Полный текст (2 909 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وقال النبي ‘ في حديث أم سلمة إنما يكفيك أن تحثي الماء ثلاث حثيات على رأسك ثم تفرغي الماء فتطهرين فقال العلماء إنما يكفيك دليل على أن ما عدا المذكور في الحديث ليس بواجب والمذكور هو تعميم البدن بالماء.
أخذوه من قوله ‘ لها إنما يكفيك.
وعليه يكون تعميم البدن بالماء واجب وهو من أهم الواجبات.
يتعلق بهذه المسألة مسائل مهمة:
المسألة الأولى:
حكم المضمضة والاستنشاق: اختلف الفقهاء فيها:
فالقول الأول: أن المضمضة والاستنشاق من واجبات اغتسال الجنابة. فإذا عمم بدنه بالغسل ولم يتمضمض ويستنشق فاغتساله باطل.
الدليل: قالوا: إذا كانت المضمضة والاستنشاق واجبة في الوضوء ففي الغسل من باب أولى.
الدليل الثاني: أن النبي ‘ في حديث ميمونة قالت ثم تمضمض واستنشق فنصت على المضمضة والاستنشاق.
القول الثاني: أن المضمضة والاستنشاق في الغسل سنة وليس بواجب.
الدليل: حديث عمران بن حصين السابق أنه أمر الأعرابي أن يفرغ الماء على نفسه وحديث أم سلمة السابق إنما يكفيك أن تحثي الماء ثلاث حثيات.
ولم يذكر النبي ‘ في الحديثين المضمضة ولا الاستنشاق.
وهذا هو الراجح أن المضمضةوالاستنشاق سنة.
فلا يعتبر من واجبات الغسل.
المسألة الثانية: هل يجب على المرأة أن تنقض شعرها إذا أرادت أن تغتسل؟
الجواب: فيه تفصيل:
أولاً: في الجنابة: فلا إشكال أنه لا يلزمها أن تحل شعرها لحديث أم سلمة السابق أنها قالت للنبي ‘ إني امرأة اشد ظفر شعري أفأنقضه للجنابة فقال النبي ‘ لا إنما يكفيكي أن تحثي ثلاث حثيات.
فهذه فتوى من النبي ‘ صريحة بعدم وجوب نقض شعر الرأس المشدود في غسل الجنابة.
ثانياً: غسل الحيض:
ذهب الجمهور إلى وجوب نقض الرأس واستدلوا بحديث عائشة أن النبي ‘ قال لها في الحج لما كانت حائض انقضي شعرك واغتسلي وهذا دليل عل وجوب النقض.
الجواب على هذا الحديث من وجهين:
الأول: أن لفظه في البخاري انقضي شعرك وامتشطي ولم يذكر الاغتسال وإنما الاغتسال ورد في سنن ابن ماجه.
الثاني: - وهذا هو الجواب المهم - أن هذ الاغتسال ليس لنهاية الحيض وإنما هو اغتسال للإحرام. بدليل أن عائشة ﵂ أفتاها النبي ‘ هذه الفتوى يوم عرفة.
وقد ثبت أنها لم تطهر إلا يوم العيد.
стр. 142
إذاً لما سألت هذا السؤال كانت حائضاًَ. فهذا الاغتسال والنقض ليس اغتسال للحيض وإنما هو اغتسال للإحرام.
إذاً فلا دليل لهذا الدليل.
القول الثاني: أن نقض الشعر في الحيض سنة وليس بواجب.
استدلوا على هذا بأن أسماء ﵂ سألت النبي ﷺ عن غسل الحيض فأرشدها النبي ﷺ إلى كيفيته ثم قال لها ثم صبي على رأسك الماء وادلكيه دلكاً شديداً ولم يذكر نقض الشعر.
الدليل الثاني: أن ابن عمر وهو من فقهاء الصحابة كان نساؤه وجواريه يغتسلن للحيض والجنابة بلا نقض للشعر مع تحري ابن عمر للسنة وتحريه لمثل هذه الامور فيما يتعلق بالطهارة والاغتسال مع ذلك لم يأمر نسائه - بنقض الشعر لا للجنابة ولا للحيض.
وهذا هو الراجح أنه لا يجب وإن كان كثير من الفقهاء يفرقون بين غسل الجنابة وغسل الحيض. ولكن الراجح عدم الفرق والخلاف يقتضي للمرأة أن تحتاط وأن تنقض شعرها أثناء غسل الحيض لأنه لا يتكرر في الشهر إلا مرة.
• ثم قال ﵀:
ويتوضأ بمد.
النبي ﷺ كان يتوضأ بالمد والمد بالجرامات ٥١٠جرام وهو كمية بسيطة وإذا أردت أن تعرف المد بغير الجرامات فالمد هو ملء كفي الرجل المعتدل وهو يقارب في وقتنا هذا الكأس المعتدل.
• قال ﵀:
ويغتسل بصاع.
الصاع أربعة أمداد فيكون ٢٠٤٠ جرام وهو ما يقارب لترين ونصف تقريباً.
فكان النبي ﷺ يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد وهو لا شك أنه قليل جداً وفي هذا إشارة نبوية إلى النهي عن الاسراف في طهارة الوضوء وفي طهارة الغسل.
• ثم قال ﵀:
فإن أسبغ بأقل ... أجزأ.
يعني لو أن إنساناً استطاع أن يتوضأ بأقل من المد أو أن يغتسل بأقل من الصاع فإنه يجزئه.
فإن قيل: كيف يجزئ والنبي ﷺ سيد الخلق ما كان ينقص عن المد ولا ينقص عن الصاع في الضوء والغسل؟
فما هو الجواب؟
الجواب: من وجهين:
الوجه الأول: أن أكثر العلماء ذكروا أن هذا التحديد تحديد تقريبي من الصحابة فقد ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة - أن النبي ﷺ كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع.
وهذا التحديد منه - تحديد تقريبي.
الوجه الثاني: أن الله أمر بالاغتسال فقال وإن كنتم جنباً فاطهروا ومن تطهر بأقل من الصاع فإنه يصدق عليه أنه تطهر.
ولذلك نقول أنه مجزئ.
стр. 143
تنبيه: في الغالب لا يستطيع الإنسان أن يطبق السنة بأن يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلا إذا كان يتناول الماء تناولاً أما السكب فما يكفي لطهوره.
• ثم قال ﵀:
أو نوى بغسله الحدثين: أجزأ.
ظاهر كلام المؤلف أنه إذا نوى بغسله أحد الحدثين ارتفع ما نواه فقط فإن نوى الغسل وهو الغالب لم يرتفع الحدث الأصغر وهذا هو مذهب الحنابلة - أنه إذا نوى أحد الحدثين لم يرتفع إلا من نواه وهو في الغالب في الغسل سينوي الحدث الأكبر فيبقى الحدث الأصغر وقد تقدم معنا أن القول الثاني أن نية الاغتسال تكفي عن نية الوضوء وأن هذا اختيار شيخ الاسلام ابن تيمية ﵀ وأنه هو الصواب.
فإذا نوى الانسان رفع الجنابة ارتفع الحدث الاصغر وإن لم ينوه خلافاً لمذهب الحنابلة.
• ثم قال ﵀:
ويسن لجنب: غسل فرجه، والوضوء لأكل ونوم ومعاودة وطء
قبل الدخول في المسنونات نتحدث عن أمرين اختلف فيهما:
وهما الموالاة والترتيب:
- أما الترتيب فلا إشكال أنه لا يجب في الغسل لماذا؟ لأن الغسل تعميم لعضو واحد وهو الجسد ولا يوجد ترتيب إلا بين متعددات.
مثال للإخلال بالترتيب: لو بدأ بغسل الجزء الاسفل من جسده. فإنه يجزأه ولو لم يبدأ بغسل الجزء الاعلى وإن كان صريح السنة أن يبدأ الإنسان بالجزء الأعلى.
- الموالاة: أيضاً الجمهور وهو الثابت عن الامام أحمد أن الموالاة سنة وليس بواجب استدل الامام أحمد بأن النبي ﷺ اغتسل ولما انتهى من الغسل وجد لمعة لم يصبها الماء فعصر ﷺ عليها شعره.
هذا الحديث مرسل لكن قيل للإمام أحمد أتأخذ به قال نعم آخذ به وهذا في الغالب لثبوته عنده ﵀ ..
وجه الاستدلال أن غسل هذه اللمعة تم بعد الغسل بعد أن جفت الاعضاء وتقدم معنا في الوضوء أن الموالاة هي أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله.
ففي الحديث النبي ﷺ أخر غسل هذه البقعة التي لم يصبها الماء من جسده إلى ما بعد الاغتسال الكامل وبعد أن جفت الاعضاء واكتفى بغسلها مفردة.
فلو كانت الموالاة واجبة للزمه أن يعيد الغسل.
هذا الدليل الأول.
الدليل الثاني:
стр. 144
قال الامام أحمد فرق بين الوضوء والغسل فإن الوضوء ذكر الله فيه اعضاء مترتبة متوالية فلزم فيه الترتيب والموالاة بينما ذكر في الاغتسال أن يتطهر فكيفما تطهر أجزأه.
وهذا الاستنباط من الإمام أحمد دقيق وهو من الشواهد التي يرد بها على من قال أن الإمام أحمد اشتغل بالتحديث أكثر من الفقه.
وقد ساق هذا الاستدلال عدد من أهل العلم وأعجبوا به من المتقدمين.
فهو استدلال جيد من الامام أحمد.
وخلاصته أن الإمام أحمد يقول: الله أمرنا أن نتطهر وأن نغسل البدن فكيفما غسلنا البدن أجزأ سواء كان متوالياً أو متفرقاً.
بخلاف الوضوء فإن الله أمر فيه بغسل مرتب متوالي.
والراجح عدم الوجوب. ويميل إليه البخاري أما الإمام أحمد فهو مذهبه وقرره.
إذاً الجمهور لا يرون الموالاة من الواجبات وهو الراجح وإليه يميل البخاري.
والقول الثاني: لعدد قليل من أهل العلم أن الموالاة واجبة وهو مرجوح.
• ثم قال ﵀: - بعد أن أنهى الكلام على الغسل المجزئ.
ويسن لجنب.
هذه المسنونات خارجة عن الاغتسال وإنما هي سنن إضافية لا علاقة لها بالاغتسال:
يسن لجنب غسل فرجه: يسن للجنب قبل أن ينام أن يغسل فرجه بدليل حديث عائشة في الصحيحين أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن ينام غسل فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة.
فهذا سنة ثابتة صحيحة بلا إشكال وهذه أيضاً من السنن التي يغفل عنها كثير من الناس.
• ثم قال ﵀:
والوضوء:
الدليل على الوضوء لمن أراد أن ينام هذا الحديث أيضاً - حديث عائشة السابق.
والدليل الثاني: حديث عائشة الآخر أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوئه للصلاة.
إذاً سنن ثابته وأحاديثها في الصحيحين لا إشكال فيها.
• ثم قال ﵀:
ومعاودة وطء.
يسن للإنسان إذا أراد أن يعاود الوطء أن يغتسل وأيضاً حديثه في الصحيحين وهو أن النبي ﷺ قال إذا أراد أحدكم أن يعاود الوطء فليتوضأ.
وفي رواية خارج الصحيحين فإنه أنشط للعود.
стр. 145
إذاً كل واحد من هذه السنن الثلاث ثابتة في الصحيح لكن ظاهر كلام الحنابلة أن الجنب إذا أراد أن يأكل أو ينام أو يعاود الوطء يستحب له في الجميعأن يغسل فرجه وأن يتوضأ بينما تقدم معنا أن الحديث الذي فيه غسل الفرج - حديث عائشة في الصحيحين - إنما نص على غسل الفرج في حال واحدة وهي إذا أراد أن ينام فقط.
ولذلك نقول أن غسل الفرج سنة عند النوم دون الاكل ومعاودة الوطء.
لأن الحديث إنما هو فقط في مسألة النوم. وكما مر معنا أن السنن تحتاج إلى دليل لإثباتها ولا دليل على مسألة غسل الفرج لإعادة الوطء أو الأكل خلافاً للحنابلة.
هذه مسألة.
المسألة الثانية:
صرح الحنابلة أن الجنب إذا أراد أن ينام فإنه يستحب له أن يتوضأ فإن ترك الوضوء كره له ترك الوضوء.
- وأريد أن أبين شيئاً: أن الأمور المستحبة لا يقال لتركها مكروه - فإذا لم يجب الإنسان المؤذن فهل نقول أنك فعلت مكروه أو نقول أنك تركت سنة. بدون فعل مكروه.
في هذه المسألة بالذات الحنابلة يقولون: الوضوء للنوم سنة لكن ان تركه فقد فعل مكروهاً.
وإن تركه في الأكل والمعاودة قالوا: إن تركه في ذلك فإنه قد ترك سنة ولا يكره.
إذاً الكراهة تختص بالنوم.
إذاً مذهب الحنابلة في النوم أنه إذا أن ينام الجنب فيستحب له أن يتوضأ.
وهذه المسألة مهمة وحاجة الناس إليها كثيرة ولذلك نذكر الخلاف في حكم النوم بلا وضوء.
القول الأول: وهو مذهب الحنابلة أن النوم بلا وضوء مكروه - مايقال مباح - جائز لكن مكروه.
الدليل: قالوا نحمل الأحاديث الواردة على الندب - حديث عائشة في الصحيحين أنه كان إذا أن ينام توضأ - فيحمل على الندب.
وحديثها الآخر إذا أراد أن ينام أو يأكل توضأ - يحمل الندب.
وهذا القول هو مذهب الجماهير.
القول الثاني أن الوضوء للنوم واجب فإذا نام جنباً بلا وضوء فهو آثم.
وهذا القول منسوب إلى الامام مالك في رواية أما مذهبه فهو سنة واختار هذه الرواية من المالكية ابن حبيب - وهو من كبار علماء المالكية.
واستدلوا بحديث عمر ابن الخطاب أنه سأل النبي ‘ أينام أحدنا وهو جنب فقال النبي ‘ نعم إذا توضأ.
وإذا أداة شرط وهي تعني أنه إذا لم يتحقق المشروط لم يجز الفعل.
стр. 146
وذكر ابن عبد البر أن هذا القول شاذ لقلة القائلين به - وإن كان يعد ﵀ من علماء المالكية مع ذلك يرى أن هذا القول شاذاً.
والمسألة فيها إشكال وهي من المسائل التي الخلاف فيها قوي والذي يظهر والله أعلم أن الوضوء للجنب إذا أراد أن ينام سنة وليس بواجب.
الدليل أن النبي ﷺ قال إذا أراد أحدكم أن يأكل أو ينام فليتوضأ وضوئه للصلاة فجمع بين الأكل والنوم والفقهاء أجمعوا بلا خلاف أن الوضوء للأكل سنة وإذا كان النبي ﷺ سوى في هذا الحديث بين الأكل والنوم والأكل بالإجماع لا يجب فكذلك النوم.
هذا أقوى دليل في الباب - عندي - لحمل الأحاديث على الندب وإلا في الحقيقة فإن حديث عمر أشبه ما يكون نصاً في الوجوب ومع ذلك ذهب الجماهير كما ترون إلى الندب ويقوي الندب أمر آخر وهو أن من رواة حديث عمر ابنه ابن عمر وقد كان ابن عمر - إذا أن ينام توضأ ولم يغسل رجليه - يتوضأ وضوءا غير كامل.
وهذا فيه إشاره إلى أنه لا يرى وجوب الوضوء.
وإذا عرف الانسان الخلاف وقوته عرف أنه يجب أن يحتاط ولا ينام إلا متوضأً لكن نحن نتحدث في الواجب الذي من تركه فقد أثم.
والوضوء للجن يحتاج إلى بيان الحكمة منه وبيان الحكمة يترتب عليه حكم آخر مهم.
فما هي الحكمة من اغتسال الجنب؟
اختلفوا على قولين:
القول الأول: أن الحكمة من وضوء الجنب قبل النوم رفع الحدث الأصغر.
والقول الثاني: أن الحكمة من وضوء الجنب تخفيف الجنابة لا رفع الحدث الأصغر. وهو اختيار شيخ الاسلام ﵀.
والراجح هو القول الثاني بل ربما يقال أن القول الأول خطأ.
أما المسألة التي تترتب على هذه المسألة وهي:
إذا توضأ - وهذه السؤال عنها كثير - الجنب للنوم أو للأكل أو للشرب أو لمعاودة الوطء ثم أحدث فهل يشرع له أن يعيد الوضوء؟
اختلف الفقهاء ﵏ لأن الحكمة التخفيف وقد حصل.
الحنابلة نصوا على أنه لا يشرع فضلاً عن أن يقال يندب.
ومن الفقهاء من قال بل إذا توضأ ثم أحدث قبل أن ينام يشرع ويتأكد في حقه أن يتوضأ مرة أخرى لينام على أحد الطهارتين.
ولكن القول الأول هو المنسجم مع الحكمة الصحيحة من الوضوء للجنب ومن أراد أن يأكل أو يشرب أو يتوضأ.
وبهذا انتهينا من باب الغسل ....
انتهى الدرس،،،
стр. 147
باب التيمم
لما أنهى المؤلف ﵀ الكلام على الطهارة المائية انتقل إلى الكلام على طهارة البدل عن الماء وهي طهارة التراب.
والتيمم في لغة العرب: القصد.
وفي اصطلاح الفقهاء: مسح الوجه واليدين بالصعيد على وجه مخصوص.
والتيمم ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.
• قال ﵀:
وهو بدل طهارة الماء:
أفادنا المؤلف ﵀ أن التيمم بدل عن طهارة الماء فاستفدنا من هذا قاعدة أن البدل لا يشترط فيه أن يكون مماثلاً للمبدل منه في جميع الصفات.
وهذه قاعدة قررها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. وهي قاعدة صحيحة.
فبين الماء والتراب فرق كبير ومع ذلك فهو بدل عنه في باب الطهارة.
ويتعلق بقوله: وهو بدل طهارة الماء مسألة مهمة وتقدم مراراً أنه في كل باب مسائل تعتبر أصولاً في الباب ومسائل أخرى أقل أهمية.
فمن أصول مسائل باب التيمم: هي مسألة: هل التيمم مبيح أو رافع؟ - وهذه المسألة يترتب عليها فروع كثيرة
ذهب الحنابلة - وهو مذهب الجمهور إلى أن التيمم مبيح وليس رافعاًَ للحدث.
واستدلوا بأحاديث كثيرة أقواها حديثان:
الأول: أن النبي ﷺ قال لعمرو ابن العاص لما صلى بأصحابه وهو جنب بعد التيمم قال له ﷺ أصليت بأصحابك وأنت جنب.
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ سماه جنباً وإن كان تيمم ومع ذلك لم يأمرة بإعادة الصلاة.
وهذا استدلال قوي وواضح.
الدليل الثاني: قول النبي ﷺ الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجده فليتق الله وليمسه بشرته.
وجه الاستدلال: أن التيمم لو كان رافعاً للحدث لما احتجنا إلى الماء ولا أمر به النبي ﷺ إذا وجد.
وهذا أيضاً استدلال صحيح.
القول الثاني: مذهب الاحناف وهو اختيار شيخ الاسلام ﵀ أن التيمم رافع ولكنه رفع مؤقت إلى أن يأتي الماء.
وهذا القول مركب من أمرين:
الأول: أن التيمم رافع. ولكن هذا الرفع يعتبر مؤقتاً إلى وجود الماء.
стр. 148
الدليل على أنه رافع أن الله يقول: فتيمموا صعيداً طيباً إلى أن قال ولكن يريد ليطهركم. والنبي ﷺ قال الصعيد الطيب طهور المسلم وجه الاستدلال أن الله والنبي ﷺ سميا التراب طهور كما سميا الماء طهوراً فدل على أنه يأخذ أحكام الماء.
وأما الدليل أن هذا الرفع مؤقت فالحديث السابق في قوله فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته. فأمر النبي ﷺ بأن يتوضأ أو يغتسل الإنسان بمجرد وجود الماء فكأن طهارة التيمم تنتهي عند وجود الماء.
وهذا القول هو القول الصواب لوجهين:
الوجه الأول: قوة الاستدلال فإن الله سمى التيمم طهوراً ولو كان مبيحاً فقط وليس رافعاً لم يسمه طهوراً.
الوجه الثاني: أن في القول أن التيمم رافع وليس مبيح عنت ظاهر ومشقة عظيمة لا يأتي بمثلها الشرع كما سيأتينا في أحكام التيمم المبنية على القول أن التيمم مبيح.
فالراجح أن التيمم رافع.
وسبق معنى مراراً أن ترجيح أحد الأقوال لا يعني إلغاء القول الآخر لا سيما إذا كان القائلون بالقول الآخر هم الجمهور - كما في هذه المسألة.
فمالك والشافعي وأحمد أئمة أهل العلم يرون أنه رافع فمراعاة هذا الخلاف شيء والترجيح في الأدلة وبين القول الذي تنصره النصوص شيء آخر حيث نرى أن بعض إخواننا يهملون جداً ويتنكبون الأقوال الأخرى كأنها ليست بشيء.
فصحيح أن هذا القول هو الراجح لكن القول الآخر دليله قوي وهو مذهب الجماهير.
إذاً عرفنا هذه المسألة المهمة وعرفنا الراجح وعرفنا أنها من أهم مسائل هذا الباب وعرفنا لماذا تعتبر من أهم مسائل هذا الباب وذلك لكثرة ما ينبني عليها من الفروع.
• ثم قال ﵀:
إذا دخل وقت فريضة أو أُبيحت نافلة.
بدء ﵀ بذكر شروط التيمم:
والحنابلة يرون أن للتيمم شرطان:
بخلاف ما يذكره بعض المتأخرين حيث أنهم يسردون شروطاً كثيرة - في الكشاف وهو من الكتب المعتمدة وهنا وفي الروض ذكر شرطين فقط.
فإن قلت ماهي الشروط الأخرى؟ التي يذكرها بعض المعاصرين:
стр. 149
فالجواب أن الشروط الأخرى في الحقيقة هي صفات للتراب الذي يجوز أن نتيمم به وليست من شروط التيمم العامة. إنما التيمم له شرطان فقط: كما سيأتينا الآن وكما قلت لكم أن هذا هو الموجود في كتب الحنابلة وهو أسهل في ضبط المسائل:
الشرط الأول: دخول وقت الفريضة. أو إباحة النافلة. يشترط للتيمم أن لا يتيمم إلا بعد دخول وقت الفريضة أو إذا أراد التيمم للنافلة أن يتيمم إذا أبيحت بأن لا يكون وقت نهي.
الدليل: قالوا: لأن التيمم مبيح وليس رافع. وإذا كان مبيح وليس رافعاً فإنه لايتيمم الإنسان إلا بعد دخول الوقت فهذه أول مسألة تنبني على مسألة هل التيمم مبيح أو رافع؟
وإذا كان الراجح أن التيمم رافع فالراجح في هذه المسألة عدم الاشتراط فلو تيمم قبل دخول الوقت أو بعد دخول الوقت في أي وقت شاء يتيمم إذا كان لا يجد الماء وتيممه صحيح.
الشرط الثاني: قال وعدم الماء: المؤلف عبر بهذه الجملة - عدم الماء - وغيره عبر بجملة أدق وأشمل وأضبط وهي أن نقول تعذر استعمال الماء إما لعدم وجوده أو لخوف الضرر من استعماله أو لأي سبب من الأسباب.
إذاً ما هو الضابط العام لجواز التيمم؟
نقول: تعذر استعمال الماء لأي سبب من الأسباب.
الدليل: الدليل على هذا الشرط وهو تعذر استعمال الماء أو عدم وجوده قوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا فاشترط للتيمم عدم وجود الماء.
الثاني: قوله ‘ وإن لم يجد الماء عشر سنين فنص على أن التيمم إنما يجوز إذا لم يجد الماء.
وأيضاً في حديث عائشة حين فقد العقد ونزلت آية التيمم قبل أن يتيمموا قال في الحديث فالتمسوا الماء فلم يجدوه.
فهذا هو الشرط - عدم الماء أو تعذر استعمال الماء - وما سيذكره المؤلف بعد ذلك إنما هو تفصيل لهذا الشرط.
• فقوله ’:
وعُدِم الماء أو زاد على ثمنه كثيراً.
المقصود بثمنه ثمن مثله في مكانه: أي مثمن مثل هذا الماء فإن المياه النقية قد تكون أغلى ثمناً من المياه التي هي أقل نقاء وأيضاً في مكانه: فمثلاً المياه في الطرق العامة وفي أماكن السفر قد تكون أغلى ثمناً منها في داخل البلد.
стр. 150
فإذاً يجب أن يكون أغلى من ثمنه في مكانه إذا كان أغلى من ثمن مثله في مكانه جاز التيمم. لكن اشترط المؤلف شرطاً وهو قوله: كثيراً: فإن كان أغلى يسيراً فإنه لا يجوز التيمم ويجب أن تشتري.
بناء على هذا إذا كان لتر الماء يباع في هذه المنطقة بريال ثم وجد من أراد الصلاة أن الماء يباع بخمسين ريال. هل يعتبر هنا قد زاد على ثمنه؟
الجواب نعم.
وهل زاد كثيراً؟
الجواب نعم.
فإذا كان هذا الشخص يملك خمسين ريالاً فهل يجوز له أن يتيمم أو يجب أن يشتري الماء ويغتسل أو يتوضأ به؟
فالجواب: نقول يجوز له لأن الحنابلة يقولون إذا كان الماء أكثر من ثمنه في مكانه كثيراً فيجوز التيمم ولا يلزم بالشراء. وإن كان المال معه لكن لما كان أكثر من ثمنه كأنه غير موجود.
والقول الثاني: في هذه المسألة أن من أراد الصلاة إذا كان ذا مال وهذه الزيادة لا تجحف بماله وإن كانت كثيرة فيجب عليه أن يشتري لأن هذا الشراء لا يضره ولأن القاعدة المتفق عليها أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وهذا القول هو الصواب فما دام أنه يملك مالاً كثيراً والزيادة لا تجحف بماله فإنه يجب عليه أن يشتري الماء.
بناء على هذا: إذا كان في المثال السابق من أراد أن يصلي وهو يملك خمسون ريالاً لكن هي قوته فسيشتري بها طعاماً لأولاده فهل يجب عليه - على القول الراجح أن يشتري؟
الجواب. لا لا يجب.
وإذا أراد أن يصلي من يملك خمسين ريال زائدة ويملك غيرها أموالاً كثيرة فهل يجب عليه أن يشتري؟
فالجواب: نعم.
وقد لا نحتاج إلى هذه المسألة في وقتنا هذا ولكن في القديم كانت الحاجة إلى مثل هذه المسألة كثيرة لا سيما في السفر.
ثم استمر المؤلف في بيان صور العجز عن الماء فقال ’:
أو بثمن يعجزه.
إذا كان الماء بثمن وهذا الثمن قليل ولا يعتبر كثير لكن يعجزه فالماء مثلاً بعشر ريالات ولكنه لا يملك هذا المبلغ فهل يجب عليه أن يشتري؟
الجواب: لا. لأنه لا يستطيع فيصدق عليه أنه لا غير واجد للماء.
• ثم قال ’:
أو خاف باستعماله أو طلبه: ضرر في بدنه.
إذا خاف الانسان على نفسه من استعمال الماء بأن يقع عليه ضرر جاز له حينئذ مع وجود الماء: أن يتيمم.
الدليل: الأدلة كثيرة: التي تعضد هذا القول:
стр. 151
أولاً: قوله تعالى: وإن كنتم مرضى أو على سفر .... إلى أن قال: فتيمموا.
فقوله وإن كنتم مرضى نص على أن المرض يبيح للإنسان أن يتيمم.
ثانياً: حديث عمرو بن العاص السابق فإن النبي ‘ أقره على الاغتسال وعمرو بن العاص كان في غزوة ذات السلاسل وكان البرد شديد جداً واحتلم في الليل. قال فلما أصبحت خشيت إن اغتسلت أن أهلك فتيمم فقص على النبي ‘ ما عمل فأقره ‘ وتبسم ولم يأمره بإعادة الصلاة.
إذاً عمرو بن العاص تيمم لوقوع الضرر أو لخشية الضرر؟
الجواب: لخشية الضرر.
ثالثاً: القواعد العامة. ما يريد الله أن يجعل عليكم في من حرج. لا ضرر ولا ضرار. وأدلة رفع الحرج وهي من القواعد الخمس الكبرى كثيرة جداً.
وذكر الفقهاء أنه لا يشترط في خوف المرض أن يخاف مرضاً عظيماً أو أن يخاف أن يموت بل يكفي أن يخاف مرضاً عادياً لا يعتبر من الأمراض الكبيرة.
بل ذكر بعض الحنابلة أنه لو خاف أن اغتسل أن يزكم فإنه يجوز له أن يتيمم لأن الزكام نوع من أنواع المرض.
فإذاً يجوز للإنسان أن يتيمم.
إذا كان مريضاً ويخشى من زيادة المرض إذا كان صحيحاً ويخشى من وجود المرض ففي هاتين الصورتين يجوز للإنسان أن يتيمم. سوار كان المرض من الأمراض الخطيرة أو من الأمراض اليسيرة.
• قال ’:
أو رفيقه أو حرمته أو ماله.
كثير من الشراح والمحشين انتقد المؤلف في هذه العبارة وهي قوله في بدنه أو رفيقه أو حرمته. وجه الانتقاد: أن هذه العبارة تشعر أن الحكم خاص بما إذا خاف على بدنه أو رفيقه أو حرمته فقط.
أما إذا خاف على أجنبي فإنه لا يجوز له أن يتيمم ويجب أن يتوضأ.
فمثلاً: لو كان معه أجنبي يخشى عليه من الهلاك عطشاً فمقتضى عبارة المؤلف أنه يجب أن يتوضأ بهذا الماء ولا يتيمم لماذا؟
لأنه حصر الخشية في هؤلاء الثلاثه البدن والرفيق والحرمة.
ولذلك فإن العبارة الصحيحة أن يقال أو خشي على كل محترم من آدمي أو حيوان.
فكل محترم من آدمي أو حيوان إذا خشي عليه جاز له التيمم. بداية من نفسه ونهاية إلى أبعد الناس عنه.
• قال ’:
أوماله بعطش أو مرض أو هلاك ونحوه: شرع التيمم.
قوله شرع التيمم هذا جوابُ قوله في أول الباب: إذا دخل وقت فريضة أو أبيحت نافلة.
стр. 152
والمؤلف ’ قال شرع: لأن التيمم قد يكون سنة إذا أراد أن يتسنن وقد يكون واجباً إذا أراد أن يصلي الواجبات.
فعبر بعبارة شرع ليشمل الأمرين.
• ثم قال ’:
ومن وجد ماء يكفي بعض طهره: تيمم بعد استعماله.
إذا وجد الإنسان ماء يكفي لغسل بعض أعضاء الوضوء فعند الحنابلة يجب عليه أن يستعمل هذا الماء في هذه الأعضاء ثم إذا نفد الماء تيمم عن الباقي.
ما الدليل؟ الدليل قوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم وقوله ‘ إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ولأنه بهذا يصدق عليه أنه لم يجد الماء بينما لو تيمم ومعه ماء يكفي ابعض أعضائه فقد تيمم مع وجود الماء.
القول الثاني: في هذه المسألة: أنه لا يلزمه أن يستخدم هذا الماء بل يجوز له أن يتيمم مباشرة ويترك هذا الماء.
الدليل: قالوا: أن استعمال هذا الماء لا يفيد التطهير فلا معنى لاستعماله وممن نصر هذا القول من المتأخرين: الشوكاني. وممن نصر القول الأول: وهو مذهب الحنابلة. ابن القيم ’.
والصواب القول الأول: فيجب عليه أولاً أنت يستخدم هذا الماء فيما يكفي من أعضائه ثم يتيمم بعد ذلك.
لقوة أدلة الحنابلة ولأنا وجدنا الشارع يأمر الجنب أن يتوضأ فدل على أن غسل بعض الاعضاء في الطهارة الكبرى ينفع فكذلك في الطهارة الصغرى.
إذاً في هذه الصورة إذا وجد الإنسان ماء يكفي فقط غسل الوجه فإن كثيراً من الناس يترك هذا الماء ويقول لا فائدة من غسل الوجه فقط ويتيمم مباشرة.
فنقول له يجب عليك أن تعيد التيمم والصلاة. لماذا؟ لأنه يجب قبل أن تتيمم أن تستعمل هذا الماء فيما يكفي من الأعضاء ولو كان عضواً واحداً.
فمذهب الحنابلة في هذه المسألة قوي.
• ثم قال ’:
ومن جرح تيمم له وغسل الباقي.
مازال المؤلف في تفاصيل الشرط الثاني: وهو عدم القدرة على استعمال الماء. فكل هذه المسائل تفصيل للشرط الثاني.
إذا جرح الإنسان فإنه يغسل عند الفقهاء على الترتيب التالي:
أولاً: إما أن يستطيع غسل الجرح بلا ضرر فيجب عليه أن يغسل الجرح فإن كان لا يستطيع غسل الجرح فينتقل إلى المسح على الجرح مباشرة بلا حائل فإن كان لا يستنطيع المسح على الجرح انتقل إلى طهارة التيمم.
стр. 153
فكم صارت المراتب؟ الأول: الغسل. والثاني: المسح. والثالث: التيمم.
ولا ينتقل من مرتبة إلى أخرى إلا عند العجز عن المرتبة الأولى.
ما الدليل؟ الدليل: الآية السابقة: (فاتقوا الله ما استطعتم).
والدليل الثاني: حديث صاحب الشجة فإن أصحاب النبي ‘ خرجوا في غزوة وكان أحد الصحابة قد أصابة رأسه شجة - يعني جرح - فاحتلم فلما قام سأل أصحابه فقال: هل ترون لي من رخصة فقالوا: لا والله ما نجد لك رخصة وأنت واجد للماء فاغتسل فمات فلما رجعوا إلى النبي ‘ سألوه فلما عرف قال النبي ‘ قتلوه قتلهم الله. ألا سألوا إذ لم يعلموا فإن شفاء العي السؤال. إنما يكفيه أن يتيمم ثم يعصب على جرحه ثم يمسح ويغسل سائر بدنه.
فهذا الحديث نص في طهارة المسح لكن هذا الحديث الصواب فيه أنه ضعيف:
أولاً: لأن إسناده ضعيف.
وثانياً: أنا نجل أصحاب النبي ‘ أن يفتوا هذه الفتوى وإن كان بعض المعاصرين يصحح هذا الحديث لكن الصواب أنه ضعيف.
الدليل الثاني: أن المسح على الجرح أولى من المسح على الجبيرة كما قال شيخ الاسلام بن تيمية.
مسألة: هل يجوز أن يمسح على العصابة التي يلف بها الجرح؟
الجواب: نعم إذا كان لا يستطيع مسح الجرح مباشرة. فمثلاً: لو ربط على جرحه لفافة ثم قال: هل يجوز أن أمسح؟
فالجواب: أن يقال: إن كنت تستطيع رفع هذه اللفافة والمسح على الجرح فيجب. وهذه أفتى بها الإمام أحمد: قال: إن كان يستطيع فيجب أن يرفع ويمسح.
وإن كان لا يستطيع أن يمسح لخشية تضرر الجرح فإنه يمسح على اللفافة.
وبهذا كمل تصور أحكام مسح الجروح.
نقول: أولاً: يجب أن تغسل إن استطعت.
وثانياً: إن لم يستطع الغسل فيمسح. وثالثاً: إن لم يستطع المسح فيتيمم.
وإن كان الجرح مربوطاً يجب أن يرفع الرباط إذا كان الجرح لا يتأثر وإن كان يتأثر فإنه يمسح على اللفافة.
إذا كان الجرح مكشوفاً ولا يستطيع أن يمسح عليه فهل يلزمه أن يلف الجرح ويمسح على اللفافة؟
الجواب: فيه تفصيل:
• إن كان تغطية الجرح يؤدي إلى تأخر برئه فإنه لا يلزمه.
• وإن كان يستطيع لف الجرح بلا ضرر فنقول يجب أن يلف الجرح ويمسح. التعليل: أن طهارة المسح مقدمة على طهارة التيمم.
стр. 154
إذاً إذا كان الإنسان أصابه جرح وأمره الطبيب بأن يبقيه مكشوفاً لينشف مع الهواء فهل يلزمه أن يلف الجرح؟
الجواب: إن كان اللف يضر الجرح أو يؤخر برء الجرح فلا يلزمه.
وإن كان اللف وعدمه سواء فإنه يلزمه أن يلف الجرح ويمسح عليه.
وكما تعلمون هذه المسائل الحاجة إليها كثيرة.
وعرفنا من التفصيل السابق أن المؤلف نقض مسألة المسح ولو كان ﵀ ذكره لكان أولى لأنه طهارة أساسية في مثل هذه المسألة ولذلك عوض هذا النقص صاحب الروض وذكر طهارة السمح ونص عليها.
• قال ﵀:
ويجب طلب الماء في رَحله وقربه وبدلالة.
ما زال المؤلف في تفاصيل شرط عدم القدرة على الماء فقال:
ويجب طلب الماء في رحله: القاعدة العامة: أنه يجب طلب الماء قبل أن تتيمم. الدليل قوله تعالى: فلم تجدوا ماء. ولا يسمى الإنسان غير واجد للماء إلا بعد الطلب.
أما بلا طلب فلا يسمى غير واجد للماء.
وهذا القول خلافاً لمن قال من الفقهاء أنه يجب أن يطلب الماء إن كان الماء موجوداً وإلا لا يطلبه. فإنه قول ضعيف جداً ومخالف لظاهر النصوص.
الخلاصة: نحن لا نحتاج لهذا الخلاف لشدة ضعفه.
فنقول: أن الأصل والقاعدة أنه يجب على الإنسان أن يبحث ويطلب الماء قبل أن يتيمم لدلالة هذه الآية الصريحة لكن طلب الماء فيه تفصيل وقد ذكره ﵀.
• فقال ﵀:
في رحله وقربه:
فيجب أن يطلب الإنسان الماء في رحله - يعني في ما معه من أغراض فيفتش فيها تفتيشاً يبرئ الذمة.
ثم إذا لم يجد في رحله انتقل إلى المرحلة الثانية وهي ما ذكره المؤلف بقوله: وقربه.
والمؤلف ﵀ لم يذكر حد القرب وحده: العرف. فإذا كان في العرف قريب وجب عليه أن يبحث وإن كان في العرف بعيد فلا يجب عليه أن يبحث ولا أن يطلب ولما سأل الإمام أحمد عن هذه المسألة قال: في ميل أو ميلين أو ثلاثة.
وهذا على سبيل التقريب بمعنى: ما يقرب من هذه المسافة. والأعراف تختلف من بلد لبلد ومن زمن لزمن.
فإذا كان في العرف قريب وجب عليه أن يطلبه وإذا كان في العرف بعيد فلا يجب عليه أن يطلبه وجاز له التيمم فوراً وقد ثبت في الأثر الذي علقه الإمام البخاري أن ابن عمر تيمم وهو يرى منازل المدينة.
стр. 155
لكن ربما كانت بعيدة وإنما يراها عن بعد لأنه في القديم لا توجد حواجز بين المسافر والمدينة فاليوم نقول إذا كان الإنسان في بر ويحتاج لتحصيل الماء والدخول إلى داخل المدينة يقطع فيه عشرة أو خمسة كيلوات فإنه لا يلزمه وله أن يتيمم لكن إذا كان بجواره مزرعة قريبة يستطيع أن يذهب إليها بكل يسر وسهولة وتعتبر في العرف قريبة وجب عليه أن يذهب إليها بالسيارة أو برجله.
قال: وبدلاله: يعني يجب عليه أن يطلب الماء بدلاله فإذا قال له شخص ثقة الماء في المكان الفلاني فيجب عليه أن يطلب هذا الماء بشرط أن يكون الدال ثقة.
ولا يجوز أن يقول طلبت الماء فلم أجده بل يجب أن يذهب إلى المكان الذي أرشده إليه هذا الثقة بشرط أن يكون قريباً عرفاً.
• قال ’:
فإن نسي قدرته عليه وتيمم: أعاد.
في الحقيقة هذه المسألة مشكلة ولذلك فيها عن الإمام أحمد ثلاث روايات ومن شدة إشكال المسألة احدى الروايات عن الإمام أحمد التوقف.
فإذا روي عن الإمام أحمد ثلاث روايات إحداها توقف دل ذلك على أن المسألة فيها إشكال.
إذاً نقول مذهب الحنابلة أن من نسي الماء وصلى ثم ذكره فإنه يعيد وهذا نص الماتن.
أولاً: لأن النسيان لا يرفع عنه أنه واجد.
ثانياً: لأن الواجبات لا تسقط بالنسيان.
الرواية الثانية: أنه لا يلزمه الإاعادة
١. لقوله تعالى: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.
٢. وقوله ‘ رفع عن أمتي الخطأ والنسيان.
٣. ولدليل ثالث قوي وهو أنه صلى صلاة مأموراً بها في وقتها فلا يعيد فما كان يلزمه شي حين كان لا يذكر غير أن يتيمم ويصلي
فلما صلى فقد صلى صلاة مشروعة مطلوبة منه والشرع لا يلزم الإنسان أن يصلي مرتين.
والرواية الثالثة: التوقف: ما هو دليل هذه الرواية؟
هناك قاعدة موجودة في جميع التوقفات: تعارض الأدلة - تكافؤ الأدلة هو الذي يجعل المجتهد يتوقف.
وكما ترون لكل واحد من الروايات حظ ونصيب ولا شك أن الأحوط الإعادة بلا إشكال لكن أي الأقوال أرجح الأول لأن الواجب لا يسقط بالنسيان.
الثاني: لماذا؟
стр. 156
في الحقيقة كما ترون فيها إشكال ومن وجهة نظري لا أقول الراجح لكن الأقرب عدم الإعادة. لأن هذا الإنسان فعل ما أمر به والشارع لا يأمر بالصلاة مرتين وليس منه تفريط وإن كان بعض الفقهاء يقول بلى منه تفريط لأنه نسي لكن في الحقيقة النسيان لا ينسب إلى صاحبه التفريط لأنه يعرض للذهن من غير إرادة صاحبه. فهذا ترك العبادة أصلاً لكن هنا فعل ما عليه.
• ثم قال ﵀:
وإن نوى بتيممه أحداثاً.
• إن نوى بالتيمم أحداثاً أجزأه. فمثلاً لو فرضنا أن إنساناً أكل لحم الجزور وبال ونام. كم حصل منه حدث؟ ثلاثة أحداث. فإذا نوى هذه الأحداث أجزأة.
• وإن نوى أحد هذه الأحداث أيضاً أجزأه.
• وإن نوى أحد الحدثين لم يجزأه = مالمقصود بالحدثين؟ الأكبر والأصغر.
• فإن نوى الأكبر لم يرتفع الأصغر.
• وإن نوى الأصغر لم يرتفع الأكبر.
إذاً فرق بين أن ينوي حدثاً واحداً من بين عدة أحداث من جنس واحد وبين أن ينوي حدثاً أصغر دون الأكبر أو الأكبر دون الأصغر.
تقدم معنا في الغسل أن نية الغسل تكفي عن نية الوضوء فكذلك هنا نية التيمم عن الجنابة تكفي عن نية التيمم عن الوضوء.
كما قلنا في تلك المسألة تماماً.
إذاً الصواب أنه إذا نوى الحدث الأكبر ارتفع فإن نوى الحدث الأصغر لم يرتفع لأن الحدث الأصغر يدخل في الحدث الأكبر ولكن الأكبر لا يدخل في الحدث الأصغر.
• قال ﵀:
أو نجاسة على بدنه تضره إزالتها أو عدم ما يزيلها.
إذا نوى نجاسة أجزأه أيضاً فهم من هذه العبارة أنه يشرع للإنسان أن يتيمم عن النجاسة وهذا من مفردات مذهب الحنابلة.
فإذا كان - مثلاً - على بدنه نجاسة ولا يملك ماء يزيل به هذه النجاسة شرع له عند الحنابلة أن يتيمم عن هذه النجاسة.
والقول الثاني: أن التيمم مشروع لرفع الحدث فقط دون رفع النجاسة بدليل أنه لم يأت في الشرع رفع للنجاسة وإنما النصوص جاءت في رفع الحدث فقط وهذا القول - الثاني: هو الصواب. أنه لا يشرع للإنسان أن يتيمم للنجاسة إذا لم يستطع أن يزيلها بالماء.
• ثم قال ﵀:
أو خاف برداً أو حُبس في مصر فتيمم.
يعني إذا حبس في مدينة من المدن ولم يستطع داخل الحبس أن يتوضأ أو يغتسل بالماء شرع له التيمم.
стр. 157
أو عدم ما يزيلها: كما قلت هي نفس مسألة أو عدم ما يزيلها نفس مسألة إذا كانت النجاسة على بدنه وتضره إزالتها.
لكن لم نذكر في الحقيقة مثالاً على نجاسة تضر إزالتها كالنجاسة التي على الجروح لو قشعت لتضرر الجرح فهذه تبقى أما إذا عدم ما يزيلها فالأمر واضح.
أو خاف برداً: فيس الحقيقة هذه المسألة داخلة في قول المؤلف أو ضرر في بدنه. قال بعطش أو مرض فهذا تكرار. فيكتفي بما قيل في الموع الأول عند قوله أو خاف برداً.
أو حبس في مصر فتيمم.
في هذه العبارة دليل على أن التيمم يشرع في السفر والحضر وأنه لا يختص بالسفر خلافاً للظاهرية الذين يرون أن التيمم خاص بالسفر لقوله تعالى وإن كنتم مرضى أو على سفر فنص في الآية على السفر والجواب أن الآية خرجت مخرج الغالب إذ أن الغالب أن المسافر هو الذي يحتاج إلى التيمم دون من كان في داخل المدينة والقيد إذا خرج مخرج الغالب لا يعني التقييد إذاً هل يجوز أن يتيمم الإنسان في داخل بلد؟
الجواب: نعم. يجوز وهو مذهب الجمهور خلافاً للظاهرية الذين يقصرون التيمم على السفر.
أو عدم الماء والتراب: صلى ولم يعد.
إذا عدم الماء والتراب هذه تسمى - إذا عدم الطهارتين - طهارة الماء والتراب. وهذه الصورة - إذا عدم الطهارتين - لها أحكام خاصة عند الحنابلة
تتلخص في أن من عدم الطهارتين لا يجوز له إلا أن يصلي الفريضة ولا يزيد فيها عن الواجب في القراءة والتسبيح والتشهد وكل الصلاة.
فمثلاً: لا يقرأ أكثر من الفاتحة لأن قراءة سورة أخرى سنة ولا يزيد على تسبيحة واحدة لأن الزيادة سنة.
الدليل: قالوا: إنما أجزنا له الصلاة ضرورة والضرورة تقدر بقدرها. وهي الأشياء الواجبة.
القول الثاني في هذه المسألة: أنه له أن يصلي ما شاء ويزيد في داخل الصلاة على الواجب ويأتي بالسنن وبما شاء مما هو مشروع لأن هذه الطهارة بالنسبة له طهارة كاملة في حقه لأنه لم يتمكن من الطهارتين لا التراب ولا الماء.
وهذا القول اختاره شيخ الاسلام وغيره من المحققين كالسعدي وغيره من أهل العلم.
إذاً فالقول الصواب إن شاء الله أن له أن يصلي ما شاء ويزيد في داخل الصلاة ماشاء.
نقف عند هذا ونكون قد وقفنا على صفات التراب ............
стр. 158
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحنابلة يرون أنه إذا احتاج إلى أن يتيمم عن عضو من الأعضاء لوجود جرح أو نحوه فإنه يلزمه في هذه الصورة الترتيب والموالاة فإذا كان الجرح في اليد فيجب بعد غسل الوجه أن يتيمم ثم ينتقل إلى مسح الرأس فيرتب ويلزمه أيضاً الموالاة بحيث لا يؤخر التيمم عن العضو المجروح إلى أن ينشف العضو الذي غسل قبله.
والقول الثاني في هذه المسألة أنه لا يلزمه لا الترتيب ولا الموالاة. بل يؤخر التيمم إلى نهاية الوضوء بل ذهب شيخ الاسلام إلى أن التيمم في وسط الوضوء بدعة لا أصل له.
وهذا القول هو الراجح لأن في القول الأول شدة وحرج على المسلم المجروح الذي يريد أن يتيمم ولأنه لم ينقل عن السلف أنهم كانوا يتيممون في وسط الوضوء مع وجود الجراح في أجسامهم.
إذاً هذه مسألة تحلق بهذا الموضع.
ثم ننتقل إلى الموضع الذي توقفنا عنده.
• قال ﵀:
ويجب التيمم: بتراب طهور غير محترق له غُبار.
بدء المؤلف -رحمه الله تعالى- بالكلام عن شروط ما يتيمم به وهو التراب فقال:
ويجب التيمم: بتراب.
يرى الحنابلة أنه لا يصح التيمم إلا بالتراب دون غيره من بقية أجزاء الأرض فلا يصح التيمم على الرمل ولا على الحصى مثلاً إنما يصح التيمم فقط بالتراب ويستدل الحنابلة على هذا القول بقول النبي ﷺ جعلت لي الأرض مسجداً وجعلت تربتها لنا طهوراً. فخص التراب بالتطهير.
القول الثاني أنه يجوز أن يتيمم المسلم بكل ما على سطح الأرض مما هو من جنسها.
واستدلوا بأدلة كثيرة:
أولاً: قوله تعالى: فتيمموا صعيداً طيباً. قال الخليل والزجاج وهما من أئمة اللغة الصعيد كل ما على وجه الأرض. لا يختص بالتراب.
والدليل الثاني: قول النبي ﷺ أيما مسلم أدركته الصلاة فليصل فإن عنده مسجده وطهوره وهذا الحديث عام في كل أجزاء الأرض.
الدليل الثالث: من المعلوم أن النبي ﷺ لم يكن يتيمم بالتراب فقط ففي أسفاره كان يمر بالرمال وفي الغالب سيتيمم منها ولم ينقل أنه يحمل معه التراب.
وأما الحديث الذي استدل به الحنابلة فإنه صحيح ولكن لا دليل فيه لأن ذكر بعض أفراد العام بحكم لا يعني تخصيصه إذا ذكر بحكم يوافق حكم العام.
стр. 159
فالأحاديث دلت على أن الأرض كلها طهور ثم هذا الحديث الذي ذكره الحنابلة خص التراب بأنه طهور وتخصيص بعض أفراد الحكم العام بحكم يوافق الحكم العام لا يعني تخصيصه.
وهذا القول - الثاني: هو الصواب. وعليه عمل المسلمين.
• قال ’:
طهور:
الحنابلة يرون أن التراب ينقسم إلى ثلاثة أقسام: طاهر وطهور ونجس.
كتقسيمهم المياه.
فإذا وجدنا تراباً قد تيمم به فإنه يعتبر تراب طاهر لأنه استعمل في رفع حدث وتقدم الكلام عن هذه المسألة وبيان أن الراجح أن المياه طاهر ونجس فقط كذلك التراب طاهر ونجس فقط.
وما قيل من أدلة ومناقشات في تلك المسألة هو نفسه هنا.
فإذاً هذا الشرط وهو أن يكون طهوراً محل نظر لأن التراب لا يكون إلا طاهراً أو نجساً فقط ولا يصح تقسيمه إلى ثلاثة أقسام.
• قال ’: له غبار:
أيضاً من شروط المتيمم به أن يكون تراباً وأن يكون هذا التراب له غبار.
هل اشتراط التراب يغني عن اشتراط أن يكون له غبار؟ أو كب منهما شرط مستقل.
الجواب: أنه يغني.
وإذا جاءنا تراب مبتل ليس له غبار. فهل يكون شرط مستقل أو يغني عنه الشرط الأول؟
يكون شرط مستقل.
إذاً الشرط الآن أن يكون له غبار.
الدليل: قوله تعالى: في آية المائدة فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه.
قالوا من: في قوله منه للتبعيض ولا يكون له أبعاض إلا إذا كان له غبار.
والقول الثاني: أنه لا يشترط أن يكون له غبار لأن النصوص عامة لم يشترط فيها وجود الغبار.
يبقى الجواب عن الآية: الجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن من في الآية ليست للتبعيض وإنما هي لابتداء الغاية ولكن هذا الجواب ضعفه الزمخشري ’ وكلامه صحيح.
فهذا الجواب ليس وجيهاً.
الوجه الثاني: أن السنة بينت جواز التيمم بما ليس له غبار وهذ القول هو الراجح - أنه لا يشترط أن يكون له غبار.
إذاً صارت شروط ما يتيمم به ثلاثة:
١. أن يكون تراباً.
٢. أن يكون طهوراً.
٣. أن يكون له غبار.
إذا تخلف أحد الشروط الثلاثة لم يصح التيمم عند الحنابلة وقد عرفت وسمعت الخلاف في كل شرط من هذه الشروط وأن الشروط جميعاً ليست صحيحة وأن التيمم طهارة للتخفيف ولا يناسب فيها هذا التشديد في شروط التراب.
• ثم قال ’:
وفروضه:
стр. 160
انتقل المؤلف ’ إلى بيان الفروض وهي إجمالاً أربعة:
١ - مسح الوجه واليدين وهذا أعظم الفروض.
٢ - الترتيب.
٣ - الموالاة.
٤ - تعيين النية. وسيأتي معنى تعيين النية.
وقد ذكر المؤلف هذه الفروض مرتبة.
• قال ’:
مسح وجهه.
مسح الوجه فرض باتفاق الأئمة. للآية فامسحوا بوجوهكم وأيديكم.
ولحديث عمار ابن ياسر أن النبي ‘ أرشده إلى كيفية التيمم فقال إنما يكفيك أن تضرب بيديك ضربة واحدة ثم تقول هكذا فمسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه.
هذا اللفظ أحد ألفاظ البخاري واللفظ الآخر المتفق عليه فضرب ضربة ومسح وجهه ويديه بدون تفصيل.
إذاً مسح الوجه لا إشكال فيه فهو فرض باتفاق الائمة والدليل عليه من الكتاب والسنة.
أما كيفية مسح الوجه فستأتينا في آخر الباب والمقصود الآن أن نعرف أنه فرض.
• ثم قال ’:
ويديه إلى كوعيه.
الكوع هو العظم الذي يلي الإبهام ومسح اليدين أيضاً فرض بالاتفاق من حيث الجملة بدليل الآية والحديثين السابقين.
وكونه كما يقول المؤلف إلى كوعيه هذا مذهب الحنابلة بدليل:
١. أن اليد عند الاطلاق تنصرف إلى الكف فقط دون الذراعين.
٢. والدليل الثاني: وهو أصرح وأقوى أنه في حديث عمار لم يمسح إلا الكفين: ومسح كفيه:.
القول الثاني: أن المسح إلى المرفقين واستدلوا بأنه روي في التيمم أن النبي ‘ مسح إلى المرفقين.
والراجح مذهب الحنابلة.
والجواب عن استدلال القول الثاني: بقاعدة: وهي: أن كل حديث فيه المسح إلى ما بعد الكف إلى المرفقين فهو ضعيف.
وكل حديث فيه أكثر من ضربه فهو ضعيف.
وهذه قاعدة تريح طالب العلم.
فالمشروع إذاً مسح الكفين فقط.
• ثم قال ’
والترتيب، والموالاة في حدث أصغر.
الترتيب واجب في التيمم بدليل الآية فإن الله تعالى بدء بالوجه ثم عقب باليدين وبدليل حديث عمار - ففي لفظه المتفق عليه البدء بالوجه قبل اليدين: فمسح وجهه ويديه.
فإذا ضرب الإنسان ضربة ومسح يديه ثم مسح وجهه فإن التيمم يكون ....... (غير مجزئ) وعليه أن يمسح يديه. ليتم الترتيب.
وهذا يبين أن الترتيب مسألة مهمة جداً لأن كثيرا من الناس اليوم يضرب ضربه ويبدأ باليدين قبل الوجه فعند الحنابلة الترتيب في التيمم حكمه فرض.
стр. 161
والقول الثاني أن الترتيب سنة لأنه في بعض ألفاظ البخاري البدء باليدين قبل الوجه.
واختار هذا القول شيخ الاسلام.
والأقرب الأول أنه فرض. وأما الرواية فالرد عليها أن هذا اللفظ لا يثبت والحديث المشهور في البخاري ومسلم - فيما عدا هذه الرواية - البدء بالوجه كما أنه هذه الرواية التي فيها البدء بالوجه مع أنها متفق عليها توافق ظاهر القرآن.
فإن صحت هذه الرواية فالقول بأنه سنة هو الراجح. لكن الأقرب أنها لا تصح.
• ثم قال ﵀:
والموالاة في حدث أصغر.
الموالاة: أن لا يؤخر مسح اليدين بزمن يقدر فيه جفاف الوجه لو غسل بالماء.
والموالاة صحيح أنها فرض ولو فصل الإنسان هذا الفاصل لا يدق عليه أنه تيمم تيمماً مكتملاً لكن خص المؤلف هذا الفرض - الترتيب والموالاة - بالحدث الأصغر فيفهم منه أن الإنسان إذا تيمم عن جنابة فإنه لا يشترط الترتيب ولا الموالاة.
والصواب أنه يشترط الترتيب والموالاة حتى في التيمم عن الحدث الأكبر لأن التيمم يختلف عن الاغتسال فا لاغتسال يكون الغسل فيه لعضو واحد وهو البدن بينما التيمم للجنابة يكون في عضوين ولذلك لابد فيهما من الترتيب والموالاة.
وفي هذه النقطة فقط من بين سائر مسائل الوضوء والتيمم - التيمم أضيق من الاغتسال لأن الاغتسال لا تشترط فيه الموالاة ولا الترتيب.
بينما يشترط في الحدث الأكبر - أي الجنابة - إذا كان سيتيمم.
الخلاصة: أن الترتيب والموالاة عند الحنابلة فرض في الحدث الأصغر وهو الصواب.
وهما سنة في الحدث الأكبر عند الحنابلة والصواب أنهما فرض حتى في الحدث الأكبر. وذكرنا وجه التفريق بين الجنابة عند رفعها بالماء ورفعها بالتيمم.
• ثم قال ﵀:
وتشترط النية: لما يتيمم له من حدث أو غيره. فإن نوى أحدها: لم يجزئه عن الآخر. وإن نوى نفلاً أو أطلق: لم يصل به فرضاً. وإن نواه: صلى كل وقته فروضاً ونوافل.
هذا هو الفرض الرابع ويسمى تعيين النية:
قال: وتشترط النية: لما يتيمم له من حدث أو غيره: في التيمم لابد من تعيين النية.
ومعنى تعيين النية: أن يعين ما يتيمم له وما يتيمم عنه.
مثال ذلك: إذا أراد أن يتيمم ليصلي فيجب أن ينوي أنه يتيمم لصلاة الظهر عن حدث النوم إذا كان حدثه بالنوم.
стр. 162
فينوي ما يتيمم له وهو في المثال صلاة الظهر وما يتيمم عنه وهو في المثال النوم.
فإن نوى رفع حدث النوم دون الصلاة. فهو سيصلي ولكن لم يخطر بباله أثناء التيمم أن هذا التيمم ليصلي الظهر مثلاً وإنما خطر بباله رفع الحدث وهو النوم. فإن تيممه غير صحيح لأنه فقد شرط تعيين النية.
وإن نوى بتيممه صلاة الظهر ولم ينو رفع الحدث المعين فإن التيمم يصبح غير صحيح لأنه لم يعين الحدث المرفوع.
ما دليل الحنابلة؟ قالوا: أن التيمم شرع ضرورة فهو ضعيف يحتاج إلى التقوية بالتعيين أي أننا إذا عينا فقد قوينا من أمر التيمم بتخصيص النية.
والقول الثاني: أنه لا يشترط تعيين النية بل لو نوى الصلاة أو رفع الحدث أحدهما أو كلاهما فإن تيممه صحيح لأن التيمم رافع وليس مبيحاً.
وإذا كان التيمم رافع فإنه إذا تيمم ارتفع الحدث بأي نية نواها.
هذا معنى قوله: وتشترط النية: لما يتيمم له من حدث أو غيره.
والنية التي يتيمم عنها لا تخرج عن ثلاثة أشياء:
١. إما أن ينوي حدثاً أصغر.
٢. أو حدثاً أكبر.
٣. أو عن إزالة النجاسة في البدن - كما سبق معنا أن الحنابلة يرون مشروعية التيمم عن النجاسة التي لم يتمكن من إزالتها.
إذاً التيمم عن الاحداث ينحصر في ثلاثة حدث أصغر وحدث أكبر وإزالة النجاسة.
أما ما يتيمم له فهو كثير فقد يتيمم لفريضة وقد يتيمم لطواف وقد يتيمم لقراءة القرآن وقد يتيمم لأداء نذر وقد يتيمم لصلاة فرض كفاية.
فإذاً المنوي من العبادات كثير ومتنوع وهذه المسألة من أضيق ما يكون في فقه التيمم عند الحنابلة وكثير من الناس لا يخطر على باله عند التيمم أن ينوي بدقة عن ماذا ولماذا؟
ثم قال: فإن نوى أحدها: لم يجزئه عن الآخر.
لو فرضنا أن إنساناً عليه حدث أصغر وأكبر ونوى الحدث الأكبر فقط لم يرتفع الاصغر.
وإن نوى الأصغر فقط لم يرتفع الأكبر.
لأنه يجب إذا أراد أن يتيمم أن يعين وينوي الحدث الذي يريد أن يرفعه.
وتقدم معنا الصواب في هذه المسألة وهو أن نية الحدث الأكبر ترفع الأصغر أما نية الحدث الأصغر فإنها لا ترفع الأكبر.
قال: وإن نوى نفلاً أو أطلق: لم يصل به فرضاً. وإن نواه: صلى كل وقته فروضاً ونوافل.
стр. 163
القاعدة التي تجمع هذه المسائل عند قوله وإن نوى نفلاً أو أطلق: لم يصل به فرضاً: أنه إذا نوى الادنى فإنه لا يستبيح به الأعلى.
وإن نوى الأعلى استباح به الادنى.
مثال ذلك: إذا نوى بالتيمم صلاة فريضة فهل يجوز أن يصلي صلاة الضحى بهذا التيمم؟
نعم لأنه نوى الأعلى.
وإن نوى التيمم ليقرأ القرآن فهل يجوز أن يلبث في المسجد؟
ينبني على أيهما أعلى هل قراءة القرآن أعلى أم اللبث في المسجد؟
الجواب: قراءة القرآن.
فإذا تيمم لقراءة القرآن جاز له اللبث. وإذا تيمم للبث في المسجد فلا يفعل أي شيء من العبادات إلا اللبث في المسجد لأن اللبث أدنى مراتب النية.
ثم بدء المؤلف ’ بعد نهاية الفروض بالكلام عن مبطلات التيمم.
• فقال ’:
ويبطل التيمم: بخروج الوقت.
يبطل التيمم بخروج الوقت فإذا تيمم الإنسان لصلاة الظهر فبمجرد خروج وقت صلاة الظهر بطلت طهارة التيمم ووجب عليه أن يتيمم مرة أخرى لصلاة العصر.
دليل الحنابلة: قالوا: أن التيمم شرع ضرورة فتقيد بالوقت كالاستحاضة.
واستدلوا بدليل آخر قوي إن ثبت ذكروا آثاراً عن عدد من الصحابة أن الإنسان لا يصلي فرضين بتيمم واحد.
ولم يتسن لي النظر في أسانيد هذه الآثار. هل هي صحيحة أو ليست كذلك؟ إن صحت فهذا القول يكون متوجهاً جداً لكثرة الآثار وإن لم تصح فإن هذا القول ليس بمتوجه.
والقول الثاني: أن خروج الوقت لا يبطل التيمم لأن مجرد خروج الوقت لا يعتبر من نواقض الطهارة ولأن طهارة التيمم طهارة كاملة إلى أن يوجد الماء.
وهذا القول هو القول الراجح. فإذا تيمم الإنسان فإنه يظل على طهارة إلى أن يوجد منه إحدى نواقض الوضوء.
• ثم قال ’:
وبمبطلات الوضوء.
مبطلات الوضوء بالإجماع تبطل التيمم لأنها إذا كانت تبطل الطهارة الأعلى وهي طهارة الماء فمن باب أولى أن تبطل طهارة التيمم.
وكذلك موجبات الغسل فإنها تبطل التيمم.
فإذا تيمم الجنب ليقرأ القرآن ثم أحدث حدثاً أصغر فهل يجب عليه أن يتيمم مرة أخرى ليقرأ القرآن؟
لا يلزمه إلا إذا أراد أن يمس المصحف. الآن هل يجوز للمحدث أن يقرأ القرآن؟
بالإجماع جائز - فنحن لا نتكلم عن مس المصحف - فهذا إنسان جنب والجنب هل يجوز له أن يقرأ القرآن؟
стр. 164
فيه خلاف ولكن المشهور عند الفقهاء أنه لا يجوز له وهذا الجنب تيمم فارتفع الحدث الأكبر ثم أحدث حدثاً أصغر فلا يلزمه أن يعيد التيمم لقراءة القرآن لأن الحدث الأكبر ارتفع ولا يشترط أن يرتفع الحدث الأصغر.
إذاً فيه فائدة من قول الفقهاء: نواقض الوضوء وموجبات الغسل فلكل منهما حكم.
• ثم قال ’:
وبوجود الماء ولو في الصلاة لا بعدها.
وجود الماء مبطل من مبطلات التيمم بالإجماع للآية فلم تجدوا ماء فتيمموا ولحديث أبي ذر فليتق الله وليمسه بشرته فإذا وجد الماء بطل التيمم تلقائياً. ووجب عليه أن: يتوضأ للحدث الأصغر. ويغتسل للحدث الأكبر.
وهذا بالإجماع.
قال: ولو في الصلاة: هذه المسألة محل إشكال. فإذا تيمم الإنسان ودخل في الصلاة ثم حضر الماء في أثناء الصلاة فعند الحنابلة تبطل صلاته ويجب أن ينصرف ويتوضأ ويعيد الصلاة:
الدليل: قالوا الدليل الأحاديث الكثيرة الدالة على أن وجود الماء من مبطلات التيمم وإذا كان مبطلاً للتيمم قبل الصلاة فهو مبطل للتيمم أثناء الصلاة.
وهذا القول استقر عليه رأي الإمام أحمد رحمه فقد كان يقول لا يلزمه ثم رجع إلى هذا القول.
القول الثاني: أنه إذا حضر الماء أثناء الصلاة بالنسبة لمن تيمم فإن صلات صحيحة ويستمر فيها ولا يلزمه أن يخرج منها ويتوضأ بالماء.
قالوا: لأنه تطهر طهارة شرعية مأذون فيها ودخل في الصلاة دخولاً صحيحاً فلا يجوز له بعد ذلك أن يقطع الصلاة لقوله تعالى: ولا تبطلوا أعمالكم.
ممن رجح القول الأول: وهو مذهب الحنابلة: ابن القيم ’.
وهو القول الصواب. أنه إذا حضر الماء أثناء الصلاة فإن الصلاة تبطل وينصرف ويتوضأ ويعيد الصلاة.
أما الجواب عن الآية ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ فهو أن هذا المكلف لم يبطل عمله إنما بطل عمله شرعاً بوجود هذا الناقض من نواقض التيمم.
وبهذا تبين أن الإنسان إذا تيمم ودخل في الصلاة وشعر بحضور الماء أو سمعهم يتحدثون عن وجود الماء أو حضوره فإنه ينفتل عن صلاته ويعيد من جديد.
قال: لا بعدها: إذا تيمم الإنسان وصلى ثم بعد أن انتهى من الصلاة حضر الماء.
فهو على قسمين:
القسم الأول: أن يكون ذلك قبل خروج الوقت والقسم الثاني: أن يكون بعد خروج الوقت:
стр. 165
فإن كان بعد خروج الوقت فبإجماع العلماء لا يلزمه إعادة الصلاة.
وإذا حضر الماء بعد الصلاة وقبل خروج الوقت ففيه خلاف والراجح أنه لا يلزمه أيضاً أن يعيد الصلاة لأن اثنين من الصحابة كما في حديث أبي سعيد الخدري تيمموا وصلوا ثم حضر الماء قبل خروج الوقت فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر فقال النبي ﷺ لمن أعاد لك الأجر مرتين وقال لمن لم يعد أصبت السنة.
هذا الحديث الصواب أنه مرسل فهو من رواية التابعي ولا يصح ذكر أبي سعيد فيه. لكنه يصلح للإستدلال لأن قاعدة الإمام أحمد أن المراسيل خير من أقوال الرجال. فالأخذ بالمراسيل إذا لم تكن شديدة الضعف خير من الأخذ بأقوال وآراء الرجال.
فصارت النتيجة أنه إذا حضر الماء بعد الصلاة فلا يجب عليه أن يعيد على القول الراجح سواء كان قبل خروج الوقت أو بعده.
• ثم قال ﵀:
والتيمم آخر الوقت لراجي الماء: أولى.
أي أن تأخير الصلاة إلى آخر الوقت لمن كان يرجو وجود الماء أولى من الصلاة بالتيمم أول الوقت.
الدليل: أن الصلاة بالماء فرض والصلاة أول الوقت فضيلة والفرائض مقدمة على الفضائل وهذا القول اختاره شيخ الاسلام.
وإذا كان التأخير مندوبا ومستحباً لمن كان يرجو فمن باب أولى أن يستحب لمن كان يعلم أنه سيجد الماء.
وفي الصورتين لايجب التأخير ويجوز له أن يصلي بالتيمم خلافاً لما يظنه بعض العوام أنه إذا كان سيجد الماء قطعاً بعد ساعة أنه يجب أن ينتظر فهذا ليس بصحيح بل يجوز له أن يتيمم وإن علم أنه سيجد الماء بعد وقت قصير أو طويل.
ثم انتقل المؤلف ﵀ إلى الصفة فقال:
وصفته:
صفة الشيء كيفيته في كل العلوم.
• قال:
أن ينوي، ثم يسمي.
النية والتسمية تقدم الكلام عليهما وتقدم معنا أن النية بالذات بالنسبة للتيمم فيها تفصيل فيجب أن يراعى التفصيل الذي ذكره الحنابلة عند من يرجح مذهبهم.
وعلى القول الآخر النية في التيمم والغسل والوضوء واحدة ولا خلاف وهذا كما سبق هو الراجح.
• ثم قال ﵀:
ويضرب التراب بيديه.
стр. 166
ظاهره أنه يضرب ضربه واحدة وهذا هومذهب الحنابلة بدليل مافي حديث عمار السابق أنه قال ثم ضرب الأرض بيده ضربة واحدة لكن كلمة واحدة هذه تفرد بها مسلم. وإلا الحديث المتفق عليه ليس فيه هذه الكلمة وإنما في مسلم فقط.
مع ذلك إذا كانت هذه اللفظة ثابتة في مسلم فهي صحيحة ويستدل بها.
ثم لو فرضنا أن لفظ الحديث ثم ضرب الأرض بيده ضربه بدون كلمة واحدة فيفهم منه أنها واحدة.
والقول الثاني: أنه يضرب ضربتين واحدة للوجه والأخرى لليدين. والراجح مذهب الجمهور.
والجواب على القول الثاني أن كل حديث فيه ضربتين كحديث جابر وحديث ابن عمر فهي أحاديث ضعيفة.
وإن كان القول بوجوب الضربتين نسب إلى الجمهور لكن في الحقيقة هو قول ضعيف والراجح بوضوح الذي يتوافق مع ظواهر النصوص من الكتاب ومن السنة أن الضربة تكون واحدة فقط للوجه واليدين.
• ثم قال ’:
مفرجتي الأصابع.
هذه كيفية الضربة وهي أن يقصد الإنسان إلى تفريج أصابعه قبل أن يضرب الضربة الأولى.
التعليل: ليصل التراب إلى ما بين أصابعه والصواب أن تفريج الأصابع لا يسن ولا يشرع لأنه لم يذكر في النصوص الصحيحة.
واعلم أنه لم يثبت في كيفية التيمم إلا حديثان حديث عمار السابق وحديث تيمم النبي ‘ لما أراد أن يرد السلام.
وفيه فضرب بيده ومسح وجهه ويديه.
قال ابن حجر ولا يصح في الباب أي في كيفية التيمم إلا هذان الحديثان.
• ثم قال ’
يمسح وجهه بباطنهما.
هذه صفة مسح الوجه بعد الضربة الأولى.
الحنابلة يرون أنه إذا ضرب الإنسان الأرض فإنه يمسح وجهه بباطن الأصابع فقط دون باطن راحة اليد.
لماذا؟ قالوا: لأنه لو مسح بجميع اليد على جميع الوجه صار التراب مستعملاً كله ومن شروط ما يتيمم به عند الحنابلة أن يكون طهوراً وإذا استعمل كله في الطهارة لم يبق طهورٌ يستعمل للكفين.
فهذا معنى عبارة المؤلف أنه يمسح بباطن الأصابع: لكي لا يصبح جميع التراب العالق باليد مستعملاً فلا يبقى شيء لليدين.
وتقدم معنا أن تقسيم التراب إلى طاهر وطهور ونجس مرجوح وأن الصواب أن التراب وإن استعمل في رفع حدث فإنه يبقى طهوراً.
• ثم قال ’ - تكملة لهذا المعنى:
وكفيه براحتيه.
стр. 167
يعني أنه إذا مسح الوجه بباطن الأصابع بقي باطن الكف لراحتيه فيمسح بهما اليدين.
وما قيل في مناقشة مسح الوجه بباطن الأصابع يقال في مسح اليدين بباطن الكف.
إذاً ما هي الصفة الصحيحة؟
الصفة الصحيحة: أن يضرب الإنسان بيديه الأرض ولا يقصد لا تفريج الأصابع ولا ضمها وإنما يتركهما كما هما ثم إذا ضرب مسح وجهه مسحاً عادياً لا يراعي فيه أن يمسح بباطن الأصابع أو بباطن الكف ثم كما في حديث عمار يمسح الشمال باليمين ثم يمسح بباطنهما ظاهر كفيه فيكون المسح شمل الكفين باطناً وظاهراً والوجه بضربة واحدة.
وهذه هي الكيفية المسنونة للتيمم بكل بساطة.
وما ذكره الحنابلة من التفاصيل في كيفية مسح الوجه وكيفية تعني الأصابع وباطن راحة اليد فهو أمر مرجوح.
• ثم قال ﵀:
ويخلل أصابعه.
يعني أنه يشرع عن الحنابلة إذا أراد الإنسان أن يتيمم ومسح وجهه وكفيه أن يخلل أصابعه والتعليل عندهم: ليصل التراب إلى ما بين الأصابع.
والقول الثاني أن تخليل الأصابع في التيمم لا يسن ولا يشرع. والتعليل: لعدم وروده في الأحاديث الصحيحة.
والراجح هو القول الثاني.
وبهذا نكون انتهينا من باب التيمم ووقفنا على باب إزالة النجاسة.
انتهى الدرس،،،
стр. 168
باب إزالة النجاسة
• قال ﵀:
باب إزالة النجاسة.
لما أنهى المؤلف الكلام عن التطهر بالماء وبدله وهو التيمم انتقل إلى الطهارة القسيمة لطهارة الحدث وهي الطهارة من النجاسة.
فقال: باب إزالة النجاسة:
المقصود بالنجاسة في هذا الباب النجاسة الحكمية والمقصود بالنجاسة الحكمية: هي النجاسة الطارئة على عين طاهرة.
فخرج بذلك النجاسة العينية فإنها لا يمكن أن تطهر مثاله: البول والغائط والكلب والخنزير والحمار على المذهب فكل هذه أعيان نجسة نجاسة عينية لا يمكن أن تطهر بحال من الأحوال إلا بطريقة واحدة فقط وهي الاستحالة وسيأتي ذكر الخلاف فيها.
فعرفنا ماذا يريد الفقهاء بالنجاسة في هذا الباب خاصة.
• قال ﵀:
يجزئ في غسل النجاسات كلها: إذا كانت على الأرض غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة. وعلى غيرها سبع إحداها بتراب في نجاسة كلب وخنزير.
стр. 169
الحنابلة يقسمون النجاسات إلى قسمين:
القسم الأول: أن يكون على الأرض.
والقسم الثاني أن يكون على غير الأرض.
بدء المؤلف بما كان على الأرض:
• فقال:
إذا كانت على الأرض غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة:
إذا كانت النجاسة على الأرض فإنه يكفي فيها عند الحنابلة غسلة واحدة ولكن يشترط في هذه الغسلة أن تذهب بعين النجاسة وعلامة ذهاب عين النجاسة أن لا يبقى منها لون ولا رائحة.
والدليل على هذا الحكم: الحديث الصحيح أن أعرابياً دخل المسجد فبال في ناحية المسجد فأمر النبي ﷺ أن يراق على بوله ذنوباً من ماء ففي الحديث غسل هذه النجاسة وهي بول الأعرابي مرة واحدة بإراقة الماء على بوله.
وهذا الحكم يختص بالنجاسة التي ليس لها أجزاء.
فإن كانت النجاسة لها أجزاء فإنه لا يكتفي بغسلها مرة واحدة بل يجب إزالة أجزاء النجاسة ثم يغسل أثرها مرة واحدة.
إذاً النجاسة على الأرض: إما أن تكون مائعة أو أن يكون لها جرم.
فإن كانت مائعة اكتفي بغسلها مرة واحدة تذهب بعينها بدليل حديث الأعرابي.
وإن كانت النجاسة ذات أجزاء فإنه يجب أن تزال هذه الأجزاء ثم يغسل أثر هذه النجاسة مرة واحدة.
ثم انتقل المؤلف إلى الكلام على النجاسة إذا لم تكن على الأرض فقال: وعلى غيرها سبع إحداها بتراب في نجاسة كلب وخنزير.
وعلى غيرها: يعني على غير الأرض إذا كانت النجاسة على غير الأرض فتنقسم عند الحنابلة إلى قسمين:
القسم الأول: أن تكون نجاسة كلب أو خنزير.
القسم الثاني: أن تكون نجاسة غيرهما.
نبدء بالقسم الأول:
ونقول: إذا كانت النجاسة على غير الأرض كما لو كانت في الأواني وكانت من الكلب أو الخنزير فإنه يجب أن تغسل سبع غسلات إحداها بالتراب.
الدليل على هذا: حديث أبي هريرة - في الصحيحين أن النبي ﷺ قال إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً أولاهن بالتراب.
هذه رواية مسلم وفي رواية غيره إحداهن.
فهذا الحديث دليل على التسبيع.
وبقي أن ننظر: هل التراب يكون في الغسلة الأولى أو الأخيرة أو في أي واحدة منها بلا تعيين أو في الثامنة؟
كم صارت الأقوال؟
أربعة.
الراجح منها أنها في الأولى.
والاحتمالات التي ذكرناها هي أقوال للفقهاء.
سبب الترجيح:
أن رواية أولاهن هي أصح الروايات التي حددت موضع غسلة التتريب.
стр. 170
ثانياً: أن التراب إذا كان في الغسلة الأولى جاء بعده الماء فطهر الإناء بخلاف إذا كانت في الغسلة الأخيرة فإنه يحتاج إلى غسلة زائدة.
إذاً هذا القول هو الراجح ويليه في القوة أن يكون التتريب غسلة ثامنة منفصلة عن السبع لما ثبت في حديث عبد الله بن مغفل - أن النبي ‘ قال وعفروه الثامنة بالتراب.
فإثبت ثمان غسلات وحديث بن مغفل هذا فيه زيادة علم يجب المصير إليه فهو قوي والسنة صريحة فيه.
• ثم قال:
وخنزير:
أي أن الخنزير يماثل الكلب في التسبيع والتتريب وهذا مذهب الحنابلة قيل للإمام أحمد أرأيت الخنزير فقال الإمام أحمد هو شر من الكلب فعبارة الإمام أحمد حملت الدليل على قياس الخنزير على الكلب وهو أن الخنزير شر من الكلب.
والقول الثاني: لجماهير العلماء أن الخنزير يغسل كغيره من الحيوانات ولا يترب ولا يسبع لأن النص جاء في الكلب والخنزير موجود في عهد التشريع ومذكور في القرآن ومع ذلك نص النبي ‘ على الكلب ثم في وجه آخر أن غسل سؤر الكلب سبع مرات أمر تعبدي وكل حكم تعبدي لا يمكن أن يقاس عليه.
وهذا القول هو الراجح.
بقينا في مسألة: نذكر فيها القول الراجح فقط. هل الكلب والخنزير نجس أو طاهر أو فيه تفصيل؟
القول الصواب - إن شاء الله - أن الكلب والخنزير نجسة إلا الشعر منها فإنه طاهر وهو اختيار شيخ الاسلام وفيه توسعة على المسلمين.
بناء على هذا: إذا ابتل الكلب ثم مس شعره ثوب الإنسان فعند الجمهور يجب أن يغسله لأن شعر الكلب نجس. وعلى القول الصواب لا يجب عليه أن يغسل ما أصاب الثوب من شعر الكلب أو الخنزير لأنه طاهر.
• ثم قال ’:
ويجزئ عن التراب: أُشنان ونحوه.
المقصود بنحوه كالصابون أو أي مادة تستخدم للتنظيف فمذهب الحنابلة أنه يجزئ عن الإشنان أي مادة فيها تنظيف واختار هذا القول أيضاً ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.
والقول الثاني: أن غير التراب لا يقوم مقامه فيشترط أن يغسل بالتراب وهذا القول هو الراجح.
ومذهب الحنابلة الذي اختاره الشيخ وتلميذه ضعيف.
стр. 171
والسبب أن في التراب خاصية لا توجد في غيره ولذا نص عليه الشارع وهي أنه يقتل ما يوجد في سؤر الكلب مما يؤذي الإنسان بخلاف غيره من أدوات التنظيف فإنها لا تفعل هذا الفعل. وأثبت هذه الحقيقة الطب الحديث بل واعتبر هذا من معجزات النبي ‘.
وكما سبق الإشنان موجود في العهد النبوي ومع ذلك لم يذكره النبي ‘.
ثم انتقل إلى النوع الثاني من النجاسات التي توجد على غير الأرض:
• فقال:
وفي نجاسة غيرهما سبع بلا تراب.
في نجاسة غير الكلب والخنزير يشترط للتطهير أن يغسل الإنسان سبع مرات ولو طهر المحل في الغسلة الأولى أو الثانية أو الثالثة فإنه يشترط أن يكمل الغسل إلى أن يصل إلى سبع غسلات.
استدل الحنابلة: بأثر ابن عمر أنه قال أمرنا بغسل الانجاس سبعاً وإذا قال الصحابي أمرنا فإنه ينصرف إلى المشرع وهو النبي ﷺ .
والقول الثاني: أن النجاسات غير الكلب والخنزير أو على القول الراجح على غير الكلب فإنها تغسل بلا عدد معين بل إلى ذهاب النجاسة فإن ذهبت في الغسلة الأولى اكتفي بها. أو في الثانية اكتفي بها وهكذا.
الدليل على هذا القول: أن النبي ‘ لما سأل عن دم الحيض يصيب الثوب قال حتيه ثم اقرصيه ثم انضحيه بالماء. ولم يذكر النبي ‘ عدداً.
وكذلك في حديث الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد أمر النبي ‘ بصب ذنوب من ماء ولم يذكر عدداً.
وهذا القول هو الصواب الذي تدل عليه النصوص الشرعية.
وحديث ابن عمر السابق ضعيف.
انتهينا الآن من الأنواع التي تتنجس وأنها تنقسم إلى ما يكون على الأرض وما يكون على غيرها.
وأن ما يكون على غير الأرض ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون نجاسة كلب وخنزير أو يكون نجاسة غيرهما.
فصارت الأقسام أربعة.
• ثم انتقل المؤلف ’ إلى كيفية التطهير فقال:
ولا يطهر متنجس: بشمس ولا ريح ولا دلك.
يرى الحنابلة أنه لا يمكن تطهير النجاسات إلا بالماء فقط ولا تطهر بالشمس ولا بالدلك ولا بغيرهما.
الدليل: استدلوا بحديث الأعرابي وحديث أسماء السابقين. حيث ذكر النبي ‘ الماء للتطهير.
والقول الثاني: أن النجاسة إذا ذهبت بأي مزيل كان فقد ذهب حكمها وطهر المحل لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
стр. 172
واستدلوا بدليل من السنة وهو صحيح ثابت وهو حديث ابن عمر أن الكلاب كانت تدبر وتقبل في المسجد في عهد النبي ‘ ولم يكونوا يغسلون شيئاً من ذلك فعلم أن هذه الكلاب التي تقبل وتدبر وتبول في المسجد ولا يغسل أثر هذا البول أن المطهر له هو الشمس والريح.
وفي الباب أدلة كثيرة لهذه المسألة.
وهذا القول - الثاني - هو الصواب الذي تدل عليه النصوص الصحيحة.
• قال ’:
ولا استحالة غير الخمرة.
الحنابلة يرون أن الاستحالة لاتطهر لأنهم في الأصل يرون أن النجاسة لا يمكن أن تطهر إلا بالماء لكن بخصوص مسألة الاستحالة لهم دليل آخر وهو أن النبي ‘ نهى عن لحوم الجلالة وألبانها.
والجلالة هي الحيوان التي غالب أكله من النجاسات. وسيأتينا - بإذن الله في كتاب الأطعمة تفصيل كثير حول أحكام الجلالة لكن يعنينا هنا أن نعرف ماهي فقط؟
وجه الاستدلال: قالوا: أن الجلالة إذا أكلت النجاسة استحالت في بدنها إلى الدم واللحم ومع كون النجاسة استحالت فقد نهى اللنبي ‘ عن أكلها.
وهذا دليل قوي.
والقول الثاني: أن الاستحالة تطهر النجاسات واختاره ابن تيمية وتلميذه رحمهما الله. وانصروا لهذا القول بأدلة كثيرة من أهم هذه الأدلة أن النجاسة في الاستحالة ذهب لونها وريحها وطعمها فلم يبق للنجاسة أثر.
الدليل الثاني: أن أحكام الأعيان - وهذه قاعدة جيدة ومفيدة لطالب العلم - تتبع حقيقة الأعيان وصفاتها.
أي أننا نحكم على العين بحسب حقيقتها وصفاتها. والعين النجسة إذا استحالت فقد تغيرت جميع الصفات والحقائق لها.
فمثلاً: في المثال الشمهور الذي يذكره الفقهاء إذا وقع الكلب في مملحة وبقي فيها وقتاً طويلاً انقلب إلى ملح وحقيقة وصفات الملح تختلف عن حقيقة وصفات الكلب.
مثال آخر: وهو وإن كان أسهل فهو لا يرد على الحنابلة لأنهم يبرون أنها تطهر - الخمر.
فالخمر قبل أن تستحيل لها صفات وحقائق معروفة. إذا تخللت الخمر أصبحت خلاً وبين الخمر والخل فرق كبير من حيث الحقيقة والصفة.
فقالوا هذا الخمر لم يعد خمراً وإنما أصبح خلاً كما أن ذاك الكلب الذي وقع في المملحة لم يعد كلباً وإنما أصبح ملحاً وهكذا.
إذاً هذا المثال يبين القاعدة التي ذكرها شيخ الاسلام ابن تيمية ’.
стр. 173
وهذا القول الثاني هو الصواب: أن الاستحالة تفيد التطهير.
• قال ’:
غير الخمرة. فإن خللت أو تنجس دهن مائع: لم يطهرا.
قوله غير الخمرة: هذا استثاء من الاستحالة: يعني: أن الأعيان النجسة لا تطهر بالاستحالة ما عدا الخمر فإنه يطهر بالاستحالة.
ففرقوا بين جميع النجاسات وبين الخمر فجميع النجاسات لا تطهر بالاستحالة والخمر فقط يطهر بالاستحالة.
دليل الحنابلة: قالوا: الخمر أصله طاهر ولذا إذا استحال فقد رجع إلى أصله. فالخمر أصله طاهر لأنه من الفواكه: من العنب أو من التمر أو من غيرهما.
لكن يشترط عند الحنابلة أن يكون تخلل الخمر بنفسه - من الله بدون فعل أحد - تتخلل بلى تخليل من الآدمي فإن سعى الإنسان في تخليلها بنقلها أو تعريضها إلى حرارة أو بأي طريقة من الطرق فإنها تبقى نجسة لما ثبت في صحيح مسلم أن النبي ‘ سأل عن الخمر تتخذ خلاً قال: لا.
ولأن النبي ‘ لما جاءه الرجل ومعه إناء فيه خمر لم يأمره بتخليله وإنما تركه يريقه ولو كان التخليل ينفع في الخمر لما أضاع المال ولأمره بتخليل هذا الخمر.
إذاً الخلاصة بالنسبة للخمر عند الحنابلة - خاصة من بين سائر النجاسات - أنه إذا تخلل فإنه يطهر بشرط أن يتخلل بنفسه فإن خلل بفعل الآدمي فإنه يبقى نجس وإن تخلل وعرفنا أدلة الحنابلة من السنة وهي أدلة صحيحة.
تبين من هذا التقرير أن الحنابلة يرون أن الخمر نجس وهذه المسألة محل خلاف طويل بين أهل العلم: فالجماهير وحكي إجماعاً أن الخمر نجس واستدلوا بأدلة كثيرة منها:
قوله تعالى ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ [الأنعام/١٤٥]
قال ابن القيم قوله فإنه يعود على الجميع ولا يختص بالخنزير فأطلق الله على الخمر أنه رجس.
الدليل الثاني: أن الصحابة لما نزل تحريم الخمر أراقوها فدل هذا على أنه لا يمكن الانتفاع منها بشيء لأنها نجسة.
الدليل الثالث: قوله تعالى فسقاهم ربهم شراباً طهوراً وهذا استدل به الشافعي مفهوم هذه الآية أن خمر الدنيا لا يعتبر طهوراً وإنما هو نجس.
القول الثاني: أن الخمر طاهرة وهذا ينسب لبعض السلف واختاره الصنعاني وكثير من المعاصرين.
стр. 174
واستدلوا: أولاً بأن الأصل في الأعيان الطهارة ولا دليل على نجاسة الخمر.
وثانياً: أنه لما نزل تحريم الخمر أراق أصحاب النبي ﷺ الخمور في طرق المدينة ولو كان الخمر نجساً لم ينجسوا به طرقات المسلمين لا سيما وأن طرق المدينة لم تكن على الأقل كلها واسعة. بل فيها الواسع والضيق.
وأجاب أصحاب هذا القول على أدلة الجماهير:
عن الاستدلال بقوله تعالى فسقاهم ربهم شرابا طهوراً أن الله حكم على أشربة الجنة اللبن والماء والخمر بأنها طهورة فهل يعني هذا أن لبن وماء الدنيا نجسة الجواب: لا. فكذلك الخمر.
وهذا القول بالنسبة لنجاسة الخمر في الحقيقة قول قوي ووجيه وتمس الحاجة إليه في وقتنا هذا بالذات بسبب كثرة دخول الخمر في مركبات الأدوية ونحن لا نرجح طهارة الخمر بسبب أنهم يستخدمونه في الأدوية.
لكن من أسباب الترجيح أن في القول بطهارة الخمر توسعة من هذا الجانب.
الخلاصة أنه والله أعلم القول بالطهارة هو الأقرب لأنه لا يوجد دليل صريح على النجاسة.
وإن كان يضع الإنسان في ذهنه أن القول بالنجاسة مذهب الجماهير الأئمة الأربعة وجملة أئمة المسلمين إلا ثلاثة أو أربعة من السلف.
أما المتأخرون من بعد الصنعاني - فهو ﵀ الذي نشر هذا القول وانتصر له - فهم كثر لكن الكلام عن أئمة المسلمين المتقدمين.
• ثم قال ﵀:
أو تنجس دهن مائع لم يطهرا.
الدهن عند الحنابلة ينقسم إلى قسمين:
إما أن يكون مائع أو جامد فإن كان مائعاً ووقعت فيه نجاسة وجب أن يلقى برمته - أن يراق جميع الدهن.
لحديث ابن عباس فإن كان مائعاً فلا تقربوه.
ولأنه لا يمكن أن يغسل بالماء مع كون الدهن مائعاً.
وإن كان جامداً فإنه تلقى النجاسة وما حولها والباقي حلال طاهر.
انتهى مذهب الحنابلة.
القول الثاني: أن الدهن الجامد والمائع حكمهما واحد وهو أن يراق ما حول النجاسة مع النجاسة والباقي طاهر. وينتفع به بدليل حديث ابن عباس أن النبي ﷺ سئل عن فأرة وقعت في سمن فأمرهم النبي ﷺ أن يخرجوها وما حولها وأن ينتفعوا بالباقي.
وهذا الحديث صحيح وفيه لم يفرق بين المائع والجامد وإنما حكم على الجميع بحكم واحد.
стр. 175
فدل الحديث على أن جميع المائعات حكمها حكم الماء وهو أنه لا تنجس إلا بالتغير كما تقررمعنا في أول باب المياه.
فجميع المائعات الدهن والسمن وأي مائع كان فحكمه حكم الماء في أنه لا ينجس إلا بالتغير.
مسألة: إذا وقعت فأرة في سمن فأزلنا الفأرة وما حولها فهل يطهر المحل أو لم يطهر؟
................................ ((يطهر))
فإن وجدنا بعد الإزالة للفأرة وما حولها أن السمن تغير بالنجاسة مع إزالة الفأرة وما حولها فيعتبر نجساً.
إذاً طالب العلم لا يتخذ القضايا العلمية مسلمة وإنما يفهم تنوع الأحكام.
فنحن نقول إذا وقعت الفأرة في السمن فإنها تزال وما حولها والباقي طاهر ولكن يجب عليك أن تربط بين هذا وبين الأحكام الأخرى وهي أن المائعات إذا تغيرت بالنجاسة فتعتبر نجسة.
فبالربط بين الحكمين تعرف حكم الصورة أو المسألة التي ذكرت لك الآن.
مالجواب عن حديث ابن عباس الذي استدل به الحنابلة؟
الجواب: أنه حديث منكر. وأشار البخاري إلى ضعفه.
• ثم قال ﵀:
وإن خفي موضع نجاسة: غُسل حتى يجزم بزواله.
غسل: أي الموضع.
النجاسة إما أن تكون في الثوب أو في البدن أو في البقعة.
فإذا وقعت النجاسة في أحد هذه الثلاثة أشياء فإما أن يعلم مكانها أو يجهل.
فإن علم فالأمر ظاهر أنه يغسل.
وإن جهل فإنه يغسل حتى يجزم بزوال النجاسة.
ويستثنى من هذا الحكم إذا وقعت النجاسة في بقعة كبيرة كما إذا وقعت في فضاء واسع فإنها إذا كانت وقعت في فضاء واسع فإنه لا يشترط أن يغسل ولا أن يتحرى للمشقة.
والقول الثاني في هذه المسألة أن النجاسة إذا وقعت في البدن أو الثوب أو البقعة المحدودة وأمكن التحري - وهذا شرط مهم - فإنه يتحرى لأنه إذا جاء الشرع بالتحري في عدد الركعات فمن باب أولى أن يتحرى في تحديد البقعة النجسة.
والأحوط في الحقيقة مذهب الحنابلة أنه إذا اشتبهت النجاسة في البقعة أو البدن أو الثوب المحدود فإنه يغسل حتى يجزم بزوال النجاسة لأن النجاسة وجدت قطعاً فإذا كانت النجاسة موجودة يقيناً فإنه يسعى إلى إزالتها باليقين أيضاً وذلك بأن يغسل إلى أن يجزم بزوال النجاسة.
وهذا القول كما قلت أحوط وأقرب إلى القواعد الشرعية.
انتهى الدرس،،،
стр. 176
• قال ﵀:
ويطهر بول غلام لم يأكل الطعام: بنضحه.
بدء المؤلف ببيان بعض النجاسات التي يدخلها التخفيف فبدء ببول الغلام:
فإذا بال الغلام على ثوب أو بدن أو بقعة الإنسان فإنه يكفي في تطهيره أن ينضح.
والنضح هو: إراقة الماء على ...... (انقطع التسجيل) ....... وعرف من قول المؤلف بول غلام لم يأكل الطعام: أن الغلام الذي بدء بأكل الطعام لا ينطبق عليه الحكم.
وأن غائط الغلام الذي لم يأكل الطعام لا ينطبق عليه الحكم.
وأن بول الجارية وإن كانت لم تأكل الطعام لا ينطبق عليه الحكم وإنما يختص ببول الغلام الذي لم يأكل الطعام فهذا البول ينضح نضحاً ولا يجب فيه الغسل.
دليل ذلك حديث أم قيس أنها أتت النبي ﷺ بغلام لها فأخذه ﷺ ووضعه في حجره فبال عليه فدعا ﷺ بماء ونضحه على ثوبه ولم يغسل) هكذا في الحديث نص على عدم الغسل.
وهذا من فقه الصحابي راوي الحديث وهذا الحديث في الصحيحين.
فهذا نص في أن بول الغلام نجاسته نجاسة مخففة يكفي فيها النضح كنجاسة المذي - على ما سيأتينا إن شاء الله.
بقينا في العلة التي من أجلها خصص بول الغلام بهذا الحكم:
في الحقيقة لم أقف على أي علة مقنعة ولذلك فالأقرب أن الأمر تعبدي.
• ثم قال ﵀:
ويعفى في غير مائع ومطعوم: عن يسير دم نجس من حيوان طاهر، وعن أثر استجمار.
جملة مذهب الحنابلة في هذه المسألة أنهم يرون أنه لا يعفى عن يسير شيء من النجاسات إلا في أمرين:
- يسير الدم من حيوان طاهر حال الحياة.
- وأثر الاستجمار.
في غير المائعات فقط هذا الذي يعفى عن يسيره وأما ما عداه من باقي النجاسات كالبول والغائط والقيء - لأنه نجس عند الحنابلة فلا يعفى عن يسيرها عند الحنابلة.
القول الثاني:
أنه يعفى عن يسير جميع النجاسات بلا استثناء والدليل على هذا أن الشارع عفا عن يسير أثر الاستجمار.
ويسير أثر الاستجمار يقصد به: ما يبقى من النجاسة اليسيرة بعد الاستجمار.
فهذه النجاسة قد عفا عنها الشارع فيقاس عليها جميع النجاسات.
وهذا القول - الثاني - هو اختيار شيخ الاسلام وهو الذي تدل عليه النصوص إن شاء الله.
نرجع نأخذ مذهب الحنابلة عبارة عبارة.
стр. 177
يقول ’ ويعفى في غير مائع ومطعوم عن يسير دم من حيوان طاهر.
هذا الأمر الأول: لماذا استثنى الحنابلة الدم والاستجمار فقط؟
الجواب: استثنوا ذلك للإجماع فقالوا إن هذا محل إجماع.
وبالنسبة للإستجمار بالإضافة إلى الإجماع النصوص الدالة على جواز الاستجمار تدل على العفو عن يسيرة لأنه لا بد أن يبقى بعد الاستجمار يسير من الخارج من السبيل لأن الحجارة ونحوها لا يمكن أن تزيل جميع الخارج.
وقول المؤلف: يسير دم نجس من حيوان طاهر: يفيد أن الدماء ليست على حد واحد عند الحنابلة. وهو كذلك فهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: دم نجس يعفى عن يسيره. مثاله: الآدمي والحيوانات الطاهرة.
القسم الثاني: دم نجس لا يعفى عن يسيره. وهو: الدم الخارج من السبيلين.
القسم الثالث: دم طاهر. كدم السمك ودم الشهيد وما يبقى في عروق الذبيحة التي ذبحت على مقتضى الشرع وكذلك دم الحيوانات التي ليس لها نفس سائلة. وسيأتينا ذكر عدد من الأمثلة في ثنايا كلام المؤلف.
وقد ذكر هذا التقسيم أكثر من عالم من فقهاءالحنابلة وهو تقسيم جيد يسهل ويجمع أطراف المسألة.
وعلم من قول المؤلف: يسير دم نجس. أنه يرى أن الدم نجس وهذا القول حكي فيه الاجماع من عدد من العلماء وحكى الإجماع عالم هو من أشد الناس في الإجماعات وهو الإمام أحمد فقال: الدم لا يختلفون فيه.
وتقدم معنا أن حكاية الإجماع تختلف قوتها من عالم لعالم وإذا كان حكى الإجماع مثل الإمام أحمد فهذا إجماع قوي لأنه يتشدد في الإجماع لا يكاد يثبت إجماع إلا عن الصحابة.
فإذا أثبت الإجماع فهو إجماع قوي.
الأدلة: أولاً: العمومات: كقوله تعالى ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ [الأنعام/١٤٥]
وهذا نص.
ثانياً: أن أسماء لما سألت عن دم الحيض يصيب الثوب أمر النبي ‘ بغسله غسلاً كاملاً فقال حتيه ثم اقرصيه ثم انضحيه بالماء.
ولا يوجد دليل على أن هناك فرق بين دم الحيض وغيره من الدماء.
القول الثاني في هذه المسألة المهمة: أن الدم طاهر استدلوا بأدلة:
стр. 178
الدليل الأول: قصة الصحابي الذي صلى ثم رمي بسهم وآخر وثالث وظل يصلي فدل ذلك على أن الدم طاهر وإلا كيف صلى والدم يخرج منه؟
الجواب على هذا الدليل: أن هذا أثر لا يثبت.
الدليل الثاني: وهو من أقوى أدلتهم أن الحسن البصري صح عنه أنه يقول مازال المسلمون يصلون بجراحاتهم.
والجواب على أثر الحسن: أنه يقصد ﵀ أن الدم لا ينقض الوضوء ولا يقصد أنه طاهر بدليل أنه صح عنه ’ - أن الدم نجس.
الدليل الثالث - الأخير: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - صلى وجرحه يثعب دماً.
والجواب عليه: أن هذا للضرورة.
ولذلك الإمام أحمد ’ وهو ممن يرى نجاسة الدم بل يحكي الإجماع على هذا الحكم لما ضرب في الحبس ’ وخرجت منه الدماء بكثرة صلى في السجن والدماء تملأ جسده وثوبه فقال له صاحبه يا أبا عبد الله أتصلي والدم فيك هكذا فقال الإمام ’: صلى عمر وجرحه يثعب دماً.
فاستدل بقصة عمر وإن كان ’ ممن يرى نجاسة الدم لأن هذا موضع ضرورة وموضع الضرورة لا يقاس عليه حال الاختيار.
لذلك فالأقرب عندي بوضوح أن الدم نجس لاسيما وأنه حكي فيه الإجماع وعلى هذا النحو ولا يكاد يعرف مخالف.
ثم انتقل المؤلف ’ إلى الأعيان التي لا تعتبر نجسة.
• فقال ’:
ولا ينجس الآدمي بالموت.
يعني أن الآدمي طاهر حال الحياة والممات والدليل على هذا الحكم:
أولاً: قول النبي ‘ إن المؤمن لا ينجس.
وثانياً: أن النبي ‘ أمر بتغسيل الميت. ما هو وجه الاستدلال هنا؟ الجواب: أن الميت لو كان نجس العين فلا ينفع فيه التغسيل لأنا أخذنا أن النجس نجاسة عينية لا يمكن أن يطهر إلا بالإستحالة على الخلاف فيها.
والقول الثاني: أن الكافر طاهر حال الحياة نجس بعد الموت.
وهذا القول قوي جداً لأن النصوص التي ذكرنا كلها يختص بالمؤمن.
أما طهارة الكافر في حال الحياة فلا إشكال فيها.
لكن الخلاف في طهارته بعد الموت.
ولذلك فالأحوط أن لايمس الإنسان جسد الكافر بعد الموت أو يغسل يده إذا أصيبت بشيء رطب من جسد الكافر بعد الموت مراعاة لهذا الخلاف القوي.
أما الحنابلة فهم يرون أن الآدمي مسلماً أو كافراً صغيراً أو كبيراً ذكراً أو أنثى جسده طاهر.
• ثم قال ’:
وما لا نفس له سائلة متولد من طاهر.
стр. 179
قاعدة المذهب أن كل حشرة لانفس لها سائلة ومتولدة من طاهر فتعتبر طاهرة في الحياة وفي الممات.
إذاً كم شرط؟ ذكروا شرطين.
الأول: أن لا يكون لها نفس سائلة.
والثاني: أن تكونة متولدة من طاهر.
ومعنى أن لا يكون لها نفس: النفس هنا يعني الدم. وقوله سائلة: أي لا تجري.
وإلا فمن المعلوم أن أحشرة فيها دم لكن الشرط أن لا يكون هذا الدم سائلاً.
وأن تكون متولدة من طاهر.
بناء على هذا فالبعوض والعقرب والخنفساء وما شابه هذه الحشرات كلها طاهرة في الحياة وفي الممات ولو وقعت في ماء بعد الموت فيبقى طهورٌ حتى عند الحنابلة.
وأما إن كانت حشرة لها نفس سائلة فهي نجسة بعد الموت وقبل الموت هناك تفصيل لكن بعد الموت تعتبر نجسة.
ومثل الإمام أحمد على هذا بالوزغ. فقد اعتبر أن الوزغ له نفس سائله فإذا مات وسقط في الماء فإنه ينجس به.
الدليل على أصل هذه المسألة أن النبي ‘ قال إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليلقه.
وإذا غمس الإنسان الذباب في الإناء الذي يحمل سائلاً حاراً فسيموت ومع ذلك أمر النبي ‘ بالانتفاع بالسائل فهذا دليل على أن ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت.
قوله متولد من طاهر: أي أنه إذا تولد من نجس فإنه ينجس ولو لم يكن له نفس سائلة ومثلوا لهذا بصراصير الكنف. فإنها متولدة على حد قولهم من نجاسة.
وإذا كانت متولدة من نجاسة فإنها تصبح نجسة إذا ماتت.
وعلى القول الثاني: تصبح طاهرة لأنا أخذنا أن الاستحالة تطهر بها الأعيان النجسة وهذه الحشرات استحالت من النجاسات إلى هذه الحشرة المعروفة.
فالأقرب أنها طاهرة.
تنبيه: نبه بعض الفقهاء إلى شيء مهم وهو أنه يشترط في هذه الحشرات التي نقول أنها لا تُنَجِّسْ ما تقع فيها من المياه أن لا تكون هي متلوثة بنجاسات فإن غالب هذه الحشرات قد تتلوث بعض أجزائها بالنجاسة فإذا لم تكن متلوثة بالنجاسة فإن الماء الذي وقعت فيه يبقى طهور.
• ثم قال ’:
وبول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه ..... طاهر.
بول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه عند الحنابلة طاهر.
والدليل على ذلك.
الأول: حديث العرنيين حيث أمرهم النبي ‘ أن يلحقوا بإبل الصدقة وأن يشربوا من ألبانها وأبوالها.
стр. 180
فدل هذا على أن بول ما يؤكل لحمه وروثه طاهر.
والدليل الثاني: أن النبي ﷺ سئل أنصلي في مرابض الغنم فقال نعم.
ولو كانت أبوالها وأرواثها نجسة لم يأذن ﷺ بالصلاة في مرابضها.
وأما المني: فقياساً على البول فهو أطهر منه من باب أولى. بدليل - هذا دليل الأولوية - أن بول الانسان نجس ومنيه طاهر.
• ثم قال ﵀:
ومني الآدمي.
مني الآدمي طاهر عند الحنابلة والدليل ما ثبت عن عائشة ﵂ أنها كانت تفرك ثوب النبي ﷺ من المني ثم يخرج فيصلي في ثوبه.
وجه الاستدلال: أن الفرك عادة لا يزيل جميع الأجزاء فدل على أن المني طاهر.
والقول الثاني: أن المني نجس لما ثبت أيضاً في الحديث أن عائشة ﵂ كانت تغسل ثوب النبي ﷺ فيخرج إلى الصلاة وهي ترى بقع الماء بعد الغسل.
وجه الاستدلال: أن الغسل يكون للنجاسات.
والجواب عليه: أن غسلها ﵂ كان تكميلاً للنظافة جمعاً بين الغسل والفرك وقد بين الحديث الآخر أن الفرك لليابس والغسل للرطب.
وغسلها ﵂ أيضاً هو من باب إماطة الأذى كما يغسل المخاط وإن كان طاهراً.
والراجح أن المني طاهر.
• ثم قال ﵀:
ورطوبة فرج المرأة.
رطوبة فرج المرأة نحتاج إلى معرفة عدد من الأشياء عنه:
الأول: تعريفه. الثاني: مكانه. الثالث: حكمه.
تعريفه: هو ماء أبيض بين المذي والعرق ولو سألنا هل رقيق أو ثخين؟
فالجواب: رقيق. لأنه سبق معنا أن المذي ماء أبيض رقيق وهذا الماء قلنا أنه بين المذي والعرق وكل منهما رقيق فهو أيضاً رقيق.
فإذا أردت أن تزيد في إيضاح التعرف فتقول ماء أبيض رقيق بين المذي والعرق والفقهاء لم يذكروا كلمة رقيق لأنه معلوم فما دام أنه بين العرق والمذي فهو رقيق.
مكانه (مكان خروجه): يخرج هذا السائل من مخرج الولد وهو فتحة في أدنى فرج المرأة كما أن البول يخرج من فتحه في أعلى فرج المرأة.
فنحن نتحدث عن السائل الذي يخرج من مخرج الولد الذي يتصل بالرحم ولسنا نتحدث عن أي سائل يخرج من مخرج البول.
حكمه: مذهب الحنابلة فهو طاهر عندهم. واستدلوا بدليلين:
الأول: أن الأصل في الأعيان الطهارة.
والثاني: أن النبي ﷺ لم يأمر المجامع بغسل الذكر.
следующие страницы →