← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96612

العلمانية - نشأتها وتطورها

سفر الحوالي

Полный текст (715 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الداروينية -التي عرضنا سلفاً رأي الباحثين المحققين من الغربيين فيها- تدرسها مناهجنا على أنها حقيقة علمية في مواد كثيرة كالأحياء والتاريخ الطبيعي وعلم الأرض ... سواء ذُكر داروين أو لم يذكر. ونظرية فرويد المتهافتة نجدها مقررة في أقسام علم النفس في الجامعات قاطبة على أساس أنها نظرية علمية كذلك! وفي أقسام الاجتماعيات تدرس نظرية دوركايم، بل يدرس علم الاجتماع بكامله على المنهج الغربي، ونحن نعلم مما سبق أنه كعلم النفس بني أصلاً على أسس لادينية. وفي أقسام الكيمياء والفيزياء والفلك والطب ... إلخ، تدرس مناهج محشوة بإيحاءات فلسفية أو وثنية في العبارات المسمومة مثل "المادة لا تفنى ولا تستحدث" ومثل "خلقت الطبيعة كذا". وكذلك تعمد تفسير وقوع الزلازل وسقوط النجوم وتكوين الجنين وما أشبهها تفسيراً مادياً صرفاً. ومن ذلك أيضاً الإتيان ببعض ما ثبت في القرآن والسنة تحت العبارة التقليدية "وكان الناس قبل ظهور العلم الحديث يعتقدون كذا" أو "كانت الكتب القديمة تقول كذا" ومثلها "كان الناس قديماً ينسبون ما يعجزون عن تفسيره إلى القوى الغيبية الخفية". وإجمالاً نجد أن هذه المناهج يغلب عليها -إن لم تكن كلها- الطابع المادي. أما المقررات الأدبية البحتة -وهي التي لم يكن متوقعاً أن تتأثر بأفكار الغرب- فقد يعجب المرء إذا علم أنها ربما فاقت المقررات العلمية في ذلك.

стр. 597

ويكفي في هذه العجالة أن نلم بمادتي التاريخ والمطالعة في معظم المناهج المعاصرة: أما التاريخ فقد صيغ منهجه في قالب غربي، فهو مقسم أقساماً ثلاثة كبرى: ١ - التاريخ القديم: وهو يشمل الحضارات الجاهلية التي لا توصف بذلك إطلاقاً. ٢ - تاريخ العصور الوسطى: ويشمل فترة ما قبل ظهور الإسلام بقليل، ثم يندرج فيه تبعاً للمنهج الغربي التاريخ الإسلامي كله تقريباً. ٣ - التاريخ الحديث: وهو يبتدئ - غالباً - من قدوم حملة نابليون لاحتلال مصر التي تسمى "فجر النهضة الحديثة" وينتهي بالتاريخ المعاصر. ولا يخفى ما في هذه القسمة - في حد ذاتها - من إيحاءات ودلالات هذا في المنهج، أما المضمون: فقد حشيت مقررات التاريخ بدسائس المستشرقين وسموم المبشرين، وكتبت بأساليب شديدة التأثر بالأساليب الغربية التي تفسر التاريخ تفسيراً مادياً، أو على ضوء رؤى فلسفية خاصة، مع إسقاط أو التقليل من قيمة العامل الإيماني الذي هو أسس العوامل في التاريخ الإسلامي. فنحن نقرأ في هذه المقررات -مثلاً-: أن غزوة بدر كان هدفها تعويض ممتلكات المسلمين بمكة، وأن فتح مصر - خاصة - كان سببه ما عرفه عمرو بن العاص عنها في الجاهلية من خصوبة الأرض ووفرة خيرات .. وأن فتح الأندلس هدفه مد الامبراطورية الإسلامية إلى

стр. 598

أوروبا .. وأن العالم العربي خضع للاستعمار التركي عدة قرون .. وأن حركة الشيخ محمد عبد الوهاب أول ثورة عربية ضد الاحتلال التركي ... إلخ. وعموماً كتب التاريخ الإسلامي على شكل سلسلة عنيفة من الصراعات والدسائس السياسية، وكتبت الحضارة الإسلامية على شكل ألوان فولكلورية. أما المزايا العظيمة للتاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية -تلك التي لم تجتمعا قط في تاريخ وحضارة أمة على وجه البسيطة - فهي مغفلة أو مشوهة. أما مادة: المطالعة فكأنما هي ملخص موجز للغزو الثقافي الغربي، إذ تحوي موضوعات منوعة يجمعها الإعجاب بالغرب وتمجيد حضارته ورجالها، والخلو من التصورات الإسلامية والقيم الإيمانية إلا قليلاً. فإذا تصفحت أحد هذه المقررات لا سيما المطالعة الثانوية، فلن تعدم أن تجد فيه مثل هذه الموضوعات: (ماجلان قاهر البحار، كيف اكتشفت أميركا؟ إبراهيم لنكولن محرر العبيد، تحرير المرأة، ظهور القومية العربية، نابليون فاتح أوروبا، عمر بن أبي ربيعة، هدفك في الحياة، الوطنية الصادقة). ٦ - استيراد المذاهب اللادينية في الفكر والأدب: كانت فلسفة كومت الوضعية في فرنسا، ونظرية داروين في إنجلترا من أعظم النظريات التي تأثر بهما الفكر الغربي -كما سبق- وقد عاصرت اليقظة المنبهرة في العالم الإسلامي هاتين النظريتين وهما في أوج عظمتهما، فتأثرت بهما أبلغ التأثر، ومن ثم سارت النهضة الفكرية والأدبية

стр. 599

الحديثة مساراً غربياً، حتى آل الأمر إلى الواقع الفكري والأدبي المعاصر، على أن الأدب خاصة تأثر -بالرومانسية، التي اكتهلت في تلك الفترة، وفي هذا القرن استوردت الواقعية واللامعقول بمدارسه المتعددة. أما الفكر فقد تأثر الشيخ محمد عبده بفلسفة كومت العقلية، حتى لنستطيع أن نقول: إن اتجاهه الاعتزالي يعزى إليها لا إلى المعتزلة المسلمين، ومعلوم تأثر كل زعماء الفكر في مطلع هذا القرن بالشيخ من قريب أو بعيد. وكان من الآثار الخطرة ما حاول الشيخ ومدرسته القيام به من التوفيق بين الإيمان والنزعة العقلية، وبغض النظر عن مدى نتائجها ومقدار توفيقهم فيها، نجد أنها بدت أقل خطراً في ذلك الوقت من النزعات المتأثرة بفلسفة التطور، لاقتران الأخيرة بالمروق الصريح من الدين والدعوة إلى الإلحاد، (١) فقد ظهر ثلاثة من الكتاب أسهموا بصفة بارزة في نقل الداروينية إلى الشرق بطريق الترجمة المباشرة وبالدراسة المستفيضة في الصحف، هم: شبلي شميل وسلامة موسى وإسماعيل مظهر (٢). والأولان نصرانيان أشهرا إلحادهما وكفرهما بكل دين، (٣) أما الأخير فمسلم الأصل إلا أنه كتب ما لا يتردد أحد في نسبة قائله إلى الكفر، وكان لكتبهم وأبحاثهم الأثر الكبير في جيلهم ومن تلاه، حتى أنك لن

стр. 600

تجد من المعاصرين من كتب في موضوع أصل الإنسان إلا وهو سائر على الطريق نفسه. ولما كان انتشار الإلحاد في العصر الحديث -أو على الأقل الشك واللاأدرية- يشكل ظاهرة بين المفكرين والمثقفين، فلنكتف به مثالاً على استيراد المذاهب الفكرية الحديثة. (كان من ضمن القائمين بهذه الحركة إسماعيل أحمد أدهم، الذي جاء إلى مصر (من تركية بعد إعلان العلمانية)، وحاول نشر الأفكار الإلحادية بين أهلها، وقد ألف رسالة صغيرة عنوانها: لماذا أنا ملحد؟ وطبعها في مطبعة التعاون بالإسكندرية، ومما جاء فيها: (أسست جماعة نشر الإلحاد بتركيا، وكانت لنا مطبوعات صغيرة أذكر منها: ماهية الدين، قصة تطور الدين ونشأته، العقائد، قصة تطور فكرة الله، فكرة الخلود، وبعد هذا فكرنا في الاتصال بجمعية نشر الإلحاد الأميركية، وكان نتيجة ذلك تحويل اسم جماعتنا إلى المجمع الشرقي لنشر الإلحاد، وكان صديقي البحاثة إسماعيل مظهر في ذلك الوقت - ١٩٢٨ - يصدر مجلة العصور في مصر، وكانت تمثل حركة معتدلة في نشر الفكر والتفكير والدعوة للإلحاد (١). وكتب إسماعيل مظهر في عدد مارس ١٩٢٨ من مجلته مقالاً جاء فيه: (أما تفكير الإنسان الجدي فأصبح في تحديد علاقته لا بواجب الوجود ولكن بالكون، فبعد أن أسقط العلم الإنسان عن عرش الملائكة العلوي، وأنزله إلى أفق الحيوان، أخذت الإنسان فكرة جديدة ليست بأقل إشكالاً من الفكرة التي ملكت زمامه من ناحية الأديان.

стр. 601

بعد أن أظهر النشوئيون أصل الإنسان الحيواني وأثبتوه علمياً (!)، وبعد أن أثبت الجيولوجيون قدم الأرض والفلكيون قدم النظام الشمسي، وأظهر هؤلاء بأبحاثهم سلسلة التدرج الطويل التي مضى عليها الكون لينتهي بظهور الحياة، فوق الأرض أخذ العقل الإنساني سمته نحو التفكير كما هي عادته فيما يختص وراء هذه السلسة الطويلة من قصد، وهل كانت متجهة بكل ما فيها من الصور لأن تنتهي بالإنسان على أنه القصد الأخير منها؟ أما الثابت حتى اليوم، فليس مما يرضي التفاؤل في مصير الإنسان، ولست أدري لماذا لا يشارك الإنسان الحيوانات في نهايتها المحزنة ما دام يشاركها في بداياتها الجميلة (١). وينتهي تأثره بداروين، إلى قوله: اكتفت الأديان بالقول: بأن الغاية من خلق الإنسان والجن هي أن يعبدوا الله، -فكرة حسنة- ولكنها غير صحيحة (!) إذ لو صح هذا -إذن- لاعتقد بجانبه بأن الله في حاجة لأن يعبده الأنس والجن (!)، ولظهر النظام الكوني في مجموعه بمظهر شيء ما خلق إلا ليعضد الحياة الإنسانية التي يجب أن تسخر لعبادة الله، وهذا في معتقدي أبعد الأشياء عن أن يكون الغاية من وجود الإنسان (٢). والحق أن إسماعيل مظهر لم يكن إلا نموذجاً لكتاب كثيرين يتفاوتون في درجة التصريح بما يعتقدون لكنهم متساوون في المنطلق والغاية، مثل منصور فهمي ولطفي السيد وأمين الخولي وطه حسين، وأخيراً صادق العظم صاحب كتاب (نقد الفكر الديني)، وآخرين ممن لا تأويل لما يكتبون إلا الخروج على الإسلام، غير أن بعضهم تخفى تحت

стр. 602

أقنعة البحث العلمي أو التمذهب الأدبي، حتى لا يصدم مشاعر الجماهير فتنصرف عن إنتاجه. وكما ظهر ذلك في الكتاب فقد ظهر في الشعراء، ويبدو لي أن شعراء مصر أقل من شعراء العراق كالرصافي والزهاوي في ذلك، فالزهاوي -مثلاً- (١٩٣٦) يمتلئ ديوانه بالأفكار الإلحادية التي لا تخرج في جملتها عن نظرية داروين أو نظرية هيكل الأثيرية، التي هي في الواقع امتداد للداروينية، من ذلك قوله: إني أفكر في الطبيعة فاحصاً فيعد تفكيري من الإلحاد ووجدت أن الكائنات سلالة لا فرق بين خفيها والبادي أما الزمان فإن في دورانه ما يربط الآزال بالآباد (١) وقوله: ما حياة قديمها غير باد لك إلا تطور في جماد إنها تتبنى لها في نظام كل ما يقضي حاجتها من عتاد (٢) (كذا) ومن رباعياته: ما نحن إلا أقرد من نسل قرد هالك فخر لنا ارتقاؤنا في سلم المدارك (٣) بل نجده يهجو المخالفين لنظرية داروين من معاصريه: إن الذين عن الأقراد قد بعدوا ... لم يجحدوا أنهم منهن قد ولدوا

стр. 603

أما الألى لم يزالوا في مداركهم أدنى إلى أصلهم منهم فقد جحدوا (١) وعن الأثير يقول: ما لأجل الإنسان يشتغل الكون وتأتي بعد الدهور الدهور كل شيء فإنه في تلاش بتوالي الأزمان إلا الأثير (٢) ويقول: إنما هذه الحياة شرار من زفير الأثير ثار شعاعاً وأشد منه قوله: ولعل الأثير في كل أرض وسماء كالله في التأثير ولعل الذاتين واحدة في الأ صل والخلف جاء في التعبير (٣) وهذا وقد كان من نتيجة شيوع هذه الأفكار في الفكر والشعر والصحافة التمهيد لانتشار الأفكار المادية لا سيما الشيوعية، وتغذيتها بروح الشك العام في كل شيء تقريباً، حتى أصبح الشباب المثقف في العالم الإسلامي فريسة الشكوك القاتلة والوساوس الشيطانية، وانتظم كثير منهم في صفوف المنظمات اليسارية، وغيرها من الأحزاب اللادينية. لا سيما بعد الحرب العالمية الثانية حيث أصبحت الاشتراكية "موضة العصر" كما يقولون! ومثل المذاهب الفكرية كانت المذاهب الأدبية! فالرومانسية وجدت صدى لها في الشرق، كما في روايات جرجي زيدان التي شوه بها التاريخ الإسلامي ليحاكي الرومانسيين الإنجليز،

стр. 604

أما المازني فلم تكن رومانسيته واضحة فحسب، (١) بل إنه ليكتب في أحد كتبه تحت عنوان الفصل عبارة منقولة عن الكتاب المحرف المسمى المقدس، تقليداً أعمى للكتاب الغربيين في القرن الماضي، إذ كان من عادتهم أن توضع على رأس كل فصل عبارة شهيرة (٢) على أن فريقاً من الأدباء اتجه بادئ الأمر إلى الترجمة، فتمت ترجمة أعمال معظم أدباء أوروبا المشهورين من شكسبير إلى تولستوي، ومع أن بعضها روائع إنسانية فقد كان الاتجاه الإباحي هو الطاغي على الترجمات، كما في أعمال الكسندر دوماس وأميل زولا وأناتول فرانس. وظل الاتجاه الإباحي هو المسيطر تقريباً على حركة الترجمة الأدبية تحت ستار الواقعية حتى الحرب العالمية الثانية، ثم ظهرت أصداء اللامعقول على أثر نضوجها في الغرب -حينئذ-، كما ظهرت الكتابة الأسطورية التي اتخذها سارتر وكامو أسلوباً للتعبير عن فلسفة الضياع والعبث، إلا أنهما استخدما أساطير اليونان، أما العرب أمثال طه حسين وتوفيق الحكيم فقد استخدموا التاريخ الإسلامي والقصص القرآني، كما في على هامش السيرة والفتنة الكبرى وأصحاب الكهف ... إلخ. وقد أسهمت وسائل الإعلام - التي يدير معظمها أناس علمانيون - من صحافة وإذاعة ومسرح ... إسهاماً قوياً في تنمية الاتجاه الإباحي وتعميمه، وبالتالي في هبوط الأدب أسلوباً ومضموناً كما في كتابات إحسان عبد القدوس وشيعته نثراً وأعمال نزار قباني وزمرته شعراً.

стр. 605

ومع أن الأدب الحديث في غالبه علماني موضوعياً، فقد ظهرت له دعوات علمانية ذاتية، تطالب بفصله عن الدين، بل وعن الأخلاق تحت شعارات "الفن للفن" و"الأدب غير الملتزم" والأدب للشعب والأدب للواقع ... وممن طالب بفصل الأدب عن القيم الدينية سلامة موسى، فمن كلامه قوله عن رسالة الأب: (إن رسالته العصرية دينية ولكنها مع ذلك بشرية، وهذه الجملة الأخيرة تحتاج إلى تفسير، ذلك أن الأديان الغيبية القديمة كانت تحملنا تبعات وتطالبنا بواجبات، ولكن القيم الأخلاقية والاجتماعية في هذه الأديان كانت قيم الآخرة ولم تكن قيم الدنيا، فكان علينا أن نكون صالحين، نمارس الفضيلة ونصلي ونصوم حتى نستمتع بالفردوس ولا نتعرض للعقوبة بعد الموت فالقيم هنا أخروية، ولكن الأدب الفرنسي العصري بل الأوروبي كله يحملنا -أيضاً- تبعات ويطالبنا بواجبات ولكن القيم الأخلاقية والاجتماعية فيه هي قيم الدنيا فقط، فيجب أن نكون صالحين لأن نمارس الفضيلة كي نخدم المجتمع البشري ونرقى بشخصيتنا أخلاقاً ومعارف، ونجعل من كوكبنا فردوساً نجد فيه السعادة والخير والشرف) (١). وكما برزت الوجودية في إنتاج أنيس منصور، والماركسية في كتابات نجيب محفوظ، برز الاتجاه الضائع الناهج نهج اللامعقول في شعر بدر شاكر السياب، كما في أنشودة المطر، ومثله الشاعر اللبناني الملقب أدونيس (٢) على أن الاتجاه إلى اللامعقول لم يفض إلى الثورة على الأدب

стр. 606

الأصيل في - مضمونه ومحتواه، بل تعداه إلى الشكل والأسلوب -مثلما فعل إليوت اليهودي، (١): بالشعر الإنجليزي- وذلك بظهور ما يسمى الشعر الحر الذي هو في الحقيقة نوع من الهذيان والإسهال العقلي - على حد تعبير الشيخ الغزالي في إحدى محاضراته. وقد بدأه باكثير والسياب بترجمة الشعر الأوروبي إلى عربية منثورة، ثم جاء الجيل التالي الذي كان هزيلاً ممسوخاً في كل شيء فانحصر إنتاجه في هذا الهذيان. وما دمنا قد تعرضنا لذكر ذلك الغثاء فلنأت بمثال له: يقول أحد أدعيائه (محمد الفيتوري): (نار خطايانا تسيل في حنايانا فلنتكئ على عظام موتانا ولنصمت الآنا ... برج كنيسة قديمة، وراهب قلق وغيمة تشد قدميها، وتعبر الأفق ورجل بلا عنق ... وامرأة على الرصيف تنزلق وقطة في أسفل السلم تختنق وصوت ناقوس يدق يرسم دورة على الفضاء، ويدق ... الخ). يقول الشيخ الغزالي بعد إيراد هذا الغثاء: (ودعك من أضغاث الأحلام التي ينقلك إلى جوها هذا الكلام

стр. 607

المفكك ... ، ودعك من تقطع الروابط العقلية بين هذه الألفاظ المتصيدة، فهي كما قيل: سمك، لبن، تمر هندي ... ولكن الشيء الذي لا تدعه والذي يثير انتباهك حتماً هو جراثيم الاستعمار الثقافي، أو الغزو الصليبي الذي سيطر على هذا الشاعر الهائم. فهو في القاهرة المدينة المعروفة بشمسها الصاحية ومآذنها السامقة وصبغتها الإسلامية الأولى، ولكن التبعية الفكرية والنفسية الغالبة على هذا الشخص التائه جعلته لا يرى إلا الغيوم وأبراج الكنائس والرهبان القلقين ورنين النواقيس وكأنه في لندن أو روما لا في مصر) (١).

стр. 608

ثالثاً: في الاجتماع والأخلاق: كانت الحياة الاجتماعية في العالم الإسلامي قد انحرفت منذ بضعة قرون، لكن صورة الانحراف لم تبلغ أوجها إلا في مطلع العصر الحديث، حيث أصبح المجتمع في أخلاقه وتقاليده وعاداته ينطلق من منطلقات غير إسلامية، إذ غلبت الأعراف الجاهلية والعواطف المتهورة والعادات المستحدثة على الأخلاق الإسلامية الأصيلة، غير أن الناس بحكم العاطفة الدينية الموروثة، وبما جبلوا عليه من الغيرة على فضائل الخلق، كانوا ينسبون كل قيم وموازين وأعراف مجتمعهم للدين، أو -على الأقل- يلتمسون لها فيه أصولاً، ورسخ ذلك الانحراف المتمسح بالدين حتى أصبح هو الواقع المألوف، الذي كان لدى الناس استعداد للوقوف في وجه من يحاول تغييره سواء أكان مجدداً إسلامياً أم مفسداً أجنبياً، وهم - على أي حال - يبررون موقفهم بالاستناد إلى الدين. وفي القرن الماضي احتك المجتمع الإسلامي المنحرف بالمجتمع الغربي الشارد عن الدين، ومنذ اللحظة الأولى أحس الغرب - المغرور بتقدمه المادي - بتفوقه الاجتماعي على الشرق الذي -لا شك أنه- كان فيه من الفضائل ما يفتقده الغرب، لكن نظرة الغالب إلى المغلوب لا تسمح بالرؤية الصحيحة عادة، لا سيما والروح الصليبية من ورائها.

стр. 609

وبالمقابل أحس المجتمع الشرقي بالانبهار القاتل واستشعر النقص المرير، ولم يتردد الغربيون الكفرة في القول بأن سبب تخلف الشرقيين هو الإسلام، فقد استمدوا ذلك من الوهم الذي كان يسيطر على أولئك بأنهم مسلمون حقاً! وهكذا كان الطريق مفتوحاً لمهاجمة الأخلاق الإسلامية وتدمير مقومات المجتمع، من خلال مهاجمة ذلك الواقع المتخلف الذي لا يمثل الإسلام، وكان النموذج الغربي المشاهد - الذي فصل الأخلاق عن الدين -يزيد الأمر قوة ووضوحاً. وإذ علمت قوى الصليبية الحاقدة - من مستعمرين ومبشرين ومستشرقين -أن البؤرة التي تتجمع فيها أصول أخلاق ومقومات المجتمع المسلم هي المحافظة على العرض وأنها مفترق الطريق بين هذا المجتمع وغيره، فقد وضعت المخططات الماكرة لسلب هذه الميزة من المسلمين بإفساد المرأة المسلمة وإشاعة الدياثة بينهم. ولما كانت الأمة الإسلامية هي المسئولة -أولاً وآخراً- عن كل هذا، ولما كان الجانب الذاتي من المشكلة هو الأخطر والأهم، فسوف نوليه جل اهتمامنا. وفي بداية الأمر علينا أن نستحضر في أذهاننا الصورة الساخرة التي وصف بها المؤرخون المسلمون دياثة الإفرنج الصليبيين، (١) لنقارنها بهذه الصورة التي يقدمها لنا الجبرتي ضمن حوادث سنة ١٢١٦ هـ: ومنها: تبرج النساء وخروج غالبهن عن الحشمة والحياء، وهو أنه لما حضر الفرنسيس إلى مصر. ومع البعض منهم نساؤهم كانوا يمشون في الشوارع مع نسائهم، وهن حلوات الوجوه لابسات

стр. 610

الفستانات والمناديل الحرير الملونة، ويسدلن على مناكبهن الطرح الكشميري والمزركشات المصبوغة، ويركبن الخيول والحمير ويسوقونها سوقاً عنيفاً، مع الضحك والقهقهة ومداعبة المكارية معهم وحرافيش العامة، فمالت إليهم (أي إلى الفرنسيين) نفوس أهل الأهواء من النساء الأسافل والفواحش، فتداخلن معهم لخضوعهم للنساء وبذل الأموال لهن، وكان ذلك التدخل -أولاً- مع بعض احتشام وخشية عار ومبالغة في إخضاعه، فلما وقعت الفتنة الأخيرة بمصر، وحاربت الفرنسيس بولاق، وفتكوا في أهلها وغنموا أموالها وأخذوا ما استحسنوه من النساء والبنات صرن مأسورات عندهم، فزيوهن بزي نسائهم، وأجروهن على طريقتهن في كامل الأحوال، فخلع أكثرهن نقاب الحياء بالكلية، وتداخل مع أولئك المأسورات وغيرهن من النساء الفواجر، ولما حل بأهل البلاد من الذل والهوان وسلب الأموال واجتماع الخيرات في حوز الفرنسيس ومن والاهم، وشدة رغبتهم في النساء وخضوعهم لهن وموافقة مرادهن وعدم مخالفة هواهن ولو شتمته أو ضربته بتاسومتها (!) فطرحن الحشمة والوقار والمبالاة والاعتبار، واستملن نظراءهن واختلسن عقولهن، لميل النفوس إلى الشهوات وخصوصاً عقول القاصرات، وخطب الكثير منهم بنات الأعيان وتزوجوهن رغبة في سلطانهم ونوالهم، فيظهر حال العقد الإسلام، وينطق بالشهادتين؛ لأنه ليس له عقيدة يخشى فسادها، وصار مع حكام الأخطاط منهم النساء المسلمات متزينات بزيهم ومشوا معهم في الأخطاط للنظر في أمور الرعية والأحكام العادية والأمر والنهي والمناداة، وتمشي المرأة بنفسها أو معها بعض أترابها وأضيافها على مثل شكلها، وأمامها القواسة والخدم وبأيديهم العصي يفرجون لهن الناس مثل ما يمر الحاكم ويأمرن وينهين في الأحكام. ومنها: أنه لما أوفى النيل أذرعه ودخل الماء إلى الخليج وجرت فيه

стр. 611

السفن، وقع عند ذلك من تبرج النساء واختلاطهن بالفرنسيس ومصاحبتهم لهن في المراكب والرقص والغناء والشرب، في النهار والليل في الفوانيس والشموع الموقدة وعليهن الملابس الفاخرة والحلي والجواهر المرصعة، وصحبتهم آلات الطرب وملاحو السفن يكثرون من الهزل والمجون، ويتجاوبون برفع الصوت في تحريك المقاديف بسخيف موضوعاتهم وكتائف مطبوعاتهم (!) وخصوصاً إذا دبت الحشيشة في رءوسهم وتحكمت في عقولهم، فيصرخون ويطبلون ويرقصون ويزمرون ويتجاوبون بمحاكاة ألفاظ الفرنساوية في غنائهم وتقليد كلامهم شيء كثير (١). إذن فقد ظهرت مؤشرات واضحة على أن من المسلمين من هو مهيأ نفسياً لتقبل أسلوب الحياة الاجتماعية اللاديني الوافد من الغرب، وأن منهم من هو على استعداد لأن يدعو أمته لذلك لو حظى بالعناية اللازمة وعاش عيشة أوروبية. ومنذ أيام محمد علي ابتدأت حركة الابتعاث إلى الدول الأوروبية، وكان من أشهر المبتعثين الأوائل الشيخ رفاعة الطهطاوي، الذي يعد كذلك من رواد الإصلاح، هذا الشيخ المبتعث كتب عن مدينة باريس كتاباً يصف فيه لأبناء أمته الحياة الاجتماعية في فرنسا -آنذاك- تعرض فيه لوصف النوادي والمراقص فقال: (والغالب أن الجلوس للنساء، ولا يجلس أحد من الرجال إلا إذا اكتفت النساء، وإذا دخلت امرأة على أهل المجلس، ولم يكن ثم كرسي خال قام لها رجل وأجلسها ولا تقوم لها امرأة لتجلسها، فالأنثى -دائماً- في المجالس معظمة أكثر من الرجل، ثم إن الإنسان إذا دخل بيت

стр. 612

صاحبه فإنه يجب عليه أن يحيي صاحبة البيت قبل صاحبه ولو كبر مقامه ما أمكن، فدرجته بعد زوجته أو نساء البيت) (١). (ويتعلق بالرقص في فرنسا كل الناس وكأنه نوع من العياقة والشلبنة (؟) لا من الفسق، فلذلك كان -دائماً- غير خارج عن قوانين الحياء، بخلاف الرقص في أرض مصر فإنه من خصوصيات النساء لأنه لتهييج الشهوات، أما في باريس فإنه نمط مخصوص لا يشم منه رائحة العهر أبداً، وكل إنسان يعزم امرأة يرقص معها فإذا فرغ الرقص عزمها آخر للرقصة الثانية وهكذا، وسواء كان يعرفها أو لا، وتفرح النساء بكثرة الراغبين في الرقص معهن لسآمة أنفسهن من التعلق بشيء واحد، كما قال الشاعر: أيا من ليس يرضيها خليل ولا ألفا خليل كل عام أراك بقية من قوم موسى فهم لا يصبرون على طعام وقد يقع في الرقص رقصة مخصوصة بأن يرقص الإنسان ويده في خاصرة من ترقص معه، وأغلب الأوقات يمسكها بيده، وبالجملة فمس المرأة أياً كانت في الجهة العليا من البدن غير عيب عند هؤلاء النصارى، وكلما حسن خطاب الرجل مع النساء ومدحهن عد هذا من الأدب) (٢). هذا الكلام يوحي لقارئه بدلالات نذكر منها اثنتين: ١ - إن الأخلاق ليست مرتبطة بالدين، وهي فكرة انقدحت في ذهن الشيخ، لكنه لم يستطع أن يعبر عنها بجلاء، فها هو المجتمع يمارس ألوان الدياثة التي لا يرضاها الدين -طبعاً- ولكنها مع ذلك ليست

стр. 613

خارجة عن قوانين الحياء ولا يشم منها رائحة العهر، بل هي معدودة في باب الأدب. عجائب الآثار: ٢/ ٤٣٦ - ٤٣٧. وقد نمت هذه الفكرة وترعرعت حتى قيل صراحة: أن الحجاب وسيلة لستر الفواحش، وأن التبرج دليل على الشرف والبراءة، ومن ثم فلا علاقة بين الدين والأخلاق. ٢ - إن هذا المجتمع الديوث يكرم المرأة ويحترمها، وفي المقابل نرى المجتمع الإسلامي يحافظ على العرض، لكنه يحتقر المرأة - حسب الواقع آنذاك -، وبذلك نصل إلى المفهوم الذي وجد في أوروبا نفسه وهو أن حقوق المرأة مرتبطة بتحررها من الدين، فما لم ينبذ الدين فلن تحصل على هذه الحقوق. وقريب من قصد رفاعة ما قصده أحمد فارس الشدياق. إذ وصف بأسلوبه المقامي الخاص الحياة الغربية ووضع المرأة فيها في كتابه الساق على الساق (١). وهكذا وجدت البذرة الأولى لما سمَّي (قضية المرأة)! على أن الحركة التي تقوم على الوعي لا على السذاجة لم تكن منطلقة من آراء هذين - رفاعة والشدياق- وأمثالها، بل من أفكار شخصية أخرى هي شخصية جمال الدين الأسد أبادي -المعروف بالأفغاني. كان جمال الدين متأثراً بشعارات الماسونية -التي رفعتها الثورة الفرنسية- لا سيما شعار المساواة، واعتقد أن من أعظم علل الشرق أن المرأة فيه ليست متساوية مع الرجل في الحقوق والواجبات، وكان من تلاميذه الذين سرت فيهم هذه الفكرة محمد عبده وقاسم أمين،

стр. 614

الذي كان مترجماً لجمعية العروة الوثقى، (١) وقد سبق الحديث عن الأول، أما الأخير فهو مبتعث إلى فرنسا للدراسة يقول عنه مؤرخ حياته: (ويعود قاسم إلى قاعة المحاضرات بجامعة مونبلييه، وهو أشد رغبة في تعرف المزيد عن الحياة في أوروبا، وهناك يجد زميلته سلافا، فلا يتردد في سؤالها أن تصحبه إلى المجتمعات الفرنسية وتقبل هي في سرور باد، وصحبته فتاته إلى كثير من الحفلات وتعرف إلى كثير من الأسر، فوجد حياة اجتماعية تختلف عن الحياة في مصر، وجد السفور بدل الحجاب والاختلاط بدل العزلة والثقافة بدل الجهالة) (٢). وعاد قاسم إلى مصر يحمل إلى أمته فكرة خطرة عرضها على أصدقائه فتردد بعضهم، وأيده أكثرهم، وخاصة الزعماء مثل: سعد زغلول ومصطفى كامل وأحمد لطفي السيد، (٣) وكذلك علي شعراوي زوج هدى شعراوي -الملقبة بزعيمة الحركة النسائية وغيرهم ممن قال عنهم كرومر: أسميهم حباً في الاختصار أتباع المرحوم المفتي السابق الشيخ محمد عبده (٤). وأظهر قاسم فكرته تلك في كتابيه تحرير المرأة والمرأة الجديدة، وعند صدور الأول شك كثيرون في كونه كاتبه لما حواه الكتاب من عرض ومناقشة الأقوال الفقهية والأدلة الشرعية التي كان

стр. 615

مثل قاسم قليل البضاعة منها، ولكنهم لم يشكوا في أن الذي دفعه إلى الفكرة أحد رجلين إما كرومر وإما محمد عبده (١) ويحل لطفي السيد الأشكال في كتابه قصة حياتي إذ يقول: (إن قاسم أمين قرأ عليه وعلى الشيخ محمد عبده فصول كتاب تحرير المرأة في جنيف عام ١٨٩٧م، قبل أن ينشره على الناس) (٢). وجاء مثل هذا في كتاب: قاسم أمين أيضاً (٣). وعلى أية حال فقد ظهر كتابه: تحرير المرأة الذي يمكن تلخيص أفكاره فيما يلي: ١ - إن المرأة مساوية للرجل في كل شيء، وإن تفوقه البدني سببه استعمال الأعضاء (٤) ويتضح من هذا تعريضه بالقرآن الكريم وتأثره بالداروينية. ٢ - إن الانتقاب والتبرقع ليسا من المشروعات الإسلامية لا للتعبد ولا للأدب، بل هما من العادات القديمة السابقة على الإسلام والباقية بعده "وهي عادة عرضت على المسلمين" من مخالطة بعض الأمم، فاستحسنوها وأخذوا بها وبالغوا فيها وألبسوها لباس الدين، كسائر العادات الضارة التي تمكنت في الناس باسم الدين والدين منها براء لكن بالنسبة للأمم الأخرى فإن هذه العادة تلاشت طوعاً لمقتضيات الاجتماع وجرياً على سنة التقدم والترقي (٥).

стр. 616

٣ - إن الحجاب ليس عائقاً عن التقدم فحسب، بل هو مدعاة للرذيلة وغطاء للفاحشة، في حين أن الاختلاط يهذب النفس ويميت دوافع الشهوة!! وقد حرص قاسم على تبرئة نفسه من تهمة الدعوة إلى تقليد الغرب في مناداته بهذه الفكرة، (١) مدعياً أن الدافع الوحيد هو الحرص على الأمة والغيرة على الدين والوطن، فهو يزعم أن أصل فكرته هو الرد على داركور المستشرق الذي هاجم الحجاب، ولست أدري ماذا ترك قاسم لداركور. لكن كتابه الثاني: المرأة الجديدة يكذب ادعاءاته تلك فهو يقول فيه: (هذا هو الداء الذي يلزم أن نبادر إلى علاجه وليس له دواء إلا أن نربي أولادنا على أن يتعرفوا شئون المدنية الغربية، ويقفوا على أصولها وفروعها وآثارها، وإذا أتى ذلك الحين -ونرجو ألا يكون بعيداً-انجلت الحقيقة أمام أعيننا ساطعة سطوع الشمس، وعرفنا قيمة التمدن الغربي وتيقنا أن من المستحيل أن يتم إصلاح ما في أحوالنا إذا لم يكن مؤسساً على العلوم العصرية) (٢). وقد طبق ذلك في بيته، فأحضر لابنتيه مربيتين: إحداهما فرنسية والأخرى إنجليزية، (٣) وظل قاسم حريصاً على دعوته داعياً إلى فكرته إلى آخر نسمة من حياته القصيرة، ففي ليلة وفاته بالسكتة القلبية في ٢٣ أبريل ١٩٠٨ كان يقدم طالبات رومانيات في نادي المدارس العليا (٤).

стр. 617

وقد ناصر قاسماً وأيده كثير من الزعماء والأدباء والصحفيين، منهم -غير من ذكرنا سلفاً- الشاعر ولي الدين يكن الذى يقول من قصيدة له: أزيلي الحجاب عن الحسن يوماً وقولي مللتك يا حاجبه فلا أنا منك ولا أنت مني فرح ذاهباً ها أنا ذاهبة (١) والشاعر العراقي الزهاوي، ومن ذلك قوله: هزءوا بالبنات والأمهات وأهانوا الزوجات والأخوات هكذا المسلمون في كل صقع حجبوا للجهالة المسلمات سجنوهن في البيوت فشلوا نصف شعب يهم بالحركات منعوهن أن يرين ضياء فتعودن عيشة الظلمات إن هذا الحجاب في كل أرض ضرر للفتيان والفتيات (٢) وكانت الصحافة أعظم المؤيدين للفكرة التي انتشرت في بلاد الشام والمغرب على إثر نجاحها في مصر. أما بلاد الشام، فمن الواضح أن الدعوة فيها تعرقلت بالنسبة لمصر، حتى أن أول كتاب يتحدث عنها لم يصدر إلا سنة ١٩٢٨م، أي بعد وفاة قاسم بعشرين سنة، وهو الكتاب الذي ألفته -أو ألف باسم- نظيرة زين الدين بعنوان السفور والحجاب، ولعل مما يثير الانتباه أن الذي قرظه هو علي عبد الرازق صاحب الإسلام وأصول الحكم، وكان مما قال: (إني لأحسب مصر قد اجتازت -بحمد الله- طور البحث النظري

стр. 618

في مسألة السفور والحجاب إلى طور العمل والتنفيذ، فلست تجد بين المصريين إلا المخلفين منهم من يتساءل اليوم عن السفور هو من الدين أم لا؟ ومن العقل أم لا؟ ومن ضروريات الحياة الحديثة أم لا؟ بل نجدهم حتى الكثير من الرجعيين المحجبين منهم يؤمنون بأن السفور دين وعقل وضرورة لا مناص لحياة المدينة عنها. أما إخواننا السوريون فيلوح أن للسفور والحجاب عندهم تاريخياً غير تاريخه في مصر، فهم لم يتجاوزا بعد طور البحث النظري الذي بدأه بيننا المرحوم قاسم أمين منذ أكثر من عشرين سنة، ولكنهم على ذلك يسيرون معنا جنباً إلى جنب في الطور الجديد الذي نسير فيه، طور السفور الفعلي الكلي الشامل) (١). وأما بلاد المغرب فقد كانت تونس أسبقها إلى السفور والدعوة إليه، إذ كتب الطاهر الحداد سنة ١٩٣٠ كتابه امرأتنا في الشريعة والمجتمع وفي الإمكان أخذ نموذج لتأييد فكرته من المحاولة الفنية التي اشترك فيها محمود بيرم شاعراً وعلي الدعاجي راسماً، ذلك أن الشاعر قام يؤرخ للمراحل التي قطعتها المرأة التونسية قبل أن تلقي الحجاب، وذلك من خلال ستة عشر بيتاً جسمت كل رباعية منها مرحلة من مراحل تطور الحجاب، أبرز معانيها ووضحها علي الدعاجي بأربعة رسوم، ظهرت فيها المرأة في وضعيات متباينة. ترسم الأبيات الأولى والصورة امرأة ضرب البرقع سفحاً دون ظهور أي جزء منها، وقد شبه بيرم انسدال ذلك البرقع الأسود على ذلك الوجه الصبوح بانسدال الليل على النهار: سجى الليل ألا يرجى ... لهذا الليل من آخر سواد يحجب الحق ... كقلب الجاحد الكافر

стр. 619

وعندما دحرجت المرأة في الصورة الثانية جزءاً من النقاب ظهر القليل من نور وجهها المكفن، فوصف الشاعر هذه المحاولة بالنور الخادع .. يلوح النور خداعاً كلون الضاحك الغادر ضياء يرسل الشك لقلب الجازع الصابر وتزيح المرأة في ريشة الرسام الدعاجي ذلك الخمار حتى الذقن دفعة واحدة تستقبل نور الحياة والشمس، فيرى الشاعر في هذه الخطوة المحتشمة بداية لصبح من الثقة المتبادلة بين الجنسين: بدا الصبح وفي الصبح تجلى روضها الناظر وقال الورد في الخدين غضوا عن دمي الطاهر وفي النهاية لا تجد المرأة موجباً لبقاء هذا النقاب متدلياً عند الجيد فتزيحه دفعة واحدة، وتنتزع معه بذلك رواسب التقاليد الضيقة، فتظهر الشمس لعين الحق ويغمر نورها الدنيا: وفي الشمس ترى الدنيا جميعاً حسنها باهر يرتل كل ذي صوت ثناء المبدع القادر ويعلم كل ذي عينين ما الحسناء بالعاهر هنالك تحكم الأفهام بين العف والفاجر (١) هذا من الوجهة النظرية، أما التطبيق الواقعي للفكرة فقد حمل العبء الأكبر منه الحركة التي أسميت حركة النهضة النسائية، وأشهر رائداتها: هدى شعراوي وسيزا نبراوي سكرتيرتها، وباحثة البادية، ومنيرة ثابت، وقد التف حولهن عصبة ممن خلعن رداء الحياء وسخرن أنفسهن لخدمة الدوائر الصليبية.

стр. 620

اشتد الحماس لهذه الحركة - في فترة عصيبة حرجة -، وهذا التوقيت المشبوه يوحي بأن وراء الأكمة ما وراءها، ذلك أنه في سنة ١٩١٩ هبت مصر في وجه الاستعمار، ووقف الشعب بشجاعة مع عدد من المخلصين حقيقة يطالب بحقه من الحرية والحياة، وفي تلك الظروف الصاخبة التي تتميز بالغليان والاضطراب، وفي غمرة الثورة العارمة نشطت دعوتان مريبتان متآخيتان، إحداهما استغلت ظروف الثورة لسلخ الأمة عن انتمائها، وهي الدعوة إلى اللادينية تحت ستار الشعار الذي رفعته الزعامات المصطنعة (الدين لله والوطن للجميع) والأخرى: دعت إلى نسف الفضائل الإسلامية من خلال دعوتها إلى تحرير المرأة. في ذلك الجو العاصف انبرت هدى ورفيقاتها للدفاع عن حقوق الوطن وطرد المحتلين، ولكن بماذا؟ لقد خرجن في مظاهرة ومزقن الحجاب وأحرقنه في ميدان عام، وكان هذا أعظم إسهام منهن في الثورة، وإذ حدث أن الجنود البريطانيين - لحاجة في نفس يعقوب - طوقوا الشوارع ساعة المظاهرة واعتدوا على بعض المتظاهرات، فقد بدا ذلك في أعين الشعب محاولة من بريطانيا لمنع المرأة المصرية من التحرر، وبذلك اكتسبت الحركة صفة البطولة الوطنية!! (١) وتظهر الحقيقة أجلى وأوضح إذا علمنا أنه في تلك الفترة نفسها كان أتاتورك يهدم الإسلام تحت زيف البطولة الوطنية -أيضاً-. لقد اعتبرت هذه البطولة مبرراً كافياً للانقضاض على الأخلاق، بل لمهاجمة أحكام الإسلام علانية، إذ ردد دعاة الإباحية قولهم: أليس الجنس اللطيف الذي أدى دوره في الثورة الوطنية بإخلاص، جديراً بأن

стр. 621

يتساوى في كل شيء مع الجنس الخشن؟، أتريدون أن تقدم المرأة للوطن كل شيء ولا يقدم الوطن لها شيئاً؟! ولكن الحق لم يلبث أن انكشف، وإذا بالحركة النسائية في حقيقتها حركة عميلة مريبة، ترتبط خارجياً بالدوائر الاستعمارية وداخلياً بالزعماء المصطنعين. أما ارتباطها بالاستعمار - والجمعيات التبشيرية خاصة - فيؤيده خطاب هدى شعراوي الذي ألقته في مؤتمر الاتحاد النسائي الدولي بروما، وهذه مقدمته: إنه ليسرني حقيقة أن أرى نفسي بينكن في هذه الجمعية المحترمة التي أمكن للمرأة المصرية أن تجيء لتناقش في حقوقها لأول مرة في التاريخ، وإنه لمما يدعوني إلى الاغتباط والفخر اختيارى لإظهار تلك الرابطة بين بنات النيل وأخواتهن في أوروبا (١). وتختتم خطابها قائلة: (والآن قبل أن أعود أرجو أن تسمحن لي أيتها السيدات على طلبكن بإلحاح إبداء الرغبة في إشراك المرأة المصرية في واجب الاتحاد الجليل، ولنا عظيم الرجاء في أن نصل بفضل نصائحكن الغالية التي نعتبرها السبيل الهادي، والنسج على منوالكن الذي نجد فيه خير كفيل إلى تحقيق آمالنا ورغائبنا، ونضع تحت تصرفكن أنفسنا في خدمة مبادئكن ونشر آرائكن) (٢). أما صلتها بالزعماء المصطنعين، فيؤكدها بصفة قاطعة سكرتير سعد زغلول -زعيم حزب الوفد- في كتابه عن حياته، فقد ذكر أن

стр. 622

سعداً هو الزعيم الحقيقي للحركة النسائية، مستشهداً بخطابه الذي ألقاه بمناسبة زيارة وفد مختلط من طلبة مدرسة الحقوق الفرنسية لمصر، ومنه: (إنني من أنصار تحرير المرأة ومن المقتنعين به، لأنه بغير هذا التحرير لا نستطيع بلوغ غايتنا، ويقيني بهذا ليس وليد اليوم بل هو قديم العهد، فقد شاركت منذ أمد بعيد صديقي المرحوم قاسم بك أمين في أفكاره التي ضمنها كتابه الذي أهداه لي -يريد كتاب المرأة الجديدة (١). ويضيف الكاتب أن زوجة سعد كانت مثقفة ثقافة فرنسية، وأنه كان يمنحها الحرية الكاملة (!) ويبدو من مسيرة زوجة سعد أنها أول زوجة زعيم سياسي عربي -تقريباً- تظهر معه سافرة في المحافل والصور، وتتسمى على الطريقة الغربية صفية زغلول، كما أنها أول من اتخذت بدعة لقب أم المصريين (٢) ويذكر الكاتب أن صفية زغلول هي الزعيمة النسائية الحقيقية، لكنها آثرت ألا تظهر ذلك، وأسندت هي وزوجها الأمر إلى هدى شعراوي التي عينها سعد رئيسة لجنة الوفد المركزية للسيدات سعد زغلول (٣)، على أن سكرتير الزعيم يثبت -دون أن يدري - إدانة الزعيم والحركة النسائية وارتباطها بالاستعمار، وذلك في معرض حديثه عن صديقة سعد منيرة ثابت الملقبة "الفتاة الثائرة" وأول صحفية مصرية، فهو يقول:

стр. 623

(كانت الوزارة الزيورية تضطهد الصحافة الوفدية وتغلق جرائدها واحدة بعد الأخرى، ولا تسمح لوفدي بأية رخصة جديدة، وعلى حين فجأة غابت الآنسة منيرة ثابت أياماً عن بيت الأمة، ثم عادت تحمل رخصتين لصحيفتين جديدتين باسم: الأمل ولسبوار أولاهما عربية سياسية أسبوعية، والثانية فرنسية سياسية يومية، وقدمتهما للرئيس (سعد) لتكون رهن تصرفه، أما كيف حصلت على الرخصتين فلا أعرف عنه وإلى اليوم شيئاً) (١). ثم تطور الأمر إلى تشكيل أحزاب نسائية، أهمها الحزب النسائي (١٩٤٥) وحزب بنت النيل (١٩٤٩)، وقد نشرت الصحف المصرية نفسها فضائح عن هذه الأحزاب، تثبت أنها كانت تتلقى الأموال من السفارات الغربية لا سيما الأميركية والإنجليزية (٢) وكان من ثمرة الحركة النسائية ولادة الصحافة النسائية، فقد صدرت مجلة فتاة الشرق قبل الحرب العظمى الأولى، ومما تجدر الإشارة إليه أن كل عدد من أعدادها يحوي نماذج وصوراً لأزياء الشهر، (٣) التي ظهرت في أوروبا، الأمر الذي مهد لوقوع المرأة المسلمة في شباك مصيدة الأزياء اليهودية، كما وقعت المرأة النصرانية في الغرب. وأسهمت المجلات غير النسائية بنصيبها في الحركة فكانت (الهلال) ومثلها (المقتطف) و (العصور) تنشر إلى جانب المناقشات الفكرية للموضوع صور المتبرجات من شرقيات وغربيات، وتحيطها بهالة من التعظيم وتغري القارئات بمحاكاتهن. وفي المجال التعليمي حرص لطفي السيد وطه حسين وأتباعهما

стр. 624

على أن يكون التعليم مختلطاً فيه الذكور والإناث، واشتد الصراع في الجامعة من أجل ذلك، وكتب الرافعي شيطان وشيطانة رداً على طه حسين وسهير القلماوي، كما كتب مقالاً يحيي فيه طلبة الجامعة الذين رفضوا الاختلاط، (١) ولكن الانتصار كتب لدعاة الاختلاط، فقد كان في صفهم الزعماء السياسيون ومعظم الصحف، وكل القوى الدخيلة من مبشرين ومستشرقين في الجامعة وغيرها، إذ أن هذه القوى مجتمعة فزعت لظهور الحركة الإسلامية الطلابية وحاربتها أشد الحرب. ولم يقنع الكتاب النسائيون بما حققته الدعوة من مكاسب ونجاح، ولعل مرد ذلك إلى أن الأسياد ينتظرون المزيد، بل ظلت الحرب النفسية مستمرة، فبعضهم يغرق في المبالغة والوهم، حتى يجعل وضع المرأة هو المسئول عن مشكلات مصر من أولها إلى آخرها، كما قال سلامة موسى: "تعدد مشكلاتنا يوهم اختلافها في الأصل وأنها لا يتصل بعضها ببعض، ولكن المتأمل المفكر يستطيع أن يجد النقطة البؤرية لجميع هذه المشكلات، والنقطة البؤرية الوحيدة هنا هي أن نظامنا الإقطاعي في نظرته للعائلة ومركز المرأة والأخلاق الأبوية والنظرة الاجتماعية، كل هذا يعود إلى مشكلة واحدة هي أن آراءنا الإقطاعية القديمة التي ورثنا معظمها عن الدولة الرومانية الملعونة (لا يريد أن يعترف بالإسلام) لم تعد تصلح للحياة العصرية، وان متاعبنا وأرزاءنا واصطداماتنا تنبع من هذا الكفاح الذي نكافحه نحو حياة ديمقراطية جديدة، نتخلص بها من الحياة الإقطاعية القدمية" (٢).

стр. 625

أما إسماعيل مظهر فقد جمع شبهاته القديمة وآراء غيره، ونسقها في كتاب أسماه (المرأة في عصر الديمقراطية) جاء فيه: "ومضى الكثيرون متعامين عن الحق الواضح الجلي قائلين بأن قضية المرأة قضية محلولة، وأن الزمن القديم قد وضع لها القواعد وفصل الفصول وأتم الفروع، مؤتمين في ذلك بنظريات وأقوال أبلاها الزمن وناء عليها الدهر، فأصبحت مهلهلة فضفاضة بادية العورات، ولكنهم يحاولون ستر عوراتها بالثرثرة الفارغة كقولهم المرأة للبيت وقولهم الرجل قوام على المرأة وقولهم: -كما قيل من قبل- المرأة ليس لها نفس ... " (١). وفيه: "لقد اتخذ الرجعيون الذين يرهبون التطور فرقاً من أوهام سلطت عليهم، أو رغبة في بسط سلطانهم على النساء ... من بضعة نصوص أشير بها إلى حالات قامت في عصور غابرة، سبيلاً إلى استعباد النساء استعباداً أبدياً، لقد حُضَّت المرأة في ذلك العصر أن تقر في بيتها وأن لا تتبرج تبرج الجاهلية الأولى" (٢). ثم أخذ يناقش كلا الدليلين: "إن المعنى الذي يستخلصه أصحاب الرجعية من حض المرأة على أن تقر في البيت معنى غامض كل الغموض في هذا العصر، وبالرغم من ذلك الغموض الذي يكتنفه فإنهم لا يريدون أن يفسروه حتى تتحدد المعاني القائمة في نفوسهم منه. أما إذا أرادوا أن تكون المرأة سجينة البيت، فكيف يوفقون بين

стр. 626

هذا المعنى وبين حاجات الحياة الضرورية؟ وإذا أرادوا أن يكون تفسيره أن تقر المرأة في البيت إذا لم يكن لها ما يشغلها خارجه، فذلك هو الواقع في حياتنا الحديثة" (١). ولكن المصيبة التي أصابنا بها أولئك المستغرقين (كذا) في النظر في الحياة بمنظار القبلية البدائية، أنهم يعتقدون أن كل تجمل تبدو به المرأة هو تبرج وأنه تبرج الجاهلية الأولى، ذلك في حين أن كلمة (التبرج) ليس لها حدود التمرينات الرياضية، وفي حين أنه لم يصلنا عنهم وصف شامل لتبرج الجاهلية الأولى!! فغالب الظن، بل الأرجح -تغليباً- أن المقصود به (أي: التبرج) عادة ألفت في الأزمان الأولى كانت في نشأتها شعيرة من شعائر الوثنية، أي: شعيرة دينية، فإن البغاء على ما يعرف -الآن- من تاريخه وتطوره قد نشأ في أوله نشأة دينية، فكان شعيرة من شعائر التقرب من الآلهة .. ثم يقول: "فلما جاء الإسلام ... عطف إلى ناحية المرأة فاعتبرها نصف إنسان، وأضفى عليها من الكرامة والاحترام ذلك القدر الذي لا يزال -حتى الآن- موضع انبهار كل المشترعين ... غير أن خمسة عشر قرناً من الزمان كافية في الواقع لأن تهيئ العقلية الإنسانية إلى خطوات أخرى في التشريع للمرأة .... ومن هذه الناحية لا أرى ما يمنع مطلقاً من أن ترفع المرأة إلى منزلة المساواة بالرجل في جميع الحقوق المدنية والسياسية في الميراث وفي قبول الشهادة وفي العمل وفي الاستقلال الفكري والاقتصادي،

стр. 627

وبالجملة في جميع الأشياء التي تكمل بها إنسانيتها، ذلك بأنها إنسان" (١). ثم تلاه خالد محمد خالد وكتابه الديمقراطية أبداً "وكان نصيب المرأة من ديمقراطيتة شيئين: ١ - حق المرأة في وقف تعدد الزوجات، وعلى ذمته ينسب إلى محمد عبده أنه قال يجب تحريم التعدد الآن عملاً بحديث ﴿لا ضرر ولا ضرار﴾ (٢). ٢ - تأميم الطلاق-على حد تعبيره-" (٣). أما حسين مؤنس فيعد الحجاب الإسلامي هو العائق الأكبر في سبيل انتماء مصر للغرب، ذلك أنه ربطها بالمجتمعات الشرقية المتخلفة في حين أن المرأة المصرية القديمة كالمرأة الأوروبية الحديثة سواءً بسواءً وحضارتها واحدة، يقول: "وقد انهارت المجتمعات الشرقية كلها بسبب ظلمها للمرأة وحرمانها إياها من مكانها وحقها الطبيعيين، وهذه حقيقة لم يتنبه لها معظم من يدرسون تواريخ هذه الدول الشرقية من المشارقة، ولكنها معروفة للدارسين من أهل الغرب لأن مجتمعهم يقوم على المرأة والرجل مجتمعين، ومن ثم فهم يعرفون أهمية المرأة في المجتمع الإنساني، ويشيرون إلى ذلك ويقررون أنه أساس تقدم مجتمعهم على غيره من المجتمعات، وهذه الحقيقة- على ما يبدو من بساطتها-

стр. 628

تفرق بين مجتمع ومجتمع وحضارة وحضارة، بل هي الحد الفاصل بين الحضارات التي أينعت وعاشت والحضارات التي ذبلت وماتت. والحضارة المصرية القديمة من الطراز الذي أعطى المرأة حقها واعترف بها، ومنحها حقها كاملاً في البيت وفي ميدان العمل والحياة، بل إن عينيك لا تقع على رسم مصري قديم إلا وجدت المرأة فيه إلى جانب الرجل، ورأيتها رافعة الرأس تسير معه وتعمل معه ... وحضارة مصر مشتركة من هذه الناحية الأساسية مع (حضارتنا) الراهنة، وأنا أقول: حضارتنا لأنك سترى أن ما نسميه -اليوم- بحضارة الغرب إن هو إلا الحضارة المصرية القديمة متطورة في اتجاه مستقيم" (١). وهكذا ظل الناعقون يصيحون من كل مكان، ويسلكون كل اتجاه -فكرياً أم عملياً- حتى آل الأمر إلى الواقع المؤلم الذي عبر عنه أوفى تعبير جان بول رو بقوله: "إن التأثير الغربي الذي يظهر في كل المجالات ويقلب رأساً على عقب المجتمع الإسلامي، لا يبدو في جلاء أفضل مما يبدو في تحرير المرأة" (٢). لقد عمت الفوضى الأخلاقية العالم الإسلامي من أقصاه إلى أدناه على تفاوت في ذلك، وتولى الجيل الذي رباه المستعمرون تربية جيل جديد أكثر مسخاً وانحلالاً، وحوربت أحكام الله على يد أبطال الاستقلال أكثر مما حوربت بأيدي المستعمرين، ولنستمع إلى رو وهو يقرر ذلك قائلاً: "في تركية سنة ١٩٢٩ صدر قانون مدني على غرار قانون

стр. 629

نوشاتيل المدني السويسري، فحرم تعدد الزوجات وقضى على الحجاب والحريم ونظرة الطلاق، وفي برهة وجيزة جعل من المرأة التركية شقيقة المرأة السويسرية وصنوها" (١). ثم يقول: "والمرأة التركية عصرية تماماً فهي ترتدي أثواب السهرة العارية الكتفين والظهر، كما لا تحجم عن ارتداء المايو، ولكنها تتحاشى التطرف في ذلك، وأما الغزل وأحاديث الغرام فهي أمور لا تتم في العلن وكذلك التقبيل لا يجرى جهراً، وما من أحد يشكو من التفكك الخلقي (٢) وفي المغرب تمكن العهد الاستقلالي من أن يحقق في بضع سنوات ما لم يستطعه الاستعمار في عشرات السنين. وفي الجزائر أوحت الثورة للنساء بالكفاح، فخرجت العذارى المحاربات من بيوتهن ونزعن الحجاب لأول مرة منذ أن اعتنقت بلادهن الإسلام، وهنا تكون المعركة النضالية قد فعلت ما عجز السلام عن فعله، أي كما فعلت الثورة الشعبية المصرية. وفي تونس أعلن السيد بورقيبة عدة قرارات هي بمثابة ثورة اجتماعية جديدة (١٠ آب سنة ١٩٥٦م) وكان المقصد بهذه الثورة منع تعدد الزوجات وجعل السن الدنيا لزواج الفتاة الخامسة عشرة، ثم تحرير المواطنين والمواطنات الذين تخطوا العشرينات من عمرهم من موافقة الوالدين إذا ما أرادوا عقد الزواج، وفي نفس الوقت أعلن

стр. 630

السيد بورقيبة ... بأن الطلاق لا بد من أن يخضع للمحاكم" (١). هذا وقد نشرت مجلة العربي في استطلاع لها عن تونس صورة للوحات الدعاية المنصوبة في الشوارع، ففي كل ميدان لوحتان إحداهما تمثل أسرة ترتدي الزي المحتشم مشطوبة بإشارة (×) والأخرى تمثل أسرة متفرنجة متبرجة ومكتوب تحتها: كوني مثل هؤلاء! أما القرارات التي أشار إليها رو فهي تلك القوانين التي تعاقب من يتزوج ثانية بالحلال، وتبري بل تشجع من يخادن عشراً بالحرام! على أن السلاح الفتاك الذي استخدم الفضيلة وتقويض المجتمعات الإسلامية، ونقل الأوبئة الاجتماعية الغربية هو وسائل الإعلام من صحافة وإذاعة وسينما وتلفزيون. تلك التي تعرض بصورة فنية وأساليب متطورة كل ضروب الفتنة وصنوف الانحلال، وقد أصبحت بما لديها من قدرة التأثير وسعة القاعدة تشكل جبهة عريضة عاتية تبدو حيالها أية محاولة للإصلاح أو نداء للفضيلة عاجزة جداً" (٢). إلى جانب ذلك يأتي التعليم المختلط والنوادي المختلطة والشواطئ (البلاجات) المختلطة، وتأتي الأزياء الخليعة المستوردة من بيوت اليهود في الغرب، وتأتي موانع الحمل ووسائل الإجهاض. إلى جانب ذلك يكون الاختلاط الفاضح في دوائر الحكومة والمؤسسات، وفي وسائل المواصلات وفي الشقق والمساكن، وفي كل مكان في معظم أقطار العالم الإسلامي. ومن هنا فلا عجب أن سمعنا بين الحين والحين عن جرائم

стр. 631

اجتماعية، تضاهي تلك التي تحدثنا عنها في أوروبا وأميركا، من قتل واختطاف واغتصاب وتشرد، ولا عجب أن تنتشر الأمراض الاجتماعية الفتاكة الناشئة عن فقد كل من الجنسين خصائصه المميزة، وليس ما نشاهده من تخنث الرجال وترجل النساء إلا صورة من ذلك. ولا عجب أيضاً أن تتقوض البيوت وتنهار الأسر، ويصبح جنوح الأحداث مشكلة اجتماعية تعاني منها بلاد تدعي أنها إسلامية. إن التربية غير السليمة لا يمكن أن تنتج إلا جيلاً غير سليم، وهاهو ذا الجيل المعاصر المنكود تتجاذبه الشهوات والشبهات وتمزقه التناقضات والغوايات، وتغتاله النزوات المتهورة والإغراءات القاتلة، فلا يستطيع إلا أن يسلم نفسه ذليلاً لشياطين الجن والإنس ينهشون فكره وجسمه، ويلهبون ظهره بسياطهم، حتى يسقط شلواً ممزقاً على مذبح الفسق والإباحية. والعجيب -حقاً- أنه مع هذه النذر كلها لا تزال الدعوات المحمومة على أشدها، ولا تزال الموجة في عنفوانها، ولا تزال الصيحات تتعالى من كل مكان مطالبة بنبذ التقاليد وفصل الأخلاق عن الدين.

стр. 632

- الباب الخامس: حكم العلمانية في الإسلام: الباب الخامس: حكم العلمانية في الإسلام. الفصل الأول: هل للعلمانية في العالم الإسلامي مبرر؟ الفصل الثاني: حكم العلمانية في الإسلام.

стр. 633

- الفصل الأول: هل للعلمانية في العالم الإسلامي مبرر ؟؟: العلمانية فكرة مستوردة لا يشك في ذلك أعداؤها ولا يماري فيه أحد من دعاتها، ومعنى ذلك -بداهة- أنها ليست من صميم الإسلام ولا هي حتى من إنتاج المنتسبين إليه، ولذلك وجب -قبل كل شيء- أن ننظر إليها نظرتنا إلى أية بضاعة مستوردة من جهة حاجتنا إليها أو عدمها، فما لم نكن بحاجة إليه فإن المفروض فينا باعتبارنا عقلاء أن نميز ونختار ونأخذ أخذ الواعي الحذر. وبتطبيق هذه البدهية على العلمانية، نجد أنها بضاعة نحن في غنى تام عنها، أي أن من الحمق والغباء أن نستجلبها حتى وإن كانت نافعة ومجدية بالنسبة للمجتمعات والظروف التي أنتجتها، فكيف إذا كانت -كما سبق- ما دخلت مجالاً من مجالات الحياة إلا وثمرتها الشقاء المطبق والضياع المرير؟! ثم إنه يجب -سلفاً- ألا ننسى أننا لسنا مخيرين أصلاً في قبول هذه الفكرة أو رفضها، وإننا حتى ونحن نناقشها على ضوء هذه البدهيات - إنما نناقشها من قبيل الفرض الجدلي والنزول إلى مستوى الخصم: ((وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) [سبأ:٢٤]، وإلا فإن ما سيأتي تقريره من حكم العلمانية في دين الله لا يدع لنا فرصة للتفكير أو التردد.

стр. 634

وبالرغم من ذلك نقول: هل للعلمانية في العالم الإسلامي مبرر؟ هل لها ما يسوغها من الأسباب سواء أكان في العقيدة أم الشريعة، في التصور أم في التطبيق؟ الفروق الجوهرية بين الإسلام والديانة الكنسية: وقبل أن نفكر في الجواب سوف تستولي على أذهاننا تلك المشاهد المروعة، التي عرضت سابقاً عن الحياة العلمانية في الغرب ولسان حالها يصرخ في وجوهنا: أن احذروا أن تلقوا بأنفسكم في الجحيم! وإذا استعرضنا بسرعة خاطفة ما سبق أن تحدثنا عنه سلفاً، من قصة العلمانية في أوروبا بأسبابها ودوافعها، فسوف نصل دون جهد إلى نتيجة واضحة هي: أن العلمانية رد فعل خاطئ لدين محرف وأوضاع خاطئة كذلك، وإنها نبات نكد خرج من تربة خبيثة ونتاج سيئ لظروف غير طبيعية. فأوروبا نكبت بالكنيسة وديانتها المحرفة وطغيانها الأعمى، وسارت أحقاباً من الدهر تتعثر في ركابها، ثم انتفضت عليها وتمردت على سلطتها، فانتقلت إلى انحراف آخر وسارت في خط مضاد، إلا أنه أعظم خطراً وأسوأ مصيراً. انتقلت من جاهلية تلبس مسوح الدين إلى جاهلية ترتدي مسوح التقدم والتطور، وهربت من طغيان رجال الدين والإقطاعيين فوقعت في قبضة الرأسماليين وأعضاء الحزب الشيوعي. وذلك الانتقال وهذا الهروب دفعت إليه ظروف تاريخية بيئية نابعة من واقع الحياة الأوروبية خاصة؛ مع العلم بأنه لم يكن ضرورياً أن يتخذ رد الفعل الأوروبي تلك الصفة بعينها وأن مجيئه على هذا الشكل ليس حتمياً.

стр. 635

أي أنه لم يكن حتماً على مجتمع ابتلي بدين محرف أن يخرج عنه ليكون مجتمعاً لا دينياً، بل الافتراض الصحيح هو أن يبحث عن الدين الصحيح. فإذا وجدنا مجتمعاً آخر يختلف في ظروفه عن ذلك المجتمع، ومع ذلك يصر على أن ينتهج اللادينية ويتصور أنها حتم وضرورة، فماذا نحكم عليه؟ ... وكيف يكون الحكم -أيضاً- إذا كان هذا المجتمع الآخر يملك الدين الصحيح؟ إن أول ما لاحظناه في دين أوروبا هو التحريف في العقيدة والشريعة: عقيدة التثليث المستغلقة المضطربة والأناجيل المحرفة المتضاربة، ثم النظرة القاصرة التي فصلت الدين عن الدولة والحياة وحصرته في الأديرة والكنائس، فهل ذلك أو شيء منه في الإسلام؟ لنبدأ بالتثليث، أي ما يتصل بعقيدة الألوهية: وبدون أدنى مبالغة نقول إنه ليس من دين ولا نحلة على وجه الأرض أيسر فهما، وأعظم اتساقاً مع الفطرة وموافقة للعقل من العقيدة الإسلامية، بل هي الفطرة ذاتها التي يعد ما عداها انحرافاً وضلالاً، والتي لا تتغير بحال: ((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)) [الروم:٣٠]. هذه العقيدة الفطرية تشرحها سورة واحدة صغيرة قل أن يوجد مسلم لا يستظهرها: ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ)) [الإخلاص:١ - ٤] وهي السورة التي نزلت جواب إلهياً للمشركين
следующие страницы →