← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96613

شرح زاد المستقنع - أحمد الخليل

أحمد الخليل

Полный текст (2 909 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

قال شيخنا حفظه الله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. • قال المؤلف ﵀: وست من شوال. صيام الست من شوال سنة استحبها جماهير أهل العلم. - لقول النبي ﷺ : (من صام رمضان وأتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر). وفضيلة صيام الست تحصل سوتء صامها متتابعة أو متفرقة في أول الشهر أو في آخره لإطلاق الحديث إلا أن عدداً من السلف استحب أن يبادر بها لأن لا يشتغل عنها فتفوته. - - مسألة: اختلف أهل العلم هل يشترط في صيام الست أن يكون أتم صيام رمضان؟ اختلفوا فيها على قولين: = القول الأول: أنه لا يصوم الست إلا إذا أتم رمضان. - لقوله ﷺ : (من صام رمضان) , ومن أفطر بعض رمضان لا يصدق عليه أنه صام رمضان بل صام بعض رمضان. = والقول الثاني: أنه لا يشترط بل إذا صام الإنسان رمضان جملة وإن أفطر بعضه جاز له أن يؤخر القضاء وأن يبدأ بصيام الست. واستدلوا على ذلك: - بأن من صام رمضان وأفطر منه يوماً أو يومين فإنه يصدق عليه بأنه صام رمضان. - وبحديث عائشة الذي تقدم معنا وهو قولها ﵂ كان يكون علي قضاء من رمضان فلا أقضيه إلا في شعبان. ووجه الاستدلال أنه يبعد أن عائشة ﵂ لم تكن تصوم الست من شوال فإذا كانت تصوم الست من شوال فهي تصوم قبل القضاء. والأقرب لظاهر الحديث أن الإنسان لا يصوم إلا بعد القضاء. • ثم قال ﵀: وشهر المحرم. يعني: ويسن أن يصوم الإنسان شهر الله المحرم. - لقول النبي ﷺ : (أفضل الصيام بعد رمضان صيام شهر الله المحرم). فدل هذا الحديث على أن صيامه مندوب إليه مستحب. • ثم قال ﵀: وآكده العاشر. أي آكد أيام الشهر المحرم اليوم العاشر وهو يوم عاشوراء. فتعريف عاشوراء أنه اليوم العاشر من الشهر المحرم. ودليل (الاستحباب): - قوله ﷺ : (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) وهو حديث صحيح. والسنة أن يصوم الإنسان اليوم العاشر ويوماً قبله ويوماً بعده وإلا يصوم العاشر ويوماً قبله أو بعده ويجوز أن يفرد العاشر بالصيام.

стр. 1017

وجواز إفراد العاشر بالصيام = مذهب الحنابلة فيجوز بلا كراهة واختاره شيخ الاسلام وابن القيم - رحمهما الله -. - لعموم الحديث حيث فيه أن من صام العاشر فإنه يغفر له السنة التي قبله. • ثم قال ﵀: ثم التاسع. صيام اليوم التاسع من شهر المحرم متأكد يأتي في المرتبة الثانية بعد العاشر. بناء على هذا من أراد أن يصوم العاشر ويوماً فقط فالأحسن أن يصوم التاسع بدل أن يصوم الحادي عشر لأن اليوم التاسع يأتي في الأفضلية والآكدية بعد اليوم العاشر. والدليل على استحباب اليوم التاسع: - ما أخرجه مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ لما صام عاشوراء قالوا له: إنه يوم تعظمه اليهود فقال: لأن عشت إلى قابل لأصومن التاسع. يعني مع العاشر. فهذا دليل على أنه يستحب للإنسان إذا أراد أن يصوم العاشر أن يجمع إليه التاسع. فإن جمع معهما الحادي عشر فهو أطيب وأكمل. • ثم قال ﵀: وتسع ذي الحجة. يعني: ويسن أن يصوم الإنسان تسع ذي الحجة أي من اليوم الأول إلى اليوم التاسع من شهر ذي الحجة. - لقول النبي ﷺ : (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من العشر قالوا: يا رسول الله ولا المجاهد في سبيل الله قال ولا المجاهد في سبيل الله إلا من خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشء). فقوله: (ما من أيام العمل الصالح) دليل على أفضلية الصيان في هذه الأيام لأن الصيام من جملة العمل الصالح. = وإلى مشروعية الصيام ذهب الجماهير. فإن قيل: أنه ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت ما صام رسول الله ﷺ العشر قط. فالجواب: أن الإمام أحمد ﵀ سلك مسلكين في الجواب عن هذا الحديث: - الأول: قال ﵀:أن حديث عائشة هذا فيه اختلاف ورواه بعضهم مرسلاً وروي عن حفصة إثبات الصيام. فكأن الوجه الأول يشير فيه الإمام أحمد إلى نوع ضعف ولا يظهر من عبارة الإمام أحمد أبداً أنه يضعف الحديث لكن يشير إلى أنه فيه ضعف.

стр. 1018

- الثاني: قال الإمام أحمد ﵀ أن المراد في حديث عائشة نفي استغراق العشر في الصيام: يعني: أنه لم يصم جميع العشر ﷺ فأرادت نفي جميع العشر. والمثبت في حديث حفصة صيام بعض العشر. وبهذا يكون ﵀ جمع بين حديث حفصة وبين حديث عائشة. بناء على هذا - على الجمع الأخير: نقول لا ينبغي استغراق العشر صياماً. فلا ينبغي أن يستغرق الإنسان جميع أيام العشر بالصيام. هذا إذا أردنا أن نجمع بالجمع الثاني وأنا أرى أنه وجيه وجيد وهو أقوى من الوجه الأول الذي ذكره الإمام أحمد ﵀. • ثم قال ﵀: ويوم عرفة لغير حاج بها. يشرع للإنسان الذي لم يحج أن يصوم يوم عرفة. - لقول النبي ﷺ عن صيام يوم عرفة: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده). فدل الحديث على مشروعية الصيام بالنسبة لغير الحاج وأنه يوم أحب الشارع فيه أن يصبح الإنسان صائماً. • ثم قال ﵀: لغير حاج بها. أي: لا يشرع أن يصوم الإنسان في يوم عرفة. والدليل على هذا: - ما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ أوتي بقدح من لبن في يوم عرفة فشربه والناس ينظرون. - - مسألة: الحكمة من النهي عن صيام يوم عرفة للحاج: اختلفوا فيها: - الأول: ذهب شيخ الإسلام ﵀ إلى أن الحكمة أن يوم عرفة عيد وكل عيد لا يصام. - الثاني: أن العلة في النهي عن صيام يوم عرفة ليتقوى الحاج على عبادة الله والدعاء والابتهال والتضرع. والأقرب والله أعلم أن الحكمة مركبة من الأمرين ولا مانع. فهو لا يصام لأنه عيد وليتقوى فيه الحاج. - - مسألة: حكم الصيام: اختلفوا في حكم الصيام - بعد أن عرفنا أنه ليس بمشروع اختلفوا فيه: = [القول الأول]: فذهب بعض العلماء إلى أنه لا يستحب أن يصوم الإنسان يوم عرفة. = والقول الثاني: أنه جائز بلا كراهة. = والقول الثالث: أنه مستحب ما لم يضعف الحاج. = والقول الرابع: أنه مكروه. والقول بالكراهة قريب من القول من أنه لا يستحب وهو مذهب الحنابلة - مسألة: أنه لا يستحب هو مذهب الحنابلة.

стр. 1019

عرفنا من الخلاف أن الجماهير لا يرون أن الصيام محرم فليس في الأقوال أنه محرم فلم يذهب إلى التحريم إلا عالم واحد من السلف وهو يحيى بن سعيد الأنصاري فقال: لا يجوز أن يصوم الإنسان يوم عرفة , أما عامة علماء الأمة فأقوالهم تدور بين الكراهة والإباحة. والراجح والله أعلم. أنه يدور بين الكراهة والتحريم. • ثم قال ﵀: وأفضله: صوم يوم وفطر يوم. أفضله: الضمير يعود إلى: صوم التطوع. فأفضل الصوم الذي للتطوع أن يصوم الإنسان يوماً ويفطر يوماً. والدليل على هذا: - ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً). وصيام يوم وإفطار يوم هو أفضل أنواع صيام التطوع من حيث الأصل وقد تصبح مفضولة عند بعض الناس كمن يعوقه الصيام عن أداء الواجبات أو عن أداء عبادة هي أفضل من الصيام يوماً والإفطار يوماً. كأن تتعلق به مصالح عامة أو يتعلق به بيان الناس وإرشادهم ووعظهم. ولعله لهذا الأمر لم ينقل أن النبي ﷺ كان يصوم يوماً ويفطر يوماً. أي لأنه يقوم بما هو أفضل وأعظم من صيام يوم وإفطار يوم. وربما أن السبب في عدم صيام النبي ﷺ يوم وإفطار يوم لكي لا يدخل المشقة على الناس لأنه لو كان يفعل ذلك لحرص كثير من الناس على الاقتداء به فدخل عليه المشقة. لأن الناس يحبون الاقتداء بما فعله ﷺ أكثر مما قاله ولم يفعله. وبعد أن بين الأيام التي يسن ويحب الشارع أن تصام انتقل إلى المكروهات وبعدها سيذكر المحرمات. • فقال ﵀: ويكره: إفراد رجب ... بصوم. يكره للإنسان أن يفرد شهر رجب بالصوم لأمرين: - الأول: أن في هذا تشبهاً بالجاهليين لأنهم كانوا يعظمون هذا الشهر. - والثاني: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كان ينهى عن ذلك. - والثالث: أنه لم يثبت في حديث صحيح ولا حسن أن الشارع حث على صومه وجميع الأحاديث التي في الباب ضعيفة جداً أو موضوعة. - - مسألة: وتزول الكراهة بأحد أمرين: - الأول: أن لا يستكمل شهر رجب بالصيام. يعني: أن يصوم بعض الأيام ويفطر بعض الأيام فتزول الكراهة.

стр. 1020

- الثاني: أن يصوم مع شهر رجب شهراً آخر سواء كان هذا الشهر الثاني يلي رجب أو هو شهر بعيد عن رجب فلا يشترط فالمهم أن لا يفرد شهر رجب من بين شهور السنة بالصيام. إذاً تلخص عندنا أن الكراهة تزول بأن يصوم ويفطر في شهر رجب أو أن يصوم رجب كاملاً ويصوم معه شهراً آخر. - - مسألة: لم يتطرق المؤلف إلى غير شهر رجب هل يكره أن يصوم الإنسان جميع الشهر في غير شهر رجب؟ اتفق الفقهاء أنه لا يكره إلا في شهر رجب. أما ما عداه من الشهور فإنه يستحب ولا يكره أن يصوم الإنسان جميع الشهر لأن هذا الصيام يدخل في العمومات التي تحث المسلم على الصيام مالم يعتقد أن للشهر الفلاني الذي صامه مزية معينة شرعية فحينئذ يحرم الصيام لأنه يكون بدعة. وعرفنا من هذا التفصيل أن الإنسان يحرم عليه أو يكره له أن يصوم جميع شهر رجب ولو بدون اعتقاد فهذا الشهر لايستكمل صياماً لما فيه من التشبه. • ثم قال ﵀: والجمعة. يعني: ويكره أن يفرد الإنسان الجمعة بالصيام. - لقول النبي ﷺ : (لا تصوموا يوم الجمعة إلا أن تصوموا يوماً قبله أو يوماً بعده). - وقوله في صحيح مسلم: (إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم). يعني: إذا وافق الجمعة صيام أيام اعتاد الإنسان أن يصومها فلا بأس أن يصومها. وتزول الكراهة بأن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده. - - مسألة: فهم من الأحاديث أن المنهي عنه هو تقصد الجمعة بالصيام. فإن صام الجمعة لا قصداً وإنما لأنه هو المتيسر فقد أفتى الإمام أحمد أن من صام الجمعة بلا قصد فلا بأس. وفي الحقيقة أن هذا يفهم من الأحاديث لأن الشارع الكريم أجاز أن يصوم الإنسان الجمعو مفرداً إذا كان في صوم يصومه الإنسان مما يدل على أن الإنسان إذا صامه لا قصداً له وإنما لكونه صادف وقتاً متيسراً له أو صادف صوماً هو اعتاد أن يصومه فلا بأس بذلك. بناء عليه: الذين يشتغلون طيلة أيام الأسبوع في دوام لا يتمكنون معه من الصيام لمشقة العمل أو لأي أمر آخر فإنه لا حرج عليهم فيما أرى أن يصوموا يوم الجمعة لكونه هو المتيسر لا لأنه يوم الجمعة. بدليل: - أن إجازة هذا الموظف لو وافقت غير الجمعة لصامه أيضاً مما يدل على أنه لم يتقصد يوم الجمعة.

стр. 1021

ففي هذه الصورة لا بأس إن شاء الله أن يصوم ولا حرج عليه. = القول الثاني: أن صيام يوم الجمعة محرم. - لقوله: (لا تصوموا). والأصل في النهي التحريم. وإلى هذا ذهب شيخ الاسلام ﵀ أخذاً بظاهر الحديث. ولأن النبي ﷺ دخل على بعض أزواجه وهي صائمة في يوم الجمعة فقال أصمت بالأمس قالت لا ثم قال أتصومين غداً قالت لا قال إذاً أفطري. فأمرها بالفطر وقطع العبادة. وهذا هو الراجح: أنه لا يجوز أن يتقصد الجمعة لأن هذا فيه محادة للشارع. فإن الشارع ينهى عن تقصد صيام يوم الجمعة وهو يتقصد صيام يوم الجمعة فالأقرب ما قاله شيخ الاسلام ﵀ أنه محرم. • ثم قال ﵀: والسبت. يعني: ويكره إفراد السبت بالصيام. والدليل على كرهية إفراد السبت بالصيام: - ما روي أن النبي ﷺ قال: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم). وتزول الكراهة بأن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده. بدليل: - أن النبي ﷺ لما نهى عن صيام يوم الجمعة أمر بأن يصام معه يوم قبله أو يوم بعده واليوم الذي بعده هو السبت. = والقول الثاني: وإليه ذهب جماهير علماء المسلمين: أن صيام السبت على سبيل الإفراد أو التبع جائز ولا حرج فيه. وإلى هذا ذهب عدد من المحققين الأفذاذ منهم شيخ الاسلام بن تيمية ﵀. وأجابوا عن الحديث الذي فيه: لا تصوموا يوم السبت. بأنه حديث شاذ منكر ولا يثبت عن النبي ﷺ وإن ثبت فهو منسوخ. لكن الجواب الصحيح عندي أنه حديث ضعيف ضعفه عدد كبير من الحفاظ منهم: الإمام أحمد والإمام مالك والإمام النسائي وغيرهم من الحفاظ. وقد أبعد جداً من صحح هذا الحديث من المعاصرين وخالف ما عليه جمهور الأئمة من تضعيف هذا الحديث. فالراجح بناء على التقرير جواز إفراد السبت بالصيام. فلو أراد الإنسان أن يصوم السبت فقط تطوعاً لله وتقرباً فلا حرج عليه. • ثم قال ﵀: والشك. يعني: يكره أن يفرد الإنسان صيام يوم الشك. ونحتاج إلى مسألتين: الأولى: ما هو يوم الشك؟. والثانية: الدليل.

стр. 1022

- فالمسألة الأولى: ما هو يوم الشك: = عند الحنابلة هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء صحو ولم ير الهلال. فحكم صيامه: أنه مكروه. = القول الثاني: أن يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كان على السماء غيم أو قتر أو غبار. والراجح هو القول الثاني: - لأن يوم الثلاثين إذا كانت السماء صحواً ولم ير الهلال فلا يوجد شك بل الأمر متضح أن شهر رمضان لم يدخل. - والمسألة الثانية: الدليل على الكراهة. - الأول: قول النبي ﷺ : (لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين). ومن صام يوم الشك فقد تقدم رمضان إما بيوم أو بيومين. - والثاني: قوله ﷺ :من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصا أبا القاسم. وصيام يوم الشك مكروه عند الحنابلة. = والقول الثاني: أنه محرم. - لأن المعصية في لفظ الشارع لا تكون على المكروه بل على المحرم. ويقصد بالنهي عن صيام يو م الشك إذا صامه الإنسان احتياطاً لرمضان. • ثم قال ﵀: ويحرم: صوم العيدين ولو في فرض. يعني: ويكره إفراد العيد للكفار بصوم. يكره للإنسان أن يفرد يوماً من أيام السنة يوافق عيداً من أعياد الكفار بالصيام. والدليل على الكراهة: - الأول: أن في إفراد هذا اليوم تعظيماً لشعائر المشركين والكفار ولا يجوز للمسلم أن يعظم شعائر الكفار. - والثاني: قوله ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم). وهذا قد تشبه بهم بتعظيم يوم يعظمونه. والذي يظهر من الأدلة أن إفراد يوم من أيام الكفار بالصيام محرم وليس بمكروه فقط لأن مقتضى الأدلة التي استدلوا بها أن هذا العمل محرم وليس بمكروه. ثم انتقل المؤلف ﵀ إلى الأيام التي يحرم على الإنسان أن يصومها: • فقال ﵀: ويحرم صوم العيدين ولو في فرض. المقصود بالعيدين: عيد الفطر وعيد الأضحى. فلا يجوز للإنسان أن يصوم عيد الفطر ولا عيد الأضحى. - لأنه ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ نهى عن صيان يوم الفطر ويوم الأضحى. فإن صام: فإن صيامه باطل. - لأنه منهي عن الصيام في هذين اليومين فصيامه فيها محادة للشارع. قوله: ولو في فرض.

стр. 1023

لأن الحديث عام لم يستثن أن يكون هذا الصيام قضاء لفرض معين أو لنذر معين أونفل أو أي نوع من أنواع الصيام. • ثم قال ﵀: وصيام أيام التشريق. صيام أيام التشريق محرم. - لقول النبي ﷺ أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله. بناء على هذا: من وجبت في ذمته كفارة صيام شهرين متتابعين فإنه يجب أن يفطر في أيام التشريق وهذا الفطجر لا يقطع التتابع لأنه لعذر شرعي. كما أنه أيضاً يفطر في يوم العيد تماماً لأن صيام هذه الأيام محرم بنص الحديث. فقد جعلها الشارع من أيام الأكل والشرب فكيف يجعلها الإنسان من أيام الإمساك عن الأكل والشرب. إذاً يحرم على الإنسان أن يصوم أيام التشريق. يستثنى من هذا ما ذكره المؤلف ﵀: • بقوله: إلاّ عن دم متعة وقران. إذا وجب على الإنسان في الحج دم متعة أو قران. يعني: من تمتع بالحج أو حج قارناً ووجبت عليه ذبيحة - دم - ولم يجد فإنه يجب أن يصوم فإذا وجب عليه الصيام جاز له أن يصوم في أيام التشريق. - لقول عائشة ﵂ لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي. فهذا الحديث هودليل على تحريم صيامها وجوازه لمن لم يجد الهدي لأنها قالت لم يرخص. وتقدم معنا أن الرخصة تأتي في الأمر المحرم. • ثم قال ﵀: ومن دخل في فرض موسع: حرم قطعه. الفرض الموسع يقصد: بالموسع: يعني ك من جهة الوقت. كالصلوات المفروضة في أول أوقاتها أو قضاء رمضان قبل أن يتضايق الوقت أو النذر المطلق فكل هذه الأشياء واجبة وجوباً موسعاً. فإذا دخل الإنسان في هذا الواجب الموسع حرم عليه أن يقطعه. والدليل على هذا: - أنه شرع في الواجب فلا يجوز له أن يقطعه. - ولقوله تعالى: - (وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) -[محمد/٣٣]. فإذا بدأ الإنسان بالصيام حرم عليه أن يقطعه إذا كان قضاء أو نذر وإذا بدأ الإنسان بالصلاة وشرع فيها وكبر تكبيرة الإحرام فإنه يحرم عليه أن ينفتل من صلاته بل يجب عليه وجوباً أن يتم هذه الصلاة فإن قطعها فهو آثم لأن قطع العبادة الواجبة إذا شرع فيها الإنسان محرم ومن فعل محرما أثم. • ثم قال ﵀: ولا لايلزم: في النفل.

стр. 1024

أي ولا يلزم الإنسان إذا شرع في النفل أن يتمه. فقوله: (ولا يلزم) يعني: الإتمام. سواء كان هذا النفل صلاة أوصيام أو صدقة أو ذكر أن تسبيح أو أي نوع من أنواع العبادات. والدليل على ذلك: - ما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ دخل على عائشة فقالت أهدي لنا حيس فقال النبي ﷺ أرنينيه فقلد أصبحت صائماً. ففي هذا الحديث دخل النبي ﷺ وقد عزم على صيام النفل ومع ذلك أفطر وأكل من هذا الطعام الذي أهدي لهم ﷺ فدل هذا الحديث على أن الإنسان إذا بدأ بالنفل لا يجب عليه أن يقطعه. وهذا الحديث وإنكان في الصيام إلا أنه يقاس عليه كل العبادات. لكن ذهب الحنابلة إلى أن من شرع في نفل فيستحب له أن لا يقطعه مع الجواز. • ثم قال ﵀: ولا قضاءُ فاسده. أي لا يجب قضاء فاسد العبادة التي دخل فيها الإنسان على سبيل التنفل. فلا يجب أن يتمها زلا يجب أن يقضيها إذا فسدت. والدليل على هذا: - أن ما كان أصله ليس واجباً فلا يجب قضاء فاسده. • ويستثنى من هذا الحج كما قال المؤلف ﵀: إلاّ الحج. ويستثنى الحج في المسألتين: فيجب إتمام نفله. ويجب قضاء فاسده. إذاً الاستثناء بالنسبة للحج يرجع إلى المسألتين: الإمام والقضاء. وسيأتي مفصلاً في الحج إن شاء الله. ثم انتقل المؤلف ﵀ إلى الكلام عن ليلة القدر: • فقال ﵀: وترجى ليلة القدر: في العشر الأواخر. ترجى ليلة القدر في العشر الأخير من رمضان لما - صح في البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال: (تحروا ليلة القدر في العشر الأخير من رمضان). - ولأن النبي ﷺ كان يصوم العشر الأول ثم الوسطى ثم في سنة لما صام الوسطى وكان في معتكفه رفع الستر عن خباءه وتحدث مع الناس حتى اجتمعوا ثم قال: إنه قد أوحي إليًّ أن أتحراها في العشر الأخير فمن اعتكف في الوسطى فليعتكف معنا إن شاء في الأخيرة). فهذا الحديث نص مع الأحاديث السابقة على أن ليلة القدر يتحراها الإنسان في العشر الأخيرة من رمضان. • ثم قال ﵀: وأوتاره آكد.

стр. 1025

الأوتار من العشر الأخيرة: هي خمس ليال: وهي اللبالي الأوتار: ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين وخمس وعشرين وسبع وعشرين وتسع وعشرين. هذه الليالي أرجاها: لقول النبي ﷺ تحروا ليلة القدر في الأوتار من العشر. وهذا أيضاً حديث صحيح ثابت. وعلى هذا جماهير الأمة أن ليلة القدر أرجى في الآحاد منها في غيرها من الليالي في الأشفاع من ليالي العشر. ثم بعد أن خصص من رمضان العشر وخصص من العشر الأوتار خصص أيضاً أكثر من ذلك: • فقال ﵀: وليلة سبع وعشرين أبلغ. قوله هنا: أبلغ: يعني: أرجى ولو أنه ﵀ عبر كما عبر هو نفسه في الإقناع بقوله: أرجى فلو عبر بنفس تعبيره الآخر لكان أوضح وأسهل من قوله: أبلغ. وعلى كل المعنى واضح: أن ليلة سبع وعشرين أبلغ. والدليل على هذا: - أنها أرجى ما ثبت في الحديث الصحيح أن أبي بن كعب ﵁ كان يحلف ولا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين قيل له: ما علامة ذلك؟ قال: علامة ذلك: ما أخبر النبي ﷺ أنها تطلع الشمس صبيحة ليلة القدر بلا شعاع. - وأيضاً ثبت عن ابن عباس أنها ليلة سبع وعشرين. - وعن غيره من أصحاب النبي ﷺ . = والقول الثاني: أنها ليلة إحدى وعشرين. - لما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: أريت أني أسجد في ماء وطين صبيحة ليلة القدر فلما أصبح من ليلة إحدى وعشرين سجد بعد أن أمطرت السماء فصار في جبهته وأنفه ماء وطين. = والقول الثالث: أنها في ليلة ثلاث وعشرين. - لما ثبت في الصحيح أيضاً: أن النبي ﷺ قال: أريت أني أسجد في صبحها بماء وطين فلما أصبح ليلة ثلاث وعشرين أمطرت السماء فسجد في الماء والطين ﷺ فخرج وأثرهما على جبهته. هذه الأقوال الثلاثة. وفي تحديد ليلة القدر أقوال كثيرة جداً اكتفيت بثلاثة لوضوح الأحاديث فيها. والصواب من هذه الأقوال أنها: تتنقل. فليست في ليلة واحدة دائماً بل كل سنة تكون في ليلة مختلفة. والدليل على هذا:

стр. 1026

- أنه لا يمكن الجمع بين النصوص الصحيحة الثابتة التي تعين ليلة القدر في أكثر من ليلة - دع عنك الضعيفة - إلا بهذا القول. فهي إذاً تتنقل. وهذا القول من محاسنه أن الإنسان لا يجتهد في ليلة واحدة معينة بل يجتهد في جميع الليالي. - - مسألة مهمة: يتحتم على الإنسان وينبغي ويتأكد أن يجتهد في كل العشر. والسبب في ذلك: أن الليالي الآحاد أو الأفراد - الأوتار - تختلف بتمام الشهر ونقصانه. فإذا تم صارت ليلة إحدى وعشرين هي ليلة إحدى وعشرين. وإن نقص تغيرت فصارت الشفع هي ليلة الآحاد. إذاً يختلف الأمر بين أن يتم الشهر وبين أن ينقص. ولذلك قال شيخ الاسلام ﵀: ينبغي أن يجتهد الإنسان في جميع الليالي. إذاً تبين من مسألتين: أن الإنسان ينبغي أن يجتهد جداً في جميع ليالي رمضان: - الأولى: أنها تتنقل. - والثانية: أن الآحاد تختلف بتمام أو نقصان الشهر. فعلى الإنسان أن يجتهد في كل ليلة اجتهاده كأنها هي ليلة القدر. • ثم قال ﵀: ويدعو فيها بما ورد. مما ورد: - ما جاء في حديث عائشة رضي اللهى عنها أنها سألت النبي ﷺ ما أقول إن وافقت ليلة القدر؟ فقال لها: قولي: (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني). فهذا الدعاء مما ينبغي أن يتحراه الإنسان في ليلة القدر. وبهذا الكلام انتهلا الكلام عن ليلة القدر. وتبين من خلال النصوص كقول النبي ﷺ : (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ذنبه). تبين من هذه النصوص أن المندوب في ليلة القدر الصلاة والدعاء والاستغفار. وأنه لم يأت نص صحيح ولا ضعيف يدل على استحباب العمرة في ليلة القدر بالذات سواء قلنا أنها ليلة سبع وعشرين أو غيرها من الليالي. وقد نبه شيخنا ﵀ هذا التنبيه المهم جداً وهو أن تحري ليلة القدر بالعمرة قد يكون بدعة. لأنه تخصيص بما لم يأت دليل من الشارع يدل على تخصيصه. العمرة خصت في شهر رمضان. (عمرة في رمضان تعدل حجة معي) ىما في ليلة القدر فليس في النصوص ما يدل على أنها مستحبة أو مندوبة فإذا رأى الإنسان أنه يستحب تخصيص هذه الليلة بالعمرة فقد ابتدع.

стр. 1027

فهذه من المسائل المهمة في الحقيقة لا سيما في وقتنا هذا مع تيسر الوصول إلى الحرم والتي ينبغي على طالب العلم أن ينبه الناس إليها. باب الإعتكاف . • ثم قال ﵀: باب الإعتكاف. ذكر المؤلف ﵀ باب الاعتكاف بعد أحكام الصيام وجعله ضمن كتاب الصيام لأمرين: - الأول: أنه لم يأت عن النبي ﷺ أنه اعتكف إلا في رمضان فيما عدا سنة واحدة سيأتي الحديث عنها. - الثاني: أن بعض أهل العلم اشترط للإعتكاف الصيام. فناسب لهذا أن يجعل باب الاعتكاف ضمن كتاب الصيام. قوله: باب الاعتكاف. الاعتكاف لغة: هو لزوم الشيء وحبس النفس عليه. سواء كان هذا اللزوم أو الحبس على جهة بر أو على جهة مباحة أو على جهة معصية. فمن حيث اللغة لا يختلف الأمر. وأما اصطلاحاً: فقد عرفه المؤلف: • بقوله ﵀: هو لزوم مسجد لطاعة اللَّه تعالى. وقد انتقد شيخ الاسلام ﵀ هذا التعريف ورأى أن الصواب أن يقول: لزوم مسجد لعبادة الله بدل لطاعة الله. وعلل ذلك: بأن الطاعة قد تنصرف لغير العبادة المحضة كالأعمال التي تكون عبادات بالنية كمن نام وقد نوى التقوي أو أكل وقد نوى التقوي. فهذا النوم والأكل والاستراحة تعتبر عبادة بالنية. فأراد شيخ الاسلام أن يقول أن الاعتكاف ليس لهذا النوع من العبادات وإنما هو للعبادة المحضة التي هي التذلل والخضوع لله. فيكون الصواب في التعريف أن نقول هو لزوم مسجد لعبادة الله. • ثم قال ﵀: مسنون. أي أن الاعتكاف مسنون ومستحب ومشروع. ودل على مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع. - أما الكتاب: فقوله تعالى: - (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) -[البقرة/١٨٧]. فدل هذا النص على أن الاعتكاف مشروع في الجملة. - أما من السنة: فأحاديث كثيرة وأعظمها ما ثبت وتواتر أن النبي ﷺ كان يعتكف في رمضان في العشر الأخير منه. - وأما الإجماع: فقد حكى أكثر من واحد أن الاعتكاف مسنون مندوب مستحب. • ثم قال ﵀: ويصح بلا صوم. يعني أن الاعتكاف يصح ولو لم يكن معه صوم.

стр. 1028

=وهذا مذهب الحنابلة - كما ترون - والشافعية واختاره ابن حزم ﵀. واستدلوا على هذا بأدلة: - الدليل الأول: ما جاء في الصحيح أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. زالليل ليس وقتاً للصيام. - الدليل الثاني: صح عن ابن عباس أنه قال: ليس بلازم على المعتكف أن يصوم. - الدليل الثالث: أنه لا دليل على اشتراط الصيام للاعتكاف. فالأصل صحة العبادة ومن اشترط شرطاً فعليه الدليل. = والقول الثاني: أنه لا يصح الاعتكاف إلا بصيام. فمن أراد أن يعتكف فلا بد أن يصوم وإلا بطل اعتكافه. وإلى هذا ذهب شيخ الاسلام ﵀. واستدل: - بأنه لم يحفظ عن النبي ﷺ أنه اعتكف قط وإلا وهو صائم ولا عن أصحابه أنهم اعتكفوا إلا وهو صائمون. - والدليل الثاني: أن الله قرن بين الصيام والاعتكاف في كتابه بقوله: - (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) -[البقرة/١٨٧]. والصواب مع الحنابلة ورجحان هذا القول بين وظاهر. والجواب عن قول شيخ الاسلام أن النبي ﷺ لم يعتكف: أنه اعتكف فإنه ﷺ لما اعتكف في سنة من السنوات اعتكف معه أزواجه كلهن فلما رأى النبي ﷺ ذلك ورأى الأخبية منتشرة في المسجد قال: آلبر أردن. فأكر بخبائه أن يزال وبأخبيتهن أن تزال وخرج من معتكفه ثم قضا الاعتكاف في شوال. فاعتكف العشر الأول من شوال. ومن المعلوم أن العشر الأول من شوال أولها عيد والعيد لا يجوز صيامه فتبين أنه اعتكف بلا صيام. إذاً هذا القول الذي مشى عليه المؤلف ﵀ وهو مذهب الشافعية واختيار بن حزم هو الصواب إن شاء الله. • ثم قال ﵀: ويلزمان بالنذر. يعني: أن الصوم والاعتكاف يصبحان واجبان على من نذر ذلك. - لعموم قول النبي ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه). وهذا يشمل أي عبادة ومن ذلك الصيام والاعتكاف. • ثم قال ﵀: ولا يصح: إلاّ في مسجد يُجْمَّع فيه. شمل كلام المؤلف ﵀ مسألتين:

стр. 1029

- - المسألة الأولى: أن الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد. وهذا القدر: أن الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد محل إجماع فقد أجمع العلماء أن الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد. واستدلوا على ذلك: - بقوله : (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) -[البقرة/١٨٧]. فربط الاعتكاف بالمسجد - وبأنه ﷺ لم يعتكف إلا في مسجد. - وبما ثبت في حديث عائشة أن النبي ﷺ كان إذا اعتكف لم يدخل داره إلا لحاجته أي التي لا بد منها. هذه هي المسألة الأولى وهي محل إجماع. - - المسألة الثانية: قوله: (إلا في مسجد يجمَّع فيه). يعني: يشترط في المسجد أن يجمَّع فيه أي تقام فيه الجماعات دون الجمعة فلا يشترط. = فالحنابلة يرون أنه يشترط في المسجد الذي يعتكف فيه الانسان أن تقام في الجماعات. الدليل: قالوا: الدليل على ذلك: - أنه يلزم من عدم ذلك: إما أن يترك صلاة الجماعة وهي واجبة. أو أن يخرج لها فيتكرر خروجه مما يقدح في اعتكافه لأنه يستطيع أن يتحرز عن هذا الخروج بأن يعتكف في مسجد فيه صلاة جماعة. هذا الدليل الأول. - الدليل الثاني: أنه روي عن ابن عباس وعائشة وغيرهما أنه يشرع الاعتكاف في المسجد الذي تقام فيه الجماعة. = القول الثاني: أنه يشترط للمسجد الذي يعتكف فيه الإنسان أن تقام فيه الجمعة. واستدلوا على هذا: - بقولهم: لأن لا يخرج مع إمكان التحرز من هذا الخروج. = والقول الثالث: وهو أخص الجميع: أنه لا يصح الاعتكاف إلا في المساجد الثلاثة. فإن اعتكف في غيرها بطل اعتكافه. واستدلوا على هذا: - بقول النبي ﷺ : (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة). ويقصد بالمساجد الثلاثة: المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى.

стр. 1030

والجواب عن هذا القول ودليله: أن هذا الحديث لا يصح مرفوعاً إلى النبي ﷺ بل هو من قول حذيفة فقد دخل حذيفة ﵁ على مسجد الكوفة الكبير فوجد الناس فيه معتكفين فقال: من أمركم بهذا فقالوا: ابن مسعود وأبو موسى فذهب منكراً وقال: لابن مسعود أعتكاف في غير المساجد الثلاثة فقال ابن مسعود: لعلك أخطأت وأصابوا. ولعلك نسيت وتذكروا. فأخذنا من هذه القصة أن رأي ابن مسعود وأبو موسى الأشعري جواز الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة. الراجح من هذه الثلاثة أقوال: المذهب. - أولاً: لقوة ما استدلوا به. - ولأنه مروي عن عدد من أصحاب النبي ﷺ جواز الاعتكاف في غير مسجد الجمعة واشتراط مسجد الجماعة. - ولأن حديثهم - أصحاب القول الثالث - ضعيف. واجتهاد ابن مسعود لا شك أنه أحب إلينا من اجتهاد حذيفة مع علو وفضل كلاً منهما ﵄ إلا أن ابن مسعود من أعلم أصحاب النبي ﷺ وبشهادة النبي ﷺ . • ثم قال ﵀: إلاّ المرأة ففي كل مسجد. يعني إلا المرأة فيجوز أن تعتكف في كل مسجد ولو في مسجد لا تقام فيه الصلوات الخمس. ويقاس على المرأة: كل من لا تجب عليه صلاة الجماعة: كالمريض وسائر أصحاب الأعذار. فكل هؤلاء يجوز لهم أن يعتكفوا في غير مسجد جماعة. لكن لابد في مسجد أيضاً. فيجوز لهم أن يعتكفوا في مسجد ولو كان هذا المسجد لا تقام فيه الجماعة لسبب أو لآخر. • ثم قال ﵀: سوى مسجد بيتها. أي: فلا يجوز أن تعتكف فيه. ومسجد البيت هو: المكان الذي خصصته المرأة للصلاة في بيتها. فهذا المسجد لا يجوز أن تعتكف فيه لأمرين: - الأول: أن المسجد عند الاطلاق ينصرف إلى المسجد المبني الذي تقام فيه الجماعة بنداء وإمام. - الثاني: أن أزواج النبي ﷺ كن يعتكفن في المسجد ولو كان الاعتكاف في البيت جائز لاعتكفن في البيت لأنه أستر وأحفظ. فبهذين الدليلين: تبين بلا شك أن المرأة لا يجوز لها أن تعتكف ببيتها وإنما تعتكف في المسجد. • ثم قال ﵀:

стр. 1031

ومن نذره أو الصلاة في مسجد غير الثلاثة - وأفضلها الحرام فمسجد المدينة فالأقصى -: لم يلزمه فيه. معنى هذه العبارة التي أدخل المؤلف فيها المسائل بعضها ضمن بعض. - المسألة الأولى: وهي المقصودة الآن: أن من نذر أن يصلي أو يعتكف في مسجد من المساجد فإنه لا يلزمه أن يعتكف في هذا المسجد المنذور. بل له أن يعتكف في مسجد آخر. - المسألة الثانية: غير الثلاثة: يعني أن هذا الحكم يستثنى منه المساجد الثلاثة فإذا نذر أن يعتكف في المساجد الثلاثة فلا بد وستأتي في كلام المؤلف. ونبقى إذاً في هذه المسألة: من نذر أن يعتكف أو أن يصلي في مسجد غير المساجد الثلاثة فلا يلزمه أن يصلي ولا أن يعتكف في هذا المسجد بل له أن يصلي أو أن يعتكف في أي مسجد. استدلوا على هذا: - بأن الشارع الحكيم لم يعين موضعاً خاصاً للعبادات فلا تتعين .... ((الأذان)). (بعد الأذان): قال شيخنا حفظه الله: - الدليل الثاني على عدم اللزوم: أنه لو ألزمناه بما نذر للزم من ذلك أن تشد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة فلو نذر أن يعتكف في مسجد خارج بلدته للزمه أن يشد الرحال إلى هذا المسجد. والنبي ﷺ يقول: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد). = القول الثاني في هذه المسألة: أن من نذر أن يعتكف في مسجد معين فإنه يلزمه أن يعتكف في هذا المسجد إلا إذا لزم من ذلك شد الرحال فلا يلزمه. = والقول الثالث: أن من نذر الاعتكاف في مسجد معين فلا يلزمه إلا إذا كان نذر ذلك لمزية شرعية في المسجد ككثرة الجماعة أو قدم المسجد أو أي مزية شهد لها الشارع بالاعتبار. وهذا اختيار شيخ الاسلام بن تيمية. والصواب والله أعلم القول الثاني: أن من نذر أن يعتكف في مسجد معين لزمه أن يعتكف في هذا المسجد إلا إذا ترتب على ذلك شد الرحال. والدليل على ترجيح هذا القول: - عموم قول النبي ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه).ووجوب الوفاء بالنذر يشمل أصل النذر ووصف النذر وهذا النذر موصوف بأنه في مسجد معين. إذاً هذا القول الثاني هو الصواب. بقينا في مسألة وهي: • قوله ﵀: (وأفضلها المسجد الحرام ثم النبوي ثم الأقصى). الدليل على هذا الترتيب:

стр. 1032

- ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (صلاة في مسجدي هذا بألف صلاة مما سواه إلا المسجد الحرام). - وجاء في حديث جابر وصححه بعض العلماء أن النبي ﷺ قال: صلاة في مسجدي هذا بألف صلاة إلا المسجد الحرام فهي بمائة صلاة من مسجدي هذا وصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة). فصار الترتيب حسب دلالة هذا الحديث: - المسجد الحرام: مائة ألف صلاة. - والمسجد النبوي: ألف صلاة. - والمسجد الأقصى: خمسمائة صلاة. فهذا الترتيب في الفضل ومضاعفة الأجر في الصلاة دليل على أن المسجد الحرام هو أفضل البقاع ثم يليه المسجد النبوي ثم يليه المسجد الأقصى. والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد. انتهى الدرس،،،

стр. 1033

قال شيخنا حفظه الله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. بالأمس انتهينا من مسألةإذا نذر الاعتكاف والصلاة في المسجد فإنه عند الحنابلة لا يلزمه أن يعتكف أو أن يصلي قي هذا المسجد وله أن يصلي في أي مسجد شاء مع الخلاف والترجيح. واليوم نبدأ ب: • قوله ﵀: وإن عين الأفضل: لم يجز فيما دونه. قوله: وإن عين الأفضل: لم يجز فيما دونه. هذه العبارة تتعلق بالمساجد الثلاثة فقط. وإن عين الافضل من المساجد الثلاثة لم يجز فيما دونه. بناء على ذلك: لو نذر أن يعكتف بالمسجد الحرام فلا يجوز ولا يفي بنذره لو اعتكف بالمسجد الأقصى أو في المسجد النبوي. ولو نذر أن يعتكف في المسجد النبوي فلا يجوز ولا يفي بنذره لو اعتكف في المسجد الأقصى. • ثم قال ﵀: وعكسه بعكسه. الدليل على المسألة الأولى: - قوله ﷺ : (من نذر الله فليطعه). وتقدم معنا أن هذا الحديث يوجب الوفاء بالنذر من حيث الأصل والوصف. والوصف هنا هو: أن يعتكف في مكان معين وهو: المسجد. • وقوله ﵀: وعكسه بعكسه. يعني إذا نذر أن يعتكف في المفضول جاز في الفاضل. فلو نذر أن يعتكف في الأقصى جاز في المسجد الحرام وفي المسجد النبوي.

стр. 1034

ولو نذر أن يعتكفق في المسجد النبوي فيجوز له أن يعتكف في المسجد الحرام ولا يفي بنذره لو اعتكف في المسجد الأقصى. والدليل على هذا: - أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ لما فتح مكة فقال يارسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المسجد. فقال له النبي ﷺ : (هاهنا فصل). فأعاد الرجل السؤال فقال له النبي ﷺ في المرة الثانية: (هاهنا فصل) فأعاد الرجل السؤال غفال النبي ﷺ : (شأنك إذاً). وهذا حديث صحيح فيه دلالة على أن الإنسان إذا نذر أن يصلي في مسجد من المساجد الثلاثة جاز له أن يصلي فيما هـ أفضل منه كما في هذه القصة. وفي هذا الحديث دليل على أن عدم الانقياد للأحكام الشرعية والتمسك بالظاهر قديم من عهد الصحابة وإن كان هذا ليس من أصحاب النبي ﷺ الملازمين له وكأنه من الذين جاءوا في فتح مكة. المهم: الحكم الذي يهمنا الآن أنه إذا نذر الإنسان شيئاً أن يصلي أوم أن يعتكف في مسجد من الثلاثة جاز له أن يصلي في غيره. وإنما قلنا أن هذا البحث الذي نتكلم عنه خاص بالمساجد الثلاثة لأنه تقدم معنا أن المؤلف ﵀ يرى أن من نذر الاعتكاف في مسجد يجوز له أن يعتكف في مسجد آخر. • ثم قال ﵀: ومن نذر زمناً معيناً: دخل معتكفه قبل ليلته الأُولى. إذا نذر الانسان أن يعتكف زماناً معيناً كالعشر الأخيرة من رمضان أو العشر الأولى من شوال أو العشر الوسطى من محرم أي زمن محدد فإن هذا الزمن يبدأ في الاعتكاف لكي يصدق عليه أنه أوفى بنذره بأن يدخل قبل ليلته الأولى. ولنجعل المثال الذي نوضح به المسألة: أن ينذر الاعتكاف في العشر الاخيرة من رمضان فيجب عليه ليوفي نذره أن يدخل قبل مغيب الشمس من اليوم العشرين بقليل قبيل مغيب الشمس ليصدق عليه أنه من أول ليلة الواحد والعشرين موجود في المسجد. واستدل الحنابلة على هذا الحكم بدليلين: - الدليل الأول: أن العشر الاخيرة من رمضان تبدأ بمغيب الشمس لليوم العشرين.

стр. 1035

- الدليل الثاني: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ لما اعتكف العشر الاوسط قال للناس من اعتكف معي فليعكتف في العشر الاخيرة. وجه الاستدلال بهذا الدليل من وجهين: ــ الأول: أن كلمة العشر بدون الهاء هي عدد لليالي. ولا تكون الليالي عشر إلا بإدخال ليلة الواحد والعشرين. ــ الثاني: أنه قال لهم هذا ﷺ قبيل ليلة الواحد والعشرين. ــ ثالثاً: هذا الدليل خاص بالعشر من رمضان ولا يصدق في غيرها من الاوقات وهو أن النبي ﷺ إنما اعتكف في العشر ليوافق ليلة القدر وليلة القدر ربما تكون ليلة إحدى وعشرين فلزم من هذا أن يبقى ويعتكف في هذه الليلة ليوافق ليلة القدر. = والقول الثاني: أن الدخول يكون في النذر الواجب بعد طلوع الفجر منم اليوم الواحد والعشرين أو في نذر العشر النفل بعد صلاة الفجر. إذاً القول الثاني: أن يدخل إذا كان نذراً واجباً بعد طلوع الفجر مباشرة يعني قبيل طلوع الفجر يكون بالمسجد ليصدق عليه أنه من أول الفجر موجود في المسجد. وإذا كان يعتكف تنفلاً في العشر الاخيرة فمن بعد صلاة الفجر. والدليل على هذا القول المركب: - أن عائشة ﵂ قالت أن رسول الله ﷺ دخل معتكفه لما صلى الفجر من اليوم الواحد والعشرين. والجواب على هذا الحديث: أن المقصود أن النبي ﷺ دخل بعد صلاة الفجر المكان الذي خصصه للاعتكاف أي اعتزل الناس واختلا بنفسه وإلا فهو في المسجد من الليل , وإنما حملنا هذا الحديث هذا المحمل للنصوص الاخرى الدالة على أن العشر تبدأ من مغيب الشمس من اليوم العشرين. والقول الراجح إن شاء الله هو القول الاول وهو مذهب الحنابلة. لما بين المؤلف ﵀ البداية وهي قبل ليلته الاولى بين النهاية: • فقال ﵀: وخرج بعد آخره. المقصود بخرج بعد آخره يعني: بعد مغيب الشمس من آخر يوم من الايام التي نذر أن يعتكفها. فإذا خرج في هذا الوقت فقد صدق أنه نذر أو صدق عليه أنه أوفى بنذره باعتكاف عشرة أيام.

стр. 1036

= إلا أنه يستحب عند الحنابلة بالنسبة للعشر من رمضان أن يبيت ليلة العيد في المسجد ويخرج من المسجد إلى المصلى مباشرة ولا ينام عند أهله تلك الليلة. واستدلوا على استحباب هذا الامر: - بأنه مروي عن بعض الصحابة وعن جماعة من السلف. وعللوا هذا بالاضافة إلى الآثار المروية: - بأن في هذا القرن بين العبادتين الاعتكاف وصلاة العيد. = القول الثاني: أنه يخرج إلى بيته إذا غابت الشمس ويذهب إلى مصلى العيد من بيته. والقول الثاني أقرب وليس في السنة ما يدل بوضوح على استحباب بقاء المعتكف إلى أن يخرج إلى صلاة العيد فليس في السنة هذا الامر مع أن النبي ﷺ اعتكف مراراً ولم يأت في حديث صحيح أنه خرج من المسجد إلى مصلى العيد مباشرة. وإن كان القول الأول وجيه ولذلك نص عليه الامام أحمد وأفتى به: أنه ينبغي ويستحب للإنسان أن يخرج من المسجد إلى مصلى العيد مباشرة وأن يبيت تلك الليلة يعني ليلة العيد في المسجد. واعتمد الامام أحمد على الآثار المروية عن جماعة من السلف. • ثم قال ﵀: ولا يخرج المعتكف: إلاّ لما لابد منه. شرع المؤلف ﵀ في بيان أحكام خروج المعتكف. وخروج المعتكف من المسجد ينقسم إلى أقسام: ــ القسم الأول: ما ذكره المؤلف ﵀ نصاً وهو قوله: (لما لابد منه) وهوأن يخرج المعتكف لأمر لابد له منه. فخروج المعتكف لأمر لا بد له منه جائز بالاجماع ولا يبطل الاعتكاف. - لما صحة عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذات اعتكف لم يخرج إلا بيته إلا لحاجته التي لابد منها. فهذا الحديث نص على أن الانسان يخرج لحاجته التي لابد منها. ومن أمثلة هذه الحاجة: قضاء الحاجة. إذا لم يكن في المسجد مكان لها. الاغتسال الواجب إذا لمخ يكن في المسجد مكان له. الطعام والشراب أذا لم يتهيأ من يحضره له وما جرى مجرى هذه الأمور كأن يحتاج إلى تناول دواء لا يمكن أن يتناوله في المسجد. وهذه أمثلة والقاعدة أن يخرج لأمر لابد له منه ولا يستطيع أن يبقة بدنه. فهذا هو القسم الأول وهو محل إجماع. • ثم قال ﵀: مشيراً إلى: القسم الثاني: ولا يعود مريضاً، ولا يشهد جنازة.

стр. 1037

ــ القسم الثاني: خروج المعتكف إلى قربة إلى عبادة كزيارة مريض وشهود جنازة يعني إلى عبادة ليست واجبة. فاختلف الفقهاء ﵏ في حكم خروج المعتكف لعبادة ليست واجبة: = فذهب الحنابلة إلى أنه لا يجوز له أن يخرج إلا بالشرط. واستدلوا: - بحديث عائشة السابق. واستدلوا أيضاً: - بأن عائشة ﵂ كانت إذا اعتكفت وخرجت إلى بيتها لما لابد لها منه قالت فكنت لا أسأل عن المريض إلا وأنا مارة. فهذان نصان على أن للمعتكف لا يخرج للقرب بدون شرط. = والقول الثاني: أن المعتكف له أن يخرج ولو لم يشترط إلى كل قربة محبوبة إلى الله سواء كانت شهود جنازة أو عيادة مريض أو صلة رحم أو أي عبادة محبوبة إلى الله. واستدل هؤلاء: - بأن هذا مروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أن للمعتكف أن يخرج لقربة ولو لم يشترط. والصواب كما هو واضح وظاهر مع الحنابلة لصراحة الأدلة التي تدلع أنه ﷺ لم يكن يخرج إلا لأمر ضروري يحتاج إلى الخروج له. ثم أشار المؤلف ﵀ إلى القسم الثالث بـ: • قوله ﵀: إلاّ أن يشترطه. وهو خروج المعتكف بالشرط. وهذه المسألة فيها فرعان: ــ الأول: مشروعية الشرط من حيث هو: = ذهب الجمهور إلى أن الشرط مشروع - اشتراط المعتكف مشروع. وتنبني عليه آثاره وهي عدم بطلان الاعتكاف إذا خرج لما اشترط. واستدلوا: - بالقياس على الشرط في الحج. ووجه القياس: أن اللزوم في الحج أعظم منه في الاعتكاف بدليل: أن فاسد الاعتكاف لا يجب عليه قضائه وفاسد الحج يجب قضائه فاللزوم في الحج أعظم ومع ذلك جاز فيه الشرط ففي الاعتكاف من باب أولى. = والقول الثاني: أن الشرط لا أثر له ولا يشرع فإن خرج بطل اعتكافه ولو اشترط. واستدلوا: - بأنه ليس في الشرع ما يدل على مشروعية الاشتراط في الاعتكاف مع كون النبي ﷺ وأصحابه اعتكفوا ولم يأت عنهم ما يدل على مشروعية الاشتراط. والصواب بإذن الله مع الجمهور الذين أجازوا الاشتراط وأما أنه لم ينقل عن النبي ﷺ فلعله أنه لم يحتج إلى الاشتراط. ولذلك لم ينقل عنه ﷺ أنه فعله.

стр. 1038

فالراجح هو مشروعية الاشتراط وتأثيره في الاعتكاف. ــ الفرع الثاني: ما حدود الاشتراط. = ذهب الحنابلة إلى أنته يجوز أن يشترط الخروج لكل قربة ولكل أمر مباح لا يتنافى مع حقيقة الاعتكاف. أما القربة فذكرنا الامثلة فيما تقدم. وأما الأمر المباح الذي لا ينافي الاعتكاف ف: - كاشتراطه أن يتعشى كل ليلة عند أهله. - أو أن يخرج ليمكث عندهم ساعة. وأما المثال للأمر المباح الذي ينافي الاعتكاف فكاشتراط الجماع أو مباشرة الزوجة أو - وهذا المهم - أو الخروج للتجارة. فهذه ثلاثة أمثلة على الأمر المباح الذي ينافي الاعتكاف. فالحنابلة يرون جواز اشتراط العبادة - القربة والأمر المباح الذي لا ينافي الاعتكاف. = القول الثاني: وهو أضيق من الأول: أنه لا يشرع الاشتراط إلا للعبادات فقط دون الامر المباح وإلى هذا ذهب الشيخ المجد بن تيمية. والأقرب القول الأول إن شاء الله وهو مذهب أكثر العلماء لأنه ما دام أننا صححنا مشروعية الاشتراط فتضييقه يحتاج إلى دليل. وفهم من الخلاف الذي ذكرت أنه لا قائل بجواز اشتراط التجارة. بناء عليه: أرى أن الذين يشترطون الخروج للدوام أن اعتكافهم باطل. لماذا؟ لأن الدوام هو نوع من التكسب والتجارة فهو عمل يدر على صاحبه مكسب سواء كان هذا العمل وظيفياً أو أخذ صبغة التجارة فإن هذا التفريق حادث يعني لا أثر إنما المقصود أن يخرج للتكسب بأي وسيلة. بناء عليه: نقول للذين لا يستطيعوع ترك الوظائف أنه لا يشرع لكم الاعتكاف لا ينفعكم الشرط لكن الانسان إن شاء الله يبلغ الاجر بنيته وينتظر إلى أن تبدأ الإجازة ثم يشرع في الاعتكاف ولو من وسط العشر. ثم بدأ المؤلف ﵀ بذكر مبطلات الاعتكاف: • فقال ﵀: وإن وطئَ في فرج: فسد اعتكافه. الجماع مبطل للإعتكاف بالنص والإجماع. - أما النص فقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البقرة/١٨٧]. = وذهب الجمهور وعامة المفسرين إلى أن المباشرة فيث هذه الآية هي الجماع. وممن اختاره من المحققين الذين لأقوال أثر وثقل ابن جرير الطبري ﵀. اختار أن المقصود بالمباشرة في الآية هو الجماع. إذاً الجماع لا إشكال فيه.

стр. 1039

المسألة الثانية: المباشرة. المباشرة: مباشرة الزوجة محرمة بالإجماع ولكن اختلفوا هل تفسد أو لا تفسد؟ = فمن الفقهاء من قال تفسد قياساً على الجماع. = ومنهم من قال: المباشرة محرمة ولكنها لا تفسد الاعتكاف. واستدلوا على هذا: - بأن المباشرة لا تفسد الصيام فمن باب أولى أن لا تفسد الاعتكاف. لأن عبادة الصيام أعظم وألزم من الاعتكاف فإذا لم يبطل الصيام المباشرة فكذلك في الاعتكاف. وعرفنا من المسألة الثانية أن هناك فرقاً كبيراً بين المباشرة في الصيام والمباشرة في الاعتكاف. - المباشرة في الاعتكاف محرمة بالإجماع. - بينما المباشرة في الصيام فالصواب أنها جائزة إلا إذا خشي على نفسه. هي: والقبلة واللمس كما تقدم معنا. بقينا في: مسألة / الاستمناء. إذا استمنى ثم أنزل فاختلف الفقهاء هل يفسد أو لا يفسد. = والجمهور رأوا أن الاعتكاف يفسد. = والقول الثاني: أنه لا يفسد. - قياساً على المباشرة التي لا تفسد إذا كانت بدون إنزال. والأحوط للمعتكف الذي صنع هذا الصنع أن يجدد نية الاعتكاف. لأن الأقرب بطلانه في مثل هذا العمل. أيضاً نضيف من المبطلات: وهو أشار إليه المؤلف ولذلك لم نذكره مع المبطلات: - الخروج: إذا خرج الإنسان من الاعتكاف في الحال التي لا يجوز له أن يخرج فيها على التقسيم السابق بطل اعتكافه. والدليل على بطلان الاعتكاف: - حديث عائشة فإن النبي ﷺ لا يخرج إلا لحاجته ففي هذا دليل على أن الخروج يبطل. - كما أن النبي ﷺ إذا كانت له حاجة ليست شديدة فإنه لا يخرج كما في الحديث الصحيح أن عائشة كانت تمشط له شعره ﷺ وهو في المسجد. واختلف الفقهاء في المقدار الذي إذا خرجه المعتكف بطل اعتكافه: = فذهب الجمهور إلى أن خروج المعتكف خروجاً لا يجوز له يبطل الاعتكاف ولو قل. فإذا خرج فعليه أن يستأنف الاعتكاف. = وذهب الأحناف إلى أن الخروج الذي بطل هو الذي يكون نصف يوم فأكثر. واستدلوا على هذا: - بأن ما دون نصف اليوم يسير واليسير لا حكم له. وكأن الاحناف كأنهم يتكلمون عن من أراد أن يعتكف عشرة أيام لأن الإمسان إذا اعتكف عشرة أيام صار نصف اليوم يسيراً.

стр. 1040

لكن من أراد أن يعتكف يوماً فنصف اليوم في حقه كثير. فأنا لم أر أنهم صرحوا أن مقصودهم إذا اعتكف في العشر لكن فيما يظهر أن هذا مرادهم. وعلى كل حال الراجح مذهب الجمهور. لأن النصوص عامة. وهي تفيد أن الخروج يبطل والتخصيص بأي مخصص وتحديد أي مقدار بلا دليل ظاهر لا يمكن المصير إليه. • ثم قال ﵀: ويستحب: اشتغاله بالقرب. يستحب للمعتكف أن يشتغل أثناء الاعتكاف بالقرب ويتأكد في حقه جداً لأن هذا هو الغرض من الاعتكاف. والقر ب يقصد بها بالدرجة الأولى: - قراءة القرآن. - والتبتل. - والالحاح في الدعاء. - والتفكر في آيات الله. وما جرى مجرى هذه العبادات التي تسبب خضوع القلب والخشوع. مسألة / واختلف الققهاء: هل من ذلك تدريس العلم أو لا؟ = فذهب الإمام مالك ﵀ والإمام أحمد ﵀ إلى أنه لا يستحب أن يشتغل المعتكف بتدريس العلم. = وذهب الإمام أبو حنيفة والإمام الشافعي إلى أن هذا مستحب. والراجح بوضوح القول الأول وهو أنه لا يستحب الاشتغال بالعلم أثناء الاعتكاف وإنما يجعل المعتكف اعتكافه للعبادة ونفع القلب. والدليل على هذا: - أن سيد الخلق ﷺ ومن أرسل ليعلم الناس لم يكن يشتغل بالتعليم في الاعتكاف وإنما كان يخلو بنفسه ويبتهل ويجتهد في الدعاء. • ثم قال ﵀: واجتناب ما لا يعنيه. يستحب لكل أحد أن يجتنب ما لا يعنيه ويتأكد هذا في حق المعتكف. - لقول النبي ﷺ : (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه). ومما يتأكد جداً تركه في الاعتكاف المراء والنقاش والجدال فإن هذه الأمور تؤدي إلى ضد المقصود من الاعتكاف فهي تقسي القلب وتبعده عن الله. وسواء كان الجدال والمراء في العلم أو في غيره وسواء قلنا يستحب الاشتغال بالعلم أو لا يستحب فعلى جميع هذه الأقوال فإن الجدال مذموم وهو مما يقسي القلب ومثله المراء وما جرى مجرى هذه الألفاظ مما يشغل ويقسي القلب. وبهذا المقدار انتهى الكلام على باب الاعتكاف وبه ولله الحمد انتهى الكلام على كتاب الصيام ونبدأ بالكلام على كتاب المناسك. يتبع الدرس = كتاب المناسك.

стр. 1041

شرح كتاب المناسك الدرس رقم (١) كتاب المناسك - قال ﵀: كتاب المناسك. جعل المؤلف ﵀ المناسك في آخر العبادات: - لتتوافق مع حديث: "بني الإسلام على خمس" فإنه جعل الحج آخر الأركان. هذا من جهة. - ومن جهة أخرى: أن الأركان الأخرى تتكرر في كل سنة بينما الحج فيجب في العمر مرة واحدة فناسب أن يؤخر. - وقوله ﵀: كتاب المناسك. المناسك: جمع منسك. والمنسك ينطق: بالفتح وبالكسر. - فإن نطقته بالفتح: فالمقصود المصدر أي التعبد لله. - وإن نطقته بالكسر: فالمقصود مكان العبادة. والمناسك مأخوذة من: الذبيحة. ويقصد بالذبيحة: النسيكة - يقصد بها هنا -: التي تذبح تقرباً إلى الله. ثم توسع مدلول هذا اللفظ ليشمل جميع العبادات، ولذلك يسمى العابد ناسكاً، ثم أصبح هذا الاسم علماً على الحج: - لكثرة الأعمال والعبادات فيه. - ولكثرة ما يراق فيه من الدماء. فإذاً: هذا هو معنى المناسك. • وأما الحج فهو: - في اللغة: قصد ما يعظم. وإنما عرفنا الحج: - لأن بعض أهل العلم يقول: كتاب الحج. - وبعض أهل العلم يقول: كتاب المناسك. - وبعض أهل العلم - وكلهم من الحنابلة - يقول: كتاب الحج والمناسك. والأمر واحد لكن لما اختلف التعبير رأيت أن أذكر تعريفاً لكل منهما، فالحج هو: قصد ما يعظم. ومن القصور أن نقول: الحج هو القصد فقط، فإن القصد المطلق لا يسمى حجاً فلابد أن يقصد الإنسان شيئاً معظماً، بل إن بعضهم قال لا يسمي الحج حجاً إلا إذا قصدت شيئاً معظماً مكرراً، يعني إذا صار يعتاد المجيء إلى هذا المعظم سمي حجاً، وهذا في اللغة. - أما في الاصطلاح: فهو: قصد مكة لأداء المناسك في وقت مخصوص. - ثم قال ﵀: الحج والعمرة واجبان. الحج واجب في: الكتاب والسنة والإجماع. - أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ - وأما السنة فقوله ﷺ : (بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله .. إلى أن قال .. وحج بيت الله الحرام).

стр. 1042

- وأما الإجماع فحكاه عدد من أهل العلم بأن الحج واجب. والحج أعظم وأكبر من أن يكون واجباً بل هو ركن من أركان الإسلام. والحج مفروض في السنة التاسعة. والقول بأنه مفروض في السنة التاسعة هو مذهب الجمهور واختاره من المحققين ابن القيم ﵀. والدليل على ذلك: - أن الآية الدالة على وجوب الحج نزلت في صدر سورة آل عمران. وصدر سورة آل عمران أيضاً جاء فيها إيجاب الجزية وهي متوافقة مع الوفود الذين وفدوا على النبي ﷺ وكل ذلك كان في السنة التاسعة. - ثم قال ﵀: والعمرة: واجبان. = ذهب الحنابلة إلى أن العمرة أيضاً واجبة. واستدلوا بأدلة: - الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾. والجواب عليه: أن الآية أمرت بالإتمام ولم تأمر بأصل الفعل. فهناك فرق بين إتمام الفعل بعد الشروع وبين إيجاب الشروع به. - الدليل الثاني: قوله ﷺ لما سأله النساء هل على النساء من جهاد؟ فقال ﷺ : (نعم عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة). وجه الاستدلال: أن على - كما قال الأصوليون - تأتي للوجوب - وهو يقول: (عليهن). والجواب عليه: أن لفظة: (والعمرة) شاذة ولذلك أخرج البخاري ﵀ هذا الحديث بدون قوله: (والعمرة)، وإنما قال: (عليهن جهاد لا قتال فيه: حج مبرور). ولم يذكر العمرة. - والدليل الثالث: قوله ﷺ : (العمرة حج أصغر أو الحج الأصغر). وهو لفظ جاء في كتاب عمرو بن حزم وهو كتاب تلقته الأمة بالقبول. - والدليل الأخير: قوله ﷺ لأبي رزين: (حج عن أبيك واعتمر). = القول الثاني: أن العمرة واجبة على الآفاقي ولا تشرع للمكي. ومنهم من قال: واجبة على الآفاقي وليست بواجبة على المكي. واستدلوا على هذا: - بأن ابن عباس كان يرى وجوب العمرة وكان يقول لأهل مكة ليس عليكم عمرة. - والدليل الثاني: أن الركن الأعظم للعمرة هو الطواف وأهل مكة يكثرون من الطواف. = والقول الثالث: أن العمرة ليست بواجبة بل مندوبة. واستدل هؤلاء بأدلة:

стр. 1043

- الدليل الأول: أن الله لما ذكر وجوب الحج لم يذكر معه وجوب العمرة فقال: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾. ولم يذكر العمرة بينما لما كان إتمام العمرة واجبة ذكرها فقال ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾. فكونه تعالى يذكر العمرة في الإتمام دون الوجوب دليل على أنها لا تجب. - الدليل الثاني: أن النبي ﷺ حج وحج معه أمم لا يحصون كلهم لأداء الفريضة: ومنهم المفرد. ومع ذلك لم ينقل عن النبي ﷺ أنه أمر المفردين: - لا بأن يعتمروا بعد الحج. - ولا بأن يرجعوا بعد ذلك ليؤدوا العمرة وقد انصرفوا وهم يرون أنهم قد أدوا فرض الله فهذا دليل على أن العمرة ليست بواجبة. - الدليل الأخير: أن النبي ﷺ ذكر وجوب الحج ولم يذكر وجوب العمرة كما في حديث: (بني الإسلام على خمس). وأوضح منه في الدلالة: - الرجل الذي جاء يسأله ﷺ عن شعائر الإسلام فأمره بالصلاة والزكاة والحج فقال الأعرابي: لا أزيد على ذلك. ولم يأمره بالعمرة. بناء على هذه الأدلة التي أرى أنها قوية جداً وواضحة وهي تنصرف للأصول: أرى أن القول بعدم الوجوب هو الراجح وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام بن تيمية وذلك: - لوضوح الأدلة الدالة على عدم الوجوب. - وأن الأصل براءة الذمة. - ثم قال ﵀: على المسلم الحر المكلف القادر. يريد المؤلف ﵀ – أن يبين شروط الوجوب، فإنه لما بين أن الحج واجب أراد أن يبين: شروط الوجوب. - فقال ﵀: على المسلم. يشترط لوجوب الحج أن يكون: الشخص مسلماً. - لأن العبادة لا تقبل من غير المسلم. - ولقوله تعالى: ﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله﴾. فدلت الآية على: أن المانع من قبول النفقة وهو نوع من العبادة: الكفر. والحج عبادة بدنية مالية. وشرط الإسلام: - شرط وجوب وصحة. وتقدم معنا المقصود بقول الفقهاء ﵏: أنه لا يجب على الكافر العبادة الفلانية أو العبادة الأخرى. وأن المقصود ليس عدم المؤاخذة أو عدم التأثيم أو عدم المحاسبة يوم القيامة، وإنما المقصود عدم المطالبة بالأداء أو القضاء.

стр. 1044

- ثم قال ﵀: الحر. الحرية شرط لوجوب الحج وإجزائه وليست شرطاً لصحته. الدليل على اشتراط هذا الشرط: - - أن العبد منافعه مملوكة لسيده فالزمن ليس له وإنما لسيده. - - ولقول النبي ﷺ فيما يرويه ابن عباس: (أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة الإسلام وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة الإسلام). واختلفوا في هذا الحديث: = فمنهم من حكم عليه: بالوقف. = ومنهم من حكم عليه: بالرفع. وبكل حال هو حجة لأنا لو حكمنا عليه بالوقف فهو فتوى صحابي ليس لها مخالف وتحتمل بقوة حكم الرفع. بناء على هذا: نقول إذا حج العبد ثم عتق: فيجب عليه أن يحج حجة الإسلام، وكذلك الصبي. - ثم قال ﵀: المكلف. المكلف هو: البالغ العاقل، فهذا لا يجب عليه أن يحج. والتكليف: شرط وجوب وإجزاء دون الصحة. والدليل على اشتراط هذا الشرط: - قوله ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة: - وذكر منهم - المجنون حتى يفيق والصغير حتى يبلغ). بناء عليه: • إذا أفاق المجنون وقد حج فنقول له: عليك حجة الإسلام. • وإذا بلغ الصبي وقد حج فنقول له: عليك حجة الإسلام. وهذا مبني على تصحيح حج المجنون: = فمن الفقهاء من قال: المجنون لا يصح منه الحج. لا منه ولا من وليه فلا يصح منه مطلقاً. = ومنهم من قال: المجنون يشبه تماماً الصبي غير المميز. فإذا صح حج الصبي غير المميز فيصح أن يحج المجنون وينوي عنه وليه، وهذا القياس جلي وواضح. والراجح إن شاء الله: أن حج وعمرة المجنون إذا تولاه الولي صحيح وله الأجر يوم القيامة أي: للمجنون. كما أن الصبي غير المميز له الأجر يوم القيامة. - ثم قال ﵀: القادر. من شروط وجوب الحج: القدرة. وشرط القدرة من الشروط الذي سيفصل فيه المؤلف ﵀ تفصيلاً طويلاً لكن اشتراط القدرة من حيث هو: مجمع عليه. - لقوله تعالى: ﴿من استطاع إليه سبيلا﴾. فإذا لم يستطع لأي سبب مما سنذكره إذا تعرض المؤلف ﵀ لتفصيل هذا الشرط فإنه لا إثم عليه إن شاء الله. - ثم قال ﵀: في عمره مرة. اتفق الفقهاء: على أن وجوب الحج في العمر مرة وأن من أدى فرضه فلا يجب عليه أن يحج مرة أخرى.

стр. 1045

- لأن النبي ﷺ لما خطب الناس وبين وجوب الحج قال له رجل: أفي كل عام هي يا رسول؟ الله فقال رسول الله ﷺ : (لا. ولو قلت نعم لما استطعتم). فهذا الدليل نص على: أن الحج يجب في العمر مرة واحدة. - ولقوله فيما يروى عنه ﷺ : (من حج مرة فما زاد فهو تطوع). وعلى كل حال كون الحج يجب في العمر مرة واحدة: محل إجماع. ودل عليه الحديث الصحيح الذي ذكرت. - ثم قال ﵀: على الفور. يعني: أن من استطاع أن يحج ولم يحج فهو آثم لأن الحج يجب على الفور. والدليل على أن الحج يجب على الفور من وجهين: - الوجه الأول: أن الصواب في مسألة الأوامر أنها على الفور. وهي مسألة أصولية ستأتيكم مطولة وهي مهمة جداً، فالأصل: أنه إذا أمر الإنسان بأمر فإن المقصود به أن يأتي به على الفور. - الوجه الثاني: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (من وجد يسراً ثم لم يحج فلا عليه إن شاء أن يموت يهودياً أو نصرانياً). وفي الباب آثار كثيرة عن أصحاب النبي ﷺ تدل على أن الحج واجب على الفور. - ثم قال ﵀: فإن زال الرق والجنون والصبا في الحج بعرفة ... صح فرضاً إذا زال المانع في عرفة صح حجه فرضاً. والدليل على صحة حج الصبي إذا بلغ والمجنون إذا أفاق [والعبد إذا أعتق] من وجهين: - الوجه الأول: أنه أتى بالمناسك وبركن الحج وهو عرفة وهو على صفة الكمال. وصفة الكمال هنا البلوغ والحرية. - الوجه الثاني: أن ابن عباس أفتى من بلغ أو أفاق من الجنون أنه إن أفاق بعرفة صح حجه فرضاً وإن أفاق ليلة جمع بقي نفلاً. فإذاً الدليل: أثر عن ابن عباس والتعليل الذي ذكرت. ويلحق بما ................ ((انقطاع في التسجيل)). .... لأنه تبين أن إحرامه كان على جهة الفريضة وهذا الخلاف لا أثر له على صحة النسك وأنه يجزئ عنه فريضة، إنما الخلاف فيما قبل يوم عرفة هل يبقى نفلاً؟ أو ينقلب إلى فرض، والأمر يسير. وثمرة الخلاف أكثر ما تكون في الأجر فإن ثواب الفرض أعظم من ثواب النفل. انتهى التسجيل ......

стр. 1046

شرح كتاب المناسك الدرس رقم (٢) قال شيخنا حفظه الله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. تقدم معنا في درس الأمس الكلام عن: إذا زال الرق والجنون والصبا في الحج بعرفة والأحكام التي تتعلق بهذه المسألة. - ثم قال ﵀: في المسألة التالية: وفي العمرة قبل طوافها: صح فرضاً. أي إن زالت هذه الموانع بعد الإحرام بالعمرة وقبل الشروع في الطواف أيضاً: صحت فرضاًَ، فإن شرع في الطواف أو طاف وانتهى: ثبتت نفلاً ولم تنقلب فرضاً، فيشترط لصحة وقوع العمرة فرضاً أن يزول المانع قبل البدء بالطواف. - لأن طواف العمرة هو الركن الأكبر فيها وغالب أعمالها كما تقدم معنا في الدرس السابق. - وقوله ﵀: صح فرضاً. هذا بناء على المسألة السابقة وهي: أن العمرة واجبة. - ثم قال ﵀: وفعلهما من الصبي والعبد: نفلاً. قوله: وفعلهما من الصبي ... : نفلاً. يعني: ويصح حج الصبي وأن يعتمر ويصبح نفلاً. والصبي ينقسم إلى قسمين: ١ - مميز. ٢ - وغير مميز. - فالمميز ينوي هو بنفسه. ويأتي بما يستطع من واجبات وأركان الحج. وما لا يستطيع منها يؤديه عنه وليه. - وأما: غير المميز: فغير المميز: لا نية له ويؤدي النية عنه الولي. ثم يؤدي الصبي ما استطاع من الأعمال ويقوم الولي بما لم يستطع من الأعمال. * * مسألة/ وهي مهمة وتكثر الحاجة إليها: * إذا كان الصبي غير المميز لا يستطيع أن يطوف * - فالحكم: أن يطوف به وليه. فإن كان الولي محرماً أيضاً: فإن الولي سيحمل الطفل ويطوف به. ونحن نتكلم عن الطفل غير المميز لأنا انتهينا من الكلام عن الطفل المميز. * فإذا حمل الولي الطفل غير المميز وطاف به: فاختلف أهل العلم في هذا الطواف هل يكون للحامل؟ أو للمحمول؟ أو لهما؟ = فالقول الأول: أن هذا الطواف: لهما. فيجزئ عن الولي الحامل وعن الصبي المحمول. واستدل هؤلاء: - بأن المرأة التي رفعت صبياً وسألت النبي ﷺ ألهذا حج؟ فقال النبي ﷺ : (نعم ولك أجر).

стр. 1047

ولم يبين أنها إذا حملته وهي محرمة فإنه لابد أن تأتي بطواف لها وبطواف له. فإن هذا القدر لم يذكر في الحديث. =والقول الثاني: أنه يكون للحامل دون المحمول. يعني: للولي دون الصبي. واستدلوا على هذا: - بأن العمل الواحد لا يكفي عن واجبين إذا كان بنية واحدة. فالآن الناوي والطائف هو: الولي. وليس من الصبي: عمل ولا نية ولا يمكن أن يكون العمل الواحد يكفي عن فرضين بنية واحدة. = والقول الثالث: أنه يصح عن الصبي - عن المحمول دون الحامل وهو الولي. - وقالوا: أنه في هذه الصورة صار الحامل كالآلة والحكم للمحمول. والقول الصواب إن شاء الله: أن الطواف عن الصبي غير المميز إذا نوى عنه الولي يصح عنه وعن الولي. يعني: الراجح القول الأول. وسبب الترجيح: - أن المسلمين ما زالوا يطوفون بأطفالهم وبصبيانهم ولم يأت في الشرع قط ما يدل على أن الولي يحتاج أن يطوف أولاً عن نفسه ثم عن الصبي أو يطوف عن الصبي أولاً ثم عن نفسه بل ما زال الناس يطوفون طوافاً واحداً وهم يحملون الأطفال. وهذا التعليل يتوافق مع عموم حديث المرأة التي استأذنت النبي ﷺ في حج الصبي. وممن رجح هذا القول: أنه يجزئ عنهما: - الشيخ الفقيه ابن المنذر ﵀. - وأيضاً الفقيه الحافظ ابن حزم ﵀. - وأيضاً مال إليه ابن قدامة ﵀. وما ذهب إليه هؤلاء في الحقيقة قوي جداً وواضح. - ويضاف إلى الأسباب التي ذكرت: ما في هذا القول من التيسير على كثير من الناس الذين يحتاجون أن يطوفوا بأبنائهم وهم محرمون. - ثم قال ﵀: والعبد. يعني: ويصح حج العبد وعمرته. وتكون كما تقدم معنا نفلاً ويحتاج إذا عتق أن يأتي بحجة الإسلام. والدليل على صحة حج العبد: - أنه أهل للعبادة ويخلو من الموانع. فصحت عبادته. ولكن يشترط بالنسبة للعبد: أن يأذن السيد. لأنه تقدم معنا أن منافع العبد مستحقه للسيد. - ثم قال ﵀: والقادر: من أمكنه الركوب ووجد زاداً ومركوباً صالحين لمثله. بدأ المؤلف ﵀ بتفصيل الشرط الخامس الذي تقدم معنا وهو: القدرة على الحج. - فبدأ بقوله ﵀: والقادر: من أمكنه الركوب.

стр. 1048

من أمكنه الركوب هو: القادر. - ومن لم يستطع الركوب لأي سبب من الأسباب: سواء كان لمرض عارض أو لصفة جسدية دائمة إذا كان لا يستطيع أن يركب: فإنه لا يجب عليه أن يحج: لأنه لن يستطيع أن يصل إلى المشاعر إلا بالركوب. وهذا الشرط: • يتعلق بالشخص البعيد عن مكة. • أما بالنسبة للقريب الذي يستطيع أن يصل عادة وهو ما كان دون مسافة القصر فإنه لا يشترط له ذلك إذا كان يستطيع أن يمشي إلى مكة. ثم بين الشرط: - فقال ﵀: ووجد زاداً ومركوباً. = ذهب الحنابلة والجماهير إلى أن الاستطاعة تحصل بملك الزاد والراحلة. الحنابلة والشافعية والأحناف وجماعة كبيرة من السلف ذهبوا إلى أن الاستطاعة المذكورة في الآية هي: أن يجد الزاد والراحلة. بناء على هذا: مناط الوجوب عند هؤلاء أن يجد مالاً. وهو ما صرح به الإمام أحمد ﵀، فإن لم يجد مالاً يشتري به الزاد والراحلة أو لم يوجد عنده أصلاً الزاد والراحلة فإنه لا يجب عليه أن يحج ولو كان قادراً ببدنه. إذاً: يجب أن تفهم أن مناط الوجوب عند هؤلاء وجود المال الذي يستطيع به أن يحج بواسطة الزاد والراحلة. الدليل على هذا: - أن النبي ﷺ فَسَّرَ قوله تعالى ﴿من استطاع إليه سبيلا﴾. فقال: (السبيل: الزاد والراحلة). وهذا الحديث جاء عن جماعة من الصحابة بطرق كثيرة موصولة، ومرسلة مرفوعة وموقوفة ضعيفة وضعيفة جداً وجاء من طرق كثيرة جداً وأفتى به الحسن البصري ناسباً إياه إلى النبي ﷺ واحتج به الإمام أحمد. فالأقرب والله أعلم أن أحاديث الزاد والراحلة: تصلح للاحتجاج بمجموعها وبكثرتها واختلاف المخارج وإفتاء السلف بها فكل هذه الأمور تدعم وتقوي أن حديث الزاد والراحلة يصلح للاحتجاج. بناءً على هذا: • من ملك زاداً وراحلة وجب عليه أن يحج. • ومن لم يملك الزاد والراحلة فإنه لا يجب عليه أن يحج ولا يأثم بذلك. = القول الثاني: وهو للمالكية فقط قالوا ﵏ أن الاستطاعة هي أن يتمكن من الوصول إلى الحرم بلا مشقة زائدة عن السفر المعتاد ولو مشياً. • فلا يشترط الراحلة إذا كان يستطيع أن يصل ببدنه.

стр. 1049

• ولا يشترط الزاد إذا كان يستطيع أن يتكسب أثناء الطريق وفي مكة بأي وسيلة كان التكسب. واستدلوا على هذا: - بأن هذا الشخص يصدق عليه أنه مستطيع. - وأن أحاديث الزاد والراحلة ليست صحيحة. والصواب إن شاء الله وبوضوح مع الجمهور. سبب الترجيح: أن الله في الحج خاصة اشترط الاستطاعة: ﴿من استطاع إليه سبيلا﴾ [آل عمران/٩٧]. ولم نجد أن الله اشترط الاستطاعة في الزكاة أو في الصيام أو في الصلاة أو في سائر العبادات. مع العلم أن شرط الاستطاعة موجود في كل العبادات. ولذلك النبي ﷺ يقول: (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً). فإذا وجدنا أن الله نص على اشتراط الاستطاعة في الحج دون سائر العبادات عرفنا أن هذا الشرط هو قدر زائد عن المشترط في العبادات الأخرى ولا يكون إلا بالمال. بالإضافة كما لا يخفاكم إلى حديث: الزاد والراحلة وأنه يصلح للاحتجاج وأفتى به جماعة من الفقهاء. بناءً على هذا: من لم يجد الزاد والراحلة لا يجب عليه أن يحج. ففي وقتنا هذا إذا لم يتمكن من الحصول على وسيلة نقل يصل من خلالها إلى مكة أو لم يجد مالاً يكفيه للأكل والشرب من خروجه من بيته إلى رجوعه فإنه لا يجب عليه أن يحج وقد سقط عنه الفرض ويصدق عليه أنه لا يستطيع. - ثم قال ﵀: صالحين لمثله. يعني: يجب أن تكون: - الراحلة صالحة لمثله. - والزاد صالحاً لمثله. والراحلة التي تصلح لمثله: يتحقق هذا بوجهين: - الوجه الأول: أن يكون الشخص لا يستطيع أن يركب على الراحلة إلا بوجود المحمل فإن ركب في غير محمل سقط. فالراحلة التي ليست لها محمل لا تصلح لمثله. - الوجه الثاني: أن يكون نوع المركوب لا يصلح لمثله لكونه كان من الشرفاء أو من الأغنياء أو من الوجهاء ممن لا يناسب معه أن يركب هذا المركوب. إذاً: فسرت مسألة أن يكون المركوب صالحاً لمثله بهذين الأمرين. بالنسبة للزاد: فكذلك: - الأمر الأول: أن لا يجد زاداً يصلح لمثله مما اعتاد على أكله وهو مناسب لمستواه المادي.

стр. 1050

- الأمر الثاني: أن لا يجد زاداً يصلح لمثله من حيث مرضه. يعني: لا يجد - مثلاً لو افترضنا أنه لا يجد - في الحج أكلاً يناسب واقعه الصحي ولا يجد إلا أكلاً لو أكله لتضرر به كمرضى السكر والضغط على سبيل المثال. فهذا لم يجد زاداً يصلح لمثله. = القول الثاني: أنه لا يشترط أن تكون الراحلة والزاد تصلح لمثله بل متى وجد أي راحله أو أي زاد وجب عليه أن يحج سواء كانت من المستوى المناسب لحاله أو من المستوى الذي لا يناسب حاله. والراجح والله أعلم. أنه يشترط أن تكون الراحلة والزاد مناسبة لحاله بالمعنى الأول دون المعنى الثاني. يعني: • يشترط في الأكل أن يناسبه من حيث المرض والصحة. • ويشترط في الراحلة أن يستطيع أن يركبها بأن لا يسقط أو يتضرر. أما المعنى الثاني: وهي أن تكون مناسبة لمثله من حيث الشرف والغنى والوجاهة فهذا غير معتبر. - ثم قال ﵀: بعد قضاء الواجبات. = يعني: أن الشرط يتحقق: إذا وجد المال الزائد عن قضاء الواجبات فإن كان لا يملك إلا مالاً يقضي به الواجبات فليس بمستطيع للحج. ويقصد بالواجبات هنا: الديون الحالة أوالمؤجلة التي لله أو للآدمي. ويقصد بها الزكاة التي لم تخرج من ذمته ويقصد بها الكفارات مهما كان نوع الكفارة. فهذه ثلاثة أنواع: - الديون. - والزكوات. - والكفارات. - فمن كان عليه دين يستغرق ما بيده من المال لم يجب عليه الحج. = والقول الثاني: أن الدين إذا كان مؤجلاً ويتمكن من أداء الدين بعد رجوعه من الحج من تكسبه بصنعة معينة أو بوجود راتب وظيفة يأتي منتظماً فإنه يجب عليه أن يحج ويعتبر مستطيعاً. - لأن هذا الدين لا يطالب به حالاً وهو يتمكن من الأداء بعد الحج. ولعل هذا القول أقرب والله أعلم. بناء عليه: الذين عليهم أقساط سواء كانت هذه الأقساط للسيارات أو للبيوت، والذين عليهم أقساط للبنك العقاري والذين عليهم ديون لأناس يمهلونهم ويقبلون بالسداد المقسط فكل هؤلاء يجب عليهم أن يحجوا إذا وجدوا مالاً يكفي لحج هذه السنة، بشرط كما تقدم: أن يكونوا من الذين يستطيعون قضاء الديون إذا رجعوا. - ثم قال ﵀: والنفقات الشرعية.

стр. 1051

يشترط في المال الذي يجب أن يحج الإنسان إذا وجد عنده: أن يكون زائداً عن النفقات الشرعية. - لقول النبي ﷺ : (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول). ويقصد بالنفقات: نفقة الرجل ونفقة جميع من يعول. أي نفقة الرجل ومن يجب عليه أن ينفق عليه. * * مسألة/ هل يشترط أن توجد النفقة من ذهابه إلى رجوعه فقط؟ أو يجب أن توجد النفقة على الدوام؟ = من الفقهاء من قال: يجب أن توجد النفقة على الدوام. فلا يجب عليه أن يحج إلا وقد أمن نفقته ونفقت أولاده على الدوام. إما بصنعة أو بإيجار أو بأي طريقة. = والقول الثاني: أن الواجب أن يؤمن نفقته ونفقة من يعول إلى أن يرجع من الحج فقط. ثم إذا رجع سعى في تحصيل النفقة. وهذا القول الثاني: هو الأقرب والله أعلم. أنه لا يجب عليه تحصيل النفقة على الدوام. وقال بعض المحققين أن هذا القول: (يشترط النفقة على الدوام)، يؤدي إلى عدم وجوب الحج على عامة الناس لأن كثيراً من الناس لا يملك النفقة على الدوام - يعني: نفقته لمدة سنين - فكثير من الناس لا يملكها في هذا الوقت الحاضر، وهذا يؤدي إلى عدم وجوب الحج على كثير من الناس وهذا من أوجه ضعف هذا القول. - ثم قال ﵀: والحوائج الأصلية. أي: يجب أن يكون المال الذي يحج به زائداً عن الحاجات الأصلية وإلا لم يجب عليه الحج. والحاجات الأصلية هي: التي لا يستغني عنها الإنسان ويحتاج إليها ولو لم تكن من الضروريات: كالمسكن والملبس والمركب والخادم وآلة العمل والكتاب الذي يقرأ فيه ونحو هذه الأمور التي يحتاج الإنسان إليها حاجة ملحة ولو لم تكن ضرورية. فإن كان عند الإنسان متاعاً زائداً عن حاجته الأصلية وجب عليه أن يبيعه وأن يحج به، مثل: أن يكون عند الإنسان أكثر من بيت أو أكثر من سيارة أو أكثر من أرض أو أن يكون عنده داخل البيت أغراض كثيرة لا تمس الحاجة إليها. بل إن الفقهاء ﵏ مثلوا بمن يجد أو بمن يوجد عنده كتابان - يعني: نسختين من كتاب واحد - فيجب أن يبيع إحدى النسختين ليحج. وهذا تدقيق منهم ﵏ أن الإنسان لا يجوز له أن يترك الحج وهو يملك من المتاع ما يستطيع أن يبيعه ويؤدي به فريضة الحج.

стр. 1052

- ثم قال ﵀: وإن أعجزه كبر أو مرض لا يرجى برؤه: لزمه أن يقيم من يحج ويعتمر عنه من حيث وجبا. معنى هذه العبارة: أن الإنسان إذا اكتملت فيه جميع شروط الوجوب السابقة - وهي خمسة إلا أنه لا يستطيع لكونه مريضاً أو لكونه شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يحج ففي هذه الحالة يجب عليه وجوباً أن ينيب من يحج عنه الفريضة. وهذا الذي يسميه الفقهاء: المستطيع بغيره، فهو لا يستطيع بنفسه لكنه يستطيع بغيره. ويشترط لوجوب الإنابة على هذا الشخص: أن يجد مالاً ونائباً وإلا لم يجب عليه أن ينيب. • فإن وجد نائباً ولم يجد مالاً: لم يجب عليه الحج بالإجماع. • وإن وجد مالاً ولم يجد نائباً: لم يجب عليه الحج. لكن اختلفوا في هذه المسألة: هل إذا وجد المال ولم يجد النائب تخلف في حقه شرط الوجوب أو شرط الأداء؟ والفرق بينهما: - أن شرط الوجوب إذا تخلف لم يجب في ذمته شيء أصلاً. - بينما شرط الأداء تكون العبادة واجبة في ذمته لكن لا يجب عليه أن يؤديها الآن، فإن مات وجب على الورثة أن يخرجوا من ماله من يحج عنه. يعني تبقى في ذمته. والصواب إن شاء الله: أن تخلف النائب أو عدم وجود النائب يعتبر إخلال بشرط الوجوب لا بشرط الأداء: لأنه يصدق عليه أنه لا يستطيع. بناء عليه: من مات وهذه حاله فلا يجب على الورثة أن يخرجوا من التركة من يحج عنه لأنه لم يجب عليه أصلاً. وعلى القول الثاني: يثبت في ذمته وجوب الحج فإن مات قبل أن يتمكن من وجود النائب وجب على الورثة أن يقيموا من يحج عنه. = القول الثاني: - في أصل المسألة - أن من لم يستطع بنفسه واستطاع بماله لا يجب عليه أن ينيب ولو ملك مالاً كثيراً. وإلى هذا ذهب الإمام مالك ﵀. واستدل: - بقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ [آل عمران/٩٧]. وهذا لا يستطيع إليه سبيلاً. فهو بنفسه لا يستطيع إليه سبيلاً فسقط الوجوب. والراجح والله أعلم مع الجمهور وهو القول الأول: - لما ثبت في الصحيح أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: إن فريضة الله أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع الثبوت على الراحلة. أفأحج عنه؟ قال: (حج عنه).

стр. 1053

فدل هذا الحديث على: أن هذا الشيخ الكبير الذي يجد المال لكنه لا يستطيع أن يثبت على الراحلة يجب أن يقيم الابن من يحج عن أبيه بمال أبيه. - ولحديث أبي رزين أنه سأل النبي ﷺ عن أبيه وأنه لم يستطع الحج فقال له النبي ﷺ : (حج عن أبيك واعتمر). فهذه الأحاديث صريحة وواضحة في وجوب إقامة النائب لمن كان مستطيعاً بماله دون بدنه. - قوله ﵀: من حيث وجبا. يعني يجب إنابة النائب من حيث وجب الحج على هذا الذي لا يستطيع ببدنه ويستطيع بماله. ولم يقل المؤلف ﵀: (من بلده). لأن مكان الوجوب قد يكون البلد وقد يكون مكان ((الإيسار)). فمثلاً: لو كان الإنسان فقيراً لا يستطيع الحج وهو من سكان الكوفة ثم سافر إلى المدينة وفي المدينة وجد مالاً كسبه وأصبح يستطيع الحج. فهو الآن وجب عليه الحج في الكوفة أو في المدينة؟ في المدينة: فيجب أن ينيب عنه من يحج من المدينة لا من مدينته الأصلية وهي الكوفة، ولهذا قال المؤلف ﵀: (من حيث وجبا). ولم يقل: (من مدينته أو من بلدته) فيجب أن يقيم النائب أو أن يكلف النائب من حيث وجب عليه الحج. واستدلوا على هذا: - بأن المنيب إنما وجب عليه الحج من مكان الوجوب فكذلك النائب. - وبأن القضاء يحكي الأداء. - وببعض ظواهر الآثار عن الصحابة. فقد روي عن بعض الصحابة آثار ظاهرها وجوب الحج من البلد. = والقول الثاني: وهو مذهب الشافعي: أن الواجب الإنابة من من ميقات هذا المنيب. واستدل الشافعي على هذا القول: - بأن الإحرام إنما يجب من الميقات ولا يجب قبل الميقات بل لا يشرع. فإذا كان الإحرام وهو النسك يجب من الميقات فيجب أن نقيم النائب من الميقات لا من البلده، لأن المسافة بين بلدة المنيب والميقات لا دليل على وجوب قطعها. والراجح والله أعلم القول الثاني: لأن قطع المسافة من البلد إلى مكة مطلوب لغيره لا لذاته. يعني: مطلوب لأن يصل الإنسان إلى مكة وليس هو بنفسه مطلوباً.

стр. 1054

على أن بعض العلماء قال: بل قطع المسافة من البلد إلى مكة مطلوب بذاته لأن النبي ﷺ سمى الحج جهاداً بالنسبة للنساء وكذلك الرجال والجهاد من المقصود فيه قطع المسافات. لكن الأقرب قول الشافعي لعدم وجود دليل واضح على وجوب إقامة النائب من بلد الذي لا يستطيع الحج ببدنه ويستطيع بماله. علم مما تقدم من الخلاف: أنه لم يقل أحد من الفقهاء فيما أعلم أن يكون النائب من مكة، يعني: جواز إنابة الشخص من مكة، فبعد البحث حسب ما تيسر لي لم أجد من صرح بجواز إقامة النائب من مكة وإنما قالوا: إما من بلده أو من الميقات. اختلفوا على هذين القولين. لكن لعله يلتمس قول ثالث ويبحث ويتأكد من عدم وجود قول ثالث: أنه يجوز إقامة النائب من داخل مكة. أما الآن فلم أجد من صرح على الأقل بجواز إقامة النائب من مكة. - ثم قال ﵀: ويجزئ عنه وإن عوفي بعد الإحرام. إذا أنا الإنسان شخصاً يحج مكانه فهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ـ القسم الأول: أن يعافى المنيب قبل أن يشرع النائب بأعمال الحج، ففي هذه الحال لا يجزئ حج النائب عن فريضة الإسلام قولاً واحداً. ـ القسم الثاني: أن يشفى ويعافى الذي لا يستطيع ببدنه بعد أن يأتي النائب بجميع مناسك الحج. ففي هذه الصورة خلاف: = فالمذهب أنه يجزئه. - لأن الذي أناب قد أتى بما أمر الله به ورسوله ﷺ على الوجه الشرعي فبرئت ذمته. = والقول الثاني: أنه لا يجزئه. - لأنه تبين أنه ليس من أهل الإنابة فقد برئ. والصواب مع الحنابلة. ـ القسم الثالث: أن يعافى ويشفى أثناء أداء الحج. فأيضاً في هذه الصورة خلاف: = فالحنابلة يجزئه. - لأنه شرع في العبادة. قياساً على من شرع في خصلة من خصال الكفارة ثم قدر على التي أعلى منها. = والقول الثاني: أنه لا يجزئه، بل يكون حج النائب نفلاً، وإلى هذا مال ابن قدامة وشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمهما الله -. - - قياساً على من صلى بالتيمم ثم حضر الماء أثناء الصلاة. فتقدم معنا أن الأقرب في هذه المسألة أنه يستأنف بعد الوضوء. وكذلك هنا الراجح أنه لا يجزئه إن عوفي في أثناء الحج بل تكون نفلاً له. ويلزم بحجة الإسلام من العام القادم.

стр. 1055

- ثم قال ﵀: ويشترط لوجوبه على المرأة: وجود محرمها. يشترط في المرأة خاصة وجود المحرم: = وهذا مذهب الحنابلة. والعلماء اختلفوا في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: = القول الأول: أن وجود المحرم بالنسبة شرط وجوب. فإن لم تجد محرماً ولو كانت غنية فلا يجب عليها الحج وإن ماتت لا يجب على الورثة أن ينيبوا من يحج عنها. واستدل هؤلاء: - بالأحاديث الصحيحة الصريحة المشهورة المتواترة التي جاءت عن النبي ﷺ من أكثر من وجه أنه قال: (لا يحل لمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم) فقال رجل يا رسول: إن امرأتي انطلقت حاجة وقد اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال النبي ﷺ : (انطلق فحج مع امرأتك). فهذا الحديث فيه وجوب المحرم في الحج خاصة، وهو في الصحيح. - وروي عنه ﷺ من الأحاديث التي لم تنص على الذهاب مع المرأة في الحج أحاديث كثيرة جداً تشترط المحرم ومخارجها متعددة، ومنها ما قيد بثلاثة أيام ومنها ما قيد بيوم وليلة ومنا ما قيد ببريد وحمل الفقهاء ﵏ هذه الاختلافات عن النبي ﷺ أنها ترجع إلى اختلاف السائل - بحسب اختلاف السائل. = القول الثاني: أن شرط المحرم شرط أداء لا وجوب. يعني: يشترط لوجوب الحج وجود المحرم لكنه شرط أداء لا وجوب فلا يجب على المرأة إذا لم تجد المحرم أن تحج في وقتها هذا لكنها إن ماتت قبل أن تحصل المحرم وجب على ورثتها أن يخرجوا من يحج عنها من تركتها. = القول الثالث: أن المحرم بالنسبة للمرأة إذا أرادت أن تحج لا يشترط مطلقاً. ويجب أن تفهم: أننا نتحدث عن المحرم في الحج لا المحرم في سائر الأسفار، وهذا القول الثالث الذي لا يشترط المحرم مطلقاً هو مذهب مالك والشافعي. واستدلوا على هذا: - بأن المرأة إذا وجدت فيها جميع الشروط وهي قادرة ببدنها وتجد الزاد والراحلة والمال فهذه مستطيعة ولو تخلف المحرم فيجب عليها أن تحج. ولكن مع ذلك اشترطوا: - أن تحج مع رفقة مأمونة. فهذا من شروط المالكية والشافعية. أن تحج مع رفقة مأمونة: إما مع جماعة النساء أو مع امرأة مأمونة مسلمة ثقة.
следующие страницы →