Полный текст (2 909 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ولا ما يسقط من القدم أو يرى منه بعضه.
لماذا لا يجوز أن نمسح على ما يسقط من القدم؟
لأنه لا يثبت بنفسه. وقد تقدمت مناقشة هذه المسألة.
لماذا لا يجوز المسح على ما يرى منه بعضه؟
لأنه غير ساتر لمحل الفرض. وتقدم مناقشة هذه المسألة.
إذاً الصواب على ما تقدم أن نقول: أنه يجوز المسح على ما يسقط من القدم أو يرى منه بعضه.
وبهذا نكون توقفنا على مسألة لبس خف فوق خف. وهي مسألة مهمة جداً نأخذها في الدرس القادم إن شاء الله.
والله أعلم ... وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 107
(((نبدأ مباشرة بالشرح باعتبار أنه تأخر قليلاً وقت البداية وتوقفنا عند قول الماتن في باب المسح على الخفين وإن لبس خفاً على خف))).
شرع المؤلف ﵀ في بيان حكم لبس خفين فوق بعضهما وهي مسألة تمس الحاجة إليها في زمن البرد الشديد لا سيما في الأماكن الباردة فمن المناسب جداً أن يتقن طالب العلم أحكام لبس الفوقاني والتحتاني من الخفاف.
• فقال ﵀:
فإن لبس خفاً على خف قبل الحدث: فالحكم للفوقاني.
قاعدة المذهب - قبل أن ندخل في الصور - أن الخف إذا مسح تعلق به الحكم سواء كان الفوقاني أو التحتاني فإذا خلع الممسوح فإنه لا يجوز أن يمسح بعد ذلك على الباقي من الخفين.
ثم نأتي إلى التفصيل: إذا تطهر الإنسان بأن غسل رجليه ثم لبس التحتاني ثم لبس الفوقاني قبل أن يمسح التحتاني ثم مسح الفوقاني فحينئذ هل تعلق المسح بالتحتاني أو بالفوقاني؟ - بالفوقاني.
فإذا خلع الفوقاني فعلى المذهب لا يجوز له أن يمسح على التحتاني.
هذه هي الصورة الأولى. لماذا؟ - لأن المذهب يعلقون الحكم بالممسوح.
القول الثاني: - في هذه المسألة -: أن له أن يتم المسح على التحتاني لأنه لبسه على طهارة غسل فيتم المسح على التحتاني.
مثال يوضح هذ المسألة:
إذا توضأ وغسل رجليه ولبس خف تحتاني ثم لبس خفاً فوقاني ومسح على الفوقاني فلما ذهب من اليوم والليلة يوم خلع الفوقاني. فهل يجوز على المذهب أن يمسح على التحتاني؟ ... - لا.
وهل يجوز أن يمسح عليه على القول الثاني؟ ... - نعم.
وكم باقي له؟ - ليلة.
стр. 108
إذاً يجوز على القول الصحيح أن يمسح على التحتاني بعد أن خلع الفوقاني وإن بدأ المسح على الفوقاني ولكن يتم المسح الباقي من اليوم والليلة بالنسبة للمقيم.
ننتقل إلى الصورة الثانية:
إذا لبس الإنسان الخف التحتاني على طهارة كاملة - ومقصودي بقولي الطهارة الكاملة: هي طهارة الغسل - ومسح على هذا الخف ثم لبس الفوقاني بعد أن مسح التحتاني فعلى المذهب هل يجوز أن يمسح على الفوقاني؟
لا. لا يجوز. والسبب أن الحكم يتعلق بالممسوح والممسوح الآن هو التحتاني. إذاً الفوقاني لا يجوز له أن يمسحه على المذهب.
والقول الثاني: أنه يجوز له أن يمسح الفوقاني إذا لبسه بعد أن مسح على التحتاني.
لماذا؟ لأنه لبسه على طهارة.
والقول الراجح القول الأول - مذهب الحنابلة - لماذا؟
التعليل: لأنه الفوقاني وقد لبس على طهارة مسح والخف لا يمسح عليه إلا إذا لبس على طهارة غسل.
إذاً إذا لبس خفاً بعد أن مسح على التحتاني وأراد أن يتوضأ ماذا يفعل يخلع الفوقاني ويمسح وهذا هو المذهب وهو الصواب.
• ثم قال ’:
ويمسح: أكثر العمامة،
يجب على من أراد أن يتوضأ وقد لبس العمامة أن يمسح على أكثر العمامة ولا يجب عليه أن يمسح على كل العمامة.
التعليل: قالوا:
• قياساً على الخف.
• ولأنه إنما مسح بدلاً عن الغسل فدخله التخفيف.
بناء على هذا لا يجب على من لبس العمامة أن يمسح على داخل الأكوار - اللفائف -.
مسألة: إذا ظهر من الرأس شيء فعند الحنابلة يسن أيضاً أن يمسح عليه فيمسح على الرأس أو على ما ظهر من الرأس والباقي من العمامة.
إذاً إذا قيل لك هل يجب أن يستوعب الإنسان العمامة مسحاً كما يستوعب الرأس مسحاً؟ فالجواب: لا. وإنما يجب عليه أن يمسح أكثر العمامة. قياساً على الخف.
• ثم قال ’:
وظاهر قدم الخف من أصابعه إلى ساقه
يريد المؤلف ’ تعالى أن يبين كيفية المسح على الخف.
فبين أن كيفية المسح تكون بأن يمسح من أطراف الأصابع إلى بداية الساق وكيفما مسح أجزأ.
- فإذا فرضنا أنه مسح طولاً بأن مرر يده من الأصابع إلى الساق أجزأه.
- وإذا فرضنا أنه مسح عرضاً بأن عرض كفه على الخف ومسح مابين الأصابع إلى الساق أجزأ.
стр. 109
قال الإمام أحمد: كيفما مسح الإنسان أجزأه لأنه ليس في السنة ما يدل على كيفية المسح.
• ثم قال ’
دون أسفله وعقبه:
لم يصح عن النبي ‘ في حديث أنه مسح على أسفل الخف ولا على العقب وإنما يسمح كما قال المؤلف على ظاهر القدم فقط.
فلا يجب على المتوضئ أن يمسح على أسفل الخف ولا على العقب بل إنه لا يشرع لأنه لم يأت في الشرع ما يدل على مشروعية المسح على أسفل الخف ومن المعلوم أن المسح عبادة توقيفية.
وإذا كان النبي ‘ مسح كما في حديث المغيرة وكما في حديث علي بن أبي طالب على ظاهر القدم فقط فنحن نتأسى به ‘ ونمسح على ظاهر القدم فقط دون العقب ودون أسفل الخف.
• ثم قال ’:
وعلى جميع الجبيرة.
بين المؤلف ’ كيفية المسح على البدائل الأربع التي ذكرها فيما سبق: الخف والعمامة والجبيرة.
وبين في كلام الشيخ هنا – الماتن - الفرق بين العمامة والخف والجبيرة.
فالفرق بينهما:
• أن العمامة والخف يمسح أكثرهما.
• والجبيرة يجب أن تمسح من جميع الجهات.
التعليل: قال شيخ الإسلام ’: الجبيرة بدل الجلد والجلد يجب تعميمه بالغسل فيجب تعميم الجبيرة بالمسح.
فالجبيرة ليست كالخف فقد شرعت تخفيفاً على المكلف وإنما هي بدل عن الجلد فيجب أن تعمم من جميع الجهات فإذا جبر الإنسان يده يجب أن يمسح على الجبيرة من فوق وأسفل ومن الجهتين اليمين والشمال.
وهذا الحكم مما يفوت على كثير من الناس فيظن أن مسح الجبيرة كمسح الخف. فتجد بعض الناس - كما نلاحظهم في أماكن التطهر العامة - إذا جبر رجله مسح على ظاهر القدم وترك أسفل الجبيرة وهذا خطأ ويعتبر وضوئه باطل بل يجب أن يمسح على جميع الجبيرة.
ثم ذكر المؤلف ’ مسألتين حكمهما وتعليلهما واحد:
• فقال ’:
ومتى ظهر بعض محل الفرض بعد الحدث، أو تمت مدته: استأنف الطهارة.
أفادنا المؤلف أنه في صورتين تبطل طهارة المسح على الخفين:
الصورة الأولى: إذا انتهت مدة المسح على الخفين ولو كان على طهارة فإنها تبطل طهارته عند المذهب بمجرد انتهاء مدة المسح.
الصورة الثانية: إذا خلع الخف. وهذا معنى قوله: ومتى ظهر بعض محل الفرض بعد الحدث.
стр. 110
فإذا خلع الخف أو ظهر بعض محل الفرض بسبب خلع جزئي للخف أو انتهت مدة المسح فعند الحنابلة تبطل الطهارة.
التعليل: قالوا أن المسح على الخفين أقيما مقام الغسل فإذا خلع الخف بطلت الطهارة في القدم وإذا بطلت الطهارة في بعض الأجزاء بطلت في جميع الأجزاء.
بناء على ما قرره الحنابلة إذا مسح الإنسان قبل نهاية مدة المسح بساعة واستمر طاهراًَ وانتهت مدة المسح بانتهاء هذه الساعة واكتمال يوم وليلة فإن الطهارة تكون قد انتقضت بمجرد انتهاء وقت المسح ولو لم يحدث أي حدث آخر.
كذلك لو أن الإنسان في أثناء اليوم والليلة - في وسط اليوم والليلة - مسح على الخفين وتطهر ثم بدا له أن يخلع الخفين لأي عارض فإنه بمجرد خلع الخفين تبطل طهارته.
والقول الثاني في هذه المسألة:
أن الطهارة في المسألتين تبقى وتستمر لأن تطهره ثبت بدليل شرعي فلا ينتقض إلا بدليل شرعي يدل على الانتقاض وليس في الكتاب ولا في السنة ما يدل على أن مجرد خلع الخف أو أن انتهاء مدة المسح ناقض للطهارة فالأصل بقائها.
إذاً على القول الثاني تبقى الطهارة ولا يعتبر من نواقض الوضوء.
فإن قيل: لماذا لم يذكر خلع الخف وانتهاء المدة في باب النواقض؟
فالجواب لأن ذكر هاتين المسألتين في باب المسح على الخفين أنسب من ذكرهما في باب النواقض لأن هذا الباب مخصص لجميع أحكام الخفين.
وبهذا يكون انتهى باب المسح على الخفين.
وكما ذكرت لكم في كل باب مسائل مهمة وأساسية ومسائل أخرى أهمية.
فمسائل المسح على الخفين في وقتنا هذا قليلة الأهمية بينما مسائل لبس الخفين في وقتنا هذا شديدة الأهمية. وهكذا فالمقصود أن يركز طالب العلم على المسائل المهمة ويعتني بها.
ثم قال باب نواقض الوضوء .....
تابع
باب نواقض الوضوء.
• قال ﵀:
باب نواقض الوضوء.
المقصود بالنواقض أي المفسدات. أي هذا باب مخصص لبيان ما يفسد الوضوء.
والأصل في النقض أن يكون في البناء فهو حقيقة في لغة العرب في البناء.
لكن استعمل مجازاً في نقض المعاني. كما نقول هنا باب نواقض الوضوء لأن هذا نقضاً معنوياً وكما يقولون في أصول الفقه نقض العلة فإن هذا نقضاً معنوياً.
стр. 111
والعلاقة بين المعنيين - الحسي والمعنوي - أن في كلاً منهما إبطال. لأنه لا يمكن أن نستعمل اللفظ في غير حقيقته مجازاً إلا بوجود علاقة بين المعنى المجازي والمعنى الحقيقي.
وهذا الباب غاية في الأهمية ويحتاج إليه المسلم في اليوم عدداً كبيراً من المرات تنقص وتزيد فضبطه لطالب العلم لنفسه ولغيره من المسلمين من العلم المتحتم بل إن هذا الباب بدون تفاصيل يجب حتى على العوام أن يعرفوه أما بتفاصيل وخلافاته وأدلته فيجب على أهل العلم وطلابه فقط.
بدأ مؤلف بسرد نواقض الوضوء فقال:
ينقض (١) ما خرج من سبيل.
لاحظ عبارة المؤلف حيث قال: ما خرج من سبيل: فأي شيء يخرج من السبيلين فهو ناقض للوضوء.
قاعدة المذهب واضحة وسهلة.
وحتى يتبين لك فائدة هذه القاعدة وقول المؤلف: ما خرج من سبيل أنه قاعدة مهمة مفيدة لو قيل لك الآن قبل أن ندخل في تفاصيل أحكام النقض ما حكم رطوبة فرج المرأة؟
البول والغائط معروف حتى العوام يعرفون أنها ناقضة للطهارة.
لكن لو قيل لك أن المرأة يخرج من فرجها رطوبة - تبتلى بها النساء - فهل تنقض أو لا تنقض؟
فكيف عرفت أنها تنقض من القاعدة لأن المؤلف يقول كل ماخرج من السبيلين فهو ناقض للوضوء. وأنا الآن لا أقرر أن رطوبة فرج المرأة تنقض أو لاتنقض فسيذكرها المؤلف وسنتكلم عليها بتفصيل لأهميتها.
لكن أردت أن أمثل بأحد المسائل التي تعتبر صعبة مما يمكن لطالب العلم أن يعرف حكمها من خلال قاعدة المؤلف.
إذاً كل ماخرج من السبيل فهو ناقض للوضوء.
الدليل: حديث صفوان السابق: وهو قوله ولكن من بول أو غائط أو نوم.
والخارج من السبيلين: على قسمين:
١. إما أن يكون معتاداً. كالبول والغائط أو أن يكون غير معتاد كأن يخرج حصى أو شعر أو أي خارج من السبيلين منغير المعتاد.
فالمعتاد - البول والغائط. فبإجماع الأمة أنه ناقض ولا إشكال فيه لصراحة الآيات والأحاديث فيه.
٢. أما غير المعتاد فالجماهير من أهل العلم يرون أنه ناقض فإذا خرج من دبر الإنسان مثلاً - حصاة ابتلعها وخرجت مع دبره - فإنها تنتقض طهارته بخروج هذا الخارج وإن كان غير معتاد.
стр. 112
واستدل الجماهير: بحديث المستحاضة فإنه في حديث المستحاضة أمر النبي ‘ المستخاضة أن تتوضأ لكل صلاة مع أن هذا الخارج يعتبر غير معتاد.
المعتاد الحيض أما الاستحاضة فليس من المعتاد وإنما هو أمر طارئ على المرأة.
وعند المالكية أن غير المعتاد لا ينقض.
والصواب مع الجماهير.
• ثم قال ’:
(٢) وخارج من بقية البدن، إن كان بولاً أو غائطاً أو كثيراً نجساً غيرهما.
الخارج من غير السبيلين: يعني من بقية البدن عى قسمين:
١. إما أن يكون بول وغائط.
٢. أو أن يكون من غير البول والغائط.
فإن كان بولاً أو غائطاً فإنه ينقض الطهارة ولو كان قليلاً وهذا الحكم عند الجماهير ولم يخالف - فيما أعلم - في هذا الحكم أحد من أهل العلم إلا الشافعية قالوا: إذا كان البول والغائط خرج من مخرج أعلى من المعدة فإنه لا ينقض وإن كان من مخرج أسفل من المعدة فإنه ينقض.
وأما الحنابلة فلا يفرقون سواء كان خروجه من مخرج أعلى من المعدة أو أسفل منها والصواب مع الحنابلة.
الدليل: أن الشارع الحكيم علق نقض الطهارة بخروج البول والغائط من أي مكان كان كما في الحديث (ولكن من بول أو غائط أو نوم) وقبله في الآية (أو جاء أحد منكم من الغائط).
ننتقل إلى القسم الثاني: من الخارج من بقية البدن: وهو غير البول والغائط فهذا يشترط الحنابلة للنقض به شرطين:
الأول: أن يكون كثيراً.
والثاني: أن يكون نجساً.
مثال للخارج من بقية البدن ن غير البول والغائط كالرعاف والحجامة والقيء هذه أبرز ثلاثة أمثلة تخرج من بقية البدن من غيرالبول والغائط.,
فالحنابلة يرون أن هذا الخارج ينقض بشرطين الأول أن يكون كثيراً والثاني أن يكون نجساً.
وتعريف الكثير عند الحنابلة هو ما فحش في النفس أي إذا استعظمه الإنسان فهذا هو الكثير والنجس معروف.
دليل الحنابلة على أن الخارج من بقية البدن من غير البول والغائط إذا كان فاحشاً نجساً نقض الطهارة:
ما ثبت في الحديث أن النبي ‘ قاء فتوضأ.
إذاً الآن عرفنا مذهب الحنابلة تماماً. تفاصيل الخارج من بقية البدن ودليل الحنابلة. وشروط الحنابلة. فعرفنا كل ما يتعلق بمذهب الحنابلة في الناقض الثاني وهو الخارج من بقية البدن.
стр. 113
نرجع إلى الخلاف في الخارج من بقية البدن من غير البول والغائط كالرعاف والحجامة والقيء.
القول الثاني: في هذه المسألة أنه لا ينقض شيء من ذلك. للقاعدة التي ذكرناها في أول هذا الدرس وسنحتاج إليها مراراً وتكراراً.
أن نقض الطهارة حكم شرعي يحتاج إلى دليل من الكتاب والسنة. وليس في الكتاب ولا السنة ما يدل لى أن خروج الرعاف أو الحجامة أو القيء ينقض الطهارة.
إذاً لا دليل لا من كتاب ولا سنة على أن هذه الأمور تنقض الطهارة.
يبقى علينا أن نجيب على حديث قاء فتوضأ. ماهو الجواب؟
الجواب أن لفظ الحديث الصحيح: قاء فأفطر. وسبب وقوفنا عند هذا المثال لأبين لكم فائدة مهمة وهي أنه كثيراً ما يترتب على تحرير لفظ الحديث الحكم الشرعي. فالذين لم يحرروا لفظ هذا الحديث أو رجحوا صحة لفظ قاء فتوضأ استنتجوا من هذا وجوب الوضوء من القيء.
ولكن الصواب أن لفظ الحديث الصحيح قاء فأفطر. فإذا كان هذا هو لفظه فإنه لا دليل على النقض أصلاً بالقيء.
فإذاً الراجح أنه أي خارج من باقي البدن من غير البول والغائط فإنه لا ينقض الطهارة سواء كان حجامة أو قيء أو غيرهما.
• ثم انتقل المؤلف ﵀ إلى الناقض الثالث فقال ﵀.
(٣) وزوال العقل، إلاّ يسير نوم من قاعد أو قائم.
زوال العقل أيضاً هنا نقول أن عبارة المؤلف ﵀ زوال العقل هنا جيدة حيث لم يعبر بالنوم وإنما قال زوال العقل فإي زوال للعقل بأي سبب فيعتبر ناقضاً للوضوء.
فإذا ضبطت هذه القاعدة - هي عبارة من عبارات المؤلف - لكنها في الحقيقة قاعدة.
فإذا قيل لك: رجل أغمي عليه ثم أفاق هل يجب أن يتوضأ؟
الجواب: يجب.
وكيف عرفت هذا الحكم؟
من قول المؤلف: زوال العقل.
نرجع إلى تفصيل الكلام:
زوال العقل ينقسم إلى قسمين:
١. إما أن يكون بغير النوم.
٢. أو أن يكون بالنوم.
فزوال العقل بغير النوم: كالسكر. والإغماء. والجنون. فهذا ينقض بإجماع العلماء.
وزوال العقل بالنوم: فهذا محل خلاف شديد بين أهل العلم وكثرت الأقوال والأدلة والردود. ونحن نلخص إن شاء الله هذا كله في ثلاثة أقوال:
القول الأول: مذهب الحنابلة: - لاحظ عبارة المؤلف - يقول ﵀: ينقض مطلقاً إلا اليسير منه (بشرط أن يكون) من قاعد أو القائم.
стр. 114
- فإذا كان النوم كثيراً من قاعد أو قائم: فينقض.
- وإذا كان النوم يسيراً من مضطجع: فينقض.
فالآن تصورنا مذهل الحنابلة: أن النوم ينقض مطلقاً إلا اليسير بشرط أن يكون من قاعد أو قائم.
الأدلة: أما كونه ينقض مطلقاً فاحديث صفوان السابق (ولكن من بول أو غائط أو نوم) فهذا صريح بأن النوم من نواقض الوضوء.
أما استثناء اليسير من قاعد أو قائم فقالوا: لما ثبت في الحديث الصحيح عن أنس - أن أصحاب النبي ‘ كانوا يغفون في المسجد ويخفقون الخفقة والخفقتين ومن كان ينتظر الصلاة هل هو عادة مضطجع أو قاعد أو قائم؟
قاعد أو قائم.
فيستدلون بدليلين مركبين لأن قولهم مركب: النوم ينقض مطلقاً إلا يسير النوم من القاعد أو القائم.
إذا نظرت تجد أن أدلة الحنابلة قوية فقد أخذوا بالنصوص التي تدل على النقض وبالأحاديث التي تدل على عدم النقض.
القول الثاني: للأوزاعي: أن النوم لا ينقض مطلقاً: قال لأنه ثبت أن النبي ‘ كان ينام ويصلي بلا وضوء والصحابة ينامون ويصلون بلا وضوء.
ودليل الأوزاعي دليل واضح.
القول الثالث: أن النوم ليس حدثاً بنفسه ولكنه مظنة الحدث فإذا بقي مع النائم شعوره وإحساسه فإن طهارته لا تنتقض.
دليلهم: قالوا: جمعاً بين الأخبار.
وجه الجمع: قالوا حديث صفوان دل على أن النوم ناقض مطلقاً وأحاديث نومه ‘ وإغفاء الصحابة تدل على أنه لا ينقض فنجمع بينهما ونقول نوم الصحابة والنبي ‘ لم يكن نوماً مستغرقاً وإنما بقي معه إحساس وشعور وهذا اختيار شيخ الإسلام وهو قول قوي كما نرى.
مسألة: إذا قال الإنسان لا أدري هل بقي معي إحساسي أو لم يبق إنما غفوت قليلاً؟ فهل انتقضت طهارتي؟ - هذا السؤال كثيراً ما يسأل عنه لا سيما من يحصل منهم ذلك وهم في انتظار صلاة الجمعة.
فالجواب: نعم انتقضت لأمرين:
نقول الأصل أن طهارتك انتقضت لسببين:
الأول: الأصل في النوم أنه ناقض ولكن من بول أو غائط أو نوم.
الثاني: أن عدم معرفتك أنه بقي شعورك أو لا دليل على أن الشعور ذهب.
إذاً تبين أن القول الثالث هو أرجح الأقوال إن شاء الله وإنه عند أدنى تردد فإن الإنسان يعتبر النوم ناقض لأن هذا هو الأصل في النوم.
ثم انتقل إلى الناقض الرابع:
стр. 115
(٤) ومس ذكر متصل أو قبل بظهر كفه أو بطنه، ولمسهما من خنثى مشكل، ولمس ذكر ذكره أو أُنثى قبله لشهوة فيهما، ومسه امرأة بشهوة أو تمسه بها، ومس حلقة دبر وأمرد، ولا مع حائل ولا ملموس بدنُه، ولو وجد منه شهوة.
• فيقول ’:
ومس ذكر:
يعني أن مس الذكر ناقض للوضوء. هذه المسألة أيضاً من المسائل التي كثر فيها الخلاف فمذهب الحنابلة والشافعية والمالكية - الأئمة الثلاثة - وهو منسوب إلى أكثر الصحابة على أن مس الذكر ينقض الوضوء.
واستدلوا: بحديث بسرة بن صفوان أن النبي ‘ قال من مس ذكره فليتوضأ وهذا الحديث صححه الأئمة ومنهم الإمام أحمد ﵀.
إذاً لا إشكال في معرفة وجه الاستدلال بهذا الحديث.
القول الثاني: أن مس الذكر لا ينقض الوضوء وهو مذهب الأحناف. واختيار شيخ الاسلام ابن تيمية. بل نصره كما أن القول الأول هو اختيار تلميذه ابن القيم ونصره.
فهذه المسألة من المسائل التي اختلف فيها شيخ الاسلام وتلميذه ابن القيم.
واستدلوا بحديث طلق أنه سأل النبي ‘ أيتوضأ أحدنا إذا مس ذكره في الصلاة. فقال النبي ‘ إنما هو بضعة منك.
فقالوا هذا الحديث يدل على عدم النقض وهو معلل بعلة لا تنسخ وهي قوله: إنما هو بضعة منك.
الراجح في هذه المسألة أن مس الذكر ينقض الوضوء بالنسبة لي بلا إشكال مطلقاً.
أولاً: حديث بسرة هذا حديث صحيح بل قال البخاري هو أصح حديث في الباب.
ثانياً: ثبت في الشرع التفريق بين الذكر وغيره من الأعضاء. كقول النبي ‘ لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه ولم يأت في الأحاديث أن شيئاً من أجزاء الجسم نهي عن مسها باليمين فإذاً عرفنا من هذا الحديث أن هناك فرقاًَ بين الذكر وغيره من الأعضاء
ثالثاً: حديث طلق حديث ضعيف وهذا مالم يتفطن له كثير من الذين رجحوا القول الأول. فمن ضعفه؟
ضعفه أئمة الحفاظ الذين لم يسمح التاريخ بمثلهم: فضعفه الإمام أحمد وأبو حاتم وأبوزرعة والدارقطني والبيهقي والشافعي. فهولاء ستة فمن القوم بعد هؤلاء.
فإذا ضعف هؤلاء حديث لم يبق بعده فائدة.
إذاً حديث طلق الذي يعارض به حديث بسرة حديث ضعيف.
ثم أيضاً تبين الفرق بين الذكر وغيره من الأجزاء.
فإذاً مس الذكر الصواب أنه ينقض الطهارة.
стр. 116
المؤلف ’ سيذكر عدة مسائل تتعلق بأصل هذه المسألة - مسألة مس الذكر.
قال: متصل:
يشترط الحنابلة أن يكون الذكر أصلياً متصلاً. التعليل: لأنه هو الذي له الحرمة. أما إن كان ذكراً مقطوعاً فإنه لا ينقض الطهارة.
- إذا مس الإنسان ذكر الميت فهل تنتقض الطهارة أو لا تنتقض؟
تنتقض. لماذا؟ لأنه متصل.
ثم قال: أو قبل.
يعني أو مست المرأة قبلها. الجزء الذي ينقض هو الفرج الذي بين مسكتيها هذا هو الجزء الذي إذا لمس انتقضت الطهارة. أما ما عدا هذا فإنه لا تنتقض الطهارة به.
فإذا مس الإنسان ذكره أو مست المرأة فرجها فقد انتقضت طهارة كل منهما.
وعرفنا من قول المؤلف: أو قبل: أن مس المرأة لفرجها يساوي في الحكم مس الذكر لذكره. فالحكم يستوي فيه الرجل والمرأة.
والقول الثاني: أن المرأة لا تستوي مع الرجل في هذا الحكم لأن الحديث فيه من مس ذكره. فخص الذكر ولأن الذكر مظنة خروج المذي. بخلاف المرأة.
والصواب مع الحنابلة أن مس المرأة فرجها ينقض كمس الذكر لذكره. لأن الأصل في الأحكام تساوي الذكر والأنثى.
والنص في الذكر في الحديث خرج مخرج الغالب.
ثم قال: بظهر كفه أو بطنه.
أفادنا المؤلف بهذه العبارة فائدتين:
الأولى: أنته يشترط أن يكون المس بلا حائل.
والثانية: أنه يشترط أن يكون المس بالكف سواء كان ظاهر الكف أو باطنه. فإذا مسه من وراء ثوب. فهل تنتقض أو لا؟
لا تنتقض: لأننا نقول يشترط أن يكون بلا حائل.
وإذا مس الإنسان ذكره بذراعه فهل تنتقض الطهارة أو لا تنتقض؟
لا تنتقض. لأنه يشترط أن يكون بماذا؟ بالكف.
وإذا مسه بظاههر كفه فعل تنتقض أو لا تنتقض؟
تنتقض. سواء كان بظاهر أو باطن الكف.
الدليل على هذه التفاصيل:
حديث أبي هريرة أن النبي ‘ قال من أفضى بيده إلى ذكره فقد وجب الوضوء وفي لفظ ومسه.
هذا الحديث الصواب أنه موقوف لكن هو حديث لا يقال من قبل الرأي. فله حكم الرفع.
والقول الثاني: أن المس بظاهر الكف لا ينقض. قالوا لأن الإفضاء لا يكون إلا بباطن الكف. ولا يسمى إفضاءً إذا كان بظاهر الكف.
والجواب: أن ابن سيده وهو من أئمة اللغة أثبت في كتابه المحكم أن الإفضاء يكون بباطن وظاهر الكف لغة.
فإذاً الراجح في هذه المسألة: هو مذهب الحنابلة.
стр. 117
فعرفنا الآن معنا قول المؤلف بظاهر كفه أو بطنه. أنه أراد أن ينص على الظاهر والباطن لمراعاة الخلاف.
ثم قال: ولمسهما من خنثى مشكل.
تقدم معنا أنه يشترط في مس الذكر لكي تنتقض الطهارة أن يكون الذكر أصلياً ومتصلاً.
الخنثى: من المعلوم أن له آلة أنثى وآلة ذكر.
فأحد الآلتين زائد. ولا يعرف أيهما الزائد فإذا مس الخنثى ذكره فهل تنتقض الطهارة أو لا تنتقض؟
الجواب: لا تنتقض لماذا؟ لأنه يحتمل أن يكون هو العضو الزائد في هذا الخنثى ونحن نشترط في الممسوس أن يكون أصلياً.
وإذا مس الخنثى قبله فهل تنتقض الطهارة؟
نعم لأنه يحتمل أن يكون هو الزائد.
وإذا مس الخنثى الدبر والقبل انتقضت لأن أحدهما أصلي قطعاً.
فإذاً لمس القبل والدبر بالنسبة للخنثى فيه هذا التفصيل وهو أن نقول إن مس الخنثى أحدهما لم تنتقض الطهارة والتعليل لاحتمال أن يكون هذا هو العضو الزائد.
وإن مس الدبر والقبل انتقضت الطهارة لأن أحدهما أصلي قطعاً.
وهذا معنى قول المؤلف ولمسهما من خنثى مشكل.
ثم قال: ولمس ذكر ذكره أو أُنثى قبله لشهوة فيهما.
إذا مس ذَكَرٌ ذَكَرَ الخنثى أو مست أنثى قُبُلَ الخنثى لشهوة في المسألتين انتقضت الطهارة.
نأخذ المسألتين كل واحدة على حدة:
الأولى: إذا مس ذَكَرٌ ذَكَرَ الخنثى بشهوة انتقضت الطهارة. التعليل: يقولون: إما أن يكون هذا العضو أصليٌ فيكون قد مس الأصلي وإذا مس الذكر الأصلي انتقضت الطهارة.
أو أن يكون ليس أصلياً فتنتقض لأنه مسه بشهوة ومس الإنثى بشهوة ينقض الطهارة.
الأنثى كذلك: إذا مست أنثى قبل الخنثى لكن بشهوة فنقول أنها تنتقض الطهارة بكل حال لماذا؟ لأنه إما أن يكون هذا هو فرج الخنثى الأصلي .............................. ((انقطع التسجيل للآذان ثم أكمل الشرح بعده)
: ومسه امرأة بشهوة أو تمسه بها. ثم قال بعد ذلك: ومس حلقة دبر.
كما تلاحظ فصل المؤلف: بين مس الدبر ومس الذكر.
وأهل العلم يعتبرون هاتين المسألتين مسألة واحدة فالمؤلف لم يحسن في ترتيب المسائل فكان يجب أن يجعل ذكره لمسألة مس الدبر بعد ذكر مسألة مس الذكر ثم يذكر بعد ذلك مس المرأة.
стр. 118
أما تعليل المحشي: بأن المؤلف ﵀ لا حتاج لذكر هذا النقض لدخوله في عموم مس الفرج فهذا فيما يظهر لي ليس بصحيح لماذا؟
لأن المؤلف لم يذكر كلمة الفرج مطلقاً. فلو قرأت كلام المؤلف ستجد أنه لم يذكر كلمة الفرج حتى نقول يكتفى بها بل التنصيص على مس الدبر أمر مطلوب وجيد لكن الخطأ وقع في الترتيب فقط وليس في أصل الذكر.
نأتي إلى مس الدبر. هل تنتقض به الطهارة أو لا؟
الحنابلة يرون: أن مس حلقة الدبر ناقض للطهارة. ماهو الدليل؟ الدليل: قالوا: أنه في حديث بسرة من مس ذكره وفي لفظ صحيح صححه أحمد وأبو زرعة من مس فرجه قالوا والفرج يعم القبل والدبر فمن مس الدبر فقد انتقضت طهارته.
والقول الثاني: أن مس الدبر لاينقض الطهارة. قالوا: لأن الحديث من مس ذكره: هذا أولاً وثانياً أن مس الذكر مظنة خروج المذي بخلاف مس حلقة الدبر.
وهذا القول اختيار المجد ابن تيمية. وابن مفلح.
والصواب مع (((الحنابلة))) المؤلف: أن مس الدبر ينقض الطهارة لأن معنا حديث صحيح نص في المسألة.
فتبين معنا الآن:
أن مس الذكر ومس القبل ومس حلقة الدبر - هذه الثلاث - جميعها ناقضة للطهارة.
وتبين معنا:
أن من أقوى أدلة الجماهير مسألة من مس ذكره فليتوضأ.
أضف إلى هذا الدليل دليل آخر. وهو أنه روي النقض بمس الذكر عن بضعة عشر صحابياً. وهذا الحكم مما لا يقال بالرأي مطلقاً.
فسبيله التوقيف. ونحن نجزم أن هذا العدد من الصحابة لم يقولوا بنقض الطهارة إلا عن توقيف من النبي ﷺ .
انتهى الدرس
стр. 119
ومسه امرأة بشهوة أو تمسه بها. ومس حلقة دبر.
الناقض الخامس:
هو مس المرأة بشهوة.
هذا يعتبر من نواقض الوضوء واعتبار مس المرأة بشهوة ناقض هو مذهب الحنابلة والمالكية وهو مذهب الفقهاء السبعة وكما ترى أن القول مركب من جزئين:
١. أن مس المرأة ينقض.
٢. وأنه يشترط لذلك أن يكون هذا المس بمشهوة.
الدليل: كما أن القول مركب فالدليل أيضاً مركب من نصين:
النص الأول: قوله تعالى ﴿أو لا مستم النساء﴾ فقالوا هذا دليل على أن مس المرأة ينقض الطهارة.
والدليل على أنه لابد أن يكون لشهوة. أن النبي ﷺ قبل عائشة وخرج للصلاة بغير وضوء.
فهنا مس المرأة ولم يتوضأ.
فجمعاً بين الأحاديث قالوا لا بد أن يكون المس بشهوة.
والقول الثاني في هذه المسألة: أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقاً. لا بشهوة ولا بغيرها.
واستدلوا بحديث عائشة السابق أن النبي ﷺ قبل وخرج إلى الصلاة ومن المعلوم أن تقبيل الزوج لزوجته غالباً ما يصحب برغبة.
واستدلوا بدليل آخر قوي وإن كان من التعليل: وهو: أن المسلمين ما زالوا يمسون نسائهم ولم يأت في الشرع دليل صريح على وجوب الوضوء من مس المرأة.
وفي رأيي أن هذا الدليل قويٌ.
وهذا القول - الثاني - هو الصواب.
بقينا في الجواب على استدلالهم بالآية لأن الاستدلال بها دليل شرعي هو نص في المسألة.
الجواب عليه: أنه صح عن ابن عباس - أنه فسر الآية بالجماع.
وإذا سقط الاستدلال بالآية بقي دليل القائلين بعدم الوجوب قوي وواضح.
ثم لما قرر المؤلف ﵀:هذه المسألة انتقل إلى نظيرتها فقال: أو تمسه بها: يعني أو تمس المرأة الرجل بها: يعني بشهوة.
فهو أيضاً ناقض. الدليل قالوا: لأنها ملامسة تنقض الوضوء في حق الرجل فتثبت في حق المرأة كذلك.
ولما سبق أن الأصل تساوي الرجال والنساء في الأحكام مالم يرد دليل صحيح يفرق بينهما والخلاف في تمسه بها كالخلاف في مس الرجل للمرأة بها.
стр. 120
إذاً الخلاصة:
الحنابلة يرون أن الرجل إذا مس المرأة بشهوة أو المرأة إذا مست الرجل بشهوة انتقضت الطهارة. والخلاف في هاتين المسألتين خلاف واحد استدلالاً ونيجة وترجيحاً.
ثم انتقل المؤلف ﵀: إلى التنفصي في حكم هذه المسألة: - وهذه التفاصيل التي سيذكرها المؤلف ﵀ مبنية على القول بنقض الطهارة بمس المرأة.
• قال ﵀:
لا مس شعر وسن وظفر وأمرد.
إذاً استثنى أربع صور. هذه الصور حتى عند الحنابلة الذين يرون أن مس المرأة ينقض الوضوء لا تنقض.
المسألة الأولى: مس الشعر والسن:
يعني لو أن إنساناً مس شعر زوجته أو مس سنها أو ظفرها فإنها لا تنتقض الطهارة بهذا المس. حتى عند الحنابلة.
قالوا: لأن هذه الأشياء في حكم المنفصل كما لو مس ثوبها ولذلك لو كلق الإنسان شعر زوجته أو طلق سنها فإن الطلاق لايقع.
بينما لو طلق يد زوجته فإن الطلاق يقع على الخلاف في اليد لكن السن الأمر فيه أظهر.
стр. 121
وقيل: أن مس الشعر ينقض الوضوء إذا كان بشهوة.
وهذا القول هو الراجح. نحن الآن نتكلم على فرض أن مس المرأة ينقض الوضوء.
إذا افترضنا أن مس المرأة ينقض الوضوء فإن الحنابلة يقولون أن مس الشعر لا ينقض والصواب أنه ينقض لأن مس الرجل شعر زوجته بشهوة قد يكون أبلغ من مس بعض الأخرى.
إذاً عرفنا أن مس الشعر والسن والظفر عند الحنابلة لا ينقض.
وعرفنا تعليلهم: وهو أن هذه الأجزاء في حكم المنفصل.
ثم قال: وأمرد:
يعني ولا مس أمرد فإن مس الأمرد لا ينقض الطهارة.
قالوا: لأنه ليس محلاً للشهوة. شرعاً. فمسه لا ينقض وأيضاً لقوله تعالى: أو لا مستم النساء. فنص على النساء.
• ثم قال ﵀:
ولا مع حائل
يعني أن مس المرأة مع وجود الحائل لا ينقض الطهارة لأن الأصل في إطلاق كلمة المس هوأن يكون بلا حائل كما تقدم في مس الذكر.
إذا فهذه خمس مسائل: مس الشعر والسن والظفر والأمرد والمس مع حائل كلها لا تنقض الطهارة حتى على مذهب الحنابلة.
وعرفنا تعليل ذلك عندهم.
• ثم قال ﵀:
ولا ملموس بدنُه، ولو وجد منه شهوة.
الكلام السابق كله في حكم الماس أما الممسوس فإنه لم يتحدث عنه المؤلف إلا هنا فقال: ولا ممسوس. فالممسوس طهارته باقية.
فإذا مس الزوج زوجته: نقول للزوج توضأ وللزوجة لا يلزمك الوضوء.
لماذا: قال الحنابلة لأن شهوة الماس أشد والقصد إنما تأتى منه. يعني: أن من تعمد مس زوجته فإن الشهوة عنده أشد وهو الذي قصد المس. وربما المسوس لم يخطر بباله شهوة مطلقاً.
القول الثاني: الذي مال إليه ابن عقيل من الحنابلة أن الممسوس تنتقض طهارته إذا وجدت منه الشهوة. فعند ابن عقيل تفصيل: يقول: الممسوس:
إن شعر بشهوة انتقضت الطهارة وإن لم يشعر بقية طهارته صحيحة.
ويظهر لي أن هذا القول - الثاني - هو الصواب.
انتهى المؤلف ﵀ من التفصيل في الناقض الخامس وعرفنا أصل الخلاف في رأس المسألة وهو مس المرأة وعرفنا في تفاصيل هذا الحكم عند الحنابلة.
• ثم قال ﵀: - في الناقض السابع:
(٧) وينقض: غسل ميت.
غسل الميت ناقض من نواقض الوضوء عند الحنابلة فقط - يعني تفرد الحنابلة باعتباره ناقضاً.
وأما الجماهير فإنهم لم يروه من النواقض.
стр. 122
استدل الإمام أحمد على هذا الحكم بالآثار التي رويت عن الصحابة فقد جاء عن عدد من أصحاب النبي ‘ أنهم رأو أن غسل الميت يوجب انتقاض الطهارة.
ونحن أخذنا في أول درس أن من أصول الإمام أحمد الأخذ بما جاء عن الصحابة. فهذا يبين لنا أهمية معرفة أصول الإمام أحمد ولذلك تفرد من بين الأئمة باعتبار غسل الميت ناقض من نواقض الوضوء.
والقول الثاني: مذهب الجماهير أن غسل الميت لا ينقض الوضوء.
قالوا: لا يوجد دليل شرعي على نقض الطهارة بتغسيل الميت.
ومذهب الجمهور هو الصواب إن شاء الله - أن تغسيل الميت لا يعتبر من نواقض الوضوء لعدم وجود دليل شرعي صحيح وإن كانت آثار الصحابة في الحقيقة قوية لمعنى خاص وهو أن مثل هذا الحكم - نقض الوضوء - مما لا يقال بالرأي ففي الغالب أن أصحاب النبي ‘ أخذوه توقيفاً عنه ‘ لكن مع ذلك نقول مادام لا يوجد نص مرفوع إلى النبي ‘ في مثل هذه المسألة المهمة نبقى على الأصل هو الطهارة ونقول الراجح أن من غسل ميتاً فإنه لا تنتقض طهارته. إلا إذا مس ذكر الميت بلا حائل فهنا ترجع إلى مسألة مس الذكر.
- مس ذكر الآخر من المسائل التي لم يتطرق إليها المؤلف مع أنه اعتنى بالتفاصيل.
فإذا مس الإنسان ذكر غيره فهل تنتقض الطهارة أو لا؟
هذا فيه خلاف: يظهر لي والله أعلم أن مس ذكر الغير لا ينقض الطهارة ومال إلى هذا القول ابن عبد البر.
لأن الحديث يقول من مس ذكره فنص على ذكر نفسه. على كل هذه فقط استطراداً بمناسبة تغسيل الميت.
• قال ’:
(٨) وأكل اللحم خاصة من الجزور.
هذه المسألة أيضاً من المفردات. أن أكل لحم الجزور ينقض الطهارة.
وإذا أردنا أن نحرر مذهب الحنابلة نقول:
الحنابلة يقولون: أن لحم الجزور ينقض وأنه لا ينقض شيء من أجزاء الجزور إلا اللحم خاصة وهذا معنى قول الشيخ هنا وأكل اللحم خاصة يعني دون باقي أجزاء الجزور كالكبد والطحال .. ألخ.
إذاً الحنابلة يرون أن اللحم فقط هو الذي ينقض من الجزور وهو من المفردات.
стр. 123
واستدلوا بحديث البراء وحديث جابر بن سمرة في مسلم وهي أحاديث صحيحة لم ينازع أحد في صحتها أن النبي ﷺ قيل له أنتوضأ من لحوم الإبل قال نعم قيل أنتوضأ من لحوم الغنم قال: لا. وفي الحديث الآخر إن شئت في حديث قال لا وفي حديث الآخر قال إن شئت. الحديث صريح ونص في المسألة لا يقبل التأويل ولا يقبل التضعيف.
القول الثاني: للجماهير أن أكل لحم الجزور لا ينقض الوضوء لا ينقض الطهارة.
واستدلوا بحديث صحيح عن جابر - قال كان آخر الأمرين عن رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار قالوا هذا الحديث ناسخ للأحاديث السابقة.
لقوله كان آخر الأمرين.
ولذا ذهب الجماهير إلى القول بأن أكل لحكم الجزور لا ينقض الطهارة.
الجواب على استدلال الجمهور.: نقول الجواب من أوجه:
١. الوجه الأول: أن القاعدة المتفق عليها عند العلماء - لم يخالف فيما أعلم فيها أحد - أن الخاص مقدم على العام.
وترك الوضوء مما مست النار عام لأنه يشمل جميع اللحوم - لحم الغنم والبقر والإبل والدجاج وكل أنواع اللحوم - بينما الوضوء من لحم الإبل حديث خاص.
والخاص دائماً مقدم على العام.
٢. الوجه الثاني: أن حديث جابر ترك الوضوء مما مست النار لم يفرق فيه بين لحكم الغنم والإبل بينما حديث البراء فرق النبي ﷺ فيه بين لحم الإبل والغنم فدل على أنهما حديثان منفصلان لكل حكمه.
٣. الوجه الثالث: أورد عليهم شيخ الإسلام فقال: ما ترون بأكل النيء من لحم الإبل إن كان ينقض فصار حديث البراء لم ينسخ وتناقضوا وإن لم ينقض لم يدخل في حديث من ما مست النار.
إذاً أجاب الحنابلة عن أدلة الجمهور بهذه الثلاثة أجوبة.
والقول بأن لحم الإبل ينقض هو القول الصواب لما جاء فيه من أحاديث صحيحة صريحة لا معارض لها.
تنبيه: مهم جداً: وهو أن بعض الكتاب قال أنه روي عن الخلفاء الأربعة أنهم لايرون الوضوء من لحم الإبل - وهذه لو صحت لصار المصير إلى أن لحم الجزور لا ينقض - ولكن الصواب أن ماروي عن الخلفاء الأربعة è لا يثبت عنهم.
وإلا فإن الإنسان إذا رأى هذه الآثار توقف حقيقة لكن بعد البحث وجدنا أنها لا تثبت عن الخلفاء.
قال: وأكل اللحم خاصة: الحنابلة يرون أن أكل الكبد والطحال من الجزور لا ينقض الطهارة.
стр. 124
قالوا: لأن اللحم لا يطلق على هذه الأجزاء وفي الحديث أنتوضأ من لحوم: واللحوم لا تطلق على باقي الأجزاء.
والقول الثاني: أن الوضوء من باقي الأجزاء واجب. لأن كلمة لحم الجزور يطلق على جملة الجزور كما أننا نقول لحم الخنزير يطلق على جملة الخنزير.
فإذاً اللحم وباقي الأجزاء تنقض الوضوء لأن اللحم يطلق في العرف على كل أجزاء الحيوان.
بقينا في مسألتين:
حليب الإبل: ومرق لحم الإبل:
أما الحليب: فلا إشكال أنه لا ينقض لأنه لايدخل في مسمى اللحم مطلقاً.
أما المرق ففيه خلاف بين أهل العلم على قولين:
١. منهم من رأى أنه ينقض لأن المرق خلاصة اللحم.
٢. ومنهم من رأى أنه لا ينقض لأنه لا يسمى لحماً وإن كان خلاصة اللحم.
وفي الحقيقة المسألة عندي فيها تردد. مسألة مرق اللحم. وأميل إلى أنه لا ينقض لأن الأصل السلامة وإلا في الحقيقة فيها تردد.
ومحل الإشكال إذا لم يكن في المرق قطع ولو صغيرة أما إذا كان فيها قطع صغيرة فلا إشكال أنها تنقض.
انتهينا من الناقض الثامن ثم انتقل إلى الناقض التاسع
•:فقال ﵀:
(٩) وكل ما أوجب غسلاً أوجب وضوءاً إلاّ الموت.
قاعدة المذهب أن كل حدث أوجب غسلاً فيوجب أيضاً الوضوء فيجب على الإنسان إذا حصل له حدث يوجب الغسل أن يغتسل وأن يتوضأ فإذا اغتسل ولم يتوضأ ترتب على هذا جواز استباحة ما يشترط له الاغتسال دون ما يشترط له الاغتسال والوضوء.
فمثلاً الصلاة يشترط لها الاغتسال والوضوء فإذا اغتسل بلا وضوء فإنه لا يجوز له أن يصلي لماذا؟ لأن كل ما أوجب غسلاً أكبر أوجب الوضوء.
والقول الثاني: أن نية الاغتسال تكفي عن الوضوء والدليل أن الله لم يأمرنا في حال الجنابة إلا بالاغتسال (وإن كنتم جنباً فاطهروا) والنبي ﷺ قال للأعرابي أفرغ عليك هذا الماء ولم يأمره بالوضوء وهذا القول هو اختيار شيخ الاسلام ﵀.
وهو القول الصواب.
إذاً هذه القاعدة وهي أن كل ما أوجب غسلاً أوجب وضوءاً قاعدة مرجوحة.
فعلى المذهب إذا صار على الإنسان جنابة واغتسل ولم يتوضأ فهل يجوز له أن يصلي وهل يجوز له أن يقرأ القرآن؟
........... لأن قراءة القرآن يشترط لها ارتفاع الحدث الأكبر دون الحدث الأصغر.
كم صار عدد النواقض؟
تسعة.
стр. 125
والصواب أنها ثمانية. لماذا؟ لأن مس الدبر ذكرنا أنه هو مسألة مس الذكر.
فالنواقض في الحقيقة ثمانية.
حتى الترقيم هذا من المحقق ربما أراد المصنف أن النواقض ثمانية وليست تسعة.
إذاًَ لو أن المحقق لم يجعل الرقم ٦ على مسألة مس حلقة الدبر لكان هو الصواب.
• قال ﵀:
" ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث أو بالعكس: بنى على اليقين.
هذه قاعدة مفيدة لطالب العلم أن الإنسان إذا تيقن الطهارة ثم شك في الحدث ولو كان هذا الشك وصل إلى مرحلة غلبة الظن فإنه يبقى الأصل فيه الطهارة وإذا تيقن الإنسان الحدث وشك في الطهارة ولو وصل هذا الشك إلى مرحلة غلبة الظن فإن الأصل بقاء الحدث.
الدليل: حديث عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ شكي إليه الرجل يجد الشيء في الصلاة فقال النبي ﷺ لاينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً.
فهذا نص في أنه لا ينتقل عن اليقين الأول إلا بيقين أما الشك وغلبة الظن فإنها لا تنقله.
وهذه قاعدة مريحة للإنسان.
إذاً إذا شك الإنسان فإنه يبقى على طهارته ولو غلب على ظنه خلافاً لما يظنه بعض العوام أنه إذا غلب على ظنه فإنه ينتقل إليه.
قال (إلا الموت):
الحنابلة يرون أن كل ما أوجب طهارة كبرى أوجب طهارة صغرى قالوا: إلا الموت فالموت هل يوجب الاغتسال؟ نعم يجب أن نغسل الميت.
فالموت يوجب الاغتسال لكن عند الحنابلة لا يوجب الوضوء لأن الرسول ﷺ أمر بتغسيل الميت دون الوضوء ولم يأمر بالوضوء.
ونحن نقول للحنابلة كذلك أمر بغسل الجنابة دون أن يأمر بالوضوء - نفس الدليل.
فمذهب الحنابلة في الميت يضعف مذهبهم في باقي موجبات الغسل.
• قال ﵀:
فإن تيقنهما وجهل السابق: فهو بضد حاله قبلهما.
إذا تيقن الإنسان الطهارة والحدث لكن لا يدري أيهما السابق منهما فحكمه عند الحنابلة أن يرجع إلى حاله قبلهما.
مثال: يوضح هذه المسألة:
إنسان بعد الزوال تيقن الطهارة والحدث ولكن لا يدري أيهما السابق فنقول له ماذا كانت حالتك قبل الزوال؟ فقال كنت محدثاً: فنقول إذاً أنت الآن طاهر وإن قال كنت قبل الزوال متطهراً فنقول أنت الآن محدث.
هذا الجزء الأول من المسألة وهو أن نتصور المسألة.
باقي التعليل: لماذا الحنابلة يذهبون إلى مثل هذا المذهب؟
стр. 126
التعليل: نقول إذا كان الإنسان تيقن الطهارة والحدث بعد الزوال وكان قبل الزوال محدثاً فنقول أن هذا الحدث ارتفع قطعاً بالطهارة التي بعد الزوال.
وأما الحدث الذي بعد الزوال فيحتمل أنه هو الحدث الذي كان قبل الزوال واستمر ويحتمل أنه حدث مستجد فدخل الاحتمال على الحدث واليقين على الطهارة.
والقول الثاني: أنه يجب عليه بكل حال أن يتطهر.
وهذا القول - الثاني - هو الراجح احتياطاً.
ختم المؤلف ’ الباب بأحكام المحدث من حيث الأشياء التي لا يجوز له أن يفعلها.
• فقال ’:
ويحرم على المحدث: مس المصحف
مس المصحف محرم على المحدث عند الحنابلة بل عند الأئمة الأربعة بل عند جمهور السلف والخلف بل حكي إجماعاً.
واستدلوا: بدليلين:
الدليل الأول: قوله تعالى ﴿لايمسه إلا المطهرون﴾ وقد استدل شيخ الاسلام بهذه الآية وقرر الاستدلال كما يلي:
- بعبارة مبسطة - قال نحن نقر أن هذه الآية في اللوح المحفوظ والمقصود بهم الملائكة لكن نقول أن في الآية إشارة إلى أن القرآن الذي نزل أيضاً لا يمسه إلا لمطهرون كما أن اللوح المحفوظ في السماء لا يمسه إلا المطهرون.
فالاستدلال من باب الإشارة التنبيه لا من باب النص.
هكذا قرر شيخ الاسلام الاستدلال بهذه الآية.
وبهذا نتجاوز الخلاف في أنه هل الآية يقصد بها اللوح المحفوظ أو المصحف.
الدليل الثاني: في الكتاب الذي كتبه النبي ‘ لعمرو بن حزم ((وإن لا يمس القرآن إلا طاهر))
وهذا الحديث تلقته الأمة بالقبول واستدلوا به.
القول الثاني: ذهب إليه الظاهرية وهو أنه يجوز للإنسان أن يمس المصحف.
قالوا: لا يوجد دليل لا من الكتاب ولا من السنة الصحيحة يدل على المنع.
والصواب مع الجماهير. لأن في الأدلة التي ذكروها كفاية ومستند.
• ثم قال ’:
والصلاة.
يعني يحرم على المحدث الصلاة. وتحريم الصلاة على المحدث وبطلانها منه محل إجماع من الفقهاء ويدل عليه الحديث الصحيح عن ابن عمر أن النبي ‘ قال لا يقبل الله صلاة بغير طهور.
فمن السنة والإجماع.
• ثم قال ’:
والطواف
стр. 127
ذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد إلى أنه يشترط لصحة الطواف ارتفاع الحدث الأصغر واستدلوا بحديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال إن الطواف مثل الصلاة إلا أنه الله أباح فيه الكلام.
والقول الثاني للأحناف أن الطواف لا يشترط له الطهارة من الحدث.
قالوا والصواب في حديث ابن عباس أنه موقوف عليه.
وهذا القول اختيار شيخ الاسلام.
وهو القول الأقرب للصواب. لكن من فوائد العلم أن الإنسان يعلم الآن أن اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر في الطواف مذهب جمهور الأئمة وهذا يوجب له الاحتياط بأن لا يطوف إلا متطهراً ويوجب له أن يوصي غيره بالاحتياط.
فمن فوائد العلم أن يعرف الإنسان قوة الخلاف وضعفه. خلافاً لمن نرى من بعض إخواننا أنه إذا عرف الراجح صار كأن القول الثاني لا قيمة له فهذا خطأ من حيث العلم بل يجب أن الإنسان إذا رأى قوة الخلاف أن يحتاط في العبادة.
وبهذا نكون انتهينا من باب نواقض الوضوء ونبدأ مستعيناً بالله ب باب الغسل .
باب الغسل
• قال ﵀:
باب الغسل.
الغسل: هو استعمال الماء في جميع البدن على وجه مخصوص. هكذا عرفه الفقهاء وقول الإنسان الغسل أسها من هذا التعريف. فما يتبادر إلى ذهن المسلم منى معنى الغسل أسهل من هذا التعريف الذي يذكره الفقهاء.
• قال ﵀:
وموجبه: خروج المني.
يخرج من الإنسان أربع سوائل:
المني والمذي والودي والرابع من المرأة وهو ماء المرأة.
فيحتاج طالب العلم أن يعرف الفرق بينها.
فالمني: ماء أبيض ثخين أو غليظ. فهو ماء ولونه أبيض وثخين ورائحته وهو رطب كرائحة العجين. ورائحته وهو يابس كرائحة البيض إذا جف.
المذي: ماء أبيض لكنه رقيق.
فيتوافق مع المني في أن كلاً منهما ماء وأبيض إلا أنه رقيق بخلاف المني فهو ثخين. ومن علاماته الخروج بعد الملاعبة أو التفكير.
الودي: ماء أبيض ثخين. ومن علاماته الخروج بعد البول.
فإن قلت كل من المني والودي يشتركان بنفس التعريف: ماء أبيض ثخين لكن لا يمكن أن يقع الخلط بين المني والودي لأن المني كما سيأتينا لا يخرج إلا دفقاً ولأن الودي يخرج بعد البول.
ماء المرأة: الذي يقابل المني بالنسبة للرجل. قال الفقهاء ماء أصفر رقيق.
стр. 128
فحصل بهذا التفريق بين هذه المياه التي تخرج وكل منها يوجب ما لا يوجبه الآخر - حسب التفصيل الذي سيأتينا في هذا الباب.
• قال ﵀:
خروج المني دفقاً بلذة.
إذاً أول موجب من موجبات الغسل خروج المني دفقاً بلذة.
والدليل على أن هذا من موجبات الغسل مارواه أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: الماء من الماء.
الماء الأول ماء الاغتسال. والماء الثاني: يقصد به المني.
وهذا الحديث في صحيح مسلم.
إذاً حديث الماء من الماء. دليل على أصل المسألة وهو وجوب الاغتسال من خروج المني.
ثم قال: دفقاً بلذة.
إذاً يشترط الحنابلة لوجوب الاغتسال بخروج المني أن يخرج دفقاً بلذة.
وهذا مذهب الحنابلة بل هو مذهب الجمهور. - الحنابلة والمالكية والأحناف.
واستدلوا بحديث علي بن أبي طالب - أن النبي ﷺ قال: إذا فضخت الماء فاغتسل.
قال أهل اللغة: والفضخ هو خروج الماء على وجه الغلبة والسرعة.
فالحديث نص في أنه إذا لم يخرج فضخاً فإنه لا يوجب الاغتسال فإذا خرج من الإنسان مني بسبب المرض فإنه عند الجمهور لا يوجب الاغتسال وإنما يوجب أن يغسل الإنسان الموضع ويتوضأ فقط.
إذا يشترط لكي يوجب الاغتسال أن يخرج دفقاً بلذة.
وذهب الشافعية: إلى أن خروج المني بحد ذاته ولو لم يكن دفقاً ولا لذة يوجب الاغتسال.
واستدلوا: بحديث أبي سعيد السابق الماء من الماء. والنبي ﷺ في هذا الحديث لم يشترط إلا خروج الماء.
أجاب الجمهور عن هذا الحديث بجوابين:
الأول: قالوا هو منسوخ بحديث علي.
والجواب الثاني: - وهو أقوى - أن الماء في حديث أبي سعيد يقصد به الخروج الغالب وهو أن يكون دفقاً بلذة. لأن الأصل في خروج المني من الرجل أن يخرج دفقاً بلذة.
أما خروجه بسبب مرض فهو أمر عارض لا يتحدث عنه النص.
إذاً نحمله على الغالب نحمل حديث الماء من الماء على الغالب.
وبهذا يكون ما قرره الجمهور وهو اشتراط أن يكون دفقاً بلذة يوجب الاغتسال هو الصواب الذي تدل عليه النصوص.
стр. 129
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
• يقول المؤلف ﵀:
لا بدونهما من غير نائم.
معنى قوله لا بدونهما: أي أن المني إذا خرج بلا دفق ولا لذة فإنه لا يوجب الاغتسال وهذا تقدم معنا.
لكن المؤلف أكد على هذا المعنى ليعطف عليه قوله من غير نائم.
المراد أن النائم ونحو النائم كالسكران والمغمى عليه والمجنون هؤلاء لا يشترط في وجوب الغسل أن يكون خروج المني دفقاً بلذة بل مجرد خروج المني من هؤلاء يوجب الاغتسال.
والأصل فيهم النائم: وقيس عليه المجنون والسكران والمغمى عليه.
الدليل: قالوا أن هذا الوصف - الوصف بدفقاً بلذة - لا يشعر به أمثال هؤلاء فعلق الحكم على مجرد الخروج فإذاً النائم لا يشترط أن يكون دفقاً بلذة.
ولو وجدنا سكراناً على ثيابه آثار المني فنقول يجب أن تغتسل وكذا المغمى عليه ولا يشترط أن يذكر هذا المعنى.
مسألة - مهمة يذكرها أهل العلم عند الحديث في أحكام النائم:
إذا استيقظ الإنسان من النوم ووجد بللاً فما الحكم؟
نريد أن نذكر هذا المعنى بصورة مبسطة فنقول:
إذا استيقظ النائم ووجد بللاً فإن المسألة لا تخرج عن ثلاث صور.
الأولى: أن يتحقق أنه مني: فنقول يجب عليك أن تغتسل ولو لم تذكر احتلاماً.
الثانية: أن يتحقق أنه ليس منياً. فلا جب عليه أن يغتسل وإما عليه الوضوء وغسل ما أصابه هذا البلل من ثيابه وجسده.
الثالثة: إذا قال لا أدري: - وهذه الصورة محل الإشكال - فنقول في هذه الصورة لا يخلو الأمر من ثلاث صور:
١. إما أن يسبق النوم تفكر أو ملاعبة فنقول هذا البلل مذي لأن المذي يخرج بعد الملاعبة أو التفكر.
٢. أو أن يذكر احتلاماً فنقول هذا البلل مني ويجب عليك أن تغتسل
٣. أن يتردد ولا توجد قرائن أخرى فهنا اختلف الفقهاء ﵏:
القول الأول: من الفقهاء من قال يجب أن يغتسل وهو مذهب الحنابلة واختيار ابن القيم لأن الأصل في الخارج من النائم أن يكون منياً.
والقول الثاني: قالوا: أنه لا يجب بهذا البلل شيء لأن الأصل السلامة وعدم الوجوب.
وهذا القول هو الراجح.
فلو قيل لك: متى يجب على النائم إذا استيقظ ووجد بللاً أن يغتسل؟
فتقول: في صورتين: - أن يتيقن أنه مني
- أن يتذكر احتلاماً وإن لم يتحقق أنه مني.
стр. 130
في ما عدا هاتين الصورتين على القول الراجح لا يجب على من وجد بللاً أن يغتسل وهذا في الحقيقة ضابط يريح كثيراً من الناس وهذه كما تعلمون مسألة تمس الحاجة إليها ويقع فيها كثير من الناس.
• ثم قال ﵀:
وإن انتقل ولم يخرج اغتسل له.
هذه المسألة من مفردات الحنابلة وهي:
أن الاغتسال يجب بمجرد انتقال المني. دليلهم: قالوا: إذاً انتقل من مكانه فقد صدق عليه اسم الجنابة لأن الجنابة مشتق من البعد وهذا باعد مكانه.
وإذا كانت الجنابة شتقة من البعد صدق على هذا الشخص الذي انتقل منيه من مكانه أنه أصابته جنابة.
والقول الثاني: أن انتقال المني بمجرده بلا خروج لا يوجب الاغتسال.
لقول النبي ﷺ الماء من الماء ولحديث أم سلمة أنها قالت للنبي ﷺ هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت فقال النبي ﷺ نعم إذا هي رأت الماء.
ففي الحديثين تعليق وجوب الغسل بخروج المني لا بمجرد الانتقال.
وفي الحقيقة هذه من أضعف مفردات الحنابلة.
والراجح قول الجمهور وهو عدم الوجوب.
• ثم قال ﵀:
فإن خرج بعده لم يعده.
يعني إذا انتقل المني من مكانه ثم اغتسل ثم خرج بعد ذلك مني يعني بعد الاغتسال فإنه لا يجب عليه أن يعيد الاغتسال لسببين:
الأول: أنه موجب واحد فلا يوجب غسلين.
والثاني: أن خروج المني عادة سيكون بدون دفق ولا لذة - وتقدم معنا أن خروجه بهذه الصفة لا يوجب الاغتسال.
إذاً انتهينا من تحرير مذهب الحنابلة في مسألة انتقال المني وعرفنا تفصيل القول عندهم ﵏. والقول الثاني وأيهما أقرب إلى الدليل.
• قال ﵀:
وتغييب حشفة أصلية في فرج أصلي، قبلاً كان أو دبراً، ولو من بهيمة أو ميت.
الموجب الثاني من موجبات الغسل: تغييب الحشفة فإذا غيب الإنسان الحشفة في فرج أصلي فقد وجب عليه الغسل.
- وضابط التغييب أن يتحاذى محل القطع منه ومنها فإذا تحاذى المحلان فقد وجب الاغتسال ولا يمكن أن يكون محل القطع من الذكر محاذياً لمحل القطع من فرج الأنثى إلا بتغييب قدر الحشفة.
والدليل على الوجوب: قول النبي ﷺ في حديث أبي هريرة الصحيح إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل.
وفي رواية في صحيح مسلم وإن لم ينزل.
стр. 131
فإذاً عرفنا من كلام المؤلف أن تغييب الحشفة بمجرده يوجب الاغتسال وإن لم ينزل المجامع وقد كان عدد من أصحاب النبي ﷺ يرون أنه لا يجب الاغتسال إلا بالإنزال وإن أولج بلا إنزال فلا غسل ثم لما بلغهم أن هذا الحكم منسوخ رجعوا إلى الحكم الناسخ وهو ما في حديث أبي هريرة من وجوب الغسل وإن لم ينزل.
وعلى هذا استقر الأمر بين العلماء أن مجرد الإيلاج يوجب الاغتسال وإن لم ينزل.
قوله: حشفة أصلية في فرج أصلي: إذاً يجب أن تكون الحشفة أصلية والفرج
أيضاً أصلي احترازاً من الخنثى لأن آلة الخنثى زائدة ولا حكم للزائد ولا حرمة له لأنه عضو زائد لا تتعلق به الأحكام.
إذاً عرفنا أن هذا القيد قيد معتبر.
• ثم قال ﵀:
قبلاً كان أو دبراً.
سواء أولج الرجل في القبل أو أولج في الدبر فإن الغسل واجب أما القبل فأمره واضح وأما الدبر فقال الفقهاء الدبر فرج أصلي فيصدق عليه أنه إذا أولج فيه وجب الغسل.
وهنا نتنبه إلى قاعدة أشار إليها عدد كبير من الفقهاء المعاصرين والمتقدمين:
أن الفقهاء أحياناً يذكرون المثال ويبينون حكم المثال بغض النظر عن الحكم التكليفي للفعل.
فجماع الزوج لزوجته من الدبر محرم بل اعتبره عدد من العلماء من الكبائر ومنهم الذهبي ولكن المؤلف لا يريد بيان حكم الجماع مع الدبر وإنما يريد بيان أحكام الغسل فلا يؤخذ من هذا الموضع حكم الجماع في الدبر.
• ثم قال ﵀:
ولو من بهيمة أو ميتة.
يعني أنه يجب الإغتسال حتى لو جامع بهيمة أو حتى لو جامع امرأة ميتة.
الدليل: قالوا: الدليل أن النصوص عامة لم تفرق بين الحي والميت. فالماء من الماء عام.
والقول الثاني: أن جماع الميتة لا يوجب غسلاً لأن النبي ﷺ يقول ثم جهدها والميتة لا تجهد لأنها ميتة والصحيح مذهب الحنابلة. أن هذا يوجب الغسل لأن قوله ﷺ ثم جهدها خرج مخرج الغالب لا للتقيد.
• ثم قال ﵀:
وإسلام كافر.
الموجب الثالث: إسلام كافر. د
ذهب الحنابلة واختاره ابن القيم إلى أن إسلام الكافر يوجب الاغتسال واستدلوا بأن النبي ﷺ لما أسلم قيس بن عاصم أمره بأن يغتسل والأمر دليل الوجوب.
وذهب الجمهور إلى أن اغتسال الكافر إذا أسلم لا يجب.
стр. 132
واستدلوا: بأن عدداً كبيراً من أصحاب النبي ﷺ ومن الوفود التي وفدت عليه أسلموا ولم ينقل أنه أمرهم بأن يغتسلوا. ولو أمرهم لنقل.
ودليل الجمهور في الحقيقة دليل قوي.
أي القولين أرجح؟
في الحقيقة المسألة الخلاف فيها قوي والاحتياط أن يغتسل لأن الأدلة فيها نوع تعارض وقوة في الاستدلال والثبوت.
• ثم قال ﵀:
وموت.
الموت يوجب الغسل: فيجب على أولياء الميت أن يغسلوه.
والدليل أن النبي ﷺ لما مات الحاج الذي وقصته الناقة قال اغسلوه بماء وسدر فأمر بغسله لما مات وأيضاً في حديث أم عطية أن النبي ﷺ قال للنسوة اللاتي غسلن ابنته اغسلنها ... الحديث.
وهذا أمر وهو يدل على الوجوب.
ولا أعلم أن في المسألة خلافاً.
فصار الدليل من الإجماع والسنة.
• ثم قال ﵀:
وحيض.
من موجبات الغسل الحيض لقوله تعالى ﴿حتى يطهرن فإذا تطهرن﴾ قال المفسرون معنى قوله فإذا تطهرن أي اغتسلن والأولى حتى يطهرن: أي حتى يتوقف الحيض والنبي ﷺ قال للمستحاضة فإذا ذهبت عنك - يعني الحيضة - فاغتسلي.
فصار الدليل مركب من الآية والحديث. وأيضاً هو محل إجماع.
• ثم قال ﵀:
ونفاس.
وهو الموجب السادس. النفاس موجب من موجبات الاغتسال والدليل عليه الاجماع فلم يختلف العلماء في وجوب الاغتسال وأيضاً القياس على الحيض.
• ثم ذكر مسألة من مسائل النفاس فقال ﵀:
لا ولادة عاريَة عن دم.
يعني أن المرأة إذا ولدت ولم يخرج مع الولد دم مطلقاً - فهي طاهرة مباشرة ولا يجب عليها اغتسال أصلاً. وهل يتصور أن تلد المرأة بلا دم؟
قال الأطباء والفقهاء: أنه يتصور وقد وقع.
الأمر الثاني: مالدليل على أن المرأة إذا ولدت بلا دم لا غسل عليها.
الدليل أن الشارع الحكيم: إنما أمر النفساء بالاغتسال لخروج الدم بدليل أن النبي ﷺ سمى الحيض نفاساً فقال لعائشة في الحج أنفست. فعلمنا من هذا الحديث أن موجب الاغتسال هو خروج الدم لا مجرد الولادة وهذه المسألة قليلة الوقوع لكن لا بد من معرفة حكمها الشرعي.
لما انتهى من تعداد موجبات الغسل انتقل إلى ما يترتب على هذا الحدث الأكبر.
• فقال ﵀:
ومن لزمه الغسل حرم عليه قراءَة القرآن، ويعبر المسجد لحاجة، ولا يلبث فيه بغير وضوء.
ومن لزمه الغسل: من هو الذي يلزمه الغسل؟
стр. 133
الحائض والجنب والنفساء.
الحائض والنفساء حكمهما واحد.
والجنب حكمه مستقل.
بعد أن عرفنا من الذي يلزمه الغسل فنبدأ بأحكام كل من واحد من المشمولين بهذه العبارة:
أولاً: الجنب: ذهب جماهير الأئمة - منهم الائمة الاربعة وغيرهم من الفقهاء إلى أن الجنب لا يجوز له أن يقرأ القرآن واستدلوا بحديث علي أنه قال لا يحجب النبي ‘ عن القرآن شيء ليس الجنابة.
وهو نص في أن النبي ‘ إذا كان جنباً أنه لايقرأ القرآن.
وهذا الحديث ضعفه الإمام أحمد ومال الإمام الدارقطني إلى أنه موقوف على علي.
الدليل الثاني: أنه صح عن أمير المؤمنين عمر أنه كره للجنب أن يقرأ القرآن.
وفي الباب أدلة كثيرة ومنازعات لكن لا يصح في هذا الباب أي حديث مرفوع إلى النبي ‘.
القول الثاني: وذهب إليه: قلة من أهل العلم منهم ابن عباس فقد صح عنه في صحيح البخاري أنه يرى جواز قراءة الجنب للقرآن.
وذهب إلى هذا القول سعيد بن المسيب وداود الظاهري ونصره بقوة ابن حزم.
واستدلوا بحديث عائشة أنها قالت كان النبي ‘ يذكر الله على كل أحيانه.
والقرآن ذكر.
واستدلوا بأنه لا يوجد دليل على المنع والخلاف في هذه المسألة قوي والاحتياط فيها متعين ومن حيث الأدلة فإن الراجح الجواز.
مالجواب عن أثر عمر -؟ - فإنه يجب أن يعتاد طالب العلم أن يقف مع آثار الصحابة ويقف أكثر مع أقوال الخلفاء الأربعة.
وأن لا تمر عليه الآثار عن أبي أو عمر أو عثمان أو علي هكذا.
الجواب: أن قاعدة الإمام أحمد أن الصحابة إذا اختلفوا اجتهدنا نحن في النظر في الأدلة. وهنا اختلفوا فقد صح عن ابن عباس قول يختلف عما صح عن علي وعمر فننظر في الأدلة وإذا نظرنا فيها فإنه لا يوجد ما يدل على التحريم مع كثرة اتصاف المسلمين في العهد النبوي بالجنابة. وإن كان كما قلت أن الاحتياط في هذه المسألة متعين لأن الجماهير والائمة الاربعة والفقهاء السبعة إلا سعيد بن المسيب كلهم يرون التحريم.
ثانياً: الحائض: أيضاً ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز للحائض أن تقرأ القرآن واستدلوا بحديث ابن عمر لا أحل القرآن لحائض ولا جنب والجواب عليه أنه حديث ضعيف.
стр. 134
والقول الثاني: الجواز - جواز قراءة الحائض للقرآن - وهو رواية عن الامام أحمد ومذهب مالك واختيار شيخ الاسلام ابن تيمية وأيضاً نصره ابن حزم.
- إذا قيل لك - قبل ذكر الأدلة أيهما أقوى - أي أيهما الاحتياط فيه أهون في قراءة الجنب أو في قراءة الحائض؟
الجواب: الحائض. إذاً الخلاف في الحائض أقوى لأن كثيراً من أهل العلم يرى أن الاختلاف في قراءة الجنب ضعيف وأن الأصل أنه لا يقرأ.
وقالوا - أصحاب القول الثاني: أنه لا يوجد دليل صريح صحيح يدل على منع الحائض من قراءة القرآن.
والدليل الثاني: أن النبي ‘ قال لعائشة لما حاضت في الحج افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي فلم يستن إلا الطواف ومعلوم أن الحاج كثير العبادة وأن من أعظم العبادات في عشر ذي الحجة للحاج وغيره قراءة القرآن ومع ذلك لم يمنعها إلا من الطواف.
وإذا كان الراجح في الجنب جواز قراءة القرآن فمن باب أولى في الحائض.
لا حظنا أن مجموعة من أهل العلم فرقوا بين الحائض والجنب في هذه المسألة وهذا التفريق شن عليه ابن حزم حملة قوية جداً وقال أن هذا التفريق ليس له أي معنى. كيف تفرقون بين الحائض والجنب؟
فإن قلتم أن مدة الحيض أطول من مدة الجنابة: قال هذا دليل عليل وضعيف لماذا؟ لأن القراءة إذا كانت محرمة لا يؤثر فيها طول وقصر المدة.
وبحث ابن حزم في هذه المسألة بحث جيد من حيث الاستدلال وإن كان لا يوافق أبدا على الالفاظ التي يستخدمها في حق الائمة لأنه ’ يستخدم أساليب وألفاظ قوية لاتنبغي مع الائمة وهذا يجب ان يحذر منه طالب العلم إذا قرأ في المحلى فإنه ليس من أخلاق أهل العلم أن يستخدموا ألفاظاً غير مهذبة مع أقوال الأئمة وإن كان الإنسان يرى أنها مرجوحة.
• ثم قال ’:
ويعبر المسجد لحاجة.
أفادنا المؤلف حكمين:
أولاً أنه يجوز للجنب أن يعبر.
ثانياً: أنه يجوز بشرط الحاجة.
هذا مذهب الحنابلة الدليل: استدلوا: بقوله : ولا جنبا إلا عابري سبيل.
فالآية نصت على جواز عبور المسجد بالنسبة للجنب.
стр. 135
يحتاج الحنابلة الآن على دليل: اشتراط الحاجة والواقع ليس لهم دليل ولذلك القول الثاني: وهو مذهب الحنابلة جواز المرور ولو لغير حاجة والدليل عموم الآية لأن الآية لم تفرق بين وجود الحاجة وعدمها.
وهذه المسألة من المسائل التي خالف فيها الماتن المذهب الاصطلاحي للحنابلة.
فإذا قيل لك: ماهو مذهب الحنابلة فماذا تقول؟
جواز المرور مطلقاً.
• ثم قال ﵀:
ولا يلبث فيه بغير وضوء.
أفاد المؤلف ﵀ أيضاً حكمين:
الأول: أنه لايجوز للجنب أن يلبث في المسجد.
الثاني: أنه يجوز إذا توضأ.
فنحتاج دليلاً: للأمرين:
الدليل على أنه لا يجوز للجنب أن يلبث في المسجد. قوله تعالى: ولا جنباً إلا عابري سبيل.
فغير العابر ممن يريد اللبث لا يجوز له أن يبقى في المسجد بصريح الآية.
بقينا في الدليل على أنه يجوز اللبث إذا كان بوضوء:
الدليل أثر عن عطاء بن يسار وهو من كبار التابعين. قال رأيت عدداً من أصحاب النبي ﷺ يبيتون ويمكثون في المسجد وهم جنب إذا توضؤوا وضوء الصلاة.
وهذا الأثر اسناده إلى عطاء جيد وممن صححه ابن مفلح في المبدع وإن كان ليس من أهل الصنعة لكن على كل حال قال إسناده صحيح.
فهذا الأثر يدل على أن الصحابة كانوا إذا توضأوا بقوا في المسجد وإذا لم يتوضؤوا لم يمكثوا في المسجد.
وبهذا انتهى المؤلف ﵀ من بيان الأحكام المترتبة على اتصاف الإنسان بالجنابة وهي:
تحريم قراءة القرآن. وتحريم اللبث في المسجد وجوازه مع الوضوء.
ثم لما انتهى المؤلف من بيان الموجبات وما يتعلق بها انتقل إلى المسنونات قبل الصفة.
• قال ﵀:
ومن غسل ميتاً، أو أفاق من جنون أو إغماء بلا حلم: سن له الغسل.
يسن الغسل في مسألتين:
من غسل ميتاً ومن أفاق من جنون أو إغماء.
- ومن غسل ميتاً سن له الغسل: لحديث أبي هريرة من غسل ميتاً فليغتسل ومن حمله فليتوضأ.
فقوله من غسل ميتاً فليغتسل نص صريح وهو يدل على الوجوب فلماذا يقول الحنابلة أنه مندوب؟
قالوا: حملناه على الندب لدليل آخر وهو أن أسماء بنت عميس لما غسلت أبي بكر الصديق - سألت أصحاب النبي ﷺ وقالت هل ترون علي من غسل قالوا: لا.
فهذا شبه إجماع من الصحابة. فإذا جمعت بين النصين عرفت أن حكم الاغتسال من تغسيل الميت أنه سنة.
стр. 136
القول الثاني: أن الاغتسال من تغسيل الميت ليس بسنة.
الدليل: قالوا: حديث أبي هريرة صوب الامام أحمد أنه موقوف فهو فتوى من أبي هريرة - قول صحابي وحديث أسماء دليل على عدم الوجوب ولا الندب.
وفي الحقيقة الاقوال في المسالة ثلاثة.
١. الاستحباب
٢. الوجوب أخذاً بحديث أبي هريرة.
٣. أنه لا يستحب ولا يجب.
لم أقف على قول رابع فلو كان قيل بهذا القول الرابع لكان هو الصواب: أن الأمر في هذا واسع إن اعتسل فهو مباح وإن ترك فهو مباح.
لأنه صح عن ابن عمر - أنه قال كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل.
فهذه العبارة تفيد أن الأمر مباح وأن فيه سعة. لكن حسب اطلاعي لم أقف على قول رابع يفيد أن الاغتسال من تغسيل الميت مباح لا سنة ولا واجب.
• ثم قال ﵀:
أو أفاق من جنون أو أغماء سن له الغسل.
بالإجماع - بلا خلاف واستدلوا بأن النبي ﷺ لما كان مريضاً مرضه الذي مات فيه أغمي عليه فلما أفاق اغتسل. فعل ذلك مراراً فهذا دليل على أن من أغمي عليه يسن ويشرع له بلا وجوب أن يغتسل لكن ما هو الشيء الواجب على من أغمي عليه.؟
الوضوء. أما الاغتسال فهو مسنون بالاجماع.
• ثم بدء المؤلف ﵀ بصفة الغسل فقال:
والغسل الكامل:
شرع المؤلف بمبحث مهم جداً وهو صفة الاغتسال فقال والغسل الكامل: أفادنا المؤلف أن الغسل ينقسم إلى قسمين كامل ومجزئ.
- فالكامل: ما يشتمل على الواجبات والمسنونات.
- والمجزيء: ما يشتمل على الواجبات فقط.
وبدء بالكامل لأنه أشرف ولأنه عمل النبي ﷺ .
والغسل الكامل: في جميع مباحثه ومسائله ينبني على حديثين.
١. حديث عائشة وهو متفق عليه.
٢. وحديث ميمونة وهو أيضاً متفق عليه.
فحديثيهما ﵄ نقلا للأئمة صفة اغتسال النبي ﷺ الكاملة.
• قال ﵀:
أن ينوي:
يجب وجوباً على من أراد أن يغتسل أن ينوي.
لكن ماذا ينوي؟
الجواب: ينوي رفع الجنابة. أو ينوي ينوي رفع الحدث أو ينوي أنه سيغتسل ليصلي.
إذاً ينوي أنها عبادة مشروعة. أياً كانت النية فإن نوى بالاغتسال التنظف لم ترتفع الجنابة. وإن نوى بالاغتسال التبرد لم ترتفع الجنابة.
فمن شروط صحة الاغتسال أن ينوي.
• قال ﵀:
ثم يسمي.
стр. 137
التسمية في الغسل حكمها حكم التسمية في الوضوء والخلاف في الوضوء كالخلاف في الغسل وقد تقدم معنا أن الصواب أن التسمية في الوضوء سنة وأن القول بأنه غير مشروع أصلاً وجيه جداً وهو مذهب المالكية.
• قال ﵀:
ويغسل يديه ثلاثاً وما لوثه.
أفادنا أيضاً حكمين ما هما:
١. غسل اليدين وأن يكون ثلاثاً.
٢. فنحتاج دليلاًَ لكل منهما:
أما أن من أراد أن يغتسل يسن له أن يغسل يديه قبل أن يبدأ فالدليل عليه:
أولاً: الإجماع.
ثانياً: ثبت في حديث عائشة وفي حديث ميمونة أن النبي ﷺ غسل يديه.
بقفينا في حكم غسل اليدين ثلاثاً: الدليل على ذلك: فقط حديث ميمونة دون حديث عائشة.
لأنه في حديث ميمونة قالت: ثم غسل يديه مرتين أو ثلاثاً. ففيه شك من ميمونة أما عائشة ﵂ فإنها لم تذكر التثليث.
• قال ﵀:
وما لوثه.
يعني أنه يندب للإنسان بعد أن يغسل يديه ثلاثاً أن يغسل ما تلوث من جسمه لقول عائشة ﵂ ثم أفرغ بيمينه على شماله وغسل فرجه قال الفقهاء قول عائشة ﵂ وغسل فرجه لا يعني تقييد الأمر بالفرج بل يغسل الفرج ويغسل ما تلوث من باقي البدن. لحديث عائشة هذا ويجب أن تلاحظ معي أن الترتيب مقصود للمؤلف أن هذا التدرج مقصود وهو موافق للأحاديث الصحيحة.
وأنه يجب أن لا يقدم إذا أراد أن يغتسل الغسل الكامل أحد هذه الأشياء على بعض وإنما يتسلسل كما ذكره المؤلف.
• ثم قال ﵀:
ويتوضأ.
يسن للإنسان بعد أن يغسل ما تلوث من بدنه أن يتوضأ وضوئه للصلاة لدليلين:
- الأول أنه ثابت في الحديثين الوضوء.
- الثاني أن ابن جرير وابن بطال حكوا الاجماع. على مشروعيته.
إنما الخلاف: في هل يجب أو لا يجب؟ وهذا سيتطرق له المؤلف فيما بعد ونذكر الخلاف في هذه المسألة لكن المقصود الآن تقرير أن الوضوء مشروع ومندوب بالاجماع وهو موجود في الحديثين - حديث عائشة وميمونة.
• ثم قال ﵀:
ويحثي على رأسه ثلاثاً ترويه.
يسن للإنسان بعد أن يتوضأ كما هو صريح عبارة المؤلف وكما هو نص في الحديثين أن يبدأ بغسل الرأس قبل الجسد لأن عائشة ﵂ تقول أن النبي ﷺ حثى الماء على رأسه حتى إذا ظن أنه قد أروى غسل رأسه ثلاثاً.
стр. 138
وستلاحظ إذا ركزت أن بين كلام المؤلف ونص الحديث فرق فكلام المؤلف: يدل على أن التروية تكون بالثلاث والحديث يدل على أن التروية تكون قبل الثلاث لكن هكذا الفقهاء قالوا أنه بعد أن يتوضأ يغسل رأسه ويرويه ثلاثاً ولعل الأمر سهل وقريب وبعض الفقهاء قالوا أن الحديث فيه تقديم وتأخير كأنها قالت غسله ثلاثاً حتى أرواه لكن من وجهة نظري أن العمب بمتن الحديث هو الأولى فإذا تقرر هذا نقول تروي الشعر وتكيف الماء عليه فإذا ظننت أنه قد تروى فتغسله ثلاثاً وتكون هذه هي السنة خلافاً لما يصنعه بعض الناس حيث يبدأ بغسل الجسد قبل أن يروي الشعر.
- في حديث عائشة في البخاري في لفظ آخر أنها أشارت إلى أن النبي ﷺ بدأ بشقه الأيمن ثم بدأ بشقه الايسر عندما أراد أن يغسل رأسه. (وقت الآذان)
في صحيح البخاري عن عائشة - أنها قالت أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يغتسل بدأ بشق رأسه الأيمن ثم بشقه الأيسر.
فإذاً التثليث الذي في حديث عائشة وميمونة يبدأ بالشق الأيمن ثم الأيسر ثم الوسط ...... انقطع التسجيل
انتهى الدرس،،،
стр. 139
بالأمس نسينا الحديث عن قول المؤلف ﵀ أو أفاق من جنون أو إغماء بلا حلم.
والمقصود بهذه العبارة كما هو ظاهر أن من أفاق من جنون أو إغماء فإنه يسن فقط له أن يغتسل أن يغتسل إلا إن احتلم حال الاغماء أو الجنون فإنه والحالة هذه يجب عليه أن يغتسل لأن خروج المني كما تقدم معنا من النائم يوجب الاغتسال.
وتقدم معنا أن خروج المني من النائم أيضاً لا يشترط أن يكون دفقاً بلذة وتعليل الحنابلة لاستثناء النائم.
ثم ذكر المؤلف الكلام عن الغسل الكامل وتحدثنا عن ترتيب الغسل الكامل إلى أن وصلنا إلى قوله ويحثي على رأسه ثلاثاً ترويه: وأخذنا المباحث وهو أنه يغسل وأنه يروي وأخذنا لفظ حديث عائشة وأنه يفيد أن الترويه تسبق التثليث وظاهر كلام الفقهاء أن التثليث تحصل به التروية وذكرت لكم أن الأخذ بظاهر الحديث أولى.
ثم وقفت على كلام الحافظ ابن رجب. قال أن هذه سنة غفل عنها أكثر الفقهاء ذكره في كتابه فتح الباري - كتاب حافل عظيم مفيد لطالب العلم ولا ينبغي أن تخلو مكتبة طالب علم منه.
• ثم قال ’:
ويعم بدنه غسلاً ثلاثاً.
- في حديث عائشة وفي حديث ميمونة ذكر لتعميم البدن.
- ففي حديث عائشة قالت: ثم أفاض على بدنه.
- وفي حديث ميمونة قالت: ثم أفرغ على بدنه.
وهذه نصوص صحيحة صريحة في أن الإنسان بعد أن يغسل رأسه ثلاثاً على التفصيل السابق فيشرع له أن يعمم البدن بالغسل.
وفي هذه المناسبة أحب أن أنبه أن حديث عائشة أهم من حديث ميمونة والسبب أن حديث عائشة أخبرت به عن عادة النبي ‘ فقالت كان إذا أراد أن يغتسل فكأن هذا هو فعل النبي ‘ الدائم.
بينما في حديث ميمونة روت اغتسالاً واحداً معيناً فذكرت أنها قربت الاناء للنبي ‘ لما راد أن يغتسل فاغتسل ... الخ.
فتحدثت عن اغتسال معين بينما في حديث عائشة تحدثت عن اغتسال معتاد.
قال: ثلاثاً:
تثليث البدن سنة عند الحنابلة. ودليلهم القياس على الوضوء فإذا كان التثليث سنة في الوضوء ففي الغسل أيضاً يكون بالتثليث. لأن كلاً منهما طهارة لرفع هذا الحدث الأكبر وهذا الحدث الأصغر.
والقول الثاني: أن التثليث في غسل البدن لا يستحب ولا يشرع.
واستدلوا على ذلك بأن الأحاديث الصريحة الصحيحة ليس فيها التثليث في غسل البدن وتقدم معنا أن عائشة قالت ثم أفاض وأن ميمونة قالت ثم أفرغ على بدنه ولم تذكرا تثليثاً.
والصواب القول الثاني أن تثليث البدن في الغسل لا يشرع. تمشياً مع الاحاديث الصحيحة.
فصار في الغسل الذي ذكره الحنابلة ثلاث مواضع يكون فيها التثليث:
- الأول في اليدين.
- والثاني في الرأس.
- والثالث في البدن وهذا صحيح إلا في البدن فإن الصواب فيه عدم التثليث.
• ثم قال ’:
ويدلكه.
يعني يدلك بدنه والجمهور يرون أن الدلك في الاغتسال سنة.
وذهب الامام مالك إلى أن الدلك في الاغتسال واجب.
والصواب مع الجمهور وهو المذهب بدليل أن النبي ‘ كان يفرغ على جسمه والافراغ إسالة الماء بلا دلك وإذا كان النبي ‘ يفرغ والافراغ في اللغة لا يقتضي الدلك صار هذا دليلاً على أنه لا يجب الدلك وإنما يسن.
• ثم قال ’:
ويتيامن.
стр. 140
التيامن في الغسل سنة لدليلين:
الأول: حديث عائشة المشهور أن النبي ﷺ كان يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره. وهذا من الطهور.
الثاني: ما تقدم معنا من أنه في رواية في صحيح البخاري لحديث عائشة أن النبي ﷺ لما أراد أن يغسل رأسه بدأ بشقه الايمن.
والتيامن بالنسبة للغسل يكون بغسل الشق الايمن قبل الشق الايسر.
• ثم قال ﵀:
ويغسل قدميه مكاناً آخر.
غسل القدمين في مكان آخر سنة عند الحنابلة والجمهور بدليل أن ميمونة أخبرت أن النبي ﷺ أخر غسل القدمين إلى أن انتهى من الاغتسال.
فتأخير القدمين ثابت في حديث ميمونة.
أما حديث عائشة ﵂ فليس فيه تأخير القدمين في البخاري: وفيه تأخير غسلهما في صحيح مسلم والصواب أن تأخير غسل القدمين لا يثبت في حديث عائشة لأن هذه الرواية ضعفها الامام أحمد وضعفها أكثر من حافظ من الحفاظ.
والتضعيف هو الصواب. فهي رواية شاذة - لكن بما أن التأخير ثابت في حديث ميمونة فقال الحنابلة هو سنة.
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يسن لأنه لم يذكر في حديث عائشة.
وذهب بعضهم إلى أنه يسن إذا كان المكان غير نظيف وهو مذهب المالكية. حمعاً بين النصوص قالوا: لم يؤخر النبي ﷺ غسل قدميه في حديث عائشة لنظافة المكان وأخر في حديث ميمونة لا حتياجه إلى ذلك لطبيعة المكان - جمعاً بين الأدلة.
وهذا القول - الاخير هو الصواب.
فليس بسنة مطلقاً ولا يلغى مطلقاً.
• ثم قال ﵀:
والمجزئُ:
لما أنهى الكلام على الغسل الكامل المشتمل على المسنونات والواجبات انتقل إلى الكلام عن المجزئ وهو الذي يشتمل على الواجبات ويفهم من هذا أن أي شيء ذكره في الكامل ولم يذكره في المجزئ فهو سنة.
• ثم قال ﵀:
أن ينوي، ويسمي.
تقدم معنا الكلام عن النية والكلام عن التسمية في الغسل الكامل فلا حاجة إلى إعادة الكلام عليهما.
• ثم قال ﵀:
ويعم بدنه بالغسل مرة.
تعميم البدن بالغسل من الواجبات في غسل الجنابة لما ثبت في حديث عمران أن النبي ﷺ رأى رجلاً لم يصل فقال مالك لا تصلي فقال إني جنب ولا ماء ثم أمره النبي ﷺ أن يتيمم ويصلي ثم لما حضر الماء قال النبي ﷺ خذه فأفرغه على نفسك ولم يأمره النبي ﷺ بأي شيء أكثر من ذلك.
стр. 141
وقال النبي ‘ في حديث أم سلمة إنما يكفيك أن تحثي الماء ثلاث حثيات على رأسك ثم تفرغي الماء فتطهرين فقال العلماء إنما يكفيك دليل على أن ما عدا المذكور في الحديث ليس بواجب والمذكور هو تعميم البدن بالماء.
أخذوه من قوله ‘ لها إنما يكفيك.
وعليه يكون تعميم البدن بالماء واجب وهو من أهم الواجبات.
يتعلق بهذه المسألة مسائل مهمة:
المسألة الأولى:
حكم المضمضة والاستنشاق: اختلف الفقهاء فيها:
فالقول الأول: أن المضمضة والاستنشاق من واجبات اغتسال الجنابة. فإذا عمم بدنه بالغسل ولم يتمضمض ويستنشق فاغتساله باطل.
الدليل: قالوا: إذا كانت المضمضة والاستنشاق واجبة في الوضوء ففي الغسل من باب أولى.
الدليل الثاني: أن النبي ‘ في حديث ميمونة قالت ثم تمضمض واستنشق فنصت على المضمضة والاستنشاق.
القول الثاني: أن المضمضة والاستنشاق في الغسل سنة وليس بواجب.
الدليل: حديث عمران بن حصين السابق أنه أمر الأعرابي أن يفرغ الماء على نفسه وحديث أم سلمة السابق إنما يكفيك أن تحثي الماء ثلاث حثيات.
ولم يذكر النبي ‘ في الحديثين المضمضة ولا الاستنشاق.
وهذا هو الراجح أن المضمضةوالاستنشاق سنة.
فلا يعتبر من واجبات الغسل.
المسألة الثانية: هل يجب على المرأة أن تنقض شعرها إذا أرادت أن تغتسل؟
الجواب: فيه تفصيل:
أولاً: في الجنابة: فلا إشكال أنه لا يلزمها أن تحل شعرها لحديث أم سلمة السابق أنها قالت للنبي ‘ إني امرأة اشد ظفر شعري أفأنقضه للجنابة فقال النبي ‘ لا إنما يكفيكي أن تحثي ثلاث حثيات.
فهذه فتوى من النبي ‘ صريحة بعدم وجوب نقض شعر الرأس المشدود في غسل الجنابة.
ثانياً: غسل الحيض:
ذهب الجمهور إلى وجوب نقض الرأس واستدلوا بحديث عائشة أن النبي ‘ قال لها في الحج لما كانت حائض انقضي شعرك واغتسلي وهذا دليل عل وجوب النقض.
الجواب على هذا الحديث من وجهين:
الأول: أن لفظه في البخاري انقضي شعرك وامتشطي ولم يذكر الاغتسال وإنما الاغتسال ورد في سنن ابن ماجه.
الثاني: - وهذا هو الجواب المهم - أن هذ الاغتسال ليس لنهاية الحيض وإنما هو اغتسال للإحرام. بدليل أن عائشة ﵂ أفتاها النبي ‘ هذه الفتوى يوم عرفة.
وقد ثبت أنها لم تطهر إلا يوم العيد.
стр. 142
إذاً لما سألت هذا السؤال كانت حائضاًَ. فهذا الاغتسال والنقض ليس اغتسال للحيض وإنما هو اغتسال للإحرام.
إذاً فلا دليل لهذا الدليل.
القول الثاني: أن نقض الشعر في الحيض سنة وليس بواجب.
استدلوا على هذا بأن أسماء ﵂ سألت النبي ﷺ عن غسل الحيض فأرشدها النبي ﷺ إلى كيفيته ثم قال لها ثم صبي على رأسك الماء وادلكيه دلكاً شديداً ولم يذكر نقض الشعر.
الدليل الثاني: أن ابن عمر وهو من فقهاء الصحابة كان نساؤه وجواريه يغتسلن للحيض والجنابة بلا نقض للشعر مع تحري ابن عمر للسنة وتحريه لمثل هذه الامور فيما يتعلق بالطهارة والاغتسال مع ذلك لم يأمر نسائه - بنقض الشعر لا للجنابة ولا للحيض.
وهذا هو الراجح أنه لا يجب وإن كان كثير من الفقهاء يفرقون بين غسل الجنابة وغسل الحيض. ولكن الراجح عدم الفرق والخلاف يقتضي للمرأة أن تحتاط وأن تنقض شعرها أثناء غسل الحيض لأنه لا يتكرر في الشهر إلا مرة.
• ثم قال ﵀:
ويتوضأ بمد.
النبي ﷺ كان يتوضأ بالمد والمد بالجرامات ٥١٠جرام وهو كمية بسيطة وإذا أردت أن تعرف المد بغير الجرامات فالمد هو ملء كفي الرجل المعتدل وهو يقارب في وقتنا هذا الكأس المعتدل.
• قال ﵀:
ويغتسل بصاع.
الصاع أربعة أمداد فيكون ٢٠٤٠ جرام وهو ما يقارب لترين ونصف تقريباً.
فكان النبي ﷺ يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد وهو لا شك أنه قليل جداً وفي هذا إشارة نبوية إلى النهي عن الاسراف في طهارة الوضوء وفي طهارة الغسل.
• ثم قال ﵀:
فإن أسبغ بأقل ... أجزأ.
يعني لو أن إنساناً استطاع أن يتوضأ بأقل من المد أو أن يغتسل بأقل من الصاع فإنه يجزئه.
فإن قيل: كيف يجزئ والنبي ﷺ سيد الخلق ما كان ينقص عن المد ولا ينقص عن الصاع في الضوء والغسل؟
فما هو الجواب؟
الجواب: من وجهين:
الوجه الأول: أن أكثر العلماء ذكروا أن هذا التحديد تحديد تقريبي من الصحابة فقد ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة - أن النبي ﷺ كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع.
وهذا التحديد منه - تحديد تقريبي.
الوجه الثاني: أن الله أمر بالاغتسال فقال وإن كنتم جنباً فاطهروا ومن تطهر بأقل من الصاع فإنه يصدق عليه أنه تطهر.
ولذلك نقول أنه مجزئ.
стр. 143
تنبيه: في الغالب لا يستطيع الإنسان أن يطبق السنة بأن يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلا إذا كان يتناول الماء تناولاً أما السكب فما يكفي لطهوره.
• ثم قال ﵀:
أو نوى بغسله الحدثين: أجزأ.
ظاهر كلام المؤلف أنه إذا نوى بغسله أحد الحدثين ارتفع ما نواه فقط فإن نوى الغسل وهو الغالب لم يرتفع الحدث الأصغر وهذا هو مذهب الحنابلة - أنه إذا نوى أحد الحدثين لم يرتفع إلا من نواه وهو في الغالب في الغسل سينوي الحدث الأكبر فيبقى الحدث الأصغر وقد تقدم معنا أن القول الثاني أن نية الاغتسال تكفي عن نية الوضوء وأن هذا اختيار شيخ الاسلام ابن تيمية ﵀ وأنه هو الصواب.
فإذا نوى الانسان رفع الجنابة ارتفع الحدث الاصغر وإن لم ينوه خلافاً لمذهب الحنابلة.
• ثم قال ﵀:
ويسن لجنب: غسل فرجه، والوضوء لأكل ونوم ومعاودة وطء
قبل الدخول في المسنونات نتحدث عن أمرين اختلف فيهما:
وهما الموالاة والترتيب:
- أما الترتيب فلا إشكال أنه لا يجب في الغسل لماذا؟ لأن الغسل تعميم لعضو واحد وهو الجسد ولا يوجد ترتيب إلا بين متعددات.
مثال للإخلال بالترتيب: لو بدأ بغسل الجزء الاسفل من جسده. فإنه يجزأه ولو لم يبدأ بغسل الجزء الاعلى وإن كان صريح السنة أن يبدأ الإنسان بالجزء الأعلى.
- الموالاة: أيضاً الجمهور وهو الثابت عن الامام أحمد أن الموالاة سنة وليس بواجب استدل الامام أحمد بأن النبي ﷺ اغتسل ولما انتهى من الغسل وجد لمعة لم يصبها الماء فعصر ﷺ عليها شعره.
هذا الحديث مرسل لكن قيل للإمام أحمد أتأخذ به قال نعم آخذ به وهذا في الغالب لثبوته عنده ﵀ ..
وجه الاستدلال أن غسل هذه اللمعة تم بعد الغسل بعد أن جفت الاعضاء وتقدم معنا في الوضوء أن الموالاة هي أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله.
ففي الحديث النبي ﷺ أخر غسل هذه البقعة التي لم يصبها الماء من جسده إلى ما بعد الاغتسال الكامل وبعد أن جفت الاعضاء واكتفى بغسلها مفردة.
فلو كانت الموالاة واجبة للزمه أن يعيد الغسل.
هذا الدليل الأول.
الدليل الثاني:
стр. 144
قال الامام أحمد فرق بين الوضوء والغسل فإن الوضوء ذكر الله فيه اعضاء مترتبة متوالية فلزم فيه الترتيب والموالاة بينما ذكر في الاغتسال أن يتطهر فكيفما تطهر أجزأه.
وهذا الاستنباط من الإمام أحمد دقيق وهو من الشواهد التي يرد بها على من قال أن الإمام أحمد اشتغل بالتحديث أكثر من الفقه.
وقد ساق هذا الاستدلال عدد من أهل العلم وأعجبوا به من المتقدمين.
فهو استدلال جيد من الامام أحمد.
وخلاصته أن الإمام أحمد يقول: الله أمرنا أن نتطهر وأن نغسل البدن فكيفما غسلنا البدن أجزأ سواء كان متوالياً أو متفرقاً.
بخلاف الوضوء فإن الله أمر فيه بغسل مرتب متوالي.
والراجح عدم الوجوب. ويميل إليه البخاري أما الإمام أحمد فهو مذهبه وقرره.
إذاً الجمهور لا يرون الموالاة من الواجبات وهو الراجح وإليه يميل البخاري.
والقول الثاني: لعدد قليل من أهل العلم أن الموالاة واجبة وهو مرجوح.
• ثم قال ﵀: - بعد أن أنهى الكلام على الغسل المجزئ.
ويسن لجنب.
هذه المسنونات خارجة عن الاغتسال وإنما هي سنن إضافية لا علاقة لها بالاغتسال:
يسن لجنب غسل فرجه: يسن للجنب قبل أن ينام أن يغسل فرجه بدليل حديث عائشة في الصحيحين أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن ينام غسل فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة.
فهذا سنة ثابتة صحيحة بلا إشكال وهذه أيضاً من السنن التي يغفل عنها كثير من الناس.
• ثم قال ﵀:
والوضوء:
الدليل على الوضوء لمن أراد أن ينام هذا الحديث أيضاً - حديث عائشة السابق.
والدليل الثاني: حديث عائشة الآخر أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوئه للصلاة.
إذاً سنن ثابته وأحاديثها في الصحيحين لا إشكال فيها.
• ثم قال ﵀:
ومعاودة وطء.
يسن للإنسان إذا أراد أن يعاود الوطء أن يغتسل وأيضاً حديثه في الصحيحين وهو أن النبي ﷺ قال إذا أراد أحدكم أن يعاود الوطء فليتوضأ.
وفي رواية خارج الصحيحين فإنه أنشط للعود.
стр. 145
إذاً كل واحد من هذه السنن الثلاث ثابتة في الصحيح لكن ظاهر كلام الحنابلة أن الجنب إذا أراد أن يأكل أو ينام أو يعاود الوطء يستحب له في الجميعأن يغسل فرجه وأن يتوضأ بينما تقدم معنا أن الحديث الذي فيه غسل الفرج - حديث عائشة في الصحيحين - إنما نص على غسل الفرج في حال واحدة وهي إذا أراد أن ينام فقط.
ولذلك نقول أن غسل الفرج سنة عند النوم دون الاكل ومعاودة الوطء.
لأن الحديث إنما هو فقط في مسألة النوم. وكما مر معنا أن السنن تحتاج إلى دليل لإثباتها ولا دليل على مسألة غسل الفرج لإعادة الوطء أو الأكل خلافاً للحنابلة.
هذه مسألة.
المسألة الثانية:
صرح الحنابلة أن الجنب إذا أراد أن ينام فإنه يستحب له أن يتوضأ فإن ترك الوضوء كره له ترك الوضوء.
- وأريد أن أبين شيئاً: أن الأمور المستحبة لا يقال لتركها مكروه - فإذا لم يجب الإنسان المؤذن فهل نقول أنك فعلت مكروه أو نقول أنك تركت سنة. بدون فعل مكروه.
في هذه المسألة بالذات الحنابلة يقولون: الوضوء للنوم سنة لكن ان تركه فقد فعل مكروهاً.
وإن تركه في الأكل والمعاودة قالوا: إن تركه في ذلك فإنه قد ترك سنة ولا يكره.
إذاً الكراهة تختص بالنوم.
إذاً مذهب الحنابلة في النوم أنه إذا أن ينام الجنب فيستحب له أن يتوضأ.
وهذه المسألة مهمة وحاجة الناس إليها كثيرة ولذلك نذكر الخلاف في حكم النوم بلا وضوء.
القول الأول: وهو مذهب الحنابلة أن النوم بلا وضوء مكروه - مايقال مباح - جائز لكن مكروه.
الدليل: قالوا نحمل الأحاديث الواردة على الندب - حديث عائشة في الصحيحين أنه كان إذا أن ينام توضأ - فيحمل على الندب.
وحديثها الآخر إذا أراد أن ينام أو يأكل توضأ - يحمل الندب.
وهذا القول هو مذهب الجماهير.
القول الثاني أن الوضوء للنوم واجب فإذا نام جنباً بلا وضوء فهو آثم.
وهذا القول منسوب إلى الامام مالك في رواية أما مذهبه فهو سنة واختار هذه الرواية من المالكية ابن حبيب - وهو من كبار علماء المالكية.
واستدلوا بحديث عمر ابن الخطاب أنه سأل النبي ‘ أينام أحدنا وهو جنب فقال النبي ‘ نعم إذا توضأ.
وإذا أداة شرط وهي تعني أنه إذا لم يتحقق المشروط لم يجز الفعل.
следующие страницы →