Полный текст (2 909 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
والنبي ﷺ لما أمر أصحابه على المروة أن يتحللوا تحلل بعضهم وذهب النبي ﷺ إلى مكانه ثم تحدث الصحابة في استغرابهم من أن يأمروا بجعل هذا النسك عمرة وهم لا يعرفون العمرة في أشهر الحج وقد أتوا للحج. فبلغ النبي ﷺ إما من أحد الصحابة أو أبلغه الله أن الصحابة صاروا يتحدثون ويستغربون من هذا الأمر وأن بعضهم لم يمتثل الامتثال الكامل فخرج النبي ﷺ وخطبهم. وأمرهم وشدد عليهم أن يتحللوا فتحلل كل الصحابة الذين لم يسوقوا الهدي.
ولهذا نقول كما قال المؤلف: أن السنة أن الإنسان إذا طاف وسعى ولم يسق الهدي أن ينوي هذا النسك عمرة إذا لم ينوه ويقصر ويتحلل.
- ثم قال ﵀:
وإلاّ حلّ إذا حج.
(وإلا) أي: وإلا يكن متمتعاً بأن كان مفرداً أو قارناً أو كان متمتعاً لكنه ساق الهدي فهؤلاء الثلاثة كلهم لا يحلون إلا بعد الحج، أي إلا بعد استكمال المناسك ورمي جمرة العقبة كما سيأتينا، إذاً: السنة للقارن والمفرد والمتمتع إذا ساق الهدي أن لا يحلوا إلا بعد رمي جمرة العقبة. وهذا معنى قول الشيخ (إذا حج).
-
ثم قال ﵀:
والمتمتع إذا شرع في الطواف: قطع التلبية.
المتمتع إذا شرع في الطواف قطع التلبية أي ولا يشرع أن يقطع التلبية قبل ذلك.
واستدلوا على هذا:
- بأنه مروي بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵁.
واستدلوا بدليل آخر وهو:
- أن من تتبع المناسك علم أن التبية تنقطع إذا أخذ الحاج في التحلل. بدليل: أن الحاج أيضاً يقطع التلبية إذا رمى جمرة العقبة يعني إذا بدأ في التحلل فكذلك بالنسبة للمتمتع إذا شرع في طواف العمرة فقد شرع في التحلل فيشرع له أن يقطع التلبية.
وكل هذه التعليلات تعليلات قوية وتفيد أن من علل بها قد استند على مقصود الشارع.
= القول الثاني: أن الإنسان يقطع التلبية من حين يدخل حدود الحرم. وليس الحرم الذي هو المسجد.
واستدلوا على هذا:
- بأن ابن عمر ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقطع التلبية إذا دخل الحرم ويقول: كان النبي ﷺ يصنع ذلك.
стр. 1157
وفي الترجيح بين القولين إشكال والخلاف قوي لأن كلاً من القولين معه دليل وجيه ويصلح للاستناد إليه، فالترجيح فيه إشكال، وليس في هذه المسألة احتياط. فلو أن الإنسان قال: سأحتاط وأستمر في التلبية إلى أن أبدأ بالطواف أو أن أدخل المسجد الحرام فهذا عند أصحاب القول الثاني يكون قد خالف السنة لأن تلبيته من حدود الحرم إلى دخول المسجد تلبية خلاف السنة عند أصحاب القول الثاني، فليس في هذه المسألة احتياط لأن الحقيقة الخلاف فيها قوي.
باب صفة الحج والعمرة
- يقول ﵀:
باب صفة الحج والعمرة
يعني: باب يذكر فيه تفصيل صفة الحج والعمرة، وهذا الباب يعتبر أهم الأبواب، وكما قلنا في باب صفة الصلاة نقول في هذا الباب: أنه خلاصة فقه كتاب الحج.
- ثم قال ﵀:
يسن للمحلين بمكة: الإحرام بالحج يوم التروية.
يسن للمحلين: أي المتمتعين، أن يحرموا بالحج يوم التروية.
- لقول جابر ﵁: فلما كان يوم التروية أهلوا من الأبطح أو من البطحاء.
وهو المكان الذي يسمى الآن المعابدة وهو مكان معروف وفي ذلك المكان نزل النبي ﷺ وأصحابه وأحرموا بالحج منه.
- قال ﵀:
الإحرام بالحج يوم التروية قبل الزوال.
إذاً: يسن أن يحرموا بالحج في هذا اليوم وأن يكون الإحرام قبل الزوال.
والدليل على هذا:
- أن أصحاب النبي ﷺ أحرموا بالحج وذهبوا إلى منى وصلوا فيها الظهر.
وهذا دليل على أنهم أحرموا في الضحى قبل الزوال لأنهم صلوا في منى محرمين إذاً لاشك أنهم تقدم الإحرام بالنسبة لهم في ضحى هذا اليوم الثامن.
لكن في أي وقت من الضحى؟ ليس في السنة شيء واضح وهو أمر فيه سعة: من طلوع الشمس إلى قبيل الزوال فكل هذا وقت إحرام.
-
ثم قال ﵀:
منها.
يعني: أن السنة لمن أراد أن يحرم أن يحرم من مكة، وهذا - أي استحباب الإحرام من مكة - بلا نزاع بين الحنابلة:
- ليدرك فضل مكة بالإحرام منها.
= والقول الثاني: أن السنة أن يحرم الإنسان حيث كان نازلاً.
- لما ثبت في الأحاديث الصحيحة الثابتة أن أصحاب النبي ﷺ أحرموا من المكان الذي كانوا فيه نازلين وهو الأبطح.
стр. 1158
وهذا اختيار شيخ الإسلام ﵀ هو الذي تدل عليه النصوص، فإذاً السنة أن يحرم الإنسان في مكانه الذي هو نازل فيه في أي جهة من مكة، فالمشروع له أن يتقصد الإحرام من هذا المكان ليأتي بالسنة في هذا الأمر.
- ثم قال ﵀:
ويجزئ من بقية الحرم.
يعني: وله أن يحرم من أي مكان من الحرم، ولا يختص الإحرام ببقعة معينة لا المسجد الحرام ولا غيره.
= ويفهم من كلام المؤلف ﵀ أن من أحرم خارج الحرم فإنه لا يجزئ إحرامه وعليه دم.
- لأنه ترك واجباً وهو الإحرام من الحرم.
= والقول الثاني: أن للإنسان أن يحرم بالحج في اليوم الثامن من أي مكان كان فيه من حل أو حرم.
وهذا هو الصواب: - لأنه ليس في النصوص ما يدل مطلقاً على تعين الحرم للإحرام للحاج في اليوم الثامن بل النصوص مطلقة، فإذا أحرم من الحل أو من الحرم من قريب من مكة أو من بعيد منها فالأمر فيه سعة وهو جائز، بل ربما نقول أن الإنسان ينبغي أن يحرم من المكان الذي هو نازل فيه ولو كان خارج الحرم لأنا إذا رجحنا أن السنة أن يحرم الإنسان من المكان الذي هو نازل فيه فيستوي في هذا أن يكون الإنسان في الحرم أو خارج الحرم، فإذا نزل عند أقاربه في مكان خارج حدود الحرم فلا ينبغي له أن يتقصد الدخول للحرم والإحرام بل يحرم من مكانه ثم يأتي إلى إكمال المناسك.
-
ثم قال ﵀:
ويبيت بمنى.
يخرج الحاج إلى منى ويصلي فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ويقصر هذه الصلوات بلا جمع فإن النبي ﷺ قصر فيها الصلاة بدون جمع.
والمبيت في منى: = سنة عند الجماهير وحكى بعضهم الإجماع على: أن المبيت فيها سنة فإذا خرج الإنسان إلى عرفة مباشرة فإن حجه صحيح ولا يلزمه أي فدية، وهذا القول: وهو أن المبيت في منى سنة هو الصحيح إن شاء الله.
= والقول الآخر: قد نقول إن فيه شذوذاً لأنه مخالف لفقه الصحابة والسلف والتابعين ومن بعدهم الذين أطبقوا على سنية المبيت في منى.
- ثم قال ﵀:
فإذا طلعت الشمس: سار إلى عرفة.
ظاهر كلام المؤلف ﵀ أن السنة للحاج إذا طلعت الشمس أن يذهب مباشرة إلى عرفة، وأنه لا يسن له أن ينزل في نمرة.
стр. 1159
= والقول الثاني: أن النزول في هذا الوادي - نمرة - سنة مقصودة. فينبغي على الحاج إذا خرج أن ينزل في هذا الوادي.
- لأن النبي ﷺ والخلفاء الراشدون كلهم نزلوا في هذا المكان. والأصل في أفعال النبي ﷺ التأسي.
((الأذان)).
وإذا كان النبي ﷺ والخلفاء الذين لهم سنة متبعة ﵃ نزلوا في نمرة فهذا يدل دلالة واضحة جداً أن هذا أمر مقصود وسنة يجب أن تتبع وتفعل، هذا إذا تيسر: وكل سنن الحج إذا تيسر. لا سيما مع وجود الزحام فقد لا تتيسر بعض السنن بل قد يكون من الأنسب والأوفق شرعاً عدم فعل السنة إذا ترتب عليها ضرر أكثر على الآخرين أو على من أداها، لكن المقصود الآن تقرير السنن وأن هذه السنة وإن استطاع الإنسان أن يجلس ولو بجانب الطريق ولو في أي مكان في هذا الوادي فإنها سنة، وذكر بعض السلف أنه جرب أن من نزل في نمرة فإنه يشعر بالراحة الزائدة والانبساط وسعة الصدر وهذا ذكره بعض السلف وهذا أمر مجرب وربما يكون هذا صحيح ويكون هذا من ثمرات إتباع سنة النبي ﷺ ،ونترك باقي أبحاث عرفة للدرس القادم إن شاء الله.
((انتهى الدرس)).
стр. 1160
من الأسئلة:
- الموالاة بين الطواف والسعي: فيه خلاف. والراجح إن شاء الله أن الموالاة بينهما سنة. وأفتى الإمام أحمد ﵀ بهذا مراراً، وأنه سنة إن والى بينهما فمستحب وإلا فلا حرج عليه.
- لم يذكر في النصوص تماماً ماذا كان يصنع النبي ﷺ في خيمته في نمرة. لكن الأصل أن هذه المناسك وهذه الأوقات مكان للدعاء والاستغفار، لكن قطعاً ليست في الدعاء كالدعاء الذي بعد الزوال وقصده بل يغلب عليها طابع الاستعداد لما بعد الزوال
- التكبير: الظاهر أنه في كل شوط يكبر وليس في الشوط الأول (فقط).
- الشرب من ماء زمزم: جاء فيه حديث وهو أن النبي ﷺ لما استلم ذهب إلى ماء زمزم وشرب منه وفي بعض الروايات أنه أكثر من الشرب. لكن في الحقيقة لم أتمكن من النظر في إسناده هل هو ثابت أولا؟.
هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد ...
стр. 1161
شرح كتاب المناسك الدرس رقم (١١)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قبل درس أو درسين ذكرت لكم أنه لا يشرع للإنسان إذا رأى الكعبة أن يرفع يديه وأن جابر ﵁ أنكر هذا الفعل وهذا كله صحيح. لكن أحضر لي اثنان من الطلبة فائدة: أن الترمذي أخرج في سننه أن جابر قال: كنا نفعله مع النبي ﷺ مع أنه بوب للحديث بقوله: (لا يشرع رفع اليدين) فظهر بهذا أنه بين الترجمة - التبويب - وبين المتن تعارض كما أنه يخالف ما ذكرت من أن جابر نفى الرفع.
وفي الحقيقة أن في هذه النسخة إشكال ثم لما رجعت لبعض النسخ الأخرى وجدت أنه سقط من المطبوعة حرف واحد وهو (همزة الاستفهام) التي للإنكار. وصواب العبارة: (أفكنا) وهي: كنا. فسقوط هذه الهمزة قلب المعنى رأساً على عقب ولذلك ذكرت هذه الفائدة حتى يعلم الإنسان أهمية العناية بتصحيح النسخ لما يترتب عليه من اختلاف المعنى.
وتقدم معنى الكلام عن عرفة وأن النزول في نمرة مختلف فيه بين أهل العلم: فمنهم من قال سنة، ومنهم من قال هو منزل نزله النبي ﷺ وذكرت أن أصحاب النبي ﷺ لا سيما الخلفاء كانوا ينزلون وأن الصواب أن النزول في هذا المكان سنة مقصودة لذاتها متى استطاع الإنسان أن يأتي بها، وتقدم معنا الحديث عن هذه المسألة وكانت هي آخر مسألة تحدثت عنها.
- قال ﵀:
فإذا طلعت الشمس: سار إلى عرفة.
تقدم معنا أنه ترك ذكر النزول في نمرة، وظاهر كلام المؤلف ﵀ أنه لا يشرع للإنسان أن يخرج إلى عرفة إلا في هذا الوقت. يعني: بعد طلوع الشمس، وعلم من كلامه ﵀ أن الذهاب إلى عرفة ليلة عرفة أنه خلاف السنة، فإن كان ذهب إلى عرفة تعبداً فهو مبتدع، وإن كان ذهب إلى عرفة ليستعد أو ليأتي بأعمال تخصه فغاية ما هنالك أنه خالف السنة.
-
ثم قال ﵀:
وكلها موقف إلاّ بطن عُرَنَة.
стр. 1162
وادي عرنة: هو الوادي الذي يفصل بين عرفة ومزدلفة وهذا الوادي ليس من عرفة.
- لقول النبي ﷺ : (كل عرفة موقف وارفعوا عن وادي عرنة - أو عن بطن عرنة).
فهذا الوادي ليس بموقف إجماعاً.
لكن اختلفوا في مسألة أخرى وهي: هل هذا الوادي من عرفة أو ليس من عرفة؟
= فمن الفقهاء من قال: هو من عرفة ولا يجزئ الوقوف فيه.
- لأنه في هذا الحديث استثني من عرفة فهو منها.
= ومنهم من قال: بل هو ليس من عرفة.
وهذا الخلاف لا طائل تحته لأن الجميع يتفق على المسألة المهمة وهي: أن الوقوف في هذا الوادي لا يجزئ سواء اعتبرناه من عرفه أو لم نعتبره من عرفه.
- ثم قال ﵀:
ويسن أن يجمع بين الظهر والعصر.
يسن للإمام وللناس أن يجمعوا الظهر والعصر جمع تقديم، ويصلي خلف الإمام: الآفاقي والمكي وكل حاج، ومسألة الجمع هذه - التي ذكرها المؤلف ﵀:
حكي الإجماع حتى بالنسبة لأهل عرفة أنهم يجمعون خلف الإمام.
والمسألة التي فيها خلاف: القصر. ولن نتحدث عنها الآن: إنما الذي يعنينا في سياق كلام المؤلف ﵀ – الجمع، والجمع: سنة وحكي الإجماع عليه، أما القصر ففيه خلاف والأقرب والله أعلم بالنسبة لعرفة أن المكي يقصر فيها ولعله تأتي مناسبة لذكر الخلاف في ذكر القصر بالذات، أما الجمع فلا إشكال فيه إن شاء الله، والسبب في أنه لا إشكال في الجمع وفيه إشكال في القصر:
- أن الجمع متفق عليه. والقصر مختلف فيه. هذا أمر.
- والأمر الآخر: أن القصر يتعلق بالسفر فقط. بينما الجمع يتعلق بوجود سبب ومن الأسباب في هذا الموقف العظيم أن يتفرغ الحاج لدعاء الله والابتهال إليه لئلا ينشغل بإقامة كل صلاة في وقتها.
فهذا الجمع لا إشكال فيه من هاتين الجهتين: - الإجماع. - ووجود سبب. بخلاف القصر.
-
ثم قال ﵀:
ويقف راكباً.
يعني: أنه يستحب للإنسان في عشي عرفة أن يقف راكباً وهو أفضل من أن ينزل إلى الخيام ويجلس فيها.
واستدل الحنابلة على هذا:
- بأن النبي ﷺ وقف راكباً. والظاهر من صنيعه أنه فعل ذلك قصداً. والأصل في أفعاله التأسي لا سيما في الحج.
= والقول الثاني: أن الوقوف يستحب على الأرض لا راكباً.
стр. 1163
واستدلوا على ذلك:
- بأن هذا أهيأ للدعاء وأرفق بالدابة.
= والقول الثالث: أن هذا يختلف باختلاف حال الشخص. فإن كان الشخص إذا ركب اقتدي به وانتفع بعمله أو كان الركوب أهيأ للراكب فهو حينئذ أفضل. وإن كان النزول أهيأ للحاج فهو أفضل، وهذا اختيار شيخ الإسلام ﵀، وشيخ الإسلام ﵀ دائماً يحاول أن يوفق بين الأقوال ويجمع بينها لتنسجم الأدلة سواء كانت من النصوص أو من التعليلات، والقول بأن الوقوف راكباً سنة: قوي ووجيه. وهو الآن في وقتنا الحاضر متهيئ أكثر من السابق لسهولة الركوب والراحة التي يجدها الإنسان في السيارات هذا من جهة، ومن جهة أخرى: أن الراكب لاشك أنه ينقطع عن الاختلاط ويتفرغ للعبادة والابتهال أكثر منه مختلطاً مع الناس في المخيم، فربما نقول اليوم أن الوقوف راكباً على القول الأول وعلى القول الثالث: يستحب. لأنه أهيأ. ثم أن الذي يقف راكباً يتمكن من إرشاد الناس وتوجيههم أكثر منه داخل الخيام، وعلى كل حال هي مسألة أفضلية وليست مسألة تتعلق بركن الوقوف.
* * مسألة/ وهذا الخلاف نفسه في أقواله يأتينا في مسألة الحج ماشياً وراكباً ففيه ثلاثة أقوال كهذه الأقوال تماماً: أنه يستحب ماشياً - ويستحب راكباً - وأنه يختلف باختلاف حال الشخص.
-
ثم قال ﵀:
عند الصخرات وجبل الرحمة.
يعني: يستحب أن يقف في هذا الموطن.
- لأن جابر ﵁ أخبر أن النبي ﷺ وقف في هذا الموقف وجعل يدعو ﷺ .
والسنة: أن يقف في هذا الموقف مستقبل القبلة، واستقبال القبلة في هذا الموطن أهم من أن يقف عند الصخرات والجبل، فإذا دار الأمر بين أن يستقبل القبلة أو يستقبل الصخرات فإنه يستقبل القبلة ولو استدبر الجبل أو الصخرات، وفهم من كلام المؤلف ﵀ أن قصد الوقوف في هذا المكان: سنة، ومن الفقهاء من قال: إنما وقف النبي ﷺ في هذا الموقف لا قصداً وإنما لأنه مكان قريب منه.
стр. 1164
* * مسألة/ ولا يسن الصعود على الجبل. بل هو بدعة لا أصل له. كما أنه يذهب الوقت على الحاج ويسبب التشويش والضيق والزحام ومنكرات أخرى. فهو مكروه أو محرم: أي الصعود على الجبل.
- ثم قال ﵀:
ويكثر الدعاء مما ورد.
يعني: ويستحب أن يكثر من الدعاء حال وقوفه.
والدليل على هذا من وجهين:
- الوجه الأول: أن هذا الموطن موطن إجابة. فقد عهد الشارع استحباب كثرة الدعاء والعبادة في مواطن الإجابة.
- والثاني: أن النبي ﷺ هكذا صنع أي أكثر من الدعاء وقال: (خذوا عني مناسككم).
وفهم من كلام المؤلف ﵀ أن أفضل أنواع العبادات في ذلك الوقت الدعاء وهو أفضل من قراءة القرآن ومن الفتوى ومن تعليم العلم ومن سائر أنواع العبادات، ومع ذلك نقول: ينبغي للإنسان إذا تعب من الدعاء أن ينصرف إلى نوع آخر من العبادات وأن لا يخرج عن إطار العبادات مهما كان، لكن كلما كانت العبادة قريبة من الدعاء كقراءة القرآن أو الابتهال أو تعداد أسماء الله وصفاته فهو خير من العبادات الأخرى ولو كانت مذاكرة علم أو غيره، فإذا لم يستطع ذهب إلى مسألة مذاكرة العلم لأنه أثر عن الصحابة على الأقل أنهم يتداولون المسألة، فهذه ثلاث مراتب:
- الدعاء. - ثم ما يقرب من الدعاء: من قراءة القرآن وتدارس أسماء الله وصفاته. ... - والثالث: مسألة تدارس العلم.
- ثم قال ﵀:
ومن وقف ولو لحظة.
قوله: (ومن وقف). يقصد ﵀: الحصول في عرفة، أن يوجد في عرفة. فلو كان واقفاً أو مضطجعاً أو جالساً أو على أي هيئة كان، فالمقصود بالوقوف هنا: هو أن يوجد ويحصل في عرفة.
- قال ﵀:
ولو لحظة من فجر يوم عرفة.
بين المؤلف ﵀ في قوله: (من فجر يوم عرفة) بداية وقت الوقوف.
= فذهب الحنابلة وهو من المفردات. إلى أن الوقوف يوم عرفة يبدأ من فجر يوم عرفة.
واستدل الإمام أحمد ﵀ على هذا الحكم:
- بحديث عروة بن مضرس أن النبي ﷺ قال له: (من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف في عرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه).
стр. 1165
فقوله: (ليلاً أو نهاراً) يشمل من طلوع الفجر. لأن النهار يطلق على الوقت من طلوع الفجر.
= والقول الثاني: أن الوقوف لا يبدأ إلا من بعد الزوال. فإن وقف قبل الزوال ثم خرج من عرفة ولم يرجع إليها: بطل حجه، وإلى هذا ذهب: مالك والشافعي وأبو حنيفة، واختاره عدد من المحققين منهم شيخ الإسلام ﵀.
واستدل هؤلاء:
- بأن النبي ﷺ لم يقف في عرفة لا هو ولا الخلفاء الراشدين إلا بعد الزوال.
وأجابوا عن حديث: عروة بن المضرس ﵁ بأن قوله: (ليلاً أو نهاراً) أن كلمة نهاراً يقصد بها ما بعد الزوال جمعاً بين الأخبار.
والراجح والله أعلم: مع الإمام أحمد ﵀.
وسبب الترجيح: أن كون الصحابة والنبي ﷺ لم يقفوا قبل الزوال لا يعني أنه ليس موقفاً يعتد به بدليل: أن الليل يعتبر موقفاً صحيحاً وزمناً صحيحاً للوقوف بالإجماع ولم يقف فيه النبي ﷺ ، ثم يصعب جداً أن نبطل حج شخص وقف الصبح من ضحى يوم عرفة ثم خرج من عرفة مع وجود هذا الحديث الصريح أن الإنسان إذا وقف من فجر يوم عرفة إلى فجر ليلة مزدلفة أن حجه صحيح (وقد وقف في عرفة ليلاً أو نهاراً)، فالحديث يساعد الإمام أحمد بوضوح وتأويلهم للحديث وتخصيصهم له بما بعد الزوال بمجرد فعل النبي ﷺ والصحابة لا يكفي، لكن: إذا سمعت هذا الخلاف عرفت أن من لم يقف إلا قبل الزوال فقد خاطر وعرض حجه للفساد لقوة الخلاف جدا وأن ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة وجيه وقوي ويتعين الاحتياط في مثل هذا الأمر.
- ثم قال ﵀: مبيناً نهاية الموقف:
إلى فجر يوم النحر.
يستمر الوقوف إلى فجر يوم النحر وهذا بالإجماع. فهم اختلفوا في البداية ولم يختلفوا في النهاية.
والدليل على استمرار الوقوف إلى الفجر:
- حديث عروة بن المضرس ﵁.
- وقوله ﷺ : (الحج عرفة. فمن وقف قبل أن تذهب ليلة جمع صح حجه). وهو حديث إن شاء الله حسن.
- والإجماع.
فلا إشكال إن شاء الله أن من وقف في الليل فحجه صحيح.
- ثم قال ﵀:
وهو أهل له.
стр. 1166
يعني: وهو أهل للوقوف، والحاج الذي هو أهل للوقوف: هو من اتصف بثلاث صفات:
- أن يكون مسلماً.
- عاقلاً.
- محرماً بالحج.
فإذا اتصف بهذه الثلاث فهو أهل للوقوف، وشمل كلام المؤلف ﵀ من وقف في عرفة وهو يعلم أن هذه هي عرفة ومن وقف فيها وهو يجهل أن هذه عرفة. فكلاهما حجه صحيح.
واستدل الجماهير على هذا الحكم:
- بأن عروة بن المضرس ﵁ أخبر النبي ﷺ أنه وقف في كل جبل وتل متحرياً عرفة ولم يخبره النبي ﷺ أن وقوفه بلا تعيين لا يجزئ.
وهذا لا إشكال فيه، فإذاً: من وقف في جبل يتحرى يوم عرفة ولم يعلم أنه من عرفة فإن حجه صحيح ما دام في عرفة، وهذا إن تصور في السابق فلا يتصور الآن أبداً لوضوح المعالم وكثرة الناس فإنه لا يخطئ الإنسان أن هذه من عرفة أو من خارج في الجملة.
* * مسألة/ دخل تحت كلام المؤلف ﵀ عدة صور:
ـ الصورة الأولى: النائم. فلا إشكال أن النائب وقوفه صحيح. وإلى هذا ذهب الجماهير والجم الغفير وفيه خلاف ضعيف ضعفه يغني عن سياقه.
ـ الصورة الثانية: المغمى عليه. وهي مسألة مشكلة. فالمغمى عليه محل خلاف بين أهل العلم:
= القول الأول: أن المغمى عليه لا يصح وقوفه. أي: إذا أغمي على الحاج من فجر عرفة إلى فجر مزدلفة ولم يستيقظ أبداً فإن حجه باطل.
واستدل هؤلاء:
- بأن الوقوف عبادة، بل هو ركن الحج. والعبادة يشترط لها النية ولا تتأتى من المغمى عليه.
= القول الثاني: أن وقوف المغمى عليه صحيح.
- لأن أجزاء الحج لا تحتاج إلى نية خاصة كما تقدم معنا. كما نقوله في أجزاء الصلاة.
= والقول الثالث: التوقف. ولعلها الرواية الثانية. وهي رواية عن الإمام أحمد لكن يبدو لي أنها الرواية الثانية.
في المسألة إشكال. ويتردد الإنسان في صحة حج المغمى عليه أو بطلانه لتعارض الأدلة ولعله توقف الإمام أحمد، لكن من المحققين الذين نصروا صحة الحج الشيخ الشنقيطي ﵀ فإنه يرى صحة حج المغمى عليه.
ـ الصورة الثالثة: السكران. والخلاف في السكران كالخلاف في المغمى عليه.
- ثم قال ﵀:
صح حجه وإلاّ فلا.
стр. 1167
إذاً: ذكرنا النائم وأن الخلاف فيه ضعيف وأيضاً المغمى عليه ثم السكران، وأما المجنون فلا خلاف في عدم صحة وقوفه وممن حكى الإجماع: المرداوي بقوله: (لا أعلم فيه خلافاً) لا بقول: لا نزاع فيه فكأنه ينفي الخلاف بين المذاهب الأربعة، وعلى كل حال: المجنون لا إشكال في عدم صحة وقوفه إنما الخلاف في المغمى عليه والسكران وهو خلاف قوي، والنائم لا إشكال في صحة وقوفه.
-
قوله ﵀:
صح حجه وإلا فلا.
يعني: إذا تحققت فيه الشروط صح حجه وإلا فإن حجه غير صحيح.
- ثم قال ﵀:
ومن وقف نهاراً ودفع قبل الغروب ولم يعد قبله: فعليه دم.
إذا وقف الإنسان قبل الغروب ثم دفع قبل أن تغرب الشمس ثم رجع:
= فالجمهور أنه إذا رجع فلا دم عليه.
- لأنه رجع قبل أن يتقرر في حقه الدم.
= ومنهم من قال: بل يجب عليه الدم بمجرد الدفع قبل الغروب.
والقول الأول: هو المذهب وهو الصواب.
ـ الصورة الثانية: إذا دفع قبل الغروب ولم يرجع إلا بعد الغروب فيجب عليه دم ولو رجع.
- لأنه رجع بعد ثبوت الدم ولأن الواجب أن يوجد في عرفة حال الغروب.
وهذا هو الصواب ويدل على رجحانه: القياس على من تعدى الميقات ثم أحرم ثم رجع كما تقدم معنا: أن من تعدى الميقات ثم أحرم ثم رجع فإنه يثبت الدم في حقه بخلاف من تعدى الميقات ثم رجع قبل أن يحرم.
- قوله ﵀:
ومن وقف نهاراً ودفع قبل الغروب ولم يعد قبله: فعليه دم.
أفادنا المؤلف ﵀ أن الوقوف في عرفة إلى غروب الشمس واجب، ونحن الآن نريد أن نذكر الخلاف في مسألتين قد يخلط بينهما بعض الناس:
ـ المسألة الأولى: حكم الوقوف في عرفة قبل إلى غروب الشمس.
ـ المسألة الثانية: ماذا يترتب على الخروج من عرفة قبل غروب الشمس.
فإن عدداً من الناس يحكي الخلاف فيهما بمساق واحد وهما مسألتان.
ـ المسألة الأولى: الوقوف في عرفة إلى غروب الشمس:
= ذهب الجماهير إلى أن الوقوف في عرفة إلى غروب الشمس واجب. فإن تركه فعليه دم وسيأتينا الكلام عن هذا الدم، وإلى هذا ذهب الإمام أحمد ومالك والشافعي في المشهور وأبو حنيفة وجماهير الفقهاء والجم الغفير من أهل العلم: على أن من خرج من عرفة قبل غروب الشمس فعليه دم.
стр. 1168
استدل هؤلاء:
- بأن النبي ﷺ انتظر إلى أن غربت الشمس ثم دفع. وقد أكد جابر ﵁ هذا المعنى تأكيداً بليغاً فقال: حتى إذا غربت الشمس وذهبت الصفرة وغاب القرص. كأنه يؤكد ﵁: دفع النبي ﷺ .
ولو كان يجوز الخروج من عرفة قبل غروب الشمس ولو للضعفة لرخص لهم النبي ﷺ كما رخص في ليلة مزدلفة مع العلم أن المشقة الحاصلة في الانتقال من عرفة إلى مزدلفة أكبر من المشقة الحاصلة في الانتقال من مزدلفة إلى منى. وهذا معلوم.
= والقول الثاني: أن الوقوف إلى غروب الشمس ركن من أركان الحج فإن خرج قبل غروب الشمس: بطل حجه. وهو مروي عن الإمام مالك، فالركن عند الإمام مالك يتركب من أمرين: - الوقوف. - وأن تقف إلى أن تغرب الشمس. ليجمع بين الليل والنهار في عرفة.
= والقول الثالث: وهو قول للشافعية: أن الوقوف إلى غروب الشمس: سنة. فإن دفع قبل الغروب فلا حرج عليه.
واستدلوا على ذلك:
- بأنه لا يوجد نص صريح يمنع من ذلك كما أن الوقوف الذي هو الركن تحقق بالوقوف السابق.
والراجح إن شاء الله: مع الجماهير. لظهور السنة في ذلك ظهوراً بيناً. فإن الإنسان إذا طالع الأحاديث جزم بأن النبي ﷺ وقف قصداً وأراد أن لا يخرج أحد من عرفة إلا بعد غروب الشمس.
ـ المسألة الثانية: ماذا يترتب على الخروج من عرفة قبل غروب الشمس.
هذا أيضاً اختلف فيه الفقهاء على ثلاثة أقوال:
= القول الأول: أن في الخروج دم. شاة تذبح وتوزع على الفقراء.
- لأنه ترك واجباً من واجبات الحج ومن ترك واجباً من واجبات الحج فعليه شاة.
= القول الثاني: أن عليه بدنة، وهو قول محكي عن بعض التابعين.
= والقول الثالث: أنه لا شيء عليه. وهو رواية عن الإمام أحمد وقول عند الشافعية، فالإمام أحمد ﵀ مع كونه يرى وجوب البقاء إلى غروب الشمس مع ذلك يرى أن من خرج فقد ترك واجباً ولا دم عليه.
والراجح: أن عليه دم. وهو القول الوسط الذي يدل عليه فتوى الصحابة.
-
ثم قال ﵀:
ومن وقف ليلاً فقط فلا.
стр. 1169
المؤلف ﵀ يريد أن يتحدث هنا: عمن لم يدرك أي جزء من النهار في عرفة وإنما جاء إليها ليلاً، فإذا جاء إليها ليلاً فلا شيء عليه.
واستدلوا على ذلك بدليلين:
- الأول: القياس على من كان منزله دون المواقيت. فهذا سيحرم دون المواقيت ولا دم عليه لأنه لم يدرك المواقيت أصلاً.
كذلك الذي يدرك عرفة ليلاً لا دم عليه لأنه لم يدرك جزأ من النهار أصلاً.
- والثاني: أن وجوب الوقوف في عرفة إلى الغروب يتناول من أدركها نهاراَ.
وهذا الدليل إذا تأملت تجد أنه استدلال بنفس القول. فهو يقول: (لا يجب على من وقف ليلاً) لأنه لم يدرك النهار، والدليل: أن من لم يدرك النهار لا يجب عليه الوقوف إلى غروب الشمس، فهو استدلال بنفس القول.
إذاً العمدة على التعليل الأول وهو تعليل وجيه. وهو أن من لم يدرك النهار لا يجب عليه أصلاً الوقوف لأنه ليس من أهل وجوب الوقوف كما نقول فيمن مكانه ومنزله دون المواقيت.
- ثم قال ﵀:
ثم يدفع بعد الغروب إلى مزدلفة بسكينة.
قوله: (ثم يدفع بعد الغروب) يعني: وجوباً.
- لما تقدم في حديث جابر ﵁ أنه لا يجوز للإنسان أن يدفع من عرفة إلا بعد غروب الشمس وذهاب القرص تماماً.
فهذه العبارة مستندها النص الصريح.
- ثم قال ﵀:
إلى مزدلفة بسكينة.
يعني: أنه يسن للإنسان في ذهابه من عرفة إلى مزدلفة أن ينتقل بسكينة.
- لقول النبي ﷺ : (السكينة السكينة) يعني عليكم أو الزموا السكينة، وظاهر الحديث وظاهر كلام الفقهاء أن الانتقال بسكينة سنة مطلقاً ولو بدون زحام، وهذا صحيح.
والسكينة لا تنافي الإسراع أحياناً، لأن السكينة كما تقدم معنا من صفات أعضاء البدن. والإسراع من صفات البدن جملة. فيستطيع الإنسان أن يسرع ببدنه مع السكينة.
- ثم قال ﵀:
يسرع في الفجوة.
النبي ﷺ أردف أسامة فأخبر أسامة في قوله في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ – (كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص).
ومعنى قوله: (نص) أي أسرع. (العنق) يعني بسهولة وتؤده.
стр. 1170
الحديث نص في أن الإنسان إذا وجد مجالاً وفجوة فإنه يسرع الإسراع المعتدل وإذا لم يجد فإنه يمشي ببطء، والسنة في حال انتقاله من عرفة إلى مزدلفة أن يكثر من ذكر الله.
- لقوله تعالى: - (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ) -[البقرة/١٩٨].
هكذا ذكر بعض الفقهاء. لكن الاستدلال بهذه الآية فيه نظر ظاهر لأن في الآية: - (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) -[البقرة/١٩٨].فالمقصود بالآية الذكر عند المشعر الحرام لا أثناء الانتقال، وإذا لم يصح الاستدلال بالآية فإنه لا يوجد في السنة شيء صريح في ماذا يصنع الإنسان أثناء الانتقال من عرفة إلى مزدلفة. والذي يظهر لي أن المستحب الإكثار من الاستغفار، ودليل ذلك: أن قاعدة الشرع. (الاستغفار في نهاية الأعمال)، وعرفة ركن الحج الأعظم فإذا انتهى منه فينبغي أن يستغفر لما وقع فيه من تقصير أو إخلال أو خطأ.
- ثم قال ﵀:
ويجمع بها بين العشائين.
يفهم من كلام المؤلف أن السنة أن يؤخر الإنسان صلاة المغرب إلى أن يصل إلى مزدلفة، فإن صلى قبل أن يصل إلى مزدلفة فقد خالف السنة مخالفة ظاهرة، ولكن صلاته عند الجماهير وعامة العلماء صحيحة.
والسنة أيضاً أن الحاج إذا وصل إلى مزدلفة فإنه يبادر بصلاة المغرب قبل أن يحط الرحال ثم إذا انتهى من المغرب حط الرحال ثم صلى العشاء. كما جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ صنع ذلك.
بقينا في مسألة مشكلة وهي:
هل المشروع في حقه أن يؤذن ويقيم أو أن لا يؤذن ولا يقيم مطلقاً أو ماذا يصنع؟
هذا فيه خلاف بين أهل العلم:
= القول الأول: أن المشروع في حقه أن يؤذن أذاناً واحداً ويقيم لكل صلاة. وهذا ما ذكره جابر ﵁ أن النبي ﷺ صلى بأذان وإقامتين.
= القول الثاني: وهو القول الذي استقر عليه قول الإمام أحمد أن المشروع أن لا يؤذن وأن يقيم إقامتين.
واستدل على ذلك:
стр. 1171
- - بأن أسامة ﵁ أخبر بأن النبي ﷺ لم يؤذن وإنما أقام إقامتين. وأسامة أقرب إلى النبي ﷺ من جابر فهو رديفه ﵁ فهو أعلم بالحال من جابر ﵁.
= القول الثالث: أنه يقيم إقامة واحدة للصلاتين.
- وهذا ثابت في حديث ابن عمر ﵁ في صحيح مسلم أن النبي ﷺ أقام إقامة واحدة للصلاتين.
قال بعض الفقهاء أي: مع الأذان، الحديث الذي في مسلم ليس فيه أنه أذن وأقام إقامة واحدة ولكن فيه أنه أقام إقامة واحدة لكن الفقهاء قالوا: يقصد مع أذان. فيؤذن ويقيم إقامة واحدة.
= والقول الرابع: أنه يؤذن لكل صلاة ويقيم لكل صلاة. والقول الرابع: أضعف الأقوال إذ ليس له دليل.
وأقوى الأقوال القول الذي استقر عليه الإمام أحمد ﵀ والقول الذي ذكره جابر ﵁.
وكما ترون: المسألة مشكلة: فجابر ﵁ يثبت وأسامة ﵁ – ينفي، فهل نقول: المثبت مقدم على النافي؟ أو نقول: إن أسامة أقرب كما قال الإمام أحمد وأعلم بحال النبي ﷺ وقد نفى عن علم. ولعل جابر ﵁ ذكر الأذان باعتبار الغالب من حاله أن النبي ﷺ كان إذا جمع الصلاة يؤذن أذاناً واحداً ويقيم لكل صلاة فجرى على غالب حال النبي ﷺ لا عن سماع ورؤية. ففيه احتمال كبير، لكن الأقرب أن لا ننسب جابر إلى الوهم وأن نقول أن أسامة ﵁ مع قربه من النبي ﷺ لم يسمع الأذان لأي عارض.
وإذا عرفنا الخلاف عرفنا أن بعض الناس الذين ينكرون على الذين يصلون بلا أذان أنهم ينكرون بجهل لأن الصلاة بلا أذان مجرد الإقامتين قول قوي وهو الذي استقر عليه رأي الإمام أحمد وهو قول وجيه جداً كما ترون.
لكن مع ذلك الأقرب إن شاء الله أن الإنسان يؤذن أذاناً واحداً ويقيم لكل صلاة.
-
ثم قال ﵀:
ويبيت بها.
أي في المزدلفة. المبيت في مزدلفة واجب = عند الحنابلة.
- لأن النبي ﷺ بات بها وقال: (خذوا عني مناسككم).
стр. 1172
= والقول الثاني: أن المبيت في مزدلفة سنة. فإذا مر بها وخرج فلا شيء عليه.
= والقول الثالث: أن المبيت في مزدلفة ركن وإلى هذا ذهب عدد من المحققين منهم: ابن المنذر وابن خزيمة وغيرهم ﵏.
واستدلوا:
- بحديث عروة بن المضرس فإن النبي ﷺ : علق تمام الحج على إدراك الصلاة والوقوف عند المشعر الحرام.
- واستدلوا: بقوله تعالى: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) -[البقرة/١٩٨] فأمر به نصاً.
والراجح: هو القول الوسط بين القولين أنه واجب.
لكن كما نبهتكم مراراً أن حكاية الخلاف تثمر عند طالب العلم الاحتياط وأنتم سمعتم الآن أن بعض أهل العلم من المحققين: كابن المنذر والذي اختياراته غاية في الدقة وهو يرى أنه ركن. فمثل هذا الخلاف والسياق يثمر عند الإنسان الاحتياط الواجب وأن يعلم أنه يأمر بحجه إذا ترك الوقوف جملة.
* * مسألة/ ذهب شيخ الإسلام ﵀ وقرر هذا بأدلة كثيرة وانتصر له كثيراً أن الوقوف في مزدلفة لا ينتهي بطلوع الفجر وإنما يستمر إلى قرب طلوع الشمس.
وذكر لهذا عدة أدلة كثيرة: منها:
- أن المقصود الأعظم هو الوقوف والدعاء فكيف نخرج وقت الوقوف والدعاء من جملة المبيت أو من جملة الوقوف بمزدلفة.
وهذا القول هو الراجح.
بناء على هذا القول: الحجاج الذين لا يدركون ليلة مزدلفة إلا بعد طلوع الفجر فلا حرج عليهم: - لأنهم جاءوا إلى مزدلفة قبل خروج وقت الوقوف بينما على المذهب إذا جاءوا بعد الفجر كما سيأتينا فعليهم دم.
وعلى هذا القول الذي اختاره الشيخ ﵀ لا شيء عليهم وهو قول قوي ووجيه.
- ثم قال ﵀:
وله الدفع بعد نصف الليل، وقبله فيه دم: كوصوله إليها بعد الفجر لا قبله.
لما بين المؤلف ﵀ حكم النزول في المزدلفة والمبيت بها وأخذنا الخلاف في حكم هذه المسألة انتقل إلى المسألة الأخرى وهي:
ـ القدر الواجب من المبيت. وبين المسألتين فرق ظاهر.
اختلف الفقهاء في القدر الواجب من المبيت في مزدلفة:
= القول الأول: وهو مذهب الحنابلة والجمهور أن القدر الواجب إلى نصف الليل.
стр. 1173
فإن خرج بعد نصف الليل فلا حرج عليه سواء خرج بعذر أو بغير عذر.
واستدل الحنابلة على هذا القول بثلاثة أحاديث:
- الأول: حديث أسماء حيث كانت تأمر من يرقب القمر فإذا غاب دفعت. وقالت: ﵂: أذن للضعن - وهو جمع ضعينة وهي: المرأة -. فتخبر أن هذا الخروج كان بإذن النبي ﷺ .
- الثاني: حديث ابن عمر أنه كان يرخص لبعض أهله ويقول ﵁ أرخص في أولئك رسول الله ﷺ .
- الثالث: أن سودة ﵂ استأذنت النبي ﷺ وكانت امرأة ثقيلة فأذن لها ,
- والرابع: حديث ابن عباس ﵁ ...
(الأذان).
- حديث ابن عباس وهو أن النبي ﷺ رخص له أن يخرج بليل.
وهذه الأحاديث التي ذكرت كلها صحيحة في الصحيح، ففي هذه الأحاديث جواز الخروج من مزدلفة إلى منى قبل طلوع الفجر.
وأما التحديد بالنصف: فقالوا: أن قول ابن عباس: (بليل) وقول أسماء (بعد غروب القمر) أقرب ما يحد به نصف الليل.
وعلمنا من هذا التعليل أنه ليس مع الحنابلة دليل واضح لهذا التحديد.
= القول الثاني: أن الواجب هو الوقوف بعد طلوع الفجر ولو للحظه إلى قبيل طلوع الشمس. وأما الليل فليس وقتاً للوقوف ولا يجب وإنما شرع النوم فيه للتقوي لهذا الموقف الذي هو بعد طلوع الفجر.
= والقول الثالث أن هذا الوقوف ليس بواجب ولا سنة ولا مشروع وإنما هو منزل نزله النبي ﷺ بين عرفة ومنى، وهو من عجائب الأقوال.
= والقول الرابع: أن الواجب المكث في مزدلفة قدر تنزيل الرحل فإذا خرج بعد ذلك فلا حرج عليه.
= والقول الأخير: وهو الذي مال إليه ابن المنذر وغيره من المحققين أن الوقت للضعفة إلى غروب القمر فإذا غرب القمر خرجوا. والوقت بالنسبة للأقوياء إلى طلوع الفجر ..
هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
стр. 1174
شرح كتاب المناسك الدرس رقم (١٢)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
- قال ﵀:
باب دخول مكة .
تقدم معنا تقرير مذهب الحنابلة وأنه يجوز الخروج من مزدلفة بعد منتصف الليل، وأن من وصل إلى مزدلفة بعد منتصف الليل فلا دم عليه، وأما من خرج قبل المنتصف ولم يعد أو جاء بعد خروج الفجر فإن الدم يستقر عليه، هذا خلاصة مذهب الحنابلة. إذاً هذا التقسيم الذي ذكرته لك الآن ذكره المؤلف ﵀ بنصه في المتن، ثم ذكرت لكم في الدرس السابق الأقوال في مسألة الخروج من مزدلفة ومذاهب الأئمة وهي:
= أن الحنابلة والشافعية يرون الجواز بعد منتصف الليل.
= وأن الأحناف يرون أن الوقوف يبدأ من بعد طلوع الفجر إلى قبيل طلوع الشمس وأن المالكية يكتفون بحط الرحل ثم بعد ذلك له أن يخرج من المزدلفة.
= وأن القول الرابع: أن الضعفة ومن في حكمهم لهم أن يخرجوا بعد غروب القمر والأقوياء لا يجوز لهم أن يخرجوا إلا بعد طلوع الشمس.
وتوقفنا عند هذا الحد.
وبقينا في الراجح: الراجح في هذه المسألة وهي مسألة كبيرة والحاجة إليها ماسة وكثيرة والذي يظهر من تتبع النصوص وفتاوى الصحابة أن الأقرب مذهب ابن المنذر وهو: التفريق بين الضعفة وغيرهم. وأخذ رجحان هذا القول من استخدام كلمة الترخيص في الأحاديث التي ذكرت والترخيص معناه نقل الحكم من العزيمة إلى الرخصة وهذا النقل نقل للضعفة بموجب الحديث وبقي الأقوياء على أصل الحكم وهو وجوب البقاء إلى طلوع الشمس.
على أني أريد أن أنبه إلى بعض المسائل:
ـ من خلال ذكر الأقوال عرفت أن الأئمة الأربعة في الجملة لا إشكال عندهم في الخروج بعد منتصف الليل. (الأئمة الأربعة إذا أردنا أن نستقرئ الأقوال تجد أن المحصلة أن الأئمة الأربعة كلهم لا إشكال عندهم في الخروج بعد منتصف الليل. هذا شيء.
ـ الشيء الثاني: أن القول الذي قلت أنه الراجح ذهب إليه نفر قليل من أهل العلم فهو اختيار ابن المنذر وظاهر عبارة ابن القيم وترجيحه واختاره نفر يسير من الفقهاء المتقدمين.
стр. 1175
والإنسان - كما قلت - يجب أن يكون واعياًَ عند دراسة الخلاف، فعرفت الآن أن مذاهب الأئمة الأربعة وهي مذاهب الناس اليوم في الأقطار الإسلامية يرون جواز الخروج فلا تثريب على من أفتاهم ولا على من خرج بعد منتصف الليل لأنه أخذ بفتوى الجمهور, بل إن المالكية يرون أنه لو وصل ووقف بالسيارة لمدة عشر دقائق ونزل الرحل وأصلح له شيئاً يسيراً مما يطعم أو يشرب ثم ركب وخرج فلا حرج عليه عند الإمام مالك، فالمسألة فيها سعة. وكون الطالب يعرف الراجح شيء وكونه يعرف الخلاف بين أهل العلم ومذاهب الناس مما يعذر به من يفتي به أو من يطبقه من العوام.
- ثم قال ﵀:
فإذا صلى الصبح.
فيه دليل على مشروعية صلاة الصبح في مزدلفة والسنة أن يبادر بصلاة الصبح ويصليها بغلس - والغلس: ظلمة آخر الليل -.
والدليل على هذه المبادرة:
- قول جابر ﵁: فلما خرج الفجر صلى صلاة الفجر. مما يدل على أنه بادر بالصلاة بعد طلوع الفجر.
إذاً: من يؤخر الصلاة فقد خالف السنة الظاهرة لا سيما في هذا اليوم.
- ثم قال ﵀:
فإذا صلى الصبح أتى المشعر الحرام، فيرقاه أو يقف عنده.
المشعر الحرام: هو جبل صغير يسمى قزح، وهذا الجبل كما هو معلوم أزيل الآن ومكانه المسجد الموجود في مزدلفة. فالمسجد الموجود أقيم في مكان الجبل الصغير الذي يسمى المشعر الحرام.
واختلف العلماء بالمراد بالمشعر الحرام:
= فقال بعضهم: المراد بالمشعر الحرام هذا الجبل فقط. والمتبقي من مزدلفة لا يسمى مشعراً حراماً بل يسمى مزدلفة.
= والقول الثاني: أن مزدلفة كلها مشعر حرام.
والراجح والله أعلم أن المشعر الحرام هو هذا الجبل فقط وباقي المنطقة تسمى المزدلفة وليست مشعراً حراماً. فهي مزدلفة ويجوز الوقوف فيها لكن المشعر الحرام هو هذا الجبل فقط.
والدليل على ذلك:
- أن جابر ﵁ قال: فلما صلى الفجر ركب إلى المشعر الحرام.
فكون النبي ﷺ يركب إلى المشعر الحرام دليل على أنه لم يكن في المشعر الحرام وإلا لو قلنا أن مزدلفة كلها مشعراً حراماً لكان نتيجة هذا أن النبي ﷺ كان خارج مزدلفة ثم دخل مزدلفة. وهذا كله خطأ.
стр. 1176
إذاً الأقرب والله أعلم أن المشعر هو هذا المكان بالذات فإن تيسر للإنسان أن يأتي إلى هذا المكان ويقف فيه فهذا جيد واقتداء بالسنة وإن لم يتيسر فإنه يقف في المكان الذي هو نازل فيه، ومن المعلوم اليوم أنه يكاد يتعذر على الإنسان أن يذهب إلى المشعر الحرام. والذهاب إليه يكاد يكون متعذراً بسبب المواصلات، ثم نقول: إن الذهاب إلى المشعر الحرام إذا أدى إلى ضياع الوقت وتشتت ذهن الإنسان وعدم تركيزه بالدعاء فإنه لا يستحب فقد أخذنا القاعدة التي تكررت معنا مراراً: ((أن الفضيلة التي تتعلق بذات العبادة مقدمة على الفضيلة التي تتعلق بمكان أو بزمان العبادة)).
فهنا كذلك الذهاب إلى هذا المكان اليوم يسبب زحاماً على الناس ويشتت ذهن الداعي فالأقرب أنه يبقى في مكانه لكن إن تيسر أو كان مكان نزوله في السيارة بسبب وصوله مبكراً قريب من المسجد فالذهاب إلى المسجد فيه اقتداء بالنبي ﷺ .
- ثم قال ﵀:
ويحمد اللَّه ويكبره.
ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ لما صلى استقبل القبلة ووحد الله وهلله وكبره ودعا.
والتهليل الحمد والتكبير مما يغفل عنه كثير من الناس مع أنه في حديث جابر هذا الذي معنا يكثر ﵁ من قوله: إن النبي ﷺ وحد الله وكبره ففي الصفا ذكر أنه كبر ووحد وهنا قال كبر ووحد وهلل. فهذا دليل على أنه ينبغي للإنسان في الدعاء في مناسك الحج أن يكثر مع الدعاء الذي هو بمعنى الطلب من الدعاء الذي هو بمعنى تقديس الله وحمده وشكره وتهليله والثناء عليه بما هو أهله كما هو ظاهر حديث جابر ﵁.
- ثم قال ﵀:
ويقرأ: ﴿فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ الآيتين.
- ليس لهذا العمل سنة صحيحة ولعلهم قاسوا هذا على أن النبي ﷺ قرأ (إن الصفا والمروة من شعائر الله) فقالوا يقرأ هنا أيضاً (فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ).
стр. 1177
والصواب أن قراءة هاتين الآيتين عند الوقوف بالمشعر الحرام لا أصل له وينبغي على الإنسان أن يتحرى أن لا يقول هذا الدعاء لأن في تركه اتباعاً للسنة وقد أخذنا مراراً أن شيخ الاسلام ﵀ قرر قاعدة مفيدة وهي: ((أن السنة في المتروك في العبادة أن يترك)) وفي هذا فائدة وهي أنه إذا نوى الإنسان أن يترك ما لم يفعل من قبل النبي ﷺ فهذه النية في حد ذاتها سنة كأنه فعل سنة موجبة فالسنة التركية كالسنة الفعلية.
- ثم قال ﵀:
ويدعو حتى يسفر.
لو قال المؤلف ﵀: حتى يسفر جداً لكان أقرب إلى لفظ الحديث. لقول جابر ﵁ فدعا حتى أسفر جداً، والسنة أن يدعو الإنسان حتى يسفر وأن يخرج من مزدلفة قبل أن تطلع الشمس.
والأقرب والله أعلم أن الخروج قبل طلوع الشمس واجب: - لأن النبي ﷺ خرج من مزدلفة قبل أن تطلع الشمس. فهذه سنة فعلية ولأنه فعل ذلك مخالفاً للمشركين الذين كانوا لا يخرجون من مزدلفة إلا بعد طلوع الشمس ومخالفة المشركين واجبة.
فالأقرب والله أعلم وجوب الخروج إذا تمكن الإنسان وتهيأت له الأمور قبل أن تطلع الشمس.
- ثم قال ﵀:
فإذا بلغ محسراً: أسرع رمية حجر.
وادي محسر هو وادي بين مزدلفة ومنى، واختلف العلماء فيه:
= فقيل ليس منهما: لا من مزدلفة ولا من منى.
= وقيل: بل ليس من مزدلفة لكنه من منى.
وأيضاً هذا الخلاف لا فائدة عملية تحته سواء قلنا هو من منى أو من منى فإن الأحكام التي تترتب على وادي محسر هي هي فإنها لا تختلف.
- قال ﵀
فإذا بلغ محسراً: أسرع رمية حجر.
السنة أن الإنسان إذا بلغ هذا الوادي أسرع ومقدار هذه السرعة: رمية حجر.
- لقول جابر ﵁ أن النبي ﷺ لما جاء وادي محسر حرك قليلاً.
والإسراع في هذا الوادي محل إجماع بين الفقهاء إنما اختلفوا في الحكمة من الإسراع، لكن أن يسرع ويقصد ذلك فهذه سنة لا إشكال فيها، ومقدار رمية الحجر قدرت بنحو (٥٤٥ ذراع) فيسرع الإنسان في أثناء قطع هذا الوادي ومدة السرعة هذه المسافة.
стр. 1178
وهذه السنة: معلوم أن ترجع إلى إمكانية الإسراع من عدمه باعتبار أن ازدحام السيارات اليوم قد لا يمكن الإنسان من أن يطبق هذه السنة فإذا تمكن فبها ونعمت وإلا فتكفي النية في حصول الأجر.
- ثم قال ﵀:
وأخذ الحصى.
أخذ الحصى فيه مسائل:
- المسألة الأولى: أن الأئمة الأربعة اتفقوا على أنه يجوز أخذ الحصى من أي مكان شاء وأنه لا إشكال إذا أخذه من أي بقعة مر بها.
- المسألة الثانية: بعد الاتفاق على الجواز اختلفوا في الاستحباب.
= فذهب الجمهور إلى أنه يستحب أن يلتقط الحصى من مزدلفة.
واستدلوا على ذلك:
- بأن ابن عمر ﵁ كان يلتقط الحصى من مزدلفة وكان رجلاً يحب إتباع النبي ﷺ .
- الثاني: ما روي عن سعيد بن جبير ﵁ أنه قال: كانوا يستحبون أخذ الحصى من مزدلفة وتكلمنا مراراً عن قول التابعي المبرز في العلم: (كانوا) وعن أهمية هذه اللفظة وأنه يقصد أصحاب النبي ﷺ .
- الدليل الثالث: أن الأخذ من مزدلفة يساعد على المبادرة في الرمي والمبادرة في الرمي كما سيأتينا: سنة.
والأقرب: أن مقصودهم بقولهم: (من مزدلفة) يعني بعد صلاة الصبح لا في الليل لأن السنة في الليل أن يرتاح الإنسان ويستعد لأعمال الغد.
= القول الثاني: أن المستحب أن يأخذ الإنسان الحصى من أي مكان شاء. هكذا قالوا: ولم يقولوا: (من منى). وهذا يعني: أن المستحب أن لا يقصد مكاناً معيناً فيأخذ منه مع أن الاستدلال الذي استدلوا به يدل على أن الاستحباب ينصب على منى لكن هم قالوا هكذا - أصحاب القول الثاني ومنهم ابن قدامة ﵀.
واستدلوا على هذا:
- بأن النبي ﷺ غداة العقبة قال لابن عباس: القط لي. فأمره بلقط الحصى صبح اليوم العاشر مما يدل على أنهم أخذوها من غير مزدلفة من خارج مزدلفة.
стр. 1179
والاستدلال بهذا الحديث محتمل لأن الغداة تصدق حتى على بعد صلاة الفجر وتصدق على بعد طلوع الشمس. فتعيين أنها أخذت من منى من لفظ الحديث لا يتأتى. لكن وجه الاستدلال أن ابن قدامة قال: (أن النبي ﷺ قال لابن عباس هذا اللفظ في منى) والظاهر والله أعلم أنه أخذ هذا الاستنباط لا من قوله (غداة العقبة) ولكن من ألفاظ أخرى فلهذا الحديث ألفاظ في سنن الترمذي وفي سنن النسائي وفي سنن أبي داود تفيد أن هذا الأمر كان بعد أن تجاوز النبي ﷺ وادي محسر، فلعل ابن قدامة استدل بهذ.
= فيه قول ثالث: أشار إليه النسائي ولم أر أحداً نص عليه لكن في الحقيقة هو قول جميل جداً. وأشار إليه من خلال التبويب فهو يرى: أن السنة أن يلتقط الإنسان الحصى بعد مجاوزة وادي محسر مباشرة. يعني في أول منى. لقول ابن عباس ﵁: (فلما جاوز محسراً قال القط لي الحصى) ففي هذا اللفظ دليل على أنه يستحب الإنسان أن يلقط الحصى أول ما يدخل منى.
وإذا تأملت وجدت أن هذا القول يجمع بين القولين فهو لم يلقط عند الجمار ليتأخر وإنما في أول منى ولم يشتغل عن الدعاء الذي في فجر مزدلفة بلقط الحصى فهذا القول في الحقيقة وجيه وقوي مع العلم أنه لا يمكن أن نعمل به اليوم لأن الإنسان لا يستطيع أن يتوقف بعد وادي محسر وينزل ويأخذ حصى مع الزحام.
لكن تقدم معنا أن تقرير القول الراجح أو السنن شيء وإمكان الإتيان بها شيء آخر.
- ثم قال ﵀:
وعدده سبعون.
عدد الجمار سبعون يعني مع جمار العقبة.
وظاهر عبارة المؤلف ﵀ أن السنة أن الإنسان أن يلقط في هذا الوقت الجمار المتعلقة بجمرة العقبة والجمار المتعلقة بأيام التشريق.
والأقرب والله أعلم: أن المقصود بالآثار أخذ جمار العقبة وأما جمار أيام التشريق فإنها تلتقط أيام التشريق من منى أو من غير منى مما يتيسر للإنسان، أما في هذا اليوم فالمستحب أن يعتني الإنسان فقط بجمار العقبة فقط، ففي قوله المؤلف ﵀ (وعدده سبعون): فيه نظر بل السنة التقاط السبع فقط.
- ثم قال ﵀:
بين الحمص والبندق.
стр. 1180
يعني: أن المستحب أن تكون بهذا المقدار، وهي ما يقارب حجم النواة: نواة التمر وما يقارب أيضاً أنملة الأصبع طولاً وعرضاً.
والدليل على ذلك:
- أن النبي ﷺ نص في حديث ابن عباس وفي حديث جابر أن لقط الحصى يكون للحصى التي تستعمل في الخذف يقول ﷺ : (كحصى الخذف) وحصى الخذف هو الذي كان العرب يخذفون به غيرهم بالأصبع ومقداره هذا المقدار.
واعلم أن هذا التحديد على سبيل الوجوب فإن أخذ أكبر من هذا المقدار بكثير أو أصغر من هذا المقدار بكثير فإنه لا يجوز أن يرمي به لأن النبي ﷺ أمر بهذا الحجم وحذر من الزيادة عليه. وقال: (إياكم والغلو) وفي هذه الألفاظ دلالة على الوجوب.
واعلم أيضاً أن أخذ الحجر الأكبر أشد من أخذ الحجر الأصغر لأن الحديث أشار إلى الغلو والغلو إشارة إلى الزيادة لا إلى النقص ولأن أكثر مخالفات الناس هي أخذ الحجر الكبير لا بأخذ الحجر الصغير.
لكن على كل حال قد يوجد من الناس من هو متساهل فيأخذ الصغير فالواجب أن يتوسط الإنسان وأن لا يتقعر ويتشدد على نفسه وإنما يأخذ هذا الحجم أو ما هو أصغر منه قليلاً أو أكبر منه قليلاً.
أما أخذ الحجر الكبير فهذا لا يجوز ولا يجزئ وعلى من رمى به أن يرمي مرة أخرى لأنه رمى بحجر لم تتوفر فيه الشروط الشرعية.
-
ثم قال ﵀:
فإذا وصل إلى منى - وهي من وادي محسر إلى جمرة العقبة - رماها.
في هذه العبارة عدة مسائل:
ـ المسألة الأولى: أن السنة أن الحاج إذا وصل إلى منى أن يبادر بالرمي وأن لا يشتغل بغير الرمي. لأن الرمي هو تحية منى.
- ويدل على ذلك: أن النبي ﷺ لما خرج من منى سلك الطريق التي توصل إلى الكبرى مما يدل على أنه بادر إلى الرمي ولم يشتغل بشيء غير الرمي.
ـ المسألة الثانية: يفهم من قوله: (رماها). أنه إن وضعها وضعاً فإنها لا تجزئ. وهذا صحيح.
- لقول جابر ﵁: (ثم رماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة). فقوله: (ثم رماها) يدل على أن الوضع لا يجزئ لأن الرمي في لغة العرب لا يصدق على الوضع، فإذاً يشترط أن يرميها.
стр. 1181
ـ المسألة الثالثة: أن يكون الرمي متتابعاً. فإن رماها جملة واحدة فلا يصح الرمي. وتحتسب واحدة.
- لأن النبي ﷺ رماها هكذا. والعبادات توقيفية والرمي جملة واحدة مخالفة للصفة النبوية.
ـ المسألة الرابعة: أنه يجب أن يوالي بين الرمي. فإذا رمى الحجر الأول ثم بعد نصف ساعة رمى الثاني فالرمي باطل.
وفي هذه المسألة خلاف وهي: حكم الموالاة في الرمي بين حصى الجمار التي ترمى بها جمرة العقبة أو أيام التشريق:
= فالجمهور على أن الموالاة: سنة.
- لأنه لا يوجد دليل على اشتراط الموالاة. فإن من رمى واحدة ورمى الست بعد نصف ساعة يصدق عليه أنه رمى سبعاً.
= والقول الثاني: أن الموالاة شرط للصحة وإليه ذهب نفر قليل بعض الفقهاء من الشافعية.
واستدلوا على هذا:
- بأن النبي ﷺ رماها متوالية وهذه العبادة توقيفية والتفريق بين الحصى يخالف صفة رمي النبي ﷺ .
ولا شك إن شاء الله أن القول الراجح مع القول الثاني وأن من رمى حجراً ثم رمى بعد ساعة باقي الأحجار أن عليه أن يعيد الرمي من جديد لأن هذه عبادة واحدة تؤدى في وقت واحد.
لكن تقدم معنا: أن شيخ الإسلام له قاعدة مفيدة وهي: (أن العبادات التي يشترط فيها الموالاة تسقط عند العذر فإذا كان هناك عذر لا بأس بالإخلال بشرط الموالاة في الحج والوضوء وفي كل شيء). وهذه قاعدة مفيدة دلت عليها نصوص كثيرة.
- ثم قال ﵀:
بسبع حصيات متعاقبات.
سبع:
- لما في حديث جابر ﵁ أنه رماها بسبع.
ومتعاقبات: يعني لابد أن يرمي واحدة بعد أخرى ولا يرميها جملة واحدة.
وأيضاً تأتي معنا مسألة الموالاة وتقدم معنا ذكر الخلاف في الموالاة، فلابد أن يكون الرمي متتابعاً كما قال المؤلف ﵀، إذاً تقدم معنا شرح قوله: (متعاقبات).
- ثم قال ﵀:
يرفع يده اليمنى حتى يرى بياض إبطه.
يعني: يسن للإنسان: = عند الحنابلة: أن يتقصد صنع هذه الصفة وهي أن يرفع يده إذا أن يرمي إلى أن يرى بياض إبطه.
واستدلوا على استحباب هذه الصفة:
- بأن في هذا إعانة على إيصال الحجر إلى مكانه.
стр. 1182
وتلمست قولاً آخر للحنابلة فلم أجد شيئاً يسند هذا القول .... فبعض التابعين لما سئل عن الرمي قال: هكذا تصنع. ثم أمر أن يرفع يده إلى أن رأى بياض إبطه لكنها فتوى تابعي لم تصل ولا إلى أن تكون قول صحابي.
فالأقرب والله أعلم أن هذه الصفة إن احتاج إليها صنعها وإن لم يحتج إليها فلا حاجة لفعلها.
فإذا كان يستطيع أن يوصل الحجر بدون رفع اليد إلى هذه الدرجة فلا بأس أن لا يرفع، لأن هذه الكيفيات في العبادات تحتاج إلى نصوص وليس في هذا الباب أي نص، كما أن هذا الرفع اليوم غالباً ما يؤدي إلى فقع عين من خلفه. لأن كثيراً من الحجاج يرفع يده فيعمي من خلفه وهذا كثير، فاليوم مع كثرة الجهل بعض السنن ربما نقول بتهوينها عند بعض الناس - إذا فرضنا أن رفع اليد سنة - حتى لا يقع الضرر، وهذا الضرر ليس ضرراً متوقعاً أو نادراً بل كثير وأثناء الرمى نرى كثرة المخالفات المتعلقة بكيفية الرمي وهي كثيرة جداً.
-
ثم قال ﵀:
ويكبر مع كل حصاة.
- لما في حديث جابر ﵁ أنه قال: يكبر مع كل حصاة.
- ثم قال ﵀:
ولا يجزئ الرمي: بغيرها.
= ذهب الجماهير والجم الغفير من أهل العلم: إلى أنه لا يجزئ الرمي إلا بالحصى فقط.
والحصى في لغة العرب هي الحجارة الصغيرة.
واستدلوا على هذا:
- بأن النبي ﷺ أمر بلقط الحصى فقط مع وجود أعيان أخرى على الأرض. ومع ذلك لم يرم إلا بهذا الشيء.
فإن رمى بغير الحجر فإن رميه باطل.
= القول الثاني: جواز الرمي بما هو من جنس الأرض فقط كالطين بالإضافة إلى الحصى. وهذا مذهب الأحناف وخالفوا فيه الأئمة الثلاثة.
стр. 1183
والراجح مع الجمهور لأن هذه عبادات توقيفية فيجب أن نصير فيها إلى ما جاء عن النبي ﷺ وعلم من سياق الخلاف أن الرمي بما ليس من جنس الأرض لا يجوز بالإجماع. كاللرمي بالخرسانة أو الاسمنت المتحجر ولو كان متحجراً كتحجر الحجر أو أشد فإنه لا يجوز أن يرمى به لأنه ليس من جنس الأرض وإنما هو مصنع فضلاً عن الرمي بالأشياء الأخرى كالرمي بالنعال أو بالأشياء المعدنية المصنعة فهذه بالإجماع لا يجزئ الرمي بها وإذا اعتقد أنه يفعل ذلك تقرباً وتعبداً إلى الله فهو آثم.
إذاً عرفنا: أن الخلاف ينحصر في: ما هو من جنس الأرض. أما ما ليس من جنس الأرض فلا يجزئ الرمي به.
فإن قيل: أنه ثبت أن سكينة بنت الحسين ﵂ كانت تتناول الحجر من مولاها وترمي فانتهى الحجر من يده في الخامس أو السادس فأخذت الخاتم ورمت به في المرمى تعبداً لله؟
فالجواب: أن رميها ﵂ غير صحيح وأن سكينة عملها لا يحتج به إذ ليست مع فضلها وعظيم قدرها ﵂ لا من الفقهاء وهذا العمل لا يستدل به.
ولذلك أعرض الأئمة عن الاستدلال بهذا لأنها ممن يستدل بعملها وإنما هي أرادت ﵂ تعظيم شعائر الله وهي مثابة في هذه النية لكن عملها ليس بصحيح وكان عليها أن ترمي بحجر.
إذاً: يبقى أن الراجح أنه لابد من الرمي بحجر.
- ثم قال ﵀:
ولا بها ثانياً.
يعني لا يجوز للإنسان أن يرمي بالحجر مرة أخرى، وإلى هذا ذهب عدد كبير من الفقهاء أنه لا يجوز أن نرمي بما رمي به من الأحجار.
واستدلوا على هذا:
- بأن الرسول ﷺ أمر بلقط الحصى لا أخذه من المرمى.
- الثاني: أن هذا الحجر استعمل في عبادة فلا يستعمل مرة أخرى.
وهذا القول كما قلت لكم مذهب الجمهور واختاره شيخ الإسلام بن تيمية ﵀.
= القول الثاني: جواز الرمي بما رمي به.
- لأنه لا دليل على المنع من الرمي بما رمي به.
- ولأن من رمى بما رمي به يصدق عليه أنه رمى الجمرة بسبع حصيات.
والأحوط والله أعلم أن لا يرمي الإنسان بما رمي به. ويتأكد جداً أن لا يرمي الإنسان بما رمي به. أن لا يأخذ من المرمى.
стр. 1184
أما إذا أخذ من أرض المرمى مما لم يرم به فلا حرج فيه لكن أن يأخذ مما رمي به ففي الحقيقة ينبغي أن لا يصنع فإن صنع فالأحوط أن يعيد.
- ثم قال ﵀:
ولا يقف.
يعني: أنه لا يسن للإنسان أن يقف بعد أن يرمي جمرة العقبة.
- لأنه صح عن النبي ﷺ أنه لم يقف وإنما رمى ثم انصرف إلى المنحر.
- ثم قال ﵀:
ويقطع التلبية قبلها.
يعني: أن السنة أن الإنسان يقطع التلبية إذا أراد أن يرمي جمرة العقبة.
- لما صح عن ابن عباس أنه قال: لم يزل رسول الله ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة.
وهذا لا إشكال فيه.
لكن اختلفوا في: هل يقطع التلبية مع أول حجر أو يستمر إلى أن ينهي الرمي؟
فيه خلاف:
على قولين في مذهب أحمد وغيره:
= فالقول الأول: أنه يقطع التلبية مع أول حجر.
واستدلوا بدليلين:
- الدليل الأول: أنه بعد بدء الحاج برمي الحجر سينشغل بالتكبير عن التلبية. لأنه ثبت في مسلم أنه كان يكبر مع كل حصاة.
- الدليل الثاني: أنه حنبل - عم الإمام أحمد - أخرج في كتابه رواية لحديث ابن عباس أن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى أول حجر.
= والقول الثاني: أنه لا يقطع التلبية إلا بعد أن ينهي الرمي تماماً.
والأقرب والله أعلم القول الأول لظاهر النص الذي استدلوا به وللتعليل القوي وهو انشغال الحاج بالتكبير.
أما رواية حنبل فالغالب عليها الضعف. لأن عند ابن رجب قاعدة مفيدة لطالب العلم - وهي عنده وعند غيره لكنه ﵀: (قررها في شرح العلل: (أن الأحاديث التي أعرض عنها أصحاب الكتب المشهورة كالكتب الستة أو التسعة أنه يغلب عليها الغرائب والموضوعات والضعاف والمعضلات) فينبغي أن لا يفرح الإنسان إذا وجد حديثاً ليس في الكتب التسعة لأنه يغلب عليه أنه حديث ضعيف أعرض عنه الأئمة لضعفه ولذلك تجد بعض المحققين من أهل العلم كشيخ الاسلام وابن القيم أحياناً يستدلون على الإعراض عن الحديث بقولهم: وهذا الحديث لم يخرجه أحمد في مسنده مع أنه أخرج عدداً كبيراً من الأحاديث.
فهذه القاعدة مفيدة جداً ولو رجع الإنسان إلى شرح علل ابن رجب ليقرأ تقرير هذه القاعدة فسيجد فيه فوائد كبيرة.
стр. 1185
- ثم قال ﵀:
ويرمي بعد طلوع الشمس، ويجزئ بعد نصف الليل.
المؤلف ﵀ يريد أن يبين بهذه العبارة متى يبدأ وقت الجواز في الرمي ومتى يبدأ وقت الفضيلة.
فنقول: الرمي بعد طلوع الشمس: صحيح بإجماع أهل العلم فمن رمى بعد طلوع الشمس فقد وافق سنة النبي ﷺ ورميه صحيح بالإجماع.
ـ المسألة الثانية: متى يبدأ وقت جواز الرمي.
في هذه المسألة خلاف بين أهل العلم. وقد اختلفوا فيها على قولين:
= القول الأول: أن وقت جواز الرمي يبدأ بعد منتصف الليل.
واستدل أصحاب هذا القول بأدلة:
- منها: أن النبي ﷺ أذن لأم سلمة وأمرها أن تخرج فخرجت ورمت قبل طلوع الفجر. وَنُصَّ في الحديث على هذا أنها رمت قبل طلوع الفجر.
والجواب على هذا الحديث أنه حديث ضعيف لا يثبت.
- الثاني: استدلوا بأن النبي ﷺ أذن في حديث ابن عباس في البخاري ومسلم للضعفة في الخروج بليل. وإنما فائدة الخروج الرمي.
= والقول الثاني: أنه لا يجوز للأقوياء أن يرموا إلا بعد طلوع الشمس ويجوز للضعفاء أن يرموا بعد منتصف الليل أو بعد غروب القمر. (إما بعد منتصف الليل أو بعد غروب القمر).
واستدل أصحاب هذا القول:
- بأن النبي ﷺ وقف في المشعر الحرام ولم يخرج إلا قبيل الإشراق ولم يرم إلا بعد طلوع الشمس.
- وأنه إنما أذن للضعفة فقط دون الأقوياء في الخروج والرمي.
- واستدلوا أيضاً: بأن ابن عمر ﵁ صح عنه أنه نهى عن الرمي قبل طلوع الشمس.
والأقرب والله أعلم هو هذا القول: أنه لا يجوز الرمي للأقوياء إلا بعد طلوع الشمس. ويجوز للضعفاء بعد منتصف الليل أو بعد غروب القمر. ومنتصف الليل هو منتصف الليل وغروب القمر يكون في أول الثلث الأخير.
إذاً الفرق بين منتصف الليل وغروب القمر وقته يسير فإن بينهما فرقاً ولكنه فرق يسير. فهذا نصف الليل وهذا أول الثلث الأخير من الليل.
- ثم قال ﵀:
ثم ينحر هدياً: إن كان معه.
يعني: أن السنة بعد الرمي أن يبادر بالنحر.
стр. 1186
- لقول جابر ﵁ أن النبي ﷺ لما رمى جمرة العقبة ركب إلى المنحر ونحر هديه ﷺ . فنحر ثلاثاً وستين وأعطى علياً لينحر ما غبر. يعني: ما بقي.
ويسن أن الإنسان إذا نحر أن يأكل من هديه.
وقال بعض أهل العلم: بل يجب أن يأكل من هديه.
والقول بالوجوب وجيه جداً: لأن النبي ﷺ تقصد أن يأخذ من كل ذبيحة قطعة ولا شك أنه تقصد هذا تقصداً ورأى أنه نسكاً فينبغي أن نتبع سنة النبي ﷺ وأن نأكل من الذبيحة، صحيحٌ أن الجمهور والجم الغفير يرون أن هذا سنة لكن القول بالوجوب متوجه.
ويستوي في هذا - يعني الأكل - أن يأكل من الهدي الواجب ومن الهدي المسنون.
فالهدي الواجب: ذبيحة واحدة فلو تقرب إلى الله بعشر ذبائح فيأكل من الهدي الواجب ومن الهدي المسنون.
ويسن للإنسان أن لا يكتفي بالذبح بل عليه أن يوزع اللحم على الفقراء.
- ثم قال ﵀:
ويحلق أو يقصر.
- ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ لما نحر حلق.
فالواجب أن يحلق أو يقصر، والمستحب أن يحلق، وإذا أراد الإنسان أن يحلق فالمستحب له أن يبدأ بشقه الأيمن:
- ما ثبت في الصحيح عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ لما أراد أن يحلق بدأ بشقه الأيمن.
والمستحب - كما قلت - الحلق دون التقصير. لأنه صح عن النبي ﷺ أنه دعا للمحلقين ثلاثاً ..... ((الأذان)))
- ثم قال ﵀:
من جميع شعره.
= ذهب الجمهور إلى أن الواجب أن يعمم الشعر.
- لقوله تعالى: - (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) -[الفتح/٢٧]
فدلت الآية على أن التحليق عام لأن الآية شملت جميع الرأس.
هذا هو الدليل الأول.
- والدليل الثاني: أن الآية أمرت بالتحليق والنبي ﷺ عمم الرأس فهو مفسر للآية من جهة الكيفية فيجب أن نقتدي بتفسيره ﷺ العملي للآية.
= والقول الثاني: وهو مذهب الحنفية: يجوز الاكتفاء ببعض الرأس.
= والقول الثالث: وهو للشافعية: يجوز الاكتفاء بثلاث شعرات.
стр. 1187
والراجح أنه لابد من تعميم الرأس، ولا يشترط أن يطال القص إذا كان سيقصر كل شعره لكن الشرط أن يعمم الرأس.
- ثم قال ﵀:
وتقصر منه المرأة قدر أنملة.
المشروع للمرأة التقصير ولا يشرع لها الحلق. وإنما تقصر قدر أنملة.
والدليل على ذلك:
- قوله ﷺ : (ليس على النساء حلق إنما عليهن تقصير).
- ثم هذه المسألة محل إجماع. أنه لا يشرع في حقها إلا التقصير دون الحلق.
стр. 1188
شرح كتاب المناسك الدرس رقم (١٣)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
المبحث الأخير ((في الدرس الماضي)) كان الكلام على السنة بالنسبة للمرأة وذكرنا أن السنة بالإجماع بالنسبة للمرأة التقصير دون الحلق وأن قدر التقصير قدر أنملة.
وذكرنا الدليل على هذا وهو أن النبي ﷺ قال: (ليس على النساء حلق وإنما عليهن التقصير) هذا الحديث صحيح وممن صححه ممن يعتمد قوله في التصحيح ويركن إليه: أبو حاتم ﵀.
بقينا في الدليل على هذا التحديد: وهو قدر الأنملة: لم أجد نصاً مرفوعاً بعد البحث يفيد هذا التحديد ولم أجد فتوى عن أمهات المؤمنين وهن المعنيات بهذه المسألة بعد البحث - وربما يوجد ولكنني لم أجد بعد البحث إنما العمدة فتوى لعمر بن الخطاب ﵁ بأنه هذا هو مقدار التقصير ويعتمد عليها في إثبات هذا الحكم إن شاء الله.
- ثم قال ﵀:
ثم قد حل له كل شيء إلاّ النساء.
يريد المؤلف ﵀ بيان التحلل الأول. وأنه يحصل بعد الرمي والتحليق. وأن التحلل الأول يفيد حل كل ما كان ممنوعاً على المحرم إلا النساء وسيأتينا المقصود بكلمة: (إلا النساء).
وما يحصل به التحلل الأول محل خلاف بين الفقهاء على أقوال كثيرة نأخذ منها المهم وهو:
= القول الأول: مذهب الحنابلة والجمهور أن التحلل الأول يحصل بفعل اثنين من ثلاثة: الرمي والحلق والطواف.
واستدل الجمهور على هذا الحكم بدليلين:
стр. 1189
- الدليل الأول: حديث عائشة في الصحيح أنها ﵂ قالت: طيبت رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف.
وجه الاستدلال بالحديث: استنبطه الحافظ بن حجر استنباطاً رائعاً - من وجهة نظري - وهو أنه قال: لولا أن التحلل حصل بعد الرمي والحلق لم تكتفي بذكر الطواف.
وهذا صحيح فإنك إذا تأملت النص فإنك لا تجد تعليلاً مقنعاً لقولها: (ولحله قبل أن يطوف) إلا أن الرمي والحلق سبق هذا أطيب والطواف فما ذكره الحافظ في الحقيقة وجيه جداً في استنباط هذا الحكم من هذا اللفظ.
- الدليل الثاني: قوله ﷺ : (إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء). وهو مروي من حديث عائشة ﵂. لكن هذا الحديث ضعيف.
= القول الثاني: أن التحلل الأول يحصل بالحلق فقط يعني ولو لم يرم. وهذا مذهب الأحناف.
= القول الثالث: أن التحلل يحصل بالرمي فقط. وهذا مذهب المالكية ورواية عن الإمام أحمد ﵀.
واستدل هؤلاء بثلاثة أدلة:
- الدليل الأول: ما جاء في حديث عائشة ﵂ أنها قالت: إذا رميتم جمرة العقبة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء.
- والدليل الثاني: حديث أم سلمة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ إن هذا اليوم أذن لكم إذا أنتم رميتم العقبة أن تحلو.
- والدليل الثالث: حديث ابن عباس ﵁ أنه قال: قال رسول ﷺ : (إذا رميتم العقبة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء).
وهذه الأحاديث الثلاثة هي عمدة القوم في الاكتفاء بالرمي وهذه الأحاديث ضعيفة لا يثبت منها شيء وإن حسنها بعض أهل العلم لكن الصواب أنه لا يصح في إثبات أن الرمي لجمرة العقبة يكفي وحده في التحلل حديث ثابت إلى النبي ﷺ .
وأضعف هذه الأقوال: القول الثاني فهو قول بعيد عن الصواب جداً ومخالف للآثار المروية. لأن بعض هذه الأحاديث الضعيفة روي موقوفاً فهو من فتاوى الصحابة.
وأصح هذه الأقوال - إن شاء الله - بشكل واضح أن التحلل لا يحصل إلا بفعل اثنين من ثلاثة: الرمي والحلق والطواف.
стр. 1190
سبب الترجيح: إذا تأملت سياق حديث جابر ﵁ وحديث أسامة والأحاديث التي وصفت نسك النبي ﷺ وحديث أنس في مسلم تكاد تجزم أن النبي ﷺ رمى ثم ذهب إلى المنحر فنحر ثم ذهب إلى مكانه وأمر الحلاق أن يحلق الشق الأيمن ثم الأيسر ثم اغتسل وتطيب وذهب إلى الحرم.
يكاد الإنسان يجزم بهذا الترتيب. لماذا؟ لأنا لو فرضنا أن النبي ﷺ تحلل بعد الرمي والذبح فسيكون تحلل وتطيب ثم حلق فلا يوجد ترتيب آخر، لو فرضنا أن النبي ﷺ تحلل بمجرد الرمي بعد أن رمى ونحر سيكون تبعاً لذلك ﷺ حلق بعد أن تطيب وهذا بعيد جداً لأن المقصود من التطيب النظافة ويبعد أن يؤجل النبي ﷺ التنظف والتطيب والتهيؤ للطواف ويبعد أن يقدمه قبل الحلق لأن الحلق يقتضي الشعث وعدم النظافة بلا إشكال، فيبعد جداً أن النبي ﷺ قدم التحلل على الحلق، وإذا تأمل الإنسان الأحاديث ظهر هذا له جلياً، فإذا كان النبي ﷺ تحلل بعد الحلق فهذا هو المقصود، إذاً دلت السنة بالتأمل أنه ﷺ رمى ثم نحر ثم حلق ثم تحلل وطيبته عائشة ﵂ وذهب إلى الطواف، فمن الخطأ البين أن يكتفي الإنسان بالرمي ويعجز عن الحلق ويتحلل ويذهب ويلبس المخيط بعد ذلك.
وهي مسألة خلافية لكن الراجح هو مذهب الجمهور وأنا أرى أن من فعل ذلك فقد ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام وهو لبس المخيط قبل أن يتحلل هذا إذا قلنا أنه يشترط للتحلل أن يفعل اثنين من ثلاثة.
* * مسألة / يقولون: يفعل اثنين من ثلاثة والأحاديث والنصوص ليس فيها إلا الرمي والحلق لكن أدخلوا الطواف مع هذه الثلاثة. وعللوا ذلك بأنه إذا كان للطواف تأثير في التحلل الكبير الثاني فلأن يؤثر في التحلل الأول من باب أولى.
- فإذا رمى وطاف حل التحلل الأول.
- وإذا حلق وطاف حل التحلل الأول.
بفعل اثنين من ثلاثة.
والتحلل الأخير يحصل بفعل الثالث منهما كما سيأتي منصوصاً عليه في كلام المؤلف ﵀.
стр. 1191
إذاً خلاصة هذه المسألة أن الراجح إن شاء الله أنه لا يتحلل الإنسان إلا بالرمي والحلق وأنه لا يكتفى برمي جمرة العقبة.
- ثم قال ﵀:
إلا النساء.
المقصود بالنساء هنا عند الحنابلة ما يشمل عدة أمور:
- الأول: الوطء.
- والثاني: المباشرة.
- والثالث: اللمس بشهوة.
- والرابع: التقبيل.
- والخامس: عقد النكاح.
والمقصود بلا شك التمثيل فكأن الحنابلة يقولون: كل ما يتعلق بالمرأة مما هو من جنس الرفث فهو ممنوع عنه قبل أن يتحلل التحلل الأول.
= والقول الثاني: أن المراد بالنساء هنا وهو رواية عن الإمام أحمد: الوطء خاصة. وما عدا الوطء فهو جائز.
- لأن الوطء هو المحذور الأكبر في الحج فيتعلق المنع به فقط.
والأقرب والله أعلم القول الأول لأن التقبيل واللمس بشهوة والمباشرة تؤدي غالباً إلى الوطء لا سيما بعد طول انقطاع وهي الأيام التي بقي فيها الحاج محرماً، ثم إنه في الأحاديث قال: فقد حل له كل شيء إلا النساء. وكلمة إلا النساء عامة تشمل جميع هذه الممارسات، كما أن المباشرة والتقبيل من محظورات الإحرام وهي داخلة في معنى الرفث فيبقى الإنسان ممنوعاً منها إلى أن يحل من جنس هذا الأمر وهو ما يتعلق بالنساء.
بناء عليه: الأقرب والله أعلم أن الإنسان إذا تحلل التحلل الأول ولبس الثياب وتطيب فإنه ينبغي عليه ويتأكد أن يجتنب الكلام فيما يتعلق بالنساء سواء كان على سبيل المزاح أو على سبيل الجد.
ولم أر أحداً من الفقهاء نص على مسألة التحدث في أمور النساء وما يتعلق بهن سواء كان بالنكاح أو بالجماع أو .. لم ينص الفقهاء على المنع منه لكنهم مثلوا بأشياء أخرى تقع كثيراً وهي هذه الخمسة التي ذكرت لك.
فهذا الأمر الذي يقع من بعض إخواننا أحياناً يظهر والله أعلم أنه داخل في المنع وإن كان بلا شك أنه أهون من التقبيل والوطء والمس بشهوة والمباشرة التي ذكرها الفقهاء لكنه داخل في المعنى العام مع أني أقول هو أهون منها لكن ينبغي على الإنسان أن يجتنب مثل هذه الأشياء: أي: يجتنب كل ما يتعلق بالنساء إلى أن يتحلل التحلل الثاني.
- ثم قال ﵀:
والحلاق والتقصير: نسك.
стр. 1192
نسك: يعني عبادة يتقرب بها الإنسان إلى ربه وليس إطلاقاً من محظور كما يقول بعض أهل العلم ولعل المؤلف ﵀ أن يرد على الذين قالوا أن الحلق والتقصير مجرد إطلاق من محظور كأنه كان ممنوعاً منه ثم أذن له فيه كما أنه كان ممنوعاً من الصيد ثم أذن له بالصيد وهكذا.
فالمؤلف ﵀ يريد أن يبين أن الحلق أو التقصير نسك يتعبد الإنسان به إلى ربه.
وهذا القول هو الصواب الذي تدل عليه النصوص لا سيما والنبي ﷺ في الحديث الصحيح دعا للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة وهذا إنما يكون في العبادات لا في المباحات.
-
ثم قال ﵀:
لا يلزم بتأخيره دم.
لا يلزم من تأخير الحلق أو التقصير دم، وظاهر عبارة المؤلف ﵀ أنه ليس لهذا التأخير حد بل له أن يؤخر إلى ما شاء ولو انتهت أشهر الحج، وهذا هو
= مذهب الحنابلة: أن له التأخير ما شاء ولو انتهت أشهر الحج إذ لا دليل يدل على التوقيت.
= والقول الثاني: أن له التأخير إلى نهاية أشهر الحج.
واستدل هؤلاء:
- بأنه إذا تقرر أن الحلق أو التقصير عبادة وهي عبادة خاصة بالحج فإن مناسك الحج يجب أن تؤدى في وقته وفي زمنه وزمن الحج ينتهي بأشهره.
وهذا القول هو الصواب بلا شك إن شاء الله: أنه لا يجوز له التأخير عمداً إلى أن تنتهي أشهر الحج.
- ثم قال ﵀:
ولا بتقديمه على الرمي والنحر.
يعني: أنه يجوز للإنسان أن يقدم ويؤخر في أعمال اليوم العاشر: وهي: الرمي والنحر والحلق والطواف. فله أن يقدم بعضها على بعض.
والدليل على ذلك:
- ما ثبت في الأحاديث المشتهرة أو النقول المتواترة التي جاءت عن أكثر من صحابي في الصحيح وخارج الصحيح أن النبي ﷺ سئل عن أعمال اليوم العاشر عن التقديم فيها والتأخير وهذا بعض ألفاظ الأحاديث (عن التقديم فيها والتأخير) فقال: (افعل ولا حرج).
فهذا نص في جواز تقديم بعض الأعمال على بعض وأنه لا محظور في ذلك ولا يترتب على من فعله دم.
- ثم قال ﵀:
فصل.
هذا الفصل مخصص للكلام عن باقي أركان الحج وباقي أعمال الحج.
فالأركان: الطواف والسعي.
والأعمال: المبيت والرمي.
-
يقول ﵀:
стр. 1193
ثم يفيض إلى مكة، ويطوف القارن والمفرد بنية الفريضة: طواف الزيارة.
هذا الطواف الذي يسمى طواف الإفاضة أو طواف الزيارة ركن من أركان الحج التي أجمع أهل العلم على أنه ركن فيها ولا يصح حج الإنسان إذا لم يأتي به.
وقوله ﵀: (ثم يفيض إلى مكة، ويطوف القارن والمفرد بنية الفريضة: طواف الزيارة.)
ظاهر عبارة المؤلف ﵀ أنه يطوف طواف الإفاضة ولا يشترط أن يطوف طواف القدوم قبل أن يطوف طواف الإفاضة.
= والمذهب على خلاف ما ذكره المؤلف ﵀ وهو أن من جاء من عرفة ومزدلفة وأراد أن يطوف عليه أن يطوف طواف القدوم إن كان متمتعاً أو قارناً.
لكن إن كان متمتعاً فإنه يطوف طواف القدوم بلا رمل وإن كان قارناً أو مفرداً فإنه يطوف طواف القدوم مع الرمل هذا إذا لم يكن طاف طواف القدوم بالنسبة للقارن والمفرد، فغاية ما يستفاد من كلام المؤلف ﵀ أنه يريد أن يبين أنه يطوف ولا يجب عليه أن يأتي بطواف القدوم قبل ذلك.
وقول المؤلف ﵀ هنا (ويطوف القارن والمفرد) لا معنى له بل يجب أن يقول: ويطوف القارن والمفرد والمتمتع، إنما خص المؤلف ﵀ القارن والمفرد لأنهما عليهما الرمل في طواف القدوم دون المتمتع. يعني في هذه الصورة، ولذلك تجد أن غير المؤلف ﵀ من أهل العلم والفقهاء الحنابلة ينصون على القارن والمفرد والمتمتع فاقتصار المؤلف ﵀ على القارن والمفرد هنا ليس له معنى في الحقيقة وكان الواجب أن يذكر الجميع لأن الحكم يتناول الجميع.
تلخيص ما سبق: = الحنابلة يرون أن القارن والمفرد والمتمتع إذا أراد أن يطوف طواف الإفاضة فعليه أن يطوف طواف القدوم أولاً ثم يطوف طواف الإفاضة.
إنما الفرق بين المتمتع والقارن والفرد هو: أن هؤلاء يرملون وهو لا يرمل.
= والقول الثاني: أنه ليس عليهم جميعاً لا المفرد ولا القارن ولا المتمتع أن يطوفوا طواف القدوم بل يطوفوا طواف الإفاضة مباشرة.
وهذا القول: الثاني هو الصواب.
стр. 1194
والقول الأول وهو: أنهم يطوفون طواف القدوم أولاً قول في الحقيقة تفرد به الإمام أحمد ﵀، ومن أضعف ما مر عليَّ من أقوال الإمام أحمد ﵀ هذا القول ولذلك لم يوافق الإمام ﵀ أحد على مشروعية هذا الطواف، فالقول بأنه يطوف طواف قدوم قول ضعيف حتى أصحاب الإمام أحمد ﵀ أو كثير من أصحاب الإمام أحمد لم يوافقوه على هذا القول.
- ثم قال ﵀:
وأول وقته بعد نصف ليلة النحر.
أول الوقت الذي يجوز فيه أن يطوف الإنسان فيه بعد منتصف ليلة النحر، والخلاف في هذه المسألة كالخلاف تماماً في مسألتين تقدمتا: وهما: - متى يجوز للإنسان أن يخرج من مزدلفة؟ - ومتى يجوز للإنسان أن يبدأ برمي جمرة العقبة؟ فالخلاف المذكور في هاتين المسألتين هو نفسه الخلاف الذي وجد في مسألة متى يبدأ وقت جواز طواف الإفاضة؟
تقدم معنا أن:
- الجماهير يرون أنه من بعد منتصف الليل فإذا انتصفت ليلة مزدلفة فللإنسان أن يخرج من مزدلفة مباشرة إلى الحرم ويطوف طواف الإفاضة.
وأن القول الراجح جواز تقدم الخروج من مزدلفة والرمي والطواف خاص بالضعفة.
- ثم قال ﵀:
ويسن في يومه.
يسن أن يقع طواف الإفاضة في يوم العيد، ويسن أن يكون بعد الرمي والحلق والنحر، ولو أن المؤلف ﵀ أشار إلى هذا لكان حسناً. لأن السنة الكاملة هي أن يقع في يوم العيد وأن يقع بعد هذه الأعمال، فإذاً السنة أن يؤخر الإنسان الطواف إلى أن ينتهي من أعمال يوم العيد الأخرى وهي الرمي والنحر والحلق ثم يطوف ويجعل هذا الطواف في يوم العيد، إذاً هذا معنى قول المؤلف ﵀ ويسن في يومه.
- ثم قال ﵀:
وله تأخيره.
يعني: وله تأخير طواف الإفاضة.
واختلف أهل العلم في الحد الذي يجوز أن يؤخر الإنسان إليه طواف الإفاضة:
= فالحنابلة يرون أن له أن يؤخر تأخيراً غير محدود بزمن ولو أخرجه عن أشهر الحج.
= والقول الثاني: أنه له أن يؤخر إلى نهاية أيام التشريق فقط.
= والقول الثالث: أن له أن يؤخر إلى نهاية أشهر الحج فقط.
стр. 1195
وهذا القول الأخير هو القول الصواب إن شاء الله وهو أنه يشترط أن لا يؤخر إلى أكثر من نهاية أشهر الحج لأنه عبادة بل هو ركن الحج بل هو من أعظم العبادات في الحج بعد الوقوف في عرفة فكيف نخرج هذا العمل وهذا النسك العظيم عن أشهر الحج التي هي زمان أداء أعمال الحج؟
- ثم قال ﵀:
ثم يسعى بين الصفا والمروة: إن كان متمتعاً أو غيره ولم يكن سعى مع طواف القدوم ٠ ثم قد حلّ له كل شيء.
بعد الطواف يقوم الحاج بالسعي، والسعي ركن من أركان الحج، وسيأتينا الخلاف في مسألة حكم السعي.
لكن الذي يعنينا الآن مسائل أخرى:
- المسألة الأولى: أنه إذا سعى فقد تحلل التحلل الثاني. بإجماع أهل العلم.
- المسألة الثانية: أن المتمتع يلزمه سعيان:
o السعي الأول: في العمرة.
o والسعي الثاني: في الحج.
وإلى هذا: = ذهب الجماهير. أنه يلزم المتمتع أن يسعى مرتين: السعي الأول: للعمرة. والسعي الثاني: للحج.
واستدل الجمهور بأدلة:
- منها: الدليل الأول: حديث ابن عباس ﵁ أنه ذكر شأن المتمتعين ووصف حجهم ثم قال: ثم سعوا بين الصفا والمروة مرة أخرى وهذا نص في المقصود.
وأجيب عن الحديث: بأنه حديث ضعيف وأنه معلول وأن البخاري ﵀ لم يخرجه مسنداً وإنما أخرجه معلقاً.
والصواب أن الحديث صحيح وقد تأملت العلل التي ذكروها للحديث فلم أجد فيها على تثبت وهم ذكروا أشياء لكنها لا تثبت ومنهم شيخ الإسلام حاول أن يضعف هذا الحديث لكن لم يأت بشيء مقنع في تضعيف هذا الحديث.
- الدليل الثاني: أن عائشة ﵂ ثبت عنها في الصحيح أنها وصفت حج المتمتع والمفرد والقارن ونصت على أن المتمتعين طافوا بين الصفا والمروة مرة أخرى. وهذا نص في المسألة. وأعل بأن هذا التفصيل المذكور في آخر حديث عائشة مدرج من كلام الزهري. وأنه لا يصح مرفوعاً إلى النبي ﷺ .
والأقرب والله أعلم: أن الحديث صحيح مرفوعاً وبهذا يشعر صنيع البخاري ﵀ فإنه أخرجه مرفوعاً كاملاً.
ولم يذكر شيخ الاسلام ﵀ سبباً في الحكم على الحديث بالإدراج. هذا أولاً.
следующие страницы →