← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96612

العلمانية - نشأتها وتطورها

سفر الحوالي

Полный текст (715 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

يمكن الدفاع عنه على أسس عقلية، بيد أن الغالبية الساحقة من المعتقدات في المجتمعات البدائية خرافية بحتة). (والمحظور (تابو) هو أحد المصادر الرئيسية للأخلاق البدائية، فهناك بعض الأشياء خاصة تلك التي تخص رئيس القبيلة تحمل في طياتها المنع وإذا لمستها تموت، وأشياء أخرى بذاتها مكرسة للروح ويجب ألا يستعملها سوى ساحر القبيلة، وبعض الأطعمة مشروعة وبعضها غير مشروع، وبعض الأفراد يعتبرون قذرين حتى يتطهروا، وينطبق ذلك خاصة على مثل أولئك الذين تلوثهم بعض الدماء، فلا يقتصر الأمر على من ارتكبوا جريمة القتل، بل إنه ينطبق على النساء أثناء الولادة ودورات الطمث) (سفر اللاويين: ١٥، ١٩، ٢٩)، وتظل صور الفضيلة التي أساسها (المحظور) باقية في المجتمعات المتمدينة مدىً أكبر مما تدرك الناس، فقد حرم فيثاغورث أكل البقول، وكان أمبيذ كلس يعتقد أن مضغ أوراق الغار فيه خطيئة، ويرتجف الهندوكيون من مجرد فكرة أكل لحم البقر بينما يعتبر المسلمون واليهود المتمسكون بالدين الخنزير غير طاهر، وفي سنة (١٩١٦م) أرسل أحد رجال الدين من سكوتلانده كتاباً إلى الصحف يعزو عدم نجاحنا في الحرب ضد الألمان، إلى أن الحكومة شجعت زراعة البطاطس في أيام الأحاد وجميع هذه الآراء لا يمكن تبريرها إلا على أساس المحظور. (وانتشار القوانين التي تحرم صوراً مختلفة من الزواج بين أفراد العشيرة هو مثل من خير الأمثلة على المحظور، فالقبيلة تقسم -أحياناً- إلى مجموعات، وعلى الرجل أن يتخذ زوجته من مجموعة أخرى غير مجموعته، وتحرم الكنيسة الأرثوذكسية زواج آباء الطفل الواحد في العماد، ولم يكن الرجل يستطيع إلى عهد قريب في إنجلترا أن يتزوج أخت زوجته المتوفاة.

стр. 387

ومثل هذه الزيجات لا يمكن تبريرها على أساس أن الزيجات المحرمة تتضمن أي ضرر، ولا سبيل إلى الدفاع عنها إلا على أساس من المحظورات القديمة. ((بل وأكثر من ذلك أن صور الزواج من المحارم التي لم يزل معظمنا يعتبرها مما لا يتفق والشرع، يستفظعها معظم الناس إلى حد لا يتناسب مع الضرر الذي ينجم عنها، ويجب أن نعتبر ذلك أثراً من آثار المحظور الذي كان موجوداً قبل التبرير العقلي)) (١). وقارن مثلاً بين النفور المشمئز من زواج المحارم والتحريم الهادئ لجرائم مثل التزوير التي لا يدخل فيها عنصر الخرافة؛ لأن المتوحشين لا يستطيعون ارتكابها (٢). ثم ينتقل رسل إلى الحديث عن المرحلة الثانية: "كلما بدأ الناس يتقدمون في المدينة قل قبولهم لمجرد المحظورات، فأحلوا محلها الأوامر والنواهي الإلهية، فالأوامر العشرة تبدأ" ((ثم تكلم الله بجميع هذه الكلمات قائلاً: ونجد في التوراة من أولها إلى آخرها أن الرب هو الذي يتكلم .. )). وهكذا تصبح الطاعة جوهر الأخلاق، والطاعة الأساسية هي طاعة المشيئة الإلهية، بيد أن هناك صوراً أخرى عديدة من الطاعة تستمد شرعيتها من أن ألوان عدم المساواة الاجتماعية مصدرها مشيئة

стр. 388

الله، فالرعايا تجب عليهم طاعة الملك؛ والعبيد طاعة سادتهم، والزوجات طاعة أزواجهن، والأبناء طاعة آبائهم (١). أما المرحلة الثالثة فيرى رسل أن لها أساساً قديما أيضاً ولكن لم يعظم شأنها إلا في العصر الحديث: "ولقد كان هناك من أول الأمر أساس مختلف للمشاعر والقواعد الأخلاقية، وهو مبدأ الأخذ والعطاء أو التراضي الاجتماعي. ولا يعتمد هذا كما هو الحال في النظم الأخلاقية الأخرى .. على الخرافة ولا على الدين، إنه ينبعث بصفة عامة عن الرغبة في حياة هادئة. فعندما أريد شيئاً من البطاطس مثلاً فإني قد أتسلل ليلاً وأستولي على بعض منه في حقل جاري، وجاري قد ينتقم بأن يسرق الفاكهة من شجر تفاحي ... ، وفي النهاية سنرى أن الأمر سيكون أقل إزعاجاً وأكثر راحة لو أن كلاً منا احترم مال الآخر" ((بالرغم من أن نظاماً مثل هذا قد تساعده المحظورات أو الشرائع الدينية، إلا أنه يستطيع أن يظل قائماً حتى بعد انهيارها، حيث إنه يتضمن على الأقل من ناحية النوايا مزايا للجميع، ومع تقدم المدنية عظم الدور الذي يلعبه هذا النظام باطراد في التشريع والحكم والأخلاق الخاصة، ولكنه لم ينجح في الإيحاء بذلك الإحساس العميق من الاستفظاع أو التوقير المتصل بالدين أو المحظور (٢) ولعل هذا الاستدراك من رسل (بالإضافة إلى التراضي الاجتماعي، والحياة الهادئة التي. تسود الغرب اليوم!!))، يكفي لبيان قيمة العنصر الإيماني في الأخلاق.

стр. 389

سادساً: الدراسات النفسية الحديثة: يرى بعض الباحثين أن علم النفس المعاصر هو أحدث العلوم جميعاً؛ لأنه آخر علم استقل عن الدين والفلسفة، ويعزون ولادة هذا العلم إلى ثلاثة عوامل برزت في منتصف القرن الماضي: أولها: المنجزات الجديدة في الطبيعيات، وعلم وظائف الأعضاء. والثاني: شارلس داروين الذي قدم عرضاً لآرائه عن علم الحياة التطوري الحديث ... ، وألف كتاباً بعنوان: التعبير عن الانفعالات عند الإنسان والحيوانات .. والثالث: أبحاث التجريبيين الذين أسسوا لأول مرة معامل الدراسات النفسية الحديثة (١). وأشهر المدارس النفسية المعاصرة على المستويين النظري والتطبيقي - لا سيما من جهة صلتها بموضوع الأخلاق - مدرستان: الأولى: المدرسة السلوكية: ( Behaviourism) . يرى هاري ويلز أن قيام علم نفس مادي يناهض الأفكار الرجعية والمثالية كان يفتقر إلى حلقة مفقودة هي ما أسماه الميكانزم المادي الذي يمكنه أن يفسر لنا كيف نتج الوعي بالطبيعة، وكيف يعكس الوعي الواقع. ويقول: "لقد ظلت المادية تعاني ضعفاً ما منذ أن كانت تفتقد هذه الحلقة -أي: منذ كان الميكانزم العصبي مجهولاً، واستغل المثاليون هذا الضعف واستفاد منه الرجعيون لنشر الجهل وتشويش الفكر وخلق أساطير عن الطبيعة البشرية" (٢).

стр. 390

والباحث الذي استطاع أن يسد هذه الثغرة هو بافلوف بنظريته عن الأفعال المنعكسة الشرطية، والمبدأ الأساسي الذي تقوم عليه المدرسة السلوكية هو حيوانية الإنسان وماديته، وذلك نتيجة لإيمانها الأعمى بنظرية داروين، وهو إيمان يبدو جلياً سواء في كتابات بافلوف أو في تجاربه العملية، فقد كانت إحدى المشاكل الكبرى التي يتوهم بافلوف أنه وضع لها العلاج الناجح هي مشكلة نشأة الوعي وتطوره في النوع الإنساني منذ أن كان قرداً إلى أن أصبح إنساناً. ويقول أيضاً: "اكتسب عالم الحيوان في مسيرة تطوره حتى بلغ مرحلة الإنسان إضافة فريدة مكملة لميكانزم النشاط العصبي" (١)، ويعني بذلك النظم الإشاري. أما خلاصتها الفكرية فتتمثل في إنكار الروح وإنكار استقلالية العقل، والإيمان بالجسد وحده، واعتبار السلوك البشري بأكمله أفعالاً شرطية منعكسة لا غير أي: أن السلوكية تدعم النظرية الماركسية القائلة أن واقع الناس هو الذي يعين مشاعرهم، وتسند نظرية أنجلز في أن العمل هو الذي خلق الإنسان أي طوره عن القردة، ومن هنا أطلق عليها الفيلسوف جود اسم المادية الحديثة (٢). وعن ذلك يتحدث هاري ويلز قائلاً: "ونظرية بافلوف عن نظام الكلام وهو نظام قاصر على الإنسان وحده، هي النظرية التي تملأ الثغرة التي أشار إليها أنجلز في كتابه عن الانتقال من مرحلة القردة إلى الإنسان". وهكذا نجد أن نظرية بافلوف عن العمليات العصبية الراقية إذ تملأ تلك الثغرة في المعرفة البشرية إنما تقدم إسهاماً جليلاً للمادية،

стр. 391

فهي تزودنا بالحلقة الأخيرة في البرهان على صدق القضية المادية الأساسية القائلة بأن الوعي أو العقل البشري ثانوي بالنسبة للمادة ومشتق منها ... ، ولهذا السبب نفسه تلقت المثالية ضربة ساحقة وإن لم تكن القاضية والأخيرة؛ وهي المذهب القائل بأن المادة ثانوية للنشاط العقلي ومشتقة منه (١). إن علم دراسة النشاط العصبي الراقي هو خطوة جديدة تؤكد وتعمق نظرية المعرفة المادية القائلة بأن الوعي والمعرفة انعكاس للواقع وأن الحق تطابق معه، وفي هذا يقول لينين: يعكس الوعي الوجود بوجه عام، وهذا هو مجمل موقف كل المذاهب المادية، والاحساسات هي المواد الأولية التي يستخرج منها الفكر والعلم التجريبيان الحقائق والقوانين التي تعكس الطبيعة وحركة العالم الخارجي، وحجر الزاوية لأي نظرية مادية في المعرفة هو القول بأن الاحساسات صور للواقع، إنها منبهات صادرة عن الموضوعات الخارجية، ولهذا يقول لينين: إن كل مفكر مادي يرى أن الإحساس ليس سوى رابطة مباشرة تربط العقل بالعالم الخارجي، إنه تحول لطاقة الإثارة الخارجية إلى حالة ذهنية، ويتم تحول هذه الطاقة من خلال الجهاز العصبي، وهو ما اكتشفه بافلوف وعبر عنه في صورة الميكانزمات المترابطة التي تربط بين النظامين الكلامي والحسي (٢). ذلك بإجمال هو مضمون النظرية السلوكية عن الإنسان وتفسيرها لتصرفاته، وقد كان لها مع فكرها المادي نظرياً أسوأ الأثر في التطبيق الواقعي، فقد استغلها الهدامون لنفي الفطرة وإنكار القيم الخلقية المجردة، كما أن طواغيت السياسة عرفوا كيف يستخدمون

стр. 392

تجاربها على الشعوب بدلاً من الكلاب مثلما استخدموا قانون الانتخاب الطبيعي من قبل، وقد فصل العلامة مالك بن نبي الحديث عن ذلك مؤيداً بالشواهد الواقعية (١). والواقع أن بافلوف لم يكن الأول في القائلين بنظرية الفعل المنعكس الشرطي، ولا هو أول السلوكيين، فقد سبقه إلى النظرية أستاذه ستشينوف الذي ألف كتاباً أسماه: الأفعال المنعكسة للمخ سنة ١٨٦٦، ولكن ظروف ما قبل الثورة الشيوعية كانت متحفظة تجاه الفكر الهدام، ولذلك فإن لجنة الرقابة في بطرسبرج شمت من الكتاب رائحة التآمر والإفساد، وناشدت النائب العام لاتخاذ آراء ضد كتاب الأستاذ أ. م. ستشينوف المادي المتطرف على أساس أنه يقوظ دعائم الأخلاق في المجتمع. لقد صاغ السيد ستيشنوف نظريته في ثوب رسالة علمية، بيد أن أسلوبها أبعد ما يكون عن الصيغة العلمية؛ ذلك لأنه كتبها بأسلوب يسهل على القارئ العادي أن يفهمه، وتؤكد لنا هذه الحقيقة فضلاً عن رخص سعر الكتاب أن المؤلف يقصد عامداً أن تكون نظريته سهلة التناول لأكبر عدد من القراء، ويلزم عن هذا أن كتاب السيد ستشينوف الأفعال المنعكسة للمخ مقصود به إفساد الأخلاق، فهو خارج عن القانون إذ يمثل خطورة على ضعاف العقيدة من الناس، ومن ثم تجب مصادرته وإعدامه (٢). ذلك ما تعرض له الأستاذ، أما التلميذ بافلوف؛ فقد كانت حكومة استالين تقيم له المهرجانات، وظل محط التكريم والتعزيز حتى وفاته سنة (١٩٣٦م) ولا غرابة في ذلك (٣).

стр. 393

الثانية -مدرسة التحليل النفسي: ( Psychoanalysis) بافلوف وفرويد متعاصران، وبينهما أوجه شبه لا سيما في النتائج والمقاصد التي وصل كل منهما إليهما، إلا أن الخلاف بينهما - في المنهج - عميق؛ ذلك أن بافلوف انطلق من الشعور في حين أن فرويد انطلق من اللاشعور، واعتمد بافلوف على تجارب موضوعية بينما اعتمد فرويد على تصورات ذاتية وتحليلات خاصة. ومؤلفات فرويد جميعها تعبر عن يهوديته أكثر مما تعبر عن منهجه العلمي إن كان له علم أو منهج! وهذه اليهودية تظهر جلية في التدنيس والتلويث المتعمدين للجنس البشري، وهي ظاهرة بارزة في التوراة المحرفة، (١) كما تتجلى في الإفساد المتعمد للأخلاق والتآمر الخبيث على القيم الإنسانية وهما مضمون وفحوى التلمود (٢). ويكفي للدلالة على ذلك موقف فرويد من المسيح ﵇ ((أقدس شخصية لدى أوروبا النصرانية))، كان التلمود يصف المسيح ﵇ بأقذع النعوت وأشنع الألقاب، ولكن الكنيسة كانت تلاحقه في كل مكان بالحرق والمصادرة مما اضطر الحاخامات إلى ترك مكان العبارات التي تذكر المسيح ﵇ خالية، ووضع مربعات فارغة محلها أو الإيماء إليه من طرف خفي (٣). غير أن فرويد استطاع بذكائه الخبيث، وتمسحه بالعلم، أن يثأر

стр. 394

للتلمود؛ فجاء بتلك العبارات بنصها، وأقذع منها ونشرها علانية في محاضراته وكتبه وهو آمن من أن تمسه يد سوء (١) وقس على ذلك موقفه من الدين والأخلاق. وهذا يقودنا إلى معرفة مدى التفسخ الذي وصلت إليه البيئة الأوروبية والانهيار الديني والخلقي الذي اجتاحها؛ فكانت بيئة ملائمة لتفريخ أفكار فرويد وتقبلها مما دفعها إلى تفسخ أعظم. فالفكر المادي تغلغل في النفوس، والنزعة الحيوانية المنفلتة أصبحت هي الصبغة العامة للحياة، والثورة الصناعية وما صاحبها من تغيير في البنية الاجتماعية وتفكك في الحياة الأسرية، هيأت -جميعها- الجو للهدم الأخلاقي والعقائدي، ثم كانت الحروب الإقليمية والعالمية (الأولى) فقوضت دعائم المجتمع الأوروبي، وأفقدته الثقة في كل مبادئه ومعتقداته، ونشرت الرعب والذعر في القلوب وحطمت كل الأعراف والقوانين والأخلاقيات. وصحب ذلك إسفاف مريع وهبوط شائن في الأدب والفن يسرته وعممته دور السينما وكتب الجنس وقصصه ولوحاته. يضاف إلى ذلك ما كان يعتلج دوماً في النفسية الأوروبية من حقد عارم على الكنيسة، وتحفز دائب للانتقام منها، وشعور لا ينفك بالنقص والذنب، وهو ما أورثته الرهبانية لها، كل هذه الأمور هيأت الجو الملائم للهدامين التلموديين لإطفاء الجذوة الباقية، ونهش المزعة الأخيرة من جسد الخلق والفضيلة. وقد عرفنا دورهم في الثورة الفرنسية، ثم في قيام الرأسمالية وتعرضنا لاستغلالهم للداروينية، ثم عرضنا لماركس ودور كايم

стр. 395

وأفكارهما الهدامة، والآن يصل بنا البحث والزمن التاريخي إلى ثالث الثلاثة فرويد، وهو أكثرهم جرأة وأصرحهم إسفافاً، والحق أنه لم يفت بعض الباحثين الغربيين أن يدركوا الدوافع والمنطلقات الخفية للفكر الفرويدي بإرجاعها إلى يهوديته وتطبيق نظريته على نفسه، وقد قال بعضهم: "من المؤكد أن مفهوم الأنا العليا يجد مصدره في ديانة فرويد الأولى اليهودية إن هذه الأنا العليا هي القانون المتبطن بدءاً من الشخصية الرئيسية الإلهية باعتبارها أباً أو من شخصية موسى باعتبارها أباً ووسيطاً معاً" (١). ولكن هذا الإدراك لا حول له ولا طول أمام الانتشار الفظيع للفرويدية الذي جاء كما لو كانت كشفاً علمياً مذهلاً، ويقع عبء ذلك على عاتق الصحافة الغربية التي تعمل دائماً تحت تأثير المذهب اليهودي وبوحي من المرابين اليهود. تبدأ نظرية فرويد من زعمه بأنه اكتشف المدخل الوحيد والسليم لدراسة النفس البشرية والحكم على سلوكها وهو عقدة أوديب، ويعتقد فرويد أنه اكتشاف عظيم حقاً: "يحق لي أن أقول إنه لو لم يكن للتحليل النفسي إلا فخر اكتشاف عقدة أوديب المكبوتة لكان ذلك خليقا بأن ينظمه في عداد أثمن ما كسب الجنس الإنساني حديثاً" (٢). فأي شيء يا ترى عقدة أوديب هذه الجديرة بهذا التهويل؟! يقول فرويد في بيانها: (يبدأ الولد الصغير في سن مبكرة يشعر

стр. 396

بالحب نحو أمه، وهو حب كان في الأصل متعلقاً بثدي الأم، كما أنه أول حالة من حالات حب الموضوع (١) تنشأ على صورة الاعتماد على الأم، أما فيما يتعلق بالأب فإن الولد يقوم بتقمص شخصيته وتبقى هاتان العلاقتان جنباً إلى جنب لفترة من الوقت، ثم تأخذ الرغبات الجنسية المتجهة نحو الأم تزداد في الشدة، ويأخذ الأب يبدو كأنه يعوق تحقيق هذه الرغبات، وعن ذلك تنشأ عقدة أوديب، ثم يأخذ تقمص شخصية الأب بعد ذلك يتخذ صفة عدائية، ويتحول إلى رغبة في التخلص من الأب لكي يأخذ مكانه من الأم، وتصبح علاقته الوجدانية مع الأب منذ هذه اللحظة متناقضة). ويبدو كأنما هذا التناقض الوجداني- وهو أمر طبيعي في التقمص منذ البداية- قد أصبح الآن واضحاً، ويتكون من موقف التناقض الوجداني نحو الأب؛ وعلاقة الحب الشديدة نحو الأم مضمون عقدة أوديب الإيجابية البسيطة عند الولد. وبزوال عقدة أوديب يصبح من الواجب الإقلاع عن حب الأم، وقد يملأ مكانها بأحد أمرين: إما بتقمص شخصية الأم، وإما بتقمص شخصية الأب بدرجة شديدة، وترجع عقدة أوديب الكاملة إلى الثنائية الجنسية الموجودة في الأصل عند الأطفال، ومعنى هذا أن الولد لا يقف -فقط- موقف التناقض الوجداني مع أبيه وموقف المحب مع أمه، وإنما هو يسلك أيضاً في نفس الوقت سلوك البنت، ويبدي ميلاً أنثوياً عاطفياً نحو أبيه، كما يبدي اتجاه العداء نحو أمه والغيرة منها (٢). وإذا سمع أحدٌ هذا الكلام وتناوله على أساس أنه صادر من

стр. 397

إنسان جاد يعي ما يقول فإن من بين الأسئلة التي يثيرها يبرز سؤال عن إمكان وجود شعور جنسي لدى الأطفال؟، ولا يدع فرويد هذا السؤال بلا جواب، بل يفصل القول في ذلك معتمداً على الخيال اليهودي الدنس: الحياة الجنسية لا تبدأ أولاً عند البلوغ، وإنما تبتدي عقب الميلاد بمظاهر واضحة، فنشاهد في عهد الطفولة المبكر علامات للنشاط الجنسي لا يمكن أن ينكر عليها صفة الجنسية إلا الرأي المغرض القديم!! وهذه عند فرويد هي المرحلة الجنسية الأولى، ويتبعها فترة كمون لا تبدو فيها آثار النشاط الجنسي، أما الثالثة فهي مرحلة البلوغ. ويعلق فرويد على ذلك مستنتجاً: (وهذا يؤدي بنا إلى حقيقة هامة، وهي أن الحياة الجنسية ترد على دورتين، وهو ما لا نجده إلا عند الإنسان ولا شك أن له أثرا بالغ الأهمية في تكوينه، أما الدليل العلمي على ذلك فيعتقد فرويد أنه الفرض القائل بأن الإنسان انحدر عن حيوان ثديي كان يبلغ النضج الجسمي في سن الخامسة. وهذا الدليل العلمي (!) لا يزودنا فرويد بأية معلومات عنه، ولا يخبرنا عن مصدره التاريخي العلمي. ولعله اعتمد على موجة رواج فرضية داروين التي بدأ فرويد أبحاثه في عنفوان شبابها، وكانت شهرتها الطاغية المدبرة تقطع أي تساؤل يثار حولها. وعلى أي حال فإن فرويد يشرح ذلك كما لو كان حقيقة علمية ثابتة فعلاً فيقول: أول عضو يظهر بوصفه منطقة شهوية تعرض مطالبتها اللبيدية (١) على النفس هي الضم منذ الميلاد، فإلحاح الطفل في

стр. 398

المص وتشبثه به في مرحلة مبكرة ينم بوضوح عن حاجة إلى الإشباع ... يمكن بل يجب أن توصف بأنها جنسية). أما المرحلة الثانية فهي المرحلة السادية الشرجية؛ لأن الإشباع فيها يطلب في العدوان وفي وظيفة الإخراج. والمرحلة الثالثة نسميها المرحلة القضيبية ... ومع المرحلة القضيبية وفي خلالها تبلغ الجنسية الطفلية الأولى ذروتها وتقترب من اضمحلالها، ومن الآن فصاعدا تختلف مصائر الصبيان والبنات، فيدخل الصبي الطور الأوديبي ويأخذ يعبث بقضيبه عبثاً تصحبه أخيلة أن يزاول نوعاً من النشاط الجنسي ذا صلة بأمه (١). وإلى الآن فإن غرض فرويد من هذه الفرضيات والأوهام القذرة ما يزال غير واضح تماماً، لكنه يأخذ في إيضاحه بإضافة فرض آخر ناشئ من عقدة أوديب هو ما أسماه الأنا المثالي: (فالأنا المثالي هو إذن وريث عقدة أوديب؛ ولذلك فهو أيضاً نتيجة أقوى الدوافع وأهم التقلبات التي مرت باللبيدو في الهو (٢). وبتكون هذا الأنا المثالي يقوم الأنا بالتغلب على عقدة أوديب، كما يقوم في نفس الوقت بوضع نفسه تحت سلطة الهو) (٣). وإذ قد وصلت السلسلة الوهمية إلى هذا الحد يبدأ فرويد في الإفصاح عن مرماه البعيد: "من السهل أن نبين أن الأنا المثالي إنما يكون من جميع الوجوه ما ينتظر من طبيعة الإنسان السامية، ومن حيث أنه بديل لشوقه نحو

стр. 399

الأب فهو يحوي على الأصل الذي منه نشأت جميع الأديان، وأن حكم النفس بأن الأنا قد فشل في تحقيق ما هو مثالي عنده إنما يحدث بالإحساس بعدم الجدارة؛ وهو الإحساس الذي يثبت به المتدين شوقه، وعندما يكبر الطفل تنتقل سلطة الأب إلى المدرسين وإلى الأشخاص الآخرين ذوي النفوذ، وتظل سلطة أوامرهم ونواهيهم باقية في الأنا المثالي، وهي تستمر تزاول رقابتها على الأخلاق في صورة الضمير". "إن الدين والأخلاق والشعور الاجتماعي - وهي العناصر الأساسية لما هو أسمى في الإنسان - إنما كانت في الأصل شيئاً واحداً، وقد اكتسبت هذه الأشياء تبعاً للفرض الذي وضعته في كتاب الطوطم والمحرم عن عقدة الأدب أثناء نشوء النوع الإنساني، فاكتسب الدين والوازع الخلقي عن العملية الحقيقية للتغلب على عقدة أوديب نفسها ... " (١). وقبل أن نتعجل ونقول: إن هذا الهراء المتعمد لا دليل عليه ولا غرض له إلا الانتقام المتعمد من الأميين بتلويث دينهم وأخلاقهم، فإن علينا أن نبحث عن الغرض الذي ذكره فرويد عن الإنسانية في مرحلتها الأولى، فلعل فيه شيئاً من العلمية أو قل: شيئاً من النظافة. قرأ فرويد لداروين أنه في عالم البقر تتجه الثيران الفتية للحصول على البقرة الأم، فتجد أباها عائقاً في الطريق فتتجه كلها نحوه لتقتله فإذا فرغت من ذلك عادت فأصطرعت فيما بينها حتى يتغلب أحدها -وهو أقواها- فيفوز وحده بالأم، ويصبح هو السيد الجديد. ونقل فرويد بخياله الجانح هذه القصة من عالم الحيوان إلى عالم الإنسان ليبني عليها فرضه المزعوم، فهو يذكر في كتابه الطوطم والمحرم أن الأبناء في مطلع البشرية اتجهوا نحو أمهم بدافع الجنس،

стр. 400

وإذ رأوا أباهم يحول دون ذلك قتلوه وبعدها أحسوا بالندم على قتله، وعمدوا إلى تقديس ذكراه فعبدوه، وبذلك نشأت العبادة البشرية الأولى عبادة الأب، ثم تحولت إلى عبادة الطوطم وهو الحيوان الذي اعتقد الأبناء أن له صلة بالأب، وكان تحريم أكل الطوطم أحد المحرمين الكبيرين لدى البدائيين، أما المحرم الثاني فهو الزواج من المحارم، وأصله أن هؤلاء الأبناء رأوا أنهم سيتقاتلون من أجل الحصول على الأم، فاتفقوا على تحريمها على الجميع، ومن ذلك نشأ أول تحريم جنسي وظلت البشرية تحرم الزواج منها، ثم انتقل إلى سائر المحارم (١). يقول فلوجل: كان أكثر تطبيقات علم النفس على الأنثربولوجيا إثارة هو بلا شك موقف فرويد الطوطم والمحرم ... وقد حاول فرويد في تطبيقه لتلك الأفكار على الطوطمية أن يشرح أحد المحرمين الكبيرين للمجتمع الطوطمي وهما تحريم أكل الحيوان الطوطم وتحريم الزواج الداخلي، فأرجعهما إلى جانبي مركب أوديب: الرغبة في قتل الأب والزواج من الأم، وبهذا الشكل يبدو عيد الطوطم ومشتقاته ... ، بما في ذلك تناول الخبز المقدس في الكنيسة المسيحية ضاربة الجذور في اتجاه الرجل البدائي المتناقض وجدانياً (٢) أي: بين محبة الأب من ناحية والرغبة في قتله للحصول على الأم من ناحية. وبهذا يتضح تهافت الأسس التي قامت عليها الفرويدية، أما أثرها الهدام فسيأتي بيانه قريباً.

стр. 401

واقع المجتمع اللاديني المعاصر: بمجموع الاتجاهات والمدارس الفكرية، وبتضافر عوامل أخرى مساندة كفرت أوروبا بالدين والأخلاق، ونبذ المجتمع كل مقوماته المستمدة من هذين الاتجاهين، وأصبحت القيم العليا فيه هي القيم المادية النفعية تحدوها مكيافيللية صريحة، وأضحى التعامل الاجتماعي قائماً على الرابطة المصلحية وحدها ممثلة في عقد اجتماعي أو أخلاق تجارية (١) وكما ترى فلسفة الذرائع البراجماتيزم (٢) لم يعد للأخلاق قيمة ذاتية، وإنما يحكم على أي: تصرف وتعامل من خلال ما ينجم عنه عملياً من المصلحة النفعية .. فماذا جنت المجتمعات الغربية من ذلك كله؟ ... يقول مؤلفو تاريخ البشرية: ((كانت فكرة الإنسان عن نفسه كما ظهرت في منتصف القرن

стр. 402

العشرين تعكس فهمه المتغير لعلاقته بالمجتمع وبالطبقة وبالله؛ ففي معظم أنحاء العالم، وخلال طبقات اجتماعية كثيرة وعلى نطاق واسع، رأى الناس أنهم قد سيطروا على قوى جديدة وفرص جديدة، وأنهم بسبيل هذه السيطرة فاعتقدوا أنهم بصدد فجر جديد لا يمكنهم إلا اجتلاء ملامحه بسرعة، أما مستقبله واحتمالاته فتدعو إلى الابتهاج وإلى الذعر في وقت واحد. فقد أحس الناس في طول العالم وعرضه أنهم في سفينة قد انقطعت أسبابها بالبر، وعليهم أن يقودوها بغير خريطة عبر بحار مجهولة. كان هذا عند البعض بمثابة مغامرة كبرى لا تخلو من نشوة، وكان عند البعض الآخر خطراً يهدد بالويل الكبير، لقد وجد الإنسان الحديث نفسه في موقف مليء بالمتناقضات، وكلما ازداد سيطرة على بيئته زاد شعوراً بعجزه أمام القوى التي كان إطلاق بعضها من صنعه. وكلما زادت درايته بالعالم خارج نطاق بيئته المباشرة، قلت قدرته على التصرف المباشر إزاء كثير مما يبدو أنه يؤثر على حياته اليومية، وكلما زادت المعرفة الجديدة من تقويضها لليقينيات السابقة، وكلما غيرت القوى الاجتماعية في النظم القديمة تزايد شعور الإنسان بالحاجة إلى مصدر من مصادر الأمن والطمأنينة يقوم عنده مقام المصادر التي فقدها)) (١). إنه الإفلاس وإنها الحيرة والضياع ... !! يقول ر. بوسكيه وزميله عن مشكلة الإنسان المعاصر: "أين أنا؟ في أي عصر؟ وفي أي وضع ما زلت مشتبكاً؟ أهناك

стр. 403

ما يربطنى بالماضى والمستقبل وبالآخرين من أهل عصري؟ هل يمكن أن يجلب لي ذلك شيئاً ما؟ وبكلمة واحدة: أين مكاني؟ ". هكذا يبدو الإنسان في المجتمع المعاصر مسيراً بالبيئة التي يعيش فيها، لقد فقد أعظم نصيب من حريته الداخلية ومن إحساسه بمسئولياته، ولن تكون الإنسانية سيدة مصيرها قبل أن يظفر الإنسان بحريته الباطنة وإحساسه بمسئولياته، ولكن أهو مستطيع هذا؟ ذلك هو السؤال الذي يجب أن نضعه لأنفسنا. إن مجتمعنا منظم في مجال التقنية والاقتصاد تنظيماً عظيماً، ولكنه ليس كذلك في المجال البشري، فنحن نعيش على آراء وأخلاقيات واجتماعيات وفلسفات وسيكولوجية القرن التاسع عشر، وما زلنا كأجداد أجدادنا ... ، ومن المحتمل أننا ما زلنا نعيش على تنظيم ينتمى إلى القرن التاسع عشر ... ، لم يعد من الممكن أن نحيا في عصر الصواريخ وفق قواعد عصر الحصان ... ، ويمكن تفسير التفاوت بين التقدم الاقتصادي والتقدم الاجتماعي بسوء التكيف وسوء نظام مجتمعنا. إن التطور الاقتصادي ليترجم الاختراعات العلمية التقنية إلى ثروات جديدة، ويبدو الإنسان وكأنه يغزو شيئاً فشيئاً الكوكب الذي يعيش فوقه، عرف الطبيعة، سيطر على الطاقة؛ استغل موارد المجتمع ظاهرها وباطنها، ومع هذا لا ينتفع المجتمع كله من هذه الحركة ... ، حتى داخل البلاد الصناعية نجد غالباً نفس الفوارق حسب الأقاليم والفئات الاجتماعية، ويزيد من خطورة هذه الفوارق ازدياد الحاجات التي تثيرها أغنى الجماعات، وكذلك التقدم الفني والتنظيم التجاري، وتلك دائرة جهنمية تدل على نقص في التنظيم الاجتماعي وكفاح مرير

стр. 404

تحاول فيه كل مجموعة وكل فرد الدفاع عن مصالحه الخاصة قبل كل شيء (١). ولنستمع إلى تجربة شاب أوروبي معاصر وهو يروي معاناته ومعاناة جيله كله: "لقد تميزت العقود الأولى من القرن العشرين بالفراغ الروحي، لقد أصبحت جميع القيم الأخلاقية التي ألفتها أوروبا عدة قرون غير ذات شكل مقرر محدود، وذلك بفعل الفظائع التي كانت قد حدثت ما بين ١٩١٤ - ١٩١٨، ولم يكن يبدو أن مجموعة جديدة من القيم ستفرض نفسها، لقد كان في الجو شعور من الهشاشة والخطر وإحساس مسبق بالجيشان الاجتماعي والعقلي جعل المرء يشك فيما إذا كان من الممكن أن يكون هناك مرة أخرى استقرار في أفكار الإنسان ومساعيه، كان كل شيء يبدو كأنه يسيل في فيضان غير منتظم ولم تستطع الحيرة الروحية لدى الشباب أن تجد لنفسها موطئ قدم، وبسبب فقدان المقاييس الأخلاقية الموثوق بها لم يستطع أحد أن يقدم إلينا -نحن الشباب- أجوبة مرضية عن كثير من الأسئلة التي كانت تحيرنا، كان العلم يقول: المعرفة هي كل شيء ونسي أن المعرفة دونما هدف أخلاقي لا يمكن أن تؤدى إلا إلى الفوضى والغموض". إن المصلحين المجتمعين والثوريين والشيوعيين لم يكونوا يفكرون إلا بمقتضى ظروف خارجية اجتماعية أو اقتصادية، ومن ناحية أخرى فإن رجال الدين التقليدين لم يعرفوا شيئاً أفضل من أن يعزوا إلى إلههم صفات مقتبسة من عاداتهم الخاصة في التفكير، تلك العادات التي كانت قد أصبحت باردة لا معنى لها منذ زمن طويل.

стр. 405

وعندما رأينا نحن الشباب أن هذه الصفات الإلهية المزعومة كثيراً ما كانت تتناقض إلى أبعد الحدود، مع ما كان يجرى في العالم من حولنا، كنا نقول لأنفسنا: إن القوة الدافعة للقضاء والقدر تختلف بصورة جلية واضحة عن الصفات المعزوة إلى الله، وإذن فإن الله موجود. ولم يخطر إلا لعدد قليل جداً منا أن السبب في كل هذه الفوضى والاختلاط قد يكون مرده إلى استبداد حماة الدين الذين يزعمون أنهم هم الصالحون، والذين كانوا يزعمون أن من حقهم أن يصفوا الله، والذين بإلباسهم إياه ثيابهم الخاصة قد فصلوه عن الإنسان ومصيره. هذا التحول الأخلاقي في الفرد كان يمكن أن يؤدي إلى الفوضى الأخلاقية والشك أو إلى إيجاد ملتمس شخصي خلاق لما يمكن أن يشكل الحياة الطيبة. وفي إبان العملية العامة لانحلال المقاييس الأخلاقية الثابتة بعد الحرب العظمى زال كثير من الحواجز بين الجنسين، إن ما حدث لم يكن في اعتقادي ثورة على المحافظة التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر، بقدر ما كان ارتداداً سلبياً من واقع كانت بعض المقاييس الأخلاقية المعينة فيه أبدية غير قابلة للشك إلى حالة اجتماعية، كان كل شيء فيها مدعاة للشك، انتقال رقاص الساعة من اعتقاد الأمس المريح باستمرار تقدم الإنسان ورقيه إلى الصحو المرير، الذي دعا إليه شبنجلر إلى النسبية الأخلاقية لنيتشه، فإلى العدمية الروحية التي غذاها واحتضنها التحليليون النفسيون (١). والحق أن واقع المجتمعات اللادينية في الأرض ما يكاد يعجز

стр. 406

الإدراك عن تصور فظائعه وأهواله، وأن ما تعانيه من أزمات وتتلوى فيه من جحيم قد أعيا الفلاسفة، وأقلق بال المصلحين وروّع قلوب المشفقين، وأثار تشاؤمية الشعراء والروائيين حتى أن كثير من الناس هناك نفض يده من كل أمل في الخلاص من دائرة مستحكمة الحلقات، واستسلم إلى حلم الموت اللذيذ يتعجله بيده أو يترقبه بفارغ الصبر! وليس في استطاعتنا أن نلم أطراف الحديث عن هذا المجتمع الساقط الهابط من كل زواياه، ولكننا سنكتفي بعرض صور من مأساته من خلال مناقشة قضية واحدة من قضايا الدين والخلق، وهى في الواقع القضية الخلقية الكبرى في التاريخ.

стр. 407

نموذج واحد للمأساة! إن خير مثال يمكن أن يتخذه المرء مقياساً للمستوى الأخلاقى في أوروبا لهو قضية العرض، ومكانة المرأة في المجتمع، فقد تفاوتت هذه القضية بين تزمت الرهبانية الكنسية وانحلال الإباحية الفرويدية، واتخذت مساراً تاريخياً جديراً بالملاحظة والتتبع. كانت الكنيسة تردد ما قالته الأساطير الإغريقية من أن المرأة هي سبب الشر في الأرض، وهو ما عمقته التوراة المحرفة بجعلها المرأة سبباً في إغواء الرجل والوقوع في الخطيئة، (١) جرياً على ذلك قال أحد رجال الكنيسة لتلاميذه مرة: "إذا رأيتم امرأة فلا تحسبوا أنكم ترون كائناً بشرياً، بل ولا كائناً وحشياً، وإنما الذي ترون هو الشيطان بذاته والذي تسمعون هو صفير الثعبان" (٢).

стр. 408

وقد تكون راي ستراتشي إحدى المطالبات بحقوق المرأة فيما بين الحربين، صادقة حينما قالت عن الرهبانية: "يستفاد من النظرية التي أوصت بهذا التطاول على المرأة أن الشهوة الجنسية هي أشنع الخطايا جميعاً، وأنها كانت في الحقيقة الخطيئة التي سببت سقوط الإنسان، وأن العفة الكاملة هي أعلى مثل في الحياة وأنه يجب أن يلعن النساء لأنهن سبب الغواية، وكان يقال إن الشيطان مولع بالظهور في شكل أنثى، وأنه طالما زار النساك بهذه الصورة في كهوفهم الجبلية، وصفوة القول أن مجرد التفكير في النساء كان خطراً، وأن المرأة نفسها كان نحساً من النحوس" (١). وقد انعكس هذا المفهوم على وضع المرأة في عصر الإقطاع عامة، إذ كانت كما نقل راندال: "تربى المرأة الخادمة لتتعلم أصول حياة الزوجية فتعمل بشروط منهكة قاسية وتتغذى بلحم فج بسيط، وترتدي ثياباً رثة، وتظل تحت العبودية والرق، وإذا حملت يؤخذ الطفل من رحمها للعبودية ... ، تباع المرأة الخادمة المستعبدة وتشرى كالحيوان" (٢). لكن على الرغم من هذا، فقد كان العرض له قيمته العظمى، وكانت المحافظة عليه معيار الشرف والرجولة، أي: أنه كان هناك ارتباط تاريخي بين إهدار قيمة المرأة معنوياً واقتصادياً، وبين المحافظة الشديدة على العرض، وهي ثغرة لم تعدم من ينفذ منها فيما بعد. وبقيام الثورة الفرنسية بدأت الشرارة الأولى في القضية التي أسميت: قضية المرأة، وتعتقد راي ستراتشي أن الثورة في ظاهرها لم تفد النساء فائدة مباشرة، وترى أن فائدتها تعود إلى أن النظرية

стр. 409

المعنوية للحرية البشرية كانت قد سادت، وكان لا بد من أن تظهر دلائلها، إن عاجلاً وإن آجلاً) (١). عندئذ ظفر الهدامون ببغيتهم المنشودة، وسنحت لهم الفرصة التي طال ارتقابها، إلا أن الموضوع لم يبرز إلى حيز الواقع الملموس إلا بعد الانقلاب الصناعي الذي جر الويلات والمصائب على المجتمعات الغربية عموماً، والطبقة الدنيا خاصة، فقد استغل الرأسماليون الربويون عوز الناس والمجاعة التي اجتاحت الأسر الكادحة لتشغيل النساء في مصانعهم بأجور زهيدة، وكان النساء في مناجم الفحم يجررن العربات المحملة في دهاليز واطئة، ويحملن أثقالاً عظيمة من الفحم إلى السطح، ويرقين سلالم شديدة الانحدار أو درجاً حلزونية) (٢). وعلى الرغم من ذلك فلم يخل الأمر من فائدة نسبية للنساء الفقيرات، إذ أدى ذلك إلى تحسين نسبي في معيشتهن وإلى شيء من التعديل في القيمة المجتمعة للمرأة، وقد ركز الهدامون وأبواقهم على هذه الفائدة النسبية وأسموا هذا التحول المجتمع تحرير المرأة، وراج هذا الاصطلاح في الصحافة حتى أصبح رمزاً خداعاً للمخطط الذي كان الهدامون التلموديون يدبرونه في الخفاء، وأسهم الكتاب -على اختلاف مقاصدهم- في ترسيخ ذلك، حتى لقد قال هارولد لاسكي بعد الحرب الأولى: لم تتحرر النساء من أغلالهن إلا بعد أن جعل الانقلاب الصناعي جهودهن الاقتصادية مظهراً مألوفاً من مظاهر المجتمع، فلم يكن بد من الاعتراف بهذه الجهود، وعندئذ فتحت لهن أبواب الأعمال التي ظن الناس أن دخولهن فيها ضرب من المحال

стр. 410

وزاد عدد المختزلات وعاملات المصانع والحوانيت فأصبحت هذه الزيادة وحدها تحتم تحريرهن من القيود السياسي ة، وكان حقهم في حماية مصالحهن الاقتصادية يتضمن أن القضاء والجمعية التشريعية، بل الشرطة لم يكن يستطاع إبقاؤها مغلقة دونهن، وتجادل الناس خمسين عاماً في هذا الأمر فلم ينتبهوا إلى شيء ذي عناء حتى جاءت الحرب بضراوتها فأوضحت ما للمرأة من شأن خطير في الحياة الاقتصادية، ولم يعد في وسع الرجل الذي أشاح عن كل نداء أن يعرض عما انطوى عليه هذا المشهد الذي زادته الحرب روعة وجلالاً) (١). هكذا صور البعض ولكن الواقع كان شيئاً آخر يختلف تمام الاختلاف، مما حدا بالكثيرين إلى رفع صيحات الخطر والتحذير حتى من النساء أنفسهن: تقول الكاتبة الإنجليزية أني رود عن ذلك: "إذا اشتغلت بناتنا في البيوت خوادم أو كالخوادم خير وأخف بلاء من اشتغالهن في المعامل، حيث تصبح البنت ملوثة بأدران تذهب برونق حياتها إلى الأبد. أياليت بلادنا كبلاد المسلمين حيث فيها الحشمة والعفاف والطهارة رداء الخادمة والرقيق، اللذين يتنعمان بأرغد عيش ويعاملان معاملة أولاد رب البيت ولا يمس عرضهما بسوء، نعم إنه عار على بلاد الإنكليز أن تجعل بناتها مثلاً للرذائل بكثرة مخالطتهن للرجال، فما بالنا لا نسعى وراء ما يجعل البنت تعمل ما يوافق فطرتها الطبيعية كما قضت بذلك الديانة السماوية، وترك أعمال الرجال للرجال سلامة لشرفها" (٢). وتقول الكاتبة اللادي كوك أيضاً:

стр. 411

"إن الاختلاط يألفه الرجال، ولهذا طمعت المرأة بما يخالف فطرتها، وعلى قدر الاختلاط تكون كثرة أولاد الزنا، ولا يخفى ما في هذا من البلاء العظيم على المرأة، فيا أيها الآباء لا يغرنكم بعض دريهمات تكسبها بناتكم باشتغالهن في المعامل ونحوها، ومصيرهن إلى ما ذكرنا فعلموهن الابتعاد عن الرجال، إذ دلنا الإحصاء على أن البلاء الناتج من الزنا يعظم ويتفاقم حيث يكثر الاختلاط بين الرجال والنساء، ألم تروا أن أكثر أولاد الزنا أمهاتهن من المشتغلات في المعامل ومن الخادمات في البيوت ومن أكثر السيدات المعرضات للأنظار. ولولا الأطباء الذين يعطون الأدوية للإسقاط لرأينا أضعاف ما نرى الآن، ولقد أدت بنا الحال إلى حد من الدناءة لم يكن تصوره في الإمكان حتى أصبح رجال مقاطعات من بلادنا لا يقبلون البنت ما لم تكن مجربة، أعني عندها أولاد من الزنا، فينتفع بشغلهم وهذا غاية الهبوط في المدنية، فكم قاست هذه المرأة من مرارة الحياة حتى قدرت على كفالتهم والذي اتخذته زوجاً لها لا ينظر لهؤلاء الأطفال ولا يتعهدهم بشيء يكون ويلاه من هذه الحالة التعيسة، ترى من كان معينا لهاً في الوحم ودواره والحمل وأثقاله والفصال ومرارته" (١). وكتب أحد علماء الأخلاق قائلاً: "إن النظام الذي يقضي بتشغيل المرأة في المعامل ودور الصناعات مهما نشأ عنه من الثروة فإن نتيجته كانت هادمة لبناء الحياة المنزلية، لأنه هاجم هيكل المنزل وقوض أركان العائلة وفرق الروابط الاجتماعية، فإنه بسلبه الزوجة من زوجها صار بنوع خاص لا نتيجة له إلا تسفيه أخلاق المرأة، لأن وظيفة المرأة الحقيقية هي القيام بالواجبات المنزلية كتربيتها أولادها وترتيبها مسكنها والاقتصاد في

стр. 412

وسائل معيشتها، مع القيام بالاحتياجات العائلية، ولكن المعامل سلختها من كل هذه الواجبات، بحيث أصبحت المنازل غير منازل، وأضحت الأولاد تشب على غير التربية الحقيقية لكونها تلقى في زوايا الإهمال، وطفئت المحبة الزوجية، وخرجت المرأة عن كونها الزوجة الظريفة والقرينة المحبة للرجل، وصارت زميلته في العمل والمشاق" (١). لكن هذه التحذيرات البالغة لم تغير من الواقع شيئاً، وإنما نبهت القوى الشريرة إلى إسكات مثل تلك الاعتراضات بإيجاد البديل غير الطبيعي، فقد شيدت المحاضن ودور الرعاية لتربية أولاد الزنا، وتنوعت الأدوية المانعة من الحمل بدلاً من المسقطة للجنين، واستطاع الهدامون أن يجعلوا تعليم البنات حقيقة واقعة وهي خطوة من غير المستطاع الرجوع عنها، كما أن الأزمات الاقتصادية -التي كان لهم دور فيها- دفعت بالعجلة إلى الأمام، وأصبحت القضية الشاغلة للنساء وللكتاب النسائيين هي المطالبة بمساواة الرجل في الأجور ومناهج التعليم والمقاعد النيابية .. إلخ، وتنوسيت المشكلة الأساسية مشكلة خروجها من البيت، حتى لم تعد تجد من يتحدث عنها. وقام كتاب وصحفيون يفلسفون الواقع ويطالبون بالمزيد، فقال برتراند رسل: "إني لا أميز فرقاً البتة بين ما يسمونه الذكر وما يسمونه الأنثى، نعم يستحسن في المرأة التي سيعهد إليها بالعناية بالأطفال الصغار أن تتلقى قدراً معيناً من الإعداد المهني، لكن هذا لا يستلزم من الفروق إلا شبه ما بين الزارع والطحان، وهذا ليس أساسياً بأية حال من الأحوال، ولا يتطلب منا اعتباراً ونحن في مستوانا الحاضر" (٢).

стр. 413

وتطورت المطالب حتى أصبح الكتاب النسائيون يطالبون بالمساواة بين الرجل والمرأة في الفساد، ويصبون اللعنة على المجتمع الذي ينكر زنى الفتاة ويغض نظره عن الجريمة نفسها بالنسبة للفتى، يقول رسل أيضاً: "يجب أن يعالج الجنس من البداية كشيء طبيعى مبهج ومحتشم، وإذا أردنا أن نفعل خلاف ذلك فإننا نكون سممنا العلاقات فيما بين الرجل والمرأة وبين الآباء والأولاد". إن الفضيلة التي تستند إلى الجهل لا قيمة لها وإن الفتيات لهن نفس الحق في المعرف الجنسية كالفتيان (١). وهناك شيء أساسي في تعليم حب الجنس، فلا ينبغي اعتبار الغيرة إلحاحاً مبرراً على الحقوق، بل هي مأساة لمن يشعر بها، وهى خطأ بحق من تستهدفه (٢). ويضرب أمثلة لذلك في كتاب آخر: في ولاية نيويورك، حيث يعتبر الزنا جريمة عقوبتها السجن لم تقم حركة ذات أثر لتغيير القانون في هذا الشأن، ويقول كثير من الناس: وماذا يهم القانون إذا كان لا يطبق وأنا أعتقد أن هذه الحجة وهمية إلى حد كبير .. على الرغم من أن هذا القانون لا يطبق عادة، فإنه يمكن أن يحركه زوج تحدوه روح انتقامية (٣). ولكن الرجل الذي كان له أعظم الأثر في هدم الفضيلة، وفتح أعمق أزمة في تاريخ الأخلاق -على حد تعبير فوجيرولا (٤) هو فرويد ونظريته في التحليل النفسي يقول فلوجل: "الحق أن بعض المحللين النفسيين كانوا يؤمنون بأن الموانع التقليدية التي تفرضها

стр. 414

مستوياتنا الخلقية عبء تنوء به الطبيعة البشرية، وكان من أثر ذلك كله أن المتحمسين من غير المختصين كانوا يدعون إلى التخلي الكامل عن التحكم وفرض النظام، سواء في ميدان التعليم أو ميدان العلاقات الجنسية، أو غير ذلك من الميادين إلى درجة جعلت الآباء يخشون من ممارسة أبسط أنواع الرقابة على أبنائهم مخافة إصابتهم بالكبت أو الأمراض العصبية". ويقول: "إن التحليل النفسي بصرف النظر عن الإفراط في الحماس وسوء الفهم وسوء الاستخدام، قد ساعد -فعلاً- على تقويض أركان الأخلاق التقليدية، فلقد كشف عن شيء من السذاجة والخرق في عمل سلطات الرقابة الخلقية في الإنسان" (١). ويقول الفيلسوف جود: "ولكن مذهب التحليل النفسي قد أثر في موقف الإنسان من الاستغراق في الحاضر والاستمتاع به، وحري أن يقال: إن هذا التأثير قد أتى بصورة مباشرة من أن يقال: إنه أتى عن طريق ما بعثه من الشك في الأخلاق التقليدية وما تنطوي عليه من القيود والمحرمات، فهو بالإضافة إلى نزعة الثقة من الاتجاهات القديمة التي تنحو إلى القصد والزهد في الحياة، قد أقام مذهباً إيجابياً يحمل الناس إلى ممارسة الحاضر والانغماس في تجاربه، فلم يقتصر على القول بأن من العبث أن نحرم أنفسنا طلباً للخلاص الموعود في الآخرة، بل جعل من واجبنا أن نتلمس اللذات، ونغفل عن شئون الروح؛ فالتحليل النفسي مسئول عن هذه العقيدة الإيجابية التي تتلخص في التعبير عن النفس، فكان من تعاليم فرويد أن كبح الدوافع الغريزية وكظم الرغبات الشعورية فيه إضرار بالشخصية يتناول أسسها العميقة.

стр. 415

بل إن النزعات الطهرية التي تنحو إلى الزهد والتقشف، وترى في حرمان النفس وإنكارها أسمى الفضائل، وتلتزم بالقيود والمحظورات هي نفسها وليدة للدوافع اللاشعورية، فقد أظهر فرويد أنها نوع من التبرير يتمسك به أولئك المحرومون من لذائذ الحياة أو الذين لا يسعهم الاستمتاع بها" (١). وأثر الفرويدية في انهيار الفضيلة والدعوة إلى الإباحية أوضح من أن يذكر، ولنكتف بمثال على ذلك، وهو ما قاله أحد المؤلفين في كتاب اسمه توجيه المراهق: "ساعد التعليم المختلط بين البنين والبنات، ومعرفة الفتيات أن اشتراكهن في الألعاب الرياضية لا يعوق عملية الولادة فيما بعد، على انتشار العلاقات اليومية الطبيعية السوية بين الفتيان والفتيات، ذلك أنهم يشاهدون بعضهم بعضاً في حجر الدراسة، ويشتركون معاً في بعض الألعاب والتمثيليات، بل ويدرسون موضوعات واحدة، وهذا كله يتيح للفتيان والفتيات أن يفهم بعضهم بعضاً، وبدلاً من أن ينظر الفتيان إلى الفتيات نظرة سطحية تقوم على الإغراء الجسدي والتفاهة العقلية والجمود الروحي، فإنهم ينظرون إليهن على أنهن زميلات وصديقات، بينما تستجيب الفتيات اللاتي حسنت تربيتهن لهذا، ويستطعن أن يعرفن الفتيان معرفة تتسم بالأمانة". وتجد أن كل شيء يؤيد هذا التعارف الوثيق بين الفتيان والفتيات، فعالم اليوم يعمل فيه الرجال والنساء، ويلعبون جنباً إلى جنب، فكيف يتسنى لهم أن يفعلوا ذلك إذا قضى كل جنس زهرة شبابه في عزلة تامة عن الجنس الآخر يجتر خيالاته وأوهامه عن فروق بين الجنسين لا أساس لها من الصحة؟!

стр. 416

ولن يضيع عنصر الخيال الذي يسعى إلى توفيره الفتيان والفتيات في علاقاتهم نتيجة ما بينهم من تعارف وثيق، بل على العكس فإنه يحصنهم من الفتنة بحيث يكونون أقدر على التمييز في اختيار الشريك الذي يبحث عنه كل منهم. وقد يكون هذا السلوك نوعاً من التكييف المنحط من وجهة النظر الأخلاقية الخالصة، ولكن الشباب يستطيعون بل ويفهمون هذا النوع من أنواع السلوك الذي لا يتفق حقيقة مع مصالحهم (١). وظل هذا السعار يزداد، وظلت تلك الدعوات المحمومة تطغى على كل وسائل الثقافة والإعلام، وتهيمن على أعراف وتقاليد المجتمع حتى وصل انهيار الأخلاق والاستهانة بالفضيلة إلى حد أن أصبح الأمريكيون يعتقدون أن بقاء البنت عذراء قد يسبب الإصابة بمرض السرطان، لذلك يتخلصون من العذرية بسرعة، وأصبحت آخر صرعات الشذوذ الجنسي ممارسة الجنس مع أطفال دون سن الثالثة يتم اختطافهم من المكسيك ويباعون في الأسواق كالرقيق أو الدجاج، (٢) وأصبح طلبة المدارس الابتدائية يشاهدون عروضاً سينمائية جنسية ضمن الأنشطة الدراسية اليومية، ويحملون المخدرات الشديدة التأثير في حقائبهم الدراسية، وأضحت الخيانة الزوجية الفاحشة تقليداً شائعاً لا يستطيع أحد إنكاره، بينما يمارس البنات البغاء والعلاقات المحرمة تحت سمع وبصر الوالدين والمجتمع كأي وسيلة ترفيهية. وهاهو الواقع المحسوس في الغرب يشهد أن التدني الأخلاقي،

стр. 417

لاسيما ما يتصل بالعرض قد سفل إلى درجة من الدياثة والسخف لا نجد لها نظيراً حتى في عالم الحيوان. وقد يقول قائل: إن مسألة الأخلاق من أساسها غير معترف بها في الغرب، فلا معنى للقول: بأن المجتمع اللاديني يعيش بلا أخلاق، إذ لا ضير في نظر ذلك المجتمع، أن يقال: إنه لا أخلاق له مادام لا يرى في الأخلاق إلا القيود التي فرضتها الكنيسة أو التقاليد البالية الموروثة من العصر الزراعي. لكننا نقول: هل المسألة مسألة أخلاق تنتهك، وتقاليد تخالف فحسب؟ إن الدكتور أليكسيس كاريل يرى أن من أسباب تدهور الحضارة المعاصرة أن الناس يصادمون ما أسماه: القوانين الطبيعية التي تعني في القاموس الإسلامي سنن الله في الكون، ويقول: إنهم لم يدركوا أنهم لا يستطيعون أن يعتدوا على هذه القوانين دون أن يلاقوا جزاءهم (١). فكل مخالفة لفطرة الله التي فطر الناس عليها لا بد أن تتقاضى جزاءها من سعادة المجتمع وطمأنينته. وذلك منطوق قوله تعالى: ((فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)) وليس في تاريخ البشرية أجمع نموذج للضلال والشقاء والمعيشة الضنك يوازي النموذج الذي تقدمه الحضارة الغربية المعاصرة. لقد ضج عقلاء الغرب وجأروا بالشكوى، وحق لهم ذلك وهم يرون انهيار حضارتهم، ويشهدون مأساة مجتمعهم بأعينهم، ولم يفت بعضهم أن يدرك أن مخالفة الفطرة وتعطيل وظيفة الأمومة وخروج

стр. 418

المرأة تزاحم الرجل في معترك الحياة هي سبب فعال في هذا الانهيار السريع والشرور المجتمعة المدمرة. يقول شبنجلر في مؤلفه الشهير تدهور الحضارة الغربية: "عندما يبدأ الفكر العادي لشعب رفيع الثقافة والعلم بأن يعتبر إنجاب الأطفال هو قضية لها وجوهها المؤيدة والمناهضة، فعندئذ تكون نقط الانعطاف العظمى قد جاءت وحان أوانها، وعندما يتوجب علينا أن نقدم إطلاقاً الأسباب لقضية من قضايا الحياة، عندئذ تصبح الحياة ذاتها مشكوكاً في أمرها ومدار تساؤل ... وكما هي الحال في مدننا نحن معشر الغربيين أصبح اختيار الرجل للمرأة لا بوصفها أماً لأولاده كما هي الحال بين الفلاحين والبدائيين بل بوصفها رفيقة حياة معضلة للعقول ومشكلة، فالزواج عند أبسن يبدو على أنه الامتزاج الأرقى حيث يكون فيه كل من الفريقين حراً طليقاً .. وهكذا بمقدور شو أن يقول: إنه ما لم تفكر المرأة بأنوثتها وبواجبها إزاء زوجها وأطفالها والمجتمع والقانون وإزاء كل إنسان آخر ما عدا واجبها إزاء نفسها؛ فإنها لا تستطيع أن تحرر أنوثتها. إن المرأة الفلاحة هي أم، وإن كامل رسالتها - هذه الرسالة التي تحن إليها منذ طفولتها - إنما تحتويها تلك الكلمة أم، ولكننا نرى اليوم امرأة أبسن المرأة الرفيقة الزميلة الخدن تخرج إلينا، ونراها بطلة جميع آداب المدن العالية العظمى، ابتداء من الدراما الشمالية حتى الرواية الباريسية، فهي بدلاً من أن يكون لها أطفال لها تصادمات وتناقضات نفسية، وما الزواج غير فن من براعة هدفه تحقيق التفاهم المتبادل. وسيان أكانت القضية -قضية معارضة إنجاب الأطفال- هي قضية السيدة الأمريكية التي لن تقايض على حضور أي موسم حفلات بأي ثمن، أو قضية السيدة الباريسية التي تخشى أن يهجرها عشيقها، أو

стр. 419

قضية بطلة أبسن التي لا تنتمي إلى أحد ما عدا نفسها، فالقضية واحدة، وجميعهن ملك ذواتهن فقط، وكل واحدة منهن عاقر عقيم، وعطفاً على ما أوردت نجد الواقعة ذاتها في الإسكندرية وفي المجتمع الروماني، وبداهة في كل مجتمع متمدن آخر ... عند هذا المستوى تدخل المدنيات مرحلة من تدن وتناقض مرعبين في السكان، وتستمر هذه المرحلة قروناً من الزمن، وهنا يضمحل كامل هرم الإنسان الحضارى ويتلاشى ويزول" (١). هذا التوقع من شبنجلر ليس متشائماً كما قد يظن، بل أصبح الواقع المعاصر يدعو إلى التصديق به إلى درجة اليقين، وتلك سنة الله في خلقه ولن تجد في سنة الله تبديلاً. ولنعد إلى الوراء قرابة خمسين عاماً حيث السعير لم يتضح أواره، والبلاء لم تكتمل أطواره، لنجد كاتباً أمريكياً متفلسفاً ينادى بالويل والثبور، ويرفع عقيرته أسى للمصير المرعب الذي ينتظر أمته، نجد ول ديورانت يقول سنة (١٩٢٩م): وثقافتنا اليوم سطحية ومعرفتنا خطرة؛ لأننا أغبياء في الآلات فقراء في الأغراض، وقد ذهب اتزان العقل الذي نشأ ذات يوم من حرارة الإيمان الديني، وانتزع العلم منا الأسس المتعالية لأخلاقياتنا، ويبدو العالم كله مستغرقاً في فردية مضطربة تعكس تجزؤ خلقنا المضطرب، إننا نواجه مرة أخرى تلك المشكلة التي أقلقت بال سقراط نعني: كيف نهتدي إلى أخلاق طبيعية تحل محل الزواجر العلوية التي بطل أثرها في سلوك الناس، إننا نبدد تراثنا الاجتماعي بهذا الفساد الماجن من جهة، وبهذا الجنون الثوري من جهة أخرى، حيث نفقد الفلسفة، التي بدونها نفقد وهذه النظرة الكلية التي توحد الأغراض

стр. 420

وترتب سلم الرغبات، إننا نهجر في لحظة مثاليتنا السلمية، ونلقى بأنفسنا في هذا الانتحار الجماعي للحرب، وعندنا مائة ألف سياسي، وليس عندنا رجل حكيم واحد، إننا نطوف حول الأرض بسرعة لم يسبق لها مثيل، ولكننا لا نعرف أين نذهب، ولم نفكر في ذلك، أو هل نجد هناك السعادة الشافية لأنفسنا المضطربة؟! أو أننا نهلك أنفسنا بمعرفتنا التي أسكرتنا بخمر القوة؟! ولن ننجو منها بغير الحكمة. واختراع موانع الحمل وذيوعها هو السبب المباشر في تغيير أخلاقنا، فقد كان القانون الأخلاقي قديماً يقيد الصلة الجنسية بالزواج، لأن النكاح كان يؤدي إلى الأبوة بحيث لا يمكن الفصل بينهما، ولم يكن الوالد مسئولاً عن ولده إلا بطريق الزواج، أما اليوم فقد انحلت الرابطة بين الصلة الجنسية وبين التناسل، وخلقت موقفاً لم يكن آباؤنا يتوقعونه، لأن جميع العلاقات بين الرجل والمرأة آخذة في التغيير نتيجة هذا العامل، ويجب على القانون الأخلاقي في المستقبل أن يدخل في حسابه هذه التسهيلات الجديدة التي جاءت بها الاختراعات لتحقيق الرغبات المتأصلة. فحياة المدينة تفضي إلى كل مثبط عن الزواج، في الوقت الذي تقدم فيه إلى الناس كل باعث على الصلة الجنسية وكل سبيل يسهل أداءها، ولكن النمو الجنسي يتم مبكراً عما كان من قبل، كما يتأخر النمو الاقتصادي، فإذا كان قمع الرغبة شيئاً عملياً ومعقولاً في ظل النظام الاقتصادي الزراعي، فإنه الآن يبدو أمراً عسيراً وغير طبيعي في حضارة صناعية أجلت الزواج حتى بالنسبة للرجل، حتى لقد يصل إلى سن الثلاثين، ولا مفر من أن يأخذ الجسم في الثورة وأن تضعف القوة على ضبط النفس عما كان في الزمن القديم، وتصبح العفة التي كانت فضيلة موضعاً للسخرية، ويختفي الحياء الذي كان يضفي على الجمال جمالاً، ويفاخر الرجال بتعدد خطاياهم، وتطالب النساء بحقها في مغامرات

стр. 421

غير محدودة على قدم المساواة من الرجال، ويصبح الاتصال قبل الزواج أمراً مألوفاً، وتختفي البغايا من الشوارع بمنافسة الهاويات لا برقابة البوليس، لقد تمزقت أوصال القانون الأخلاقي الزراعي، ولم يعد العالم المدني يحكم به. ولسنا نرى مقدار الشر الاجتماعي الذي يمكن أن نجعل تأخير الزواج مسئولاً عنه، ولا في أن بعض هذا الشر يرجع إلى ما فينا من رغبة في التعدد لم تهذب، لأن الطبيعة لم تهيئنا للاقتصار على زوجة واحدة، ويرجع بعضها الآخر إلى ولاء المتزوجين الذين يؤثرون شراء متعة جنسية جديدة على الملال الذي يحسونه في حصار قلعة مستسلمة، ولكن معظم هذا الشر يرجع في أكبر الظنون في عصرنا الحاضر إلى التأجيل غير الطبيعي للحياة الزوجية، وما يحدث من إباحة بعد الزواج فهو في الغالب ثمرة التعدد قبله، وقد نحاول فهم العلل الحيوية والاجتماعية في هذه الصناعة المزدهرة، وقد نتجاوز عنها باعتبار أنها أمر لا مفر منه في عالمٍ خلقه الإنسان، وهذا هو الرأي الشائع لمعظم المفكرين في الوقت الحاضر، غير أنه من المخجل أن نرضى في سرور عن صورة نصف مليون فتاة أمريكية يقدمن أنفسهن ضحايا على مذبح الإباحية، وهي تعرض علينا في المسارح وكتب الأدب المكشوفة، تلك التي تحاول كسب المال واستثارة الرغبة الجنسية في الرجال والنساء المحرومين -وهم في حمَّى الفوضى الصناعية- من حمَّى الزواج ورعايته للصحة. ولا يقل الجانب الآخر من الصورة كآبة، لأن كل رجل يؤجل الزواج يصاحب فتيات الشوارع ممن يتسكعن في ابتذال ظاهر، ويجد الرجل بإرضاء غرائزه في هذه الفترة من التأجيل نظاماً دولياً مجهزاً بأحدث التحصينات، ومنظماً بأسمى دروب الإدارة العلمية، ويبدو أن

стр. 422

العالم قد ابتدع كل طريقة يمكن تصورها لإثارة الرغبات وإشباعها (١). وأكبر الظن أن هذا التجدد في الإقبال على اللذة قد تعاون أكثر مما نظن مع هجوم داروين على المعتقدات الدينية، وحين اكتشف الشبان والفتيات -وقد أكسبهم المال جرأة- أن الدين يشهر بملاذهم، التمسوا في العلم ألف سبب وسبب للتشهير بالدين، وأدى التزمت في حجب الحياة الجنسية والزهد فيها إلى رد فعل في الأدب وعلم النفس صوَّر الجنس مرادفاً للحياة، وقد كان علماء اللاهوت قديما يتجادلون في مسألة لمس يد الفتاة أيكون ذنبا؟ أما الآن فلنا أن ندهش ونقول: أليس من الإجرام أن نرى تلك اليد ولا نقبلها؟! لقد فقد الناس الإيمان وأخذوا يتجهون نحو الفرار من الحذر القديم إلى التجربة الطائشة. وكانت الحرب العظمى الأولى آخر عامل في هذا التغيير؛ ذلك أن الحرب قوضت تقاليد التعاون والسلام المتكونين في ظل الصناعة والتجارة، وعودت الجنود الوحشية والإباحية، حتى إذا وضعت الحرب أوزارها عاد آلاف منهم إلى بلادهم، فكانوا بؤرة للفساد الخلقي، وأدت تلك الحرب إلى رخص قيمة الحياة بكثرة ما أطاحت من رءوس، ومهدت إلى ظهور العصابات والجرائم القائمة على الاضطرابات النفسية، وحطمت الإيمان بالعناية الإلهية، وانتزعت من الضمير سند العقيدة الدينية، وبعد انتهاء معركة الخير والشر بما فيها من مثالية ووحدة، ظهر جيل مخدوع وألقى بنفسه في أحضان الاستهتار والفردية والانحلال الخلقي، وأصبحت الحكومات في واد والشعب في واد آخر، واستأنفت الطبقات الصراع فيما بينها، واستهدفت الصناعات الربح

стр. 423

بصرف النظر عن الصالح العام، وتجنب الرجال الزواج خشية المسئولية، وانتهى الأمر بالنساء إلى عبودية كاملة وإلى طفيليات فاسدة، ورأى الشباب نفسه قد منح حريات جديدة، تحميه الاختراعات من نتائج المغامرات النسائية في الماضي، وتحوطه من كل جانب ملايين المؤثرات الجنسية في الفن والحياة. حتى إذا سئمت فتاة المدينة الانتظار اندفعت إلى عالم لم يسبق له مثيل في تيار المغامرات الواهية، فهي واقعة تحت تأثير إغراء مخيف من الغزل والتسلية وهدايا من الجوارب وحفلات من الشمبانيا في نظير الاستمتاع بالمباهج الجنسية. وأخيراً تجد الرفيق الذي يطلب يدها للزواج، ويعقد عليها لا في الكنيسة، لأنهما من أحرار الفكر الذين ألحدوا عن الدين، ولم يعد للقانون الخلقي الذي ظل جاثماً على إيمانهما المهجور أثر في قلبهما، إنهما يتزوجان في قبو المكتب البلدي الذي يفوح منه عبير السياسة، ويستمعان إلى تعاويذ العمدة، إنهما لا يرتبطان بكلمة الشرف بل بعقد من المصلحة، لهما الحرية في أي وقت في التحلل منه، فلا مراسيم مهيبة ولا خطبة عظيمة ولا موسيقى رائعة ولا عمق نشوة في الانفعال، تحيل ألفاظ وعودهم إلى ذكريات لا تمحى من صفحة الذهن، ثم يقبل أحدهما صاحبه ضاحكاً، ويتوجهان إلى البيت في صخب. إنه ليس بيتاً! فليس ثمة كوخ ينتظر الترحيب بهما أنشئ وسط الحشائش النضرة والأشجار الظليلة، بل يجب أن يخفيا أنفسهما خجلاً في زنزانة سجن، ليس هذا المسكن شيئاً روحياً كالبيت الذي كان يتخذ مظهراً ويكسب روحاً قبل ذلك بعشرين عاماً، بل مجرد شيء مادي فيه من الجفاف والبرودة ما تجده في مارستان، فهو يقوم وسط الضوضاء والحجارة والحديد.

стр. 424

وتصاب المرأة بخيبة أمل، فهي لا تجد في هذا البيت شيئاً يجعل جدرانه تحتمل في الليل والنهار، ولا تلبث إلا قليلاً حتى تهجره في كل مناسبة، ولا تعود إليه إلا قبل مطلع الفجر، ويخيب أمل الرجل. ويكتشف بعد قليل أن هذه الحجرات تشبه تمام الشبه تلك التي كان يعيش فيها وهو أعزب، وأن علاقاته مع زوجته تشبه شبهاً عادياً تلك العلاقات غير البريئة التي كان يعقدها مع المستهترات من النساء. ولما كان زواجهما ليس زواجاً بالمعنى الصحيح لأنه صلة جنسية -لا رباط أبوة- فإنه يفسد لفقدانه الأساس الذي يقوم عليه ومقومات الحياة، يموت هذا الزواج لانفصاله عن الحياة وعن النوع، وينكمش الزوجان في نفسيهما وحيدين كأنهما قطعتان منفصلتان، وتنتهى الغيرية الموجودة في الحب إلى فردية يبعثها ضغط حياة المساخر، وتعود إلى الرجل رغبته الطبيعية في التنويع، حين تؤدي الألفة إلى الاستخفاف، فليس عند المرأة جديد تبذله أكثر مما بذلته. ويتوقع ديورانت آنذاك هذه الكوارث: "لا ريب أن زواج المتعة سيظفر بتأييد أكثر فأكثر، حيث لا يكون النسل مقصوداً، وسيزداد الزواج الحر مباحاً كان أم غير مباح، ومع أن حريتهما إلى جانب الرجل أميل، فسوف تعتبر المرأة هذا الزواج أقل شراً من عزلة عقيمة تقضيها في أيام لا يغازلها أحد، سينهار المستوى المزدوج، وستحث المرأة الرجل بعد تقليده في كل شيء على التجربة قبل الزواج، سينمو الطلاق وتزدحم المدن بضحايا الزيجات المحرمة، ثم يصاغ نظام الزواج بأسره في صور جديدة أكثر سماحة، وعندما يتم تصنيع المرأة ويصبح ضبط الحمل سراً شائعاً في كل طبقة يضحى الحمل أمراً عارضاً في حياة المرأة أو تحل نظم الدولة الخاصة بتربية

стр. 425

الأطفال محل عناية البيت ... وهذا كل شيء" (١). ولقد تحقق كل ما توقع وأعظم منه، ونجم عنه الشقاء المستديم للمرأة وللمجتمع كله، وأما المرأة فقد دفع بها الوضع الاجتماعي الذي لا يرحم إلى أن أصبحت تطرد من المنزل بعد سن الثامنة عشرة، لكي تبدأ في الكدح لنيل لقمة العيش، وإذا ما رغبت - أو أجبرتها الظروف - في البقاء في المنزل مع أسرتها بعد هذه السن، فإنها تدفع لوالديها إيجار غرفتها وثمن طعامها وغسيل ملابسها، بل تدفع رسماً معيناً مقابل اتصالاتها الهاتفية (٢). وإذا حظيت الطريدة بأي عمل فإنها تستشعر دوماً تهديد البطالة والأزمات الاقتصادية، وتظل خاضعة لاستغلال الرأسماليين أو عبودية الدولة -إن كانت شيوعية- ويؤدي إرهاقها المستمر وقلقها الدائم، إلى أن تفقد طبيعتها الأنثوية، وتضحى عرضة للأمراض العصبية، وفي بعض الأحيان لا تجد وسيلة للخلاص من هذا الكابوس الرهيب أفضل من الانتحار، وقد تضخمت المشكلة وتعقدت، وسرت آثارها في كيان المجتمع كله، حتى لم يعد من الممكن الرجوع إلى الحالة السوية إلا بتغيير جذري يقتضي بناء المجتمع من أساسه وهذا التغيير بعيد الاحتمال في المجتمع الغربي اللاهث نحو الهاوية، بل إن الصيحات التي يطلقها الكثيرون ممن ذاقوا مرارة التجربة من النساء والرجال لا تجد لها صدى يذكر. تقول أجاثا كريستى أشهر كاتبة إنجليزية للمؤلفات البوليسية: "إن المرأة الحديثة مغفلة؛ لأن مركزها في المجتمع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم، فنحن النساء نتصرف تصرفاً أحمق، لأننا بذلنا الجهد الكبير في
следующие страницы →