← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96612

العلمانية - نشأتها وتطورها

سفر الحوالي

Полный текст (715 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

يقول الفيلسوف الإنجليزي جود: "سألت عشرين طالباً وتلميذةً كلهم في أوائل العقد الثاني من أعمارهم: كم منهم مسيحي بأي معنى من معاني الكلمة؟ فلم يجب بنعم إلا ثلاثة فقط، وقال سبعة منهم: إنهم لم يفكروا في هذه المسألة أبداً، أما العشرة الباقية فقد صرحوا أنهم معادون للمسيحية" (١). فإذا كان الدين قد فقد قيمته في قرارات النفوس ومشاعر الجمهور بهذه الصفة فهل يليق بأحد أن يسأل بعد عن دوره في واقع الحياة الغربية؟ وهل يمكن أن يكون ذلك إلا نتيجة العلمانية التي أطبقت على نواحي الحياة وتسربت في كيان الأفراد والجماعات؟ إن هذا المجتمع الذي يزعم أن علمانيته من النوع غير المضاد للدين هو نفسه الذي تجري فيه هذه الاستفتاءات، وهو نفسه الذي قال أحد كتابه التربويين يصف العنت الذي لقيه من جراء حمله للكتاب المقدس، لا تديناً بل هواية الاطلاع فقط: "لقد قرأت الكتاب المقدس في العشرينات من عمري، وليس ذلك أمراً عادياً إلا في تقليد الأسر المتدينة، حيث تكون قراءة الكتاب المقدس طقساً من الطقوس (!)، لقد كانت محنة أن أحمله معي في طريقي للعمل وفي عودتي على مدى أشهر، وقد تغلبت على المشكلة، فلففته بالورق كما لو كان كتاباً من الكتب المدرسية، وبذلك أخفيته عن الأنظار كأنما هو شيء شائن (!)، ومع ذلك فلم أكن لأفتحه في طريقي للعمل إلا أن من جلس بجواري استطاع أن يكتشفه، فنظر إلي

стр. 492

شزراً كأنما كنت أمارس وضع أحمر الشفاه (!)، وغالباً ما يظنك الناس قسيساً أو داعية دينياً متعصباً" (١). فإذا كان هذا هو الحال والدين، شيء شخصي محدود حسب المزاج فقط، فهل بقى له بعد ذلك من شيء؟!

стр. 493

- الباب الرابع: العلمانية في الحياة الإسلامية: الفصل الأول: أسباب العلمانية في العالم الإسلامي. أولاً: انحراف الأمة الإسلامية. ثانياً: التخطيط اليهودي الصليبي. الفصل الثاني: مظاهر العلمانية في الحياة الإسلامية: أولاً: في الحكم والتشريع. ثانياً: في التربية والثقافة. ثالثاً: في الاجتماع والأخلاق.

стр. 494

- الفصل الأول: أسباب العلمانية في العالم الإسلامي: أولاً: انحراف الأمة الإسلامية: الحديث عن تأخر الأمة الإسلامية وانحطاطها في القرون الأخيرة طويل ومتشعب، ولكن السمة البارزة في ذلك التأخر تلك التي تجعله يتدنى عن مستوى فترات الانحطاط السابقة هي الانحراف عن فهم الإسلام نفسه، وانحسار مفهوماته التصورية في معانٍ ضيقة ومدلولات محدودة، وهذا الانحراف هو نتيجة وسبب في آن واحد. نتيجة للوهن الذي أصاب الأمة الإسلامية ((حب الدنيا وكراهية الموت)) والذل الذي ابتليت به عقوبة على ترك الجهاد بالمفهوم الواسع للكلمة، ومعلوم من فقه التربية الإيمانية أن الله يعاقب على الذنب بالذنب، وهي أقسى صنوف العقوبات. وهكذا عوقبت الأمة الإسلامية على انحرافها العملي والسلوكي بانحراف أشد منه في العقيدة والتصور. وهو سبب لما تلاه من أحداث جسام ومخاطر جمة اجتاحت الرقعة الإسلامية من أقصاها إلى أدناها، نذكر منها على سبيل التمثيل: الركود العلمي، العام الذي هيمن على الحياة الإسلامية في عصر كانت أوروبا فيه قد نفضت غبار الماضي وحثت الخطا على طريق

стр. 495

والاكتشاف، والضعف المادي والمعنوي الذي جعل البلاد الإسلامية لقمة سائغة للكفار، وجعل أوروبا تلتهمها قطعة قطعة، حتى كادت تسيطر على الحرمين الشريفين! ولقد كانت هزيمة العثمانيين في (سان جونار)، وتقهقر المماليك السريع أمام نابليون مؤشراً واضحاً على هذين -أي: الركود العلمي والضعف المادي والمعنوي- وبداية خطرة لنهاية الزعامة الإسلامية ليس على العالم بل على أرض الإسلام! وحين نقول: إن هذا الانحراف هو سبب التدهور والانحطاط، فإننا لا ننسى العوامل الخارجية المتمثلة في تفوق الكفار علمياً وعسكرياً والحقد الصليبي الأعمى الذي بث سراياه الفكرية المضللة جنباً إلى جنب مع السرايا الاستعمارية، لكن المنطق الإسلامي الثابت يؤكد أنه مهما بلغت القوة الخارجية، ومهما كان التخطيط المضاد، فإن المسلمين لن يؤتوا إلا من قبل أنفسهم، حسب القاعدة المطردة التي سنها الله تعالى: ((ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)) [الأنفال:٣٥]، وأوضحها الرسول ﷺ : ﴿ودعوت ربي ألا يهلك أمتي بسنة عامة، وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم حتى يقاتل بعضهم بعضاً﴾. ولذلك من الطبيعي أن يكون حديثنا عن أثر هذا الانحراف في انتشار العلمانية في العالم الإسلامي أسبق وأولى من الحديث عن التخطيط -اليهودي- النصراني الذي لا ننكر دوره في نشرها، والذي لا يصح أن نغفل عنه أو نقلل قيمته. وعلى سبيل الإجمال نستطيع أن نقول: كما أن العلمانية ظهرت في أوروبا نتيجة لتحريف الدين النصراني، فقد ظهرت في العالم الإسلامي نتيجة انحراف المسلمين.

стр. 496

أما مظاهر هذا الانحراف قيمكن إيجازها فيما يلي: ١ - الانحراف في مفهوم الألوهية: لن نتحدث -الآن- عن التضاد التام بين عقيدة لا إله إلا الله وبين العلمانية، فلذلك الحديث موضع آخر، لكننا سنتناول بإيجاز الحالة الواقعة تاريخياً في العصور الأخيرة الإسلامية: إن بعض علماء السلف يقسمون توحيد الألوهية قسمين متلازمين: (أ) توحيد الطاعة والاتباع (الحاكمية). (ب) توحيد الإرادة والقصد (العبادة). وجرياً على هذا التقسيم سنجد أن حالة الأمة الإسلامية كان كما يلي: (أ) في الطاعة والاتباع (الحاكمية): نسى المسلمون تلك القاعدة التوحيدية العظمى: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وغفلوا عن قوله تعالى: ((اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ)) [الأعراف:٣]، وبذلك صرفوا هذا النوع من العبادة أو جزءاً منه إلى الحكام والولاة وعلماء المذاهب المتعصبين ومشايخ الطرق الصوفية، بالإضافة إلى المشعوذين الذين تهيأ لهم الجو بما كان يسيطر على الأمة من جهل وسذاجة، وقد كانت الدول التي تتقاسم العالم الإسلامي ثلاث دول: الدولة المغولية في الهند، والدولة الصفوية في فارس، ثم الدولة العثمانية في حوض البحر الأبيض المتوسط. وبالنسبة للدولة الصفوية يمكن القول بأنها كانت منحرفة انحرافاً يجعل انتسابها للإسلام اسمياً فقط، فقد كانت شيعية رافضية، وكان الحكم فيها يجري على آراء وأهواء علماء الشيعة المتعصبين، وكان

стр. 497

الشغل الشاغل لملوكها مهاجمة الدولة العثمانية لا لشيء إلا لأنها سنية، وكان العوام يقدسون الملوك والعلماء جرياً على المذهب الرافضي الذي يجيز العصمة لغير الأنبياء (١) أما الدولة المغولية: فكانت باستثناء بعض الملوك مثل أورنك زيب جاهلة بحقيقة الإسلام، وكان فهمها له مختلطاً بكثير من الخرافات والتصورات الخاطئة، ولا غرابة في ذلك فإن المغول لم يعتنقوا الإسلام الصافي، بل دخلوا فيه على الصورة التي وجدوا الأمة الإسلامية تعيشها في أواخر العصر العباسي الثاني، حيث كانت الصراعات المذهبية والفكرية والطوائف الباطنية قد نخرت جسم الأمة مما هيأ لهم اكتساح العالم الإسلامي، وبعدها دخلوا في دين الأمة المغلوبة لا في صورته المثلى، بل في صورته القائمة يومئذ. هذا الجهل بالإضافة إلى كون المسلمين أقلية بين الهندوس جعل إلغاء الشريعة الإسلامية من قبل الإنجليز لا يقابل بكبير معارضة، أما الدولة العثمانية: فعلى الرغم من كونها أصلح الدول الثلاث عقيدة وسلوكاً، فإنها كانت بعيدة عن منهج الخلافة الراشدة بعداً يزداد أو يقل حسب نوعية خلفائها. إن أي باحث نزيه لا يستطيع أن ينكر مآثر الدولة العثمانية ومزاياها التي تستحق الثناء والتقدير، فهي التي جعلت المد الإسلامي في أوروبا الشرقية يبلغ مداه بعد أن فقد المسلمون بلادهم في أوروبا الغربية بسقوط الأندلس، وهي التي كسرت الكماشة الأوروبية التي كادت تطبق فكيها على العالم الإسلامي، ولم تتمكن من ذلك إلا بعد انهيار الدولة العثمانية.

стр. 498

كما أن روح الحماس للدعوة الإسلامية، ونشر الدين الإسلامي في أوربا إحدى مآثرهم التي خلدها التاريخ (١) غير أن هذه المآثر لم تجنب الدولة العثمانية الاستمرار في خط الانحراف الذي ورثته عن أسلافها، ثم الزيادة فيه بحسن نية ودون وعي، ومن مظاهر ذلك فيما يتعلق بأصول الحكم ومنهجه أن الدولة العثمانية كانت تطبق عملياً المذهب الحنفي بتعصب، وعارض علماؤها شيوخ الإسلام فتح باب الاجتهاد، ذلك الذي أغلق منذ القرن الرابع لأسباب ليس هذا مجالها، وتتمثل هذه المعارضة في العداء الذي واجهت به الدولة الحركات والأفكار التجديدية التي كانت تنبذ الجمود، وتدعو إلى الانطلاق الفكري المستمد مباشرة من الكتاب والسنة، كدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ١٢٠٦، والإمام الشوكاني ١٢٥٠هوالشيخ الألوسي (٢) وغيرهم، وكان من النتائج السيئة لذلك ما يلي: ١ - استمرار الحكم على طريقة الملك الجبرية الوراثية الذي ابتدأ في عهد الأمويين، وقد يقال: إن هذا الأمر أقره العرف، وله إيجابياته لا سيما في أسرة مجاهدة كآل عثمان، ولكن كان في الإمكان على الأقل أن يكون مبدأ الشورى هو القاعدة الأساسية للحكم مع استمرار الخلافة وراثية، أما أن تترك الأمور على تلك الحال فإن الطريق إلى الاستبداد والظلم مهيأة وهو ما حصل -فعلاً- من بعض السلاطين والولاة بصفة خاصة، ثم إن واقع الظروف العالمية كان يحتم ذلك، فقد كان معاصرو العثمانيين من أباطرة وملوك الغرب تضطرب عروشهم تحت مطارق الدعوات التحررية والمطالبة بالمشاركة في الحكم

стр. 499

وحرية الشعب في اختيار الولاة ... إلخ، فكان على الدولة العثمانية أن تتعظ بذلك، وتقطع الطريق على دعاة التغريب بالعودة إلى الأصول الإسلامية الراشدة، نعم حاولت الدولة ذلك، لكنها محاولة جاءت متأخرة، بل كانت في الواقع بضغط من دعاة التغريب أنفسهم، ولم تكن عملاً ذاتياً واعياً. ٢ - قصور الاستنباط الفقهي عن مجاراة الوقائع المحدثة: إن كون الشريعة الإسلامية منهجاً كاملاً شاملاً للحياة البشرية منذ نزولها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها -لا يخرج شيء من أحداثها ووقائعها مهما استجد، ومهما تغيرت الظروف والأحوال عن دائرتها الرحبة- لهو أمر بدهي في التصور الإسلامي، والشك فيه يعني بداهةً اتهام الباري -جل شأنه- بالنقص والبداء، ومن ثم فهو الكفر المحض. وكون الحياة البشرية عرضة لتغيرات لا يدرك مداها أو وقائع حادثة لا يستطيع العقل البشري على الإطلاق أن يتصور أبعادها بحكم حجبه عن علم الغيب، يجعل المجتهد في الشريعة مهما كانت سعة أفقه ودقة نظره يظل محصوراً بواقع بيئته، وواقفاً عند النقطة التي وصلت إليها البشرية على خط سيرها الطويل. هاتان الحقيقتان آمنت الأمة الإسلامية بأولاهما إيماناً جازماً، وغابت الثانية عن أذهان البعض متأثرين بالواقع الذي ظل قروناً عديدة راكداً لا جديد فيه. ومن هذا البعض كان خلفاء وعلماء الدولة العثمانية الذين عارضوا فتح باب الاجتهاد أو قيدوه في دائرة التراث المأثور عن فقهاء الحنفية السابقين، وفي الوقت الذي كان الفقه فيها جامداً كانت الحياة حسب سنة الله جارية متطورة، وبذلك حدث لأول مرة في تاريخ

стр. 500

المسلمين أن ضاقت دائرة الفقه الواقعي، بل والافتراضي (١) عن الإحاطة بأحداث الحياة كلها، وكان الذي ضاق -بطبيعة الحال- هو فقه المتون والحواشي، ولم تضق الشريعة نفسها، وما كان لها أن تضيق، يقول الشيخ محمد الغزالي: " مع أن الزمن لا يقف، ومع أنه تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور، ومع أن الجماعة الإنسانية تدخل في أطوار متباينة من ناحية العلاقات الدولية والأوضاع الإدارية والاقتصادية والسياسية، ومع ضرورة بقاء الدين مهيمناً على توجيه القافلة السائرة، مع هذا كله فإن التفكير الإسلامي الفقهي توقف في أغلب ميادين المعاملات إن لم يكن جمد فيها كلها، وأغلقت أبواب الاجتهاد بضعة قرون حتى انكسرت -أخيراً- تحت ضغط الحاجات الملحة، وصحب انكسارها فوضى منكرة في الفهم والتطبيق " (٢). والمؤسف أن الذي حصل أول الأمر هو أن باب الاجتهاد لم يفتح ولم يكسر، بل استوردت القوانين الأجنبية الكافرة. لكن الطريق الملتوية البطيئة التي سلكتها عملية الاستيراد، والتي كان حسن النية أحد أسباب تقبلها، لم تلفت الأنظار إلى خطورتها، فقد بدأت هذه الطريق باسم الإصلاح والتنظيم الذي تقتضيه الظروف الواقعية. الجيش العثماني لم يعد يصلح أن يبقي مجموعات من المتطوعين يحملون السيوف ويمتطون الخيول، فالظروف العسكرية الدولية تقتضي

стр. 501

وجود جيش منظم مدرب، يستخدم الوسائل الحديثة، ويفرغ نفسه لمهمة الجهاد. ووضع اللوائح النظامية لهذا الجيش لم يك في مقدور مجلس العلماء، لأنه كان بعيداً عن مثل هذه الشئون التي يراها شكلية لا تستحق الاهتمام، كما أنه لم يك في مقدور قادة الجيش نفسه، لأن الجمود العلمي والذهني الذي ليس من الإسلام في شيء قد كاد يقضي على كل فرصة للتطور والإبداع، إذن ما الحل؟ لجأت الدولة العثمانية إلى ملوك أوروبا الذين كانوا لا يزالون في نظر العثمانيين حتى ذلك الحين خنازير حقيرة، (١) يطلبون منهم إيفاد مدربين للجيش العثماني، وجاء المدربون من ألمانيا وفرنسا والسويد، ولأول مرة في التاريخ الإسلامي يتولى تدريب وتنظيم الجيش الإسلامي خبراء كفرة وكانت هذه هي البداية، ثم تلاها بعد ذلك ما تلاها. عندما أريد إصلاح الجهاز الإداري استوردت -أيضاً- الطرائق الغربية في تقسيم الولايات وتنظيم وتحديد مسئوليات الولاة والقضاة، وعندما أريد إصلاح الجهاز التعليمي بنيت المدارس ووضعت المناهج على نمط، يحاكي النمط الأوروبي ويقتبس منه. وعندما أريد إصلاح منهج الحكم أصر دعاة التغريب على أن تكون مجالس نيابية على الطريقة الغربية، وأن يوضع دستور مكتوب ذو قواعد وبنود على النمط الأوروبي، وكان لهم ما أرادوا. وليس غرضنا -الآن- تفصيل هذه الأمور، ولكن القصد هو إيضاح أن توحيد الطاعة والاتباع انتقص من حقه بطريق غير واعية

стр. 502

ولا مقصودة، لقد نتج عن ضيق الدائرة الفقهية وعن استيعاب الحياة أن ظلت القوانين المستوردة تحتل رويداً رويداً مواقع جديدة من الحياة الإسلامية دون أن تلفت النظر إلى خطورتها إلى أن جاء الوقت الذي أصبح اقتباس هذه القوانين أمراً مقرراً ومنهجاً لا غبار عليه. ومن الإنصاف والحق أن نقول: إن تلك الاقتباسات كانت تأخذ صفة تنظيمية لا تشريعية، وهكذا كان يسميها العثمانيون تنظيمات، لكنها على أية حال مهدت الطريق إلى استيراد التشريعات -لا سيما- بعد تكوين (مجلس المبعوثان) (١) وبذلك نصل إلى الغرض الأساسي، وهو أن انحراف المسلمين بجهلهم بحقيقة دينهم وسنة الله في الحياة وعجزهم عن مسايرة الأحداث كانت المنفذ الرئيسي لتسرب العلمانية إلى الشرق المسلم. (ب) الانحراف في توحيد الإرادة والقصد (العبادة): ظهرت الصوفية في العصر العباسي لأسباب تاريخية، منها ضعف الخلافة المركزية أو انحرافها، وانغماس الناس في الترف وانصرافهم عن الاهتمام بالدار الآخرة، غير أن الانحراف قد أصاب الفرق الصوفية بدرجة تتناسب تناسباً عكسياً مع قربها من التمسك بالسنة والاقتداء بالسلف الصالح. وكان من الأخطاء الأساسية في الفكر الصوفي النظرة العدائية إلى الحياة الدنيا، تلك التي يبدو أنها متأثرة بالفكر البوذي والفلسفة الإشراقية، وحدث أن أقبل العامة -بقيادة المتصوفين- على الطقوس والأوراد، وأقبل الحكام ومن في حواشيهم وركابهم على الشهوات والملذات! وهذا الخلط الصوفي الأحمق يعتبر أول صدع أصاب التفكير الإسلامي في صميمه، بل أول تصدع أصاب كيان الأمة

стр. 503

الإسلامية -فيما بعد- بالانهيار، (١) فقد نتج عن هذا الانفصام انحسار مفهوم العبادة في دائرة الشعائر والأذكار، بل في الحقيقة كان الالتزام بتلك النظرة يعني تعذر القيام ببعض أركان الإسلام لا سيما الزكاة. والعبارة المنقولة عن بعض زعماء الصوفية عند سماع قوله تعالى: ((يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ)) [الأنبياء:٢٠] وهي ونحن ما بالنا نفتر؟! تنم في الواقع عن الجهل بحقيقة العبادة في الإسلام، وغاية الوجود الإنساني على الأرض التي أوضحها القرآن الكريم تفصيلاً. بعد أن كان المسلم - أياً كان عمله الدنيوي - يستشعر في قرارة نفسه أنه يعبد الله تعالى، حتى وهو يكدح على عياله، وحتى وهو يطلب العلم أو يعلمه، وحتى وهو يجوب الأرض في طلب الرزق أو التعرف على المعمورة بلا انفصام أو ازدواجية، أصبح المريد -وقد انحصر مفهوم العبادة لديه في الصلوات والأذكار- يجد مساحة كبيرة من حياته فارغة، فيلجأ إلى الشيخ لتعبئة هذا الفراغ، وعندها يقوم الشيخ بتشريع ما لم يأذن الله به، فيكلف المريد بحفظ المتون الطويلة من الأوراد لترديدها، بآلاف التسبيحات، وأحياناً يكلفه بالسياحة في الأرض بلا زاد، ليقوي يقينه، ويصدق في توكله!! وبذلك أدى انحسار مفهوم العبادة إلى انحراف العبادة نفسها واستقائها من غير معين الكتاب والسنة. ولندع الصوفية أنفسهم، ولننظر إلى أثرهم المعنوي في الأمة، كان ضمير الفرد العادي من العامة يستشعر الحيرة والألم، وهو يرى الناس فئتين:

стр. 504

فئة صالحة تعمل للآخرة وتتقرب إلى الله بأنواع الطاعات والقربات لكنها لا حظ لها من الدنيا، وأخرى فاسقة عاصية مقصرة في حق الله تعالى تتمتع بملاذ الحياة ونعيمها، ولا يكاد يرى لهاتين ثالثة، ويبدو الخيار أمامه صعباً، أيكون مع الأولى فيقضي على نفسه بالحرمان والفاقة، أو ينضم إلى الثانية فيقع في المحارم؟! ومعظم الأمة بطبيعة الحال لم ينقطعوا عن الدنيا، لكنهم كانوا يعملون فيها والإحساس بالندم والذنب ينتابهم، لأنهم يرون أنهم لا يعبدون الله حين يقومون بذلك، وغاب عنهم أن ذلك جزء من الغاية العظمى التي خلقوا لأجلها! وكل هذه الانحرافات وقعت قبل احتكاك الغرب اللاديني بالشرق، بل قبل قيام الدولة العثمانية وعندما سيطر العثمانيون ازداد الأمر سوءاً، وتطورت الانحرافات، حتى توهم الناس أن العبادة نفسها هي بالدرجة الأولى ما يأمر به المشايخ والأولياء من البدع، ووقعت الأمة في شرك حقيقي بما كان السذج والجهلة -بل وبعض العلماء- يمارسونه من بدع الأضرحة والمشاهد والمزارات وتقديس الموتى والاعتماد عليهم في جلب النفع ودفع الضرر، ووصل الأمر إلى حالة مزرية جداً، حين كانت جيوش المستعمرين تقتحم المدن الإسلامية، والمسلمون يستصرخون السيد أو الولي الذي كان قد مضى على وفاته مئات السنين! (١). وامتد البلاء إلى الأربطة والثغور التي بنيت أساساً للجهاد

стр. 505

ومقارعة الكفار، إذ تحولت إلى زوايا وتكايا للصوفية، وفي أحسن الأحوال أصبحت مدارس علمية صرفة لا أثر للتربية الجهادية فيها، وحتى مناهجها التعليمية كانت متخلفة ومحدودة (١). وبالإضافة إلى الصوفية ساعد الفقهاء المتأخرون وكتب الفقه المبوبة - من غير قصد- على مد هذا الانحراف بتقسيمهم الأحكام الشرعية إلى عبادات ومعاملات واضعين في القسم الأول الأحكام التعبدية المحضة، وفي الآخر الأحكام التعبدية المتعلقة بالنشاط الاجتماعي والاقتصادي وما شاكلها، لم يقولوا ولم يعتقدوا أن القسم الثاني ليس عبادياً، لكنهم وضعوا القسمة لاعتبارات فنية اصطلاحية لا تمس جوهر الموضوعات، ولا أدل على ذلك من أن الكتب الفقهية المؤلفة في القرنين الأول والثاني، وكذلك كتب السنة -بصفة عامة- تخلوان من هذه القسمة، غير أن هذا التقسيم أصبح -بعد ظهور وانتشار الصوفية وحدوث الانفصام العملي في الحياة الإسلامية- أصبح من دعائم هذا الانفصام، يقول الشهيد سيد قطب ﵀: "إن تقسيم النشاط الإنساني إلى عبادات ومعاملات مسألة جاءت متأخرة عند التأليف في مادة الفقه، ومع أنه كان المقصود به في أول الأمر مجرد التقسيم الفني، الذي هو طابع التأليف العلمي، إلا أنه -مع الأسف- أنشأ فيما بعد آثاراً سيئة في التصور، تبعته -بعد فترة- آثار سيئة في الحياة الإسلامية كلها، إذ جعل يترسب في تصورات الناس أن صفة العبادة إنما هي خاصة بالنوع الأول من النشاط الذي يتناوله فقه العبادات، بينما أخذت هذه الصفة تبهت بالقياس إلى النوع الثاني من النشاط الذي يتناوله فقه

стр. 506

المعاملات! وهي انحراف بالتصور الإسلامي لا شك فيه، فلا جرم يتبعه انحراف في الحياة كلها في المجتمع الإسلامي " (١). وانبثق من هذا الانحراف، وواكبه انحراف في مفهوم آخر هو ركن من أركان الإيمان وهو القدر: ٢ - الانحراف في مفهوم الإيمان بالقدر: لقد كتب أحد المستشرقين الألمان، وهو يؤرخ لحال المسلمين في عصورهم الأخيرة يقول: "طبيعة المسلم التسليم لإرادة الله والرضا بقضائه وقدره والخضوع بكل ما يملك للواحد القهار، وكان لهذه الطاعة أثران مختلفان، ففي العصر الإسلامي الأول لعبت دوراً كبيراً في الحروب إذ حققت نصراً متواصلاً؛ لأنها دفعت في الجندي روح الفداء، وفي العصور الأخيرة كانت سبباً في الجمود الذي خيم على العالم الإسلامي، فقذف به إلى الانحدار وعزله وطواه عن تيارات الأحداث العالمية" (٢). إن هذا الرجل -وهو كافر- أدرك هذه الحقيقة، حقيقة الفرق بين الإيمان بالقدر كما فهمه السلف، وبين الإيمان الذي ابتدعه الخلف متأثرين بالمتصوفة، فالذنب ليس ذنب العقيدة بل ذنب المعتقدين. وقد صاغ ذلك شاعر الإسلام محمد إقبال شعراً فقال: من القرآن قد تركوا المساعي وبالقرآن قد ملكوا الثريا إلى التقدير ردوا كل سعي وكان زماعهم قدراً خفياً تبدلت الضمائر في إسار فما كرهوه صار لهم رضيا (٣)

стр. 507

- نعم لا شك أن ما أصاب المسلمين من ذل وهوان وهزائم معنوية وحسية كان بقدر الله الذي لا يقع في كونه إلا ما يريد، ولا يخفى عليه شيء بل سيان في علمه ما كان وما سيكون، لكن المسلمين في العصور الأخيرة حرفوا هذا المفهوم، فاتخذوا من الإيمان بالقدر مبرراً واهياً لعجزهم وانهيارهم متناسين أن أقدار الله إنما تجرى عليهم وفق سننه الثابتة التي أوضحها لهم، لكنهم غفلوا عنها وأهملوها، فالمسئولية مسئوليتهم وحدهم ولا يظلم ربك أحداً. لقد انقلب التوكل الذي كان الباعث القوي لحركة الجهاد، والانطلاق في الأرض بأسباب الحياة، إلى تواكل رخيص مذموم سماه المتصوفة يقيناً، وسماه الآخرون قناعة، واحتسبه الكل عند الله. يقول الإمام أبو حامد الغزالي (٥٠٥هـ) - وهو يعد من معتدلي الصوفية - في بيان مقامات التوكل: "الأول: مقام الخواص ونظرائه، وهو الذي يدور في البوادي بغير زاد ثقة بفضل الله تعالى عليه في تقويته على الصبر أسبوعاً وما فوقه، أو تيسير حشيش له أو قوت، أو تثبيته على الرضا بالموت إن لم يتيسر شيء من ذلك .. المقام الثاني: أن يقعد في بيته أو في مسجد، ولكنه في القرى والأمصار وهذا أضعف من الأول، ولكنه أيضاً متوكل لأنه تارك للكسب والأسباب الظاهرة معول على فضل الله تعالى في تدبير أمره من جهة الأسباب الخفية، ولكنه بالقعود في الأمصار يتعرض لأسباب الرزق" (١). وإذا علمنا أن هذا الكلام يكتب، والحملات الصليبية على أشدها أدركنا مدى الانحراف ...

стр. 508

لقد استسلم المسلمون لنوم طويل محتجين بالقدر، فلم يوقظهم إلا هدير الحضارة الغربية وهي تدك معاقلهم وتقتحم حصونهم، وكانت المفاجأة المذهلة التي زعزعت إيمان الأمة بدينها، وهو الإيمان الذي كان خامداً بارداً لا حراك له، وفي لحظة الانبهار والانذهال هذه، قال المستشرقون والمبشرون وأذنابهم: إن الدين -وعقيدة القدر خاصة - هو سبب التأخر والجمود في العالم الإسلامي، وصدقهم المغفلون الذين كانوا لا يعرفون من شعائر الدين إلا ما رسمه لهم مشايخ الطرق من صلوات وأوراد، ولا من قواعده إلا أن من الإيمان أن يرضى المرء بما كتب له على المفهوم الخاطئ لها، وباسم الزهد في الدنيا والاستسلام الخانع للذل والفقر تحت ستار الإيمان بالقدر وهما ما تطوعت به الطرق الصوفية وشجعته البيئة الجاهلة المنحطة، تقهقرت الحضارة الإسلامية وذبلت، حتى لفظت أنفاسها على يد الغزو العسكري والحضاري القادم من الغرب. ذلك أن المعادلة الخاطئة التي كانت تقول: إن الصلاح قرين الفقر، والفساد صنو الغنى، قد تطورت واتخذت بعد اليقظة المنبهرة شكلاً آخر، فأصبحت تقول: إن الكفر والدنيا قرينان، والدين والتأخر قرينان. وكان هذا هو الظاهر من حال أوروبا والعالم الإسلامي في أوهام العامة، إن أوروبا كافرة وبيدها مقاليد الدنيا، ونحن مسلمون - على المفهوم الخاطئ طبعاً للإسلام، وفي الوقت نفسه متأخرون. وليس من شأننا -الآن- مناقشة هذه الأفكار، وإنما هدفنا أن نعرضها بإيجاز بالغ لنصل إلى النتيجة النهائية، وهي أن هذا الانحراف في التصورات الإسلامية كان المنفذ الذي تسربت منه العلمانية كإحدى مظاهر الغزو الفكري، لتقول للناس: إن الدين لا علاقة له بالحياة ولا

стр. 509

بالسلوك العملي، وإنما هو رابطة قلبية بين العبد وربه يستحق بها النجاة والفوز في العالم الأخروي. صحيح أن العلمانية فكرة أجنبية، وفدت إلينا مع الاستعمار، ودعمت بأذياله ومؤسساته الظاهرة والخفية، ولكن شيئا من ذلك ما كان ليحدث لولا أننا كنا مصابين بما أسماه مالك بن نبي قابلية الاستعمار أو كما سماه العلامة المودودي قابلية الاستعباد (١) ولا أدل على ذلك من أن الأمة الإسلامية تعرضت للغزو الصليبي، ثم لهجمة التتار الشرسة، وخسرت المعركة سنين طويلة، غير أنه لم يدر بخلدها أن تخنع للأمة الغالبة أو أن تقتبس شيئاً من مناهجها ونظمها وتقاليدها؛ ومع استيعابنا لهذه الحقيقة نورد نماذج من المسلمين المفتونين بالحضارة الغربية باعتبارهم دعامة من الدعامات الأساسية التي ارتكزت عليها العلمانية في العالم الإسلامي: نماذج لتقبل المسلمين الذاتي للأفكار العلمانية: لقد سبق الحديث عن الثورة الفرنسية وطبيعتها اللادينية والأثر التلمودي فيها، كما أننا تحدثنا عن المذهب الطبيعي الفيزيوقراطي في فصل السياسة والاقتصاد، وفي فصل الصراع بين الدين والعلم، عرضنا أيضاً للفلاسفة الطبيعيين وآرائهم. والآن لنقرأ هذه الاقتباسات من كلام شيخ مسلم درس في فرنسا لنرى كيف أنه يذكرنا بما سبق الحديث عنه هناك، وكأنما هو يترجم مع الشرح عبارات روسو وفولتير التي أوردنا نماذج منها سلفاً.

стр. 510

ومن زوال علم أصول الفقه، وما اشتمل عليه من الضوابط والقواعد جزم بأن جميع الاستنباطات العقلية التي وصلت عقول أهالي باقي الأمم المتمدنة إليها، وجعلوها أساساً لوضع قوانين تمدنهم وأحكامهم قل أن تخرج عن تلك الأصول التي بنيت عليها الفروع الفقهية التي عليها مدار المعاملات، فما يسمى عندنا بعلم أصول الفقه يشبه ما يسمى عندهم بالحقوق الطبيعية أو النواميس الفطرية، وهو عبارة عن قواعد عقلية تحسيناً وتقبيحاً، يؤسسون عليها أحكام المدنية، وما نسميه بالعدل والإحسان يعبرون عنه بالحرية والتسوية، وما يتمسك به أهل الإسلام من محبة الدين والولع بحمايته مما يفضلون به عن سائر الأمم في القوة والمنعة يسمونه محبة الوطن، ولما كانت أعمال كل نوع من أنواع المخلوقات، وكل عضو من أعضاء فرد ذلك النوع منقادة لنواميس طبيعية عمومية خصته به الحكمة الإلهية كان لا يمكن مخالفة هذه النواميس بدون اختلال للنظام العام والخاص، وهذه النواميس الطبيعية التي خصت بها العالم القدرة الإلهية عامة للإنسان وغيره، فينبغي للإنسان ألا يتجارى على هذه الأسباب ويتعدى حدودها، حيث أن المسببات الناتجة عنها منتظمة محققة، فعلى الإنسان أن يطبق أعماله على هذه الأسباب التي تقدم ذكرها، ويتمسك بها وإلا عوقب عقاباً إلهياً لمخالفة خالق هذه الأسباب، وأغلب هذه النواميس الطبيعية لا يخرج عنها حكم الأحكام الشرعية، فهي فطرية خلقها الله مع الإنسان، وجعلها ملازمة له في الوجود، فكأنها قالب له نسجت على منواله وطبعت على مثاله، وكأنما هي سطرت في لوح فؤاده بإلهام إلهي بدون واسطة، جاءت بعدها شرائع الأنبياء بالواسطة وبالكتب التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، فهي سابقة على تشريع الشرائع عند الأمم والملل، وعليها في أزمان الفترة تأسست قوانين الحكماء

стр. 511

الأول وقدماء الدول، وحصل منها الإرشاد إلى طرق المعاش في الأزمنة الخالية، كما ظهر منها التوصل إلى نوع من انتظام الجمعيات التأنسية عند قدماء مصر والعراق وفارس واليونان، وكان ذلك من لطف الله تعالى بالنوع البشري حيث هداهم لمعاشهم بظهور حكماء فيهم؛ يقننون القوانين المدنية -لا سيما الضرورية- لحفظ المال والنفس والنسل" (١). ويقول في مؤلف آخر مثنياً على الدستور الفرنسي "الشرطة": "فيه أمور لا ينكر ذوو العقول أنها من باب العدل ... معنى الشرطة اللغة اللاتينية ورقة، ثم تسومح فيها، فأطلقت على السجل المكتوب فيه الأحكام المقيدة، فلنذكره لك وإن كان غالب ما فيه ليس في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسول الله ﷺ ، لتعرف كيف قد حكم عقولهم بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير الممالك وراحة العباد، وكيف انقادت الحكام والرعايا، لذلك عمرت بلادهم، وكثرت مصارفهم، وتراكم بناهم، وارتاحت قلوبهم، فلا تسمع فيها من يشكو ظلماً أبداً، والعدل أساس العمران" (٢). ويقول شيخ آخر معاصر له بوجوب (تحذير ذوي الغفلات من عوام المسلمين عن تماديهم في الإعراض عما يحمد من سيرة الغير الموافقة لشرعنا بمجرد ما انتقش في عقولهم من أن جميع ما عليه غير المسلم من السير والتراتيب ينبغي أن يهجر، وتآليفهم في ذلك يجب أن تنبذ ولا تذكر). وهو يعني بذلك اقتباس الطرائق الغربية في الحكم كالدستور المدون والمجالس النيابية ... إلخ، إذ يقول عن الممالك الأوروبية:

стр. 512

"وإنما بلغوا تلك الغايات والتقدم في العلوم والصناعات بالتنظيمات المؤسسة على العدل السياسي وتسهيل طرق الثورة، وملاك ذلك كله الأمن والعدل اللذان صارا طبيعة في بلدانهم، وقد جرت عادة الله (كذا) في بلاده أن العدل وحسن التدبير والتراتيب المحفوظة من أسباب نمو الأموال والأنفس والثمرات". ويقول مؤيداً ومستشهداً: "سمعت من بعض أعيان أوروبا ما معناه (إن التمدن الأورباوي تدفق سيله في الأرض، فلا يعارضه شيء إلا استأصلته قوة تياره المتتابع، فيخشى على الممالك المجاورة لأوروبا من ذلك التيار إلا إذا أخذوه وجروا مجراه في التنظيمات الدنيوية، فيمكن نجاتهم من الغرق" (١). أما جمال الدين الأسد أبادي المشهور بالأفغاني، فهول يقول بصراحة: "إن الأمة هي مصدر القوة والحكم، وإرادة الشعب هي القانون المتبع للشعب، والقانون الذي يجب على كل حاكم أن يكون خادماً له وأميناً" (٢). ويقول أحد المتأثرين به وهو عبد الله النديم: "ولئن قيل إن التجارب دلتنا على أن الشورى لا تنجح في الشرق، أو أن الشرقيين غير عقلاء كما يزعم محبو الأثرة والانفراد بالتسلط، قلنا: إن الشرقي مع الغربي في الخلق يرد هذه الدعوى الباطلة، وإنما ثار الغربيون على العمل بالشورى، وأخذوا يصححون

стр. 513

الأغاليط، ويراجعون الأخطاء، ويتبادلون الجدل عن عزائم صادقة حتى تربت الملكات، وتصورت المطالب أمامهم بصور الواقعيات" (١). ومن أوضح الأدلة على تأثر المسلمين بالغرب وتقبلهم للفكر الدخيل، ما نراه في كلام جمال الدين المذكور وتلامذته من محاولة - لعلها الأولى في التاريخ الإسلامي - للتقريب بين الإسلام والمذاهب البشرية الوضعية، فهو يقول عن الاشتراكية: "وهكذا دعوى الاشتراكية ... ، وإن قل نصراؤها اليوم فلا بد أن تسود في العلم يوم يعم فيه العلم الصحيح، ويعرف الإنسان أنه وأخاه من طين واحد أو نسمة واحدة، وإن التفاضل إنما يكون بالأنفع من المسعى للمجموع". ويقول: "أما الاشتراكية في الإسلام فهي ملتحمة مع الدين الإسلامي ملتصقة في خلق أهله منذ كانوا أهل بداوة وجاهلية، وأول من عمل بالاشتراكية بعد التدين بالإسلام هم أكابر الخلفاء من الصحابة، وأعظم المحرضين على العمل بالاشتراكية كذلك من أكابر الصحابة أيضاً" (٢). أما تلميذه الشيخ محمد عبده، فيستحسن الأنظمة الجمهورية النيابية، معتقداً أنها هي الوسيلة الحديثة للشورى الإسلامية، يقول: "والمبايعة لا تتوقف صحتها على الشورى، ولكن قد يحتاج فيها إلى الشورى لأجل جمع الكلمة على واحد ترضاه الأمة، فإذا أمكن ذلك بغير تشاور بين أهل الحل والعقد كأن جعلوا ذلك بالانتخاب -المعروف الآن- في الحكومة الجمهورية، وما هو في معناها حصل المقصود" (٣).

стр. 514

ونحن لا نورد هذه الأقوال إلا لغرض واحد هو بيان انبهار الأمة الإسلامية بالغرب ونظمه، واستعدادها الذاتي للتلقي عنه تلقياً تدل هذه الشواهد وغيرها أنه لن يكون فيه تمييز ولا اختيار، وإذا كان هؤلاء وأمثالهم تطوعوا بتسويغ النظم اللادينية في أمتهم، وهيئوا النفسية الإسلامية لتقبلها مندفعين بدوافع نفسية ذاتية - وهو أمر قابل للجدال- فقد جاء بعدهم أناس مغرضون صرحاء اتخذتهم القوى المتآمرة على الإسلام أصابع لمخططاتها ومعاول لهدم الكيان المادي والمعنوي للأمة الإسلامية، وهؤلاء نؤجل الحديث عنهم إلى فصوله المناسبة على أن الدلالة المشتركة بين أولئك، وهؤلاء هي أن الأمة الإسلامية نفسها هي المسئولة أولاً وآخراً عن الغزو الفكري والحرب النفسية الشرسة على الإسلام، والتي كانت دعاوى العلمانية إحدى طلائعها.

стр. 515

ثانياً: التخطيط اليهودي الصليبي: ليس في تاريخ العداوات عداوة تماثل في شراستها وأبديتها ذلك النوع الذي تواجه به طوائف اليهود والنصارى الأمة الإسلامية. إن هذه العداوات المتغلغلة العميقة ليس موضوعها خلافاً مذهبياً ولا نزاعاً سياسياً، ولا مطامع اقتصادية، أي أنها باختصار: ليست مما يمكن تسويته واجتثاث آثاره. ولا يفلح في تعليلها ما يقوله المستشرقون ومنهم (جب) من أنه (حدث قبل في حياة محمد ﷺ أن بدأت تتشابك سيوف المسلمين والمسيحيين وظلت كذلك حتى اليوم ولهذا ظل العالم المسيحي الأوروبي عدو الإسلام الألد) (١) لأن هذه الحروب نتيجة وليست سبباً وإلا فما الداعي لنشوب هذه الحروب أصلاً؟ وكم عرف التاريخ من حروب أعقبتها صداقات وعلاقات، إن القضية أبعد من ذلك وأعمق. إنها قضية حق وباطل، نور وظلام، يقين وخرافة، ومن هنا كانت الشقة بعيدة وكان اللقاء مستحيلاً. ومع إدراكنا لهذا فلا علينا أن نتحدث عن الدور الذي أدته الحروب الصليبية في هذا الشأن، المهم أن نبحثه باعتبارها مظهراً للعداوة

стр. 516

لا علة فيها، إن العلاقة بين البلاد الإسلامية وبين أوروبا خاصة -بصفتها مهد العلمانية- لا يمكن أن تدرس بغير الحروب الصليبية. فهذه الحروب أضفت على تلك العداوة الأبدية الراسخة مظهراً جديداً، وأذكت فيها روحاً مغايرة، وبذلك اختلفت آثارها ونتائجها عن الحروب السابقة الأخرى التي لم تنطفئ قط. ولذلك الأمر سبب نفسي يتعلق بوجود أوروبا وتكوينها السياسي والاجتماعي والحضاري بصفة عامة، وهو أن الحروب الصليبية (حدثت في أثناء طفولة أوروبة في العهد الذي كانت فيه الخصائص الثقافية قد أخذت تعرض نفسها وكانت لا تزال في طور تشكلها، والشعوب كالأفراد، إذا اعتبرنا أن المؤثرات العنيفة التي تحدث في أوائل الطفولة تظل مستمرة ظاهراً أو باطناً مدى الحياة التالية، وتظل تلك المؤثرات محفورة حفراً عميقاً حتى أنه لا يمكن للتجارب العقلية في الدور المتأخر من الحياة والمتسم بالتفكير أكثر من اتسامه بالعاطفة أن تمحوها إلا بصعوبة، ثم يندر أن تزول آثارها تماماً. وهكذا كان شأن الحروب الصليبية فإنها أحدثت أثراً من أعمق الآثار وأبقاها في نفسية الشعب الأوروبى، وإن الحمية الجاهلية العامة التي أثارتها تلك الحروب في زمنها، لا يمكن أن تقارن بشيء خبرته أوروبة من قبل، ولا اتفق لها من بعد، لقد اجتاحت القارة كلها موجة من النشوة كانت -في مدة على الأقل- عنفواناً تخطى الحدود التي بين البلدان والتي بين الشعوب والتي بين الطبقات، ولقد اتفق في ذلك الحين، وللمرة الأولى في التاريخ أن أوروبة أدركت في نفسها وحدة، ولكنها وحدة في وجه العالم الإسلامي، ويمكننا أن نقول من غير أن نوغل في المبالغة: إن أوروبا ولدت من روح الحروب الصليبية ... ، ولدت (فكرة المدنية الغربية) وأصبحت هدفاً واحداً تسعى إليه جميع

стр. 517

الشعوب الأوروبية على السواء، وكانت تلك المدنية الغربية عداوة للإسلام وقفت عُرّاباً في هذه الولادة الجديدة (١). هذا التحليل العميق الواعي يقضي على كل التساؤلات حول استمرارية العداوة بين أوروبا والمسلمين، ويلغي زيف الشبهات التي تقول: إن عداوة أوروبا تنطلق من دوافع غير دينية، أو أن الحروب الصليبية نفسها كانت حرباً اقتصادية! لقد تلا الحروب الصليبية تصفية الوجود الإسلامي في الأندلس بصفة لا نظير لها في التاريخ، ثم كان سقوط القسطنطينية في أيدي المسلمين حادثاً رهيباً أذهب عن أوروبا حلاوة انتصارها في الأندلس، وبعدها جاءت طلائع الحروب الصليبية متخفية برايات المكتشفين الجغرافيين، ثم جاءت الروح الصليبية كامنة في مدافع نابليون، التي تضعنا على أول محاولة ضخمة من أوروبا الحديثة لاستئصال شأفة الإسلام وبذر جذور اللادينية في أبنائه، والحق أن الجنرال اللنبي لم يكن أكثر صراحة حين وقف على جبل الزيتونة في الحرب العالمية الأولى قائلاً: ((الآن انتهت الحروب الصليبية)) كما أن الواقع التاريخى يؤكد أن هذه الحرب لن تنتهي، وأن الذي خدع بعض المستغفلين هو اختلاف فصولها ومظاهرها. وها هو (جان بول رو) يقرر ذلك قائلاًَ: (لقد اعتدنا أن نتحدث عن ثمان حملات صليبية الأولى بدأت منها ١٠٩٦م، والأخيرة انتهت ١٢٧٠ غير أن هذا التقسيم لا يبدو متجاوباً كثيراً مع الواقع، ويمكننا أن نزيد هذا العدد إذا أخذنا بعين الاعتبار جميع الدفعات التي وجهت إلى الشرق).

стр. 518

( ... فقد قذف بملايين الأوروبيين إلى شواطئ الشرق، ومهمتهم: تغيير المعتقدات الشرقية ومن أجل الوصول إلى ذلك كان عليهم أن يخربوا هذا الشرق)! نعم إن الهدف هو (تغيير المعتقدات الشرقية) التي هي بطبيعة الحال الإسلام، فمادام هذا الهدف لم يتحقق فإن الحملات هي كلها صليبية والعداوات كلها صليبية. يؤكد ذلك (رو) قائلاً: ((لم يكن القضاء على الدولة العثمانية إلا مظهراً من مظاهر الهجوم العام الذي يشنه الأوروبيون على الدول الإسلامية، ومن جزر الفلبين إلى قلب أفريقيا عمل الرجل الأبيض على بسط سيطرته على الرجل المسلم وفرض عليه مفاهيمه في الوجود وطرق معيشته وتفكيره ومخططاته وتكتيكه)). ويقول (رو): (إن الحرب بين الإسلام والمسيحية دامت ثلاثة عشر قرناً) وقسمها إلى أربع مراحل رئيسية، جاعلاً المرحلة الرابعة منها هي (طرد الأتراك ممن ممتلكاتهم والقضاء على قوة الإسلام في آسيا الوسطى، وفرض الاستعمار أو الحماية على القسم الأكبر من ديار الإسلام) (١) ولم لا يكون الأمر كذلك، وأول عمل قام به الإنجليز في الهند هو إلغاء الشريعة الإسلامية، وأول عمل قام به نابليون في مصر هو تعطيل الشريعة وإحلال القانون الفرنسى محلها، وأول عمل قام به أذناب المخطط اليهودي الصليبي في تركيا هو إلغاء الشريعة الإسلامية، ثم إعلان تركيا دولة لادينية!!

стр. 519

ومنذ أن أحكمت اليهودية العالمية أنشوطتها على العالم الغربي، وأوقعته أسيراً في شباكها الأخطبوطية، اتخذت العداوة مساراً واحداً تحفزه الروح الصليبية وتوجهه الأفعى اليهودية، فقد تشابكت وتداخلت مصالح الطرفين، وكان الغرب الصليبي مستعداً للتخلي عن كل حقد وعداوة إلا عداوته للإسلام، في حين كانت الخطط التلمودية تروم تسخير العالم الصليبي -بعد أن شلت قواه وركبت رأسه- للقضاء على عدوها الأكبر الإسلام. ولتوضيح ذلك نكتفي بتقرير المستشار الأول للرئيس الأمريكي جونسون سنة ١٩٦٤م، ومعلوم خضوع رؤساء أمريكا للضغط اليهودي، وهو يعطينا -بالإضافة إلى ما أشرنا إليه- لمحة عامة عن الخطة العلمانية في العالم الإسلامي وآثارها المجملة. يقول التقرير: ( ... يجب أن ندرك أن تلك الخلافات بين إسرائيل والعرب، لا تقوم بين دول أو شعوب بل تقوم بين حضارات). (لقد كان الحوار (الصراع) بين المسيحية والإسلام محتدماً على الدوام منذ القرون الوسطى بصورة أو بأخرى! ومنذ قرن ونصف خضع الإسلام لسيطرة الغرب، أي: خضعت الحضارة الإسلامية للحضارة الغربية، والتراث الإسلامي للتراث المسيحي! وتركت هذه السيطرة آثارها البعيدة في المجتمعات الإسلامية، حتى بعد انتهاء أشكالها السياسية، بحيث جعلت المواطن العربى يواجه معضلات ومشكلات هائلة وخطيرة، في السياسة والاجتماع والاقتصاد والعلم، لا يدري كيف يتفاعل معها في علاقاته الداخلية والخارجية على السواء). (لقد تحرر حقاً من سيطرة الغرب السياسية لكنه لم يستطع

стр. 520

التحرر من سيطرة الغرب الحضارية! إن ثروته البترولية تصنع وتسوق بالعقول الغربية والأساليب الغربية والآلة الغربية، إن الجيوش العربية التي هي مصدر غروره القومي تستعمل السلاح الغربي، وترتدي البزة الغربية بل وتسير على أنغام الموسيقى الغربية، حتى إن ثورته على الغرب مستمدة من المبادئ والقيم والمفاهيم الغربية التي تعلمها من الغرب، حتى أن معرفته بتاريخه وحضارته وتراثه تعزى إلى المثقفين الغربيين). (إن غلبة الحضارة الغربية في الشرق -وهي العدو القديم للحضارة الإسلامية- قد أورثت العربي المسلم الشعور بالضعة والمهانة والصغار أمام طغيان تلك الحضارة التي يمقتها ويحترمها في نفس الوقت). (لقد استطاعت بعض الدول الشرقية كتركيا وإيران تطوير علاقتها بالدول الغربية على أساس مصالحها القومية، لكن السياسة الغربية ما تزال تعيش على أحلام وأمجاد وأوهام الامبراطورية الإسلامية، التي كانت تقسم العالم إلى قسمين متعارضين متناقضين، يعادي أحدهما الأخر ويضمر له الشر هما: (دار الإسلام) -أي: الامبراطورية الإسلامية- ودار الحرب أي: أعداء تلك الامبراطورية على أساس الحديث (الكفر ملة واحدة) (١). وتجدر الإشارة إلى أن خطة العمل الموحد المشترك بين الصليبية واليهودية أصبحت لزاماً وواجباً مشتركاً على كلا الطرفين بعد الموقف الصلب الذي واجه به السلطان عبد الحميد ﵀ هرتزل، إذ تعين بعدها أن القضاء على الخلافة الإسلامية ضروري لمصلحة

стр. 521

الفريقين: النصارى الذين كانت دولهم الاستعمارية تتحين الفرصة للأخذ بثأر الحروب الصليبية، واليهود الذين أيقنوا أن فشلهم مع السلطان يستوجب التركيز على العالم الصليبي وتسخيره لمآربهم التلمودية، وبلغت الخطة ذروة التوحد بعد قرار المجمع المسكوني الذي ينص على تبرئة اليهود من دم المسيح ﵇ والذي كان يهدف إلى محو كل أثر عدائي مسيحي لليهود، وبالتالي إيجاد كتلة يهودية نصرانية واحدة لمجابهة الإسلام (١) وإذا كانت العداوة لم تتغير ولم تتبدل فإن الخطة تغيرت كثيراً. الحروب الصليبية التي كان قوامها مجموعات من الأوباش والهمج، كانت خطتها عسكرية بحتة وهدفها تدمير الكيان الإسلامي بالقوة. والحروب الصليبية الاستعمارية كانت خطتها تقوم على هدف القضاء على الإسلام، ولكن بواسطة احتلال أراضيه احتلالاً مباشراً، والمستشرق (كيمون) الذي كان يفكر بعقلية الحروب الصليبية يضع للعالم الغربي خطة لتدمير الإسلام يقول فيها: (أعتقد أن من الواجب إبادة خمس المسلمين والحكم على الباقين بالأشغال الشاقة، وتدمير الكعبة، ووضع قبر محمد وجثته في متحف اللوفر) (٢). والمبشر بالكراف يقول: (متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب، يمكننا حينئذٍ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه) (٣).

стр. 522

ولعل هذا التفكير البربري يستمد دلالته من إنهاء الوجود الإسلامي في الأندلس، ويطمع في أن يتكرر ذلك في المشرق. ولكن كان هناك تفكير ذكي اتعظ بالهزائم العسكرية المتلاحقة التي مني بها الغرب، ونقب عن السر العظيم لصلابة المسلمين وانتفاضتهم المفاجئة، ووجد السر فعلاً إنه الإسلام نفسه ولا شيء سواه. ووضع خطته الخبيثة بناءً على هذه النتيجة، خطة لا تقوم على إبادة المسلمين ولا على احتلال أراضيهم، وإنما تقوم على إبادة الإسلام نفسه واقتلاعه من نفوس أبنائه وضمائرهم، أو تقليص دائرته وعزله عن واقع الحياة. وإذ تحول الصراع من حرب المسلمين إلى حرب العقيدة الإسلامية ذاتها؛ تغيرت ملامح وجوانب المعركة: لم يعد ميدانها الرئيسي الأرض، ولكنه الأدمغة، ولم تعد وسيلتها الوحيدة السيف بل الفكر، ولم تعد جيوشها الأساطيل والفرق ولكنها المؤسسات والمناهج بالدرجة الأولى. وأكبر احتياطات هذه الحرب هو التكتم الشديد عن ذكر الإسلام، أو التصريح بعداوة المسلمين، ولتتخذ المعركة ما شاءت من أسماء وشعارات بعد ذلك، لتوصف بأنها معركة بين الشرق والغرب، أو بين اليمين واليسار، أو بين المصالح القومية، ولتنعت بأي شيء عدا وصفها بأنها (دينية)، لأن هذا الوصف جدير باستثارة الحمية الجهادية، واستثارتها تعني فشل الخطة برمتها، وتكرار مأساة حطين من جديد. وأول من لفت أنظار العالم الغربي الصليبي إلى هذه الخطة هو القديس لويس ملك فرنسا، وقائد الحملة الصليبية الثانية الذي هزم وأسر في المنصورة، ثم افتدى نفسه وعاد إلى بلاده ليوصي بني ملته

стр. 523

بنصيحته الغالية: يقول مؤرخو الغرب، وعلى رأسهم المؤرخ (جونفيل) الذي رافق لويس التاسع: (إن خلوته في معتقله بالمنصورة، أتاحت له فرصة هادئة ليفكر بعمق في السياسية التي كان أجدر بالغرب أن يتبعها إزاء العرب المسلمين). فماذا ارتأى لويس بعد أن فكر وقدر؟ لقد كانت معالم سياسته الجديدة واتجاهاتها وأسسها على النحو التالي: أولاً: تحويل الحملات الصليبية العسكرية إلى حملات صليبية سلمية تستهدف ذات الغرض، لا فرق بين الحملتين إلا من حيث نوع السلاح الذي يستخدم في المعركة. ثانياً: تجنيد المبشرين الغربيين في معركة سلمية لمحاربة تعاليم الإسلام ووقف انتشاره، ثم القضاء عليه معنوياً، واعتبار هؤلاء المبشرين في تلك المعارك جنوداً للغرب. ثالثاً: العمل على استخدام مسيحيي الشرق في تنفيذ سياسة الغرب. رابعاً: العمل على إنشاء قاعدة للغرب في قلب الشرق العربي، يتخذها الغرب نقطة ارتكاز له ومركزاً لقواته الحربية ولدعوته السياسية والدينية، ومنها يمكن حصار الإسلام والوثوب عليه كلما أتيحت الفرصة لمهاجمته. (وقد عين لويس التاسع لإنشاء هذه القاعدة الأراضي الممتدة على ساحل البحر الأبيض من غزة حتى الإسكندرية، وتشمل فلسطين والأردن والبلاد المقدسة ثم لبنان ... ) (١).

стр. 524

وقد قدر هذه النصيحة حفيده نابليون الذي أصدر عقب احتلاله لمصر بياناً افتتحه ببسم الله الرحمن الرحيم وقال فيه: (إن الفرنسيين أنصار النبي قد قهروا البابا، فرسان مالطة فليصدقنا المصريون إذا قلنا: إننا حقاً مسلمون. إذا لم توافقوا على آرائي فاسمحوا لي على الأقل أن أتوسل إليكم حامياً وصديقاً للإسلام، ولا يهمني أن تعترفوا بي مسلماً حقيقياً أو تنكروا وجودي بتاتاً فشعوري نحو عبيد الله لن يتغير) (١). بل حاول تشييد جامع كبير باسمه، وكان يرتدي العمامة ويحضر احتفالات المولد ... إلخ. أما أعماله الحقيقة التي قدم لأجلها من بلاده فما كانت لتخفى على بصير، والدرس نفسه وعته بريطانيا عندما وقف رئيس وزرائها جلادستون في مجلس العموم البريطاني، يتحدث عن خطة الاستعمار البريطانى في العالم الإسلامي، فقال: (ما دام هذا القرآن موجوداً بين أيدي المسلمين فلن تستطيع أوروبة السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان) (٢). من هذا المنطلق الماكر بدأت المخططات لإخراج الأمة الإسلامية من دينها، وتعريتها من مقومات وجودها، وحملها -كما يقول جب- على العلمانية وانتظمت جيوش الغزو في ثلاثة أجنحة كبرى هي: ١ - قوى الاحتلال المباشر. ٢ - المستشرقون. ٣ - المبشرون كما يسمون.

стр. 525

ويجب أن نضيف جناحاً رابعاً هو: الطوائف اليهودية والنصرانية والباطنية في العالم الإسلامي. ١ - قوى الاحتلال المباشر: قدمت جيوش الاحتلال العسكري إلى العالم الإسلامي تقودها عقليات غير العقلية البربرية الصليبية، فهي تتمتع بقسط كبير من الدهاء والخبث، وهي تعرف سلفاً أن لها مهمة أعظم من مهمة أجدادها، وأن نجاح هذه المهمة يتوقف على الدقة في تنفيذ الخطة الجديدة. وقد قطفت أولى ثمرات الخطة عندما استطاعت أن تحارب جيوش الدولة العثمانية بأناس مسلمين، ساروا في ركاب اللنبي حتى فتح القدس. وهي أول حرب صليبية في التاريخ يكون قوامها مغفلون منتسبون إلى الإسلام! وبمقتضى اتفاقية (سايكس - بيكو) توزعت عساكر الصليبيين الجدد العالم الإسلامي عدا أجزاء قليلة، وابتدأت دوائر الاستعمار تنفذ مخططها المرسوم، وتتلخص جهود هذا النجاح فيما يلي: ١ - القضاء على الحركات الإسلامية الجهادية كحركة المهدي في السودان (١) وعمر المختار في ليبية وعبد القادر الجزائري وعبد الكريم الخطابي في المغرب الأقصى وإسماعيل الشهيد في الهند، أما في مصر فقد أعدم الإمام الشهيد حسن البنا بعد أن عجزت المخططات عن احتواء دعوته، ثم ضربت الحركة بطريق مباشرة وغير مباشرة. ٢ - إلغاء المحاكم الشرعية وإحلال القوانين الوضعية محلها:

стр. 526

لا تكاد جيوش الاحتلال تضع أقدامها على أرض إسلامية حتى تبادر بهذا العمل لأنهم يدركون نتائجه البالغة. وأول قطر بدأ فيه إلغاء الشريعة الإسلامية، كما يقول الأستاذ المودودي هو الهند، فحتى سنة ١٧٩١ كانت الشريعة هي القانون العام فيها، ولكن الإنجليز تتدرجوا في إلغائها حتى تم ذلك في أواسط القرن الماضي، يلي ذلك الجزائر التي بدأ إلغاء الشريعة فيها عقب الاحتلال الفرنسي سنة ١٨٣٠، ثم مصر التي أدخل إسماعيل (عميل فرنسا) القانون الفرنسي فيها ولم تأتِ سنة ١٨٨٣ حتى كان نصيب الشريعة لا يتجاوز الأحوال الشخصية إلا قليلاً. ثم تونس، حيث أدخل الفرنسيون قانونهم سنة ١٩٠٦ ليتدخل حتى في الأحوال الشخصية، وفي سنة ١٩١٣ وضعوا في المغرب قانوناً مدنياً مماثلاً لما في تونس (١). أما بلاد العراق والشام، فقد تأخرت في ذلك بسبب تبعيتها للقضاء العثماني الذي يعتمد على مجلة الأحكام العدلية، ولم تلغ الشريعة إلا بعد إلغاء الخلافة وثبوت أقدام الإنجليز والفرنسيين فيها. ٣ - القضاء على التعليم الإسلامي والأوقاف الإسلامية: أدرك المستعمرون أن أعظم وسيلة لإبعاد المسلمين عن دينهم هو أن يكونوا جهلاء به، واتعظوا بمصير (كليبر) (٢) على يد طالب الأزهر: سليمان الحلبي، وبما ذاقوه من مقاومة في الهند والمغرب تزعمها علماء الشريعة وطلابهم، فوضعوا المخططات الماكرة لتقليص التعليم الديني تدريجياً، وإحلال التعليم اللاديني محله، وأشهر هذه المخططات مخطط كرومر ودنلوب في مصر، الذي انتهج سياسة بعيدة المدى دقيقة الخطى في

стр. 527

القضاء على الأزهر ومعاهده وكتاتيب القرآن، ووضع نموذجاً خبيثاً للدس على الإسلام وتشويه تاريخه خلال المنهج التعليمي، ولا أدل على نجاح هذه الخطة من بقاء آثارها إلى اليوم في مصر والدول العربية عامة (١). وفي العراق وضع المستر كوك خطة مماثلة حولت العلماء إلى موظفين بمديرية الأوقاف، وبحجة تنظيم الأوقاف إدارياً ومنهجياً قضي على التعليم الديني الذي كان يعيش على أموال الأوقاف، بل أقفلت الجوامع التي كان القرآن يحفظ فيها (٢). وفي بلاد المغرب كان الفرنسيون يحولون الجوامع والزوايا إلى إسطبلات للخيول ومخازن للسلاح بعد طرد طلابها، في الوقت الذي كان فيه التعليم اللاديني يدعم بكل وسيلة (٣). وبلغ هذا العمل قمته بالجامعات والكليات التي بنيت في إسلامبول والقاهرة وبيروت ولاهور وغيرها، تلك التي كانت -ولا يزال ما بقي منها- لا دينية صرفة. ٤ - استخدام الطوائف غير الإسلامية وإحياؤها، وهذه الخطوة من أخبث الخطوات وأعمقها دلالة، فحيثما حل المستعمرون يقومون بنبش العقائد الميتة أو تنظيم الطوائف غير الإسلامية، ويمهدون لها السبيل لتولي المناصب المهمة، مستثيرين حقدهم على المسلمين بالزعم بأن الفتح الإسلامي كان استعماراً لهم، وأن المسلمين متعصبون ضدهم ... إلخ، ففي بلاد الشام تعهدت فرنسا بدعم النصارى وسلمتهم الوظائف العليا، ونظمت فلولهم في جمعيات ومؤسسات

стр. 528

عسكرية ومدنية، وعند إنشاء الجامعة السورية -مثلاً- عينت لها مديراً نصرانياً هو قسطنطين زريق. أما الطوائف الباطنية فقد استطاعت بواسطة المستشرقين أن تبعث عقائدها وتنشر كتبها، وسمى الفرنسيون النصيرية (علويين)، واصطنعوهم عملاء لهم وحرضوهم على الالتحاق بالجيش، حتى احتالوا قيادته العليا، وأخيراً استطاعوا أن يتحكموا في الأكثرية المسلمة، وأن ينظموا فرقاً عسكرية حديثة خاصة بهم. وفي مصر أقيمت القضية نفسها (قضية التعصب) على قدم وساق، وتحت ستار اللاتعصب واللاطائفية، مكن للأقباط من بناء الكنائس والمدارس بكثرة، وتولي المناصب الوزارية في الحكومة برعاية الإنجليز، ومعروفة سيرة الخائن يعقوب القبطي، الذي تعاون وقومه مع الفرنسيين حتى سموه: (الجنرال يعقوب)! (١) وفي معظم دول أفريقيه خرج الاستعمار مخلفاً وراءه حكومة نصرانية تحكم شعوباً تصل نسبة الإسلام في بعضها إلى (٩٩%). أما في الهند فقد تحول المسلمون فيها بعد الاستعمار من قوة حاكمة إلى أقلية ضعيفة ينهشها الإنجليز والهندوس والسيخ والبوذيون من كل جانب. وهذا غير الطوائف التي أحدثها الاستعمار لهدم العقيدة الإسلامية كالبابية والبهائية والقاديانية التي تتضح عمالتها له بمرور الأيام (٢).

стр. 529

٥ - اصطناع العملاء من أبناء المسلمين: كان من النصائح التي قدمها القسيس زويمر للمبشرين قوله: (تبشير المسلمين يجب أن يكون بواسطة رسول من أنفسهم ومن بين صفوفهم. لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أعضائها) (١). وقد نفذت هذه النصيحة في البلاد الإسلامية جميعها، واستطاع المستعمرون أن يكونوا من العناصر الضعيفة الإيمان قوىً منظمة بعضها أحزاب سياسية، وبعضها اتجاهات فكرية تربت على عين الاستعمار وسمعه، وحشيت أذهانها بما أملاه أعداء الإسلام، وظل الشعور بالنقص والتبعية للغرب هو إحساسها الدائم. واختير من تلك القوى أفراد قدر المستعمر، أنهم أفضل المطايا له، فصنع لهم بطولات ضخمة، وأثار حولهم الغبار الكثيف، حتى خيل للأمة أن على أيديهم مفتاح نهضتها وبناء مجدها، فطأطأت لهم الرأس حتى إذا تمكنوا منها أنزلوا بها من الذل والدمار وخراب العقيدة ما لم تذقه على يد أسيادهم وإن كتاب (الرجل الصنم)، (٢) الذي كتبه ضابط تركي سابق، ليقدم لنا واحداً فقط من هؤلاء الأفراد المصطنعين، نسج على منواله في عالمنا العربي كثير. وليس أدل على ذلك من أن القوى التي حكمت العالم الإسلامي بعد رحيل الاستعمار لم تكن الحركات الجهادية التي جابهت المستعمرين، بل كانت أحزاباً وقوى مشبوهة تشهد أعمالها وآثارها بأنها جنت على الأمة ما لم يجنه الأعداء السافرون، مما يعطي الدليل

стр. 530

الواضح على أن تنفيذ المخطط اليهودي قد وكل إليهم، مع اختلاف في الأدوار وتنوع في الإخراج. ٦ - تنفيذ توصيات المستشرقين والمبشرين، والإشراف على إنجاح مهامهم، وتذليل العقبات التي قد تعترض جهودهم. هذا غير الهدف الظاهر للاستعمار، وهو إذلال العالم الإسلامي، وتسخير أبنائه وثرواته لأطماع المستعمرين! ٢ - المستشرقون: المستشرقون أدمغة الحملات الصليبية الحديثة، وشياطين الغزو الثقافي للعالم الإسلامي، ظهروا في حلبة الصراع في فترة كان المسلمون فيها يعانون من الإفلاس الحضاري والخواء الروحي وفقدان الذات، مما جعل الفرصة سانحة لأولئك الأحبار الرهبان، وجنود الصليبيين الموتورين؛ كي يثأروا لهزائمهم الماضية وينفثوا أحقادهم الدفينة. واقتضت خطة وجودهم في عصر يعبد العلم ويضفي عليه قداسة الوحي في العصور السابقة، أن يخلعوا عن كواهلهم مسوح الرهبان والأحبار وسلاح الميدان، ويرتدوا لباس العلم ومسوح المعرفة، ثم جندوا آلاف المخطوطات ومئات المؤسسات الثقافية المختلفة لمعركة استئصال الإسلام، وعكفوا في صوامع البحث يديرون الصراع المرير بخبث ودهاء. وما كان ليغيب عن بالهم أن القضاء على الأشلاء الباقية من الكيان الإسلامي الضخم، وسد كل الطرق التي قد تهيئ لبعث الحياة فيها، لا تتم إلا بسلب الأمة ذاكرتها متمثلة في تراثها العظيم، وفي الوقت نفسه شن حرب نفسية شرسة لإبادة مالا يزال عالقاً في أذهان
следующие страницы →