← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96612

العلمانية - نشأتها وتطورها

سفر الحوالي

Полный текст (715 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

لا تكاد جيوش الاحتلال تضع أقدامها على أرض إسلامية حتى تبادر بهذا العمل لأنهم يدركون نتائجه البالغة. وأول قطر بدأ فيه إلغاء الشريعة الإسلامية، كما يقول الأستاذ المودودي هو الهند، فحتى سنة ١٧٩١ كانت الشريعة هي القانون العام فيها، ولكن الإنجليز تتدرجوا في إلغائها حتى تم ذلك في أواسط القرن الماضي، يلي ذلك الجزائر التي بدأ إلغاء الشريعة فيها عقب الاحتلال الفرنسي سنة ١٨٣٠، ثم مصر التي أدخل إسماعيل (عميل فرنسا) القانون الفرنسي فيها ولم تأتِ سنة ١٨٨٣ حتى كان نصيب الشريعة لا يتجاوز الأحوال الشخصية إلا قليلاً. ثم تونس، حيث أدخل الفرنسيون قانونهم سنة ١٩٠٦ ليتدخل حتى في الأحوال الشخصية، وفي سنة ١٩١٣ وضعوا في المغرب قانوناً مدنياً مماثلاً لما في تونس (١). أما بلاد العراق والشام، فقد تأخرت في ذلك بسبب تبعيتها للقضاء العثماني الذي يعتمد على مجلة الأحكام العدلية، ولم تلغ الشريعة إلا بعد إلغاء الخلافة وثبوت أقدام الإنجليز والفرنسيين فيها. ٣ - القضاء على التعليم الإسلامي والأوقاف الإسلامية: أدرك المستعمرون أن أعظم وسيلة لإبعاد المسلمين عن دينهم هو أن يكونوا جهلاء به، واتعظوا بمصير (كليبر) (٢) على يد طالب الأزهر: سليمان الحلبي، وبما ذاقوه من مقاومة في الهند والمغرب تزعمها علماء الشريعة وطلابهم، فوضعوا المخططات الماكرة لتقليص التعليم الديني تدريجياً، وإحلال التعليم اللاديني محله، وأشهر هذه المخططات مخطط كرومر ودنلوب في مصر، الذي انتهج سياسة بعيدة المدى دقيقة الخطى في

стр. 527

القضاء على الأزهر ومعاهده وكتاتيب القرآن، ووضع نموذجاً خبيثاً للدس على الإسلام وتشويه تاريخه خلال المنهج التعليمي، ولا أدل على نجاح هذه الخطة من بقاء آثارها إلى اليوم في مصر والدول العربية عامة (١). وفي العراق وضع المستر كوك خطة مماثلة حولت العلماء إلى موظفين بمديرية الأوقاف، وبحجة تنظيم الأوقاف إدارياً ومنهجياً قضي على التعليم الديني الذي كان يعيش على أموال الأوقاف، بل أقفلت الجوامع التي كان القرآن يحفظ فيها (٢). وفي بلاد المغرب كان الفرنسيون يحولون الجوامع والزوايا إلى إسطبلات للخيول ومخازن للسلاح بعد طرد طلابها، في الوقت الذي كان فيه التعليم اللاديني يدعم بكل وسيلة (٣). وبلغ هذا العمل قمته بالجامعات والكليات التي بنيت في إسلامبول والقاهرة وبيروت ولاهور وغيرها، تلك التي كانت -ولا يزال ما بقي منها- لا دينية صرفة. ٤ - استخدام الطوائف غير الإسلامية وإحياؤها، وهذه الخطوة من أخبث الخطوات وأعمقها دلالة، فحيثما حل المستعمرون يقومون بنبش العقائد الميتة أو تنظيم الطوائف غير الإسلامية، ويمهدون لها السبيل لتولي المناصب المهمة، مستثيرين حقدهم على المسلمين بالزعم بأن الفتح الإسلامي كان استعماراً لهم، وأن المسلمين متعصبون ضدهم ... إلخ، ففي بلاد الشام تعهدت فرنسا بدعم النصارى وسلمتهم الوظائف العليا، ونظمت فلولهم في جمعيات ومؤسسات

стр. 528

عسكرية ومدنية، وعند إنشاء الجامعة السورية -مثلاً- عينت لها مديراً نصرانياً هو قسطنطين زريق. أما الطوائف الباطنية فقد استطاعت بواسطة المستشرقين أن تبعث عقائدها وتنشر كتبها، وسمى الفرنسيون النصيرية (علويين)، واصطنعوهم عملاء لهم وحرضوهم على الالتحاق بالجيش، حتى احتالوا قيادته العليا، وأخيراً استطاعوا أن يتحكموا في الأكثرية المسلمة، وأن ينظموا فرقاً عسكرية حديثة خاصة بهم. وفي مصر أقيمت القضية نفسها (قضية التعصب) على قدم وساق، وتحت ستار اللاتعصب واللاطائفية، مكن للأقباط من بناء الكنائس والمدارس بكثرة، وتولي المناصب الوزارية في الحكومة برعاية الإنجليز، ومعروفة سيرة الخائن يعقوب القبطي، الذي تعاون وقومه مع الفرنسيين حتى سموه: (الجنرال يعقوب)! (١) وفي معظم دول أفريقيه خرج الاستعمار مخلفاً وراءه حكومة نصرانية تحكم شعوباً تصل نسبة الإسلام في بعضها إلى (٩٩%). أما في الهند فقد تحول المسلمون فيها بعد الاستعمار من قوة حاكمة إلى أقلية ضعيفة ينهشها الإنجليز والهندوس والسيخ والبوذيون من كل جانب. وهذا غير الطوائف التي أحدثها الاستعمار لهدم العقيدة الإسلامية كالبابية والبهائية والقاديانية التي تتضح عمالتها له بمرور الأيام (٢).

стр. 529

٥ - اصطناع العملاء من أبناء المسلمين: كان من النصائح التي قدمها القسيس زويمر للمبشرين قوله: (تبشير المسلمين يجب أن يكون بواسطة رسول من أنفسهم ومن بين صفوفهم. لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أعضائها) (١). وقد نفذت هذه النصيحة في البلاد الإسلامية جميعها، واستطاع المستعمرون أن يكونوا من العناصر الضعيفة الإيمان قوىً منظمة بعضها أحزاب سياسية، وبعضها اتجاهات فكرية تربت على عين الاستعمار وسمعه، وحشيت أذهانها بما أملاه أعداء الإسلام، وظل الشعور بالنقص والتبعية للغرب هو إحساسها الدائم. واختير من تلك القوى أفراد قدر المستعمر، أنهم أفضل المطايا له، فصنع لهم بطولات ضخمة، وأثار حولهم الغبار الكثيف، حتى خيل للأمة أن على أيديهم مفتاح نهضتها وبناء مجدها، فطأطأت لهم الرأس حتى إذا تمكنوا منها أنزلوا بها من الذل والدمار وخراب العقيدة ما لم تذقه على يد أسيادهم وإن كتاب (الرجل الصنم)، (٢) الذي كتبه ضابط تركي سابق، ليقدم لنا واحداً فقط من هؤلاء الأفراد المصطنعين، نسج على منواله في عالمنا العربي كثير. وليس أدل على ذلك من أن القوى التي حكمت العالم الإسلامي بعد رحيل الاستعمار لم تكن الحركات الجهادية التي جابهت المستعمرين، بل كانت أحزاباً وقوى مشبوهة تشهد أعمالها وآثارها بأنها جنت على الأمة ما لم يجنه الأعداء السافرون، مما يعطي الدليل

стр. 530

الواضح على أن تنفيذ المخطط اليهودي قد وكل إليهم، مع اختلاف في الأدوار وتنوع في الإخراج. ٦ - تنفيذ توصيات المستشرقين والمبشرين، والإشراف على إنجاح مهامهم، وتذليل العقبات التي قد تعترض جهودهم. هذا غير الهدف الظاهر للاستعمار، وهو إذلال العالم الإسلامي، وتسخير أبنائه وثرواته لأطماع المستعمرين! ٢ - المستشرقون: المستشرقون أدمغة الحملات الصليبية الحديثة، وشياطين الغزو الثقافي للعالم الإسلامي، ظهروا في حلبة الصراع في فترة كان المسلمون فيها يعانون من الإفلاس الحضاري والخواء الروحي وفقدان الذات، مما جعل الفرصة سانحة لأولئك الأحبار الرهبان، وجنود الصليبيين الموتورين؛ كي يثأروا لهزائمهم الماضية وينفثوا أحقادهم الدفينة. واقتضت خطة وجودهم في عصر يعبد العلم ويضفي عليه قداسة الوحي في العصور السابقة، أن يخلعوا عن كواهلهم مسوح الرهبان والأحبار وسلاح الميدان، ويرتدوا لباس العلم ومسوح المعرفة، ثم جندوا آلاف المخطوطات ومئات المؤسسات الثقافية المختلفة لمعركة استئصال الإسلام، وعكفوا في صوامع البحث يديرون الصراع المرير بخبث ودهاء. وما كان ليغيب عن بالهم أن القضاء على الأشلاء الباقية من الكيان الإسلامي الضخم، وسد كل الطرق التي قد تهيئ لبعث الحياة فيها، لا تتم إلا بسلب الأمة ذاكرتها متمثلة في تراثها العظيم، وفي الوقت نفسه شن حرب نفسية شرسة لإبادة مالا يزال عالقاً في أذهان

стр. 531

المسلمين من عقائد الإسلام ومفهوماته، وإن لم تكن الإبادة التامة فلتكن الزعزعة والتفتيت. وتتلخص جهودهم العملية في هذه الفقرات التي يقتضي المقام إيجازها: ١ - الطعن في حقيقة الإسلام وحقيقة القرآن والنبوة، فقالوا عن الإسلام: إنه تطوير محرف لليهودية والنصرانية، أو هو جزء من مجموعة الأديان الشرقية تولد من احتكاك الوثنية العربية بأديان فارس والهند. وإن القرآن من وضع محمد ﷺ ، أو هو من إملاء راهب نسطوري تعلم محمد على يديه مدة طويلة في الشام!! أو هو نتف من نسخ التوراة والإنجيل المهجورة وآراء المتحنثين من العرب كورقة بن نوفل، مع اقتباسات من الحكمة الشعرية لبعض المتأملين الروحانيين كأمية بن الصلت ... إلخ، ثم قالوا: إن القرآن بعد وفاة محمد ﷺ كان موزعاً بين بعض الصحابة في العظام والجلود، وجزءٌ منه محفوظ في الصدور حفظاً غير تام ولا متناسق، وبعد سبعين سنة -أي: بعد أن تبعثرت العظام والجلود ورمت ومات الحفاظ- وجد المسلمون أن الضرورة تقتضي جمع القرآن فاجتمعوا (كما يجتمع رجال اللاهوت!) وأحضر كلٌ منهم ما كان في حوزته منه، واتفقوا على تنظيمه وتبويبه، لكنهم تشاجروا في مواضع كثيرة، وأخيراً فرضت السلطة الحاكمة نسخة معينة وأحرقت كل النسخ المخالفة بدون مبرر، ونتيجة لذلك جاءت النسخة المعتمدة غير متحدة الموضوع ولا متناسقة السياق -بالإضافة إلى كونها غير مرتبة فالسور التي وضعها أو جمعها محمد في أول ادعائه النبوة وضعت في آخرها بينما وضعت الأخيرة في أولها ... إلخ، ثم يقولون: إن اليسار الإسلامي - الشيعة والرافضة- ظل يحتفظ بنسخ أخرى تبلغ أضعاف النسخة المتداولة، التي كان يعتقد أن قسماً كبيراً منها قد فقد

стр. 532

بسبب شاة تسللت إلى موضعها فأكلت الجزء المتعلق بالخلافة والسياسة من بعد محمد!! أما نبوة محمد ﷺ فقد قالوا عن تلقى الوحي: إنه نوبات من الصرع والهستيريا، أو نوع من العبقرية الشعرية في أحسن تقدير، أو أن محمداً لم يكن إلا اللسان المعبر عن المذهب الذي كان يعتقده الراهب بحيرا (وكان يمليه عليه في الصحراء العربية، ويكتبه ثم يدعي أنه وحي من الله). وقالوا عن رسول الله ﷺ نفسه إنه كان مجهول النسب، ولذلك دعي ابن عبد الله، كعادة العرب فيمن يجهلون أباه! وأن اسمه الأصلي قثم، فلما عبده العرب سموه محمداً للتقديس، وأنه كان (حاشاه ﷺ رجلاً شهوانياً ويعاقر الخمرة ... ، بل تطرف بعض المستشرقين الشيوعيين، فقالوا إنه شخصية خيالية! أما الطعن في السنة فقالوا: إن محمداً في حياته كان يعد كل ما يتكلم به قرآناً، وبعد موته ونشوب النزاع السياسي بين المسلمين احتاجت الأطراف المتنازعة إلى تأييد آرائها، وإذ لم تجد ما تؤيدها به من القرآن نسبت كل فرقة إلى محمد أقوالاً كثيرة لصالحها، ومن مجموع هذه الأقوال كتب علماء المسلمين بعد ثلاثة قرون -أي: بعد أن يكون كل شيء قد ضاع واختلط- كتباً سميت كتب الحديث والسنة، وألزموا المسلمين بالإيمان بها كالقرآن، فاعتقدها المسلمون -باستثناء اليسار طبعاً-، وسموا أتباعها أهل السنة تمييزاً لهم عن اليساريين!! ثم يعمدون إلى النقد المفصل للسنة، فيطعنون في كبار حفاظها كأبي هريرة والزهري، ويقولون إن بعض الشخصيات كعروة بن

стр. 533

الزبير - الذي يروي عن خالته عائشة -أم المؤمنين- شخصية خيالية!! (١) ٢ - القول بأن الإسلام استنفذ أغراضه: وهي دعوى تأتي في صور شتى، منها وصف الإسلام بأنه دعوى أخلاقية، جاءت لإنقاذ المجتمع العربي من عادته السيئة، كعبادة الحجارة ووأد البنات والسلب والنهب وشرب الخمر ... إلخ. وتارة يوصف بأنه حركة اجتماعية تهدف إلى تغيير البنية الاجتماعية القبلية، والاستبدال بها تركيباً اجتماعيا قومياً متحضراً للعرب. ومرة يقال وهو خاص بالمستشرقين الشيوعيين -إن الإسلام ثورة غير ناضجة ضد الطبقة التي كانت تسود المجتمع المكي، تولدت من الصراع بين الطبقة الكادحة، مثل محمد وبلال وصهيب، والطبقة الرأسمالية أمثال الوليد بن المغيرة وأمية بن خلف. وأقوال أخرى مؤداها اعتبار الإسلام ظاهرة معينة في فترة زمنية محدودة، يجب أن يدرس وينظر إليها، كما لو كان قطعة من الأحافير القديمة لا علاقة لها مطلقاً بالواقع المعاصر. ٣ - القول بأن الإسلام طقوس وشعائر روحية، أو على أحسن الأحوال دين بالمفهوم الغربي الضيق، فلا دخل له بأمور الحكم والحياة الاجتماعية والنشاط الاقتصادي ... إلخ.

стр. 534

وقضية الخلافة بدعة لا أساس لها في الإسلام، ومحمد إنما جاء ليؤسس ديناً، ولم يكن يهدف إلى تكوين دولة .. وعندما خرجت جيوش الإسلام الأولى لم يكن هدفها إلا السيطرة على المستعمرات الرومانية الخصبة وإكراه أهلها على الإسلام، لكن العرب الفاتحين أعجبوا بالتنظيمات السياسية والإدارية التي كانت لدى الروم فاقتبسوها منهم، ثم أدخلوها في صلب عقيدتهم بغرض التلبيس على العوام وضمان استمرار نفوذهم، ومنذ ذلك الحين ظهرت البدعة القائلة إن الإسلام دين ودولة في آن واحد!! ٤ - القول بأن الفقه الإسلامي مأخوذ من القانون الروماني: وهي دعوى مركبة على الدعوى السابقة، هدفها إسقاط توحيد الألوهية من جهة، وتهوين شأن الأخذ من القوانين الوضعية من جهة أخرى، فما دام الفقه القديم مستقى من أصول أوروبية، فما المانع اليوم من الاقتباس من القوانين الأوروبية كالقانون الفرنسي أو السويسري ... إلخ. ٥ - الادعاء بأن الشريعة الإسلامية لا تتلاءم مع الحضارة: وواضح أن هذا الادعاء يقوم على استغلال الشعور بالنقص، والإحساس بالتخلف الذي وخز الأمة الإسلامية عند احتكاكها بالحضارة الأوروبية، فقالوا: إن الإسلام دين قبلي صحراوي، وشعائره وتشريعاته لا تنسجم مع الحياة العصرية المتمدنة، وكيف يصح أن يعيش الإنسان في عصر الصواريخ والطائرات على شريعة الصحراء والجمال، بل إن هذه الشريعة نفسها هي سبب التخلف وداء الشرق العضال، وأن السبيل إلى التطور والحضارة لهو نبذ محمد وكتابه. ٦ - الدعوى إلى نبذ اللغة العربية، وهجر حروفها وأساليبها: وهي دعوى موازية للدعوى السالفة، وتحتج بالحجة نفسها -عدم

стр. 535

ملاءمتها للحضارة -وغرضها مسخ الأمة وقطع صلتها بدينها نهائياً، ومنها تفرع القول: بأن النحو العربي غير علمي، وافتعال التضاد بين قواعد النحو واللغة وبين أساليب القرآن بقصد هدم الاثنين. والزعم بأن الشعر الجاهلي، وكثيراً من شعر صدر الإسلام منحول، لأن اللغة والتفسير يستمدان الشواهد منه. ٧ - إثارة ما سمي: (قضية تحرير المرأة): وهي دعوى ركز عليها أولئك، لعلمهم بنتائجها المتعددة التي منها: الطعن في الشريعة ذاتها لأنها سبب احتقار المرأة -بزعمهم-، ونشر الإباحية والانحلال في المجتمع الإسلامي، والقضاء على الأسرة الذي يؤدي إلى تجهيل النشء بدينه، ويتيح لهم الفرصة لتربية أبناء الإسلام كما يشاءون فقالوا: إن الإسلام يحتقر المرأة لذاتها، ولا يجعل لها قيمة معنوية سوى الاستمتاع المجرد، وأنه يبيح بيع وشراء وسبي النساء، وأنه يوجب على المرأة أن تعيش وتموت جاهلة مهملة بما يفرض عليها من الحجاب، ويعد حقها في الترفيه والاستمتاع عاراً شنيعاً، في حين يتاح للرجل كل وسائل اللذة بالتسري وغيره ... ومزاعم أخرى كثيرة كان الواقع السيئ يمدهم بأدلتها، ويسهل لهم إثارتها. ٨ - تهوين شأن الحضارة الإسلامية، وتشويه تاريخها: يزعم المستشرقون أن أعظم مآثر المسلمين الحضارية هو نقل التراث اليوناني -نقله فقط وحفظه من الضياع - وأن روائعهم العمرانية مقتبسة من الفن البيزنطي ... إلخ، أما تشويه التاريخ الإسلامي فلم يدعوا وسيلة لذلك إلا سلكوها، حتى سلبوه كل فضائله، وحصروه في الناحية السياسية؛ ليصبح سلسلة من المشاحنات والمؤامرات والدسائس، ثم كرسوا الحديث عن الحكام في موضوعات الحريم والجواري والشعراء،

стр. 536

وعمدوا إلى عظمائه في الحرب والسلم، فوصفوهم بالجمود والتزمت ومعاداة التحضر، واتخذوا من الخزعبلات المدسوسة في التراث مصادر لتشويه سيرهم، ومن هنا بذلوا جهودهم لترجمة ونشر تلك الخزعبلات ومنح الدرجات العليا للباحثين فيها، وكانت ثمرة ذلك كله أن مفهوم الحضارة الإسلامية لا يتجاوز عند غالبية المثقفين معنى كلمة (فولكلور). ٩ - بعث الحركات الهدامة والطوائف الضالة وتضخيم أدوارها: هذا العمل جزء من تشويه تاريخ الإسلام، إلا أنه استأثر باهتمام بالغ منهم، لأنه يحقق أغراضاً كثيرة في آن واحد، فقد حرصوا على تجديد الغزو الفكري البائد، الذي نظمته الطوائف والفرق المنحرفة كالباطنية بفروعها المتعددة من إسماعيلية وقرامطة وبابكية، والعبيديين المسمين فاطميين والزنج أًصحاب الثورة المعروفة، والدروز، والمتصوفون وفرقهم، مع العناية الخاصة بالشخصيات الضالة كالحلاج وعبد الله بن سبأ وعبد الله بن ميمون القداح والحاكم العبيدي .. الخ، هذا غير الفرق التي أحدثت للغرض نفسه كالقاديانية والبابية وفروعهما. ١٠ - نبش الحضارات القديمة وإحياء معارفها: تخصص عدد من المستشرقين في هذا المضمار، فعكفوا على دراسة اللغات البائدة والتنقيب عن آثار الغابرين، ولفقوا من رفات هش ما أسموه التاريخ الحضاري للعرب، ثم مدوا آثار تلك الحضارات إلى العصر الحاضر، فبدا الفتح الإسلامي وحضارته نشازاً في هذه السلسلة، أو في أحسن الأحوال عاملاً من بين عوامل عدة. ومن أمثلة ذلك بعث الفرعونية في مصر والفينيقية والآشورية في الهلال الخصيب والحميرية في اليمن، واختلقوا القومية الطورانية لحساب الجمعيات السرية التركية -كما

стр. 537

سيأتي- ونجم عن ذلك نتائج خطيرة، منها: تحسين سمعة الجاهلية وتمجيد طواغيتها الغابرين، وبث النعرات الانفصالية، وقطع صلة الأمة بماضيها الحقيقي، أو على الأقل إشغالها عنه، وتهيئة النفوس لتقبل إمكان قيام الحياة المتحضرة بدون الإسلام كما عاشت تلك الحضارات قبله. ١١ - وضع منهج لاديني للبحث العلمي: لو لم يكن من ثمرة جهودهم إلا ذلك لكفى، فإن جامعات العالم الإسلامي المعاصرة تدرس التراث الإسلامي وفق ذلك المنهج الذي يتمسح بالموضوعية والحياد العلمي، وهو أبعد ما يكون عنهما، ومن أوضح وأقرب الأمثلة على ذلك ما نلحظه في كتابات كثير من الباحثين المسلمين، من إصرار على استعمال عبارة (قال القرآن) عند إيراد الآيات احترازاً من قول: (قال الله) وإطلاق لفظة (محمد) تماماً كما يستعملها المستشرقون بدون ذكر الرسالة أو الصلاة عليه ﷺ . ومع كون هذا المنهج لادينياً فهو في الوقت نفسه غير علمي، لأنه غالباً يدور على هذه الأسس: ١ - يعمل المستشرقون على إخضاع النصوص الفكرية التي يفرضونها حسب أهوائهم، والتحكم فيما يرفضونه من النصوص، وكثيراً ما يحرفون النص تحريفاً مقصوداً، ويقعون في سوء الفهم، -وعن عمد أحياناً- حين لا يجدون مجالاً للتحريف. ٢ - يتحكم المستشرقون في المصادر التي يختارونها، فهم ينقلون من كتب الأدب ما يحكمون به في تاريخ الحديث النبوي، ومن كتب التاريخ ما يحكمون به في تاريخ الفقه، ويصححون ما ينقله الدميري في كتاب (الحيوان)، ويكذبون ما يرويه الإمام مالك في

стр. 538

الموطأ) (١) ويهاجمون صحيح البخاري، ويمجدون كتاب الأغاني، وألف ليلة وليلة. وعلى الرغم من ذلك، سرت عدوى هذا المنهج في أبناء المسلمين إلى حد يثير الريبة والعجب، وقبل أن نختتم الكلام عن أساليب المستشرقين ينبغى أن نشير إلى أن أعمالهم تسير وفق خطة مدروسة، ولذلك فهي تتغير تبعاً لمقتضيات التغير بعد تقييم نتائج المرحلة السابقة، ولذا فلا غرابة أن تختفي من كتبهم الأساليب الاستفزازية والطعن المكشوف، إذ يبدو أن خطة (احتواء الفكر الإسلامي) هي المعمول بها حالياً. وأياً ما كانت النتائج، فإن ما اضطلع به هؤلاء من مهمة تدمير المقومات الإسلامية، وتمهيد الأرضية الفكرية التي تقوم عليها الحياة اللادينية في الشرق قد آتى أكله في أكثر من ميدان. ٣ - المبشرون: كما أن للمستشرقين والمبشرين أهدافاً مشتركة، فإن لهم وسائل متداخلة، ويمكن القول بأن ميدان المستشرقين الأساسي هو الثقافة والفكر، بينما يركز المبشرون جهودهم في النواحي الاجتماعية والتربوية. وليس غريباً أن يجهل المسلمون الدوافع الحقيقية للتبشير، فقد كان يجهلها بعض أتباع الإرساليات التبشيرية أنفسهم، إذ لم يكن الجميع يدركون أبعاد الخطة الجديدة ومراميها، بل كانت العقلية الصليبية التي استثيروا بها من بلادهم لا توحي لهم بكل ذلك.

стр. 539

وهذا ما اضطر القس زويمر -رئيس مؤتمر القدس التبشيري- إلى إيضاح ذلك فقال: "أيها الإخوان الأبطال، والزملاء الذين كتب الله لهم الجهاد في سبيل المسيحية واستعمارها لبلاد الإسلام، فأحاطتهم عناية الرب بالتوفيق، الجليل المقدس، لقد أديتم الرسالة التي نيطت بكم أحسن الأداء، ووفقتم لها أسمى التوفيق وإن كان يخيل إليّ أنه مع إتمامكم العمل على أكمل الوجوه لم يفطن بعضكم إلى الغاية الأساسية منه) (إني أقركم على أن الذين أدخلوا من المسلمين في حظيرة المسيحية لم يكونوا مسلمين حقيقيين، لقد كانوا كما قلتم (أحد ثلاثة: إما صغير لم يكن له من أهله من يعرفه ما هو الإسلام، أو رجل مستخف بالأديان لا يبغي غير الحصول على قوته، وقد اشتد به الفقر وعزت عليه لقمة العيش، وآخر يبغي الوصول إلى غاية من الغايات الشخصية، ولكن مهمة التبشير التي قد ندبتكم دول المسيحية بها في البلاد المحمدية، ليست هي إدخال المسلمين في المسيحية، فإن في هذا هداية لهم وتكريماً! وإنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله، وبالتالي لا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها، وبذلك تكونون أنتم بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية، وهذا ما قمتم به في خلال الأعوام السالفة خير قيام، وهذا ما أهنئكم عليه وتهنئكم دول المسيحية والمسيحيون جميعاً كل التهنئة، لقد قبضنا -أيها الإخوان- في هذه الحقبة من الدهر من ثلث القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية، ونشرنا في تلك الربوع مكامن التبشير والكنائس والجمعيات والمدارس المسيحية الكثيرة، التي تهيمن عليها الدول الأوروبية والأمريكية،

стр. 540

والفضل إليكم وحدكم -أيها الزملاء- أنكم أعددتم بوسائلكم جميع العقول في الممالك الإسلامية إلى قبول السير في الطريق الذي مهدتم له كل التمهيد. إنكم أعددتم نشئاً (في بلاد المسلمين) لا يعرف الصلة بالله ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من الإسلام ولم تدخلوه في المسيحية، وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقاً لما أراده الاستعمار المسيحي، لا يهتم بالعظائم ويحب الراحة والكسل ولا يصرف همه في دنياه إلا في الشهوات، فإذا تعلم فللشهوات وإذا جمع المال فللشهوات وإن تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات يجود بكل شيء، إن مهمتكم تمت على أكمل الوجوه وانتهيتم إلى خير النتائج وباركتكم المسيحية، ورضي عنكم الاستعمار، فاستمروا في أداء رسالتكم، فقد أصبحتم بفضل جهادكم المبارك موضوع بركات الرب" (١). أما الوسائل المستخدمة لذلك فهي كثيرة، نذكر منها: ١ - إدخال من استطاعوا من المسلمين في الديانة النصرانية، وهذا وإن لم يكن الغاية الأساسية -كما قال زويمر- فهو يؤدي إلى زعزعة إيمان الآخرين وتثبيط هممهم، والواقع أن الكنائس النصرانية تغتبط بذلك جداً، لأنه أخذ بالثأر من الإسلام الذي اجتاح ديارها قديماً، كما أنه نوع من التعويض الآيس للخسارة الفادحة التي أنزلتها أوروبا الحديثة بالمسيحية. ٢ - فتح المحاضن والمدارس والكليات والجامعات في أنحاء العالم الإسلامي: ولو أننا أخذنا مثالاً على ذلك أفريقيه وحدها، فسوف

стр. 541

نجد أرقاماً مذهلة للمراكز التعليمية فيها: فهناك معاهد تعليمية يبلغ عددها (١٦.٦٧١) معهداً، أما الكليات والجامعات فتبلغ ٥٠٠ كلية وجامعة، ويبلغ عدد المدارس اللاهوتية لتخريج القسس والرهبان والمبشرين (٤٨٩) مدرسة، أما رياض الأطفال فيتجاوز عددها (١١١٣) روضة. ويبلغ عدد أبناء المسلمين الذين يشرف على تعليمهم وتربيتهم وتوجيههم أكثر من خمسة ملايين (١). ٣ - تحطيم عقيدة الولاء والبراء: تلك التي تمثل حاجزاً نفسيا منيعاً في نفوس المسلمين تجاه الكفار، وذلك بإخفاء الدوافع التبشيرية تحت ستار المساعدات الإنسانية، فقدموا المعونات الطبية والغذائية، وأدخلوا بعض وسائل المدنية مستغلين واقع المسلمين الذي هو أحوج ما يكون إلى مثل هذه المعونات والوسائل، وقد ركز المبشرون اهتمامهم في السنوات الأخيرة على أندونيسيا وبنغلادش، كما ابتدءوا في اليمن بنشاط مستغلين الفقر الذي يعم هذه الدول. ٤ - الاهتمام بإفساد الريف الإسلامي: إن جهود المستشرقين -مهما عظمت- تظل محصورة في نطاق الثقافة والمثقفين، ولذلك اهتم المبشرون، بالريف الذي يتميز بمحافظته على التقاليد الإسلامية، مما يجعله أقل تقبلاً للإفساد، إلا أن تفشي الجهل والمرض وغلبة العوز على أبنائه يتيح لهم مناخاً مناسباً، فأنشئوا المراكز الاجتماعية والصحية والمهنية، وأسسوا المدارس والمحاضن المختلفة، ونظموا برامج توطين البدو ومحو الأمية بين الكبار بهدف النفاذ إلى عقول أكبر قدر ممكن من طبقات وقطاعات الشعب.

стр. 542

٥ - التركيز على إفساد المرأة المسلمة: رأى المبشرون أن حجاب المرأة المسلمة يقف سداً منيعاً دون إفسادها، وبالتالي إفساد الأجيال المؤمنة، فبذلوا كل جهودهم لإخراجها من حرزها الذي لم يستطيعوا اقتحامه عليها، ولا شيء يعدل التعليم في ذلك. ولهذا قالت إحدى المبشرات: "في صفوف كلية البنات في القاهرة بنات آباؤهن باشاوات وبكوات، وليس ثمة مكان آخر يمكن أن يجتمع فيه مثل هذا العدد من البنات المسلمات تحت النفوذ المسيحي، وليس ثمة طريق إلى حصن الإسلام أقصر مسافة من هذه المدرسة" (١). كما سخروا أجهزة الإعلام المختلفة وأنشئوا مراكز الفساد تحت ستار الترفيه أو الفنون للغرض نفسه. ٦ - السيطرة على وسائل التربية والإعلام والتوجيه، واستخدامها لنشر سمومهم، وتوهين العقيدة الإسلامية في النفوس، وعرض الشبهات حول كمال وصلاحية الشريعة، أو على الأقل الانحراف بهذه الوسائل عن مقاصدها الصحيحة إلى العبث واللهو، مع صرف العناية إلى الأطفال والنفاذ إلى عقولهم من خلال تلك الوسائل. ٧ - تشجيع تحديد النسل: تلك البدعة التي لم يعرفها المسلمون قبل قدوم هؤلاء، وهي جزء من مخطط الغرب الرامي إلى ضمان سيطرته على الأجناس غير البيضاء والمسلمين بصفة خاصة، لأنهم -مع كونهم عدوه الألد- أكثر أمم الأرض تناسلاً، والإيحاء المستمر لهم بأن سبب الضائقات الاقتصادية ينحصر في زيادة نسبة

стр. 543

المواليد، هذا في الوقت الذي يشجع فيه المبشرون الطوائف غير الإسلامية كالأقباط والموارنة على الإكثار من النسل. ٨ - استهلاك جهود العلماء والدعاة في مقاومة أفكار التبشير مما يضيق عليهم الفرصة للعمل والبناء، ويعطل جهودهم المثمرة. ٩ - مراقبة العالم الإسلامي والتجسس عليه، وجس نبض الأمة ورصد الحركات الإسلامية، وقد ثبتت صلة الإرساليات التبشيرية بدوائر الاستخبارات الدولية، وهذا هو المفروض والمتوقع ما دامت الغاية واحدة. ٤ - نصارى العرب: ليس غريباً أن يكون أول من دعا إلى العلمانية بشعارها الصريح، أو تحت أسماء أخرى كالقومية والوطنية هم نصارى الشرق، فإن الحياة المطمئنة التي كفلها لهم المجتمع الإسلامي -بل المحاباة الزائدة في الكثير من الأحيان- لم تكن لتطفئ نار الحقد المتأججة في صدورهم، وإذ كانوا يدركون أن هيمنة الشريعة الإسلامية هي العائق الأكبر لشفاء غيظهم ونفث أحقادهم، فقد استماتوا في سبيل إنهاء هذه الهيمنة وإحلال الأنظمة اللادينية محلها، وانطلاقاً من ذلك وجد المخطط اليهودي الصليبي فيهم بغيته المنشودة لهدم الخلافة الإسلامية، وبالتالي القضاء على الحكم الإسلامي بعزل الشريعة عن ميدان الحياة، وتوجيه المجتمع (راجع البند الثالث من مخطط لويس التاسع). ولم يكن يخفى على هؤلاء ما ألحقته العلمانية بدينهم في أوروبا، بل إن ذلك هو الدافع للمناداة بها في الشرق لكي تقضي على الإسلام أيضاً.

стр. 544

صحيح أن انتشار العلمانية سوف يؤثر على النصرانية -أيضاً- مهما بذلت الاحتياطات، ولكن ما دامت تقضي على الإسلام فلا بأس على حد قول الشاعر: اقتلوني ومالكاً واقتلوا مالكاً معي وجهود نصارى الشرق في هذا المضمار كثيرة لا يتسع المجال لتفصيلها، ولكن يمكن تقسيمها قسمين: ١ - الأعمال السياسية: وقد كانوا على صلة وثيقة بالجمعيات الهدامة في الغرب وشبكات الجاسوسية العالمية. ولذلك كونوا الجمعيات السرية التي تناهض الخلافة الإسلامية، وتدعو إلى حكومة لادينية وطنية أو قومية، من هذه الجمعيات: جمعية بيروت فارس نمر، وجامعة الوطن العربي (نجيب عازوري) والجمعية القحطانية، وجمعية العربية الفتاة، ثم الحزب القومي السوري (أنطوان سعادة) -وأخيراً- حزب البعث (ميشيل عفلق) (١). ٢ - الأعمال الفكرية: كان هؤلاء أول من نشر الثقافة والفكر الغربيين مستخدمين الوسائل الحديثة لا سيما الصحافة، فأصدروا صحفاً كثيرة منها: الجنان والمقتطف والهلال، وكان محرورها أمثال نصيف اليازجي ويعقوب صروف وجرجي زيدان يمثلون طلائع اللادينية في الشرق الإسلامي. واتجه قسم منهم إلى التراث والتأليف الموسوعى اتجاهاً يشابه طريقة المستشرقين، فألفوا المعاجم اللغوية والقواميس للترجمة وبعض

стр. 545

الموسوعات والبحوث، ومن هؤلاء أحمد فارس الشدياق (١) وبطرس البستاني ولويس شيخو. وبعضهم انكب على الفلسفات العربية فنشر مؤلفاتها، ومجد زعمائها ودعا العرب إلى اعتناقها وإقامة حياتهم على أسسها، من هؤلاء شبلي شميل الداروسي-المتطرف- وسلامة موسى. كما ظهر منهم شعراء أذكوا بشعرهم الحماسي القومي ضد الإسلام مثل: إبراهيم اليازجي وبشارة الخوري والشاعر القروي وشعراء المهجر. ويعترف ألبرت حوراني بأنه (قد نادى بفكرة مجتمع قومي علماني فريق من الكتاب المسيحين (٢) السوريين، وينقل عن أحدهم شبلي شميل الدارويني قوله: "ليس الحكم الديني والحكم الاستبدادي فاسدين فحسب، بل هما غير طبيعيين وغير صحيحين، فالحكم الديني يرفع بعض الناس فوق سواهم، ويستخدم السلطة لمنع نمو العقل البشرى نمواً صحيحاً ... وهما يشجعان العقل على البقاء في حالة الجمود، وبذلك يعرقلان التقدم التدريجي الذي هو ناموس الكون، لكن بالإمكان تصور نظام للشرائع والحكم يقوم على نواميس الكون، ويسمح بالتالي لتطور النمو الكوني أن يستمر، وللإنسان أن يعيش وفقاً لطبيعته) إلى أن يقول: (والأمم تقوى بمقدار ما يضعف الدين، فهذه أوروبا لم تصبح قوية ومتمدنة فعلاً إلا عندما حطم الإصلاح والثورة الفرنسية سلطة

стр. 546

الاكليروس على المجتمع وهذا يصح أيضاً على المجتمعات الإسلامية" (١). ويتحدث عن فرح أنطوان فيقول: (كان هدفه السياسي شبيهاً بهدف الشميل وسواه من كتاب عصره اللبنانيين، ذلك أنه توخى وضع أسس دولة علمانية يشترك فيها المسلمون والمسيحيون على قدم المساواة التامة) وينقل عنه قوله: (إن العالم قد تغير، فالدول الحديثة لم تعد قائمة على الدين، بل على أمرين: الوحدة الوطنية وتقنيات العلم الحديث). وقوله: "أما في العصر الحديث فالوحدة تتم بخلق الولاء القومي، والفصل بين السلطة الدينية والسلطة المدنية" (٢). وصدر مثل هذه الدعاوى عن معظم الكتاب والصحفيين النصارى، وبإمكان المرء أن يلمس شيئاً من ذلك في أي كتاب لسلامة موسى، أو مقال لأمير قطر -مثلاً-. أما الجمعيات والأحزاب السياسية فغير خافٍ ما تقوم عليه أسسها وشعاراتها من تنكر للإسلام، ودعوة صريحة إلى اللادينية. وقد اتخذت النظمة المعادية للإسلام من الأقليات النصرانية ذريعة لرفع الشعار العلماني الدين لله والوطن للجميع، (٣) ومنع تطبيق الشريعة الإسلامية. هذه هي المعالم الرئيسية للمخطط اليهودي الصليبي، وهو بلا شك مخطط ذكي خبيث يملك من وسائل التأثير وفرص العلم ما يفوق

стр. 547

به الحملات الصليبية السالفة، فهو فكر تدعمه القوة، وحضارة يمدها العلم، ونضال يحكمه النظام. غير أن ذلك كله لا يعني أن نلقي عليه تبعاتنا وننسب إليه انهيارنا كأنما هو قوة اسطورية اجتاحنا بغتة دون أن نستطيع لدفعها يداً. إننا -كما سبق- لم نؤت إلا من قبل أنفسنا، وما عوقبنا إلا بما كسبت أيدينا، نحن الذين أعطينا الكفار الفرصة ليخططوا ضدنا، وأسهمنا بعللنا وأدوائنا في إنجاح مخططاتهم، إن الله تعالى يقول ((وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً)) [آل عمران:١٢٠]، فلولا إفلاسنا من الصبر والتقوى، بل ومن الإيمان والتصور السليم ما كان لهذه المخططات من أثر، وإن كان فهو كالجرح الذي سرعان ما يندمل أو الإغفاءة تعقبها الوثبة. وحين نقول: إننا كنا مسلمين حقيقيين، حتى جاء الكفار، فأفسدوا علينا ديننا ودنيانا، فإننا لا نكون مخطئين في تصورنا فحسب، بل نكون قد قطعنا على أنفسنا الطريق الصحيح للعودة، ذلك الطريق الذي يبدأ أساساً من معرفتنا بأننا كنا منحرفين، وفهمنا لأسباب ومظاهر الانحراف والاستقامة. وسوف نرى مصداق ذلك في الفصل التالي، حيث نعرض مظاهر العلمانية في العالم الإسلامي، وسيتضح من خلال العرض أن تلك المظاهر ما كانت لتوجد، لولا العوامل الذاتية الكامنة في أنفسنا ومجتمعاتنا.

стр. 548

- الفصل الثاني: مظاهر العلمانية في الحياة الإسلامية: أولاً: في الحكم والتشريع: روى الإمام أحمد أن رسول الله ﷺ قال: ﴿لينقضن الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة يتشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة﴾. ولقد بدأ الانحراف في تصرفات الحكام المسلمين قديماً، غير أن النقض الواعي لهذه العروة لم يظهر إلا في العصر الحديث، حين بلغ المسلمون قرارة الضعف وغاية التدهور، كان الإسلام طيلة القرون السابقة أعمق في النفوس من أن يستبدل به أي منهج آخر، وكانت الجاهلية أحقر من أن تطاوله أو تطمع في أبنائه. غير أن الحال في العصر الحديث قد انعكس تماماً، فلم يبق من الإسلام -واقعياً - إلا تلك التصورات الخاطئة التي سلف الحديث عنها، وفي الوقت نفسه كانت الجاهلية الأوروبية المنتفشة تتولى قيادة الفكر البشري وتوجيه الحضارة الإنسانية، ونتيجة لهذا الوضع المزدوج تسربت العلمانية إلى العالم الإسلامي، وانتقضت تلك العروة الكبرى. فمن الوجهة السياسية لم يكن في العالم الإسلامي شيء يمكن أن

стр. 549

يسمى الوعي السياسي، بل كان الأمر متروكاً لأهواء الحاكم حتى أن الوصف الذي يطلقه بعض الباحثين الغربيين على حال المسلمين في القرن الماضي - رغم ما فيه من مبالغة - ليس بعيداً عن الصحة، ومن ذلك قول أحدهم: "قد كتبت شريعة موجزة في جبهة كل شرقي، شريعة ليس لها مثيل في الوصايا الأوروبية العشر، وهي: عليك أيها الرجل الشرقي أن تحل الرجل الذي يقيمه الله عليك ملكاً وتقدسه وتعبده، فإذا أحبك فأحبه، وإذا استلب أموالك ومتاعك واضطهدك شر اضطهاد فأحبه على ذلك أيضاً، وإياك أن تحول عن هذا له، لأنه سيدك وأنت عبده ومولاك المتصرف بك تصرف صاحب الأمانة في أمانته" (١). ومن الوجهة التشريعية كان القضاء -غير المنظم- في العالم الإسلامي يعتمد على الشروح والحواشي والمختصرات المتأخرة التي كانت أقرب إلى الطلاسم والمعميات إلى حد جعل الذين يفقهونها - لا سيما مع الركود العلمي العام - قلة ضئيلة، ثم إنها في الحقيقة لم تكن المصدر الوحيد للتشريع، فبجانبها كانت أهواء ذوي السلطة وأعراف المجتمع وتقاليد القبيلة ... إلخ. وإذ كان سبب هذا الواقع المؤلم هو - كما سبق - الانحراف في تصور الإسلام وفهمه، وبالتالي في تطبيقه وتحكيمه، فقد كان الحل الوحيد الصحيح للمشكلة هو العودة إلى الإسلام إيماناً جازماً وعقيدةً خالصةً وتطبيقاً كاملاً. لكن هذه العودة لم تقع، بل كان انحراف أخطر وأعظم أنتجه الشق الثاني من الأزمة وهو تفوق الجاهلية وسيطرتها العامة.

стр. 550

هذا التفوق وتلك السيطرة كانا دون شك مذهلين في كل ميدان، ولكن المسلمين - المتخلفين فهما وواقعاً - رأوهما أعظم بكثير جداً من حقيقتهما إلى حد أن الصدمة النفسية التي حاقت بالأمة الإسلامية احتاجت إلى عشرات السنين لتخفيف آثارها، وإلى الكثير من المحاولات والتجارب المتدرجة. وفي النماذج التي سيقت سلفاً عن إمكان تقبل المسلمين الذاتي للعلمانية ما يوضح هذه الحقيقة. ومن أهم القضايا التي يجدر الانتباه إليها أن الانحراف غير المقصود ابتدأ من منطلق التخلص من جمود الفقه الإسلامي أمام التغيرات الحيوية الجديدة، ومن توهم المسلمين بأن سبب تخلفهم هو عجزهم التنظيمي والإداري، وأن محاكاة أساليب الحياة الغربية جديرة بالقضاء على ذلك التخلف، وعلى هذا الأساس قامت الحركة المسماة حركة الإصلاح في جناحي العالم الإسلامي تركية ومصر. في تركية: في سنة ١٢٥٥هـ١٨٣٩م أصدر السلطان عبد الحميد مرسومه الشهير: "لا يخفى على عموم الناس أن دولتنا العلية منذ مبدأ ظهورها وهي جارية على رعاية الأحكام القرآنية الجليلة والقوانين الشرعية المنيفة بتمامها، ولذا كانت قوة ومكانة سلطتنا السنية ورفاهية وعمارية أهاليها وصلت حد الغاية، وقد انعكس الأمر منذ ١٥٠ سنة بسبب عدم الانقياد والامتثال للشرع الشريف ولا للقوانين المنيفة بناء على طرو الكوارث المتعاقبة والأسباب المتنوعة، فتبدلت قوتها بالضعف وثروتها بالفقر .. واعتماداً على المعونة الإلهية ... قد رؤي من الآن فصاعداً أهمية لزوم وضع وتأسيس قوانين جديدة تتحسن بها إدارة ممالك دولتنا العلية المحروسة، والمواد الأساسية لهذه القوانين هي عبارة

стр. 551

عن الأمن على الأرواح وحفظ العرض والناموس والمال وتعيين الخراج وهيئة طلب العساكر للخدمة ومدة استخدامهم" (١). والحق أن الإصلاح كان ضرورياً جداً، وليس لأحد أن يعترض على الفكرة في ذاتها، ولكن ما صاحبها من سوء الفهم وغبش التصور بالإضافة إلى مرونة الاصطلاح وسعة مدللاته، كل ذلك أدى آخر الأمر إلى سحق الشريعة الإسلامية بكاملها تحت شعار الإصلاح نفسه، وهو ما فعله أتاتورك. وفي استطاعتنا أن نلحظ ذلك من أول الطريق بمطالعة تقرير اللجنة المشكلة لدراسة الحالة التشريعية في البلاد والتي انبثق عنها إخراج مجلة الأحكام العدلية: "لا يخفي على حضرة الصدر العالي أن الجهة التي تتعلق بأمر الدنيا من علم الفقه كما أنها تنقسم إلى مناكحات ومعاملات وعقوبة، كذلك القوانين السياسية للأمم المتمدنة تنقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة (!) ويسمى قسم المعاملات منها القانون المدني (!) لكنه لما زاد اتساع المعاملات التجارية في هذه الأعصار مست الحاجة إلى استثناء كثير من المعاملات كالسفتجة التي يسمونها حوالة، وكأحكام الإفلاس وغيرهما من القانون الأصلي ووضع لهذه المستثنيات قانون مخصوص يسمى قانون التجارة" (٢). هكذا كانت الثلمة الأولى في الشريعة متمثلة في قانون التجارة، والمصيبة الكبرى هي الأساس الفكري الذي بني عليه القانون وهو

стр. 552

اعتباره جزءاً من القانون المدني الذي هو بعينه ما يسمى في الاصطلاح الفقهي المعاملات (١). ثم تلك الفكرة الدخيلة: مقارنة الإسلام بالأنظمة الكافرة واعتبار أممها متمدنة! هذه السذاجة والغفلة عند منفذي الإصلاح الأوائل أصبحت عند الشباب التركي الدارس في أوروبا فكرة واعية ومبدأ مرسوماً، ومن ثم استبد أولئك المثقفون ثقافة غربية بمسمى الاصلاح، وحددوا مواصفاته الخاصة التي ترمي في النهاية إلى نبذ الإسلام والتمسك بركاب أوروبا الكافرة. سرت في قلوب أولئك روح التفرنج وتطور الأمر إلى أن نشأت حركة ثورية تطالب بالإصلاح الداخلي الذي تمثل عندها في وضع حد لسلطة عبد الحميد المطلقة، وكان قادة هذه الحركة من مختلف الاتجاهات والميول والارتباطات لا يجمعهم إلا هذا الهدف ... وهو قيام حكومة دستورية، ثم لا يتفقون على شئ بعد ذلك المطلب. نظرياتهم السياسية متعددة بقدر ما أتيح لكل منهم أن يقرأ في اللغة الأجنبية التي يتقنها! صباح الدين وقع بيده كتاب أدموند ديمولان عن سر تقدم الإنكليز السكسونيين (٢) ومن ثم اعتنق فكرة اللامركزية. وأحمد رضا كان من سوء حظه أنه تعرف على أوغست كومت فاعتنق الوضعية إلى حد الإصرار على تأريخ منشوراته بالتاريخ الخاص للوضعيين وحذف التاريخ الهجري ليقود بهذه المنشورات دولة الخلافة!

стр. 553

وأحمد رضا أمه نمساوية وأبوه كان يعرف باسم إنكليزي علي بك نظراً لميوله للإنكليز وحبه لهم (١). ونامق كمال كان وطنياً متأثراً بالنزعة القومية التي عاصرها أثناء إقامته في العواصم الأوروبية المختلفة (٢) ووقع الصدام المحتوم بين هذه الحركة وبين السلطان عبد الحميد ﵀ الذي كان يروم الإصلاح الحقيقي ممثلاً في دعوته إلى الجامعة الإسلامية وإعلان الجهاد. وفي سنة ١٨٩٧ استطاع بحنكته ودهائه أن يشل هذه الحركة، ويستميل كثيراً من عناصرها، ولكن الجو الذي خلقته هذه الحركة والأفكار التي نشرتها ضد الإسلام، كانت دافعاً مشجعاً لنشوء حركات سرية تآمريه تتمسح بشعارات وأهداف هذه الحركة، وتخفي في أعماقها ما لم يكن في الحسبان. نستطيع القول أن الحركة السالفة الذكر والتي تزعمها مدحت باشا وأعوانه تصور الجانب الذاتي من المأساة، وها قد تهيأ الجو لأعداء الأمة المتربصين كي يقضوا على الإسلام عقيدة وشريعة معتمدين على ذلك الجانب! ذلك أنه في تلك السنة نفسها ١٨٩٧ اجتمع المؤتمر الصهيوني الأول وقرر أن تقوم دولة إسرائيل في فلسطين التابعة لحكم عبد الحميد. وبسبب أن السلطان رفض بإصرار المساومة على فلسطين ولكون

стр. 554

الحقد اليهودي على الإسلام لم يخمد طوال العصور، ونظراً لنجاح التجربة اليهودية في أوروبا فقد اقتضى الأمر تدمير الخلافة العثمانية بثورة شبيهة بالثورة الفرنسية في أهدافها وشعاراتها لتكون فاتحة ظهور دول علمانية في العالم الإسلامي على النمط الأوروبي، ومن ثم تفتح الطريق أمام الهدف الأعظم والحلم القديم قيام حكومة يهودية عالمية دستورها التلمود وملكها من نسل داود (١). ولا غرابة إطلاقاً في أن تكون اليد الطولى في هذا التدمير لأولئك اليهود الذين وسعتهم سماحة الإسلام حين ضيقت عليهم أسبانيا النصرانية (٢). ولا غرابة كذلك في أن يجد التلموديون عناصر إسلامية من المغفلين أو ضعاف الإيمان يبذلون تضحيات عظيمة، ويشكلون التغطية الضرورية اللازمة للمؤامرة. من هذين العنصرين (اليهود الدونمة والمأجورين أو المغفلين من أدعياء الإسلام) تكونت الحركة العلمانية المسماة بحركة الاتحاد والترقي التي كانت تسير وفق طقوس الماسونية العالمية. ولندع رأي شَيْخ الإِسْلامِ فيهم (٣) ولننظر ما قاله سيتون واطسن: إن الأدمغة الحقيقة في الحركة كانت يهودية أو يهودية - مسلمة، وقد جاءت مساعدتها المالية من الدونمة الأغنياء، ومن يهود

стр. 555

سلانيك ومن الرأسماليين العالميين أو شبه العالميين في فينا وبودابست وبرلين، وربما في باريس ولندن أيضاً. إن الحقيقة البارزة في تكوين جمعية الاتحاد والترقي أنها غير تركية وغير إسلامية، فمنذ تأسيسها لم يظهر بين زعمائها وقادتها عضو واحد من أصل تركي صافٍ ... ولم يكن أحد من الناس يجرؤ أن يتنبأ أن هذه الفئة اليهودية المغمورة المعروفة بالدونمة ستلعب دوراً رئيسياً في ثورة كان لها نتائج خطيرة في سير التاريخ (١) وبعد صراع مرير مع الخليفة، وقفت فيه كل القوى الدخيلة والعميلة ضده، انتصرت هذه العصبة، وأقصت عبد الحميد عن الخلافة بالقوة سنة ١٣٢٥هـ١٩٠٩م وكان الذي أخذ بثأر هرتسل منه هو قره صو اليهودي! وبزواله زالت العقبة الأخيرة في طريق مخططها اللاديني! فصلت تلك العصبة الخلافة عن السياسة، واختارت سلطاناً جديداً لم يكن يساوي في نظرهم إلا أحد البابوات المؤقتين، ورأوا أن المناخ لم يتهيأ بعد لإلغاء منصب الخلافة. أما فكرة الجامعة الإسلامية فقد أبطلها أولئك، ونادوا بفكرة القومية الطورانية معلنين أن حركتهم تهدف إلى تتريك الولايات العثمانية، وكانوا يقصدون -العرب- مما دفع العرب إلى التعلق ببريطانيا، ووضع مستقبلهم في يد عميل المخابرات لورانس، منادين هم أيضاً بالثورة العربية والقومية العربية. ويذكر برنارد لويس أن المستشرقين ومنهم: الكونت قسطنطين

стр. 556

بوزريسكي الذي ادعى الإسلام، وتسمى مصطفى جلال الدين هم الذين أسسوا فكرة الطورانية (١) ثم أعلنت عصبتهم الدستور ذلك الصنم الذي جعلته دعايتهم العريضة أعظم الغايات، وجاء الدستور معبراً عن أهدافهم اللادينية إذ رفع شعارات الماسونية، وشدد على الحرية الدينية ومساواة غير المسلمين بالمسلمين في كل شيء باسم الوحدة الوطنية , وعطل عمل المحاكم الشرعية باسم الاصلاح والتقنين، مما أتاح الفرصة لأعداء الإسلام كي يتمكنوا من العمل بكل حرية ونشاط. وإذا اعتبرنا أفكار ضياء كوك ألب مؤشراً للانتماء الفكري لهذه الحركة، فسنجدها دون أدنى شك حركة لا دينية سافرة، لكن الناس ظلوا مترددين بشأنها؛ لأنها لم تظهر أهدافها الحقيقية، فقد كان المخطط ينفذ بدقة ماهرة. لقد كانت اللعبة العالمية تقتضي اصطناع بطل تتراجع أمامه جيوش الحلفاء الجرارة! وتعلق الأمة الإسلامية اليائسة فيه أملها الكبير وحلمها المنشود، وفي أوج عظمته وانتفاخه ينقض على الرمق الباقي في جسم الأمة، فينهشه ويجهز عليها إلى الأبد! (٢) وهذا أفضل قطعاً من كل المائة مشروع لتقسيم تركيا (٣) وهدم الإسلام. وتمت صناعة البطل بنجاح باهر، ووقف يتحدى الحلفاء، وألقى باليونان في البحر (٤) ولم ير الحلفاء بداً من التفاوض معه! وكانت ثمرة

стр. 557

المفاوضات هي - الاتفاقية المعروفة باتفاقية كيرزن ذات الشروط الأربعة: ١ - إلغاء الخلافة الإسلامية نهائياً من تركيا. ٢ - أن تقطع تركيا كل صلة مع الإسلام. ٣ - أن تضمن تركيا تجميد وشل حركة جميع العناصر الإسلامية الباقية في تركيا. ٤ - أن يستبدل الدستور العثماني القائم على الإسلام بدستور مدني بحت (١) ويصف المؤرخ أرمسترونج خطوات تنفيذ الاتفاقية قائلاً: انطلق كمال أتاتورك يكمل عمل التحطيم الشامل الذي شرع فيه، وقد قرر أنه يجب عليه أن يفصل تركيا عن ماضيها المتعفن الفاسد، يجب عليه أن يزيل جميع الأنقاض التي تحيط بها، هو حطم فعلاً النسيج السياسي القديم، ونقل السلطنة إلى ديمقراطية، وحول الامبراطورية إلى قطر فحسب، وجعل الدولة الدينية جمهورية عادية، إنه طرد السلطان الخليفة، وقطع جميع الصلات عن الامبراطورية العثمانية، وقد بدأ الآن في تغيير عقلية الشعب بكاملها وتصوراته القديمة وعاداته ولباسه وأخلاقه وتقاليده وأساليب الحديث ومناهج الحياة المنزلية التي تربطه بالماضي (٢) وامتدح توينبي عمله، واعتبره أعظم من هتلر عبقرية في فن الهدم وقطع الصلة بالماضي. وقال: إن الدولة القومية التركية التي أقامها مصطفى كمال على النسق الغربي تبدو - وقت كتابة هذه السطور -

стр. 558

عملاً ناجحاً لم يتحقق مثله حتى ذلك الوقت في أي بلد إسلامي آخر (١) وامتدحه ولفرد كانتول سمث - على طريقته الخاصة - قائلاً: رأينا تركيا في سبيل رفعة شأنها وخلق مثل عليا جديدة لم تتردد في سحق السلطات الدينية وألغت تعاليمها وحررت الإسلام وكشفت النقاب عن الدين الحق القويم!! (٢) نصب مصطفى كمال نفسه إلهاً من دون الله يشرع للأمة كما يشاء، فلفق قانوناً فريداً يتكون أكثره من القانون السويسري والقانون الإيطالي وغيرهما وأكمل الباقي من عنده، ومع ذلك فهو يدعي أنه كله من عنده قائلاً: نحن لا نريد شرعاً فيه قال وقالوا، ولكن شرعاً فيه قلنا وتقول (٣) ويصف أحد الكتاب الغربيين جلسة في مجلس النواب فيقول: إن مصطفى كمال وقف قائلاً: إن التشريع والقضاء في أمة عصرية يجب أن يكونا عصريين مطابقين لأحوال الزمان لا للمبادئ والتقاليد ثم اقتفاه وزير العدل شارحاً ومفسراً: إن الشعب التركي جدير بأن يفكر بنفسه بدون أن يتقيد بما فكر غيره من قبله، وقد كان كل مادة من مواد كتبنا القضائية مبدوءة

стр. 559

بكلمة قال المقدسة، فأما الآن فلا يهمنا أصلاً ماذا قالوا في الماضي، بل يهمنا أن نفكر نحن ونقول نحن (١) ويعترض عليه مرة أحد القانونيين بقوله: إن هذا النظام الذي تريدون وضعه لا يوجد في أي كتاب للقانون. فيتلقى الجواب التالي: -إن النظم ليست إلا أشياء وأموراً تكيفت ومرت من التجارب ... علي أن أنفذ ما أريد وعليكم أن تدرجوا ما أعمل في الكتب!! (٢). ونتيجة التطرف والغلو المفرط والأعمال التي لا مبرر لها إلا تنفيس الحقد الأوروبي على الإسلام ومركب النقص الذي كان يستشعره الكماليون - اتخذت تركيا المتعلمنة تدبيرات وإجراءات غريبة حقاً: فقد ألغت بالعنف والإرهاب الكتابة التركية بالأحرف العربية، ثم تجرأت فحرمت الأذان بالعربية، وكتبت المصحف أو ترجمته بلغتها الهجين، وحددت عدد المساجد، وأقفلت كثيراً منها أو حولته إلى ما لا يتفق وقداسته كما فعلت بجامع أيا صوفيا، وألغت وزارة الأوقاف، وفرضت بقوة السلاح المسخ الفكري وحتى المظهري على الأمة لاسيما معركة القبعة الأوروبية التي سالت لأجلها الدماء، وألغت الأعياد الإسلامية، وحطمت بصورة استبدادية مظاهر الحشمة والحياء الإسلاميين، فأكرهت النساء على تقليد المرأة الغربية في كل شيء

стр. 560

وحاربت بشدة صارمة كل من اعترض طريقها من المتورعين وحتى المعتدلين شيئاً ما من الكماليين (١). ولذلك فإن حكومة تركيا العلمانية الكمالية - هي كما وصفها الأمير شكيب أرسلان - ليست حكومة لادينية من طراز فرنسا وإنجلترا فحسب، بل هي دولة مضادة للدين كالحكومة البلشفية في روسيا سواء بسواء، إذ أنه حتى الدول اللادينية في الغرب بثوراتها المعروفة لم تتدخل في حروف الأناجيل وزي رجال الدين وطقوسهم الخاصة وتلغي الكنائس (٢). والحقيقة المرة أن مصطفى كمال قد خلق نموذجاً صارخاً للحكام في العالم الإسلامي، وكان لأسلوبه الاستبدادي الفذ أثره في سياسات من جاء بعده منهم، كما أنه أعطى الاستعمار الغربي مبرراً كافياً للقضاء على الإسلام، فإن فرنسا مثلاً بررت تنصير بلاد المغرب العربي وفرنجتها بأنه لا يجب عليها أن تحافظ على الإسلام أكثر من الأتراك المسلمين أنفسهم!! وليس أعجب من هذا الرجل وزمرته إلا من ينادون اليوم - من الزعماء - بإقامة حكومات علمانية في بلادهم، ويقولون: إن مصطفى كمال هو قائدهم الروحي. في مصر: يقول توينبي: إن مصر بدأت تتجه نحو الاصطباغ بالصبغة الأوروبية منذ أيام محمد علي متفوقة على تركيا، (٣) كما يرى جب أنها

стр. 561

سبقت تركيا في ذلك (١). وكان الخديوي إسماعيل مفتوناً بالغرب، وقد مهدت سياسته الفاشلة لتدخل بريطانيا في شئون مصر ثم احتلالها نهائياً. ومع الاحتلال جاء كرومر بمخططه الخبيث، وبدأت القوى العالمية تشرف على حركة إلغاء الإسلام أو عزله عن شئون الحياة كلها. والحق أنه لم يكن لكرومر ولا لغيره أن ينجح لولا الزعماء والعلماء الذين تطوعوا بخدمته، فالحزب الوطني -أول حزب سياسي في مصر- يعلن برنامجه الرسمي سنة ١٨٨٢م ونجد فيه: الحزب الوطني حزب سياسي لا ديني؛ فإنه مؤلف من رجال مختلفي العقيدة والمذهب، وأغلبيته مسلمون لأن تسعة أعشار المصريين من المسلمين، وجميع النصارى واليهود، وكل من يحرث أرض مصر ويتكلم بلغتها منضم إليه، لأنه لا ينظر لاختلاف المعتقدات، ويعلم أن الجميع إخوان، وأن حقوقهم في السياسة والشرائع متساوية (٢) والثورة العرابية لو قدر لها أن تنجح فربما كانت سبقت مصطفى كمال بأشياء كثيرة فها هو أحد زعمائها يقول: كنا نرمي منذ بداية حركتنا إلى قلب مصر جمهورية مثل سويسرا، ولكنا وجدنا العلماء لم يستعدوا لهذه الدعوة؛ لأنهم كانوا متأخرين عن زمنهم، ومع ذلك فسنجتهد في جعل مصر جمهورية قبل أن نموت (٣) ولهذا فما الذي يمنع كرومر بعد ذلك أن يقول: إن الإسلام ناجح كعقيدة ودين ولكنه فاشل كنظام اجتماعي، فقد وضعت قوانينه لتناسب الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي

стр. 562

ولكنه مع ذلك أبدي لا يسمح بالمرونة الكافية لمواجهة تطور المجتمع الإنساني (١). ثم إن كرومر قد حرص على أن يؤكد للمصريين أن المسلم غير المتخلق بأخلاق أوروبية لا يصلح لحكم مصر، كما أكد أن المستقبل الوزاري سيكون للمصريين المتربين تربية أوروبية (٢) ومن هنا كانت رغبة المحتلين الشديدة في تعاون العلماء (المتنورين) معهم، وهي الرغبة التي تجلت في تشجيعهم للحركة الإصلاحية واحتضانها. كان زعيم الإصلاح في مصر هو الشيخ محمد عبده الذي أثاره تقدم الغرب وتخلف المسلمين في كل ميدان، فهب يدعو إلى الإصلاح متأثراً بفكر جمال الدين الأسد أبادي الشهير بالأفغاني، وكان أمل المخطط اليهودي الصليبي -كما أوضح كرومر وجب وغيرهما- أن تكون حركة الشيخ مماثلة تماماً لحركة سير أحمد خان مؤسس جامعة علي قره بالهند التي تسمت المعتزلة الجدد وكانوا مفتونين بحضارة الغرب منبهرين بها إلى أقصى حد. ولكن ظروف مصر غير ظروف الهند، كما أن الشيخ وإن كان اعتزالياً متطرفاً (٣) لم يستطع أن يصدم المشاعر الإسلامية بأكثر مما فعل حيث قامت ضد بعض تصرفاته ضجة في كثير من أنحاء العالم

стр. 563

الإسلامي (الفتوى الترنسفالية، فتوى إباحة صناديق التوفير .. ). وليس ثمة شك في أن مصر الحديثة التي يريدها كرومر هي دولة لا دينية لا صلة لها بالإسلام وحكومتها ستكون على الشرط الذي مر آنفاً، أما محمد عبده فلم تكن لديه كما يبدو صورة واضحة، وإنما كان يهدف إلى الإصلاح الذي ينشده في ظل الاحتلال الإنجليزي، ولهذا فإن التعاون بين كرومر والشيخ يعني تقديم تنازلات من الأخير للأول، أما العدو المشترك لهما، فهم العلماء غير الأحرار الذين كانوا - رغم ما فيهم - ينفرون من المحتل والعمل معه في أية صورة! وابتدأ محمد عبده عمله الإصلاحي بمهاجمه الأزهر ونقد المحاكم ونقد الحياة الاجتماعية، وكرومر من ورائه يقطف الثمار. لقد كانت بريطانيا - كعادتها - عازمة على إلغاء الشريعة الإسلامية فور تمكنها في البلاد، غير أن كرومر رأى أن أفضل وسيلة لذلك هو تفريغ المحاكم الشرعية من محتواها، بأن يتولاها علماء ذوو طابع تحرري، تتم تربيتهم بإشرافه هو والشيخ في معهد خاص لقضاة الشرع، وقوى عزمه على ذلك المعلومات التي يذكر أنه حصل عليها عن الكلية التي أنشأتها في سراجيفو حكومة النمسا والمجر (١) لتخريج قضاة الشرع المسلمين، والتي يقول عنها: إنها كلية أثبتت نجاحها من كل الوجوه، ويتحدث عن ذلك في تقريره السنوي لحكومته عام ١٩٠٥: وقد وضعت هذه المعلومات تحت تصرف لجنة ذات كفاية ممتازة يرأسها المفتي الأكبر السابق (محمد عبده) بقصد وضع خططه مشابهة تلائم ظروف مصر وحاجاتها، وقد أتمت اللجنة عملها في شهر يونيه السابق ووضعت النظم المقترحة تحت تصرف الحكومة ... وهذه

стр. 564

النظم تزود الطالب ببرامج ثقافية ذات طابع تحرري لا تحصر الطالب في الدراسات الدينية الخاصة (١) والعجيب حقاً أن محمد عبده لم يكن يرى حرجاً من اقتباس القوانين التشريعية الغربية، ما دام ذلك يحقق (الإصلاح في نظره)، بل يقول العقاد وهو من المعجبين به: إنه علم أن المراجع العربية لهذه القوانين لا تعطيه الإحاطة الواجبة بتلك المبادئ في أصولها المأثورة عند فلاسفة التشريع الغربيين، فشرع في تعلم اللغة الفرنسية (٢) كما أن إعجابه بالثقافة الغربية هو الذي جعله يبالغ في انتقاص الأزهر مطلقاً عليه لفظ الإصطبل أو المارستان أو المخروب، ويحاول إصلاحه وإصلاح التعليم كله على الطريقة الغربية ويقول: إن كان لي حظ من العلم الصحيح ... فإنني لم أحصله إلا بعد أن مكثت عشر سنين أكنس من دماغي ما علق فيه من وساخة الأزهر وهو إلى الآن لم يبلغ ما أريد له من النظافة (٣) لا شك أن الأزهر كان بحاجة إلى الإصلاح، ولكن الإصلاح الذي يريده الإنجليز - ومعهم الشيخ - كان من نوع آخر، لا سيما وأن شبح سليمان الحلبي يهدد كرومر كل حين (٤). وكان من أعظم خطط الإنجليز للقضاء على الشريعة الإسلامية إنشاء مجلس شورى القوانين الذي كانوا يحكمون مصر من خلاله، والذي قدم الشيخ له خدمات جليلة مما دفع المستشار القضائي الإنجليزي إلى رثائه في تقريره عن المحاكم لعام ١٩٠٥ قائلاً:

стр. 565

((ولا يسعني ختم ملاحظاتي على سير المحاكم الشرعية في العام الماضي بغير أن أتكلم عن وفاة مفتي الديار المصرية الجليل المرحوم الشيخ محمد عبده في شهر يوليه الفائت، وأن أبدي أسفي الشديد على الخسارة التي أصابت هذه النظارة بفقده ... )). إلى أن يقول: ((وفوق ذلك فقد قام لنا بخدمة جزيلة لا تقدر في مجلس شورى القوانين في معظم ما أحدثناه أخيراً من الإصلاحات المتعلقة بالمواد الجنائية وغيرها من الإصلاحات القضائية، إذ كان يشرح للمجلس آراء النظارة ونياتها، ويناضل عنها، ويبحث عن حل يرضي الفريقين كلما اقتضى الحال ذلك (!) وإنه ليصعب تعويض ما خسرناه بموته نظراً لسمو مداركه وسعة إطلاعه وميله لكل ضروب الإصلاح والخبرة الخصوصية التي اكتسبها أثناء توظفه في محكمة الاستئناف وسياحاته إلى مدن أوروبا (!) ومعاهد العلم ... )) (١). وقد يكون أخطر آثار محمد عبده التي تعد ركيزة من ركائز العلمانية في العالم الإسلامي إضعاف مفهوم البراء والولاء، ودار الحرب ودار الإسلام إذ كان الشيخ أعظم من اجترأ عليه من المنتسبين للعلماء، لا بتعاونه مع الحكومة الإنجليزية الكافرة فحسب، ولكن بدعوته الصريحة إلى موالاة الإنجليز وغيرهم - بحجة أن التعاون مع الكفار ليس محرماً من كل وجه - ودعوته إلى التقريب بين الأديان. حقيقة أن الرأي العام الإسلامي قد ثار على بعض فتاوى الشيخ التي أباح بها موالاة الكفار، ولكن تأثيرها في الأمة لا شك فيه،
следующие страницы →