Полный текст (2 909 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
قال الشارح حفظه الله:
نتم ما ليس فيه إتلاف ونترك ما فيه إتلاف إلى الدرس القادم.
إذاً القول الثاني: أنه إذا فعل الإنسان ما ليس فيه إتلاف ولو كان معذوراً فعليه الفدية.
واستدل هذا:
- بأن قال: أن الشارع الحكيم رفع عن المعذور الإثم دون على ما يترتب
стр. 1122
شرح كتاب المناسك الدرس رقم (٨)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا بالأمس الكلام عن سقوط فدية محظورات الإحرام إذا كان هناك عذر وأخذنا الخلاف والراجح.
واليوم نبدأ بالمحظورات التي فيها إتلاف كالصيد والحلق وتقليم الأظافر وكل محظور فيه إتلاف، ففدية هذه المحظورات فيها خلاف بين أهل العلم ﵏:
= القول الأول: ذهب إليه الأئمة الأربعة فقد اتفق الأئمة الأربعة على أن هذا النوع من المحظورات لا تسقط فديته بالعذر.
واستدلوا:
- بأن ما ذهب بسبب هذا المحظور ذهب على وجه لا يمكن استدراكه فإذا حلقالإنسان شعره فلا يمكنه أن يستدرك هذا المحظور بأن يعيد الشعر - مثلاً، بينما إذا لبس المخيط فيمكن أن يستدرك هذا المحظور بأن ينزع هذا المخيط، فعرفنا الآن أن الأئمة الأربعة يرون أن المحظور لا يسقط ولو بالعذر في ما فيه إتلاف.
= القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد نصرها شيخ الإسلام ﵀ أن المحظورات وإن كان فيها إتلاف فإن الفدية تسقط بالعذر سواء كان العذر جهلاً أو نسياناً أو خطأً.
واستدلوا:
- بقوله تعالى: - (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا) -[المائدة/٩٥].
وهذه الآية في جزاء الصيد واشترطت التعمد مع أن الصيد من محظورات الإحرام التي فيها إتلاف، والآية نص في العذر غير المتعمد كالناسي والمخطئ والجاهل والمكره بأنه لا يدخل في الآية، ولا يمكن أن نستدل الآن بحديث يعلى بن أمية لأن المحظورات التي فيه ليس فيها إتلاف.
والأقرب والله أعلم هذه الرواية الثانية: - لظاهر القرآن.
стр. 1123
والأحوط بلا شك ولا إشكال أن من اقترف محظوراً فيه إتلاف أن يفدي احتياطاً لاتفاق الأئمة الأربعة على هذا المذهب وعامة أهل العلم وإنما هي رواية عن الإمام أحمد كما قلت، لكن من حيث الدليل فالراجح إن شاء الله الراجح عدم وجوب الفدية إذا كان ارتكاب المحظور خطأ.
- ثم قال ﵀:
دون وطء وصيد وتقليم وحلاق.
هذه المحظورات التي فيها إتلاف وتقدم معنا الكلام عليها مفصلاً.
ثم بدأ المؤلف ﵀ بالكلام على مكان الهدي يريد أن يبين مكان الهدي:
- فيقول ﵀:
وكل هدي أو إطعام: فلمساكين الحرم.
مقصود المؤلف ﵀ (وكل هدي أو إطعام): يعني: وكل هدي أو إطعام وجبا بسبب الحرم أو الإحرام فمكانه في الحرم كفدية الأذى إذا كانت في الحرم وكفدية ترك الواجب وكهدي المتمتع وكهدي القارن وكفدية جزاء الصيد ونحو ذلك، فهذه يجب أن تكون في الحرم.
وقول المؤلف ﵀ (وكل هدي أو إطعام: فلمساكين الحرم): يشمل مسألتين يجب أن نفرق بينهما:
- المسألة الأولى: مكان الذبح.
- المسألة الثانية: بالنسبة للهدي والإطعام -: مكان التوزيع.
ـ ونبدأ بالمسألة الأولى: وهي مكان الذبح.
اتفق الأئمة الأربعة وحكي إجماعاً أن الذبح لا يجزئ إلا في الحرم فإن ذبح في الحل لزمه أن يذبح هدياً آخر.
واستدلوا بعدة أدلة:
- منها قوله تعالى: - (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) -[البقرة/١٩٦] يعني: الحرم.
- وبقوله : - ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ -[المائدة/٩٥] في جزاء الصيد.
- وبقوله ﷺ فيما رواه مسلم عن جابر: (نحرت ههنا ومنى كلها منحر).
فهذه الأدلة من الكتاب والسنة تدل على أن النحر لا يجزئ إلا في الحرم.
= القول الثاني: وهو لبعض الشافعية: أن النحر خارج الحرم يجزئ بشرط أن يوزع في الحرم.
واستدل هؤلاء:
- بأن المقصود من الذبح والنحر هو إطعام الفقراء فإذا حصل هذا المقصود أجزأ الذبح ولو كان خارج الحرم.
والجواب على هذا الاستدلال:
стр. 1124
- أن المقصود من الهدي ليس توزيع اللحم فقط وإنما الذبح تقرباً إلى الله في المناسك فالذبح مقصود كما أن التوزيع مقصود ولكن قصد الذبح أكبر وأعظم وأهم.
وعرف من سياق هذا الخلاف أنه إذا ذبح خارج الحرم ووزع خارج الحرم فبإجماع العلماء لا يجزئه وعليه أن يذبح هدياً آخر.
ـ المسألة الثانية: توزيع لحوم الأضاحي:
توزيع لحوم الأضاحي اختلف فيه الفقهاء على قولين:
= القول الأول: أنه لا يجزئ إلا في الحرم.
واستدلوا على هذا:
- بأن المقصود من الإلزام بذبح الهدي في الحرم التوسعة على فقراء الحرم فإذا وزع خارج الحرم ذهب هذا المقصود وذهبت الفائدة التي من أجلها أوجب الشارع الذبح في الحرم.
= والقول الثاني: جواز التوزيع في أي مكان من الحل أو الحرم. إنما الشرط عند هؤلاء أن يذبح أما التوزيع ففي أي مكان.
واستدلوا على هذا:
- بأنه لا يوجد دليل صريح على وجوب توزيع الهدي في الحرم.
والراجح: القول الأول وهو مذهب الحنابلة:
- لأن الظاهر والله أعلم من الإلزام من الذبح في الحرم أن من مقاصده التوسعة على فقراء الحرم.
وعلم من الخلاف: أن إيقاع الذبح في الحرم أهم من التوزيع أما الخلاف في التوزيع فهو خلاف متكافئ حتى من حيث العدد بين الفقهاء فمنهم من ذهب إلى الجواز ومنهم من ذهب إلى وجوب توزيعه داخل الحرم.
- ثم قال ﵀:
وفدية الأذى واللبس ونحوهما.
يعني حيث وجد سببه، ففدية الأذى واللبس ونحو هذه الأشياء التي فيها الفدية التي تقدمت معنا حيث وجد السبب سواء وجد السبب في الحل أو في الحرم.
استدل الحنابلة على هذا:
- بأن كعب بن عجرة ﵁ لما اشتكى إلى النبي ﷺ أمره أن يفدي وكانت القصة وقعت في الحديبية ولم يأمره ﷺ بأن يذهب إلى الحرم لأداء الفدية وإنما وقعت الفدية خارج الحرم، فدل الحديث على أن الفدية تكون حيث وجد السبب ولو في الحل.
= والقول الثاني: أنه يلزم من فعل محظوراً خارج الحرم أن يفدي داخل الحرم.
لنفس العلة السابقة وهي:
- أن ينتفع فقراء الحرم.
والراجح بلا إشكال إن شاء الله مع الحنابلة:
стр. 1125
- لأن معهم حديثاً صحيحاً صريحاً وهو إذنه ﷺ لكعب أن يذبح في الحديبية وهي من الحل.
- ثم قال ﵀:
ودم الإحصار: حيث وجد سببه.
دم الإحصار يعني: الدم الواجب بسبب الإحصار وهو المنع من دخول مكة لأداء النسك يجب حيث وجد سببه.
- لأن النبي ﷺ لما أحصر ذبح في الحديبية وتقدم معنا أن الحديبية من الحل، فدل هذا على أنه يجوز ذبح دم الإحصار في المكان الذي وجد فيه الإحصار.
= وذهب بعض الفقهاء إلى أنه يجب عليه أن يسير الهدي إلى داخل الحرم إن استطاع.
والراجح مع القول الأول: - لصريح السنة التي استدلوا بها.
لكن مع ذلك كما قلت: يستحب للإنسان خروجاً من الخلاف في فدية الأذى والإحصار أن يرسل الهدي والكفارة إلى الحرم ليوزع على فقرائه خروجاً من الخلاف وأيضاً توسعة على فقراء الحرم.
-
ثم قال ﵀:
ويجزئ الصوم بكل مكان.
الصوم الواجب كفارة والصوم الواجب بدل هيي التمتع: يجوز أن يكون في كل مكان وهذا محل إجماع بين الفقهاء بين أهل العلم فلم يختلفوا في هذا.
والسبب والعلة في جواز الصيام في كل مكان أن فائدة الصيام تقتصر على الصائم ففي أي مكان صام أجزأه.
- ثم قال ﵀:
والدّم: شاة أو سُبع بدنة، وتجزئ عنها بقرة.
قوله: (والدم) يعني والدم المذكور في هذا الباب هو إما شاة أو سبع بدنه أو سبع بقرة.
والدليل على هذا:
- أن ابن عباس لما قرأ - (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) -[البقرة/١٩٦]. قال: شاة أوشرك في دم.
بناء على هذا من وجب عليه ذبح سبع شياه أجزأت عنه بدنه واحده أو بقرة.
إذاً المؤلف ﵀ يريد أن يبين ما المقصود بالدم وما هي الأشياء التي تجزئ وبين أنها شاة أو سبع بدنه أو سبع بقرة.
والدليل على البقرة أنها تجزئ عن البدنة:
- أن النبي ﷺ ذبحها بدل البدنة.
- وأيضاً عموم أثر ابن عباس وهو قوله: (شرك في دم) يشمل دم البدنة ودم البقرة.
وبهذا انتهى الباب وانتقلنا إلى باب جزاء الصيد .
باب جزاء الصيد
стр. 1126
جزاء الصيد هو: ما يجب على من أتلفه سواء كان الإتلاف بمباشرة أو بتسبب وهذا الواجب يشترط فيه كما تقدم معنا المماثلة والمشابهة في الصورة لا في الثمن.
وتقدم معنا أيضاً أن معرفة المثل ينقسم إلى قسمين:
- إما أن يكون بحكم النبي ﷺ ولا أعلم الآن أن النبي ﷺ حكم في حديث صحيح إلا في الضبع وقد تقدم معنا أن الإمام أحمد والإمام البخاري صححا هذا الحديث وهو النبي ﷺ جعل في الضبع شاة.
وأما فيما عدا الضبع فجميع المروي في الباب هو عن أصحاب النبي ﷺ . والذين كثرت فتواهم في جزاء الصيد هم أربعة: عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وابن عباس ﵃، فهؤلاء الأربعة هم أكثر من روي عنهم التقدير والتمثيل وروي أيضاً عن ابن مسعود لكن شيء قليل وروي عن ابن عمر لكن شيء قليل، أما عمر وعثمان وعلي وابن عباس فروي عنهم التقدير كثيراً.
- يقول ﵀:
في النعامة بدنة.
يعني: يجب على من قتل النعامة أن يذبح بدنة بدلاً عنها، والذي حكم بهذا الحكم هم الأربعة: عمر وعثمان وعلي وابن عباس ﵃.
والشبه بين النعامة والبعير ظاهر من حيث الخلقة لا من حيث الثمن، فشكل النعامة يشبه شكل البعير ولذلك حكم به الصحابة ﵃.
- ثم قال ﵀:
وحمار الوحش وبقرته والإيِّل والثَّيْتَل والوَعْل: بقرة.
هذه خمسة أشياء:
- الثلاثة الأول: حمار الوحش وبقرته والأيل: هذه حكم بها الأربعة الذين تقدم ذكرهم من الصحابة، فقد حكموا أن في هذه الحيوانات بقرة والشبه بينها وبين البقرة واضح وجلي.
بقينا في:
- الثيتل والوعل: وهما من أنواع الأيل. فيدخلان في فتوى الصحابة في نفس المسمى وليس قياساً. فلا نقول قياساً لكن في نص فتوى الصحابة لأن الأيل ما هو إلا نوع من أنواع الوعل يختلف هذا عن هذا بالشكل.
وقيل: في القرون وقيل فيه أقوال أخرى.
والمهم أنه اتفق أهل اللغة أن هذه الثلاثة حيوانات حيوان واحد بينها اختلاف في الشكل والهيئة ومكان الحياة .. إلخ، فالمهم أنها شيء واحد وقد حكم الصحابة في الأيل يشمل الثيتل والوعل.
стр. 1127
- ثم قال ﵀:
والضبع كبش.
حكم النبي ﷺ في الحديث الصحيح: أن في الضبع كبش، والكبش هو الذكر من الضأن.
ووجه الشبه أيضاً ظاهر بين الكبش والضبع من حيث الخلقة الخارجية - من حيث الشكل والحجم عموماً، فيجب على من قتل ضبعاً أن يذبح كبشاً.
- ثم قال ﵀:
والغزالة عنز.
الغزال فيها عنز، والذي حكم بهذا الحكم هم: عمر وعلي وابن عباس دون عثمان فلم نجد لعثمان فتوى في قتل الغزال، فهؤلاء الثلاثة حكموا أن الغزال فيه عنز والشبه أيضاً بينهما ظاهر في شيئين:
- الشيء الأول: شكل الشعر الخارجي.
- والشيء الثاني: شكل الذنب والذيل.
فقال الفقهاء أن العنز والغزال يتشابهان في هذين الأمرين ولذلك حكم الصحابة في الغزال بعنز.
- ثم قال ﵀:
والوبر والضب جدي.
كان ينبغي أن يقول المؤلف ﵀ والضب والوبر جدي لا والوبر والضب جدي، يعني: كان ينبغي أن يقدم الضب، والسبب: أن الضب هو الذي فيه فتاوى والوبر مقيس عليه، فالضب أفتى فيه: عمر وزيد بن ثابت أن فيه جدي، فإذاً حكموا عليه بهذا الحكم، ولا يوجد تشابه ظاهر في الشكل بين الضب والجدي ومع ذلك جعل الصحابة الجدي يقارب للضب لعله من جهة كمية اللحم.
وبعد التأمل لم يتبين لي وجه الشبه بين الجدي والضب فإن الحيوانات التي تقدمت وجه الشبه فيها واضح لكن بين الجدي والضب لا أدري لماذا حكم عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت بهذا الحكم، وتقدم معنا أن الصحابة إذا حكموا بحكم فإن الصواب أن من جاء بعدهم ليس له أن يجتهد فلو جاءنا رجل يجتهد فإنه على الصواب اجتهاده مرفوض ويجب أن نجعل في الضب جدي، والجدي هو ما بلغ ستة أشهر من الماعز خاصة، فيجب على من قتل ضباً أن يذبح هذا الجدي جزاء عن الصيد، والوبر قاسه الفقهاء على الضب.
-
ثم قال ﵀:
واليربوع جفرة.
الجفرة: هي ما أتمت أربعة أشهر من الماعز. ففي اليربوع جفرة. والشبه بينهما واضح وهو أن اليربوع - وهو الذي تسميه العامة الجربوع - يجتر كاجترار الماعز تماماً فتشابها في هذا الشيء والذي حكم بهذا الحكم هم: عمر بن الخطاب وابن مسعود.
- ثم قال ﵀:
والأرنب عناق.
стр. 1128
العناق هو ما فوق الجفرة ودون الجدي، وقال بعض الفقهاء بل هو ما تحت الجفرة، يعني ما هو أصغر من الجفرة من الماعز، لكن الصواب أن العناق أكبر من الجفرة.
- بدليل: أن الأرنب أكبر من اليربوع فالمناسب أن نذبح فداء الأرنب عنزاً أكبر مما نذبح فداء لليربوع.
والذي حكم في الأرنب هو - حسب ما وقفت عليه - هو عمر بن الخطاب ﵁.
- ثم قال ﵀:
والحمامة شاة.
الحمامة فيها شاة، والذين حكموا فيها هم: عمر وابنه وابن عباس، فهؤلاء رأوا أن في الحمامة شاة.
واختلفوا في الحمامة هل يقصد بها الحمامة المعينة أو كل طير يشبه الحمامة؟ وهذا الاختلاف لا يضر في حكم المسألة، فنقول: المقصود بالحمامة هنا كل ما عب الماء من الطير وهدر، فكل طير يعب الماء عبا ويهدر بصوت كصوت الحمامة فيأخذ نفس حكم الحمامة، وعب الماء هو أن يكرع الطير فيه تكريعاً ولا يشرب كشرب الدجاج نقطة فنقطة، فإن الحمام لا يشرب كشرب الدجاج إنما يكرع في الماء ويشرب، بينما الدجاج يأخذ من الماء نقطة نقطة، فنجد أن شرب الحمام يشبه شرب الشياه، ولهذا جعل الصحابة في الحمامة شاة، ونقول كل طائر يشبه الحمامة سواء سمي حمامة أو لم يسمى بهذا الاسم فمادام يشرب بهذه الطريقة ويصدر صوتاً يشبه صوت الحمامة فله نفس الحكم: أن فيه شاة. سواء أدخلنا باقي الطيور في مسمى الحمام أو قلنا الحمام اسم لطير خاص ونقيس عليه باقي الطيور فالأمر واضح، وبهذا انتهى المؤلف ﵀ من بيان ما حكم به الصحابة، ثم: أي حيوان أو طير لم يحكم به الصحابة فإنه يندب إليه عدلان من أهل الخبرة وينظر ماذا يشبه من الحيوانات من بهيمة الأنعام خاصة كما تقدم معنا فإن لم نجد له شبيهاً وحكم أهل الخبرة أنه لا شبيه له انتقلنا إلى قيمة الصيد على ما تقدم معنا في الباب السابق.
باب صيد الحرم
المقصود بالحرم هنا حرم مكة وحرم المدينة، أي أن المؤلف ﵀ سيبين في هذا الباب حكم صيد وحشائش وشجر مكة والمدينة، وبطبيعة الحال سيبدأ ﵀ بمكة لعظمها ورفع قدرها.
- يقول ﵀:
يحرم صيده: على المحرم والحلال.
الصيد داخل الحرم: محرم بالنص والإجماع لم يختلف الفقهاء في تحريمه.
стр. 1129
واستدلوا على تحريمه:
- بقول النبي ﷺ : ((إن هذا البلد حرمه الله منذ خلق السموات والأرض فهو حرام بتحريم الله إلى قيام الساعة لا يختلا خلاه ولا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا تلتقط لقطته إلا لمعرف)).
فقال العباس يا رسول الله: إلا الإذخر فإنه لقينهم وبيوتهم. - والقين: هو الحداد أو الصائغ - فقال رسول الله ﷺ : (إلا الإذخر).
فهذا الحديث نص في تحريم الصيد وتحريم الحشيش وتحريم الشجر وتحريم تنفير الصيد ولو للجلوس مكانه.
يعني يحرم على من في داخل الحرم أن ينفر الصيد ولو كان بغير قصد اصطياده بل بقصد الجلوس مكانه لأنه سيجلس في الظل مثلاً فإنه يحرم عليه أن يفعل هذا فإن الأشجار والحشائش والحيوانات آمنة بأمن الله داخل الحرم، إذاً هذا الحكم حكم مجمع عليه ودلت عليه النصوص الصريحة الصحيحة.
- ثم قال ﵀:
وحكم صيده كصيد المحرم.
حكم الصيد داخل الحرم كحكم صيد المحرم فيه المثل وهو مخير بين الصيام والإطعام فإن لم يجد قوم الصيد وهو أيضاً مخير بين الصيام والإطعام على الترتيب والأحكام التي تقدمت معنا في جزاء الصيد تماماً.
وإلى هذا: أي إلى وجوب جزاء صيد الحرم:
= ذهب الجماهير من أهل العلم الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد وغيرهم من فقهاء الإسلام ذهبوا إلى وجوب الجزاء في صيد الحرم.
واستدلوا على هذا:
- بأن أصحاب النبي ﷺ حكموا بهذا الحكم لأن أصحاب النبي ﷺ حكموا بوجوب جزاء الصيد على من صاد في الحرم.
= وذهب الأحناف إلى أنه لا يجب جزاء الصيد بل عليه التوبة والاستغفار.
واستدلوا على هذا
- بأنه ليس في النصوص الصحيحة الصريحة ما يوجب جزاء الصيد داخل الحرم.
والجواب: أن الآثار المروية الصحيحة في هذا الباب كافية في إثبات هذا الحكم فهي إجماع من الصحابة إذ لا يعلم مخالف للفتاوى التي أفتى فيها الصحابة بوجوب جزاء الصيد داخل الحرم.
ثم لما بين المؤلف ﵀ حكم الصيد انتقل إلى الشجر:
- فقال ﵀:
ويحرم: قطع شجره وحشيشه الأخضرين.
قطع الشجر والحشيش الأخضرين محرم بالإجماع:
стр. 1130
- لدلالة الحديث السابق. والذي يدل على اشتراط كونه أخضراً أنه قال: (الكلأ) والكلأ في لغة العرب لا يطلق إلا على الحشيش الرطب.
بقينا في أمور أخرى تخرج عن الشجر الأخضر والحشيش الأخضر:
- الأول: ما زرعه الآدمي. وهو ينقسم إلى قسمين:
ـ القسم الأول: الزرع.
ـ والقسم الثاني: الشجر.
- فالزرع: أجمع الفقهاء بلا خلاف أن يجوز لمن زرع في الحرم أن يحصد ولا فدية عليه.
- والشجر: فيه خلاف: لكن مع ذلك ذهب الجماهير إلى جواز قطع الشجر الذي زرعه الآدمي قياساً على الزرع المجمع عليه.
وهذا القول هو الصواب، والقول الآخر الذي يمنع من الشجر ضعيف.
- المسألة الثانية: حكم قطع الشجر الميت اليابس والحشيش اليابس، اتفق الأئمة الأربعة على جواز قطع ما يبس من الشجر والحشيش:
- لأن هذا اليابس في حكم الميت فجاز أخذه والانتفاع به.
- الثالث والأخير: ما قطع من الشجر بغير فعل الآدمي وسقط أو ظل متعلقاً بالشجرة بعد كسره. فهذا يجوز عند الجماهير أن ينتفع به الإنسان وأن يأخذه لأن مآل هذا الساقط إلى اليبس والموت ومآل الذي سقط وبقي متعلقاً أن ييبس ويموت أيضاً فله أخذ كل منهما، وأما إن كان هذا السقوط بفعل آدمي:
= فمن الفقهاء من قال: يجوز له أن ينتفع به.
= ومنهم من قال: لا يجوز أن ينتفع به. وقالوا: لا يجوز أن ينتفع به نظير الصيد فإن الصيد إذا صاده المحرم أصبح ميتة فكذلك هذا لا يجوز الانتفاع به.
والأقرب والله أعلم: أنه يجوز الانتفاع به ولو كان بفعل آدمي والآدمي آثم لكن نحن الآن نتحدث عن الانتفاع بما قطعه الآدمي.
- والدليل على ذلك: أن بين الذبيحة والشجر فارق كبير. لأن الذبيحة يشترط فيها أن يكون الذابح من أهل الذكاة فإن أهلية المذكي من شروط جواز أكل الذبيحة بخلاف الحطب وكسره فإنه لا يشترط له ما يشترط للذبائح والأطعمة، فافترقا من هذه الجهة فجاز الانتفاع بما قطعه الآدمي من الشجر ولم يجز بما قتله الآدمي من الصيد.
ـ ويستثنى أيضاً: الرعي:
= ذهب الجمهور إلى جواز الرعي. جواز أن يجعل الإنسان بهائمه ترعى في الحرم. واستدلوا على هذا:
стр. 1131
- بأن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ دخلوا الحرم في هديهم ولم ينقل أنهم كانوا يكممون أفواه ابهائم حتى لا تأكل من حشيش الحرم. فدل هذا على الجواز وهذا ظاهر.
- واستدلوا أيضاً بحديث ابن عباس لما أتى إلى الصف على أتان ثم تركها ودخل الصف وصارت الأتان ترعى من الأرض وهم في الحرم.
= والقول الثاني: أنه لا يجوز أن يمكن الإنسان بهائمه أن ترعى في الحرم.
- لأن هذا الرعي يستلزم الإتلاف والإتلاف من محظورات الحرم.
وهو قول ضعيف جداً مصادم لظواهر النصوص، فإنه يجوز للإنسان أن يبذل المرعى لبهائمه ولو كان في الحرم فهو أمر مستثنى.
ـ المسألة الأخيرة: الفدية.
o يجب في الشجر الكبيرة والمتوسطة: بقرة.
o وفي الشجرة الصغيرة: شاة.
بهذا حكم بعض أصحاب النبي ﷺ .
= والقول الثاني: أنه ليس في إتلاف الشجر والحشيش فدية لأنه لا يوجد دليل يدل على وجوب الفدية في الشجر أو الحشيش. وإلى هذا ذهب المالكية.
والصواب والله أعلم مع الجمهور:
- لأنا نحكم في كل باب الجزاء بفتاوى الصحابة ثم إذا وصلنا إلى جزاء الشجر توقفنا عن الأخذ بفتاوى الصحابة فهذا لا شك تناقض وعدم اضطراد في قواعد الترجيح، فما دام قبلنا آثار الصحابة هناك نقبلها هنا ولا يوجد فارق أو مانع يمنع من الأخذ بفتاوى الصحابة في هذا الباب.
- ثم قال ﵀:
إلاّ الإذخر.
الإذخر مستثنى بالإجماع:
- لأن حديث ابن عباس فيه التصريح باستثنائه من قبل النبي ﷺ .
ثم انتقل المؤلف إلى حرم المدينة:
- فقال ﵀:
ويحرم: صيد المدينة.
صيد المدينة محرم:
= عند الجماهير وهو الأئمة الثلاثة: مالك وأحمد والشافعي.
واستدلوا:
- بما أخرجه مسلم عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (المدينة حرم ما بين عير إلى ثور).
- وبالحديث الصحيح الآخر أن النبي ﷺ حرَّم ما بين لا بتي المدينة.
= وذهب الأحناف وهو القول الثاني: إلى أن المدينة ليست حرماً. فيجوز للإنسان أن يختلي خلاها وأن يقطع شجرها وأن يقتل صيدها.
واستدلوا على هذا:
стр. 1132
- بأن المدينة فيها حرم حكم كبير يحتاج لإثباته إلى نقل عام لا إلى نقل خاص.
والجواب على هذا الدليل من وجهين:
- الوجه الأول: أن تحريم المدينة نقل نقلاً عاماً فقد نقله عدد من الصحابة.
- الوجه الثاني: أن هذه القاعدة قاعدة منكرة إذ لا يشترط في ثبوت الأحكام أن تنقل نقلاً عاماً بل يكتفى فيها بالنقل الخاص ولذلك نجد أحكاماً مهمة لم تنقل لنا إلا نقلاً خاصاً فيكون الذي رواها من الصحابة واحد أو اثنان ورواها عنه عدد قليل من التابعين إلى أن وصلت إلى أصحاب الكتب الستة أو التسعة، فهذا شرط غير صحيح ويخالفه عمل علماء المسلمين.
بناء على هذا: الراجح: إن شاء الله ما ذهب إليه الأمة وهو أن المدينة لها حرم صحيح وثابت وكيف نرد الأحاديث الصريحة والصحيحة عن النبي ﷺ في صحيح مسلم أنه حرم المدينة في مثل هذه الأقيسة والتعليلات.
- ثم قال ﵀:
ولا جزاء فيه.
= ذهب الحنابلة واختاره ابن قدامة وذكر عن الإمام أحمد ﵀ أنه ليس في قتل صيد المدينة جزاء وإنما فيه التوبة، قال الإمام أحمد: لا أعلم أن فيه جزاء.
= والقول الثاني: أن فيه جزاء. والجزاء هو سلب قاتل الصيد أو قاطع الشجرة.
واستدلوا على هذا:
- بما أخرجه مسلم عن سعد ﵁ أنه رأى عبداً يقطع شجراً في حرم المدينة فأخذ سلبه. فجاء قومه إليه فقالوا: أرجع سلب العبد فقال ﵁: ما كنت أرد شيئاً نفلنيه رسول الله ﷺ .
فهذا الحديث صريح بأن سعد يرى أن النبي ﷺ جعل في قطع شجر الحرم أو قتل صيده سلب المعتدي، والمقصود بالسلب: على هذه الرواية هو: ثياب المعتدي دون دابته، فالسلب في هذا الباب يختلف عن السلب في الجهاد، والدليل:
- أن السلب في باب الجهاد إنما جاز فيه أخذ الدابة لأن لا يتقوى بها الكافر ولأجل أن يتقوى بها المجاهد المسلم وهذا المعنى مفقود في حرم المدينة.
- والشيء الآخر أنه لم ينقل أن سعداً ﵁ أخذ دابة العبد.
стр. 1133
وهذا القول: هو الظاهر من اختيار شيخ الإسلام وابن القيم فإنهم ضربوا أمثلة على التعزير المالي في الشرع وذكروا عدة أمثلة ومنها أخذ سلب من قطع شجر المدينة، فظاهر هذا أنهم يرون أنه يؤخذ السلب وأن في صيد المدينة وأخذ الشجر جزاء.
وهذا القول هو الصواب.
بقينا في إشكال كبير جداً وهو قول الإمام أحمد - وهو من هو -: أنه لا يعلم أنه نقل إيجاب الجزاء فهذا في الحقيقة، مشكل فمثل الإمام أحمد إذا نفى بعلمه وورعه وسعة اطلاعه فيكون إشكال: وأنا لم أجد جواباً على هذه الكلمة من الإمام أحمد والذي يظهر لي أن الإمام أحمد ﵀ وقف على هذا الأثر لكن كأنه ﵀ يرى أنه ليس بصريح في وجوب الجزاء وإلا فإن الإمام أحمد لا يخالف مطلقاً سنة مروية عن النبي ﷺ أو يكون يرى ضعف الحديث لكن ما يبدو لي أن الإمام أحمد يرى ذلك فإن الحديث في مسلم وإسناده قوي.
стр. 1134
شرح كتاب المناسك الدرس رقم (٩)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
باب دخول مكة
- قال ﵀:
باب دخول مكة.
يعني: باب يوضح فيه الأحكام المتعلقة بدخول مكة، وذكر ﵀ أن أول سنة في دخول مكة أن يدخل من أعلاها وفاته ﵀ بعض السنن التي تسبق هذه السنة، فمما فات المؤلف ﵀:
- استحباب الاغتسال: = فقد ذهب الأئمة الأربعة والجماهير وحكي إجماعاً أنه يستحب للإنسان إذا أراد أن يدخل مكة أن يغتسل.
- ويستحب أيضاً: أن يدخل نهاراً.
- ودليل ذلك: أن ابن عمر ﵁ لما أراد أن يدخل مكة توقف وبات فيها واغتسل نهاراً وقال: هكذا كان يصنع رسول الله ﷺ .
стр. 1135
والأئمة ﵏ أخذوا من هذا الحديث وفهموا استحباب الاغتسال وأن يدخل نهاراً. وأما الدخول في الليل: فهو أيضاً جائز ولم يدخل النبي ﷺ ليلاً إلا مرة واحدة. وهو دليل الجواز، فيجوز أن يدخل ليلاً ويستحب أن يدخل نهاراً وهو أمر مقصود كما فهم الأئمة وليس أمراً عرضياً وقع صدفة بل ينبغي ويستحب للإنسان أن يتقصد أن يغتسل وأن يدخل مكة نهاراً.
ثم نأتي إلى السنة التي ذكرها المؤلف:
- فقال ﵀:
يسن: من أعلاها.
استحباب دخول مكة من أعلاهاً من حيث الجملة لا أعلم فيه خلافاً.
لكن ذهب بعض الشافعية إلى أنه يستحب الدخول من أعلى مكة لمن كان طريقه يمر بأعلى مكة وإلا فلا.
ويفهم من هذا الخلاف أن جميع أهل العلم يرون استحباب الدخول من أعلى مكة إذا كان طريق الإنسان يمر بأعلى مكة، وكما قلت: الجماهير يرون الاستحباب مطلقاً فقط بعض الشافعية يرون أنه مستحب في حال واحدة: إذا كان طريقه يمر بأعلى مكة.
وهذا القول الراجح وهو أرجح من القول بأن هذا الدخول وقع لأنه الأسهل أو لأن النبي ﷺ إنما طريقه من هذا الطريق فإن الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك وأحمد كلهم يرون أن هذا أمر مقصود وأن النبي ﷺ تقصد الدخول من أعلاها.
واستدلوا:
- بما ثبت في حديث ابن عمر وحديث عائشة وغيرهما أن النبي ﷺ : دخل مكة من أعلاها.
بل نستطيع أن نقول: أن هذا فهم حتى الصحابة فإنا لا نعلم فائدة من قول عائشة أو ابن عمر أن النبي ﷺ دخل من أعلا مكة إلا أن هذا أمر مستحب أو أنه أمر مقصود.
فإذاً هذه سنة ثابتة نستطيع أن نقول بالإجماع لمن كان طريقه يمر بأعلى مكة وعند الجماهير لمن كان طريقه يمر بغير هذا الطريق يعني: من غير أعلى مكة.
- ثم قال ﵀:
والمسجد من باب بني شيبة.
يعني: ويستحب أن يدخل المسجد الحرام من هذا الباب.
والدليل على استحباب هذه السنة:
- ما أخرجه البيهقي في سننه أن النبي ﷺ دخل المسجد من هذا الباب.
стр. 1136
- وأيضاً ما ثبت أن النبي ﷺ لما أراد أن يحكم بين قريش في وضع الحجر دخل من باب بني شيبة.
وحديث البيهقي نسبه بعضهم خطأ إلى مسلم وهو في البيهقي وليس في مسلم: يعني دخول النبي ﷺ من باب بني شيبة، وهذا الباب لا وجود له الآن بعد العمارة الحديثة للحرم لكن اشتهر أن الدخول من باب السلام أن من دخل من باب السلام ثم اتجه إلى الكعبة فإنه سيمر من باب بني شيبة وإلا فإن الباب نفسه لم يعد موجوداً الآن.
- قال ﵀:
فإذا رأى البيت: رفع يديه وقال ما ورد.
يعني: ويستحب عند رؤية البيت أن يرفع الإنسان يديه ويدعو بما ورد.
والدليل على هذا العمل:
- ما رواه ابن جريج ﵀ مرسلاً إلى النبي ﷺ أنه كان يصنع ذلك، ومراسيل بن جريج ضعيفة أو ضعيفة جداً لا تصلح للاستدلال.
= القول الثاني: أنه لا يشرع للإنسان أن يصنع ذلك بأن يرفع يديه ويدعو. وإلى هذا ذهب الإمام مالك ﵀.
واستدل على ذلك:
- بأن جابر بن عبد الله ﵁ أنكر ذلك وقال: لم يكن يصنعه النبي ﷺ .
وآراء هذا الصحابي الجليل في الحج لها أهمية والسبب في ذلك أنه اعتنى عناية خاصة بحج النبي ﷺ ومن هنا كان لفتاويه وآرائه ورواياته منزلة كبيرة عند الترجيح في مسائل الحج والعمرة.
- ثم قال ﵀:
ثم يطوف مضطبعاً.
الاضطباع هو أن يضع وسط الرداء تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر، والاضطباع سنة لثبوته في الأحاديث الصحيحة.
وينبغي أن يعلم أن:
- الاضطباع إنما يسن عند إرادة الطواف لا عند الإحرام، فإذا أوشك أن يبدأ الإنسان بالطواف اضطبع لا من حين يحرم من الميقات.
- الأمر الثاني: أن الإضطباع سنة في طواف القدوم فقط دون غيره من طوافات الحج.
-
ثم قال ﵀:
يبتدئ: المعتمر بطواف العمرة، والقارن والمفرد للقدوم.
- طواف القدوم: سنة بإجماع أهل العلم لم يختلفوا في أنه سنة مندوب إليها.
стр. 1137
وقول الماتن ﵀: (يبتدئ). مقصود. لأنه يسن - عند أهل العلم من الحنابلة وغيرهم -:لمن دخل المسجد الحرام ليطوف يسن أن يبدأ بالطواف وأن لا يشتغل بأي عبادة أخرى حتى ولا بتحية المسجد.
واستثنوا من هذا مسألة واحدة وهي: أنه إذا دخل وصادف إقامة الفريضة فإنه يصلي معهم الفريضة. فيما عدا هذه الصورة فإنه يشرع له أن يبدأ بالطواف.
وطواف العمرة بالنسبة للمتمتع يغني عن طواف القدوم. وعلى هذا يدل كلام المؤلف ﵀ لأنه جعل طواف القدوم خاصاً بالقارن والمفرد. وهذا صحيح. فلا يشرع للمتمتع أن يطوف أولاً للقدوم ثم يطوف ثانياً للعمرة.
والدليل على ذلك:
- أن ظاهر حال أصحاب النبي ﷺ الذين قدموا متمتعين أنهم اكتفوا بطواف واحد وهو طواف العمرة وقد أجزأهم عن طواف القدوم.
- ثم قال ﵀:
فيحاذي الحجر الأسود: بكله.
يشترط لصحة الطواف: أن يحاذي الطائف إذا أراد أن يبدأ: الحجر بكله.
ويجوز أن يحاذي بكله بعض الحجر.
ولا يجوز أن يحاذي ببعضه الحجر أو بعض الحجر.
إذاً: الشرط هو أن يكون كل الجسم محاذي لكل أو لبعض الحجر.
الدليل على هذا:
- قالوا: الدليل على هذا: أن ما شرط استقباله وجب أن يستقبل بكل الجسم كما في استقبال القبلة في الصلاة. كأنها قاعدة عندهم.
بناء على هذا: إن بدأ الطواف وبعض جسمه من جهة باب الكعبة ولو استقبل بالبعض الآخر الحجر فإن الطواف لا يصح لأنه لم يستقبل بجميع جسده الحجر.
= القول الثاني: أنه يجوز أن يقابل ببعض جسده بعض الحجر، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام بن تيمية ﵀.
والدليل على ذلك:
- أن الظاهر من حال النبي ﷺ وحال الصحابة أنهم لم يكونوا ينتصبون انتصاباً تاماً كاملاً أمام الحجر بحيث يكون جسد المعتمر أو الحاج مقابل بكله للحجر الأسود.
- كما أن في هذا الشرط لا سيما في هذه الأزمان مشقة ظاهرة وزائدة وهو أن نوجب أن يستقبل الإنسان بكل جسده كل الحجر ففي هذا مشقة عظيمة لا سيما في المواسم.
- كما أنه لا دليل على هذا الشرط. إنما الواجب أن يبدأ الإنسان من الحجر إلى الحجر سواء استقبل الحجر ببعضه أو بكله وسواء استقبل بعض الحجر أو كل الحجر.
стр. 1138
وهذا القول الثاني هو القول الراجح إن شاء الله وهو الذي يسع العمل به ولو اشترطنا ما اشترط الحنابلة لدخل مشقة عظيمة على الناس.
- قال ﵀:
ويستلمه ويقبله.
الاستلام هو: المسح باليد. وظاهر كلام المؤلف ﵀ أنه يستحب الاستلام والتقبيل وأن الدرجة الأولى من مراتب استلام الحجر هو أن يجمع بين الاستلام وهو المسح باليد والتقبيل.
وإلى هذا ذهب كثير من أهل العلم أن السنة: الاستلام مع التقبيل.
ولكني بحثت في جميع الأحاديث بحثاً كثيراً فلم أجد أي حديث فيه الجمع بين الاستلام والتقبيل إلا في حديثين صريحين في سنية الجمع بينهما ولكن فيهما ضعف، أما الأحاديث الصحيحة الصريحة فهي تشير إلى الاستلام أو التقبيل.
- ففي حديث جابر ﵁: الاستلام بلا تقبيل.
- وفي حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه قبل الحجر وقال لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك. وفيه التقبيل ولم يذكر الاستلام.
لذلك الأظهر والله أعلم أن:
- المرتبة الأولى: التقبيل بدون استلام. بحيث يضع الإنسان فمه على الحجر بلا إظهار صوت عند الحنابلة وإنما يضع شفتيه على الحجر وضعاً بدون تقبيل بصوت وينقلون أن النبي ﷺ هكذا صنع ولأن هذا فيه نوع من التأدب عند بيت الله وهذا بخلاف ما يصنعه كثير من الناس اليوم حيث يقبلون بطريقة تخالف هذه الطريقة.
إذاً الأقرب والله أعلم أن المرتبة الأولى: التقبيل بلا استلام. هكذا ظهر لي لأنه لا يوجد حديث يجمع بينهما. وهذه الأمور تعبدية.
- المرتبة الثانية: الاستلام مع تقبيل اليد. ودل على هذا: الحديث الصحيح أن النبي ﷺ استلم الحجر بيده وقبل يده.
- ثم قال ﵀:
وإن شق قبّل يده.
(وإن شق) يعني: الاستلام مع التقبيل (قبل يده) تقدم معنا أنه إذا شق عليه فإنه يستلم الحجر يعني يمسح عليه ويقبل يده وأن هذا ثابت في حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ فعل ذلك.
- ثم قال ﵀:
فإن شق اللمس أشار إليه.
стр. 1139
ترك المؤلف ﵀ مرتبة من مراتب الاستلام وهي: أن يستلم الحجر بشيء مع ويقبل هذا الشيء.
- لما صح في الحديث الذي رواه مسلم أن النبي ﷺ استلم الحجر بمحجن وقبله.
ثم المرتبة الأخيرة: (فإن شق اللمس أشار إليه). يعني: بيده بلا تقبيل، فيشير الإنسان إلى الحجر بدون أن يقبل يده.
فصارت المراتب:
- التقبيل مجرداً عن الاستلام.
- ثم الاستلام مع التقبيل.
- ثم استلام الحجر بشيء من عصا أو نحوه مع تقبيله.
- ثم الإشارة بلا تقبيل.
فهذه هي مراتب استلام الحجر.
وكما لا يخفى أن هذه المراتب ما عدا الأخير نستطيع أن نقول أنها في مواسم الحج المعاصرة غير مشروعة لكثرة الزحام وما يؤدي إليه هذا الأمر - وهو الاستلام أو التقبيل - من شقاق ونزاع ومدافعة لا يأتي الإسلام بمثلها لا سيما وأن النبي ﷺ نهى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن يزاحم ليقبل وسواء صح هذا الحديث أو لم يصح لاشك أن قواعد الإسلام تقتضي أنه في مثل هذه المواسم - مواسم الحج والعمرة في رمضان أنا نستطيع أن نقول أن التقبيل لا يشرع لما يترتب عليه من زحام شديد وإضرار بالآخرين.
وذهب الجمهور إلى أن التقبيل لا يشرع للمرأة وبنو هذا على أن التقبيل يؤدي إلى اختلاط المرأة بالرجال وكثرة المساس بين المرأة والرجل مما تأباه النصوص العامة الدالة على وجوب محافظة المرأة على جسدها من الاختلاط بالرجال.
ثم نقول: ما يقع اليوم من تقبيل النساء للحجر الأسود اليوم في الزحام في الحج أو في العمرة في رمضان لا يشك أي إنسان أنه محرم وأن المرأة آثمة بهذا التقبيل لما يلحظه الإنسان من تعرض المرأة لشيء عظيم من ذهاب الحياء والمساس بالرجال والاختلاط على وجه يحرمه الشرع بلا إشكال فإن التقبيل غاية ما هنالك أنه سنة بينما اختلاط المرأة بالرجال مع الالتصاق والمساس محرم بإجماع الفقهاء بإجماع أهل العلم وهذا الذي تقتضيه النصوص ولذلك ينبغي على طالب العلم أن يشير على المرأة أو على ولي المرأة أن التقبيل في الزحام محرم.
- ثم قال ﵀:
ويقول ما ورد.
стр. 1140
- ثبت في حديث جابر وغيره أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يبدأ بالطواف واستقبل الحجر كبر.
فالتكبير ثابت في الأحاديث الصحيحة، وليس في الأحاديث الصحيحة المرفوعة إلى النبي ﷺ دعاء يثبت عند بداية الطواف إلا التكبير فقط، لكن صح عن ابن عمر ﵁ أنه كان يبسمل فيقول: (بسم الله، والله أكبر) عند بداية الطواف، فإن أخذ الإنسان بهذا الأثر فقد أخذ بأثر عن أصحاب النبي ﷺ وإن تركه فهو عندي أولى لأن الحج أمر مضبوط منقول عن النبي ﷺ ولو كان هذا الذكر مشروعاً لنقل عن النبي ﷺ لا سيما مع شدة عناية أصحاب النبي ﷺ بحجه الأخير وأما أثر ابن عمر فلا يمتنع أن يكون اجتهاداً منه ﵁ لكثرة بداية الأعمال بالبسملة في الشرع. كما عند الوضوء إن صح وهو ضعيف. وكما عند الأكل وعند قراءة القرآن وغيره فقد جاء في الشرع في مواضع كثيرة أن الإنسان إذا شرع في العبادة يبسمل فلعل ابن عمر ﵁ قاس على عبادة الطواف على غيره من العبادات.
والأقرب والله أعلم فيما يظهر لي أنه لا يشرع للإنسان إلا أن يقول: (الله أكبر)، تأسياً بالنبي ﷺ .
- ثم قال ﵀:
ويجعل البيت عن يساره.
دل النص والإجماع: على أن الطائف إذا بدأ بالطواف فإنه يجب أن يجعل الكعبة عن يساره فإذا استقبل الحجر وكبر انصرف عن يمينه.
والدليل على ذلك:
- قول النبي ﷺ (خذوا عني مناسككم) وقد طاف كذلك ﷺ .
وذكر أهل العلم حكماً كثيرة لكون الطواف يكون على هذه الهيئة أي أن يجعل الإنسان البيت عن يساره، أما الدليل فهو السنة المستفيضة، وهذه الحكم استنباطات من أهل العلم:
стр. 1141
- منها: ونقتصر عليه: أن الطائف إذا جعل البيت عن يساره فإنه يعتمد على الشق الأيسر وبذلك يكون الشق الأيمن أرفع شأناً ومن المعلوم أن الشارع كرم الشق الأيمن للإنسان، هذا أقوى الحكم المذكورة. وفيه ما فيه من التكلف. وما ذكر من التعليلات الأخرى والحكم أيضاً فيها تكلف أكثر من هذه الحكمة فالواجب أن يقتصر الإنسان في مثل هذا على ما جاء في النصوص لا سيما في الحج فإنه يكثر في الحج الأعمال التي قد يصعب تعليلها وطلب الحكمة عدا أن الحكمة هي امتثال الأوامر وتعظيم الله وذكره في هذا الحج، هذا هو الذي يظهر وواضح من النصوص كما سيأتينا، أما التماس بعض الحكم في الحج ففيها تكلف ظاهر.
- ثم قال ﵀:
ويطوف سبعاً.
أي: أن عدد الأشواط في الطواف سبعة ولا يجوز له أن يزيد على هذا المقدار فإن زاد تعبداً فهو مبتدع ولا يجوز له أن ينقص فإن نقص متعبداً فهو مبتدع بالإضافة إلى بطلان الطواف لأنه نقص منه ركناً وهذا الأمر مجمع عليه بين أهل العلم.
- ثم قال ﵀:
يرمل الأفقي.
الرمل هو: مقاربة الخطى مع الإسراع، وهو سنة باتفاق الأئمة.
قوله: (الأفقي) هذا يدل على أن الرمل سنة خاصة بغير المكي، فالأفقي يسن له أن يرمل والمكي لا يسن له أن يرمل.
والدليل على ذلك:
- ما ثبت عن ابن عمر وابن عباس أنهم قالوا: ليس على المكي رمل، فثبت بهذه الفتاوى أنها سنة خاصة بمن قدم من خارج مكة.
- كما أنه يدل على ذلك: الآثار المروية عن حال الصحابة أن الذين كانوا يرملون هم الذين يقدمون من خارج مكة دون المكيين.
- ثم قال ﵀:
يرمل الأفقي في هذا الطواف ثلاثاً ثم يمشي أربعاً.
أفاد المؤلف ﵀ أن الرمل سنة خاصة بطواف القدوم وأنه يختص بالأشواط الثلاثة.
والدليل على ذلك:
- ما صح عن النبي ﷺ من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا دخل مكة طاف في قدومه ثلاثاً سعياً وأربعاً مشياً.
стр. 1142
ففي حديث ابن عمر النص على أن الرمل كان في قدومه. يعني: في طواف القدوم، وعلى أنه كان في الثلاثة الأشواط الأولى لأنه يقول (سعى ثلاثاً ومشى أربعاً) فالحديث نص في تخصيص طواف القدوم وتخصيص الأشواط الثلاثة فإذاً لا يشرع ولا يسن أن يستمر الإنسان في الرمل إلى نهاية الطواف.
* * مسألة / فإن لم يستطع أن يأتي بهذه السنة إلا بالابتعاد عن الكعبة:
= فمن الفقهاء من قال: القرب من الكعبة أولى من هذه السنة.
- لأن الطواف إنما كان حول الكعبة لتعظيم الكعبة. وكلما قرب الإنسان من الكعبة كان أولى في الإتيان بمعنى الطواف.
- كما استدلوا: بفتاوى لبعض التابعين. وليست بدليل. - الفتوى من التابعي ليست بدليل - لكن اعتاد أهل العلم أن يذكروا في سياق إثبات الحكم الفتاوى التي تأتي عن التابعين.
= والقول الثاني: أنه يأتي بالسنة ولو كان بعيداً عن الكعبة ولو أد الإتيان بالسنة إلى البعد عن الكعبة.
- للقاعدة المشهورة أن السنة المتعلقة بذات العبادة أولى ومقدمة على السنة التي تتعلق بمكان العبادة.
وهذا القول الثاني هو الصحيح.
-
ثم قال ﵀:
يستلم الحجر والركن اليماني كل مرة.
- ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ كان يستلم الحجر الأسود والحجر اليماني.
وهذا يدل بمفهومه أن الركنين الشاميين لا يشرع للإنسان أن يستلمهما.
وأطبق أهل العلم واستقر الأمر على هذا وهو أنه لا يستلم من البيت إلا الحجر الأسود والركن اليماني، إلا أن الركن اليماني يشرع الاستلام فيه دون التقبيل. لأنه لم يأت عن النبي ﷺ فيه إلا الاستلام دون التقبيل، كذلك لا يشرع في الحجر اليماني الإشارة إذا لم يستطع الإنسان أن يستلم، وتبين من هذا أن مرتبة الحجر اليماني بالنسبة للاستلام والتقبيل وغيره مرتبة واحدة وهي الاستلام فقط فإن استطاع أن يستلم وإلا ينصرف.
والسنة: أنه إذا استلم الحجر اليماني يدعو فيقول: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)، وهذا ثابت في حديث عطاء بن السائب ﵁ وهو حديث صحيح ثابت.
стр. 1143
ولا يشرع بين الركنين أن يدعو بأي دعاء آخر على سبيل التعيين والقصد، وله أن يدعو بما شاء على سبيل الدعاء المطلق، كذلك: لا يشرع أنه يدعو الإنسان بين الحجر الأسود والركن اليماني. ونحن تحدثنا عن الدعاء بين الركن اليماني والحجر الأسود - الآن لا يشرع له أن يدعو بدعاء معين بين الحجر الأسود والركن اليماني. يعني: تكملة الدورة فلا يشرع في هذا أن يتقصد دعاء معيناً فإن تقصد دعاء معيناً رأى أنه خاص بهذا المكان فإنه مبتدع وإن دعا بدعاء عام فهذا هو الواجب، وينبغي للإنسان أن لا يطوف وهو صامت فإما أن يدعو أو أن يقرأ القرآن لأن هذا مكان عبادة وخضوع يناسب أن يبتهل الإنسان إلى الله فيه إما بالدعاء أو بقراءة القرآن غير المعين والمقصود وإنما بدعاء عام مطلق.
- ثم قال ﵀:
ومن ترك شيئاً من الطواف ... لم يصح.
من ترك شيئاً من الطواف ولو يسيراً فإن الطواف باطل.
والدليل على هذا:
- أن النبي ﷺ استغرق في طوافه ما بين الحجر الأسود إلى الحجر الأسود ولم يترك منه شيئاً، فإذا نقص الإنسان عن هذا المقدار فقد عمل عملاً ليس عليه أمر النبي ﷺ فيبطل طوافه.
-
ثم قال ﵀:
أو لم ينوه ...
إذا طاف الإنسان بلا نية: فطوافه: = عند الحنابلة غير صحيح.
والطواف بلا نية ينقسم إلى قسمين:
- القسم الأول: أن يطوف بلا نية مطلقاً. كمن يطوف حول الكعبة بقصد إتباع رجل من الرجال أو لحاقه لأي سبب من الأسباب، فهذا لاشك أن طوافه باطل ولا يعتبر طوافاً ولو كان محرماً، ولو كان بصدد أن يطوف للعمرة أو للقدوم، لأنه لم ينو الطواف مطلقاً وإنما نوى أن يتبع هذا الرجل، وهذا قد يقع اليوم كثيراً فيمن تطوف أو يطوف للبحث عن طفل فهذا الطواف لا يجزئ لأنه إنما يطوف حول الكعبة لكن بقصد البحث عن طفل لا بقصد التعبد لله بالدوران حول الكعبة.
- القسم الثاني: أن يطوف ناوياً الطواف العام بلا تخصيص فلم ينو أنه طواف قدوم أو طواف إفاضة أو طواف نفل وإنما يطوف طوافاً عاماً:
= فعلى المذهب لا يصح أيضاً.
- لقول النبي ﷺ (إنما الإعمال بالنيات).
стр. 1144
= والقول الثاني: أن الطواف مع وجود نية التعبد لله صحيح ولو لم ينو العبادة المخصصة، ويكتفى بالنية العامة لعبادة الحج.
- قياساً على من ركع وسجد وقرأ في الصلاة بنية الصلاة العامة بدون أن ينو أنه سيركع الآن أو سيسجد الآن فنكتفي بنية الصلاة العامة وهي تغني عن النية الخاصة لمفردات وأجزاء العبادة.
والأحوط: القول الأول. وينبغي للإنسان إذا أراد أن يطوف أن يعلم أنه سيطوف قدوماً أو عمرة أو حجاً أو إفاضة فيحدد ما الذي سيطوف الآن، والسبب أن بين الصلاة والحج فروقاً منها: أن الصلاة وقتها قصير ومجتمع بخلاف الحج فهو متباعد وأعماله كثيرة فقد ينسى الإنسان أن يستحضر نية خاصة للعبادة الجزئية داخل الحج، ولذلك الأحوط لاشك أن الإنسان إذا أراد أن يطوف أن يعين نوع الطواف، والغالب على المسلمين الآن أنهم يطوفون بتعيين هذه النية.
-
ثم قال ﵀:
أو نكسه.
تنكيس الطواف هو أن يجعل الكعبة عن يمينه، فإذا جعل الكعبة عن يمينه وطاف سبعة أشواط فإن الطواف باطل، والسبب: أن هذا الطواف مخالف لسنة النبي ﷺ وهو ابتداع في هيئة وصفة الطواف، وهذا بحث نظري. وهو بحث نظري من وجهين:
- الوجه الأول: أنه لا يقع. فلم نر أحداً فعله ولا من الجهال، لأنه يرى الطواف الصحيح يجري أمامه فيجري معه.
- والوجه الثاني: هو طواف نظري من حيث: عدم المقدرة. فإن الإنسان بالكاد يستطيع الطواف الآن فكيف بمن يطوف بالعكس.
فهو نظري من هذين الوجهين. وعلى كل حال إن طاف فطوافه باطل.
يقول هنا (أو نكسه) وفي نسخة: (نسكه). ونحن شرحنا النسخة المعتمدة (أو نكسه) أما على النسخة الثانية (نسكه) يعني أو لم ينو نسكه بأن أحرم إحراماً مطلقا ولم يعين قبل أن يبدأ بالطواف: فهذا الطواف باطل وملغى لأنه لا يوجد شيء يبني عليه باقي نسكه لأن هذا الطواف لم يعين فيه نسكاً معيناً. وهذا صحيح أنه إذا أحرم إحراماً مطلقاً ولم يعين قبل أن يبدأ بالطواف فإن هذا الطواف لا يصح.
стр. 1145
وهذا يقع اليوم كثيراً من الجهال فإذا جاء الحاج إلى الميقات تجد أنه لا يعرف الأنساك الثلاثة ولا كيفية الأنساك فيحرم بالحج إحراماً مطلقاً لا يعين لا الإفراد ولا التمتع ولا القران ثم يأتي ويطوف قبل أن يحدد فمثل هذا طوافه لا يصح إلا أنه إذا كان الإنسان لما أحرم يقول أنا أحرمت بالحج أقصد الحج فحينئذ يعتبر مفرداً. لكن إذا أحرم إحراماً مطلقاً ولم يعين شيئاً تقول له: هل تقصد أنك معتمر أو حاج أو حاج ومعتمر؟ ويقول لم أقصد شيئاً فهذا يجب أن يعيد الطواف أما إذا قال أنا أقصد الحج ولا أقصد شيئاً آخر فهذا مفرد ولا إشكال فيه.
- ثم قال ﵀:
أو طاف على الشاذَروان.
فإنه لا يصح طوافه، لأن هذا الجزء يعتبر من الكعبة، والشاذروان هو: الجزء الزائد في أصل الكعبة، وهو معروف، وكان هذا الجزء مربعاً بحي يستطيع الإنسان أن يطوف عليه ثم إن الذين بنوه فلا أدري هل هي الحكومة السعودية وفقها الله أو الذين قبلهم بنوه مائلاً بحيث لا يستطيع الإنسان أن يمشي عليه وبهذا انتهت هذه المشكلة من أصلها وهي أنه لا يستطيع الإنسان أن يطوف أصلاً وملاحظ الآن أنه مائل وبالإضافة إلى أنه مائل أيضاً هو ناعم فلا أحد يستطيع أن يطوف على هذا الجدار لأنه يتعذر على الإنسان المشي عليه إلا إنسان يتكلف أن يمشي عليه متكأ على من بجواره وهذا تكلف ولا أظنه يقع الآن، المهم: أنه إذا طاف الإنسان على هذا الشاذروان فطوافه لا يصح.
= والقول الثاني: أن الطواف عليه صحيح ويجزئ وأنه ليس من الكعبة ولا يدخل في مسماها وإنما وضعه من وضعه دعامة لجدار الكعبة.
وهذا القول فيه وجاهة لأن الظاهر أن الكعبة هي الكعبة المربعة بدون هذه الزوائد لكن في الحقيقة الترجيح في هذه المسألة يستدعي أولاً معرفة تاريخ البناء وهل هذا الجزء هو من مسمى البيت الكعبة أو أنه ليس من مسمى البيت. فالترجيح في هذه المسألة يرجع إلى معرفة بناء الكعبة وما الذي يدخل فيه وما الذي يخرج منه.
- ثم قال ﵀:
أو جدار الحِجر.
- لأن الحجر من الكعبة.
فإذا طاف عليه الإنسان فقد طاف في الكعبة وليس حول الكعبة، والواجب الطواف حول الكعبة ولذلك يكون طوافه باطلاً وعليه أن يعيد.
стр. 1146
- فإن علم أثناء الطواف أعاد هذا الشوط فقط.
- وإن علم فيما بعد أعاد الطواف كاملاً.
- ثم قال ﵀:
أو عريان.
إذا طاف الإنسان عرياناً: فإن الطواف لا يصح:
- لما رواه ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام).
- ولأن النبي ﷺ أرسل أبا بكر الصديق ﵁ وأمره أن يأمر الناس أن لا يطوف بالبيت عريان ولا مشرك.
فهذان دليلان على بطلان طواف من طاف بلا سترة.
-
ثم قال ﵀:
أو نجس: لم يصح.
إذا طاف الإنسان نجساً فطوافه باطل.
والدليل على هذا:
- الحديث السابق: (أن الطواف بالبيت صلاة).
- وأيضاً أن الطواف للمتنجس ربما يؤدي إلى تنجيس المسجد والله تعالى أمر بتطهيره للطائفين.
= والقول الثاني: أن الطواف طاهراً بلا نجاسة ليس شرطاً في الصحة فإذا طاف وهو متنجس فالطواف صحيح.
واستدل هؤلاء:
- بأنه لا يوجد دليل على اشتراط على اشتراط الطهارة من النجاسة في الطواف، وهذا الحديث لا يصح مرفوعاً إلى النبي ﷺ .
وهذا القول هو الصواب: والحاجة إلى مثل هذه المسألة كثيرة فإنه قد يطوف الإنسان وعليه نجاسة إما عالماً بها ولم يتمكن من الغسل أو أن لا يعلم بها، فقد يكون الإنسان تنجس إحرامه بالدم بسبب جرح أو غيره وعلم به ولا يتسنى له ولا يتهيأ أن يغسل هذه النجاسة قبل أن يطوف، فعلى الصحيح إن شاء الله أن طوافه صحيح، وعلى المذهب عليه أن يعيد.
- ثم قال ﵀:
ثم يصلي ركعتين خلف المقام -
يستحب للإنسان أن يصلي ركعتين خلف مقام إبراهيم ﷺ .
- لقوله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى).
- ولما تواتر في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ لما طاف ذهب إلى المقام وصلى خلفه ركعتين.
= والجمهور على أن الركعتين: سنة.
- لعدم الدليل على الوجوب.
= والقول الثاني: أن الركعتين واجبتان إذا كان الطواف في نسك واجب. وسنة إذا كان الطواف لنسك مسنون.
= والقول الثالث: أن ركعتي الطواف واجبة مطلقاً. وإلى هذا القول مال الفقيه ابن مفلح ﵀.
стр. 1147
واستدل هؤلاء:
- بقوله تعالى) وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى (. فالآية فيها الأمر الصريح.
- كما أنه لا يحفظ عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه مطلقاً أنه طاف بلا صلاة.
وهذا القول هو الراجح بالنسبة لي بلا إشكال. لوضوح النصوص الآمرة به ولأن هذه صلاة معتبرة مقصودة من النسك فكيف نقول أنها سنة، فالأقرب ما اختاره ابن مفلح وه, وجوب ركعتي الطواف.
المسألة الأخيرة: إذا ترك الصلاة خلف المقام فيجوز له أن يصليها في أي مكان من مسجد الكعبة ويجوز له أن يصليها في أي مكان من الحرم ويجوز له أن يصليها في الحل.
- لأن أمير المؤمنين عمر ﵁ لم يصل إلا بذي طوى.
وفي هذه المسائل خلاف لكن هذا هو الراجح الذي تعضده الآثار عن أصحاب النبي ﷺ أنه يجوز أن يصلي الركعتين في أي مكان من الحل أو الحرم.
стр. 1148
شرح كتاب المناسك الدرس رقم (١٠)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
انتهى الكلام بنا في الدرس السابق إلى نهاية الطواف، ثم بدأ المؤلف ﵀ بالكلام عن ما يتعلق بالسعي:
- فقال ﵀:
ثم يستلم الحجر.
- ثبت في صحيح مسلم عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ لما انتهى من ركعتي الطواف استلم الحجر قبل أن يذهب إلى الصفا.
فهذه سنة ثابتة في صحيح مسلم لا إشكال فيها، لكن اختلف الفقهاء: هل هذه السنة تختص بطواف القدوم أو هي عامة لكل طواف أو تختص بشيء ثالث؟ على قولين:
= القول الأول: الذي عليه الجمهور أن الرجوع إلى الحجر لاستلامه بعد صلاة ركعتي الطواف إنما يشرع فقط بعد طواف القدوم فقط، إلى هذا ذهب النووي ﵀ وغيره من أهل العلم.
= القول الثاني: أنه يشرع بعد كل طواف بعده سعي.
стр. 1149
والصحيح القول الأول، وهو أنه مشروع بعد طواف القدوم فقط، وهذه السنة: سنة مهجورة. ولا أقصد أنها مهجورة بسبب الزحام بل حتى في أيام السعة قل أن تجد أحداً يصلي ركعتي الطواف ثم يذهب ليستلم الحجر مع أنها سنة ثابتة.
- ثم قال ﵀:
ويخرج إلى الصفا من بابه: فيرقاه حتى يرى البيت.
- ثبت أيضاً في حديث جابر ﵁ في مسلم أن النبي ﷺ لما انتهى من الطواف خرج إلى الصفا من بابه فلما دنى قرأ - (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) -[البقرة/١٥٨] أبدأ بما بدأ الله به ثم رقى الصفا واستقبل القبلة ووحد الله وكبره.
فاشتمل الحديث على السنن التي ذكرها المؤلف ﵀.وهي: - الصعود على الجبل. - واستقبال القبلة. - والتوحيد. – والتكبير، وهذه الأشياء كلها سنن. فإن فعلها فقد اتبع النبي ﷺ وإن تركها فقد ترك سنة لا حرج عليه فيها، إلا أن كثيراً من الفقهاء أو الجماهير منهم ولم أقف على خلاف وأيضاً لم أقف على حكاية إجماع أن سنة صعود الجبل خاصة بالرجال، وأما باقي السنن فهي عامة للرجل وللمرأة.
- قال ﵀:
ويكبر ثلاثاً.
في مسلم: وحد الله وكبره وذكر بعضهم أن الإمام أحمد زاد في مسنده: وحد الله وكبره ثلاثاً. واستدلوا بهذه الزيادة على أن التكبير عند الصفا ثلاثاً، واجتهدت أن أجد هذه الفظة في مسند الإمام أحمد فلم أجدها من خلال البحث اليدوي وغير اليدوي لم أجد هذه اللفظة في مسند الإمام أحمد، ويغلب على ظني أنها لا تثبت وأنها من الزيادات الشاذة، لكن الإشكال هو أني لم أجد هذه اللفظة حتى ينظر الإنسان في الإسناد ويحكم عليها بما يقتضيه من حيث الشذوذ لكن بداية فإن مسلماً تركها ولم يذكرها وهذا بحد ذاته يشعر الإنسان أنه هذه الزيادة تفرد بها راوي مما يشير إلى شذوذها وضعفها.
- ثم قال ﵀:
ويقول ما ورد.
стр. 1150
الذي ورد هو قول النبي ﷺ (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كي شيء قدير، لا إله إلا الله أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده) فهذا الذكر مشروع ويقال على الصفا، ولا أعلم في السنة ذكر خاص يقال عند الصفا سوى هذا الذكر، والنبي ﷺ ذكر هذا الدعاء ثم دعا الله بدعاء عام ثم كرر هذا الدعاء ثم دعا دعاء عاماً ثم كرر هذا الدعاء فعل ذلك ثلاثاً، ومعنى هذا أن هذا الدعاء سيكرر ثلاثاً والدعاء العام سيكون مرتين، هذا ظاهر السنة أن الإنسان يصنع هذا العمل إذا كان على الصفا.
- ثم قال ﵀:
ثم ينزل ماشياً إلى العلم الأول، ثم يسعى شديداً إلى الآخر، ثم يمشي.
أفادنا المؤلف ﵀ بأمرين:
- الأمر الأول: أن السنة بين العلمين: هي السعي الشديد.
- والأمر الثاني: أن السن فيما عدا ذلك أن يمشي بهدوء.
والأمران مسنونان.
والدليل على السعي:
- أن جابر ﵁ قال: فلما انصبت قدماه في بطن الوادي سعى ﷺ .
واختلف العلماء: متى يبدأ السعي:
= فالمذهب أنه يبدأ بالسعي الشديد قبل العلم بستة أذرع.
= والقول الثاني: وهي منصوص الإمام أحمد ﵀ أنه من العلم إلى العلم فقط ولا يبدأ قبل العلم بستة أذرع.
والراجح إن شاء الله أنه من العلم إلى العلم، قال الإمام أحمد ﵀: السعي من العلم إلى العلم، ولا أدري ما هو دليل الحنابلة فقد بحثت لهم عن دليل: لماذا يرون أن الإنسان يتقدم قبل العلم بستة أذرع؟ فلم أجد لهم دليلاً وهم لم يذكروا دليلاً لكن لعلهم يستدلون بهذا الوادي أنه لما انصبت قدماه في بطن الوادي فلعلهم يرون أنه لن يتمكن الإنسان من السعي الشديد إلا إذا تقدم وسعى بقوة قبل أن يصل إلى العلم حتى يستكمل المسافة التي بين العلمين اجتهاداً وسعياً فربما هم يستدلون بهذا، على كل حال: الأمر على ما قال الإمام أحمد ﵀ أنه من العلم إلى العلم.
- ثم قال ﵀:
ويرقى المروة ويقول ما قاله على الصفا.
стр. 1151
يصنع عل المروة كما صنع على الصفا وظاهر الحديث أنه بما في ذلك قراءة الآية (إن الصفا والمروة). في أول مرة.
- لقول جابر ﵁: وصنع على المروة كما صنع على الصفا.
فالسنن المذكورة على جبل الصفا تفعل على المروة.
- ثم قال ﵀:
ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا.
وهذا واضح. والدليل عليه:
- ما نقل عن النبي ﷺ أنه سعى على هذه الصفة. فما كان يصنع من الصفا إلى المروة هو نفس الشيء الذي يصنعه من المروة إلى الصفا تماماً. فالدليل على التشابه هو السنة.
-
ثم قال ﵀:
يفعل ذلك سبعاً: ذهابه سعية ورجوعه سعية.
= ذهب الجماهير من أهل العلم وحكاه بعض الفقهاء إجماع العلماء أن الذهاب يعتبر واحدة والإياب واحدة.
= والقول الثاني: وهو لبعض الشافعية ونقل عن ابن جرير ﵀ أن الذهاب والإياب واحدة.
قال ابن قدامة ﵀ معلقاً على هذا القول: (وهذا خطأ) لأن النبي ﷺ لو كان ذهابه وإيابه واحدة لانتهى بالصفا وهو ﷺ انتهى في الصحيحين بالمروة، فدل انتهاؤه بالمروة على أن هذا القول كما قال ابن قدامة: خطأ، ثم هذا القول ترك: وربما نقول حصل الإجماع على خلافه.
- ثم قال ﵀:
فإن بدأ بالمروة: سقط الشوط الأول.
إن بدأ بالمروة سقط الشوط الأول. لأن الواجب أن يبدأ بالصفا.
- - لقوله ﷺ : (أبدأ بما بدأ الله به).
ذوفي لفظ: (نبدأ). وفي لفظ (ابدأوا) وهذه الألفاظ كلها تدل على وجوب البداية بالصفا، فإذا خالف وبدأ بالمروة فإن هذا الشوط يسقط ويستأنف بداية جديدة من الصفا.
- ثم قال ﵀: - مبيناً السنن -
وتسن فيه: الطهارة.
الطهارة من سنن السعي ليؤدي العبادة على طهارة وليست من الواجبات بإجماع العلماء.
- لأن النبي ﷺ قال لعائشة ﵂ (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت).
وإذا كانت الحائض يجوز لها أن تسعى ففي هذا دليل على أنه يجوز لمن لم يكن على طهارة أن يسعى ولا يعتبر من شروط السعي كما يقوله الجمهور في الطواف.
стр. 1152
هذا الحكم بالنسبة للطهارة الصغرى لا إشكال فيه مطلقاً. فإذا لم يكن الإنسان على طهارة بأن أحدث حدثاً أصغر فلا إشكال في صحة السعي مطلقاً، وفي القديم قبل أن يوسع الحرم هذه التوسعة لما كان المسعى خارج الحرم وكان الناس يخرجون من باب الحرم ويدخلون في باب المسعى في ذلك الوقت لا إشكال أيضاً في هذا الحكم وهو أن الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر سنة، لكن الإشكال: والذي يحتاج إلى وقفة وتحرير وأنا أذكره الآن مذاكرة لأنها مسألة تحتاج إلى وقت أكبر: أن الفقهاء ﵏ يرون أن النبي ﷺ منع الحائض من الطواف. ثم اختلفوا في ما هو السبب في المنع:
= فمن العلماء من قال: أن سبب المنع هو أنها ليست على طهارة وأن الطواف بذاته من شروطه الطهارة.
= ومن العلماء من قال: بل السبب في منع الحائض من الطواف هو أنه فقط أنه لا يجوز لها أن تدخل المسجد.
وإلى هذا القول الثاني ذهب شيخ الإسلام ﵀ فإنه يرى أن سبب المنع هو تحريم دخول الحائض للمسجد والمنع من ذات الطواف لمن لم تكن طاهرة.
فإذا كان السبب في منع الحائض من الطواف هو دخول المسجد نأتي إلى البحث الآخر: هل المسعى الآن يعتبر ضمن حدود المسجد ودخل في حكم المسجد الآن من حيث الصلاة واتصال الصفوف ودخول الحائض ومن حيث جميع الأحكام أو إلى الآن لا يعتبر من المسجد؟ هذه المسألة أيضاً: الثانية محل خلاف:
= فمن الفقهاء المعاصرين من يرى أن المسعى إلى الآن لم يدخل المسجد فبناءً عليه يجوز للحائض أن تسعى ولا يأخذ أحكام المسجد فمن دخل إلى المسعى مباشرة لا يجب عليه أن يصلي تحية المسجد ويجوز للحائض التي يصلي أهلها في المسجد أن تمكث في المسعى، ويترتب على هذا أحكام كثيرة، والمهم أنه ليس من المسجد.
=والقول الثاني: أن المسعى الآن من المسجد. وأن الجدار الفاصل بين المسعى والسرحة الخلفية يدل على أن المسعى من ضمن حدود المسجد. كما أن التوسعة الخلفية للمسجد التي تلي المسعى دلت على أن المسعى دخل ضمن المسجد.
стр. 1153
والترجيح في هذه المسألة يحتاج إلى نظر أكثر وتأني واستفسار من القائمين على المسجد هل هم يرون أن التوسعة التي من قبل المسعى توسعة ضمن المسجد؟ وهذا هو الظاهر أو لا يرون ذلك، والمهم هو أن الترجيح في هذه المسألة يحتاج كما قلت لكم إلى مزيد عناية وتأمل وتأني لكثرة ما يترب عليها من أحكام، لكن الذي يظهر لي بداية وأميل إليه الآن ويحتاج - كما قلت - إلى تحرير أنه من المسجد، بدليل أن الناس يصلون في التوسعة ولو لم تتصل الصفوف، وبدليل أن البناء الخاص بالتوسعة يشبه الخاص بالمسجد مما يدل على أنهم أرادوا أن يكون من المسجد توسعة على المصلين وحتى يتسع لهم في المواسم، وإذا كانت التوسعة من المسجد فمن باب أولى أن المسعى يكون من المسجد، فالذي يظهر الآن أن المسعى من المسجد، وكما قلت لكم: أنه يترتب عليه مسائل كثيرة جداً فيحتاج إلى نظر آخر وتلمس لأدلة أخرى.
-
ثم قال ﵀:
والستارة.
يعني: ليس من شروط صحة السعي أن يستر الإنسان عورته، بل هو مستحب، وستر العورة واجب من حيث هو لكن هو الآن يتكلم عنه في السعي.
واستدلوا على عدم اشتراط السترة في السعي:
- بأنه إذا سقط شرط الطهارة وهو أعظم فالستر من باب أولى أن يسقط.
- ثم قال ﵀:
والموالاة.
الموالاة بين أشواط السعي، عند المؤلف سنة، = والمذهب أنه شرط لصحة السعي، فالمؤلف ﵀ خالف المذهب في هذه المسألة.
واستدل الحنابلة على اشتراط الموالاة:
- بالقياس على الطواف فقط.
= والقول الثاني: وهو مروي عن الإمام أحمد ﵀ أنه سنة كما قال المؤلف ﵀. قال الإمام أحمد: السعي أهون. يعني من الطواف.
ودليلهم:
- أنه لا يوجد في النصوص نص واضح على وجوب الموالاة بين أشواط السعي. هذا أولاً.
- وثانياً: أنه ثبت عن ابنة ابن عمر أنها سعت في ثلاثة أيام لأنها كانت امرأة ثقيلة لم تتمكن من السعي المتواصل فكانت تسعى القدر الذي تستطيعه ثم تذهب للراحة وترجع واستمرت هكذا لمدة ثلاثة أيام حتى أتمت السعي.
وفي هذا دليل على أنه لا تشترط له الموالاة. لا سيما وأنه لم ينقل عن المعاصرين لها الإنكار عليه ﵂.
стр. 1154
* * مسألة/ هل تشترط الموالاة بين الطواف والسعي؟ وبعبارة أخرى: هل يشترط أن يقع السعي بعد الطواف؟
= ذهب الجماهير من أهل العلم. بل حكاه الماوردي ﵀ إجماع أهل العلم: إلى أن السعي لا يصح إلا إذا كان بعد الطواف. مطلقاً في العمرة والحج.
= والقول الثاني: أن هذا لا يشترط مطلقاً لا في العمرة ولا في الحج.
= والقول الثالث: وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀: أنه شرط إلا للمعذور.
والراجح: هو القول الأول المحكي أجماعاً. وأن من سعى قبل أن يطوف فإن سعيه لا يجوز.
لكن نحتاج إلى تأني في فهم هذا القول: لذلك سنورد إيراداً ليتضح هذا القول:
- فإن قيل: إن النبي ﷺ سأل يوم العيد عن رجل سعى قبل أن يطوف فقال: (افعل ولا حرج).
فالجواب: أن هذا السعي الذي وقع يوم العيد تقدمه طواف وهو طواف القدوم أو طواف العمرة، وبهذا أجاب الخطابي والنووي عن هذا الحديث وهو جواب صحيح، وبهذا نعلم أنه يجب لمن أراد أن يفتي بجواز تقديم السعي على الطواف يوم العيد أن يعلم أن هذا مشروط بأن يتقدم هذا السعي طواف ولو قبل يوم العيد كما قال الأئمة، وأن ما يذكره بعض الفقهاء من أن تقديم السعي على الطواف يجوز وأن هذا الجواز خاص بيوم العيد ليس بصحيح، إذاً هذا الجواز لا يتعلق بيوم العيد وإنما سببه أن هذا السعي تقدمه في الأصل طواف، ولذلك لابد أن ينتبه الإنسان إلى أن الحجاج الذين يأتون إلى منى أو عرفة مباشرة ولا يتقدم يوم العيد لهم أي طواف ولا عمرة أنه لا يجوز لهم أن يقدموا السعي وأن هذا الجواز خاص بمن تقدم منه الطواف قبل يوم العيد، فهذه مسألة يجب أن ينتبه إليها طالب العلم ويفهمها وينبه الذين يقدمون السعي على الطواف بدون تقديم طواف لأن السعي سيأتينا أنه ركن من أركان الحج وأن من صنع ذلك ثم رجع إلى أهله يجب عيه أن يأتي ويسعى وأنه لم يتحلل التحلل الكامل إلى الآن، ولذلك مسائل الحج بعضها ينبني على بعض ويجب أن ينتبه الحاج إلى هذا التسلسل حتى لا يقع في نسك خطأ.
((سؤال: لو أن إنساناً ذهب من الصفا إلى المروة ثم رجع مع نفس طريقه فهل هذا يعتبر إخلال؟
стр. 1155
الجواب: لا يعتبر إخلالاً لأن الواجب هو أن يسعى بين الصفا والمروة أما الذهاب والإياب الموجود الآن فهو محدث وضعوه أخيراً لتسهيل الزحام فلو أن الإنسان ذهب مع الإياب ورجع مع الذهاب لصح نسكه.
* * مسألة أخرى/ وهي الواجب الذي يتأدى به هذا ركن (السعي) هو: أن يستكمل ما بين الجبلين ذهاباً وإياباً، وهذا يؤكد ما قلته لكم أن الصعود عل الجبل سنة ولو أنه سعى ما بين الجبلين بدون صعود على الجبل لكان سعيه صحيحاً، قال شيخنا ﵀: والواجب الآن يتوافق مع ممر العربات، وهذا كلام جيد منه ﵀ يسهل المسألة ويوضح المقصود، فلو أن الإنسان بمجرد ما ينتهي من ممر العربات يعطف ويبدأ بالشوط الثاني لكان شوطه صحيحاً وكل ما فوق ذلك زيادة وهو من الجبل، إذاً عرفنا الآن حدود السعي.
-
ثم قال ﵀:
ثم إن كان متمتعاً لا هدي معه: قصر من شعره وتحلل.
أفادنا المؤلف ﵀ أمرين:
- الأول: أن السنة للمتمتع أن يقصر ولا يحلق ليبقى من شعره شيء لنسك الحج.
وعلم من هذا أن الحاج لو أخذ العمرة في وقت مبكر وعلم أنه سينبت له من الشعر ما يقوم بنسك الحج فإن السنة له أن يحلق ولا يقصر، لكن عبارة المؤلف ﵀ خرجت مخرج الغالب وهو: قرب نسك العمرة من نسك الحج عند كثير من الناس.
- الثاني: أن المتمتع الذي لم يسق الهدي: السنة في حقه إذا طاف وسعى أن يحلق ويتحلل:
- لأن النبي ﷺ لما أتم السعي وصار على المروة أمر أصحابه أن يقلبوا النسك إلى متعة.
وتقدم معنا: هل هذا القلب واجب أو سنة؟ وأن الراجح: أنه سنة.
стр. 1156
والنبي ﷺ لما أمر أصحابه على المروة أن يتحللوا تحلل بعضهم وذهب النبي ﷺ إلى مكانه ثم تحدث الصحابة في استغرابهم من أن يأمروا بجعل هذا النسك عمرة وهم لا يعرفون العمرة في أشهر الحج وقد أتوا للحج. فبلغ النبي ﷺ إما من أحد الصحابة أو أبلغه الله أن الصحابة صاروا يتحدثون ويستغربون من هذا الأمر وأن بعضهم لم يمتثل الامتثال الكامل فخرج النبي ﷺ وخطبهم. وأمرهم وشدد عليهم أن يتحللوا فتحلل كل الصحابة الذين لم يسوقوا الهدي.
ولهذا نقول كما قال المؤلف: أن السنة أن الإنسان إذا طاف وسعى ولم يسق الهدي أن ينوي هذا النسك عمرة إذا لم ينوه ويقصر ويتحلل.
- ثم قال ﵀:
وإلاّ حلّ إذا حج.
(وإلا) أي: وإلا يكن متمتعاً بأن كان مفرداً أو قارناً أو كان متمتعاً لكنه ساق الهدي فهؤلاء الثلاثة كلهم لا يحلون إلا بعد الحج، أي إلا بعد استكمال المناسك ورمي جمرة العقبة كما سيأتينا، إذاً: السنة للقارن والمفرد والمتمتع إذا ساق الهدي أن لا يحلوا إلا بعد رمي جمرة العقبة. وهذا معنى قول الشيخ (إذا حج).
-
ثم قال ﵀:
والمتمتع إذا شرع في الطواف: قطع التلبية.
المتمتع إذا شرع في الطواف قطع التلبية أي ولا يشرع أن يقطع التلبية قبل ذلك.
واستدلوا على هذا:
- بأنه مروي بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵁.
واستدلوا بدليل آخر وهو:
- أن من تتبع المناسك علم أن التبية تنقطع إذا أخذ الحاج في التحلل. بدليل: أن الحاج أيضاً يقطع التلبية إذا رمى جمرة العقبة يعني إذا بدأ في التحلل فكذلك بالنسبة للمتمتع إذا شرع في طواف العمرة فقد شرع في التحلل فيشرع له أن يقطع التلبية.
وكل هذه التعليلات تعليلات قوية وتفيد أن من علل بها قد استند على مقصود الشارع.
= القول الثاني: أن الإنسان يقطع التلبية من حين يدخل حدود الحرم. وليس الحرم الذي هو المسجد.
واستدلوا على هذا:
- بأن ابن عمر ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقطع التلبية إذا دخل الحرم ويقول: كان النبي ﷺ يصنع ذلك.
стр. 1157
وفي الترجيح بين القولين إشكال والخلاف قوي لأن كلاً من القولين معه دليل وجيه ويصلح للاستناد إليه، فالترجيح فيه إشكال، وليس في هذه المسألة احتياط. فلو أن الإنسان قال: سأحتاط وأستمر في التلبية إلى أن أبدأ بالطواف أو أن أدخل المسجد الحرام فهذا عند أصحاب القول الثاني يكون قد خالف السنة لأن تلبيته من حدود الحرم إلى دخول المسجد تلبية خلاف السنة عند أصحاب القول الثاني، فليس في هذه المسألة احتياط لأن الحقيقة الخلاف فيها قوي.
باب صفة الحج والعمرة
- يقول ﵀:
باب صفة الحج والعمرة
يعني: باب يذكر فيه تفصيل صفة الحج والعمرة، وهذا الباب يعتبر أهم الأبواب، وكما قلنا في باب صفة الصلاة نقول في هذا الباب: أنه خلاصة فقه كتاب الحج.
- ثم قال ﵀:
يسن للمحلين بمكة: الإحرام بالحج يوم التروية.
يسن للمحلين: أي المتمتعين، أن يحرموا بالحج يوم التروية.
- لقول جابر ﵁: فلما كان يوم التروية أهلوا من الأبطح أو من البطحاء.
وهو المكان الذي يسمى الآن المعابدة وهو مكان معروف وفي ذلك المكان نزل النبي ﷺ وأصحابه وأحرموا بالحج منه.
- قال ﵀:
الإحرام بالحج يوم التروية قبل الزوال.
إذاً: يسن أن يحرموا بالحج في هذا اليوم وأن يكون الإحرام قبل الزوال.
والدليل على هذا:
- أن أصحاب النبي ﷺ أحرموا بالحج وذهبوا إلى منى وصلوا فيها الظهر.
وهذا دليل على أنهم أحرموا في الضحى قبل الزوال لأنهم صلوا في منى محرمين إذاً لاشك أنهم تقدم الإحرام بالنسبة لهم في ضحى هذا اليوم الثامن.
لكن في أي وقت من الضحى؟ ليس في السنة شيء واضح وهو أمر فيه سعة: من طلوع الشمس إلى قبيل الزوال فكل هذا وقت إحرام.
-
ثم قال ﵀:
منها.
يعني: أن السنة لمن أراد أن يحرم أن يحرم من مكة، وهذا - أي استحباب الإحرام من مكة - بلا نزاع بين الحنابلة:
- ليدرك فضل مكة بالإحرام منها.
= والقول الثاني: أن السنة أن يحرم الإنسان حيث كان نازلاً.
- لما ثبت في الأحاديث الصحيحة الثابتة أن أصحاب النبي ﷺ أحرموا من المكان الذي كانوا فيه نازلين وهو الأبطح.
стр. 1158
وهذا اختيار شيخ الإسلام ﵀ هو الذي تدل عليه النصوص، فإذاً السنة أن يحرم الإنسان في مكانه الذي هو نازل فيه في أي جهة من مكة، فالمشروع له أن يتقصد الإحرام من هذا المكان ليأتي بالسنة في هذا الأمر.
- ثم قال ﵀:
ويجزئ من بقية الحرم.
يعني: وله أن يحرم من أي مكان من الحرم، ولا يختص الإحرام ببقعة معينة لا المسجد الحرام ولا غيره.
= ويفهم من كلام المؤلف ﵀ أن من أحرم خارج الحرم فإنه لا يجزئ إحرامه وعليه دم.
- لأنه ترك واجباً وهو الإحرام من الحرم.
= والقول الثاني: أن للإنسان أن يحرم بالحج في اليوم الثامن من أي مكان كان فيه من حل أو حرم.
وهذا هو الصواب: - لأنه ليس في النصوص ما يدل مطلقاً على تعين الحرم للإحرام للحاج في اليوم الثامن بل النصوص مطلقة، فإذا أحرم من الحل أو من الحرم من قريب من مكة أو من بعيد منها فالأمر فيه سعة وهو جائز، بل ربما نقول أن الإنسان ينبغي أن يحرم من المكان الذي هو نازل فيه ولو كان خارج الحرم لأنا إذا رجحنا أن السنة أن يحرم الإنسان من المكان الذي هو نازل فيه فيستوي في هذا أن يكون الإنسان في الحرم أو خارج الحرم، فإذا نزل عند أقاربه في مكان خارج حدود الحرم فلا ينبغي له أن يتقصد الدخول للحرم والإحرام بل يحرم من مكانه ثم يأتي إلى إكمال المناسك.
-
ثم قال ﵀:
ويبيت بمنى.
يخرج الحاج إلى منى ويصلي فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ويقصر هذه الصلوات بلا جمع فإن النبي ﷺ قصر فيها الصلاة بدون جمع.
والمبيت في منى: = سنة عند الجماهير وحكى بعضهم الإجماع على: أن المبيت فيها سنة فإذا خرج الإنسان إلى عرفة مباشرة فإن حجه صحيح ولا يلزمه أي فدية، وهذا القول: وهو أن المبيت في منى سنة هو الصحيح إن شاء الله.
= والقول الآخر: قد نقول إن فيه شذوذاً لأنه مخالف لفقه الصحابة والسلف والتابعين ومن بعدهم الذين أطبقوا على سنية المبيت في منى.
- ثم قال ﵀:
فإذا طلعت الشمس: سار إلى عرفة.
ظاهر كلام المؤلف ﵀ أن السنة للحاج إذا طلعت الشمس أن يذهب مباشرة إلى عرفة، وأنه لا يسن له أن ينزل في نمرة.
стр. 1159
= والقول الثاني: أن النزول في هذا الوادي - نمرة - سنة مقصودة. فينبغي على الحاج إذا خرج أن ينزل في هذا الوادي.
- لأن النبي ﷺ والخلفاء الراشدون كلهم نزلوا في هذا المكان. والأصل في أفعال النبي ﷺ التأسي.
((الأذان)).
وإذا كان النبي ﷺ والخلفاء الذين لهم سنة متبعة ﵃ نزلوا في نمرة فهذا يدل دلالة واضحة جداً أن هذا أمر مقصود وسنة يجب أن تتبع وتفعل، هذا إذا تيسر: وكل سنن الحج إذا تيسر. لا سيما مع وجود الزحام فقد لا تتيسر بعض السنن بل قد يكون من الأنسب والأوفق شرعاً عدم فعل السنة إذا ترتب عليها ضرر أكثر على الآخرين أو على من أداها، لكن المقصود الآن تقرير السنن وأن هذه السنة وإن استطاع الإنسان أن يجلس ولو بجانب الطريق ولو في أي مكان في هذا الوادي فإنها سنة، وذكر بعض السلف أنه جرب أن من نزل في نمرة فإنه يشعر بالراحة الزائدة والانبساط وسعة الصدر وهذا ذكره بعض السلف وهذا أمر مجرب وربما يكون هذا صحيح ويكون هذا من ثمرات إتباع سنة النبي ﷺ ،ونترك باقي أبحاث عرفة للدرس القادم إن شاء الله.
((انتهى الدرس)).
стр. 1160
من الأسئلة:
- الموالاة بين الطواف والسعي: فيه خلاف. والراجح إن شاء الله أن الموالاة بينهما سنة. وأفتى الإمام أحمد ﵀ بهذا مراراً، وأنه سنة إن والى بينهما فمستحب وإلا فلا حرج عليه.
- لم يذكر في النصوص تماماً ماذا كان يصنع النبي ﷺ في خيمته في نمرة. لكن الأصل أن هذه المناسك وهذه الأوقات مكان للدعاء والاستغفار، لكن قطعاً ليست في الدعاء كالدعاء الذي بعد الزوال وقصده بل يغلب عليها طابع الاستعداد لما بعد الزوال
- التكبير: الظاهر أنه في كل شوط يكبر وليس في الشوط الأول (فقط).
- الشرب من ماء زمزم: جاء فيه حديث وهو أن النبي ﷺ لما استلم ذهب إلى ماء زمزم وشرب منه وفي بعض الروايات أنه أكثر من الشرب. لكن في الحقيقة لم أتمكن من النظر في إسناده هل هو ثابت أولا؟.
هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد ...
следующие страницы →