة الاجتماعية في مرحلة من مراحل تطورها، ويكون الإله فيها رمزاً للدرجة التي وصل إليها تطوره: "إذا أردنا فهم الفكرة التي يكونها المجتمع عن نفسه وعن العالم الذي يحيط به، فلا بد لنا من دراسة طبيعة هذا المجتمع لا طبيعة أفراده، فإن الرموز التي يتخذها المجتمع شعاراً له يستعين بها على التفكير في ذاته تختلف باختلاف الحالات التي يوجد فيها، فإذا تصور المجتمع -مثلاً- أنه ينحدر من سلالة حيوان أسطوري واتخذ هذا الحيوان شعاراً له، فمعنى ذلك أنه يتألف من إحدى تلك الجماعات الخاصة التي نطلق عليها اسم العشيرة.
أما إذا استعاض عن هذا الحيوان الأسطوري بجد إنساني أسطوري هو الآخر؛ فمعنى ذلك أن طبيعة العشيرة قد تغيرت، وإذا تخيل المجتمع وجود آلهة أخرى أسمى مقاماً من آلهته المحلية والعائلية، واعتقد أنها تسيطر على تلك الآلهة الأخيرة، فمعنى ذلك أن الطوائف المحلية التي يتكون منها هذا المجتمع قد أخذت تميل إلى التركيز وتتجه إلى تكوين وحدة اجتماعية، وأن درجة التركز التي يدل عليها وجود معبد يضم جميع الآلهة ( Pantheon) تقابل درجة التركز التي وصل إليها المجتمع في ذلك الوقت نفسه.
((وإذا لم يرتض المجتمع بعض ألوان السلوك، فإن السبب في ذلك يرجع إلى أنها تخدش بعض عواطفه الأساسية وتقوم هذه العواطف على أساس من طبيعة المجتمع كما أن عواطف الفرد ترجع إلى تركيبه الطبيعي وتكوينه العقلي)).
وإن الواجب الذي ينبغي القيام به في هذا الصدد هو أن نبحث عن طريقة تداعي التصورات الاجتماعية وتنافرها واتحادها
стр. 376
واقترانها، وذلك بأن نقارن بين الديانات الأسطورية والقصص والتقاليد الشعبية" (١).
٢ - أن الدين -بناء على ما سبق- ظاهرة اجتماعية يفرضها العقل الجمعي بقدرته القاهرة على الأفراد في بعض البيئات والمراحل، دون أن يكون لهم حرية اختيار في ذلك، وهذا يعني أنه لو فرض عليهم - أحياناً - ألا يكون لهم دين مطلقاً لكانوا غير متدينين ولا يملكون إلا الانصياع لذلك: "إني حين أؤدي واجبي كأخ أو زوج أو مواطن، أو حين أنجز العهود التي أبرمتها أقوم بأداء واجبات خارجية حددها العرف والقانون وعلى الرغم من أن هذه الواجبات لا تتعارض مع عواطفي الشخصية، وعلى الرغم من أنني أشعر بحقيقتها شعوراً داخلياً فإن هذه الحقيقة تظل خارجة عن شعوري بها، وذلك لأنني لست أنا الذي ألزمت نفسي بها ولكني تلقيتها عن طريق التربية، وكذلك الأمر فيما يمس العقائد والطقوس الدينية فإن المؤمن يجدها تامة التكوين منذ ولادته، وإنما كانت هذه العقائد أسبق في الوجود من الفرد الذي يدين بها للسبب الآتي: وهو أن لها وجوداً خارجياً بالنسبة إليه ... ولا توجد هذه الضروب من السلوك والتفكير خارج شعور الأفراد فقط، بل إنها تمتاز أيضاً بقوة آمرة قاهرة هي السبب في أنها تستطيع أن تفرض نفسها على الفرد أراد ذلك أم لم يرد" (٢).
٣ - ثم يصل دور كايم إلى نتيجة خطرة، وهي أن الدين ليس فطرياً ومثله الأخلاق والأسرة، وذلك رأي اقتبسه علماء الاجتماع التالون
стр. 377
له وعمموه في أبحاثهم، دون أن يدرك هؤلاء أو بعضهم الدافع التلمودي الهدام لدى دور كايم لأن يقول به: "إن الناس يفسرون عادة نشأة النظام الأسري بوجود العواطف التي يكنها الآباء للأبناء ويشعر بها الأبناء تجاه الآباء، كما يفسرون نشأة الزواج بالمزايا التي يحققها كل من الزوجين وفروعهما ... ، وليس الأمر على خلاف ذلك فيما يتعلق بالظواهر الخلقية، فإن الأخلاقيين يتخذون واجبات المرء نحو نفسه أساساً للأخلاق، وكذا الأمر فيما يتعلق بالدين، فإن الناس يرون أنه وليد الخواطر التي تثيرها القوى الطبيعية الكبرى أو بعض الشخصيات الفذة لدى الإنسان ... إلخ ولكن ليس من الممكن تطبيق هذه الطريقة على الظواهر الاجتماعية اللهم إلا إذا أردنا تشويه طبيعتها" (١).
((ومن هذا القبيل أن بعض هؤلاء العلماء يقولون بوجود عاطفة دينية فطرية لدى الإنسان، وأن هذا الأخير مزود بحد أدني من الغيرة الجنسية والبر بالوالدين وصحبة الأبناء وغير ذلك من العواطف، وقد أراد بعضهم تفسير نشأة كل من الدين والزواج والأسرة على هذا النحو ولكن التاريخ (٢) يوقفنا على أن هذه النزعات ليست فطرية في الإنسان، وعلى أنها قد لا توجد جملة في بعض الظروف الاجتماعية الخاصة، ولذا فهذه العواطف المثالية نتيجة للحياة الاجتماعية، وليس أساساً لها أضف إلى ذلك أنه لم يقم برهان قط على أن الميل للاجتماع كان غريزة وراثية وجدت لدى الجنس البشري منذ نشأته، وأنه من الطبيعي جداً أن ينظر إلى هذا الميل على أنه نتيجة للحياة الاجتماعية التي تشربت بها نفوسنا على مر العصور)) (٣).
стр. 378
هذا هو دور كايم، وتلك هي دعاواه التلمودية مغلفة بغلاف العلم والبحث، ومع الأسف فمذهبه أكبر المذاهب الاجتماعية الغربية، ورغم كلاسيكيته لا يزال له أثر عظيم في الدراسات المعاصرة (١).
رابعاً: النظرة الشيوعية للمجتمع والأخلاق:
سبق في فصل الاقتصاد من هذا الباب أن تحدثنا عن المذهب الشيوعي وموقفه من الدين من خلال التفسير المادي للتاريخ، وقد ألمحنا هنالك إلى موقفه من الأخلاق أيضاً، وذلك لأن الشيوعية -كما هو معلوم- تجعل الاقتصاد أساس كل شيء وغايته.
وقد يكون من الضروري هنا التحدث عن النظرة الشيوعية للمجتمع والأخلاق استقلالاً، وإن كانت في واقع النظرية واجهة اقتصادية فحسب:
إن الشيوعية في هدفها لا تختلف عن المدرسة السالفة الذكر فماركس ودور كايم أخوان في اليهودية ونظيران في التصور التلمودي الذي يطمح إلى نسف عقائد وأخلاق الأميين، ولكن كلاً منهما يسلك طريقاً غير طريق صاحبه، وكأني باليهود يخططون لكي يصلوا إلى هذا الغرض من كل منفذ وبأي سبيل، فهم يرسمون للأميين طرائق شتى ويدعون لها الخيار في أن يسلكوا أياً منها، ولكنها كلها -في الحقيقة- روافد تؤدي إلى الهدف نفسه، تدمير الدين والأخلاق.
فنظير العقل الجمعي العشوائي عند دور كايم يختلق ماركس الحتمية التاريخية العمياء، ذاك يفرض جبرية اجتماعية قاهرة، وهذا
стр. 379
يفرض جبرية اقتصادية قاهرة كذلك، ويتفق الإثنان في أن المجتمع (يتطور) وأن الأخلاق كذلك تتطور، وأن لا شيء من القيم والمثل ثابت إطلاقاً، كما يتفقان في النظرة الحيوانية للإنسان فهو إما حيوان اجتماعى أو حيوان اقتصادي، واتفاقهما هنا ليس غريباً بعد أن عرفنا أن الداروينية من أمضى الأسلحة التي استغلها اليهود بمكر ودهاء.
ومعلوم ما تقوله الشيوعية من أن (الدين أفيون الشعوب)، وأنه (الانعكاس الخيالى للأشياء البشرية في دماغ الإنسان) وأنه نابع أصلاً من (أساس اقتصاد سلبي) وأن الإله ما هو إلا (تشخيص للقوى الطبيعية التي تؤثر على طعام الإنسان) إلى آخر هذه السلسلة من الهراء والزيف التي تقوم على الوهم الكاذب والخيال الخاطئ، ولا تعبر عن حقيقة إلا عن العداوة الحاقدة للدين.
إذا عرفنا ذلك فما نظرة الشيوعية إلى المجتمع والأخلاق؟
(يلاحظ بوخارين في كتابه (نظرية المادية التاريخية) أنه ينبغى دون شك التحرز من جعل الشعور الجمعي حقيقة غيبية، لكن هذا التعبير يشير مع ذلك إلى ظاهرتين يمكن ملاحظتهما دائماً في كل مكان:
١ - أن هناك في كل عصر اتجاهاً سائداً في الأفكار والعواطف والحالات النفسية، أي: سيكلوجية سائدة تلون الحياة الاجتماعية بأكملها.
٢ - إن هذه السيكلوجية السائدة تتغير تبعاً لتغير طابع العصر، ومعنى ذلك في لغتنا أنها تتغير تبعاً لظروف التطور الاجتماعي، ويفسر المؤلف ذلك بأنه في الواقع توجد خصائص سيكلوجية عامة تتصف بها جميع طبقات المجتمع.
стр. 380
(وعلى هذا النحو نجد في النظام الإقطاعي سمات سيكلوجية مشتركة بين السيد النبيل وبين الفلاح مثل: التعلق بالأشياء القديمة والروتين والتقاليد والخضوع للسلطة والخوف من الله والركود الفكري والكراهية لكل جديد ... إلخ. وهذا يعود في الوقت نفسه إلى سمة الركود في المجتمع، وإلى أن الفلاح كان تحت النظام الأبوي سيداً وأباً في أسرته كما أن السيد كان سيداً وأباً في ضيعته) (١).
ذلك هو تطبيق قول ماركس: "إن وجود الناس هو الذي يعين مشاعرهم) وليس العكس، فالمجتمع الإقطاعي ذو البيئة الزراعية مجتمع متدين له تقاليد وفيه أسرة، والمحافظة على العرض فيه خلق أصيل، فإذا تطور المجتمع وأصبح صناعياً واستقلت المرأة اقتصادياً فإن ذلك يستوجب تغيراً حتمياً يساير التغير الاقتصادى والبيئي الحتمي هو الآخر، ومعنى ذلك ألا يظل المجتمع الصناعي محتفظاً بشيء من الدين والأخلاق والتقاليد الزراعية الرجعية، بل يجب أن يستحدث ديناً جديداً وإن كان الإلحاد وأخلاقاً جديدة وإن كانت (النفعية أو المكيافيللية) وتقاليد جديدة وإن كانت (الدياثة والاختلاط"
ولما كانت الأخلاق مستمدة من الواقع الاقتصادي أساساً أو البيئي على سبيل التعميم، فإن الشيوعية ترى كما أن لكل مرحلة أخلاقها الخاصة فإن لكل بيئة بل لكل طائفة أخلاقها الخاصة أيضاً، وليس هناك من معنى مشترك بين بني الإنسان.
(بأية أخلاق يعظوننا اليوم؟ إنها أولاً الأخلاق الإقطاعية المسيحية الموروثة من إيمان القرون الماضية، وهى بدورها تنقسم أساسياً إلى أخلاق كاثوليكية وأخلاق بروتستانتية، الأمر الذي لا يمنع انقسامها ثانية إلى أقسام فرعية تذهب من الأخلاق الكاثوليكية
стр. 381
واليسوعية ومن الأخلاق البروتستانتية والأرثوذكسية حتى الأخلاق الإنفلاتية، وإلى جانب هذا تقوم الأخلاق البرجوازية الحديثة، ثم من جديد إلى جانب هذه أخلاق المستقبل أخلاق البروليتاريا).
وإجابة على تساؤل: (ما الصحيح إذن من هذه الأخلاق ولا واحد منها بمعنى مطلق نهائي؟) تجيب الشيوعية: "لكن الأخلاق التي تحتوي على النصيب الأوفى من العناصر الواعدة بالبقاء هي بالتأكيد الأخلاق التي تمثل في الحاضر، انقلاب الحاضر، تمثل المستقبل، إنها إذن الأخلاق البروليتارية" ثم لكي تصل الشيوعية إلى هدفها المقصود لا مانع من أن تستدل على الدعوى بالدعوى نفسها: "منذ نرى لكل من طبقات المجتمع الحديث الثلاث: الارستقراطية الإقطاعية، والبرجوازية والبروليتارية أخلاقها الخاصة، فليس يمكن إلا أن نستنتج من هذا أن الناس -عن وعي أو لا وعي- يستمدون مفاهيمهم الأخلاقية في التحليل الأخير من العلاقات العملية التي يقوم عليها وضعهم الطبقي، أي: من العلاقات الاقتصادية التي ينتجون بها ويتبادلون فيها".
ثم تمثل الفلسفة الشيوعية لذلك: (منذ اللحظة التي تطورت فيها الملكية الخاصة للأشياء المنقولة، كان لابد لجميع المجتمعات التي تسود فيها هذه الملكية الخاصة أن يكون فيها هذه الوصية الأخلاقية المشتركة: لا تسرق فهل يعني هذا أن تصبح هذه الوصية وصية أخلاقية سرمدية؟
كلاً أبداً، ففي مجتمع أزيلت فيه دوافع السرقة، حيث السرقات بالتالي لا يمكن أن يرتكبها مع مرور الزمن غير مجانين، كم سيضحك الناس من الواعظ الأخلاقى أن يعلن على رءوس الأشهاد الحقيقة السرمدية: لا تسرق!
стр. 382
ولهذا فإننا نرفض بكل اطمئنان أن تفرض علينا أية عقائدية أخلاقية كقانون سرمدي نهائي لا يتزعزع بعد اليوم، بذريعة أن لعالم الأخلاق هو أيضاً مبادئه الدائمة التي هي فوق التاريخ والفوارق القومية) (١).
ومن هذا المنطلق تبنت الشيوعية المذهب المكيافيللي نظرياً وعملياً -كما مر في فصل السياسة- وقد أتى (أكناز يوسيلوني) بمثال على ذلك له مغزاه العميق: كان سيلوني باعتباره عضواً بارزاً في الحزب الشيوعي الإيطالى يشارك في جلسات الشيوعية الدولية، وهو يحدثنا: أنه في أحد الاجتماعات نشب خلاف حول تطبيق قرار أصدرته اللجنة المركزية، وقد أبدى بعض الأعضاء وجة نظر مخالفة تجاه القرار ظهر أنها معقولة، فما كان من المندوب الروسي إلا أن قال: (على جميع الفروع أن تعلن أنها تخضع للقرار الذي صدر ثم تتصرف على عكس ذلك تماماً)، فقام المندوب الإنكليزى مقاطعاً (ولكن هذا يعتبر كذباً) يقول سيلوني: (وقد قوبل ذلك الاعتراض النزيه بعاصفة من الضحك الصادق الصادر من القلب والذى لا أحسب مكاتب الشيوعية الدولية الكئيبة قد سمعت مثله من قبل، وقد ذاعت هذه (النكتة) سريعاً في طول موسكو وعرضها، إذ أن إجابة الإنكليزي التي لا تصدق لم تلبث أن نقلت بالهاتف إلى استالين وكبار الموظفين في روسيا، وكانت تثير في كل مكان عاصفة من الانبساط والضحك) (٢) ..
هذا وسنرى -إن شاء الله- بعض الواقع الأخلاقي الشيوعي إن كان لدى الشيوعية شيء اسمه أخلاق.
стр. 383
خامساً: النظرية العضوية والنفعيون:
من بين النظريات الاجتماعية الكبرى تبرز النظرية العضوية التي يعد (هربرت سبنسر) ألمع ممثليها (١) ومن بين النظريات الأخلاقية (النظرية النفعية) التي حمل لواءها (بنتام) و (آدم سمث) و (جون. ستيوارت مل) ويمثلها في هذا القرن (برتراند رسل).
ويصح لنا أن ننظر إلى هاتين النظريتين ونعالجهما على أساس أنهما يمثلان اتجاهاً واحداً، فبالإضافة إلى اتفاقهما في البيئة (إنجلترا) فهما تتقاربان أو تتحدان في النظر إلى الدين والأخلاق وهي الزاوية التي نعالج موضوعنا من خلالها، كما أنهما يستمدان مفهوماتهما عن الإنسان والمجتمع من نظرية التطور، لا سيما النظرية الأولى التي يبدو هذا الاستمداد واضحاً في مسماها نفسه.
أما هربرت سبنسر فيرى أن (الأديان تخضع لقانون التطور كما تخضع جميع الظواهر الأخرى) ويأتي بتفسير خاص لنشأة الدين يتحدث عنه (بوترو) قائلاً: "إن نقطة البداية في الأديان تبعاً للترتيب التاريخي هي الواقعة الأولية التي تتعدد فينتج عنها صور مختلفة لا نهاية لها، ليست شيئاً آخر سوى ما يسميه سبنسر بالقرين ( Double) فالإنسان يرى في صفحة الماء صورته أو قرينه، وكذلك يرى نفسه في الرؤيا كما يرى فيها صورة غيره من الناس ... وفي الإنسان نزعة طبيعية تميل به إلى الاعتقاد أن القرين لا يتلاشى، كل ما في الأمر أنه ينصرف ولعله يظهر مرة أخرى في حلم مستقبل حتى إذا حانت منية المرء سهل عليه الاعتقاد بأن هذه الأنا الغامضة لا تزال باقية، وأنها تظل كثيراً وقليلاً شبيهة بنفسه، فهي إذن
стр. 384
تشبه شبهاً بعيداً أو قريباً ذلك الكائن المرئي الذي كان قرينه، ومن هنا نشأ الاعتقاد في الأرواح والكائنات الفائقة على الطبيعة وفي قوتها وتأثيرها في حياة الإنسان.
وهذا هو الأصل التاريخي للأديان في نظر هربرت سبنسر، والذي يلتقي فيه مع الأبيقورية ثم تفرع عن هذا الاعتقاد المعتقدات والطقوس والنظم الكهنوتية"
(ولكل كائن واقعي قرينه الذي يمكن أن يعتبر روحاً وقد احتشدت الأرواح الدنيا على مر الزمن تحت سلطان الأرواح العليا التي سميت بالآلهة ثم انتهت هذه الآلهة ذاتها إلى الخضوع لإله واحد، وقد سعى الإنسان إلى تمثيل هذه القوى الفائقة على الطبيعة وإلى جعلها قريبة ومحبوبة منه فنشأت من هذه الرغبة الخرافات الدينية أو (الميثولوجيا) الرقى والعبادات والنظم التي نمت حسب قانون التطور ذاته إلى الحد الذي لم تعد تحتفظ فيه لنفسها أحياناً إلا بآثار ضعيفة جداً من أصلها.
(وإذ فقدت هذه النظم بعد التطور الشديد لاعتقادات الناس اعتمادها على هدفها الأول، فقد ظلت قائمة كرابطة اجتماعية وهى صفة بالغة الأهمية خلعها التطور على هذه النظم وأصبحت الأديان من الآن فصاعداً تمثل استمرار الجماعات، ولذلك كان للأفراد مصلحة عظمى في احترامها (١).
هكذا أجهد سبنسر خياله في اختلاق جذور بعيدة وأصول وهمية للدين، كما فعل كونت ودور كايم وماركس ليصل إلى النتيجة الأخيرة وهي أن الأديان رابطة اجتماعية مصلحية، وعلى هذه النتيجة مدار المذهب الأخلاقى النفعي، فالواقع أنه لم يزد على أنه أعطى هذا المذهب
стр. 385
قوة جديدة، ولنأخذ (برتراند رسل) نموذجاً لهذا المذهب لأنه لا يعبر عن المدرسة النفعية التي ابتدأها بنتام فحسب بل يتحدث عن الواقع العملي لهذا المذهب الذي يسيطر على الحياة الغربية.
يقول رسل: "فصل الأخلاق عن اللاهوت أصعب من الفصل المماثل الذي حدث في حالة العلم ... فالعديد من المفاهيم الأخلاقية التقليدية يصعب تفسيره بل وكثير منها يصعب تبريره إلا على أساس من افتراض وجود إله أو روح عالمي (أو على الأقل هدف كوني ثابت)، (وأنا لا أقول: إن هذه التفسيرات والتبريرات مستحيلة دون أساس ديني، ولكن أقول: بأنها بدون مثل هذا الأساس تفقد قدرتها على الإقناع وقوة الإرغام السيكولوجي، وقد كانت إحدى الحجج التي يفضلها المتمسكون بالدين دائماً أنه بدون الدين يصير الناس أشراراً، وقد أنكر مفكرو القرن التاسع عشر الأحرار في بريطانيا من بنتام إلى هنري سيد جوبك هذه الحجة إنكاراً شديداً"
(إن موضوع إمكان استقلال الأخلاق على أية صورة اجتماعية مناسبة عن الدين يجب إعادة بحثه بأكمله (١) وقد قام رسل فعلاً بذلك فوصل إلى نتيجة مفادها أن الدين ليس مصدر الأخلاق، بل إن الأخلاق قد مرت بثلاث مراحل من التطور:
١ - أخلاق المحظور (تابو) أي المحرم.
٢ - أخلاق الطاعة الإلهية.
٣ - الأخلاق الحديثة، وهى أخلاق نفعية عقلية.
يقول رسل في تفصيل ذلك:
(توجد المعتقدات والمشاعر الأخلاقية في جميع المجتمعات الإنسانية المعروفة حتى أكثرها بدائية ... وبعض هذه المعتقدات مما
стр. 386
يمكن الدفاع عنه على أسس عقلية، بيد أن الغالبية الساحقة من المعتقدات في المجتمعات البدائية خرافية بحتة).
(والمحظور (تابو) هو أحد المصادر الرئيسية للأخلاق البدائية، فهناك بعض الأشياء خاصة تلك التي تخص رئيس القبيلة تحمل في طياتها المنع وإذا لمستها تموت، وأشياء أخرى بذاتها مكرسة للروح ويجب ألا يستعملها سوى ساحر القبيلة، وبعض الأطعمة مشروعة وبعضها غير مشروع، وبعض الأفراد يعتبرون قذرين حتى يتطهروا، وينطبق ذلك خاصة على مثل أولئك الذين تلوثهم بعض الدماء، فلا يقتصر الأمر على من ارتكبوا جريمة القتل، بل إنه ينطبق على النساء أثناء الولادة ودورات الطمث) (سفر اللاويين: ١٥، ١٩، ٢٩)، وتظل صور الفضيلة التي أساسها (المحظور) باقية في المجتمعات المتمدينة مدىً أكبر مما تدرك الناس، فقد حرم فيثاغورث أكل البقول، وكان أمبيذ كلس يعتقد أن مضغ أوراق الغار فيه خطيئة، ويرتجف الهندوكيون من مجرد فكرة أكل لحم البقر بينما يعتبر المسلمون واليهود المتمسكون بالدين الخنزير غير طاهر، وفي سنة (١٩١٦م) أرسل أحد رجال الدين من سكوتلانده كتاباً إلى الصحف يعزو عدم نجاحنا في الحرب ضد الألمان، إلى أن الحكومة شجعت زراعة البطاطس في أيام الأحاد وجميع هذه الآراء لا يمكن تبريرها إلا على أساس المحظور.
(وانتشار القوانين التي تحرم صوراً مختلفة من الزواج بين أفراد العشيرة هو مثل من خير الأمثلة على المحظور، فالقبيلة تقسم -أحياناً- إلى مجموعات، وعلى الرجل أن يتخذ زوجته من مجموعة أخرى غير مجموعته، وتحرم الكنيسة الأرثوذكسية زواج آباء الطفل الواحد في العماد، ولم يكن الرجل يستطيع إلى عهد قريب في إنجلترا أن يتزوج أخت زوجته المتوفاة.
стр. 387
ومثل هذه الزيجات لا يمكن تبريرها على أساس أن الزيجات المحرمة تتضمن أي ضرر، ولا سبيل إلى الدفاع عنها إلا على أساس من المحظورات القديمة.
((بل وأكثر من ذلك أن صور الزواج من المحارم التي لم يزل معظمنا يعتبرها مما لا يتفق والشرع، يستفظعها معظم الناس إلى حد لا يتناسب مع الضرر الذي ينجم عنها، ويجب أن نعتبر ذلك أثراً من آثار المحظور الذي كان موجوداً قبل التبرير العقلي)) (١).
وقارن مثلاً بين النفور المشمئز من زواج المحارم والتحريم الهادئ لجرائم مثل التزوير التي لا يدخل فيها عنصر الخرافة؛ لأن المتوحشين لا يستطيعون ارتكابها (٢).
ثم ينتقل رسل إلى الحديث عن المرحلة الثانية: "كلما بدأ الناس يتقدمون في المدينة قل قبولهم لمجرد المحظورات، فأحلوا محلها الأوامر والنواهي الإلهية، فالأوامر العشرة تبدأ" ((ثم تكلم الله بجميع هذه الكلمات قائلاً:
ونجد في التوراة من أولها إلى آخرها أن الرب هو الذي يتكلم .. )).
وهكذا تصبح الطاعة جوهر الأخلاق، والطاعة الأساسية هي طاعة المشيئة الإلهية، بيد أن هناك صوراً أخرى عديدة من الطاعة تستمد شرعيتها من أن ألوان عدم المساواة الاجتماعية مصدرها مشيئة
стр. 388
الله، فالرعايا تجب عليهم طاعة الملك؛ والعبيد طاعة سادتهم، والزوجات طاعة أزواجهن، والأبناء طاعة آبائهم (١).
أما المرحلة الثالثة فيرى رسل أن لها أساساً قديما أيضاً ولكن لم يعظم شأنها إلا في العصر الحديث: "ولقد كان هناك من أول الأمر أساس مختلف للمشاعر والقواعد الأخلاقية، وهو مبدأ الأخذ والعطاء أو التراضي الاجتماعي. ولا يعتمد هذا كما هو الحال في النظم الأخلاقية الأخرى .. على الخرافة ولا على الدين، إنه ينبعث بصفة عامة عن الرغبة في حياة هادئة. فعندما أريد شيئاً من البطاطس مثلاً فإني قد أتسلل ليلاً وأستولي على بعض منه في حقل جاري، وجاري قد ينتقم بأن يسرق الفاكهة من شجر تفاحي ... ، وفي النهاية سنرى أن الأمر سيكون أقل إزعاجاً وأكثر راحة لو أن كلاً منا احترم مال الآخر"
((بالرغم من أن نظاماً مثل هذا قد تساعده المحظورات أو الشرائع الدينية، إلا أنه يستطيع أن يظل قائماً حتى بعد انهيارها، حيث إنه يتضمن على الأقل من ناحية النوايا مزايا للجميع، ومع تقدم المدنية عظم الدور الذي يلعبه هذا النظام باطراد في التشريع والحكم والأخلاق الخاصة، ولكنه لم ينجح في الإيحاء بذلك الإحساس العميق من الاستفظاع أو التوقير المتصل بالدين أو المحظور (٢) ولعل هذا الاستدراك من رسل (بالإضافة إلى التراضي الاجتماعي، والحياة الهادئة التي. تسود الغرب اليوم!!))، يكفي لبيان قيمة العنصر الإيماني في الأخلاق.
стр. 389
سادساً: الدراسات النفسية الحديثة:
يرى بعض الباحثين أن علم النفس المعاصر هو أحدث العلوم جميعاً؛ لأنه آخر علم استقل عن الدين والفلسفة، ويعزون ولادة هذا العلم إلى ثلاثة عوامل برزت في منتصف القرن الماضي:
أولها: المنجزات الجديدة في الطبيعيات، وعلم وظائف الأعضاء.
والثاني: شارلس داروين الذي قدم عرضاً لآرائه عن علم الحياة التطوري الحديث ... ، وألف كتاباً بعنوان: التعبير عن الانفعالات عند الإنسان والحيوانات ..
والثالث: أبحاث التجريبيين الذين أسسوا لأول مرة معامل الدراسات النفسية الحديثة (١).
وأشهر المدارس النفسية المعاصرة على المستويين النظري والتطبيقي - لا سيما من جهة صلتها بموضوع الأخلاق - مدرستان:
الأولى: المدرسة السلوكية: ( Behaviourism) .
يرى هاري ويلز أن قيام علم نفس مادي يناهض الأفكار الرجعية والمثالية كان يفتقر إلى حلقة مفقودة هي ما أسماه الميكانزم المادي الذي يمكنه أن يفسر لنا كيف نتج الوعي بالطبيعة، وكيف يعكس الوعي الواقع.
ويقول: "لقد ظلت المادية تعاني ضعفاً ما منذ أن كانت تفتقد هذه الحلقة -أي: منذ كان الميكانزم العصبي مجهولاً، واستغل المثاليون هذا الضعف واستفاد منه الرجعيون لنشر الجهل وتشويش الفكر وخلق أساطير عن الطبيعة البشرية" (٢).
стр. 390
والباحث الذي استطاع أن يسد هذه الثغرة هو بافلوف بنظريته عن الأفعال المنعكسة الشرطية، والمبدأ الأساسي الذي تقوم عليه المدرسة السلوكية هو حيوانية الإنسان وماديته، وذلك نتيجة لإيمانها الأعمى بنظرية داروين، وهو إيمان يبدو جلياً سواء في كتابات بافلوف أو في تجاربه العملية، فقد كانت إحدى المشاكل الكبرى التي يتوهم بافلوف أنه وضع لها العلاج الناجح هي مشكلة نشأة الوعي وتطوره في النوع الإنساني منذ أن كان قرداً إلى أن أصبح إنساناً.
ويقول أيضاً: "اكتسب عالم الحيوان في مسيرة تطوره حتى بلغ مرحلة الإنسان إضافة فريدة مكملة لميكانزم النشاط العصبي" (١)، ويعني بذلك النظم الإشاري.
أما خلاصتها الفكرية فتتمثل في إنكار الروح وإنكار استقلالية العقل، والإيمان بالجسد وحده، واعتبار السلوك البشري بأكمله أفعالاً شرطية منعكسة لا غير أي: أن السلوكية تدعم النظرية الماركسية القائلة أن واقع الناس هو الذي يعين مشاعرهم، وتسند نظرية أنجلز في أن العمل هو الذي خلق الإنسان أي طوره عن القردة، ومن هنا أطلق عليها الفيلسوف جود اسم المادية الحديثة (٢).
وعن ذلك يتحدث هاري ويلز قائلاً: "ونظرية بافلوف عن نظام الكلام وهو نظام قاصر على الإنسان وحده، هي النظرية التي تملأ الثغرة التي أشار إليها أنجلز في كتابه عن الانتقال من مرحلة القردة إلى الإنسان".
وهكذا نجد أن نظرية بافلوف عن العمليات العصبية الراقية إذ تملأ تلك الثغرة في المعرفة البشرية إنما تقدم إسهاماً جليلاً للمادية،