← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96613

شرح زاد المستقنع - أحمد الخليل

أحمد الخليل

Полный текст (2 909 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

يشترط في المال الذي يجب أن يحج الإنسان إذا وجد عنده: أن يكون زائداً عن النفقات الشرعية. - لقول النبي ﷺ : (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول). ويقصد بالنفقات: نفقة الرجل ونفقة جميع من يعول. أي نفقة الرجل ومن يجب عليه أن ينفق عليه. * * مسألة/ هل يشترط أن توجد النفقة من ذهابه إلى رجوعه فقط؟ أو يجب أن توجد النفقة على الدوام؟ = من الفقهاء من قال: يجب أن توجد النفقة على الدوام. فلا يجب عليه أن يحج إلا وقد أمن نفقته ونفقت أولاده على الدوام. إما بصنعة أو بإيجار أو بأي طريقة. = والقول الثاني: أن الواجب أن يؤمن نفقته ونفقة من يعول إلى أن يرجع من الحج فقط. ثم إذا رجع سعى في تحصيل النفقة. وهذا القول الثاني: هو الأقرب والله أعلم. أنه لا يجب عليه تحصيل النفقة على الدوام. وقال بعض المحققين أن هذا القول: (يشترط النفقة على الدوام)، يؤدي إلى عدم وجوب الحج على عامة الناس لأن كثيراً من الناس لا يملك النفقة على الدوام - يعني: نفقته لمدة سنين - فكثير من الناس لا يملكها في هذا الوقت الحاضر، وهذا يؤدي إلى عدم وجوب الحج على كثير من الناس وهذا من أوجه ضعف هذا القول. - ثم قال ﵀: والحوائج الأصلية. أي: يجب أن يكون المال الذي يحج به زائداً عن الحاجات الأصلية وإلا لم يجب عليه الحج. والحاجات الأصلية هي: التي لا يستغني عنها الإنسان ويحتاج إليها ولو لم تكن من الضروريات: كالمسكن والملبس والمركب والخادم وآلة العمل والكتاب الذي يقرأ فيه ونحو هذه الأمور التي يحتاج الإنسان إليها حاجة ملحة ولو لم تكن ضرورية. فإن كان عند الإنسان متاعاً زائداً عن حاجته الأصلية وجب عليه أن يبيعه وأن يحج به، مثل: أن يكون عند الإنسان أكثر من بيت أو أكثر من سيارة أو أكثر من أرض أو أن يكون عنده داخل البيت أغراض كثيرة لا تمس الحاجة إليها. بل إن الفقهاء ﵏ مثلوا بمن يجد أو بمن يوجد عنده كتابان - يعني: نسختين من كتاب واحد - فيجب أن يبيع إحدى النسختين ليحج. وهذا تدقيق منهم ﵏ أن الإنسان لا يجوز له أن يترك الحج وهو يملك من المتاع ما يستطيع أن يبيعه ويؤدي به فريضة الحج.

стр. 1052

- ثم قال ﵀: وإن أعجزه كبر أو مرض لا يرجى برؤه: لزمه أن يقيم من يحج ويعتمر عنه من حيث وجبا. معنى هذه العبارة: أن الإنسان إذا اكتملت فيه جميع شروط الوجوب السابقة - وهي خمسة إلا أنه لا يستطيع لكونه مريضاً أو لكونه شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يحج ففي هذه الحالة يجب عليه وجوباً أن ينيب من يحج عنه الفريضة. وهذا الذي يسميه الفقهاء: المستطيع بغيره، فهو لا يستطيع بنفسه لكنه يستطيع بغيره. ويشترط لوجوب الإنابة على هذا الشخص: أن يجد مالاً ونائباً وإلا لم يجب عليه أن ينيب. • فإن وجد نائباً ولم يجد مالاً: لم يجب عليه الحج بالإجماع. • وإن وجد مالاً ولم يجد نائباً: لم يجب عليه الحج. لكن اختلفوا في هذه المسألة: هل إذا وجد المال ولم يجد النائب تخلف في حقه شرط الوجوب أو شرط الأداء؟ والفرق بينهما: - أن شرط الوجوب إذا تخلف لم يجب في ذمته شيء أصلاً. - بينما شرط الأداء تكون العبادة واجبة في ذمته لكن لا يجب عليه أن يؤديها الآن، فإن مات وجب على الورثة أن يخرجوا من ماله من يحج عنه. يعني تبقى في ذمته. والصواب إن شاء الله: أن تخلف النائب أو عدم وجود النائب يعتبر إخلال بشرط الوجوب لا بشرط الأداء: لأنه يصدق عليه أنه لا يستطيع. بناء عليه: من مات وهذه حاله فلا يجب على الورثة أن يخرجوا من التركة من يحج عنه لأنه لم يجب عليه أصلاً. وعلى القول الثاني: يثبت في ذمته وجوب الحج فإن مات قبل أن يتمكن من وجود النائب وجب على الورثة أن يقيموا من يحج عنه. = القول الثاني: - في أصل المسألة - أن من لم يستطع بنفسه واستطاع بماله لا يجب عليه أن ينيب ولو ملك مالاً كثيراً. وإلى هذا ذهب الإمام مالك ﵀. واستدل: - بقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ [آل عمران/٩٧]. وهذا لا يستطيع إليه سبيلاً. فهو بنفسه لا يستطيع إليه سبيلاً فسقط الوجوب. والراجح والله أعلم مع الجمهور وهو القول الأول: - لما ثبت في الصحيح أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: إن فريضة الله أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع الثبوت على الراحلة. أفأحج عنه؟ قال: (حج عنه).

стр. 1053

فدل هذا الحديث على: أن هذا الشيخ الكبير الذي يجد المال لكنه لا يستطيع أن يثبت على الراحلة يجب أن يقيم الابن من يحج عن أبيه بمال أبيه. - ولحديث أبي رزين أنه سأل النبي ﷺ عن أبيه وأنه لم يستطع الحج فقال له النبي ﷺ : (حج عن أبيك واعتمر). فهذه الأحاديث صريحة وواضحة في وجوب إقامة النائب لمن كان مستطيعاً بماله دون بدنه. - قوله ﵀: من حيث وجبا. يعني يجب إنابة النائب من حيث وجب الحج على هذا الذي لا يستطيع ببدنه ويستطيع بماله. ولم يقل المؤلف ﵀: (من بلده). لأن مكان الوجوب قد يكون البلد وقد يكون مكان ((الإيسار)). فمثلاً: لو كان الإنسان فقيراً لا يستطيع الحج وهو من سكان الكوفة ثم سافر إلى المدينة وفي المدينة وجد مالاً كسبه وأصبح يستطيع الحج. فهو الآن وجب عليه الحج في الكوفة أو في المدينة؟ في المدينة: فيجب أن ينيب عنه من يحج من المدينة لا من مدينته الأصلية وهي الكوفة، ولهذا قال المؤلف ﵀: (من حيث وجبا). ولم يقل: (من مدينته أو من بلدته) فيجب أن يقيم النائب أو أن يكلف النائب من حيث وجب عليه الحج. واستدلوا على هذا: - بأن المنيب إنما وجب عليه الحج من مكان الوجوب فكذلك النائب. - وبأن القضاء يحكي الأداء. - وببعض ظواهر الآثار عن الصحابة. فقد روي عن بعض الصحابة آثار ظاهرها وجوب الحج من البلد. = والقول الثاني: وهو مذهب الشافعي: أن الواجب الإنابة من من ميقات هذا المنيب. واستدل الشافعي على هذا القول: - بأن الإحرام إنما يجب من الميقات ولا يجب قبل الميقات بل لا يشرع. فإذا كان الإحرام وهو النسك يجب من الميقات فيجب أن نقيم النائب من الميقات لا من البلده، لأن المسافة بين بلدة المنيب والميقات لا دليل على وجوب قطعها. والراجح والله أعلم القول الثاني: لأن قطع المسافة من البلد إلى مكة مطلوب لغيره لا لذاته. يعني: مطلوب لأن يصل الإنسان إلى مكة وليس هو بنفسه مطلوباً.

стр. 1054

على أن بعض العلماء قال: بل قطع المسافة من البلد إلى مكة مطلوب بذاته لأن النبي ﷺ سمى الحج جهاداً بالنسبة للنساء وكذلك الرجال والجهاد من المقصود فيه قطع المسافات. لكن الأقرب قول الشافعي لعدم وجود دليل واضح على وجوب إقامة النائب من بلد الذي لا يستطيع الحج ببدنه ويستطيع بماله. علم مما تقدم من الخلاف: أنه لم يقل أحد من الفقهاء فيما أعلم أن يكون النائب من مكة، يعني: جواز إنابة الشخص من مكة، فبعد البحث حسب ما تيسر لي لم أجد من صرح بجواز إقامة النائب من مكة وإنما قالوا: إما من بلده أو من الميقات. اختلفوا على هذين القولين. لكن لعله يلتمس قول ثالث ويبحث ويتأكد من عدم وجود قول ثالث: أنه يجوز إقامة النائب من داخل مكة. أما الآن فلم أجد من صرح على الأقل بجواز إقامة النائب من مكة. - ثم قال ﵀: ويجزئ عنه وإن عوفي بعد الإحرام. إذا أنا الإنسان شخصاً يحج مكانه فهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ـ القسم الأول: أن يعافى المنيب قبل أن يشرع النائب بأعمال الحج، ففي هذه الحال لا يجزئ حج النائب عن فريضة الإسلام قولاً واحداً. ـ القسم الثاني: أن يشفى ويعافى الذي لا يستطيع ببدنه بعد أن يأتي النائب بجميع مناسك الحج. ففي هذه الصورة خلاف: = فالمذهب أنه يجزئه. - لأن الذي أناب قد أتى بما أمر الله به ورسوله ﷺ على الوجه الشرعي فبرئت ذمته. = والقول الثاني: أنه لا يجزئه. - لأنه تبين أنه ليس من أهل الإنابة فقد برئ. والصواب مع الحنابلة. ـ القسم الثالث: أن يعافى ويشفى أثناء أداء الحج. فأيضاً في هذه الصورة خلاف: = فالحنابلة يجزئه. - لأنه شرع في العبادة. قياساً على من شرع في خصلة من خصال الكفارة ثم قدر على التي أعلى منها. = والقول الثاني: أنه لا يجزئه، بل يكون حج النائب نفلاً، وإلى هذا مال ابن قدامة وشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمهما الله -. - - قياساً على من صلى بالتيمم ثم حضر الماء أثناء الصلاة. فتقدم معنا أن الأقرب في هذه المسألة أنه يستأنف بعد الوضوء. وكذلك هنا الراجح أنه لا يجزئه إن عوفي في أثناء الحج بل تكون نفلاً له. ويلزم بحجة الإسلام من العام القادم.

стр. 1055

- ثم قال ﵀: ويشترط لوجوبه على المرأة: وجود محرمها. يشترط في المرأة خاصة وجود المحرم: = وهذا مذهب الحنابلة. والعلماء اختلفوا في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: = القول الأول: أن وجود المحرم بالنسبة شرط وجوب. فإن لم تجد محرماً ولو كانت غنية فلا يجب عليها الحج وإن ماتت لا يجب على الورثة أن ينيبوا من يحج عنها. واستدل هؤلاء: - بالأحاديث الصحيحة الصريحة المشهورة المتواترة التي جاءت عن النبي ﷺ من أكثر من وجه أنه قال: (لا يحل لمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم) فقال رجل يا رسول: إن امرأتي انطلقت حاجة وقد اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال النبي ﷺ : (انطلق فحج مع امرأتك). فهذا الحديث فيه وجوب المحرم في الحج خاصة، وهو في الصحيح. - وروي عنه ﷺ من الأحاديث التي لم تنص على الذهاب مع المرأة في الحج أحاديث كثيرة جداً تشترط المحرم ومخارجها متعددة، ومنها ما قيد بثلاثة أيام ومنها ما قيد بيوم وليلة ومنا ما قيد ببريد وحمل الفقهاء ﵏ هذه الاختلافات عن النبي ﷺ أنها ترجع إلى اختلاف السائل - بحسب اختلاف السائل. = القول الثاني: أن شرط المحرم شرط أداء لا وجوب. يعني: يشترط لوجوب الحج وجود المحرم لكنه شرط أداء لا وجوب فلا يجب على المرأة إذا لم تجد المحرم أن تحج في وقتها هذا لكنها إن ماتت قبل أن تحصل المحرم وجب على ورثتها أن يخرجوا من يحج عنها من تركتها. = القول الثالث: أن المحرم بالنسبة للمرأة إذا أرادت أن تحج لا يشترط مطلقاً. ويجب أن تفهم: أننا نتحدث عن المحرم في الحج لا المحرم في سائر الأسفار، وهذا القول الثالث الذي لا يشترط المحرم مطلقاً هو مذهب مالك والشافعي. واستدلوا على هذا: - بأن المرأة إذا وجدت فيها جميع الشروط وهي قادرة ببدنها وتجد الزاد والراحلة والمال فهذه مستطيعة ولو تخلف المحرم فيجب عليها أن تحج. ولكن مع ذلك اشترطوا: - أن تحج مع رفقة مأمونة. فهذا من شروط المالكية والشافعية. أن تحج مع رفقة مأمونة: إما مع جماعة النساء أو مع امرأة مأمونة مسلمة ثقة.

стр. 1056

ولذلك شيخ الإسلام ﵀ يقول: أجمع العلماء على أن المرأة إذا أرادت أن تحج يجب أن توجد سبل الأمان لها لكن اختلفوا: فمنهم من قال المحرم، ومنهم من قال جماعة النساء، ومنهم من قال امرأة ثقة. إذاً القول بأنه يجوز أن تحج بدون محرم مطلقاً هذا يخالف كلام الأئمة الذين لم يشترطوا المحرم، فإنهم اشترطوا أن تكون في سفر مأمون، ونصوا على: إما أن تكون مع مجموعة من النساء الثقات أو على الأقل امرأة واحدة ثقة تباشر حاجات هذه المرأة. واستدل هؤلاء: - بما تقدم. - وبقول النبي ﷺ : (يوشك أن تخرج الضعينة من الكوفة إلى مكة ليس معها أحد). فدل الدليل على أن المرأة - الضعينة - يمكن أن تخرج وتسافر بلا محرم. والجواب على الاستدلال بهذا الحديث: من وجهين: - أولاً: أن هذا الحديث ليس خاصاً في المحرم والاستدلال بالخاص مقدم على الاستدلال بالعام. - ثانياً: أن هذا الحديث ليس من مقصوده بيان حكم سفر المرأة بدون محرم وإنما سيق لبيان أو لضرب المثل على وجود الأمن في آخر الوقت. والراجح والله أعلم القول الأول وهو أنه شرط وجوب. ومن العجب أن يترك الإمام الشافعي والإمام مالك الأحاديث الصحيحة الصريحة المصرحة بجواز اشتراط المحرم للمرأة في الحج خاصة. وأيضاً الأحاديث الأخرى التي اشترطت وجود المحرم للمرأة في السفر لم تفرق بين سفر وسفر. ومن المعلوم أن سفر المرأة لا سيما في القديم للحج لأنه ليس من شأنها التجارة فغالب أسفارها ستكون في الحج فسفر الحج من أوائل ما يدخل في السفر الذي نهى النبي ﷺ أن تسافره إلا مع محرم. وأما شيخ الإسلام ﵀ فجاء عنه قولان في هذه المسألة: = القول الأول: أنه يشترط فقط وجود صحبة من النساء الثقات. = والقول الثاني: أنه يشترط محرم. وبهذا أفتى لما كان بمصر ﵀. وعلى كل حال سواء كان اختيار شيخ الإسلام أنه يجب أو لا يجب الراجح بلا شك وبوضوح أنه يجب على المرأة أن لا تسافر إلا مع محرم وأنها إن سافرت ولو لقربة كالحج بلا محرم فقد ارتكبت إثماً وعرضت نفسها للانتهاك. * * مسألة / فإن سافرت بلا محرم وحجت: فهي آثمة والحج صحيح. - ثم قال ﵀:

стр. 1057

وهو زوجها، أو من تحرم عليه على التأبيد: بنسب أو سبب مباح. يريد المؤلف ﵀ أن يبين بهذه العبارة من هو المحرم؟ والمحرم على ثلاثة أنواع: - النوع الأول: الزوج. - النوع الثاني: من يحرم على التأبيد بنسب. - النوع الثالث: من يحرم على التأبيد بسبب مباح. وجميع الأنواع الثلاثة ذكرها المؤلف ﵀. فالزوج واضح. - الثاني: من يحرم على التأبيد بنسب: وهم الأب والابن والأخ وابن الأخ وابن الأخت والخال والعم. فهؤلاء سبعة. - الثالث: من يحرم على التأبيد بسبب مباح: وهو ينقسم إلى قسمين: ـ الأول: الرضاع. ـ والثاني: المصاهرة. - فالذين يحرمون بالرضاع هم: نفس السبعة الذين يحرمون بالنسب. - لقول النبي ﷺ : (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب). فصار سبعة بالنسب وسبعة بالرضاع. - من يحرم بالمصاهرة أربعة: ١ - أبو الزوج. ٢ - وابن الزوج. ٣ - وزوج الأم. ٤ - وزوج البنت، فهؤلاء الأربعة يجوز للمرأة أن تحج معهم وهم يحرمون: بالمصاهرة. وعلم من كلام المؤلف ﵀ - وهو من قوله: (بنسب أو بسبب مباح) أن السبب المحرم لا يجوز معه السفر ولا يعتبر محرماً. السبب المحرم كالزنا: فأم المزني بها وابنة المزني بها لا يعتبر الزاني محرماً لهما ولا يجوز أن يسافروا معه لأن هذا سبب محرم. - وكذلك قول المؤلف ﵀ هنا -: (من تحرم عليه على التأبيد). أما من تحرم عليه لكن ليس على التأبيد فليس بمحرم في السفر. ومثال من تحرم عليه - ليس على التأبيد أخت زوجته فإنها تحرم على الزوج لكن ليس على التأبيد. فهو ليس محرماً لها وإن كانت تحرم عليه. - ثم قال ﵀: وإن مات من لزماه: أُخرجا من تركته. يعني: وإن مات من استوفى شروط الحج والعمرة ولم يحج فهو آثم إذا كان بغير عذر ويجب أن يُخرج من تركته من أصل المال - من رأس المال - من يحج عنه. وسواء في هذا أوصى هذا الميت أو لم يوص، فهي دين في ذمته وهي دين لله فيجب أن يخرج الورثة من تركته من يحج عنه. وبهذا انتهينا من الباب الأول من كتاب المناسك ونقف عند هذا الحد سائلين المولى أن يعين على باقيه. والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد ...

стр. 1058

شرح كتاب المناسك الدرس رقم (٣) قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. في السنة السابقة انتهينا من الباب الأول من كتاب الحج وتوقفنا على باب المواقيت ، فنبدأ إن شاء الله ومستعينين به تعالى. باب المواقيت. - قال ﵀: باب المواقيت. المؤلف ﵀ خصص هذا الباب لبيان مواقيت الحج. والميقات في لغة العرب هو: الحد. فالموقت هو: المحدد. والأصل في لغة العرب: أن المواقيت تتعلق بالزمان لكن اتسع الاصطلاح ليشمل المواقيت المكانية، وإلا فالأصل أن الميقات يتعلق فقط بالزمان. ومواقيت الحج تنقسم إلى قسمين: - القسم الأول: المواقيت الزمانية. - والقسم الثاني: المواقيت المكانية. والمواقيت الزمانية ستأتينا. والمواقيت المكانية تنقسم إلى قسمين: - القسم الأول: من كان سكنه دون الميقات. - والقسم الثاني: من كان سكنه قبل الميقات. وسيأتينا في كلام المؤلف حكم كل واحد من النوعين. والمؤلف ﵀ بدأ بالمواقيت المكانية والسبب - والله أعلم - في أنه ﵀ بدأ بها: - أن الأحكام التي تعلق بالمواقيت المكانية أكثر والحاجة إليها أمس. - قال - رحمه الله تعالى -: ميقات أهل المدينة ذو الحليفة. ميقات أهل المدينة: ذو الحليفة. وسيأتينا النص الدال على أن هذا هو ميقات أهل المدينة. وذو الحليفة هو أبعد المواقيت من مكة. ويسمى الآن: أبيار علي، وسمي بهذا الاسم: لأنه واد تكثر فيه أشجار الحلفة. ويبعد عن مكة نحو: ٤٢٠ كيلو، ولذلك اعتبر أبعد المواقيت من مكة. - ثم قال - رحمه الله تعالى -: وأهل الشام ومصر والمغرب الجحفة. الجحفة هو ميقات: أهل الشام. والجحفة في الأصل قرية كبيرة عامرة في طريق الحجاج من الشام إلى مكة لكنها الآن قرية خربة. وسبب خراب هذه القرية: أن السيول اجتحفتها فأصبحت خرابة ولذلك سميت الجحفة، ولما صارت خراباً انتقل الناس إلى الإحرام من رابغ. - وقول المؤلف ﵀: أهل مصر والمغرب.

стр. 1059

لأن أهل مصر والمغرب كانوا يأتون إلى الحرمين عن طريق البر وذلك قبل حفر قناة السويس، فكانوا هم وأهل الشام يلتقون في هذا الميقات. ويقصد بالمغرب: لا يقصد البلد وإنما يقصد جميع الدول التي في جهة المغرب، فمصر ودول المغرب كانت كلها تحرم من الجحفة، والجحفة تلي ذي الحليفة في البعد، فأبعد المواقيت ذو الحليفة ثم يليه الجحفة. وتبعد نحو ١٩٠ كيلاً. - ثم قال - رحمه الله تعالى -: وأهل اليمن يلملم. يلملم: وادي في طريق القادم من اليمن إلى مكة. ويبعد عن مكة نحو ١٢٠ كيلاً. وفي هذا الوادي بئر يسمى السعدية كانوا يحرمون منه قديماً وهو يقع على الخط القديم الذي يصل ما بين الجنوب ومكة، وأما الآن فقد وضعت الدولة خطاً جديداً مهيئاً وهو أحسن من الخط الأول فصار الميقات على الخط الجديد بدل الخط القديم، فقد أوجدوا مسجداً على الخط الجديد محاذٍ ليلملم وصار الناس يحرمون من هذا الميقات الذي هو على الخط الجديد بدل السعدية الموجودة على الخط القديم. ثم قال - رحمه الله تعالى -: وأهل نجد قرن. القرن في لغة العرب: هو الجبل الصغير المنفصل عن الجبال الكبيرة القريبة منه. وقرن المنازل وادٍ معروف يسمى الآن: السيل الكبير، وهو: أقرب المواقيت إلى مكة إذ يبعد نحواً من ٧٥ كيلاً تقريباً، وهو ميقات لأهل نجد، وذكر بعض الفقهاء أن الحكمة من كونه قريباً من مكة: أن أهله بعيدين عن مكة فإن نجداً بعيدة عن مكة.

стр. 1060

* * مسألة/ الميقات الذي يوجد الآن على طريق النازل من الطائف على طريق الهدى والذي يسمى وادي محرم هو نفسه السيل الكبير لأن هذا الوادي يمتد إلى أن يصل إلى تلك المنطقة فهو أعلى هذا الوادي الذي ينزل إلى قرن المنازل - المعروف الآن - ولذلك فإن أهل نجد مخيرون في إحرامهم سواء كان من السيل الكبير أو من وادي محرم فهم بالخيار، فإذا كانت طائرة الإنسان مثلاً: تأتي من الرياض إلى الطائف مباشرة فلا شك أن وادي محرم أهيأ له وأقرب ليحرم منه أثناء نزوله من الطائف إلى مكة، والذي يعنينا الآن أن نعرف أن وادي محرم هو امتداد لهذا الوادي الذي جعله النبي ﷺ محرماً والإحرام منه يجوز أو من السيل الكبير الذي هو قرن المنازل فالأمر فيه سعة. - ثم قال - رحمه الله تعالى -: وأهل المشرق ذات عرق. العرق: هو الجبل الصغير. وذات عرق: هي ميقات لأهل العراق، وهي محاذية للجحفة، وكانت مكاناً عامراً يحرم منه أهل العراق ثم لما وجدت الطرق السريعة المعاصرة لم يكن هذا الميقات على أحد من هذه الطرق فأصبح الآن مهجوراً لا قيمة له بسبب عدم مرور أي من الطرق السريعة على هذا الميقات. فهذه المواقيت هي المواقيت التي حددها النبي ﷺ . والدليل على هذه المواقيت - ولله الحمد - صحيح صريح وهو: - ما أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ "وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن ولأهل اليمن يلملم". فالترتيب الموجود في الحديث يخالف الترتيب الموجود عند المؤلف فإنه ذكر ميقات أهل المدينة ثم ميقات أهل الشام ثم ميقات أهل اليمن ثم ميقات أهل نجد ولو أنه قدم ميقات أهل نجد على ميقات أهل اليمن لكان كلامه متوافق مع ترتيب الحديث. قال النبي ﷺ : (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة). وقوله: (هن لهن) أي: لمن سكن في هذه البلدان، يعني: لأهل هذه البلدان. ففي هذا الحديث: التوقيت لأهل الشام واليمن ونجد والشام ومصر وليس فيه التوقيت لأهل العراق.

стр. 1061

واختلف العلماء: من هو الذي وقت ذات عرق لأهل العراق؟ على قولين: = القول الأول: أنه النبي ﷺ . واستدلوا على هذا: - بما أخرجه أصحاب السنن أن النبي ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق. =والقول الثاني: أن الذي وقت لهم هذا الميقات هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ * * والصواب * * مع القول الثاني: - لأن الحديث المرفوع الذي فيه أن النبي ﷺ هو الذي وقت ذات عرق: حديث ضعيف معلول ولا يثبت مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، ولذلك ذكر البخاري هذا الحديث موقوفاً عن عمر وأعرض عن الحديث المرفوع إلى النبي ﷺ ، فإذاً صار الذي وقته هو عمر ب الخطاب ﵁. - ثم قال - رحمه الله تعالى -: وهي لأهلها ولمن مرّ عليها من غيرهم. أي: أن هذه المواقيت لمن حددت له من الأمصار، وهي ميقات لمن مر عليها ولو من غير أهل تلك الأمصار، وهذه العبارة من المؤلف فيها عدة مسائل مهمة: o المسألة الأولى: هل يجوز الإحرام قبل المواقيت المكانية؟ كما لو أحرم أهل العراق من البصرة - مثلاً - أو من بغداد قبل أن يصلوا إلى ميقاتهم، أو لو أحرم أهل الشام من دمشق أو من عمان قبل أن يصلوا إلى الجحفة ... إلخ .. الجواب: أجمع أهل العلم أنه يجوز أن يحرم قبل الميقات المكاني وأنه ينعقد لكن مع الكراهة - ونحن نتكلم في المواقيت المكانية وسيأتينا الحديث عن الإحرام قبل الموقيت الزمانية -. إلا أن ابن حجر ذكر أن إسحاق بن راهويه وداود الظاهري خالفوا الجماهير وحرموا ومنعوا أن يحرم الإنسان قبل الميقات المكاني. * * والصواب * *: مع قول الجماهير والذي حكي إجماعاً. والسبب في ترجيح مذهب الجماهير: - أنه مروي عن أصحاب النبي ﷺ أن بعضهم أحرم قبل الميقات المكاني، فإذا كان هذا القول مروي عن أصحاب النبي ﷺ ومحكي إجماعاً وهو مذهب الجماهير ولم يخالف إلا داود وإسحاق فلاشك - إن شاء الله - أن الراجح مع الجماهير وهو: الجواز مع الكراهة، وأن من فعل ذلك فقد خالف السنة.

стр. 1062

o المسألة الثانية: من كان في طريقه إلى مكة ميقاتان: فهل يجب أن يحرم من الميقات الأول؟ أو يجوز أن يؤخر الإحرام إلى الميقات الثاني؟ إذا كان الميقات الثاني هو الميقات الأصلي له. إذاً المسألة مفروضة فيمن مر على ميقاتين الثاني هو الميقات الأصلي له. مثاله: كأن يسافر رجل من أهل نجد إلى مكة ويمر بميقات أهل المدينة فأمامه ميقات أهل نجد وهو الآن مر بميقات أهل المدينة فهل يجب عليه أن يحرم من هذا أو ذاك؟ فيه خلاف: = القول الأول: للجماهير والجم الغفير من أهل العلم - أنه يجب أن يحرم من أول ميقات يمر عليه ولا يجوز أن يؤخر إلى الميقات الثاني ولو كان هو ميقاته الأصلي. واستدلوا على هذا القول: - بأن النبي ﷺ في حديث ابن عباس ﵄ بين هذه المسألة فقال: (هن لهن ولمن مر عليهن من غير أهلهن). ويكاد يكون الحديث نص في المسألة، أن الميقات الأول هو ميقات له، وإذا كان ميقات لهذا الذي مر فالميقات لا يجوز لإنسان أن يتجاوزه بلا إحرام. = القول الثاني: - لبعض المالكية واختاره شيخ الإسلام - أنه يجوز أن يؤخر الإحرام إلى الميقات الثاني إذا كان هو ميقاته الأصلي. واستدلوا أيضاً بأدلة فيا وجاهة: - الدليل الأول: أن النبي ﷺ قال لأصحابه لما أرادوا أن يحرموا من ميقات أهل المدينة: (من أراد أن يستمتع بثيابه إلى الجحفة فليفعل). فالنبي ﷺ أذن لهم أن يؤخروا الإحرام إلى الميقات الثاني. والجواب عليه: أن هذا لحديث لا يصح مرفوعاً إلى النبي ﷺ لكنه يصح مرسلاً إلى محمد بن علي ﵁، فهو صحيح مرسلاً ضعيف مرفوعاً إلى النبي ﷺ . - الدليل الثاني: روي أن عائشة ﵂ أحرمت مرة من ذي الحليفة ومرة من الجحفة وهي من أهل المدينة فأخرت إحرامها إلى الجحفة. والجواب عليه: أن هذا الأثر فهم من عائشة ﵂ وهو يخالف منطوق حديث ابن عباس ﵄.

стр. 1063

- الدليل الثالث - والأخير -:أن النبي ﷺ قال: (ميقات أهل الشام الجحفة) فالحديث جعل الجحفة ميقاتاً للشام سواء مر قبل ذلك بذي الحليفة أو لم يمر. والجواب عليه: أن آخر الحديث ينقض الاستدلال بأوله فإن آخر الحديث بين أن هذه المواقيت مواقيت لأهل تلك الأمصار ولمن مر عليها من غير أهل تلك الأمصار. وهذه المسألة: أصبحت في وقتنا المعاصر غاية في الأهمية لسهولة السفر وكثرة الذين يمرون بالمواقيت القريبة من الحرم. فصار سؤال الناس عن هذه المسألة كثير جداً لأنه يسهل عليهم أن يمروا بالميقات القريب من مكة وهو كما تقدم معنا: السيل. * * الراجح * * في هذه المسألة إشكال - وقلت لكم أن القول الثاني هو لبعض المالكية وأيضاً اختاره شيخ الإسلام بن تيمية، لكن يظهر لي أن هذا القول ضعيف وأن الأقرب - إن شاء الله - مذهب الجماهير وهو: أنه يجب أن يحرم من أول ميقات. على أني أقول كما نبهت مراراً إلى أن المسألة الخلاف فيها قوي وأدلة أصحاب القول الثاني فيها وجاهة وتحتمل القبول وأن يرجح القول لأجلها. لكن لما كان الجمهور معهم نص صريح صحيح وواضح وهو أحوط فرأيي أن هذا القول أوفق للحديث وأحوط لدين الإنسان. o المسألة الأخيرة: حكم تجاوز الميقات بدون إحرام لمن أراد الحج أو العمرة. - أجمع أهل العلم بلا خلاف على: - تحريم تجاوز الميقات بلا إحرام لمن كان مريداً للنسك. - وأنه إذا تجاوز الإحرام فهو آثم إذا كان عمداً بعلم وعليه أن يتوب ويستغفر. - ثم: إن رجع إلى الميقات قبل أن يحرم فإنه يسقط عنه الدم على الصحيح من قولي أهل العلم. - وإن أحرم بعد أن تجاوز الميقات فإنه يثبت عليه الدم رجع أو لم يرجع لا كما يفهم بعض إخواننا أنه إذا رجع ولو بعد الإحرام سقط عنه الدم بل إذا أحرم بعد أن تجاوز الميقات فإنه يثبت عليه الدم رجع أو لم يرجع ما دام أنه أحرم. ولا نريد الآن أن ندخل في مسألة: الدم المترتب على ترك الواجب لأنه سيأتينا في منطوق المؤلف أو نصه ونتحدث عن هذه المسألة. المهم: أن تجاوز الميقات لمن أراد النسك محرم بالإجماع: فإن رجع قبل أن يحرم سقط عنه الدم وبقي أن يتوب. وإن رجع بعد أن يحرم فالدم يثبت في ذمته.

стр. 1064

- ثم قال - رحمه الله تعالى -: ومن حج من أهل مكة: فمنها. تقدم معنا أن الناس على قسمين: منهم من هو دون المواقيت. سواء كان من أهل مكة أو من غير أهل مكة ممن هو دون المواقيت كأهل جدة وبحرة وغيرهم، فهؤلاء يقول المؤلف ﵀ عنهم: (ومن حج من أهل مكة: فمنها) فالإحرام لأهل مكة: من مكة بالإجماع. - لقول النبي ﷺ : (حتى أهل مكة من مكة). ونحن نتحدث عن الحج وسيأتينا الكلام عن العمرة. ومقصود المؤلف ﵀ بقوله: (أهل مكة) من كان في مكة عند إرادة النسك سواء كان مقيماً في مكة أو غير مقيم، فكل شخص في مكة نوى أن يحج فإنه يحرم من مكة. - ثم قال - رحمه الله تعالى -: وعمرته من الحل. يعني أنه إذا أراد المكي أن يعتمر فيجب عليه وجوباً أن يحرم من الحل ولا يجوز أن يعقد الإحرام من مكة. وهذا القول الذي ذكره المؤلف ﵀ هو: = مذهب الأئمة الأربعة. بل مذهب الجماهير من أهل العلم من فقهاء التابعين وغيرهم بل حكاه الطبري إجماع أهل العلم: أن المكي لا يجوز له أن يعقد إحرام العمرة من مكة. واستدلوا على هذا بدليلين: - الأول: أن النبي ﷺ أمر بالخروج بعائشة ﵂ إلى التنعيم لتحرم بالعمرة في قصتها المشهورة لما حاضت وفاتها أن تأخذ عمرة مع الحج - كما سيأتينا حديثها مفصلاً. - والثاني: أنه مروي عن ابن عباس ﵄ أن المكي إذا أراد أن يحرم فإنه يجب أن يخرج إلى الحل. - والدليل الثالث: أن المعهود في الشرع أن الإحرام لابد أن يجمع فيه الإنسان بين الحل والحرم. ففي الحج سيجمع الإنسان بين الحل والحرم بأن يخرج إلى عرفة وفي العمرة لن يخرج إلا إذا أحرم من خارج الحرم من الحل فوجب عليه أن يخرج. = والقول الثاني: جواز الإحرام بالعمرة من مكة. وإلى هذا ذهب الصنعاني ﵀ ولا أعلم أن أحداً من أهل العلم تابع الصنعاني على هذا القول - أعني من المتقدمين إلا أن البخاري قال: باب مهل أهل مكة للحج والعمرة. الراجح من القولين إذا اعتبرنا القول الثاني قولاً يعتد به:

стр. 1065

الراجح هو القول الأول الذي حكي إجماعاً، بل نستطيع أن نقول أن هذا القول قول شاذ ويحكم على هذا القول بأنه من الأقوال الشاذة. فإن الإمام مالك بن أنس ﵀ يقول: لا أعلم أن أحداً رأى العمرة من مكة. وانطلاقاً من حكاية الإجماع الذي حكاه الطبري ومن هذه العبارة من الإمام مالك: نستطيع أن نقرر أن هذا القول قول شاذ مخالف لأقوال أهل العلم. ولذلك لا ينبغي في الحقيقة - ومن وجهة نظري - التعويل عليه أو الفتوى به لمخالفته ما عليه جمهور أهل العلم أو إجماع أهل العلم. ثم بدأ المؤلف بالمواقيت الزمانية: - فقال - رحمه الله تعالى -: وأشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. أشهر الحج: = عند الحنابلة: هذه التي ذكرها المؤلف ﵀. شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. واستدل الحنابلة: - بأن هذا التحديد مروي عن ابن عمر ﵁ وليس مما يقال من قبيل الرأي. = والقول الثاني: أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة كاملاً. واستدل هؤلاء بدليلين: - الدليل الأول: أن هذا القول صح عن عمر وابنه وابن عباس ﵃ - الدليل الثاني: أن الله تعالى قال: ﴿الحج أشهر معلومات .. ﴾ [البقرة/١٩٧] وأشهر جمع، والجمع في لغة العرب لا يصدق إلا على ثلاثة فصاعداً. فدل على أن المواقيت الزمانية ثلاثة أشهر. فهذا القول هو القول الصحيح إن شاء الله، لو لم يكن في الباب إلا أن هذا رأي عمر بن الخطاب ﵁، فضلاً عن أنه يتوافق مع ظاهر الآية، فضلاً عن أنه يتوافق مع فتوى اثنين من علماء الصحابة: ابن عمر وابن عباس، فإذا نظر الإنسان في هذه الأدلة تبين له بوضوح أن القول بأن أشهر الحج ثلاثة هو القول الصواب إن شاء الله. ونختم هذا الباب بمسألة مهمة: - وهي: حكم الإحرام بالحج قبل ميقاته الزماني: = ذهب الحنابلة رحمهم الله تعالى إلا أنه يجوز وينعقد مع الكراهة الإحرام بالحج قبل ميقاته الزماني. = والقول الثاني: وهو مذهب الجماهير - الأئمة الثلاثة وغيرهم أن الإحرام بالحج لا ينعقد قبل ميقاته الزماني، فإذا لبى بالحج قبل أشهره انقلب إلى عمرة.

стр. 1066

- لأن الله تعالى وقت للحج ميقاتاً زمانياً معيناً ولا يعلم بهذا فائدة إلا منع الإحرام في غير هذا المقت المحدد. وكما ترون مذهب الحنابلة في هذه المسألة: ضعيف، ومذهب الأئمة الثلاثة قوي ومتوافق مع النصوص. ويؤيد هذا: - أنه لم يرو عن أصحاب النبي ﷺ في هذا الباب ماروي عنهم في باب الميقات المكاني، فلم يرو عن أحد من أصحابه ﷺ أنه أحرم بالحج قبل ميقاته الزماني فيما أعلم. وهناك فارق آخر بين الميقات الزماني والمكاني ذكره بعض الفقهاء - وهو حسن - فقال: مقصود النبي ﷺ من الميقات المكاني أن لا يتجاوز الإنسان هذا المكان إلا بعد الإحرام فإذا أحرم قبله بمراحل فهو لم يخالف هذا الغرض بل إن الأحناف بالغوا ورأوا أن الإحرام بالحج أو العمرة قبل ميقاته المكاني مستحب بينما ذهب الجمهور إلى أنه مكروه مع الجواز والصحة. المهم أن هذا الفارق بين الميقات الزماني والمكاني يؤكد صحة ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة وهو أن الإحرام بهذه المواقيت لا ينعقد. باب في الإحرام والتلبية وما يتعلق بهما . - قال ﵀: باب في الإحرام والتلبية وما يتعلق بهما. أي باب لبيان أحكام الإحرام من الواجبات والسنن وغير ذلك مم يتعلق بتفاصيل أحكام الإحرام. - قال ﵀: الإحرام: نية النسك. تقدم معنا مراراً أن المؤلف ﵀ ممن لا يعتنون ببيان معاني المفردات في لغة العرب لكونه من المختصرات. o ففي لغة العرب: الإحرام هو: نية الدخول في التحريم. ومعنى التحريم: أن يحرم الإنسان على نفسه ما كان حلالاً أياً كان نوع هذا التحريم، فإذا قال الإنسان: عزمت على أن أتكلم، فقد أحرم الآن يعني: دخل في التحريم أي التحريم على نفسه جنس الكلام، ومعنى الإحرام يعني: الدخول في التحريم كما تقول: أمسى يعني دخل في المساء، وأصبح يعني دخل في الصباح، فأحرام يعني دخل في التحريم، إذاً الآن تبين لنا معنى هذه اللفظة في لغة العرب. o أما في الاصطلاح: فالإحرام هو: نية الدخول في النسك.

стр. 1067

وأصبحت هذه اللفظة (الإحرام) في الشرع علم على إحرام مخصوص وهو نية الدخول في أعمال الحج والعمرة فقط، فالمعنى الشرعي ضيق وحدد المعنى اللغوي، إذاً عرفنا الآن معنى الحرام في لغة العرب وفي الشرع. - ثم قال - رحمه الله تعالى -: سن لمريده: غسل. كل الأشياء التي سيذكرها المؤلف سنن وليست بواجبات. ١ - فالسنة الأولى الغسل. ومراد الفقهاء بهذا الاغتسال يعني اغتسال خاص للإحرام، ولذلك يسن للرجل وللمرأة وللمرأة الحائض والطاهر وللمرأة النفساء وغير النفساء. بدليل: - أن النبي ﷺ أمر أسماء بنت عميس أن تغتسل وتحرم مع أنها نفساء. - وأمر عائشة أن تغتسل مع أنها حائض. فدلت هذه النصوص على أن الاغتسال سنة من سنن الإحرام. ودل عليه أيضاً: - حديث زيد أن النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل. وهذا الحديث: حديث ضعيف ولا تقويه كثرة الطرق بل هو حديث ضعيف لا يثبت عن النبي ﷺ أنه اغتسل. ومع ذلك ذهب الجماهير إلى أن الاغتسال سنة اعتماداً على حديث أسماء وعلى حديث عائشة ولا أظن أن في هذه المسألة خلاف - فلم أطلع على خلاف في استحباب الاغتسال للإحرام. - ثم قال - رحمه الله تعالى -: أو تيمم لعدم. فيسن لمن أراد الإحرام أن يغتسل فإن لم يستطع فإنه يسن له أن يتيمم. والدليل على ذلك: - أن الشارع الحكيم أقام التيمم بدلاً عن الاغتسال، فإذا لم يتمكن من الاغتسال تيمم. = القول الثاني: أنه لا يشرع التيمم في غسل الإحرام بل لا يشرع في جميع الأغسال المستحبة بل الواجبة فقط. واستدلوا على هذا: - - بأن المقصود في التيمم في الأغسال الواجبة استباحة ما يمنع بلا الاغتسال من صلاة وغيرها. بينما المقصود بالاغتسال المستحب النظافة والتطهر، والتيمم يناقض النظافة لأن فيه ضربا على التراب. وهذا القول وهو عدم مشروعية التيمم في جميع أنواع الاغتسال المستحب اختيار شيخ الإسلام وهو قول قوي راجح كما ترون، بناء عل ذلك: إذا أراد الإنسان أن يحرم فإما أن يغتسل فإن لم يستطع فإنه يتيمم. - ثم قال - رحمه الله تعالى -: وتنظف.

стр. 1068

إذا جمع الفقهاء بين الاغتسال والتنظف صار معنى التنظف ينحصر في تقليم الأظافر وحلق العانة والإبط باعتبار أن الاغتسال يتناول مسألة تعميم الجسم بالماء. ليس في النصوص الشرعية ما يدل على أن النبي ﷺ أو أن أحداً من أصحابه كان يتقصد التنظف بهذا المعنى عند الإحرام لكن الجمهور استدلوا بدليلين: - الدليل الأول: وهو الأقوى - أن إبراهيم النخعي ﵁ قال: كانوا يفعلون ذلك. وأنا قلت لكم: أن مثل هذه العبارة عن مثل هذا التابعي عبارة مهمة جداً وللإنسان أن يعتمد عليها في تقرير الحكم أو على أقل تقدير يستأنس بها، لأن معنى قوله ﵁: (كانوا) إما أن ينصرف إلى الصحابة أو على أقل تقدير إلى كبار التابعين، وإذا كان هذا المعنى معروفاً في تلك الطبقة التي هي خير القرون صار هذا أمراً يمكن للإنسان أن يتمسك به في إثبات استحباب التنظف. - الدليل الثاني: قالوا: أنه يستحب أن يفعل ذلك لأن لا يحتاج إلى أخذ هذه الشعور أثناء الإحرام ولن يتمكن من ذلك بسبب الإحرام فإن الأخذ من الشعر من محظورات الإحرام. تبين معنى الآن أن الاغتسال والتنظف نقول: أنه مستحب ولا نقول سنة، فهو مستحب وليس بسنة. - ثم قال - رحمه الله تعالى -: وتطيب. يعني ويستحب لمن أراد أن يحرم أن يتطيب. ومقصود الحنابلة هنا بقولهم يتطيب: يعني في جسده دون ثياب الإحرام فالسنة أن يضع الطيب على الجسد لا على ثياب الإحرام. واستدلوا على ذلك: - بقول عائشة ﵂ كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف. واستدلوا على أن التطيب يكون في البدن دون الثياب: - بأن النبي ﷺ نهى في الحديث الصحيح عن لبس ثوب زعفر أو مسه ورس، والورس والزعفران من أنواع الطيب. فدل مجموع الحديثين على أن الطيب يكون في البدن دون الثوب. * * مسألة: حكم وضع الطيب على ثياب الحرام: = عند الحنابلة: مكروه مع الجواز. لكن قالوا: إذا وضع الطيب على الثياب ثم أحرم ثم خلع هذه الثياب لأي غرض من الأغراض فإنه حينئذ لا يجوز له أن يرجع فيلبس هذا الإحرام.

стр. 1069

= والقول الثاني: أن وضع الطيب في لباس الإحرام لا يجوز من الأصل. (((الأذان))) .... والراجح من القولين: مع الجمهور الذين يرون عدم جواز وضع الطيب في ثياب الحرام من الأصل. وسبب الترجيح: أن القاعدة الفقهية تقول: ((أنه متى أمكن إعمال الأحاديث جميعاً فهو أولى من إعمال بعضها وتعطيل بعضها الآخر)) وإذا أخذنا بمذهب الحنابلة فقط عطلنا الحديث الذي ينهى عن لبس المزعفر والذي مسه ورس. ولهذا نقول: أن القول الصواب هو أنه لا يجوز وضع الطيب إلا في البدن دون الثياب. - ثم قال - رحمه الله تعالى -: وتجرد عن مخيط. التجرد عن المخيط: = سنة عند الحنابلة وليس بواجب. فيجوز للإنسان أن يحرم بثيابه، لكن قالوا: إذا أحرم بثيابه فإنه لا يجوز له أن يستديم لبس الثياب ولو للحظة واحدة بعد الزمن الذي يمكن له أن يخلع الثياب. إذاً يجوز للإنسان أن يحرم بثيابه عند الحنابلة والتجرد عندهم سنة لكن لا يجوز له أن يستديم هذا اللبس إلى أكثر من مدة خلع الثياب فإن استدامه بزيادة ولو لحظه واحدة فإنه يأثم وعليه الفدية. = والقول الثاني: أن التجرد للإحرام واجب وهو مذهب المالكية وغيرهم. وهذا هو الصواب وعليه عمل المسلمين من قديم وحديث. ويدل على ترجيح هذا القول أن: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) ويمكن للإنسان أن يكون متجرداً من المخيط طيلة وقت الإحرام إلا إذا خلع الألبسة المخيطة قبل الوقت - قبل دخوله في الإحرام. ولذلك نقول: هذا القول الثاني هو الراجح ... والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين،،،

стр. 1070

شرح كتاب المناسك الدرس رقم (٤) قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. توقفنا في الشرح عند قوله ﵀: (وتجرد عن مخيط) وذكرنا أن التجرد سنة وما يتعلق بهذا من الأحكام. وبقينا في مسألة: ما هو المخيط الذي يجب على المحرم أن يتجرد عنه؟ المخيط الذي يجب على لمحرم أن يتجرد عنه: هو كل لباس مفصل عل قدر الجسم أو على قدر عضو منه. وليس المراد بالمخيط كل ما دخلته الخياطة. بل المراد: كل ما فصل على قدر الجسم كله كالثوب أو على قدر جزء منه كالفانيلة والجوارب وأشياء أخرى كثيرة. إذاً هذا هو الذي يجب أن يتجرد عنه المحرم وسيأتينا تفصيل لمسألة لبس المخيط ما يترتب عليه في باب الفدية إن شاء الله. - ثم قال - رحمه الله تعالى -: في إزار ورداء. يعني: يسن للإنسان أن يحرم في إزار ورداء. - لقول النبي ﷺ : (ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين). - ولأن السنة استفاضة عن النبي ﷺ أنه هو وأصحابه أحرموا بهذه الألبسة. وعلم من قول المؤلف ﵀: (في إزار ورداء) أنه سواء كان هذا الإزار أو الرداء من قطن أو من خيوط أو من صوف أو من أي مادة كانت، فما دام أنه إزار ورداء فيجوز: لأنه يقول: (إزار ورداء) ولم يعين نوع المادة التي خيط منها هذا الإزار والرداء. - ثم قال - رحمه الله تعالى -: أبيضين. يسن أن يحرم الإنسان بالأبيض. - لقول النبي ﷺ : (خير ثيابكم البياض). - ولأن المعروف في السنة أنه ﷺ أحرم برداء أبيض. وأيضاً علم من كلام المؤلف ﵀ أنه يسن أن يكون الرداء والإزار أبيضين: جواز الإحرام بالأحمر والأصفر والأخضر وبأي لون، إلا أن الأحمر تقدم معنا الخلاف في حكم لبس اللباس الأحمر الخالص وأن الصواب أن لبس الأحمر الخالص لا يجوز وأن لبس الأحمر المشوب في السنة ما يدل على جوازه. المهم: أنه أي لون من الألوان عدا الألوان التي نهى عنها الشارع وهو الأحمر يجوز أن يحرم به الإنسان ولا حرج عليه. - ثم قال - رحمه الله تعالى -: وإحرام عقب ركعتين. أي ويسن لمن أراد النسك أن يحرم عقب ركعتين. = واتفق الأئمة الأربعة على أن للإحرام سنة خاصة به. وأنه يسن للإنسان قبل أن يحرم أن يصلي ركعتين إذا لم يصادف فريضة. واستدلوا على هذا الحكم:

стр. 1071

- بأن النبي ﷺ ثبت عنه في الحديث الصحيح أنه أحرم بعد أن صلى الظهر وكأن الأئمة الأربعة يرون أن ذلك كان مقصوداً من النبي ﷺ أن لا يحرم إلا بعد هذه الصلاة. - وبقوله في الحديث القدسي أنه قيل للنبي ﷺ : (صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة). فقوله: (صل ثم قل) دليل على أن النسك يستحب الشروع فيه بعد صلاة: سواء كانت فريضة بأن صادف الوقت فريضة أو بعد نافلة. = والقول الثاني: أنه ليس للإحرام سنة خاصة به. فإن صادف الإنسان فريضة صلاها ثم أحرم فإن لم يصادف فليس للإحرام سنة خاصة، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام بن تيمية وتابعه عدد من أهل العلم. واستدلوا: - بأنه ليس في السنة الصحيحة ما يدل على أنه من مقصود الشارع أن يقع الإحرام بعد صلاة فريضة أو نفل. ولكل من القولين حظ من النظر وما ذكره الأئمة الأربعة فيه قوة ويؤيده هذا اللفظ (صل في هذا الوادي المبارك وقل) فكأن الحديث رتب الإحرام على الصلاة، ففي الحقيقة ينبغي للإنسان أن لا يحرم إلا بعد صلاة، والأمر في هذه المسألة سهل ولكنه يرجع إلى الاعتقاد، فهل يعتقد الإنسان أنه يستحب ويسن له أن لا يحرم إلا بعد صلاة أو لا؟ أنا أرى أنه يسن أن يعتقد وأن يرى أن النبي ﷺ إنما صنع ذلك قصداً كما فهم الأئمة الأربعة وكما قلت لكم النصوص التي ذكرت تؤيد هذا الفهم. - ثم قال - رحمه الله تعالى -: ونيته شرط. نية الإحرام شرط لصحة وانعقاد الإحرام. أي: فلا يكتفي الإنسان بمجرد التجرد من المخيط أو التلبية بل لابد مع ذلك من أن ينوي الدخول في النسك. واختلف الفقهاء: هل يدخل الإنسان في النسك بمجرد النية؟ أو يشترط مع النية شيء آخر. =فالجمهور: على أن النية فقط هي التي تشترط ولا يشرط لدخول الإحرام شيء آخر. واستدلوا على ذلك: - بقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات).

стр. 1072

= والقول الثاني: وهو قول لبعض الفقهاء: أن الإنسان لا يدخل في النسك إلا إذا انضاف إلى النية أحد أمرين: ١) إما أن يسوق الهدي، ٢) أو أن يلبي. فإن لم يسق الهدي ولم يلبي فإنه لا يدخل في الإحرام بمجرد النية بل لابد أن يضاف إليه أحد هذين الأمرين، وكأن شيخ الإسلام ﵀ يميل إلى هذا القول. والراجح والله أعلم: أنه لا يشترط للدخول في الإحرام: أن يسوق الهدي ولا أن يلبي بل بمجرد أن ينوي أنه دخل في النسك: لزمته أحكام النسك ولو لم يلبي أو يسق الهدي. وما ذكره شيخ الإسلام من وجهة في هذه المسألة ضعيف وسبب الضعف أنه ليس في السنة دليل واضح يدل على اشتراط هذا الأمر وهذا أمر تمس الحاجة إليه والمسلمون ما زالوا يعتمرون ويحجون فلو كان هذا الشرط اعتبره الشارع لبينته السنة بشكل واضح على أن الخطب في هذه المسألة سهل لأنه ليس أحد من المسلمين اليوم يحرم إلا مع التلبية بل إن بعض الناس يظن أن الإحرام هو التلبية فلا إشكال من حيث الواقع في هذه المسألة. - ثم قال - رحمه الله تعالى -: ويستحب قوله: (اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيْدُ نُسُكَ كَذَا فَيَسِّرْهُ لِي وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحَلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي). هذه العبارة اشتملت على مسألتين: - المسألة الأولى: أنه: =يستحب عند الحنابلة: النطق بالنية عند إرادة الإحرام سواء أراد الإحرام بالحج أو بالعمرة. وتقدم معنا أن الحنابلة لا يرون مشروعية النطق بالنية عند إرادة الإحرام بالصلاة، وفرقوا بينهما: لأن نية النسك تطول على الإنسان وتكثر فيها الأعمال فناسب لذلك أن يصرح أو أن ينطق بالنية ليتصور العمل بخلاف الصلاة فإن وقتها وجيز ولا يدخل الإشكال على المصلي في ضبط نيته. = والقول الثاني: أن النطق بالنية لا يشرع ولا يستحب وليس له أصل في السنة وأخذ النبي ﷺ وأصحابه عمراً وحجوا ولم ينقل عنهم أنهم نطقوا بالنية. فالأقرب والله أعلم: أن النطق بالنية لا يشرع إن لم نقل إنه بدعة. والنطق بالنية شيء والتلبية التي ستأتينا شيء آخر.

стр. 1073

- المسألة الثانية: - التي اشتملت عليها عبارة المؤلف ﵀: أنه يستحب للمحرم أن يشترط فيقول: (اللهم محلي حيث حبستني). = ومذهب الحنابلة: أن الاشتراط سنة مطلقاً. واستدلوا على هذا: - أن النبي ﷺ دخل على ضباعة بنت الزبير وهي على وشك الإحرام وقد كانت تشتكي مرضاً فقال لها النبي ﷺ : (حجي واشترطي وقولي: اللهم محلي حيث حبستني). فقالوا: هذا دليل يدل على أنه يستحب للإنسان إذا أراد أن يحرم أن يشترط خشية أن يقع في مانع من إتمام النسك. = القول الثاني: أن الاشتراط لا يشرع مطلقاً. واستدلوا على هذا: - بأن الصحابي الجليل والفقيه الكبير ابن عمر ﵁ سأل عن الاشتراط: فقال: حسبكم سنة نبيكم ﷺ . وقد كان ابن عمر ينهى عنه، فهو ﵁ يرى أن الاشتراط لا يشرع لأن النبي ﷺ لم يشترط هو ولا أصحابه وأن حادثة ضباعة حادثة عين. =القول الثالث: أن الاشتراط يشرع فقط لم خشي على نفسه من عدم إتمام النسك. فإذا خشي الإنسان أن لا يستطيع أن يتم النسك لمرض أو لحيض بالنسبة للنساء أو لأي سبب من الأسباب فإنه والحالة هذه يشرع له أن يشترط. وصاحب هذا القول رأى أنه بذلك جمع بين الأقوال. فالنبي ﷺ لم يشترط هو ولا أصحابه وأمر ضباعة أن تشترط فجمع بين الأدلة: بأنه يشرع لمن كانت حاله تشبه حالة ضباعة ﵂ من حيث خشية عدم التمكن من إتمام النسك. = والقول الرابع: أن الاشتراط واجب فإن لم يشترط فهو آثم. وإلى هذا ذهب الشيخ الفقيه ابن حزم ﵀. وهو لاشك أنه قول ضعيف وفيه شذوذ. والراجح والله أعلم الذي تجتمع به الأدلة القول الثالث لكونه أخذ بجميع النصوص. وأما مذهب ابن حزم فضعفه واضح إن شاء الله. ثم بدأ المؤلف ﵀ بالأنساك: - فقال ﵀: وأفضل الأنساك (١) التمتع. الأنساك في الحج ثلاثة: ١ - التمتع. ٢ - والقران. ٣ - والإفراد.

стр. 1074

وقول المؤلف ﵀: (وأفضل الأنساك التمتع) دليل على أنه يجوز للإنسان إذا أراد أن يحرم أن يحرم بأي من الأنساك الثلاثة فإن أراد أن يتمتع يتمتع وإن أراد القران أو الإفراد فعل. وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم: = فالقول الأول: هو ما ذهب إليه المؤلف ﵀ وهو مذهب الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء وعامة التابعين والفقهاء كلهم طبقة عن طبقة: أنه يجوز للإنسان أن يتخير ما شاء من الأنساك. واستدلوا على هذا: - بحديث عائشة ﵂ أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بعمرة وحج وأهل رسول الله ﷺ بحج. - وذكر جابر ﵁ في الصحيح كما ذكرت عائشة ﵂ تماماً. - وذكر ابن عباس ﵄ أيضاً في الصحيح كما ذكرت عائشة تماماً. فدلت هذه الأحاديث الثلاثة على أن من أراد الحج فهو مخير بين هذه الأنساك الثلاثة. = والقول الثاني: وإليه ذهب ثلاثة على رأسهم الصحابي الجليل الفقيه الكبير ﵁: ابن عباس ثم تابعه ابن حزم ثم تابعهم ابن القيم. فهؤلاء يرون أنه يجب على من أراد الحج أن يحرم متمتعاً. واستدلوا ﵏: - بأن النبي ﷺ لما ساق الهدي ووصل إلى مكة أمر جميع الصحابة الذين لم يسوقوا الهدي أن يحلوا الحج وأن يقلبوه إلى عمرة ويتمتعوا. - كما أنه ﷺ تحسر وتمنى أنه لم يسق الهدي لكي يحرم متمتعاً. فقالوا هذا أمر من النبي ﷺ بأن يحرم الإنسان بالعمرة متمتعاً والأمر يدل على الوجوب بل أن هذا الأمر أكد بالغضب وتعنيف الصحابة من قبل النبي ﷺ . وهذا القول - الثاني - قول فيما يظهر لي ضعيف جداً وهو قول كما قال الشيخ الشنقيطي ﵀: (قول مهجور) لم يعمل به ربما من عهد الصحابة إلى اليوم إلا من قبل قائليه. كيف نقول أنه يجب على الإنسان أن يحرم بالتمتع وعروة بن الزبير ﵁ يقول: إن الخلفاء الثلاثة والمهاجرين والأنصار كانوا يحجون مفردين؟

стр. 1075

كيف للإنسان أن يقول: يجب على الحاج أن يحرم متمتعاً ونحن نرى أفضل خلق الله - الخلفاء الثلاثة والمهاجرون والأنصار يحرمون مفردين؟ ولهذا أقول إن هذا القول على جلالة قائليه وعظم شأنهم أنه قول ضعيف جداً وهو قول مهجور. إذاً الراجح إن شاء الله أنه يجوز للإنسان أن يتخير من الأنساك ما شاء. - قال ﵀: وأفضل الأنساك: التمتع. = ذهب الحنابلة وهو من المفردات إلى أن أفضل الأنساك التمتع. = وفي رواية عن الإمام أحمد ﵀ وهي أيضاً من المفردات: أن أفضل الأنساك التمتع لكن لمن لم يسق الهدي، وذهب إلى هذا القول عدد من أهل العلم من المحققين أن أفضل الأنساك التمتع. واستدلوا: - بالحديث السابق أن النبي ﷺ أمر أصحابه بالتمتع وأقل درجات الأمر أنه هو المسنون والمقدم. = القول الثاني: أن أفضل الأنساك الإفراد وربما نقول أن هذا قول الجمهور. واستدل هؤلاء بعدة أدلة: - الدليل الأول: ما ثبت عن عائشة ﵂ في الصحيحين - كما تقدم معنا - أنها قالت: وأهل رسول الله ﷺ بالحج. - والدليل الثاني: أنه ثبت عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ أهل بالحج. بل ذكر ابن القيم ﵀ أن ستة عشر صحابياً رووا أن النبي ﷺ حج مفرداً. - واستدلوا بما ذكرته سابقاً عن عروة بن الزبير ﵁ أن الخلفاء الثلاثة ﵃ والمهاجرين والأنصار كانوا يحجون مفردين، والظن بهؤلاء أنهم يختارون أفضل الأنساك. = القول الثالث: أن أفضل الأنساك القران. واستدل هؤلاء بأحاديث أيضاً صحيحة: - الحديث الأول: عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ حج قارناً وجمع في نسكه بين الحج والعمرة. - وأيضاً أنه روي عن عدد كبير - وذكرت لكم أن ابن القيم أن ستة عشر صحابياً رووا القران وليس الإفراد ولذلك يقول الإمام أحمد ﵀: (لا أشك أن النبي ﷺ كان قارناً). إذاً العدد الكبير من الصحابة الذين رووا نسك النبي ﷺ إنما رووا القران لا الإفراد - فصح هذه المسألة.

стр. 1076

قالوا: والله إنما يختار لنبيه ﷺ أفضل الأنساك لا سيما وهو يعلم أنه ﷺ لن يحج إلا في سنة واحدة. = القول الرابع: أن التمتع هو أفضل الأنساك إذا كان الإنسان سيأتي بالعمرة والحج في سفر واحد، أما إذا كان سيأتي بالعمرة في سفر وبالحج في سفر آخر فالأفضل له الإفراد. وصاحب هذا القول لم يفرق بين أن تكون سفرة العمرة في أشهر الحج أو في غيرها من الأشهر ما دام السفران في سنة واحدة. وهذا القول هو القول الذي نصره شيخ الإسلام وأيده بالآثار وذكر أن به تجتمع النصوص. وقال: لذلك كان أبو بكر وعمر ﵄ يحجون مفردين، ويقوي هذا القول: صنع الصحابة حيث كان الصحابة يحرمون مفردين، ومع ذلك نقول: الأولى والأحسن أن يحرم الإنسان متمتعاً ليكون أتى بأفضل الأنساك على كل حال. - ثم قال - رحمه الله تعالى -: وصفته: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج من عامه. صفة التمتع: أن يحرم بالعمرة في عامه ثم يفرغ منها ثم يحرم بحج. وهذه الأشياء الثلاثة التي ذكرها المصنف ﵀ هي شروط التمتع: - أن يحرم بالعمرة في أشهر. هذا هوالشرط الأول. - الشرط الثاني: أن يفرغ منها. - الشرط الثالث: أن يحرم بالحج في عامه. - قوله ﵀: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج. هذا الشرط الأول من شروط التمتع: أنه لو لم يحرم بالعمرة في أشهر الحج لم يكن جمع بين نسكين في عام واحد. فيشترط لصحة التمتع: أن تقع العمرة والحج كلاهما في أشهر الحج. فإن اعتمر في رمضان وحج في أشهر الحج فهو مفرد فلابد أن تكون العمرة في أشهر الحج. الشرط الثاني: - قوله ﵀: ويفرغ منها. معنى قوله: يفرغ منها: يعني يتحلل. (معنى الفراغ في عبارة المؤلف ﵀ أي أن يتحلل التحلل الشرعي بأداء جميع مناسك العمرة). والدليل على ذلك: - أنه لو أحرم بالحج قبل أن يفرغ من العمرة لصار قارناً وليس متمتعاً لأنه أدخل الحج على العمرة حيث أحرم بالحج وهو ما زال في إحرام العمرة وهذه صورة من صور القران.

стр. 1077

إذاً هذا هو الدليل على اشتراط أن يفرغ من العمرة كما أنني لا أعلم خلافاً في اشتراط هذا الشرط فيمكن أن نقول: إجماع. الإجماع على اشتراط هذا الشرط، إذاً يشترط أن يفرغ من العمرة قبل أن يحرم بالحج للمعنى الذي ذكرت وللإجماع. الشرط الثالث: - قال ﵀: ثم يحرم بالحج في عامه. يجب أن يحرم بالحج في نفس العام الذي أخذ فيه العمرة، وهذا صرحوا فيه بالاتفاق، أي أنه شرط متفق عليه. - ويدل عليه قوله ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ [البقرة/١٩٦]. فإنه يدل على أنه يجب أن يتوالى النسكان فيأتي نسك الحج متوالياً مع نسك العمرة فلابد فيهما من الموالاة وأن يكونا في سنة واحدة. وهذا كما قلت لكم - الشرط الثالث - محل اتفاق. ثم لما فرغ الشيخ ﵀ من شروط التمتع وهي ثلاثة انتقل إلى شروط وجوب الدم في التمتع، وكثير من إخواننا يخلط بين شروط التمتع وشروط وجوب الدم في التمتع وهما موضوعان منفصلان، لذلك يتصور أن يكون الإنسان من المتمتعين ولا يجب عليه دم لأن شروط التمتع انطبقت عليه وشروط الدم لم تنطبق عليه، فنقول: أنت متمتع ولا يجب عليك دم، لكن مع ذلك ينبغي أن يلاحظ الإنسان أن شروط التمتع وشروط وجوب الدم في المتعة متقاربة وأحياناً تكون متطابقة لكن يجب أن يعلم الإنسان أن بينهما فرق في الفقه وفي الثمرة بحيث ربما يكون الإنسان متمتعاً ولا يجب عليه دم. بدأ بشروط الدم. - فقال - رحمه الله تعالى -: وعلى الأفقي دم. ذكر المؤلف ﵀ شرط واحد من شروط وجوب الدم وهو: أن يكون المتمتع من غير حاضري المسجد الحرام وهو معنى قوله: (وعلى الأفقي) فالأفقي من لم يكن من حاضري المسجد الحرام. واشتراط أن يكون الإنسان ليس من حاضري المسجد الحرام ليجب عليه الدم في المتعة هذا شرط متفق عليه. لكن اختلفوا في من هو الذي ليس من حاضري المسجد الحرام؟ أما أنه شرط فهذا متفق عليه. إذاً اتفقوا على اشتراط هذا الشرط واختلفوا في حد الأفقي أو في حد من ليس من حاضري المسجد الحرام. = فمذهب الحنابلة وهو القول الأول: أن حاضر المسجد الحرام هم أهل الحرم ومن كان منه دون مسافة قصر. واستدلوا على هذا:

стр. 1078

- بأن الله تعالى قال: - (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) -[البقرة/١٩٦] ومن قرب من الشيء أخذ حكمه. والذين هم على مسافة دون مسافة القصر هم قريبون من أهل الحرم فيأخذون حكم أهل الحرم. بدليل أن من كان دون مسافة قصر يأخذ أحكام أهل مكة في السفر فدل على أن لهم نفس الأحكام بسبب القرب. = القول الثاني: أنهم أهل مكة فقط وهو مذهب المالكية. فإذا كان الإنسان يسكن في الحرم ولكنه خارج مكة إذا تصورنا وقوع هذا فإنه يجب عليه الدم عند المالكية. واستدلوا على هذا: - بأن المقصود بقوله - (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) -[البقرة/١٩٦] أن المقصود بالمسجد الحرام في الآية مسجد الكعبة فقط. ومن كان حول مسجد الكعبة هم فقط أهل مكة. فكل من كن خارج مدينة مكة ولو كان في الحرم فإنه يجب عليه الدم. = القول الثالث: أنهم أهل الحرم فقط وهو مذهب ابن حزم ومال إليه ابن القيم. ما هو الفرق بين هذا القول ومذهب الحنابلة؟ الفرق بينهما هو: أن من كان على مسافة قصر من أهل الحرم لا يدخل على هذا القول ضمن حاضري المسجد الحرام فيجب عليه دم، إذاً هذا هو الفرق فابن حزم يضيق ويجعله الحرم فقط دون من كان على مسافة قصر. واستدل على هذا: - بأن الله نص على أن المقصود بالأفقي هو من كان حاضر المسجد الحرام فقط. من كان في الحرم هو المقصود ومن كان خارج الحرم فليس بالمقصود بالآية بنص الآية. = والقول الرابع والأخير: أن المقصود بحاضري المسجد الحرام هم أهل مكة والحرم: o فإن كان من أهل مكة خارج الحرم دخل في الآية. o وإن كان من أهل الحرم خارج مكة أيضاً دخل في الآية. وإلى هذا القول ذهب شيخنا ابن عثيمين ﵀ وهو قول إذا تأمله الإنسان وجده متين جداً في الحقيقة وفيه جمع بين أقوال أهل العلم. ولكن ينظر فيمن سبق الشيخ ﵀ في هذا القول فإني لم أجد مع العلم أن البحث غير موسع لكني لم أجد من سبقه ﵀ بهذا التفصيل.

стр. 1079

لكنه في الحقيقة قول جيد جداً وقوي. وهو أن المقصود أهل مكة وأهل الحرم لأن الآن يوجد من أهل مكة من هو خارج الحرم ويوجد من أهل الحرم م هو خارج مكة، فهذا القول قول وجيه. وإذا تأملت وجدت أن هذا القول يكاد يتوافق مع قول الحنابلة. لأن الحنابلة عندهم: أن الأمر يشمل كل الذين على مسافة قصر من مكة فسيشمل أهل الحرم الذين هم خارج مكة لأنهم وإن كانوا خارج مكة لأن ليس بينهم وبين مكة مسافة قصر، فهو قول يقرب من قول الحنابلة لكن بهذا التفصيل وهو أن يشمل الأمر أهل مكة وأهل الحرم، وهو تفصيل قوي وسديد. إذاً أخذنا الشرط الأول من شروط وجوب الدم في التمتع. الشرط الثاني: أن لا يسافر بين النسكين - وهو شرط لم يذكره المؤلف. وهذا الشرط اتفق عليه المذاهب الأربعة. لكن اختلفوا في حد السفر المسقط للدم، وسيأتينا الخلاف في هذه المسألة. = القول الثاني: أن المتمتع يبقى متمتعاً ولو سافر. وإلى هذا ذهب الفقيه الحافظ ابن المنذر فرأى ﵀ أن الإنسان ولو سافر ورجع إلى بلده فإن دم المتعة لا يسقط عنه ويبقى متمتعاً. واستدل: - بالعمومات. فإن من سافر يصدق عليه أنه أخذ العمرة والحج في سنة واحدة فهو متمتع ويصدق عليه أنه تمتع بين الإحرامين. واستدل الجماهير: وهم الأئمة الأربعة وغيرهم كفقهاء التابعين وغيرهم من فقهاء المسلمين: - بأثر عمر بن الخطاب أنه قال: (من تمتع بالعمرة إلى الحج إن بقي في مكة فهو من المتمتعين وإن سافر أو رجع فليس من المتمتعين) , فاستدل الجمهور بهذا الأثر عن عمر ﵁ على أن السفر يقطع أحكام التمتع. واستدلوا على ذلك: - بتعليل: وهو أن المتعة إنما سميت بذلك لأنه يترفه بترك أحد السفرين في أداء النسك أي أنه يأتي بالنسكين في سفر واحد، وهذا لا يصدق على من سافر بين النسكين فاستدلوا بالعلة التي من أجلها وجب هذا الدم وهو دم شكران. الراجح: من حيث الأصل مع الجمهور لاستدلالهم بهذا الأثر الصحيح عن أمير المؤمنين عمر ﵁. نأتي إلى المسألة الثانية: الاختلاف في حد السفر المسقط لدم المتعة. فاختلف الأئمة الأربعة في هذه المسألة على أقوال:

стр. 1080

= القول الأول: أنه إذا خرج مسافة قصر سقط عنه الدم مباشرة. = القول الثاني: أنه إذا خرج ورجع إلى مصره أو إلى أبعد منه سقط عنه الدم وإلا فلا. = القول الثالث: أنه إذا رجع إلى مصره سقط الدم وإلا فلا. الفرق بين القول الثاني والثالث: الفرق بينهما يتصور في شخص سافر إلى مدينة أبعد من مدينته فعلى القول الثاني سقط عنه الدم وعلى القول الثالث لم يسقط عنه الدم لأن أصحاب القول الثالث يشترطون في سقوط الدم أن يرجع فقط إلى ((مصره)) فإن رجع إلى غير مصره سواء كان هذا المصر أبعد أو أقرب من مصره فإن الدم لا يسقط. والأقرب والله أعلم - على أن هذه المسألة ليس فيها نصوص ولذلك كثر فيها الأقوال وتشعبت لأنه ليس في الباب نص يرجع إليه - لكن الأقرب هو أنه إذا رجع إلى بلده سقط عنه الدم وإن رجع إلى غير بلده لم يسقط عنه الدم. ووجه الترجيح: • أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: فإن رجع. والرجوع المطلق إنما هو في رجوع الإنسان إلى بلده لا في رجوعه إلى بلد آخر، يوضحه ما يحصل الآن من كثير من الحجاج فهو في الحقيقة يوضح أثر أمير المؤمنين عمر ﵁. فإذا جاء أهل المغرب مثلاً إلى مكة وأخذوا العمرة ثم ذهبوا إلى المدينة قبل أن يحرموا بالحج هل يصدق عليهم أنهم رجعوا أو سافروا؟ هل يمكن أن نقول أنهم رجعوا؟ وإذا سافروا إلى المغرب هل نقول رجعوا؟ إذاً لعل أمير المؤمنين عمر ﵁ يشير بكلمة رجع إلى هذا المعنى فيكون سبب الترجيح هو ورود لفظة رجع في أثر أمير المؤمنين عمر ﵁. • كما أن هذا القول فيه توسعة على الناس لأن الحجاج إذا قيل لهم ذهبت العمرة أو سقطت العمرة شق عليهم هذا الأمر جداً وكثير منهم يرغب بأن يرجع بنسك التمتع لأنه أفضل الأنساك. ويشترط لوجوب الدم أن ينوي التمتع عند الإحرام بالعمرة: - لأنه أراد أيجمع بين نسكين فوجب أن ينوي قبل أن يشرع في الأول منهما. - وقياساً على الجمع بين الصلاتين. = والقول الثاني: أنه لا يشترط أن ينوي التمتع عند إحرامه بالعمرة. بل لو أحرم بالعمرة بلا نية تمتع ثم أحرم بالحج في عامه فهو متمتع نوى أو لم ينوي.

стр. 1081

المثال الذي يبين الخلاف: لو أن رجلاً جاء إلى مكة في أشهر الحج واعتمر ولم ينو الحج أصلاً ولا التمتع ولم يخطر بباله بل كان ناوياً الرجوع إلى أهله ثم يسر له أن بقي في مكة إلى الحج ثم أحرم بالحج. فـ: o على القول الأول لا يعتبر متمتعاً. o وعلى القول الثاني يعتبر من المتمتعين. وهو القول الراجح إن شاء الله. الشرط الرابع: = عند الحنابلة -: أن يحرم بالعمرة من ميقات بلده لأنه بذلك يحصل له الترفه بترك أحد السفرين بينما إذا أحرم بالعمرة من مكة أشبه حاضري المسجد الحرام. =والقول الثاني: أنه لا يشترط للإنسان أن يحرم بالعمرة من ميقات بلده بل لو أحرم من أدنى الحل ثم أحرم بالحج بعد ذلك فهو متمتع ويجب عليه الدم وله أجر المتعة إن شاء الله. والفرق بينهما يتصور في رجل سافر إلى مكة لا يريد العمرة ولا الحج في أشهره فلما وصل إلى مكة حضرته النية وأراد أن يحرم بالعمرة والحج. o فعلى القول الأول: يشرط أن يرجع إلى ميقات بلده فإن أحرم من الحل فليس من المتمتعين. o وعلى القول الثاني: وإن أحرم من الحل فهو متمتع له أحكام المتعة. والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين،،،

стр. 1082

شرح كتاب المناسك الدرس رقم (٥) قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. انتهينا بالأمس من بيان صفة التمتع والشروط الخاصة بالتمتع والشروط الخاصة بدم المتعة وبيان أنه لا يلزم من توفر شروط أحدهما توفر شروط الآخر، أي: أن شروط دم المتعة تختلف عن شروط التمتع، بمعنى أنه قد تصدق على شخص شروط الدم دون شروط التمتع وقد يقع العكس. والمؤلف ﵀ ذكر التمتع لكونه أفضل الأنساك ولكنه لم يذكر ﵀ ما يتعلق بصفة الإفراد والقران. o فالإفراد: هو: أن يحرم الإنسان بالحج وحده ويمضي في الأنساك إلى أن يتحلل ويتم نسكه. والإفراد ليس له عند أهل العلم إلا صورة واحدة فقط كما في التمتع فالإفراد والتمتع لكل منهما صورة واحدة فقط.

стр. 1083

نأتي إلى القران. o القران: وله عند أهل العلم ثلاث صور: - الصورة الأولى المعروفة والمتبادرة إلى الذهن: أن يحرم بالحج والعمرة في وقت واحد من الميقات ويتم الأنساك إلى أن يفرغ من حجه. ويقول عند إرادة الإحرام: لبيك حجاً وعمرة، أو يقول: لبيك عمرة وحجا. والأفضل أن يقول: لبيك عمرة وحجة ليتوافق لفظه مع لفظ الحديث. وهذه الصفة مشروعة باتفاق أهل العلم بل تقدم معنا أن عدداً كبيراً من أهل العلم يرون أنها أفضل الأنساك. - الصورة الثانية: أن يحرم الإنسان بالعمرة أولاً ثم يدخل عليها الحج. والدليل على جواز هذه الصفة: - حديث عائشة ﵂ أنها أحرمت بالعمرة ثم لما حاضت وخشيت فوات الحج أدخلت الحج على العمرة. - والدليل الثاني: الإجماع وقد حكاه شيخ الإسلام بن تيمية وابن القيم - رحمهما الله -. * * مسألة/ وظاهر عبارات أهل العلم ﵏ أنه لا يشترط لهذه الصفة أن تكون بعذر بل يجوز للإنسان أن يدخل الحج على العمرة ولو بلا عذر. والإجماع الذي حكاه الشيخان أيضاً مطلق لم يشترط أن يكون هناك عذر. وهذا هو الصحيح: أنه يجوز مطلقاً. ويشترط: = عند لحنابلة للصورة الثانية وهي أن يدخل الحج على العمرة - أن يكون إدخال الحج على العمرة قبل بداية طواف العمرة. - لأنه إذا بدأ بالطواف فقد بدأ بالتحلل. = والقول الثاني: أنه يجوز للإنسان أن يدخل الحج على العمرة ولو بعد الشروع في الطواف. - لأن صورة القران تصدق عليه حينئذ ولو كان شرع في طواف العمرة. والأقرب والله أعلم: القول الثاني وهو أنه يجوز إدخال الحج على العمرة ولو بعد الشروع في طواف العمرة. وفهم مما تقدم أنه لا يجوز لإنسان أن يدخل نسك الحج على العمرة بعد الشروع في السعي، إنما الخلاف فيما إذا أدخل الحج على العمرة بعد الشروع بطواف العمرة فقط. - الصورة الثالثة: أن يحرم الإنسان بالحج مفرداً ثم يدخل عليه العمرة. وهذه الصورة ممنوعة: = عند الحنابلة. فإن فعل فإن إحرامه بالعمرة ملغي لا قيمة له وهو ما زال مفرداً. واستدلوا على هذا بأمرين: - الأول: أنه روي عن علي ﵁ النهي عن هذه الصورة. وبهذا الأثر استدل الإمام أحمد ﵀.

стр. 1084

- والثاني: أنه لا ينتفع بعمله هذا زيادة إذ عمل المفرد والقارن واحد. وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ﵀. = القول الثاني: جواز إدخال العمرة على الحج. واستدلوا بدليلين: - الدليل الأول: قياساً على العكس: فإذا جاز إدخال الحج على العمرة فيجوز إدخال العمرة على الحج. - الدليل الثاني: أن النبي ﷺ أحرم أولاً بالحج ثم أدخل عليه العمرة. وهذا الحديث يستدل به بعض الفقهاء وتتبعت أحاديث الحج تتبعاً لا بأس به فلم أجد في الأحاديث التصريح بأن النبي ﷺ أحرم بالحج أولاً ثم أحرم بالعمرة إنما فيه قوله في الحديث القدسي: (صل في هذا الوادي وقل عمرة في حجة). فالفقهاء وشراح الأحاديث قالوا: لا يوجد - وهذا هو الأمر المهم - لا يمكن التوفيق بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض إلا أن نفترض أن النبي ﷺ أحرم بالحج ثم أدخل عليه، وما دام لا يمكن التوفيق بين النصوص إلا بهذا القول صاروا يقولون: إن النبي ﷺ أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة وإلا لا أعلم أنه يوجد حديث صحيح أن النبي ﷺ هكذا صنع، ومن أدلة عدم الوجود أن الحفاظ المتأخرين من الشراح صرحوا أن اعتمادهم في إثبات هذه الطريقة للنبي ﷺ هو أنه لا يمكن الجمع بين النصوص إلا إذا حملنا عمل النبي ﷺ على هذا المحمل. * * مسألة: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر أن النبي ﷺ أحرم بالعمرة ثم أحرم بالحج. - هكذا هذا لفظه في البخاري. وظاهر هذا اللفظ عكس ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني. وهو أن النبي ﷺ بدأ بالعمرة أولاً ثم أدخل عليه الحج.

стр. 1085

ولكن مع ذلك الشراح ذكروا أنه لا يمكن أن نحمل هذا الحديث على ظاهره بل نقول: أراد ابن عمر ﵁ بهذا الكلام أن يبين أن النبي ﷺ حج قارناً بغض النظر عن الصورة التفصيلية لكيفية نسكه فحملوه على هذا المحمل وإن كان الفظ صريحاً لكنهم لم يرتضوا أن يكون النبي ﷺ أحرم بالعمرة أولاً وحملوا هذا اللفظ على أنه أراد الصورة العامة لا الصورة التفصيلية والذي دعاهم إلى هذا الحمل هو أنه لا يمكن التوفيق بين الأحاديث إلا إذا قلنا بهذا القول. والراجح - والله أعلم - الجواز: - لأنه وإن استدل الإمام أحمد ﵀ بأثر علي إلا أن أصحاب القول الثاني معهم ظاهر السنة - وليس صريحها - فهذا يجعل الإنسان يركن إلى هذا القول، ثم إذا أحرم الإنسان بالحج ثم أدخل عليه العمرة استفاد سقوط نسك العمرة عنه وتقرب إلى الله بالهدي لأن القارن يجب عليه الهدي، فبين أن لهذا العمل فائدة كبيرة. - ثم قال - رحمه الله تعالى -: وإذا حاضت المرأة فخشيت فوات الحج: أحرمت به وصارت قارنة. هذه إحدى صور القران وهي الصورة الثانية. ودليلها: - حديث عائشة ﵂ الذي تقدم معنا أنها أحرمت بالعمرة ثم خشيت فوات الحج لأنها حاضت فأدخلت الحج على العمرة. إذاً من خشي فوات الحج وهومحرم بالعمرة تمتعاً فإنه يدخل الحج على العمرة سواء كانت خشية الفوات بسبب الحيض بالنسبة للنساء أو بأي سبب بالنسبة للرجال، فما دام خشي أن يفوت الحج فالحل أن دخل الحج على العمرة. = والقول الثاني: أن من أحر بالعمرة ثم خشي فوات الحج ولن يتمكن م إتمام العمرة كالحائض فحكمه أن يرفض العمرة وهو معذور بهذ الرفض لأنه لا يستطيع إتمام النسك. وهذا مذهب الأحناف. وهو غاية في السقوط والضعف: - لأنه مخالف لنص السنة الصريحة فإن هذه المسألة أفتى فيها النبي ﷺ وأمرها أن تحرم بالحج فكيف نقول بأن الحل أن ترفض العمرة ويكون رفضها مقبولاً في هذه الصورة لأنها معذورة. - ثم قال - رحمه الله تعالى -:

стр. 1086

وإذا استوى على راحلته قال: ((لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ)). يريد المؤلف ﵀ أن يبين الوقت الذي يشرع فيه التلبية، فهنا يريد المؤلف ﵀ أن يتكلم عن التلبية وسبق أنه تكلم عن نية الإحرام وذكرت لك أن الحنابلة يفرقون بين نية الإحرام وبين التلبية فيجعلون وقت استحباب نية الإحرام بعد الصلاة وقت استحباب التلبية إذا استوت به راحلته، إذاً يفرقون بين وقت النية ووقت التلبية. = والقول الثاني: أن وقت النية وقت التلبية واحد. واستدلوا: - - بأن هذا هو ظاهر السنة أنه ﷺ نوى ولبى في قت واحد. وهذا القول الثاني ظاهر القوة وهو الصواب إن شاء الله. نأتي الآن إلى مسألة: متى يشرع للإنسان أن يلبي؟ = عند الحنابلة إذا استوى على راحلته. والمؤلف ﵀ خالف في هذه المسألة المشهور من مذهب الحنابلة، فالحنابلة في المشهور عندهم يرون أن وقت التلبية بعد الإحرام أي بعد الصلاة. إذاً ما مشى عليه المؤلف ﵀ هنا هو أنه يحرم إذا ستوت به راحلته واستدل الحنابلة على هذا الحكم - يعني ما ذكره المؤلف ﵀ هنا: - - بحديث ابن عمر أن النبي ﷺ لما استوى على راحلته أهل ولبى ﷺ . = القول الثاني: أن التلبية تكون بعد الصلاة فإذا صلى نوى ولبي. واستدلوا على هذا: - - بحديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ أهل بعد الصلاة. وهذا الحديث على شهرته وكثرة الاستدلال به إلا أنه لا يثبت عن النبي ﷺ أنه نُقِلَ عنه نَقْلٌ صحيح أنه لبى بعد الصلاة. = والقول الثالث: أنه إذا استوى على البيداء - يعني إذا على هذا المرتفع. والبيداء مكان معروف قريب من ميقات أهل المدينة. واستدلوا على ذلك: - - بأن النبي ﷺ لما استوى على البيداء أهل بالتلبية. - وكان ابن عمر ﵁ ينكر هذا القول إنكاراً شديداً ويقول: ما أهل النبي ﷺ إلا لما استوى على راحلته.

стр. 1087

والأقرب والله أعلم من هذه الأقوال أنه بعد الصلاة وإن كان حديث ابن عباس ضعيف لمن هذا ظاهر السنة أن النبي ﷺ نوى ولبى في وقت واحد وذلك يكون بعد الصلاة. ويؤيد ذلك أن ضعف حديث ابن عباس ليس ضعفاً شديداً وإنما ضعف بالإمكان أن يستأنس به. الإضافة إلى أن عدداً من المعاصرين صح هذا الحديث. - ثم قال - رحمه الله تعالى -: يصوت بها الرجل. يعني: أن المشروع في حق الرجل أن يرفع صوته قدر ما يستطيع. وهذا معنى قوله: يصوت. والدليل على ذلك: - ما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: أمرني جبريل أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال. - والدليل الثاني: أن أصحاب النبي ﷺ كانوا يرفعون أصواتهم حتى تبح من شدة رفع الصوت. ولما بين ما يتعلق بالرجل انتقل إلى المرأة: - فقال ﵀: وتخفيها المرأة. أي أن السنة في حق المرأة أن تلبي بصوت منخفض. والراجح أن المراد بالانخفاض هنا: أي بحيث تسمع من بجوارها من النساء لا أن تلبي بصوت لا يسمعه من بجوارها - يعني لا تلبي ي نفسها وإنما تلبي بصوت منخفض يسمعه من بجوارها من النساء. هذه هي السنة لأن التلبية نوع من الشعائر وإنما أمرنا المرأة بخفض الصوت خشية الافتتان ولأن صوت المرأة غالباً يؤدي إلى انشغال أذهان الرجال فلذلك أمرت بخفض الصوت وإلا فإن الأصل أن هذه شعيرة تحتاج إلى إعلاء. فإذاً لا تتجاوز المرأة إسماع من بجوارها ولو كانت في مكان منعزل خاص بالنساء فإنها لا تعدى هذا الحد وهو أن تسمع من بجوارها. باب محظورات الإحرام - ثم قال - رحمه الله تعالى -: باب محظورات الإحرام. الحظر في لغة العرب: المنع. والمقصود بمحظورات الإحرام: ما يحرم على المحرم فعله بسبب الإحرام. فالكذب يحرم على المحرم فعله لكن ليس بسبب الإحرام إنما بالتحري الأصلي. إذاً المحظورات المقصودة في هذا الباب فقط ما يكون سبب المنع منه الإحرام وهي كما قال المؤلف ﵀: تسعة. - قال ﵀: (١) حلق الشعر. حلق الشعر من محظورات الإحرام. وحلق الشعر ينقسم إلى قسمين:

стр. 1088

- القسم الأول: حلق شعر الرأس. وهو من محظورات الإحرام: بالنص والإجماع. - أما النص فقوله تعالى: - (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) -[البقرة/١٩٦]. فهذه الآية نص في تحريم حلق شعر الرأس أثناء الإحرام. - والثاني: الإجماع فقد حكى الإجماع أكثر من واحد ولا يعلم في هذه المسألة مخالف لصراحة النص في النهي عنه. - القسم الثاني: ما عدا شعر الرأس من شعر البدن. وفيه خلاف بين أهل العلم ﵏ على قولين: = القول الأول: وإليه ذهب الأئمة الأربعة والجماهير والجم الغفير من الفقهاء أنه من محظورات الإحرام. قال الإمام أحمد لا أعلم أحداً فرق بين الرأس والإبط. واستدلوا بدليلين: - الدليل الأول: القياس على شعر الرأس. بجامع ترك الترفه أي أن الشارع إنما نهى المحرم عن أخذ شعر الرأس لأن لا يترفه والترفه حاصل بأخذ الشعور الأخرى. - - الدليل الثاني: قوله (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) -[الحج/٢٩]. قضاء التفث فسره ابن عباس ﵁ بأخذ شعر العانة والإبط وتقليم الأظافر. وجه الاستدلال بالآية: أنه تعالى قال: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا﴾ والآية معطوفة على نحر الهدي. فمعنى الآية أن الإنسان لا يقضي تفثه إلا بعد أن ينحر الهدي وما دام لم ينحر فهو محرم ويمنع من أخذ هذه الشعور وهو استدلال غاية في القوة كما ترى لا سيما وأن هذا التفسير مروي عن ابن عباس ولا يعرف له مخالف. = القول الثاني: أن أخذ باقي الشعور جائز ولا يترتب عليه فدية وأن الممنوع فقط شعر الرأس. وإلى هذا ذهب ابن حزم ﵀. واستدل على ذلك كما هي طريقته: - - بأنه ليس في النصوص مطلقاً المنع من أخذ باقي الشعور وإنما نص الله فقط على شعر الرأس. وهو قول ضعيف جداً مخالف لظاهر الآية وللآثار عن الصحابة ولما عليه جماهير الفقهاء بل إن عبارة الإمام أحمد يفهم منها الإجماع حيث يقول ﵀: لا أعلم أحداً فرق بين شعر الرأس والإبط. إذاً الراجح أن باقي الشعور كشعر الرأس وهي من محظورات الإحرام.

стр. 1089

ثم انتقل المؤلف ﵀ إلى المحظور الثاني من محظورات الإحرام: - فقال ﵀: (٢) وتقليم الأظافر. تقليم الأظافر من محظورات الإحرام. فإن قلم المحرم أظافره فعليه فدية كما سيأتي تفصيل أحكامها. وليس في النصوص ما يدل على أن تقليم الأظافر من محظورات الإحرام. ولذلك الخلاف الذي سمعت في الشعر غير شعر الرأس وجد تماماً في حكم تقليم الأظافر سواء من حيث الأدلة ومن حيث القائلين فلا يختلف بشيء. والراجح كذلك في هذه المسألة كالراجح في المسألة السابقة وهي أن تقليم الأظافر بمقتضى ظاهر الآية وفتاوى الصحابة من محظورات الإحرام وأن اختيار ابن حزم في هذه المسألة ضعيف. ثم لما بين ﵀ المحظور الأول والثاني انتقل إلى الضابط الذي تجب فيه الفدية في الشعور والأظافر: - فقال ﵀: فمن حلق أو قلم ثلاثة: فعليه دم. إذا حلق الإنسان ثلاث شعرا فصاعداً: فعليه دم. فإن حلق شعره ففيه: طعام مسكين. وإن حلق: شعرتين: فيه طعام مسكينين. وإن حلق بعض شعرة: فيه ما في حلق الشعرة. واستدلوا: - بأن الثلاثة أقل الجمع. = القول الثاني: لأبي حنيفة ﵀ أن الفدية تجب إذا حلق ربع الرأس فصاعداً. فإن حلق أقل من ذلك فلا فدية فيه. = القول الثالث: للمالكية وهو أن الحلق الذي تجب فيه الفدية هو ما اتصف أحد صفتين إما أن يون فيه ترفه أو أن يكون فيه إزالة للأذى. فإن حلق شعر يحصل به الترفه أو يحصل به إزالة الأذى: وجبت الفدية وإلا فلا. ومعنى هذا القول: أن لا تجب الفدية إلا - في الحقيقة - عمم شعره بالحلق. أما إذا حلق بعض الرأس فلا فدية فيه. وهذا القول هو القول الصحيح. فإن حلق الرأس أو أغلب الرأس ففيه الفدية. وإن حلق دون ذلك ففيه طعام مسكين. * * مسألة/ والفقهاء الذين يقولون حلق ما دون الثلاث شعرات مثلاً ليس فيه فدية يرون مع ذلك أنه: محرم. فهو محرم وإن ل تكن فيه فدية. إذاً: الحديث الآن لا عن حكم الحلق وإنما عن متى تجب الفدية وقد سمعتم الخلاف والراجح إن شاء الله مذهب المالكية. - ثم قال - رحمه الله تعالى -: (٣) ومن غطى رأسه بملاصق: فدى. تغطية الرأس من محظورات الإحرام. وهي في الجملة: محل إجماع.

стр. 1090

- - لقول النبي ﷺ في الحديث الذي سيأتينا: (ولا العمائم ولا البرانس) - فيما ينهى المحرم عن لبسه. - - ولقوله ﷺ في المحرم الذي وقصته ناقته: (ولا تخمروا رأسه). إذاً من حيث الجملة دل على المنع منه النص والإجماع فلا إشكال فيه. لكن من حيث التفصيل ففيه خلاف. فتغطية الرأس تنقسم إلى قسمين: - إما أن تكون بملاصق. - أو أن تكون بغي ملاصق. القسم الأول: أن تكون بملاصق. يعني أن يغطي رأسه بما يلاصق الرأس هذا ينقسم إلى قسمين: - إما أن يغطي بملاصق معتاد. كالعمامة والطاقية أو الشماغ وما أشبه ذلك من الألبسة المخصصة للرأس. - أو أن يغطيه بغير معتاد. كأن يضع عليه قرطاس أو أن يضع عليه خرقه ليست مما أعد لستر الرأس. والنوعان ممنوعان. فإن غطى رأسه بملاصق معتاد أو غير معتاد فهو محرم وعليه الفدية. القسم الثاني: أن يغطي رأسه بغير ملاصق. وهو ينقسم إلى قسمين: - الأول: أن يكون غير الملاصق غير تابع للمحرم، والتابع هو الذي يتحرك بحركة المحرم وغير التابع هو الذي لا يتحرك بحركة المحرم. مثاله: أن يستظل تحت سقف مبني أو أن يستظل تحت خيمة فهذه لأمور ليست تابعة تحرك بحركة المحرم فهذه لا إشكال أنه لا فدية فيها لما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ ضربت له خيمة بنمرة. - الثاني: أن يكون غير ملاصق ولكنه تابع للمحرم. كأن يستظل بمظلة شمسية أو بالسيارة أو بما أشبه هذه الأمور مما تحرك بحركة المحرم. فهذه: = عند الحنابلة لا تجوز وفيها فدية. واستدلوا على هذا: - بأثر عن ابن عمر ﵁ وبأنها تابعة لهذا المحرم. = والقول الثاني: أنه لا بأس بالاستظلال بغي الملاصق ولو كان تابعاً. - - لما ثبت في الحديث الصحيح أن بلالاً وأسامة بن زيد ﵄ كانوا مع النبي ﷺ في حجة الوداع وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي ﷺ والآخر يستره بثوب إلى أن رمى جمرة العقبة.
следующие страницы →