← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96612

العلمانية - نشأتها وتطورها

سفر الحوالي

Полный текст (715 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

اجتماعية، تضاهي تلك التي تحدثنا عنها في أوروبا وأميركا، من قتل واختطاف واغتصاب وتشرد، ولا عجب أن تنتشر الأمراض الاجتماعية الفتاكة الناشئة عن فقد كل من الجنسين خصائصه المميزة، وليس ما نشاهده من تخنث الرجال وترجل النساء إلا صورة من ذلك. ولا عجب أيضاً أن تتقوض البيوت وتنهار الأسر، ويصبح جنوح الأحداث مشكلة اجتماعية تعاني منها بلاد تدعي أنها إسلامية. إن التربية غير السليمة لا يمكن أن تنتج إلا جيلاً غير سليم، وهاهو ذا الجيل المعاصر المنكود تتجاذبه الشهوات والشبهات وتمزقه التناقضات والغوايات، وتغتاله النزوات المتهورة والإغراءات القاتلة، فلا يستطيع إلا أن يسلم نفسه ذليلاً لشياطين الجن والإنس ينهشون فكره وجسمه، ويلهبون ظهره بسياطهم، حتى يسقط شلواً ممزقاً على مذبح الفسق والإباحية. والعجيب -حقاً- أنه مع هذه النذر كلها لا تزال الدعوات المحمومة على أشدها، ولا تزال الموجة في عنفوانها، ولا تزال الصيحات تتعالى من كل مكان مطالبة بنبذ التقاليد وفصل الأخلاق عن الدين.

стр. 632

- الباب الخامس: حكم العلمانية في الإسلام: الباب الخامس: حكم العلمانية في الإسلام. الفصل الأول: هل للعلمانية في العالم الإسلامي مبرر؟ الفصل الثاني: حكم العلمانية في الإسلام.

стр. 633

- الفصل الأول: هل للعلمانية في العالم الإسلامي مبرر ؟؟: العلمانية فكرة مستوردة لا يشك في ذلك أعداؤها ولا يماري فيه أحد من دعاتها، ومعنى ذلك -بداهة- أنها ليست من صميم الإسلام ولا هي حتى من إنتاج المنتسبين إليه، ولذلك وجب -قبل كل شيء- أن ننظر إليها نظرتنا إلى أية بضاعة مستوردة من جهة حاجتنا إليها أو عدمها، فما لم نكن بحاجة إليه فإن المفروض فينا باعتبارنا عقلاء أن نميز ونختار ونأخذ أخذ الواعي الحذر. وبتطبيق هذه البدهية على العلمانية، نجد أنها بضاعة نحن في غنى تام عنها، أي أن من الحمق والغباء أن نستجلبها حتى وإن كانت نافعة ومجدية بالنسبة للمجتمعات والظروف التي أنتجتها، فكيف إذا كانت -كما سبق- ما دخلت مجالاً من مجالات الحياة إلا وثمرتها الشقاء المطبق والضياع المرير؟! ثم إنه يجب -سلفاً- ألا ننسى أننا لسنا مخيرين أصلاً في قبول هذه الفكرة أو رفضها، وإننا حتى ونحن نناقشها على ضوء هذه البدهيات - إنما نناقشها من قبيل الفرض الجدلي والنزول إلى مستوى الخصم: ((وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) [سبأ:٢٤]، وإلا فإن ما سيأتي تقريره من حكم العلمانية في دين الله لا يدع لنا فرصة للتفكير أو التردد.

стр. 634

وبالرغم من ذلك نقول: هل للعلمانية في العالم الإسلامي مبرر؟ هل لها ما يسوغها من الأسباب سواء أكان في العقيدة أم الشريعة، في التصور أم في التطبيق؟ الفروق الجوهرية بين الإسلام والديانة الكنسية: وقبل أن نفكر في الجواب سوف تستولي على أذهاننا تلك المشاهد المروعة، التي عرضت سابقاً عن الحياة العلمانية في الغرب ولسان حالها يصرخ في وجوهنا: أن احذروا أن تلقوا بأنفسكم في الجحيم! وإذا استعرضنا بسرعة خاطفة ما سبق أن تحدثنا عنه سلفاً، من قصة العلمانية في أوروبا بأسبابها ودوافعها، فسوف نصل دون جهد إلى نتيجة واضحة هي: أن العلمانية رد فعل خاطئ لدين محرف وأوضاع خاطئة كذلك، وإنها نبات نكد خرج من تربة خبيثة ونتاج سيئ لظروف غير طبيعية. فأوروبا نكبت بالكنيسة وديانتها المحرفة وطغيانها الأعمى، وسارت أحقاباً من الدهر تتعثر في ركابها، ثم انتفضت عليها وتمردت على سلطتها، فانتقلت إلى انحراف آخر وسارت في خط مضاد، إلا أنه أعظم خطراً وأسوأ مصيراً. انتقلت من جاهلية تلبس مسوح الدين إلى جاهلية ترتدي مسوح التقدم والتطور، وهربت من طغيان رجال الدين والإقطاعيين فوقعت في قبضة الرأسماليين وأعضاء الحزب الشيوعي. وذلك الانتقال وهذا الهروب دفعت إليه ظروف تاريخية بيئية نابعة من واقع الحياة الأوروبية خاصة؛ مع العلم بأنه لم يكن ضرورياً أن يتخذ رد الفعل الأوروبي تلك الصفة بعينها وأن مجيئه على هذا الشكل ليس حتمياً.

стр. 635

أي أنه لم يكن حتماً على مجتمع ابتلي بدين محرف أن يخرج عنه ليكون مجتمعاً لا دينياً، بل الافتراض الصحيح هو أن يبحث عن الدين الصحيح. فإذا وجدنا مجتمعاً آخر يختلف في ظروفه عن ذلك المجتمع، ومع ذلك يصر على أن ينتهج اللادينية ويتصور أنها حتم وضرورة، فماذا نحكم عليه؟ ... وكيف يكون الحكم -أيضاً- إذا كان هذا المجتمع الآخر يملك الدين الصحيح؟ إن أول ما لاحظناه في دين أوروبا هو التحريف في العقيدة والشريعة: عقيدة التثليث المستغلقة المضطربة والأناجيل المحرفة المتضاربة، ثم النظرة القاصرة التي فصلت الدين عن الدولة والحياة وحصرته في الأديرة والكنائس، فهل ذلك أو شيء منه في الإسلام؟ لنبدأ بالتثليث، أي ما يتصل بعقيدة الألوهية: وبدون أدنى مبالغة نقول إنه ليس من دين ولا نحلة على وجه الأرض أيسر فهما، وأعظم اتساقاً مع الفطرة وموافقة للعقل من العقيدة الإسلامية، بل هي الفطرة ذاتها التي يعد ما عداها انحرافاً وضلالاً، والتي لا تتغير بحال: ((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)) [الروم:٣٠]. هذه العقيدة الفطرية تشرحها سورة واحدة صغيرة قل أن يوجد مسلم لا يستظهرها: ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ)) [الإخلاص:١ - ٤] وهي السورة التي نزلت جواب إلهياً للمشركين

стр. 636

عندما سألوا الرسول ﷺ أن يصف لهم ربه (١). هكذا وحدانية سهلة سلسلة تتشربها النفس البشرية بطريقة تلقائية دون تعقيد أو تكلف، فلا أقانيم ولا أبوة وبنوة ولا تشبيه ومكافأة. وهذه الحقيقة هي التي تجذب اهتمام وتركيز دارسي الإسلام من أول لحظة، وتدفع من كتبت له الهداية منهم إلى نفض ما علق بفطرته من ركام والدخول في دين الله بكل طمأنينة، ذلك أن أول ما يستشعره القلب والعقل أمام العقيدة الإسلامية هو الاستقامة والبساطة والوضوح ... ، وهذه السمة التي تجتذب الأفراد الذين يدخلون في هذا الدين من الأوروبيين والأميركيين المعاصرين، فيتحدثون عنها بوصفها أول ما طرق حسهم من هذا الدين، وهي ذاتها السمة التي تجتذب البدائيين في أفريقيا وآسيا في القديم والحديث، لأنها سمة الفطرة التي يشترك فيها الناس أجمعين متحضرين وبدائيين (٢) ويأتي مصداق ذلك على لسان أحد الداخلين في الإسلام من النصارى: بدأت أدرس الأديان بصفة عامة والإسلام على وجه الخصوص، فأيقنت في غضون دراستي أن دنيا تفكيري وإحساسي أقرب للإسلام منها للمسيحية، وبالتدريج اكتشفت أن الإسلام كمنهج حياة كان ينسجم من كافة الوجوه مع فطرتي البشرية، وأستطيع هنا أن أضرب مثالاً نظرياً وآخر عملياً: عندما درست وجهة النظر الإسلامية حول النبي عيسى ﵇ عرفت أنني لم يحدث قط أن آمنت بأن عيسى ﵇ ابن الله، كما عرفت فيما بعد من أستاذ بروتستانتي أن عدداً كبيراً من

стр. 637

المسيحيين -حوالي (٨٠%) - منهم أقرب إلى الإسلام منه إلى المسيحية في هذه الناحية على الأقل من عقيدتهم، أما من الناحية العملية، فحتى قبل إسلامي كنت أنفر من الخمور والرقص وما شابه ذلك من الأمور التي عرفت فيما بعد أنها محرمة في الإسلام، وهكذا كان الإسلام بالنسبة لي كعملية اكتشافي لفطرتي: ((فِطْرَتَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)) [الروم:٣٠] (١). والعجيب في قضية التثليث أن تنسب أوروبا الفضل في إنكارها إلى فلاسفة عصر التنوير [ق:١٨] من أمثال فولتير وتوم بين، ويعرب بعض الباحثين عن دهشتهم لأن عقلية جبارة كتلك التي يتمتع بها ديكارت لم تستنكر هذه العقيدة ولو بكلمة واحدة. هذا في حين أن الإسلام -دين الله الحق- سبق إلى نقض هذه العقيدة وإبطالها، ليس من خلال تنفيره العام من الشرك وإنكاره المطلق فحسب، بل أفرد الحديث عنها استقلالاً وفصله من وجوه منوهاً بأنها عقيدة وثنية قديمة، وهي الحقيقة التي لم تعرفها أوروبا إلا بعد ظهور علم مقارنة الأديان الذي يعد من أحدث علومها النظرية، قال تعالى: ((وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ)) [التوبة:٣٠] (٢) .. أما بالنسبة للأناجيل فإن سلامة القرآن الكريم من التحريف وحفظه بنصه الكامل حفظاً أبدياً لأمر حسي مقطوع به، لا يماري فيه إلا مكابر ينكر عقله وحسه قبل أن ينكره، ففي إمكان

стр. 638

الشاك في حقيقة ذلك أن يأخذ نسخة مطبوعة من القرآن الكريم من ماليزيا مثلاً، وأخرى من مصر وثالثة من أمريكا، ثم يقارن بينها وبعد أن يتضح له أنها متطابقة تماماً -وهو ما لا بد منه- فليقارن إحداها بأية نسخة مخطوطة منه، سواءً في إحدى مكتبات الهند أو في أحد متاحف أوروبا ليجد الحقيقة عينها تتكرر لديه (١). وقديماً يذكر الإمام البيهقي ﵀ قصة واقعية مروية عن القاضي يحيى بن أكثم قال: ((دخل يهودي على المأمون فتكلم فأحسن الكلام، فدعاه المأمون إلى الإسلام فأبى، فلما كان بعد سنة جاءنا مسلماً فتكلم فأحسن الكلام، فقال له المأمون: ما كان سبب إسلامك؟ قال: انصرفت من حضرتك فأحببت أن أمتحن الأديان، فعمدت إلى التوراة فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت وأدخلتها الكنيسة فاشتريت مني، وعمدت إلى الإنجيل فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت وأدخلتها البيعة فاشتريت مني، وعمدت إلى القرآن فعملت ثلاث نسخ فيها نقص وزيادة وأدخلتها الوراقين فتصفحوها، فلما أن وجدوا فيها الزيادة والنقصان رموا بها فلم يشتروها فعلمت أن هذا كتاب محفوظ فكان هذا سبب إسلامي)). قال يحيى بن أكثم: فحججت تلك السنة فلقيت سفيان بن عينية فذكرت له الحديث، فقال مصداق هذا في كتاب الله تعالى، قلت في أي موضع؟ قال: قال الله تعالى في التوراة والإنجيل: ((بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ)) [المائدة:٤٤] فجعل حفظه إليهم فضاع، وقال ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:٩] فحفظه فلم يضع (٢).

стр. 639

وهذه الحقيقة الكبرى تقف كالصخرة الصماء أمام جهود المستشرقين وفلول الحاقدين على الإسلام قديماً وحديثاً، لم يستطيعوا منها نيلاً ولا تحويلاً. أما تحريف الشريعة بفصلها عن شئون الحياة وقصرها على طائفة مخصوصة، بل على فترات محدودة من حياة تلك الطائفة، فقد حفظ الله تعالى دينه الحق من ذلك -أيضاً- ولم تمر على الإسلام تلك الظروف التاريخية السيئة التي حالت دون تطبيق شريعة عيسى ﵇: فالرسول ﷺ لم يلحق بالرفيق الأعلى حتى كانت للإسلام دولة يقوم كل جليل من أمرها ودقيق على هديه الإلهي، دولة فريدة في عالم الأرض كله، واستمرت دولة الإسلام تنمو وتتسع، وانضوى تحت حكم الله شعوب، وأمم العالم المتحضر من بلاد الصين إلى المحيط الأطلسي، ولم يبق خارجاً عن دائرته إلا أوروبا التي كانت مطمورة في ظلمات بعضها فوق بعض، والقبائل الوحشية في أواسط أفريقية وشمال وجنوب شرق آسيا، وهكذا لم تتعرض الشريعة الإسلامية لاضطهاد يذهب معالمها ويطمس حقائقها، ويجعل تطبيقها في واقع الحياة أمراً مستحيلاً، كما حدث للنصرانية. هذا بالنسبة للعوامل الخارجية، أما العوامل الذاتية فإن الشريعة الإسلامية سلمت من عبث العابثين وتحريف المبطلين، فعلى الرغم من كثرة الفرق الهدامة والطوائف الموتورة فإنها جميعاً عجزت عن تحقيق أهدافها، وغمرها التاريخ في طياته، والشريعة غضة طرية كأنما أنزلت اليوم.

стр. 640

أما القرآن فأمر حفظه -كما سبق- أشهر من أن يدور حوله نقاش. وأما السنة فسلامتها وحفظها معجزة من معجزات هذا الدين الخالدة، فقد قيض الله لها رجالاً يستظهرون مئات الألوف من الأسانيد والأحاديث غيباً، لو أن أحدهم شك في كلمة بل في حرف لذكر ذلك في روايته أداءً للأمانة وتبرئة للذمة، واستنبط المسلمون علماً لا نظير له بين الأمم السابقة واللاحقة، وهو علم مصطلح الحديث، الذي وضعت له أصول وقواعد يذهل لها الباحثون المعاصرون، وما يزال في الأمة علماء معاصرون محتفظون بسلسلة السند حتى رسول الله ﷺ مع أن الكتب المدونة تملأ الآفاق. ونتيجة للضبط المتقن والدقة البالغة كانت الأمة واثقة كل الثقة في قدرة علمائها على كشف كل مدسوس على السنة، فقد جيء إلى الرشيد بزنديق فأمر بقتله، فقال: يا أمير المؤمنين! أين أنت عن أربعة آلاف حديث وضعتها فيكم، أحرم فيها الحلال وأحل فيها الحرام، ما قال النبي منها حرفاً واحداً؟ فقال الرشيد: أين أنت يا زنديق عن عبد الله بن المبارك وأبي إسحاق الفزاري ينخلانها فيخرجانها حرفاً حرفاً (١). وظلت هذه الأمة الإسلامية قروناً تعيش حياة متسقة موحدة المنهج والسلوك، لا أثر فيها لشيء من الانفصال الشعوري أو العملي بين الشريعة والسياسة، أو بين الدين والدنيا على النحو الذي رأيناه في النصرانية. نعم وقع في حياة الأمة الإسلامية انحراف بل انحرافات، لكنها

стр. 641

انحرافات شخصية عملية أملتها الأهواء والأطماع، وأسهمت في إرسائها عوامل ليس هذا مجالها، أما الشريعة ذاتها فقد ظلت سليمة محفوظة وبقيت منهجاً سامياً ثابتاً ترتقي إليه الأمة في فترات اليقظة والإصلاح، ولم يذهب أبداً من حس الأمة بمجموعها أن تقيس الواقع بالشريعة، وأن تنظر إلى الانحراف وإن طال على أنه انحراف، حتى في أحلك العصور وأحرجها كان ضمير الأمة يقظاً؛ وكان فيها علماء أفذاذ يصححون المفهومات ويردون المنحرفين إلى الأصل الثابت الوضاء. يقول الإمام ابن القيم، الذي عاش في الفترة المظلمة التي تلت سقوط بغداد واكتساح التتار للرقعة الإسلامية (ت٧٥١هـ): ((وتقسيم بعضهم طرق الحكم إلى شريعة وسياسة كتقسيم غيرهم الدين إلى شريعة وحقيقة، وكتقسيم آخرين الدين إلى عقل ونقل، وكل ذلك تقسيم باطل، بل السياسة والحقيقة والطريقة والعقل كل ذلك ينقسم إلى قسمين: صحيح وفاسد، فالصحيح قسم من أقسام الشريعة لا قسيم لها والباطل ضدها ومنافيها، وهذا الأصل من أهم الأصول وأنفعها، وهو مبني على حرف واحد وهو عموم رسالته ﷺ بالنسبة إلى ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم، وأنه لم يحوج أمته إلى أحد بعده وإنما حاجتهم إلى من يبلغ عنه ما جاء به، فلرسالته عمومان محفوظان لا يتطرق إليهما تخصيص: عموم بالنسبة إلى المرسل إليهم، وعموم بالنسبة إلى كل من يحتاج إليه من بعث إليه في أصول الدين وفروعه، فرسالته كافية شافية عامة لا تحوج إلى سواها، ولا يتم الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالته في هذا وهذا، فلا يخرج أحد من المكلفين عن رسالته، ولا يخرج نوع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عما جاء به، وقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر للأمة منه علماً، وعلمهم كل شيء حتى آداب التخلي، وآداب

стр. 642

الجماع والنوم والقيام والقعود والأكل والشرب والركوب والنزول والسفر والإقامة والصمت والكلام والعزلة والخلطة والغنى والفقر والصحة والمرض، وجميع أحكام الحياة والموت. ووصف لهم العرش والكرسي والملائكة والجن والنار والجنة ويوم القيامة، وما فيه حتى كأنه رأي عين. وعرفهم معبودهم وإلههم أتم تعريف حتى كأنهم يرونه ويشاهدونه بأوصاف كماله ونعوت جلاله، وعرفهم الأنبياء وأممهم وما جرى لهم وما جرى عليهم معهم، حتى كأنهم كانوا بينهم، وعرفهم من طرق الخير والشر دقيقها وجليلها ما لم يعرفه نبي لأمته قبله، وعرفهم ﷺ من أحوال الموت وما يكون بعده في البرزخ وما يحصل فيه من النعيم والعذاب للروح والبدن ما لم يعرف به نبي غيره، وكذلك عرفهم ﷺ من أدلة التوحيد والنبوة والمعاد والرد على جميع فرق أهل الكفر والضلال ما ليس لمن عرفه حاجة من بعده، اللهم إلا من يبلغه إياه ويبينه ويوضح منه ما خفي عليه. وكذلك عرفهم ﷺ من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرق النصر والظفر ما لو علموه وعقلوه ورعوه حق رعايته لم يقم لهم عدو أبداً. وكذلك عرفهم ﷺ من مكايد إبليس وطرقه التي يأتيهم منها، وما يتحرزون به من كيده ومكره، وما يدفعون به شره ما لا مزيد عليه، وكذلك عرفهم ﷺ من أحوال نفوسهم وأوصافها ودسائسها وكمائنها ما لا حاجة لهم معه إلى سواه. وكذلك عرفهم ﷺ من أمور معايشهم ما لو علموه وعملوه لاستقامت لهم دنياهم أعظم استقامة.

стр. 643

وبالجملة فجاءهم بخير الدنيا والآخرة برمته ولم يحوجهم إلى أحد سواه، فكيف يظن أن شريعته الكاملة التي ما طرق العالم شريعة أكمل منها ناقصة تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكملها، أو إلى قياس أو حقيقة أو معقول خارج عنها؟، ومن ظن ذلك فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسول آخر بعده؛ وسبب هذا كله خفاء ما جاء به من ظن ذلك، وقلة نصيبه من الفهم الذي وفق الله أصحاب نبيه الذين اكتفوا بما جاء به واستغنوا به عما سواه وفتحوا به القلوب والبلاد وقالوا: هذا عهد نبينا إلينا وهو عهدنا إليكم)) (١). أما السلطة الكهنوتية فلا وجود لها في الإسلام، لا بالشكل الذي رأيناه سلفاً في أوروبا النصرانية ولا بغيره. ذلك أن الإسلام -وهو دين التوحيد الخالص- إنما أنزله الله لتحرير العباد، وإخراجهم من عبودية العباد إلى عبادة الله وحده وطاعته دون سواه في التلقي وفي الاتباع، في المنهج والسلوك، وعلى ذلك جاء الأمر صريحاً قاطعاً فيما يتعلق بصرف أي نوع من أنواع العبادة الكثيرة لغير الله، كائناً من كان ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً أو طاغوتاً متألهاً، فالأمر كله سواء، كله كفر: ((ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)) [آل عمران:٧٩ - ٨٠]. وهذا هو الفارق الجوهري الأول في المسألة بين الإسلام والنصرانية المحرفة، فوجود هيئة كهنوتية تشرع لخلق الله أمراً أو نهياً في

стр. 644

العقيدة أو الفروع هو شرك أكبر بالله تعالى، سواءً أجاء ذلك في صورة مراسيم بابوية، أم قرارات مجمعية، أم منشورات كنسية. وقصة عدي بن حاتم - التي ستأتى قريباً- توضح ذلك كل الوضوح؛ ولذلك جاءت دعوة النبي ﷺ أهل الكتاب مناسبة لمقتضى الحال التي كانوا عليها، من عبادة الأفراد وتقديس المخلوقين، فحينما كتب رسول الله ﷺ إلى طواغيت الأرض يبلغهم دعوته، كان نص كتاب هرقل -زعيم النصارى الروم- هكذا: من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، السلام على من اتبع الهدى أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين، و ((قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)) [آل عمران:٦٤] (١). وهذا تعريض جلي بأن النصارى يعبد بعضهم بعضاً، وأن الله تعالى يدعوهم إلى الإسلام الذي ينفي ذلك أشد النفي. وعندما اختلف بعض الصحابة ﵃ مع ابن عباس ﵄ في مسألة متعة الحج احتجوا عليه بفعل أبي بكر وعمر فقال: [[يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون: قال أبو بكر وعمر]] هذا مع أن

стр. 645

أبا بكر وعمر ﵄ أفضل الأمة وأبعدها عن الأمر بما يخالف الكتاب والسنة. فأين هذا من قرارات الفاتيكان، التي ما تزال تصدر بعد المسيح بألفي سنة تحل وتحرم كما تشاء؟ ومسألة إباحة الطلاق وعدمها أشهر من أن تذكر. ولا مجال للمقارنة بين الشرك الذي ترتكبه المجامع النصرانية ومجالس الكرادلة وغيرها، وبين الاجتهاد الذي يباح لمن كان أهلاً له من علماء المسلمين. فالاجتهاد هو استنباط ونظر في النصوص الشرعية الموحاة قرآناً أو سنة، وليس تشريعا مستقلاً كما هو الحال في القرارات الكنسية. ثم إن الاجتهاد لا يعدو كونه رأياً فردياً لا عصمة فيه من الخطأ، ولا يلزم أحد أتباعه بل يحق لأي إنسان أن يخالفه ما دامت المخالفة تتمشى -أيضاً- مع روح الشريعة ومدلولات النصوص. والقاعدة المشهورة (كل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله ﷺ هي عبارة قالها كثير من العلماء، واتفق عليها الأئمة الأربعة وغيرهم، ولا يخالف فيها إلا من خلع ربقة الإسلام بالكلية كغلاة الروافض (١). والفارق الجوهري الثاني في المسألة هو أنه لا واسطة بين الله وخلقه في الإسلام على الإطلاق، اللهم إلا أن الرسل -صلوات الله

стр. 646

عليهم- يبلغون عن الله تعالى والعلماء يبلغون عنهم؛ وقد يسمون وسطاء بالنظر إلى ذلك، أما التوسط بمعناه الذي تولته الكنيسة النصرانية فهو في دين الله شرك أكبر ولا وجود له تاريخياً. نعم وجد ما يشبه ذلك عند بعض المتصوفة مع مريديهم، وبين الجهلة من العوام بالنسبة للأموات والصالحين، ولكنه - مع اختلافه عن التوسط الكنيسي - ليس من الإسلام ولم يقره علماء الأمة المعتبرون. قال شَيْخ الإِسْلامِ في رسالة له فريدة: (وما سوى الأنبياء من مشايخ العلماء والدين، فمن أثبتهم وسائط بين الرسول ﷺ وأمته يبلغونهم ويعلمونهم ويؤدبونهم ويقتدون بهم فقد أصاب في ذلك، وهؤلاء إذا أجمعوا فإجماعهم حجة قاطعة لا يجتمعون على ضلالة، وإن تنازعوا في شيء ردوه إلى الله والرسول، إذ الواحد منهم ليس بمعصوم على الإطلاق، بل كل أحد من الناس يؤخذ من كلامه ويترك إلا الرسول ﷺ ، وقد قال ﷺ : ﴿العلماء ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر﴾ ومن أثبتهم وسائط بين الله وبين خلقه كالحجاب الذين بين الملك ورعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، فالله إنما يهدي عباده ويرزقهم بتوسطهم، فالخلق يسألونهم وهم يسألون الله كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك الحوائج للناس لقربهم منهم .. فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء مشبهون لله شبهوا المخلوق بالخالق وجعلوا لله أنداداً) (١).

стр. 647

وقد أدرك أتين دينيه هذه الحقيقة وكانت إحدى دوافع اعتناقه للإسلام يقول: (الوسيلة هي إحدى كبريات المسائل التي فاق بها الإسلام جميع الأديان، إذ ليس بين الله وعبده وسيط، وليس في الإسلام قساوسة ولا رهبان، إن هؤلاء الوسطاء هم شر البلايا على الأديان، وإنهم لكذلك مهما كانت عقيدتهم ومهما كان إخلاصهم وحسن نياتهم) (١). إن الإسلام ليس فيه شيء اسمه رجال دين أصلاً، بل أن هذه الكلمة المحدثة لا يستعملها إلا مغرض مضلل أو ساذج مخدوع، فالتصور الإسلامي أساساً يرفض فكرة وجود أشخاص أو مجالات دنيوية لا علاقة لها بالدين أو دينية لا علاقة لها بالحياة، بل هو يجعل النفس البشرية ومثلها الحياة البشرية وحدة متناسقة، ويخاطبها على هذا الأساس، ويربطها بالله تعالى مباشرة في توحيد خالص مجرد (راجع الفصل السابق).والله تعالى يقول: ((وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)) [البقرة:١٨٦] ويقول: ((وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ)) [آل عمران:١٣٥] فأين هذا من تعاليم النصرانية المحرفة، حيث يجلس المذنب على كرسي الاعتراف أمام عبد مخلوق مثله يقر بذنوبه ويلتمس منه المغفرة والرضوان؟! لقد صان الله الإسلام من تلك الملابسات التي أدت إلى وجود الطائفة الكهنوتية النصرانية محرفة لدين الله محتكرة لكتبه، فلم يوجد مثل هذه الطائفة في واقع الحياة الإسلامية، كما أنه لم يوجد لها مبرر في العقيدة والتصور.

стр. 648

ونتيجة ذلك الطبيعية هي أن الطغيان الفظيع الذي مارسته الكنيسة، وكان أحد أسباب العلمانية، لا وجود له في تاريخ الإسلام. فالطغيان الديني، ذلك الذي يحتكر تعاليم الوحي ويحرف ألفاظها ومعانيها، ويسير الجيوش الصليبية لسحق المخالفين من الفرق في الرأي، ويقيم محاكم التفتيش لتصيدهم، يوجد له -ولله الحمد- نظير في تاريخنا الإسلامي. والطغيان السياسي، ذلك الذي يستذل الحكام لأشخاص رجال الدين، ويعرض الشعوب لطائلة عقوبة الحرمان العام بسبب نزوة غضب تعتري أحد البابوات، ويسخر الناس ويكبل ما منح الله للإنسان من حق الحياة الحرة، لم يكن في الإسلام مثله أبداً. والطغيان الاقتصادي، ذلك الذي يتحكم في موارد وأرزاق البشر، ويستذلهم بالعمل المجاني في إقطاعيات الكرادلة والقساوسة، ويفرض الضرائب الباهظة على الأمم والأفراد لحساب خزانة الفاتيكان، لا وجود لمثله في الإسلام مطلقاً. بل إن الله تعالى أنزل قوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ)) [التوبة:٣٤] قبل أن يدور في خلد أوروبا الثورة على إقطاع رجال الدين والمطالبة بتحديد مخصصاتهم. والطغيان الفكري والعلمي، ذلك الذي وقف عثرة في سبيل رقي البرية، وأقام محاكم التفتيش لإحراق العلماء أحياء، وطارد الباحثين التجريبيين كما تطارد الشرطة عصابات الحشاشين، وصفد العقل البشري بأغلال التعصب والجمود، وكفر الناس لأنهم اكتشفوا ما يعينهم على فهم بعض حقائق الوجود أو ظروف العيش ... ، هذا الطغيان الرهيب لا وجود له في الإسلام، ولا يمكن أن يوجد بحال في دين يجعل العلم فريضة شرعية والفكر عبادة سامية، ويسوي بين مداد

стр. 649

العلماء ودماء الشهداء، بل يعد الكلب المعلم وسيلة طاهرة، في حين أن الكلب الجاهل حيوان نجس. وكيف تكون نفرة بين العلم والدين، وحلقات ودروس الطب والفلك والرياضة، بل الشعر والأدب كلها تعقد في الجوامع جنباً إلى جنب مع حلقات الحديث والفقه والتفسير؟ والطبيب والفلكي والرياضي يجلس جنباً إلى جنب مع الفقيه وكبير القضاة في مجلس الخليفة؟ والمراصد وبيوت الحكمة تغدق عليها الأموال من بيت مال المسلمين؟ إنه لا مجال للمقارنة ولا داعي للإيضاح. يبقى بعد هذا من عقائد النصرانية وشعائرها، التي نفرت الناس منها، وتسببت في ثورتهم عليها، مسألة الخطيئة الموروثة وموضوع الطقوس التعبدية: أما الخطيئة الموروثة -التي أزعجت فولتير وباسكال، بل أقلقت الضمير الأوروبي كله وأرقته منذ أن اعتنقها إلى الآن، وبذرت اليأس والقنوط في النفوس، فلجأ الكثيرون إلى الأديرة والصوامع -كما سبق الكلام عن الرهبانية- أما هذه فإن الموقف الإسلامي منها قطعي وصريح. فمن جهة معصية آدم ﵇ بالأكل من الشجرة، نجد أن الواقعة ذكرت في القرآن مذيلة بذكر التوبة والاستغفار، وبيان أن الله تعالى قبل التوبة وغفر الخطيئة، ففي سورة البقرة ينتهي سياق القصة إلى قوله جل شأنه: ((فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) [البقرة:٣٧].

стр. 650

وفي سورة الأعراف تكون عاقبة الخطيئة: ((قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)) [الأعراف:٢٣]. وفي سورة طه يقول تعالى: ((وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى)) [طه:١٢١ - ١٢٢]. فالله تعالى تاب على آدم وهو ما يزال بعد في الملأ الأعلى ولم يهبط إلى الأرض إلا بعد ذلك، والآيات الكريمة لا تعطي الخطيئة ذلك الحجم المهول الذي تعطيها إياه تعاليم الكنيسة المحرفة فهي أمر عرضي في حياة آدم ﵇، بل في حياة كل بشر، تمحوه التوبة ويذهبه الاستغفار. صحيح أن حكمة الله تعالى اقتضت أن تجعل المعصية سبباً في الإخراج من الجنة، ولكن الله تعالى قبل أن يخلق آدم قال للملائكة: ((إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)) [البقرة:٣٠] فموضع الاستخلاف أساساً هو الأرض وعليها يكون الابتلاء، وليس ذلك لعنة في ذاته بل هو غاية الحكمة. ولذلك حج آدم موسى ﵉ حين عاتبه على أنه تسبب في إخراج بنيه من الجنة، فرد عليه آدم كما ذكر النبي ﷺ : ﴿أفليس تجد فيما أنزل الله عليك أنه سيخرجني منها قبل أن يدخلنيها؟ قال: بلى. قال ﷺ : فحج آدم موسى (ثلاثاً)﴾ (١) (أي غلبة بالحجة). هذا، ومن جهة أخرى فإن التصور الإسلامي يقرر ويؤكد حقيقة عظمى وقاعدة جليلة تضمنها قوله تعالى: ((أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى *

стр. 651

وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى)) [النجم:٣٨ - ٣٩] فلا يؤاخذ الله تعالى أحداً بذنب غيره مهما كانت الصلة بينهما -أي: أنه حتى لو فرضنا جدلاً أن آدم ﵇ لم يتب، فإنه وحده المؤاخذ بمعصيته إن لم يغفرها الله له ولا ذنب للبشرية لا المسيح ولا غيره. إنه - حسب قاعدة العدل الرباني - لا يجوز أن يؤاخذ أحد غير آدم بخطيئته، حتى ولو كان ابن الشيطان الذي أغواه بالخطيئة -فضلاً عن أن يكون ابن الله- كما تقول الكنيسة تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً أو أحداً من بني آدم. وبذلك خلا التصور الإسلامي من الأفكار والنظريات التي ابتدعتها الكنيسة باعتبارها من مستلزمات الخطيئة، سواءً ما يتعلق منها بذات الله أو بالإنسان. وكان علماء المسلمين أسبق من فلاسفة عصر التنوير وأتباع مدرسة النقد التاريخي في هذا المضمار، يقول أحدهم: ( ... فنسبوا الإله الحق -سبحانه- إلى ما يأنف أسقط الناس وأقلهم أن يفعله بمملوكه وعبده! وإلى ما يأنف عباد الأصنام أن يُنسب أوثانهم إليه، وكذبوا الله في كونه تاب على آدم ﵇، وغفر له خطيئته ونسبوه إلى أقبح الظلم، حيث زعموا أنه سجن أنبياءه ورسله وأولياءه في الجحيم بسبب خطيئة أبيهم، ونسبوه إلى غاية السفه حيث خلصهم من العذاب بتمكينه أعداءه من نفسه حتى قتلوه وصلبوه وأراقوا دمه، ونسبوه إلى غاية العجز حيث عجزوه أن يخلصهم بقدرته من غير هذه الحيلة، ونسبوه إلى غاية النقص حيث سلط أعداءه على نفسه وابنه ففعلوا به ما فعلوا ... وبالجملة فلا نعلم أمة سبَّت ربها ومعبودها وإلهها بما سبت به هذه الأمة، كما قال عمر ﵁: [[إنهم سبوا الله مسبة ما سبه

стр. 652

إياها أحد من البشر]] وكان بعض أئمة الإسلام إذا رأى صليبياً أغمض عينيه، وقال: لا أستطيع أن أملأ عيني ممن سب إلهه ومعبوده بأقبح السب. ولهذا قال عقلاء الملوك (ملك الهند): إن جهاد هؤلاء واجب شرعاً وعقلاً، فإنهم عار على بني آدم، مفسدون للعقول والشرائع) (١). هذا الكلام نموذج من بين انتقادات عقلية لا حصر لها، دونها علماء المسلمين قبل أن يخلق سبينوزا وباسكال وفولتير بقرون، وقبل أن تفكر أوروبا في شيء اسمه (النقد التاريخي) أو (حرية التفكير). وينتهي بنا المطاف إلى شعائر النصرانية وطقوسها لا سيما الطقس الأكبر (العشاء الرباني)، الذي كان وما يزال من أعظم حجج المناهضين للنصرانية لما يصدم به العقل والبديهة والحس. ولا نحتاج إلى توكيد أن الإسلام ليس فيه شيء من هذا ولا ما يشبهه، فإن الإسلام وهو دين الله الحق أجل وأسمى من أن يشتمل على مثل هذه الطقوس الوثنية المنقولة عن الأمم الغابرة، إن الله تعالى منَّ على البشرية بالإسلام منة عظيمة إذ حررها من مثل هذه السخافات، وأنزل شعائر هي في غاية الحكمة والسمو والاتساق مع العقل والفطرة، شعائر لا غموض فيها ولا تمتمات ولا أسرار مقدسة، ليس أدل على ذلك من أن كثيراً من الغربيين يؤخذ بروعة مشهد

стр. 653

المسلمين وهم يصلون، إلى درجة أن ذلك كان سبباً في دخول بعضهم أو تفكيره في أن يدخل في الإسلام، يقول توماس أرنولد: (إنه لا يتأتى لأحد يكون قد رأى ذلك المشهد أن يبلغ تأثره به أعماق قلبه، وألاَّ يلحظ ببصره القوة التي تمتاز بها هذه الطريقة من العبادة عن غيرها) (١). وقال رينان: (لم أدخل مسجداً إلا شعرت بانفعالات نفسية وأسف بالغ حينما أذكر أنني لست مسلماً) (٢). ويقارن المستشرق الأمريكي بودلي بين النصرانية والإسلام في ذلك قائلاً: (لو أن القديس بطرس عاد إلى روما لامتلأ عجباً من الطقوس الضخمة وملابس الكهنوت المزركشة والموسيقى الغريبة في المعبد المقرونة باسمه، ولن يعيد البخور والصور والرقى إلى ذهنه أي شيء من تعاليم سيده المسيح، ولكن إذا ما عاد محمد ﷺ إلى أي مسجد من المساجد المنتشرة بين لندن وزنزبار، فإنه سيجد نفس الشعائر البسيطة التي كانت تقام في مسجده في المدينة الذي كان من الآجر وجذوع الشجر) (٣). أما المهزلة التاريخية العظمى (صكوك الغفران)، التي تعد بحق صفحة سوداء في تاريخ الإنسانية فلا يستطيع أحد من أعداء الإسلام أو دعاة العلمانية -مهما بلغت به المكابرة- أن يزعم أنها وجدت في التاريخ الإسلامي فضلاً عن أصوله التشريعية ذاتها، فهذه المهزلة الأضحوكة لم يعرفها المسلمون حتى في أحط وأحلك عصورهم حين

стр. 654

فشا الجهل، وعلقت بعض الخرافات بأذهان الجهلة والعوام، ولم يحدث قط أن كتب أحد مشايخ الصوفية أو من يسمون أولياء وثيقة غفران بل نستطيع أن نقول: إن ذلك لم يدر في خلده ولم يخطر له على بال. ذلك أن الأمة الإسلامية مهما انحرفت وتخبطت تظل لديها مسكة من عقل وبقية من إيمان، تمنعها عن ارتكاب مثل هذه الحماقات الصفيقة التي لم يتورع عنها بابوات الكنيسة قرابة ثلاثة قرون. هذه الفروق الجوهرية الكبرى بين الإسلام والديانة الكنسية، وبين تاريخه، وتاريخها تقدم إجابة ضخمة ساطعة على السؤال الذي طُرح سلفاً وهو: هل للعلمانية في العالم الإسلامي مبرر ... ؟ وما علينا بعد ذلك إن غالط المغالطون وتمحل المخادعون .. ((أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً)) [الفرقان:٤٣].

стр. 655

- الفصل الثاني: حكم العلمانية في الإسلام: إن العلمانية -كما عرضناها في الأبواب السابقة تفصيلاً- لا تستدعي في حقيقة الأمر كبير جهد لبيان تناقضها مع دين الله تعالى (الإسلام) فهي من ذلك النوع من الاتجاهات والأفكار التي قال عنها علماؤنا قديماً (إن تصوره وحده كاف في الرد عليه)! ولكن نظراً لما أصاب كثيراً من التصورات الإسلامية من انحراف وغبش في أذهان الناس، ولما يثيره أعداء الإسلام -الظاهرون والمتسترون- من شبهات وأباطيل فإن من الضروري تجلية تلك التصورات وكشف هذه الشبهات. وإذا كان التوحيد هو أعظم حقيقة في التصور الإسلامي -بل في الوجود كله- فإنه كذلك أكبر نقيض للعلمانية، ومن ثم كان لا بد من معرفته حق المعرفة. إن التوحيد لهو القضية التي احتدمت فيها المعركة بين الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- وبين أقوامهم، وانقسمت البشرية بسببها قسمين متناحرين: مسلمين موحدين، ومشركين ضالين. ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)) [الأنبياء:٢٥].

стр. 656

وقبل أن نحاول إيضاح المفهوم الحقيقي لعقيدة التوحيد، يحسن بنا النظر إلى حال الأقوام الذين بعثت فيهم الرسل واشتبكت معهم في صراع دائب على مدار التاريخ، ذلك أن معرفة حالهم هي خير معين لمعرفة العقيدة التي أنزلها الله لتصحيح هذه الحال. وما دامت مهمة المرسلين واحدة وقضيتهم مع أممهم واحدة، فلننظر إلى الأمة التي بعث بها النبي الخاتم ﷺ بآخر وأكمل الرسالات، كيف كانت تصوراتها؟ وكيف كان منهج حياتها؟ وبصفة أخص فيم ولماذا اشتد النزاع بينها وبين دعوته ﷺ ؟ إن الدارس لعقائد الجاهلية العربية يجد- من أول وهلة- أنها لم تكن تنكر وجود الله أبداً، بل كانت توحده في معظم أفعاله تعالى كالخلق والرزق والتدبير والإحياء والإماتة ... ، والشواهد على ذلك كثيرة في القرآن الكريم كقوله تعالى: ((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)) [لقمان:٢٥] وفي كلام العرب وشعرهم كقول امرئ القيس: إذا ما اتقى الله الفتى ثم لم يكن على أهله كلاً فقد كمل الفتى (١) وكانوا يقرون بمشيئة الله النافذة في الكون وقدره الذي لا يرد: ((سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ)) [الأنعام:١٤٨] ((وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ)) [يونس:٣١]. ومنه قول عنترة: يا عبل أين من المنية مهربي ... إن كان ربي في السماء قضاها (٢) (ديوان عنترة:١٨٣).

стр. 657

وكانوا يؤمنون بالملائكة: ((وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ)) [الفرقان:٢١] ويؤمنون كذلك بالرسل: ((وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ)) [الأنعام:١٢٤] ومنه قول النابغة: فألفيت الأمانة لم تخنها كذلك كان نوح لا يخون (١) وكانوا يؤمنون بالكتب ويسمون اليهود والنصارى أهل الكتاب: ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً)) [الفرقان:٣٢] أي: كالتوراة والإنجيل. وكان منهم من يؤمن بالبعث والحساب، كقول زهير: يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم الحساب أو يعجل فينقم (٢) وكذلك كان لدى الجاهليين العرب بعض الشعائر التعبدية، منها تعظيم البيت الحرام وطوافهم حوله، ووقوفهم بعرفات وتعظيم الأشهر الحرم، قال النابغة في وصف الحجاج: مشمرين على خوص مزممة نرجو الإله ونرجو البر والطعما (٣) ومن ذلك ذبحهم ونذرهم لله كما في قصة نذر عبد المطلب وإهدائهم للبيت الحرام، وتخصيص شيء من الحرث والأنعام لله: ((وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً)) [الأنعام:١٣٦]. ومن الناحية التشريعية كانت الجاهلية العربية تقيم بعض الحدود كحد السرقة، فقد ذكر ابن الكلبي والقرطبي في تفسيره أن

стр. 658

قريشاً كانت تقطع يد السارق، (١) وهو حد معروف في الشرائع السابقة، كما في حديث المخزومية وشفاعة أسامة بن زيد لها -وشيء آخر سبقت- بل فاقت به الجاهلية العربية الجاهليات اللادينية المعاصرة، وهو (حرية التدين)، فكان منهم الحنفاء الذين يتعبدون ببقايا دين إبراهيم ﵇ وكان منهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وكان منهم عبدة الكواكب وعباد الأوثان، وبعضهم كان يعبد الجن أو الملائكة. هذا كله غير المزايا الخلقية التي كانت البيئة التي بعث فيها رسول الله ﷺ تحوي منهم ما لا تحويه البيئات الأخرى! ولكن - وهذا هو المهم - بماذا حكم الله على هذا المجتمع؟ وكم حسبت هذه الأمور كلها في ميزان الإسلام؟ إن الله تعالى حكم على هذه البيئة -وعلى الواقع الأرضي كله حينئذ- بأنها كفر وجاهلية، وعد تلك الأمور جميعها صفراً في ميزان الإسلام، وحتى ما أقر من معتقداتها جاء على أساس جديد وفى صورة جديدة كأنما هو -فعلاً- شيء جديد. ولذلك نشبت المعركة الطويلة بينهم وبين رسول الله ﷺ ، واشتد النزاع معركة شرسة ونزاع حاد، حتى أن السيف كان الحكم الأخير. والشىء المثير -أيضاً- أن موضوع هذه المعركة العنيفة الطويلة لم يكن سوى كلمة واحدة هي كلمة لا إله إلا الله، كلمة يصر عليها رسول الله ﷺ إلى أقصى حدود الإصرار، وترفضها الجاهلية العربية إلى أبعد مدى للإنكار، يرفضونها على علم ويقين بأن

стр. 659

لها معنى عظيماً ومدلولاً خطراً، وأنها تستتبع مسئوليات جسيمة وتكاليف ثقيلة. منذ اللحظة الأولى حين دعاهم النبي ﷺ إلى لا إله إلا الله كان الجواب الفوري: ((أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ)) [ص:٥]، فالقضية واضحة في أذهانهم: إن الالتزام بهذه الكلمة معناه: الرفض الجازم والتخلي الكامل عن كل ما عدا الله من معبوداتهم وطواغيتهم المختلفة: طاغوت الأوثان وطاغوت الزعامة وطاغوت القبيلة وطاغوت الكهانة وطاغوت التقاليد ... إلخ، والاستسلام الكامل لله، ورد الأمر كله -جليله وحقيره وكبيره وصغيره- إلى الله تعالى وحده لا شريك له، وهذا موقف واحد من مواقف الصراع حول هذه الكلمة: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاء رسول الله ﷺ ، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله ﵌: ﴿يا عم قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها، ويعيد له تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب.﴾ (١) أرأيت؟! رجل في ساعة الاحتضار الأخيرة يراد منه أن يقول هذه الكلمة الخفيفة على اللسان، فما الذي يجعل طواغيت قريش تتشبث بهذا الإصرار المستميت على ألا يقولها؟ وما الذي يجعل هذا الرجل يلفظ أنفاسه دون أن ينطقها؟! لو كانت المسألة مسألة لفظ باللسان لما حدث شيء من هذا أبداً، ولكنه المعنى الخطير والمغزى

стр. 660

العميق الذي أدركه هؤلاء المشركون، وغفل عنه أكثر المسلمين في العصور الأخيرة. حقيقة الطاغوت والعبادة: وإذا كان معنى لا إله إلا الله الكفر بالطاغوت والإيمان بالله: ((فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا)) [البقرة:٢٥٦] وهو -أيضاً- نفي العبادة عما سوى الله تعالى كما قال كل نبي لقومه: ((اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)) [الأعراف:٥٩] وإذا كانت هذه هي دعوة الرسل جميعاً: ((وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)) [النحل:٣٦] فإن حقيقتها لا تتجلى إلا بمعرفة حقيقة هذين -الطاغوت والعبادة-. ١ - الطاغوت: جاءت هذه الكلمة في القرآن والسنة كثيراً، وخير تعريف لها ما ذكره الإمام ابن القيم ﵀: ((الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدون من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله)) (١). من هذا يتبين أن الطاغوت لفظ عام يشمل كل ما يضاد (لا إله إلا الله) سواء أكان شعاراً أم قانوناً أم نظاماً أم شخصاً أم رايةً أم حزباً أم فكرةً ... إلخ، ولذلك ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أن الطواغيت كثيرة، ثم حدد رءوسهم بخمسة: الأول: الشيطان الداعي إلى عبادة غير الله، والدليل قوله تعالى: ((أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)) [يس:٦٠]. الثاني: الحاكم الجائر المغير لأحكام الله، والدليل قوله تعالى: ((أَلَمْ

стр. 661

تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً)) [النساء:٦٠]. الثالث: الذي يحكم بغير ما أنزل الله، والدليل قوله تعالى: ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)) [المائدة:٤٤]. الرابع: الذي يدعي علم الغيب من دون الله ... الخامس: الذي يعبد من دون الله، وهو راض بالعبادة (١). وعلى هذا نستطيع القول بأن الشرك -ذنب البشرية الأكبر ومدار الصراع بين الأمم والرسل- هو عبادة الطاغوت مع الله أو من دونه في أمرين متلازمين: (الإرادة والقصد) و (الطاعة والاتباع). أما شرك الإرادة والقصد فهو التوجه إلى غير الله تعالى بشيء من شعائر التعبد كالصلاة والقرابين والنذور والدعاء والاستغاثة تبعاً للسذاجة الجاهلية القائلة: ((مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)) [الزمر:٣] وطاغوت هذا النوع هو الصنم أو الوثن أو الجني أو الطوطم ... إلخ. وأما شرك الطاعة والاتباع فهو التمرد على شرع الله تعالى وعدم تحكيمه في شئون الحياة بعضها أو كلها، وهو مفرق الطريق بين الإسلام والجاهلية، كما أنه السمة المشتركة بين الجاهليات كلها على مدار التاريخ، وبه استحقت أن تسمى جاهلية مهما بلغ شأنها في الحضارة والمعرفة: ((أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ)) [المائدة:٥٠] ((أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه)) [الشورى:٢١] وطاغوت هذا النوع هو الزعماء والكهان

стр. 662

والكبراء والأنظمة والأوضاع والتقاليد والأعراف والقوانين والدساتير والأهواء ... إلخ. والواقع أن كلا النوعين من الشرك مردهما إلى أصل واحد، وهو تحكيم غير الله والتلقي عنه، فإن مقتضى تحكيمه وحده ألا تتوجه البشرية إلى غيره بأي نوع من أنواع العبادة والقربات، وألا تتوجه وتسير في حياتها كلها إلا وفق ما شرع لها في كتبه وعلى لسان رسله، قال تعالى: ((إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)) [يوسف:٤٠]. فرد الأمر كله إلى الله واتخاذه وحده حكماً في كل شيء هو بعينه العبادة التي أمر الله ألا يصرف شيء منها لغيره، وهذا هو ذات الدين القيم الذي لا يرضى الله تعالى سواه، وإن جهله أكثر الناس على مدار التاريخ. إذا تقرر هذا فكل ما يجابه هذه الحقيقة أو جزءاً منها، فهو طاغوت في أي صورة كان وفى أي عصر ظهر، ولا يكون الإنسان فرداً أو مجتمعاً شاهداً ألاَّ إله إلا الله حقيقة إلا بالكفر بهذا الطاغوت والبراءة منه وأهله. من أجل ذلك كان العربي الذي يقول هذه الكلمة على عهد الرسول ﷺ ينخلع عن الجاهلية انخلاعاً تاماً، وينسلخ من كل أعرافها وأوضاعها وقيمها وموازينها وإيحاءاتها، وينضم إلى موكب الإيمان وهو متجرد لله منقاد لأوامره بلا تردد أو استثناء. ٢ - العبادة: العبادة: هي العلاقة بين هذا الكون بكل ما فيه من جمادات وأحياء، وبين الخالق وهي الغاية من الوجود الإنساني،

стр. 663

بل من وجود المخلوقين المكلفين إنساً وجناً: ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)) [الذاريات:٥٦]. والمختار من تعريفاتها ما قاله شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀، وهو أنها: ((اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة)). وقد أثبت ﵀ في رسالة العبودية أن الدين كله داخل في العبادة مؤيداً ذلك بالأدلة الشرعية واللغوية. وقد سبقت الإشارة إلى أن ذلك هو منطوق قوله تعالى: ((إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)) [يوسف:٤٠] وهو كذلك مفهوم قوله جل شأنه: ((وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)) [البينة:٥]. وزاد هذه الحقيقة إيضاحاً تلميذه ابن القيم ﵀ الذي أسهب في بيان قواعد العبادة ومراتبها واستغراقها للنشاط البشري كله فقال: ((ورحى العبودية تدور على خمس عشرة قاعدة، من كملها كمل مراتب العبودية، وبيانها: إن العبودية منقسمة على القلب واللسان والجوارح، وعلى كل منها عبودية تخصه، والأحكام التي للعبودية خمسة: واجب، ومستحب وحرام ومكروه ومباح، وهي لكل واحد من القلب واللسان والجوارح)) (١). ثم فصل القول في الجوارح فقال: أما العبوديات الخمس على الجوارح، فعلى خمس وعشرين مرتبة أيضاً؛ إذ الحواس خمس وعلى كل حاسة خمس عبوديات، وذكر كل نوع مع الشرح والتمثيل. ويوضح هذا بتوسع ما قاله الشهيد سيد قطب ﵀ عند

стр. 664

الحديث عن قوله تعالى: ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)) [الذاريات:٥٦] ومنه: ((إن مدلول العبادة لا بد أن يكون أوسع وأشمل من مجرد إقامة الشعائر، فالجن والإنس لا يقضون حياتهم في إقامة الشعائر، والله لا يكلفهم بهذا، وهو يكلفهم ألواناً أخرى من النشاط تستغرق معظم حياتهم، وقد لا نعرف نحن ألوان النشاط التي يكلفها الجن، ولكننا نعرف حدود النشاط المطلوب من الإنسان، نعرفها من القرآن من قول الله تعالى: ((وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)) فهي الخلافة في الأرض -إذاً- عمل هذا الكائن الإنساني، وهي تقتضي ألواناً من النشاط الحيوي في عمارة الأرض والتعرف إلى قواها وطاقاتها، وذخائرها ومكنوناتها وتحقق إرادة الله في استخدامها وتنميتها وترقية الحياة فيها، كما تقتضي الخلافة القيام على شريعة الله في الأرض لتحقيق المنهج الإلهي الذي تناسق مع الناموس الكوني العام. ومن ثم يتجلى أن معنى العبادة التي هي غاية الوجود الإنساني أو التي هي وظيفة الإنسان الأولى أوسع وأشمل من مجرد الشعائر، وإن وظيفة الخلافة داخلة في مدلول العبادة قطعاً، وإن حقيقة العبادة تتمثل إذاً في أمرين رئيسيين: الأول: هو استقرار معنى العبودية لله في النفس، أي: استقرار الشعور على أن هناك عبداً ورباً، عبداً يَعبد ورباً يُعبد، وأن ليس وراء ذلك شيء وأن ليس هناك إلا هذا الوضع وهذا الاعتبار، ليس في هذا الوجود إلا عابد ومعبود وإلا رب واحد والكل له عبيد. والثانى: هو التوجه إلى الله بكل حركة في الضمير وبكل حركة في الجوارح وكل حركة في الحياة، التوجه بها إلى الله خالصة والتجرد من

стр. 665

كل شعور آخر، ومن كل معنى غير معنى التعبد لله)) (١). وهذه المعاني دل عليها صريح القرآن كما في قوله تعالى: ((قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ)) [الأنعام:١٦٣]. ولذلك فإن نهي الله تعالى عن الإشراك به في عبادته وإخلاصها له وحده كما في قوله تعالى: ((إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)) [الزمر:٢] وقوله تعالى: ((قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ)) [الزمر:٦٤] يتوجه إلى هذه المعاني بجملتها، كما سيأتي تفسيره في حديث عدي بن حاتم ﵁. إن فطرة الإنسان وطبيعة تكوينه وافتقاره الذاتي لهي قاطعة الدلالة على أنه عبد، ولا يمكن أن يكون غير ذلك، وما عليه إلا أن يختار معبوده. وقد أثبت شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية في رسالة العبودية أن الإنسان على مفترق طريقين لا ثالث لهما، فإما أن يختار العبودية لله، وإما أن يرفض هذه العبودية فيقع لا محالة في عبودية لغير الله (٢). وكل عبودية لغير الله كبرت أم صغرت هي في نهايتها عبادة للشيطان: ((أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)) [يس:٦١] وهذا هو المؤدى الأخير مهما تنوعت الأساليب وتعددت السبل. يشمل ذلك العرب الذين قال الله تعالى فيهم: ((إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَاناً مَرِيداً)) [النساء:١١٧] ويشمل كذلك كل عبادة لغير الله على مدار التاريخ.

стр. 666

((لقد تغيرت ولا شك بعض مظاهر العبادة، فلم يعد هناك تلك الإناث التي كان العرب في شركهم يعبدونها، ولكن عبادة الشيطان ذاتها لم تتغير، وحلت محل الإناث القديمة أوثان أخرى، الدولة والزعيم والمذهب والحزب والعلم والتقدم والإنتاج والحضارة والتطور والمجتمع والوطن والقومية والإنسانية والعقلانية والمودة والجنس والحرية الشخصية. عشرات من الإناث الجديدة غير تلك الإناث الساذجة البسيطة التي كان يعبدها العرب في الجاهلية تضفى عليها القداسات الزائفة، وتعبد من دون الله، ويطاع أمرها في مخالفة الله وفى تغيير خلق الله، ما تغيرت إلا مظاهر العبادة تطورت ولكن الجوهر لم يتغير؛ إنه عبادة الشيطان)) (١). على ضوء هذا الفهم الإجمالي لمعنى الطاغوت والعبادة، يتضح لنا المعنى الحقيقي لـ (لا إله إلا الله) الذي هو -كما سبق- الكفر بالطاغوت وإفراد الله تعالى بالعبادة. نواحي تنافي العلمانية مع الإسلام: وانطلاقاً من هذا المفهوم نستطيع أن نرى حكم الله في العلمانية بسهولة ووضوح أنها باختصار: نظام طاغوتي جاهلي يتنافى مع لا إله إلا الله من ناحيتين أساسيتين متلازمتين: أولا:- من ناحية كونها حكماً بغير ما أنزل الله. ثانيا:- من ناحية كونها شركاً في عبادة الله. ومع جلاء هذه الحقيقة ويسر إدراكها، فإننا سنتناولها بشيء من التفصيل مناقشين للشبهات المتهافتة التي قد تثار حولها:

стр. 667

أولاً: الحكم بغير ما أنزل الله .. في الكلام السابق عن الطاغوت عرفنا أنه باختصار الحكم أو الحاكم بغير ما أنزل الله، وهنا نريد إيضاح حكم العلمانية بتطبيقها على قاعدة: ((إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ)) [الأنعام:٥٧] التي هي مضمون الإسلام ومقتضى كلمة لا إله إلا الله: إن العلمانية تعني - بداهة - الحكم بغير ما أنزل الله، فهذا هو معنى قيام الحياة على غير الدين، ومن ثم فهي -بالبديهة أيضاً- نظام جاهلي لا مكان لمعتقده في دائرة الإسلام، بل هو كافر بنص القرآن الكريم: ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)) [المائدة:٤٤]. وإن ما يثير الانتباه إن أكثر الآيات الواردة في تكفير من لم يحكم بما أنزل الله ونفي الإيمان عنه - إن لم تكن كلها - إنما جاءت في سياق الكلام عن الذين يدعون الإيمان من أهل الكتاب أو المتظاهرين بالإسلام، وربما كانت الحكمة في ذلك أن من لم يدع الإيمان بشيء من كتب الله كافر بالضرورة، وقضية تحاكمه إلى غير الله واضحة لا لبس فيها، ولكن الوهم قد يصيب بعض من ينتسبون إلى أحد الكتب السماوية، فيحسبون أنهم مؤمنون وهم لا يحكمون بما أنزل الله فيها، بل يطيعون غير الله معه أو من دونه، يوضح ذلك الآيات المتتابعة في سورة المائدة من قوله تعالى: ((إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)) [المائدة:٤٤] ... إلى قوله تعالى: ((أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)) [المائدة:٥٠]. وآية آل عمران: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ

стр. 668

يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ)) [آل عمران:٢٣]. وآيات سورة النساء: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً)) [النساء:٦٠] إلى أن قال جل ذكره: ((فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) [النساء:٦٥]. أما سورة الأنعام التي يكاد موضوع التشريع والحاكمية يستغرقها كلها، فنلحظ ذلك في قوله تعالى: ((قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً)) [الأنعام:١٤] وقوله: ((أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً)) [الأنعام:١١٤] مع قوله: ((قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً)) [الأنعام:١٦٤]، فسوى بين الحاكمية والولاية والربوبية، وقال للمؤمنين: ((وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)) [الأنعام:١٢١]. وفي سورة التوبة يقول تعالى: ((اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)) [التوبة:٣١] وكذلك في سورة النور: ((وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ)) [النور:٤٧ - ٤٨] إلى قوله تعالى: ((إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) [النور:٥١]. وفي سورة محمد ﷺ : ((إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ

стр. 669

لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ)) [محمد:٢٦ - ٢٧]. قال شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمه الله تعالى: ((لا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلاً من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر، فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرها؛ بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله كسواليف البادية وكانوا الأمراء المطاعين، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر، فإن كثيراً من الناس أسلموا ولكن لا يحكمون إلا بالعادات الجارية التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنهم لا يجوز لهم الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار)) (١). وقال ابن كثير رحمة الله عند تفسير قوله تعالى: ((فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) [النساء:٦٥] يقسم الله بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول ﷺ في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً، ولهذا قال: ((ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) [النساء:٦٥] أي: إذا حكموك يطيعونك في باطنهم، فلا يجدون في أنفسهم حرجاً مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلمون لذلك تسليماً كلياً من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة (٢). وقال ﵀ في تفسير قوله تعالى: ((أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)) [المائدة:٥٠]:

стр. 670

((ينكر الله تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر، يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال تعالى: ((أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ)) [المائدة:٥٠] أي يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون: ((وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)) [المائدة:٥٠] أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه وآمن به وأيقن وعلم أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم لخلقه من الوالدة بولدها؟! فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء)). ثم ذكر ﵀ ما رواه أبو حاتم بسنده عن الحسن البصري قال: من حكم بغير حكم الله فحكم الجاهلية، وبسنده عن طاوس أنه كان إذا سأله رجل: أفضل بين ولدي في النحل؟ (أي: في العطية) قرأ: ((أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ)) [المائدة:٥٠] مما يدل على حساسية السلف ﵃ المرهفة تجاه الموضوع، وتنفيرهم من اتباع غير شرع الله في أي أمر وإن صغر. وعقب ابن كثير على ذلك بذكر الحديث الذي رواه البخاري
следующие страницы →