← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96613

شرح زاد المستقنع - أحمد الخليل

أحمد الخليل

Полный текст (2 909 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وهذا صحيح حديث ابن عباس فيه الطعام وحديث جابر فيه الطعام وحديث ابن عمر أيضاً في الصحيحين فيه الطعام إنما حديث زيد ليس فيه الطعام فيه أنه نهى أن تباع السلع. وبما تقدم ظهر لك ان دليلهم الاعتماد على الأحاديث التي فيها التنصيص على الطعام وان الجواب على هذا أن هذه الأحاديث وإن كانت نصت على الطعام فالأحاديث الأخرى نصت على باقي السلع ثم الذين رووا هذه الأحاديث كجابر وابن عباس رأوا أن الحديث لا يختص بالمطعومات وإنما يتناول جميع السلع. هذه الأقوال: ـ أربعة. هي الأقوال التي اخترت أن أذكرها لكم لأنها أقوى الأقوال وبالنظر أيضاً إلى من رجح هذه الأقوال وإلا المسألة فيها نحو ثامنية أقوال وهذا يحقق ما قاله الشيخ أنه كثر تنازع العلماء فيها لخفار المآخذ والاستدلال بالنصوص. الأقرب للصواب والله أعلم الذي تدل عليه فتاوى الصحابة هو القول الثاني: أنه لا يجوز للإنسان أن يبيع أي شيء إلا بعد أن يقبضه. ومما يدل على رجحان هذا القول: الثاني. حديث عائشة أن النبي ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن. وهذه الأعيان قبل القبض ليست مضمونة على المشتري وإنما على البائع ولا يأتي الشرع بأن يجعل الربح لإنسان والضمان على آخر بل الربح والضمان دائماً متلازمان في الشرع. فكون النبي ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن يدل على رجحان القول الثاني. فهو إن شاء الله أقرب الأقوال. - ثم قال ﵀: - وإن تلف قبله: فمن ضمان البائع. يعني: وإن تلف المبيع قبل القبض فهو من ضمان البائع. السلعة قبل القبض من ضمان البائع. لماذا؟ لأن القاعدة أن الضمان يتبع التصرف ولو أجزنا للمشتري أن يتصرف لصار الضمان عليه فإذا منعناه من أن يتصرف لم نجعل الضمان عليه. فإذاً: الضمان والتصرف متلازمان إذا منعته من التصرف فارفع عنه الضمان. هذه هي قاعدة المذهب. = والقول الثاني: ان الضابط في الضمان ليس هو المنع من التصرف وإنما هو التمكن من القبض فكل سلعة لا يتمكن المشتري من قبضها فليس عليع ضمانها. وكل سلعة يتمكن المشتري من قبضها فعليه ضمانها.

стр. 1472

وإلى هذا القول ذهب شيخ الإسلام ﵀ وانتصر له وذكر لهذا أمثلة فقال: نجد أن الشارع جعل المبيع إذا كان ثمراً على رؤوس الشجر فالضمان على البائع. لماذا؟ لأن المشتري لا يتمكن من أخذ المبيع جملة واحدة لا حتياجه أن يأخذ منه على دفعات ليتفكه به وليتمكن من تصريفه في السوق ولعلل أخرى. ولأنه لم ينضج .... إلى آخره. إذاً: لما وجدنا الشارع جعل الضمان في الثمر إذا بيع على رؤس النخل على البائع بحثنا عن السبب فوجدنا أنه لعدم تمكن المشتري من قبض هذا المبيع. أيضاً الشارع جعل الضمان على البائع في المكيل لأن المشتري لا يتمكن من قبضه إلا بكيله ووزنه وعده. وكيله ووزنه وعده هو القبض كما سيأتينا فما دام لم يكل ولم يوزن ولم يعد لا يستطيع المشتري ولا يتمكن من قبضه فالضمان ليس عليه. فمثلاً: إذا اشترى الغنسان عشرين كتاباً متشابهاً متى يتمكن من قبض هذه الكتب؟ إذا عدها البائع وسلمها إياه. قبل ذلك هي من ضمان البائع لأنه لن يتمكن من القبض إلا بالعد. إذا اعتبرنا الكتب معدودة وهي تباع عند بعض الناس بالوزن وإنما يبيعها بالوزن من لا يعرف قيمة الكتب وإنما ينظر إلى الورق والورق يباع بالوزن لكن الكتاب ليس ورقة وإنما معنى ولذلك سيأتيكم إن قدر حقوق التأليف وحكم بيع وشراء حقوق التأليف وهي ترجع إلى مضمون الكتاب. المهم الآن اختلف الفقهاء كما ذكرت لكم الآن في ضابط الضمان: فعند الحنابلة الضابط ملازم للقبض فما لم يقبض لا يضمن وما قبض ضمن. وعند شيخ الإسلام ضابط الضمان هو التمكن من القبض. ولعلك إذا تأملت إذا رجعت إلى المنزل وتأملت ستجد أن الفرق بين القولين يسير وأنه لا يتصور إلا في صور قليلة جداً وإلا بين القولين تقارب كبير جداً. لأن المشتري إذا تمكن من القبض يقبض وإذا تمكن من القبض وبذله البائع ولم يقبض هو فالضمان عليه فالتمكن من القبض قريب من القبض. لكن على كل حال هذه قاعدة شيخ الإسلام وهذه قاعدة المذهب. - ثم قال ﵀: - وإن تلف بآفة سماوية: بطل البيع. يعني: المبيع. بطل البيع. إذا تلف المبيع بآفة سماوية فإن البيع يبطل. ومقصود المؤلف ﵀ بقوله: (بطل) أي: انفسخ. والفرق بين الانفساخ والبطلان:

стр. 1473

أن البطلان إنهاء للعقد من أصله. والفسخ إنهاء للعقد من حين الفسخ فبينهما فرق كبير. وعلى طريقة الفقهاء التدقيق في الألفاظ كان ينبغي على المؤلف ﵀ أن يقول: انفسخ. إذاً إذا تلفت السلعة بآفة سماوية فهي من ضمان البائع. والآفة السماوية هي كل ما يصيب السلع ويؤدي إلى تلفها بغير إرادة الإنسان. كأن يصيبه الحريق أو صاعقة أو يغرق ... إلى آخره مما ليس للإنسان فيه يد ولا يتصرف فيه. ويلحق بالآفة السماوية ما أتلفته الحيوانات لأنه لا يمكن تضمين الحيوان ويلحق بالآفة السماوية ما أتلفه آدمي لا يمكن تضمينه فهذا يلحق أيضاً بالآفة السماوية. ومن هنا نستطيع أن نخرج بقاعدة: يلحق بالآفة السماوية كل ما لا يمكن تضمينه. لكن إذا تأملت ستجد أن ما لا يمكن تضمينه يكاد ينحصر في المثالين: ما أتلفه الحيوان. وما أتلفه آدمي لا يمكن تضمينه. ولذلك سواء جعلت قاعدة أو ذكرت الحكم مباشرة. - قال ﵀: - وإن أتلفه آدمي: خير مشتر بين فسخ وإمضاء ومطالبة متلفه ببدله. إذا أتلفه الآدمي ولو كان هذا الآدمي هو البائع فإنه يخير بين الفسخ وبين الإمضاء ومطالبة المتلف. الدليل على هذا التخيير: - القياس على خيار العيب لأن في كل منهما ثبوت حق للمشتري بسبب آفة أصابت السلعة. ففي الحقيقة إتلاف السلعة هو في معنى العيب فثبوت الخيار مقيس على خيار العيب. - لكن المؤلف ﵀ هنا يقول: - ومطالبة متلفه ببدله. المقصود: بـ (بدله) هنا: يعني: بمثله فإن لم يوجد مثله فالقيمة. المثل عند الحنابلة: ينحصر في: المكيل والموزون الذي لا صنعة للآدمي فيها فقط ما عداه فهو ليس مثلي وإنما قيمي. فكل عين نعتبرها مثلية فالواجب عند الإتلاف مثلها. وكل عين نعتبرها قيمية فالواجب عند الإتلاف قيمتها. إذاً: لا يقى علينا إلا تحديد ما هو المثلي؟ وإذا عرفت ما هو المثلي؟ عرفت تبعاً لذلك القيمي. إذاً: الحنابلة يرون أن المثلي كل مكيل وموزون لا صنعة للآدمي فيها. يعني: غالباً ما سيكون: القمح والحبوب والثمار هذه هي المثليات. = القول الثاني: أن المثلي هنو كل ما يوجد نظيره ومساو له في الصفات بلا اختلاف يعتد به.

стр. 1474

وهذا المفهوم يوسع المثليات إلى كل ماله نظير وربما لم يأت في زمن من الأزمان كثرة المثليات في مثل زمننا هذا لأنه يكثر المصانع التي تنتج السلع المتشابهة تماماً. إذاً: القول الثاني: هو ... ((الأذان)) بعد أن عرفنا الخلاف في هذه المسألة: الراجح: القول الثاني. وينبني على ذلك أنه لا يجوز أن نبدأ بالقيمة ويوجد للسلعة نظير ومثال. فإذا كان لها مثلي فيجب أن نحضر هذا المثلي وتبرأ الذمة به. فإذا لم يوجد فحينئذ نرجع إلى القيمة. ويجب أن تتساوى السلعتان في كل الصفات المعتبرة التي يعتد بها أهل الخبرة. وإذا اختلف البائع والمشتري في هل هذا مثلي أو ليس بمثلي؟ فالمرجع في ذلك إلى أهل الخبرة. فإذا قالوا: هذا مثل هذا فما يوجد بينهما من اختلاف فغير مؤثر فيعتبر مثله تماماً وإذا كان مؤثر فلا شك أنه لا يتعبر مثلي. فالموديل الآن بالنسبة للسيارات يعتبر فارق مؤثر أو غير مؤثر؟ يعني: سيارتين تماماً لا يوجد بينهما أي فرق حتى في الممشى إلا أن هذا موديل وهذا موديل؟ يؤثر بلا إشكال ولا نحتاج لأهل الخبرة بل هو مؤثر مطلقاً لأن انتاجهم هذه السيارات. فإذاً ستجد هنا في هذا المثال الذي اخترته أن بين السلعتين من التطابق تام لأنه إذا تخلف الشركة أي صفة فستجد أن بينهما تطابق تام جداً لا يوجد فرق إلا هذا الموديل ومع ذلك هو مؤثر. ما دام أنه فارق مؤثر في السعر وفي نظرة الناس فهو فارق يعتد به. - ثم قال ﵀: - وما عداه: يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه. (وما عداه) الإشارة إلى المكيل والموزون ونحوه ما عداه يجوز للإنسان أن يتصرف فيه فور تمام العقد ولو لم يقبض المشتري السلعة. بناء على هذا: يجوز في الحيوانات إذا لم تبع على سبيل العد وفي السيارات وفي عامة السلع يجوز للإنسان أن يبيع بمجرد تمام العقد. لأن المنع من البيع إنما هو خاص بالمكيلات والموزونات وما يحتاج إلى توفيه والحيوانات والسيارات وغيرها لا تحتاج إلى توفيه. استدل الحنابلة على الجواز في مثل هذه السلع: - بحديث ابن عمر أنه قال: كنا نبيع البعير بالبقيع بالدراهم ونقتضي عنها دنانير ونبيع بالدنانير ونقتضي عنها دراهم.

стр. 1475

وجه الاستدلال: قال الحنابلة: فهذا ابن عمر يبيع الثمن قبل قبضه. وأجاب أصحاب القول الثاني بأن هذا بيعاً لما في الذمة ونحن نتحدث عن البيوع المعينة. ففرق بين بيع ما في الذمة وبين بيوع الأعيان الموجودة المعينة. وبذلك يتبين أن الأمر ليس كما قال الحنابلة ليس كل ما عدا المكيل والموزون يجوز بيعه بمجرد العقد بل جميع السلع لا يجوز أن تباع ولا أن تشترى إلا بعد القبض. وأما ما هو الذي سيحقق القبض فسيتكلم عنه المؤلف ﵀ بتوسع.

стр. 1476

شرح كتاب البيع الدرس رقم (١٤) قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. قبل أن نشرع في درس اليوم قوله ﵀: (وإن كان ديناً حالاً) يسأل كثير من الإخوة ما معنى: (ديناً حالاً) الدين إما أن يكون مؤجلاً أو حالاً، والدين المؤجل هو الدين الذي ضرب له مدة يسلم فيها الدين، وأما الحال فهو الدين الذي يستحق التسليم مباشرة، يعني: المبلغ النقدي غير المعين، فالدين يقصد به المؤلف ﵀: ما في الذمة، فإذا اشترى زيد من عمرو سيارة بألف ريال غير معينة ولا مؤجلة فهي دين ولكنه حال، فهو دين لكنه في الذمة، فكل ما لم يعين فهم في الذمة، فهذا يؤدي إلى أنه دين، ولما لم يضرب له أجل معين فهو دين جال. فهذا هو معنى هذه العبارة. كنا قد توفقنا بالأمس عند قوله ﵀: (وما عداه: يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه). - ثم قال ﵀: - وإن تلف ما عدا المبيع بكيل ونحوه: فمن ضمانه. إذا تلف ما عدا المبيع بكيل ونحوه فمن ضمانه أي: من ضمان المشتري. وبعبارة أخرى: إذا تلف المبيع الذي يجوز التصرف فيه قبل قبضه فهو من ضمان المشتري على الخلاف السابق في الأشياء التي لا يجوز التصرف فيها قبل القبض. والمؤلف ﵀ يقول: (ما بيع بغير كيل ووزن) لأن الحنابلة يرون أن ما لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه هو المكيل والموزون. والدليل على ذلك:

стр. 1477

- قول النبي – ﷺ – (الخراج بالضمان). - وأيضاً: أن هذا المبيع دخل في ملك المشتري وجاز له التصرف فيه فهو من ضمانه. وهذه المسألة مبنية تماماً على المسألة الأولى من مسائل هذا الفصل وهي: ما هي الأشياء التي يجوز التصرف فيها قبل القبض والأشياء التي لا يجوز التصرف فيها قبل القبض. ولذلك نقول: القول الراجح في هذه المسألة: أن جميع الأعيان إذا بيعت فإنه لا يجوز التصرف فيها وهي من ضمان البائع وليست من ضمان المشتري، بناء على القول الراجح الذي رجحناه في تلك المسألة. إذاً: عرفنا الآن معنى قول المؤلف – ﵀: (وإن تلف ما عدا المبيع بكيل ونحوه: فمن ضمانه). * * مسألة / تقرر بما سبق أن كل ما لا يصح التصرف فيه فليس بمضمون، يعني: بالنسبة للمشتري، لكن هذه القاعدة عكسها ليس بصحيح مطلقاً، فليس كل ما يصح التصرف فيه فهو من ضمان المشتري، بمعنى: قد يصح التصرف في بعض الأعيان ومع ذلك تبقى من ضمان البائع، مثاله: نذكر له مثالين: - - المثال الأول: بيع الثمر على رؤوس الشجر. فهذا يجوز للمشتري أن يتصرف فيه ومع ذلك يبقى من ضمان البائع - المثال الثاني: ما منع البائع المشتري من قبضه. فهذا يجوز للمشتري أن يتصرف فيه ومع ذلك هو من ضمان البائع. الخلاصة: أن كل ما لا يجوز التصرف فيه فهو من ضمان البائع، وليس كل ما يجوز التصرف فيه فهو من ضمان المشتري بل قد يجوز التصرف ويبقى الضمان مع ذلك على البائع. هذا إذاً بيان للقاعدة وبيان لعكس القاعدة وأن فيها استثناء. - يقول المؤلف – ﵀: - ما لم يمنعه بائع من قبضه. فإن منعه بائع من قبضه فهو من ضمان البائع، ولو كانت السلعة مما يجوز التصرف فيه قبل قبضه. وأيضاً: ولو كان البائع منع المشتري من قبض السلعة لضمان الثمن. ففي الصورتين: الضمان على البائع. قال الفقهاء: ويضمنه البائع على وجه ضمان الغصب فيأخذ أحكام ضمان الغصب بمعنى أنه يضمن السلعة والنماء المنفصل والمتصل، وذلك لأن يد البائع في هذه الحال يد متعدية وهو يضمن مطلقاً كضمان الغاضب.

стр. 1478

ثم انتقل المؤلف – ﵀ – إلى موضوع آخر وهو مهم جداً أيضاً، وينبغي عليه مسائل كثيرة وهو مسألة القبض واختلاف الأعيان فيها. - يقول المؤلف – ﵀: - ويحصل قبض ما يبع بكيل أو وزن أو عد أو ذرع: بذلك، وفي صبرة وما ينقل بنقله وما يتناول بتناوله وغيره: بتخليته. المؤلف – ﵀ – يريد بيان أحكام القبض. والقبض في اللغة: تناول الشيء بجميع الكف. ومفهوم هذه العبارة: أنه إذا تناول الشيء ببعض الكف أو بالأصابع فليس بقبض في اللغة. وأما في الشرع: فالخلاف فيه طويل جداً ومتشعب ومضطرب لكن نحن سنلخص الخلاف على وفق ما ذكر المؤلف – ﵀ – فلاحظ معي الآن في المتن: - المؤلف – ﵀ – قسم الأشياء المبيعة إلى أربعة أقسم: - القسم الأول: ما بيع بتقدير: وأشار إليه بقوله (بكيل أو وزن ... إلخ). - القسم الثاني: ما بيع جزافاً: وأشار إليه في بقوله (وفي صبرة ... ). - القسم الثالث: المنقولات: وأشار إليه بقوله (وما ينقله بنقله ... ). - القسم الرابع: المتناولات: وأشار إليه بقوله (وما يتناول بتناوله). - والقسم الخامس والأخير: العقارات وأشار إليه بقوله (أو وغيره .. ). في الحقيقة تقسيم المؤلف – ﵀ – تقسيد جيد جداً ونحن سنتكلم عن كل قسم من هذه الأقسام ليتبين للإنسان تماماً كيفية القبض. - يقول – ﵀: - ويحصل قبض ما بيع بكيل أو وزن أو عد أو ذرع: بذلك. = ذهب الأئمة الأربعة إلى أن ما بيع بقدر أي بتقدير: من مكيل وموزون ونحوه فإن قبضه يحصل بذلك، أي: بكيله وبوزنه وبعده وبذرعه. = وذهذب الأئمة الثلاثة: إلى أن هذه الأشياء تقبض بذلك ولو بدون النقل. = وذهب الإمام الشافعي فقط من بين الأئمة الأربعة إلى أن هذه الأشياء لا يتم القبض فيها إلا بذلك مع النقل. إذاً عرفنا الآن أن ما بيع بقدر (بتقدير) عند الأئمة الأربعة حتى الأحناف يحصل القبض بذلك: يعني: بعده وكيله ووزنه إلا أن الشافعية أضافوا إلى ذلك أنه لابد من النقل. الدليل على أصل المسألة وهو: أن هذه الأشياء تقبض بالكيل والوزن والعد. - قول النبي – ﷺ : (إذا بعت فكل، وإذا ابتعت فاكتل). فهذا الحديث صريح بأن البيع يتم بالكيل.

стр. 1479

- واستدلوا بحديث ابن عباس السابق معنا: أن النبي – ﷺ : (نهى أن يباع الطعام حتى يستوفى) والاستيفاء يكون بذلك يعني: بالكيل والوزن والعد والذرع. واستدل الشافعية على وجوب النقل: - بأن النبي – ﷺ : نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم. فالحديث نص على أنه لا يجوز أن تباع حتى تحاز يعني: تنقل. والراجح والله أعلم في مسألة بيع الموزونات والمكيلات مذهب الجمهور وأنه لا يلزم من تمام القبض النقل. وأما الجواب عن حديث: نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم. فالجواب عنه: أن هذا الحديث مروي في السنن وأصله في البخاري وهو يدل على أن هذا الحديث وارد فيما بيع جزافاً، وبيع الجزاف سيأتينا، وليس في بيع المكيلات والموزونات. وبهذا عرفنا كيفية القبض في المكيل والموزون وكثير من المبيعات اليوم إنما تباع على سبيل الكيل أو الوزن أو العد، فإذا تم العد والتمييز لها فقد تم القبض، ولا يشترط أن تنقل. - ثم قال – ﵀: - وفي صبرة. الصبرة: كما تقدم معنا: هي الكومة من الطعام غير معلومة المقدار. فحكمها: = عند الحنابلة: أنه لابد في قبضها – أي ما بيع جزافاً – من النقل والتحويل، فإن لم تنقل أو تحول فلم تقبض. واستدل الحنابلة ومعهم الشافعية على هذا الحكم: - بحديث ابن عمر الذي أخرجه الإمام البخاري ومسلم أنه قال: كنا نشتري الطعام جزافاً من الركبان ثم نبتاعه فنهانا النبي – ﷺ – عن بيعه حتى ننقله. ولفظ النقل موجود في الصحيح، وفي لفظ أيضاً في الصحيح: كان التجار يضربون على ذلك. يعني: على بيع الطعام جزافاً قبل نقله. = والقول الثاني: وهو مذهب الأحناف. أن بيع الطعام جزافاً يتم قبضه بمجرد التخلية ولا يشترط لا النقل ولا التحويل. واستدلوا على هذا: - بأن النبي – ﷺ – نهى عن بيع الطعام حتى يستوفى. والاستيفاء يكون بوضع اليد مع التخلية.

стр. 1480

والراجح إن شاء وبلا إشكال: أن ما بيع جزافاً لا يقبض إلا بالنقل والتحويل، والسبب في ترجيح هذا القول: أن الأحاديث متكاثرة جداً في أن ما بيع جزافاً لابد من نقله، في الصحيحين وألفاظهما نص في المسألة ولا يمكن الخروج عن مثل هذه الأحاديث بأي تعليل كان، فإن النقل والتحويل جاء منصوصاً في الأحاديث إذا بيع الطعام جزافاً، فالراجح في مسألة البيع جزافاً أنه لابد من نقله وتحويله. - ثم قال – ﵀: - وما ينقل بنقله. ما ينقل من الأعيان المبيعة لابد من نقله: كالأخشاب والأمتعة والحيوانات والسيارات، فهذه الأعيان يشترط في قبضها: أن تنقل. استدل الحنابلة على هذا الحكم: - بالقياس على بيع الجزاف. قالوا: إذا كان النص دل على أنه لابد من نقل الأعيان إذا بيعت جزافاً فكذلك ما ينقل. - واستدلوا كذلك: بالعرف. قالوا: أن العرف جرى أن مثل هذه الأعيان لا يكتفى في قبضها بوضع اليد بلا نقل. وهذه المسألة تعتبر هي أهم مسائل القبض لأن كثيراً من الأعيان المبيعة منقولة. = القول الثاني: أنه يرجع في قبض هذه الأعيان المنقولة إلى العرف. وإلى هذا ذهب الإمام مالك، فننظر إلى العرف في كيفية قبض هذه الأشياء ونعمل به. = القول الثالث: وهو للأحناف. أن قبض المنقولات بالتخلية فقط. واستدلوا على هذا: - بأن قبض المنقولات يكون بتسليمها للمشتري بلا مشارك وهذا يحصل بالتخلية، فإن البائع إذا حلًى بين المشتري والسلعة صارت له سالمة بلا مشارك. الراجح في المنقولات: الراجح والله أعلم: أنه يرجع فيه إلى العرف كما هو مذهب المالكية. من أمثلة الترجيح: إذا باع الإنسان الدابة – الحيوان – فإن العرف أنه بمجرد ما يسلم البائع المشتري هذه الدابة ويخلي بينه وبينها ويسلمه الزمام إذا كان لها زمام فإن المشتري يعتبر: قبض. المثال الثاني: السيارات. جرى العرف الآن أن قبض السيارة يكون – فيما أفهم – بحصول أمرين: - الأمر الأول: كتابة العقد. – والأمر الثاني: تسليم المفتاح. – والأمر الثالث ك نقل الملكية. وأن هذه الأمور الثلاثة أهم من تحريك السيارة.

стр. 1481

فدل العرف اليوم أن قبض السيارات يكون بهذه الثلاثة أمور تسليم المفتاح وكتابة العقد داخل معارض السيارات والثالث نقل الملكية. فإذا حصل هذا الأمر فإن المشتري يعتبر قبض السيارة وله بناء على هذا أن يبيع ولا يشترط تحريك السيارة. المثال الثالث: الأخشاب – مثلاً – فالأخشاب وبقيت في المستودعات فالكل يعلم أن المشتري إلى الآن لم يقبض هذه الأخشاب. إذاً العرف فرق بين بعض المبيعات فجعل النقل في بعضها شرط للقرض ومجرد التخلية أو وضع اليد على الشيء في بعضها يعتبر بمجرده قبض. وأنت الآن تعلم الآن الخلاف الذي سقته على ثلاثة أقوال ورجحنا فيه مذهب ((الحنابلة)) لا تدخل فيه المكيلات والموزونات. - ثم قال – ﵀: - وما يتناول بتناوله. هذا هو القسم الرابع وهي الأعيان التي جرى العرف في أن قبضها يكون بالتناول كالدراهم والثياب والأجهزة الكهربائية ونحو هذه الأشياء التي يكون قبضها بتناولها، وإلى هذا ذهب الجماهير من أهل العلم: أن قبض ما يتناول بتناوله. فالدراهم الآن إذا باع الإنسان ريالاً بدرهم، فهل يكون قبضه بوضعه على الطاولة؟ لا. فلابد من التناول، يعني: لابد أن يتناوله المشتري وأنه يتناول البائع الثمن الآخر. كذلك بيع الألبسة: يكون بالتناول، فإذا اشتريت مثلاً ثوباً بعشرة ريالات ما لم تقبض هذا الثوب وتناوله بيدك لم يحصل القبض فلا يجوز لك أن تبيع – مثلاً – الثوب إذا وضعه البائع على الطاولة التي أمامه ولم تتناوله أنت فلا يجوز لك أن تبيعه ولو سلمت الثمن. إذاً: ما يتناول قبضه بتناوله. ثم انتقل – ﵀ – إلى القسم الأخير وهو: - قوله – ﵀: - وغيره بتخليته. يقصد المؤلف – ﵀ – (بغيره) العقار. ولذلك غيره من الحنابلة يصرح ويقول: والعقار بتخليته، أو بعضهم يقول: وغيره كالعقار بتخليته. ولو أن المؤلف – ﵀ – صرح لكان أوضح وأحسن. إذاً: المقصود بغيره العقارات. تعريف العقارات: العقار عند الفقهاء: هو كل ما لا يمكن نقله كالدور والأراضي والشجر، فدخلت الأشجار معنا في تعريف ما لا يمكن نقله من العقارات.

стр. 1482

قبض ما لا يمكن نقله وهو القسم الخامس يكون بالتخلية، يعني: بأن يخلي البائع بين المشتري والسلعة. مثال يوضح هذا: إذا اشترى زيد من عمرو بيتاً ودفع الثمن ونقل الصك باسم المشتري الجديد لكن ما زال البائع في البيت وطلب من المشتري أن ينتظر عليه يوماً أو يومين أو ثلاثة أو أسبوع إلى أن يتمكن من إخلاء المنزل للمشتري الجديد مع أن المشتري الجديد دفع الثمن وانتقل الصك باسم المشتري الجديد فهل يجوز له أن يبيع؟ لا يجوز. لماذا؟ - لأن قبض العقارات يكون بالتخلية. - ولأن معنى التخلية هو أن يخلي البائع بين السلعة والمشتري. وكل هذا لم يحصل في المثال الذي ذكرت، فإذاً لا يجوز له أن يبيع، فإذا خرج وأعطاه المفتاح فقد خلا بينه وبين العقار. إذاً هذا القسم الثالث. هذا الحكم بالإجماع بالاتفاق: أن ما لا ينقل: قبضه بالتخلية. ومما سبق تبين لك أن الإشكالف هو في مسألتين. - المنقولات. - والمكيلات والموزونات. أما ما يتناول ولا يمكن نقله فهذا لا إشكال فيه، والمسألة الأولى عليها الجماهير، والمسألة الثانية: محل اتفاق إذاً: الإشكال في هاتين المسألتين، أما ما بيع جزافاً فلا إشكال عندي فيه مطلقاً لأن النصوص واضحة، ولو كان بعض الفقهاء قد يذكر فيه خلافاً لكن النصوص فيه واضحة، يبقى الإشكال في المنقولات وهو رقم واحد في محل الإشكال والثاني الموزونات والمكيلات يعني: ما بيع بتقدير. ثم انتقل المؤلف – ﵀ – إلى موضوع آخر: - فقال – ﵀: - والإقالة: فسخ تجوز قبل قبض المبيع بمثل الثمن، ولا خيار فيها ولا شفعة. انتقل المؤلف – ﵀ – إلى حكم الإقالة في نهاية هذا الباب لأن حكم الإقالة يترتب عليه أحكام كثيرة بحسب التخريج الفقهي لها، وسيأتي إيضاح لهذا الكلام. الإقالة في اللغة: هي الرفع والإزالة. وأما في الاصطلاح فهي: رفع العقد ورفع حكمه. وحكم الإقالة من حيث الأصل: أنها مستحبة، لقول النبي – ﷺ : (من أقال مسلماً أقال الله عثرته) وفي لفظ: (يوم القيامة). - قال – ﵀: - الإقالة فسخ. عرفنا ما هي الإقالة وحكمها، باقي أن نعرف حكمها الوضعي.

стр. 1483

فالإقالة عند المؤلف – ﵀: فسخ، وفي هذه المسالة خلاف بين الفقهاء كثير وطويل لكثرة ما ينبني على هذه المسألة من فروع. = فذهب الحنابلة إلى أن الإقالة فسخ يعني: وليست بيعاً جديداً، وأظنكم تعرفون معنى الإقالة مون حيث المعنى العام، فمعنى الإقالة هي: أن يبيع زيد على عمرو بيعاً ثم يندم عمرو ويطلب الإقالة من البائع بأن ترجع السلعة إلى البائع والثمن إلى المشتري. وذكر الفقهاء ﵏ أسبابً كثيرة لا تعنينا للإقالة، أسباب ندم المشتري، فمن أسباب ندمه: أن يظهر له أن السعر مرتفع، ومن أسباب ندمه أن تكون له حاجه في هذه السلعة ثم بعد البيع تنتهي حاجته من السلعة قبل أن يستمتع بها فيريد أن يرد السلعة، ونحن في الحقيقة لا يعنينا ما هي الأسباب التي تجعل المشتري يطلب الإقالة. إذاً: القول الأول: أن الإقالة فسخ وهو مذهب الحنابلة وليست ببيع. واستدلوا على هذا بأمرين: - الأمر الأول: أن الإقالة في لغة العرب هي الرفع والرفع يعني فسخ العقد لا إنشاء بيعاً جديداً. - والأمر الثاني: أن البيع أخذ مسمى خاصاً والإقالة أخذت مسمى خاصاً واختلاف الأسماء يدل على اختلاف الحقائق. = القول الثاني: وهو مذهب المالكية. أن الإقالة بيع جديد، فيشترط لها ما يشترط للبيع، واستثنى المالكية من ذلك صورة واحدة وهي: إذا لم يمكن تحقيق الإقالة باعتبارها بيع فنعتبرها فسخ. مثال: ما لا يمكن. أن يرجع في مكيل مطعوم قبل القبض ونحن أخذنا أن المكيل قبل القبض لا يجوز بيعه وهم يعتبرون الإقالة بيع ففي هذه الصورة لن يمكن للبائع أن يقيل المشتري فيقولون نعتبرها فسخاً ويقيله. دليل المالكية: - المالكية يقولون: أن الإقالة هي عبارة عن مبادلة مال بمال، وهذه حقيقة البيع. = القول الثالث: أن الإقالة فسخ بالنسبة للمتعاقدين، بيع بالنسبة للأجنبي. وهذا مذهب الأحناف وهو من أعجب الأقوال. الدليل: - قالوا: أما الدليل على أنها بالنسبة للمتعاقدين فسخ: فما استدل به الحنابلة وهو: أن الإقالة رفع فليست ببيع جديد.

стр. 1484

- وأما أنها بيع بالنسبة للأجنبي فلأن حقيقة الإقالة مبادلة مال بمال فنعتبرها كذلك بالنسبة للأجنبي لئلا تضيع حق الأجنبي في هذه المبادلة كما في الشفعة، فإذا اعتبرها الإقالة بيع بالنسبة للأجنبي تمكن من استخدام حقه في الشفعة، وإذا اعتبرناها فسخاً بالنسبة للأجنبي لم يتمكن من الشفعة لأن الشفعة تتعلق بالبيع ولا تتعلق بالفسخ. ولا يخفى إن شاء الله أن هذا قول بعيد جداً من الصواب إذ لا يمكن أن نحكم على عقد واحد بأنه في حق المتعاقدين فسخ وفي حق الأجنبي بيع فهذا لا يمكن أن يقع في الشرع لأن العقد الواحد له حقيقة واحدة. فبالغ الأحناف باستخدام العقل في مثل هذه المسألة حتى خرجوا عن المعقول، إذ لا يعقل أن نحكم على عقد واحد بتخريجين فقيهيين. الراجح والله أعلم مذهب الحنابلة وهو أنها فسخ لأن هذا هو حقيقة العقد، لأن مقصود كل من البائع والمشتري في الإقالة رفع العقد لا إنشاء عقد جديد. * * مسألة/ وإذا قلنا إن الإقالة فسخ فهل هي فسخ للعقد من أصله أو فسخ للعقد من حينه؟ اختلف الحنابلة في هذا اختلافاً كثيراً والأقرب والله أعلم الذي مال إليه أيضاً شيخ الإسلام أن الإقالة فسخ للعقد من حينه لا من أصله، يعني: فسخ للعقد من حين اتفق والطرفان على الفسخ، بينما على القول الآخر إذا فسخا العقد تبين أنه مفسوخ من أصل العقد، وتقدم معنا الفرق بين المسألتين مراراً،، فإذا باع زيد على عمرو سيارة وطلب المشتري الفسخ بعد يوم من إجراء العقد، فعلى القول بأنها فسخ. للعقد من أصله يكون العقد انفسخ من متى؟: من اليوم الأول يعني من الأمس، وعلى القول بأن الإقالة فسخ من حينه يكون العقد انتهى من يوم الفسخ، وإذا جرى العقد الآن وطلب الفسخ الآن – جرى العقد في الساعة الخامسة وجرت الإقالة في الساعة الخامسة واتفق الطرفان، فهل هناك فرق بين القولين؟ لا. لا يوجد فرق، لأن وقت الإقالة وأصل العقد صار واحداً.

стр. 1485

تبين الآن معنا أن الإقالة فسخ فسيذكر المؤلف – ﵀ – فروعاً تنبني على القول بأن الإقالة فسخ وأحب أن أشير إلى أن الشيخ الفقيه الكبير ابن رجب ذكر في القواعد أمثلة وفروعاً وفوائد كثيرة تنبني على القول بأن الإقالة فسخ أو أنها بيع، فالإمام أحمد عنه في هذه المسألة روايتان: الرواية الأولى: أنها فسخ، والرواية الثانية: أنها بيع. فيذكر الأمثلة الفقهية ثم يقول على الرواية الأولى: تجوز، وعلى الرواية الثانية: لا تجوز، وذكر لهذا الخلاف فروعاً كثيرة، فمن المفيد جداً لطالب العلم أن يراجعها، فإنته ينمي ملكة الطالب الفقهية على التطبيق فيما اختلف فيه أهل العلم. - قال – ﵀: في بيان بعض الفروع وكأنه اختار بعض المهمة: - تجوز قبل قبض المبيع. هذا هو الفرع الأول: أن الإقالة تجوز قبل قبض المبيع حتى في الأعيان التي لا يجوز أن تباع إلا بعد القبض، لماذا؟ لأن اشتراط القبض إنما هو في البيع، ونحن نفترض أنم الإقالة ليست بيعاً وإنما فسخ، ولذلك يجوز كما قال المؤلف – ﵀: قبل قبض المبيع. الفرع الثاني: - قال – ﵀: - بمثل الثمن. يعني: تجوز الإقالة بمثل الثمن تماماً بلا زيادة ولا نقصان فإن زاد أو نقص فالعقد ليس بصحيح. الدليل: - الدليل على هذا: أن الإقالة عقد موضوع للإرفاق والإحسان برد البيع فإذا زاد في الثمن خرجت عن موضوعها. = القول الثاني: وهذا القول لا يحفظ عن الإمام أحمد نصاً ولكن أومأ إليه إيماء كما قال الحافظ ابن رجب – ﵀ – أما نصاً فليس عن الإمام أحمد نص في الجواز. ما هو القول الثاني؟ القول الثاني: أنه تجوز الإقالة بأكثر من الثمن حتى إذا اعتبرنا الإقالة فسخاً. واستدلوا على هذا: - بأن الزيادة في الثمن تقابل النقص الحاصل برد السلعة. وأريد أن أنبه هنا إلى مسألة: وهي: أن المسائل المترتبة على كون الإقالة فسخ أو بيع لا تأتي في مسألة بمثل الثمن. ما معنى هذا الكلام؟ عن الإمام أحمد رواية أنه: فسخ، وعنه أنها: بيع. فعلى القول بأنها فسخ: لا يوجد في المذهب قول بجواز الزيادة في الثمن. وعلى القول بأنها بيع ففي المذهب قولين في جواز زيادة الثمن، وما هي فائدة هذا الكلام؟

стр. 1486

فائدة هذا الكلام: أنه إذا اخترت أنت أنه فسخ فلا يوجد في المذهب قول بجواز الزيادة على الثمن، وإنما يوجد قول إذا اخترت أنها: بيع. ولذلك يخطئ من يظن أنه يوجد خلاف حتى على القول بالفسخ، لكن كما أشرت في أول الخلاف أشار ابن رجب إلى أن الإمام أحمد أومأ في بعض فتاويه أنه يجوز الزيادة على القول بأنها فسخ، ولولا هذه الإيماءة لم يوجد أحد يقول بجواز الزيادة على القول بأنها فسخ. على كل حال الآن الخلاف ثابت وهو ما أومأ إليه الإمام أحمد. والراجح إن شاء الله: جواز الزيادة بعني: تجوز الإقالة بثمن المثل أو بأكثر إنما هو على القول بأنها فسخ وأما إذا كانت بيع فلا إشكال مطلقاً في جواز الزيادة. - ثم قال ﵀: - ولا خيار فيها. يعني: لا يثبت الخيار في الإقالة. ومقصود المؤلف ﵀ ب (الخيار) هنا: جميع أنواع الخيارات: فليس فيها خيار مجلس ولا شرط ولا عيب ولا أي نوع من أنواع الخيارات، لأن الخيارات تثبت تبعاً للعقود التي فيها معاوضات والإقالة ليست من عقود المعاوضات يل هي من عقود الفسوخ فلا تثبت فيها الخيارات. = والقول الثاني: أنه يثبت في الإقالة خيار واحد فقط وهو خيار العيب، فإذا رد المشتري السلعة على البائع ثم تبين للبائع أن فيها عيباً حادثاً ثبت له الخيار وله أن يرد الإقالة. وهذا القول الثاني هو الصحيح: لأن البائع إنما رضي بالإقالة إحساناً للمشتري فلا يناسب مع ذلك أن يلزمه بالسلعة المعيبة، وليس هذا من مقتضى عدل الشرع. فهذا القول الثاني إن شاء الله هو الصحيح. - ثم قال ﵀: - ولا شفعة. يعني ولا تثبت الشفعة في عقد الإقالة: لأن الشفعة تثبت في المعاوضات طرف أجنبي يستحق الشفعة ولا تثبت في العقود التي ليست من عقود المعاوضات فلا شفعة بالإقالة. وهذا كله مرتب على القول: بأن الإقالة فسخ. * * مسألة / أخيرة في هذا الباب، إقالة الإقالة أيضاً مستحبة، وتأخذ أحكام الإقالة، فإذا أقاله ثم طلب البائع من المشتري أن يقيله من إقالته فالإقالة الثانية أيضاً مستحبة وهي فسخ وتأخذ الأحكام السابقة. باب الربا والصرف - ثم قال ﵀: - باب الربا والصرف. الربا في اللغة الزيادة.

стр. 1487

وفي الشرع: الزيادة أو النسأ في أشياء مخصوصة. وقوله: (والصرف). الصرف: هو بيع النقد بالنقد. وفي هذا الباب من الإشكال نظير ما في الباب السابق وقد صرح الشيخ الحافظ الفقيه المفسر ابن كثير بأن هذا الباب من أشكل أبواب البيوع، وصرح غيره من الفقهاء بأن في هذا الباب إشكالاً وخفاء. - قال ﵀: - يحرم: ربا الفضل. الربا محرم بالكتاب والسنة والإجماع. فمن الكتاب قوله تعالى: (وأحل البيع وحرم الربا). ومن السنة: أحاديث كثيرة: منها: أن النبي ﷺ عد الربا من السبع الموبقات. وهذا إيغال في التحريم. ومنها: أن النبي ﷺ لعن في الربا آكله وموكله وكاتبه وشاهديه. وأحاديث كثيرة في السنة بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف يدل على أن الربا من أكبر الكبائر في الشرع. * * مسألة / وكان في القرن الأول خلاف في ربا الفضل ثم استقر الأمر على تحريم ربا الفضل كتحريم ربا النسيئة، واعتبر كثير من الفقهاء هذا الخلاف منتهياً وأن الإجماع استقر على تحريمه، واعتبر بعض الفقهاء أن الإجماع غير صحيح وأن الخلاف موجود، وبكل حال: الصحيح والذي عليه الجماهير: أن ربا الفضل محرم للنصوص الصريحة الصحيحة الثابتة التي لا مجال لمخالفتها وروي عن المخالف وهو ابن عباس ﵁ أنه رجع. وروي أنه لم يرجع فروي عنه الأمران، لكن في الحقيقة هذه المسألة لا طائل من بحثها واستقر الأمر عند المذاهب الأربعة وفقهاء المسلمين السبعة والفقهاء المتبعين كالأوزاعي والثوري ومن لهم إتباع ولو كانوا انقرضوا وابن حزم وغيره إلى أنه استقر الأمر على أن ربا الفضل محرم كتحريم ربا النسيئة.

стр. 1488

شرح كتاب البيع الدرس رقم (١٥) قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. كنت تكلمت في الدرس السابق عن أول باب الربا وتقدم معنا تعريف الربا والصرف وحكم الربا وتوفقنا على قول المؤلف ﵀: (يحرم: ربا الفضل في مكيل وموزون بيع بجنسه) ومن هنا بداية الشرح إن شاء الله. - فقوله ﵀: - في مكيل وموزون. إشارة من المؤلف ﵀ لعلة تحريم ربا الفضل ليتمكن الطالب من معرفة الأموال الربوية في الشرع. والأصل في هذا الباب حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواء بسواء يداً بيد) هذا الحديث هو أصل الأموال الربوية. وسنأخذ في هذا الحديث عدة مباحث: - المبحث الأول: أن الأعيان الستة المذكورة في الحديث هي من الأموال الربوبية بإجماع العلماء بلا مخالف. - ثانياً: ما عدا هذه الأعيان الستة المذكورة في الحديث انقسم العلماء في إلى قسمين: - منهم من يرى أن هذه الأعيان اعتبرت من الربا لعلة أرادها الشارع فقاس عليها كل الأموال التي تشبهها في العلة. - ومنهم من رأى أن الأموال الربوية هي فقط هذه الأموال الستة المذكورة في الحديث. فتحصل معنا الآن أن هذه المسألة اختلفوا فيها على قولين: = القول الأول: القياس والأخذ بالعلل والمعاني وإلى هذا ذهب الأئمة الأربعة وعامة فقهاء المسلمين والجم الغفير من السلف والخلف. واستدل هؤلاء بأدلة: - الدليل الأول: أن النبي ﷺ قال: (الطعام بالطعام مثلاً بمثل) فقوله ﷺ (الطعام) إشارة إلى أن المعدودات في الحديث لا يقصد الاقتصار عليها. - الدليل الثاني للجاهير: بأن المعلوم والمعهود في الشرع اعتبار العلل والمعاني التي على وفقها جاء الشرع وتعدية الحكم إلى كل ما تنطبق فيه المعاني الموجودة في النص. = القول الثاني: أن الأموال الربوية هي فقط الأعيان الستة. - لأن الشارع الحكيم لو أراد تعدية الحكم إلى غير هذه الأموال الستة لقال " الربا في الموزوزنات والمكيلات " ولم يعدد الأعيان.

стр. 1489

وإلى هذا ذهب الظاهرية واختاره من علماء المعاني والقياس ابن عقيل من الظاهرية والصنعاني من شراح الأحاديث. والراجح إن شاء الله القول الأول: لأن المعهود في الشرع التعويل على العلل والمعاني والقياس. ولأن الشارع كثيراً ما يعلق الحكم بأسماء ونعديه إلى ما يشبه هذه الأسماء من المعاني. - المسألة الثالثة: اتفق الذين يرون تعدية الحكم إلى غير هذه الأصناف الستة – هؤلاء اتفقوا على أن الأموال الربوية المذكورة في الحديث تنقسم إلى فئتين: - الفئة الأولى: الأثمان: وهي الذهب والفضة. - والفئة الثانية: بقية الأعيان الأربعة: البر والشعير والتمر والملح. واتفقوا على أن لكل فئة الفئتين علة خاصة، ثم اختلفوا في تحديد علة الفئة الأولى علة الفئة الثانية إلى أقوال: نبدأ أولاً بعلة الربا في الذهب والفضة. اختلف العلماء في علة الربا في الذهب والفضة إلى أقوال: = القول الأول: وهو المذهب وأيضاً مذهب الأحناف. أن العلة هي الوزن، فكل الموزونات يحرم فيها التفاضل، كالحديد والحرير والنحاس والرصاص وكل شيء يوزن فلا يجوز أن نبيع كيلوا حديد بكيلوين. واستدلوا: - بأن النبي – ﷺ – قال: (مثلاً بمثل، سواء بسواء) فاشترط المثلية والتساوي وهي لا تعلم إلا بالوزن فدل ذلك على أنها علة الحكم. وأجيب عن هذا الدليل: بأن هذا الدليل غير مضطرد، ويشترط في العلة أن تضطرد. دليل عدم الأضطراد: جواز بيع الموزونات بالذهب والفضة فيجوز أن نبيع ذهب بحديد ولو متفاضلاً ولو مؤخراً، فدل هذا على ضعف هذا التعليل. = القول الثاني: أن العلة هي غلبة الثمنية وهي على تختص – عند هؤلاء – بجوهر الذهب والفضة فلا تتعداه إلى غيرهما من المعادن، وهذا مذهب الشافعية. واستدلوا على هذا: - بأن الذهب والفضة لهما صفات لا توجد في غيرهما من الأعيان. وعلى هذا القول: لا يجري الربا في الفلوس ولا في الأوراق النقدية لأن الحكم يختص بعين الذهب والفضة. = القول الثالث: وهو رواية عن الإمام أحمد وقول للمالكية واختيار شيخ الإسلام بن تيمية وابن القيم وعدد كبير من المحققين: أن العلة هي مطلق الثمنية لا غلبة الثمنية.

стр. 1490

وعلى هذا القول يتعدى الحكم إلى كل ما هو أو ما اعتبر أو ما اتخذ ثمناً للأشياء، فيدخل الأوراق النقدية والفلوس وكل ما اتخذ ثمناً للأشياء. واستدل هؤلاء بأمرين: - الأمر الأول: أن النبي – ﷺ – إنما ذكر الذهب والفضة لأنهما أثمان الأشياء. - والأمر الثاني: أن المعنى يدل على هذا القول لأنه يجب أن تكون أثمان الأشياء ثابتة القيمة لا تباع ولا تشترى ولا تزيد ولا تنقص لأنه بها تعرف قيم الأشياء، فإذا كانت تزيد وتنقص لم يمكن أن نعرف أقيام الأشياء. مثال موضح: لو أن الريال صار يباع ويشترى فتارة بريالين وتارة بثلاثة وتارة بريال ثم قيل: كم قيمة هذا البيت؟ أو كم قيمة هذا الإناء؟ مثلاً: فقيل: بريال فهنا يحصل إشكال: ماذا تقصد بريال: الريال الذي قيمته ريالين أو الريال الذي قيمته ثلاثة أو الريال الذي قيمته ريال. فيختل ميزان قيم الأشياء، فدل ذلك على أن كل ما هو ثمن للأشياء يجب أن تبقى قيمته ثابتة. وفي الحقيقة هذا الدليل هو الدليل المعول عليه في رجحان القول الثالث. وعلى هذا القول الثالث تدخل معنا الأوراق النقدية والفلوس وكل ما وضع ثمناً للأشياء. وعلى هذا القول الثالث العمل في باب الربا وفي باب الزكاة، لأنه إذا قيل أن الأوراق النقدية لا تدخل في الأموال الربوية فإنها كذلك لا تجب فيها الزكاة لأن الزكاة والربا كلاهما معلق بمسمى الذهب والفضة وهذه الثمرة تدل على ضعف قول الشافعية بأن الذهب والفضة يجري فيهما لذات معدنها. الخلاصة: أن الراجح إن شاء الله هو القول الأخير وكما قلت عليه العمل وتدل عليه المعاني العامة في الشريعة. ولا يخفى عليكم أن الصنفان الأولان: الذهب والفضة من الموزونات والأربعة المكيلات. ثانياً: علة الربا في الأنصاف الأربعة. اختلف الفقهاء في علة الربا في الأصناف الأربعة: = فذهب الحنابلة والأحناف أيضاً إلى أن علة الربا الكيل فقط ولا يشترط معه أن يكون مطعوماً فكل مكيل فيه الربا سواء كان مطعوماً كالبر والشعير أو ليس بمطعوم كالأشنان، فكل مكيل فهو يجري فيه الربا فلا يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلاً. واستدل هؤلاء: وهم الحنابلة والأحناف.

стр. 1491

- بقريب مما استدلوا به في مسألة علة الذهب والفضة وهو أن الحديث نص على التساوي وهو يعرف بالكيل. والجواب على هذا الاستدلال: أن الحديث وإن نص على التساوي ففيه أيضاً معنى الطعام ويدل على ذلك ويؤكده قوله – ﷺ : (الطعام بالطعام مثلاً بمثل سواء بسواء) فهذا الحديث دليل على اعتبار هذا المعنى وهو وجود الطعم أي أن يؤكل. = القول الثاني: وهو مذهب الشافعية أن العلة في الأصناف الأربعة الاقتياب والادخار، يعني: يشترطون أن يكون مدخراً مقتاتاً. واستدلوا على هذا: - بأن الأصناف الأربعة المذكورة في الحديث تشتمل على المعنيين أنها قوتاً ومدخرة فاعتبرنا المعنى الموجود في النص. وإلى هذا القول ذهب ابن القيم – ﵀. والجواب عليه: أن النص ذكر ما يدخر ويقتات وما لا يدخر ولا يقتات. فمما لا يقتات: الملح، فالملح لا يعتبر من القوت وهو مذكور في الحديث، ومما لا يدخر: بعض أنواع التمر وهو النوع الذي يؤكل رطباً ولا يدخر تمراً يابساً فهذا النوع من التمر لا يدخر ومع ذلك نص الحديث على أن فيه ربا. = القول الثالث: وهو رواية عن الإمام أحمد – ﵀ – واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية أن العلة هي: الطعم مع الكيل أو الوزن. واستدل هؤلاء: بأن هذا في هذا القول جمع بين أدلة المذاهب الأخرى ففيه اعتبار الطعم وفيه اعتبار الكيل. هذه هي الأقوال وكما سمعت: القول الثالث ينسب لشيخ الإسلام ابن تيمية، لكني وجدت للشيخ قولاً آخر في الفتاوى غير هذا القول فيكون له في المسألة قولان: = وهذا القول هو: أن علة الربا هي الطعم مع الاقتيات وما يصلحه، وإنما قال الشيخ – ﵀: (وما يصلحه) ليدخل معنى الملح لأن الملح يتخذ لإصلاح المطعومات التي تتخذ قوتاً بل إن غالب تفريعات شيخ الإسلام – ﵀ – ترجع لهذه العلة لا للعلة المذكورة في القول الثالث.

стр. 1492

وأقوى الأقوال: القول الثالث والرابع، أن العلة: إما أن تكون الطعم مع الكيل أو الوزن أو تكون الطعم مع أن يتخذ قوتاً، وإن كان القول الأخير أظهر فيما يبدو لي، لأن الأعيان المذكورة في الحديث تجمع هذه الصفات وإذا كانت العلة خفية العلة من أجلها جعل الشارع هذه الأموال ربوية ليست ظاهرة ظهوراً بيناً فالواجب أن نأخذ جميع الصفات الموجودة ومن أبرز الصفات الموجودة في المطعومات الأربع أنها قوت للناس يقتاتون فاعتبار هذا الوصف في الحقيقة جيد وسليم ولو كان فيه قول يقول أن العلة هي الطعم مع الكيل والوزن والقوت لكان قولاً قوياً جداً لكني لم أقف على أحد صرح بأن العلة مرتبة من جميع صفات الأموال الأربع لكن لو قيل به لكان قولاً وجيهاً جداً ورجحانه بين في ذلك. وعلى طريقة شيخ الإسلام الذي يقول: يجوز أن نأخذ بعض هذا القول وبعض هذا القول ولا نكون بذلك خرجنا عن الأقوال يكون هذا القول الخامس هو الراجح. وبهذا نضيق نطاق الربا تماماً لأنه لا يوجد الربا إلا حيث توجد جميع الصفات وبهذا يستطيع طالب العلم الآن أن يعرف ما هي الأموال الربوية في تطبيق العلة أياً كانت العلة على الأموال الموجودة في تعاملات الناس فيعرف هل هي من الربا أو ليست من الربا. فإذا قيل لك: هل يجوز بيع النحاس بالنحاس متفاضلاً؟ فستقول: - أما عند الحنابلة فلا لأن العلة عندهم هي الوزن. - وأما على القول الراجح: فنعم. لأن العلة هي الثمنية وليست موجودة في النحاس. إذاً هكذا يستطيع الإنسان أن يطبق العلل. - ثم قال – ﵀: - يحرم ربا الفضل في مكيل وموزون بيع بجنسه. سيبين المؤلف – ﵀ – ما مقصود الفقهاء بقولهم: (بجنسه) لكن الذي يعنينا الآن أنه إذا بيع ربوي بجنسه فإنه يحرم التفاضل فلا يجوز أن نبيع كيلو ذهب بكليوين، ولا كيلو فضة بكيلوين، وهكذا. ولا يجوز أن نبيع صاع بصاعين ولا صاع بر بصاعين وإنما يحب أن نبيع صاعاً بصاع وهو المقصود بالتساوي. والدليل على ذلك: ما تقدم معنا من قوله: (مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد) فهذا الحديث نص على أنه يجب أن نبيع الأعيان الربوية متساوية.

стр. 1493

وتقدم معنا في الدرس السابق أن البحث إنما هو في: ربا الفضل وسيخصص المؤلف ﵀ فصلاً مستقلاً لربا النسيئة. - ثم قال ﵀: - ويجب فيه الحلول والقبض. مقصود المؤلف ﵀ أنه إذا اتحد الجنس فإنه يجب مع التساوي: الحلول والتقابض فمع اتحاد الجنس واتحاد العلة لابد من الحلول والتقابض ولابد من التساوي. وإذا قال الإنسان: اتحاد الجنس فإنه لا يحتاج مع ذلك أن يقول اتحاد العلة لأنه إذا كان الجنس واحد فنحن لسنا بحاجة إلى أن نعرف العلة لأنه هو جنس واحد والجنس في المثال المذكور - مثلاً - الذهب فلا يجوز أن نبيع الذهب إلا بشرطين: - التساوي. - والتقابض. والقسمة هنا في هذه المسألة رباعية لأن عندنا جنس وعندنا علة يخرج الإنسان منهما أربعة أنواع وسيأتينا حكم كل نوع، يعني: - إذا اتفق الجنس اختلفت العلة. - إذا اختلفت العلة اتفق الجنس. - إذا اختلفا كلاهما. - إذا اتفقا كلاهما. وسيأتي في كلام المؤلف ﵀ حكم كل قسم. - ثم قال ﵀: - ولا بياع: مكيل بجنسه إلا كيلاً، ولا موزون بجنسه إلا وزناً. لما بين المؤلف ﵀ وجوب التساوي إذا باع ربوياً بجنسه وأنه يحرم التفاضل بين كيفية معرفة التساوي وهو: أن هذا التساوي الواجب يجب أن يعتبر بمقياسه أو بمعياره الشرعي. ومعياره الشرعي هو: أن المكيل لا يباع إلا بالكيل، والموزون لا يباع إلا بالوزن. فلا يجوز أن نبيع المكيلات بالوزن، ولا يجوز أن نبيع الموزونات بالكيل. السبب: السبب أن الشارع اعتبر تساوي المكيلات بالكيل واعتبر تساوي الموزونات بالوزن فلا يجوز أن ننقل أحدهما للآخر. ولا يخفى عليك أن المعتبر في الكيل هو الحجم والمعتبر في الوزن هو الثقل، فقد يتساوي الشيئان كيلاً ويختلفان في الوزن، وقد يحصل العكس. الدليل على ذلك - على اعتبار الوزن في الموزونات والكيل في المكيلات، الدليل على ذلك: - أن النبي ﷺ قال: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، وزناً بوزن سواء بسواء) وهذا الحديث في مسلم، فقوله: (وزنا بوزن) نص على أن أداة معرفة التساوي هي الوزن وليست الكيل. وأما في المكيلات فالدليل عليه:

стр. 1494

- قوله – ﷺ : (البر بالبر كيلاً بكيل). فهذا دليل على أن المعيار الشرعي في معرفة تساوي المكيلات هو الكيل لا الوزن. واستثنى شيخ الإسلام – ﵀ – من هذه القاعدة الأعيان التي لا تختلف بالوزن والكيل يعني: إن كلتها وتساوت أو وزنتها وتساوت فالأمر واحد، ومثل على ذلك: بالمائعات، فإذا أراد الإنسان أن يبيع ويشتري زيتاً بزيت فإن شاء وزناً وإن شاء كيلاً لأن الأمر سيان لا يختلف في الوزن والكيل بالنسبة للمائعات، وهذا القول من حيث النظر صحيح. لكن لو أن البائع احتاط واكتفى بالمعيار الشرعي المذكور في الأحاديث لكان أولى. - ثم قال – ﵀: - ولا بعضه ببعض جزافاً. لا يجوز أن نبيع الربويات بعضها ببعض جزافاً. - لأن القاعدة الشرعية المتفق عليها أن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل والعلم بالتفاضل فالجهل بالتساوي. إذاً الجهل بالعلم كالعلم بالتفاضل والعلم بالتفاضل محرم بنص الأحاديث السابقة فلا يجوز أن نبيع جزافاً لعدم العلم بالتساوي. - ثم قال – ﵀: - وإن اختلف الجنس: جازت الثلاثة. المقصود بالثلاثة: الكيل والوزن والجزاف. فإذا اختلف الجنس فإنه يجوز التفاضل، وإذا جاز التفاضل جاز لنا أن نبيع المكيلات وزناً والموزونات كيلاً وأن نبيع الجميع جزافاً، لأن التحديد بالكيل والوزن والمنع من الجزاف إنما هو لاشتراط التساوي، فإذا سقط في اختلاف الجنس سقط المعيار الشرعي تبعاً له. فإذا باع الإنسان الذهب بالفضة: هنا اختلف الجنس، فيجوز أن نبيع الذهب بالفضة كيلاً وزناً بزيادة أو بنقص أو جزافاً. وإذا باع الإنسان البر بالشعير فكذلك يجوز أن يبيع بالوزن وبالكيل وبالجزاف لأن التساوي لا يشترط. ثم انتقل – ﵀ – إلى بيان الجنس المذكور في الأحكام. - فقال ﵀: - والجنس: ماله اسم خاص يشمل أنواعاً كبر ونحوه. الجنس هو: الشامل لأشياء مختلفة بأنواعها. بينما النوع هو: الشامل لأشياء مختلفة بأشخاصها. فالنوع: تحت الجنس. فالبر تحته أنواع. والتمر جنس أنواع: كالسكري والبرحي وغيره من أنواع التمر. الذهب جنس تحته أنواع لأن لكل نوع من الذهب بحسب البلدان والجودة اسم خاص فتحته أنواع.

стр. 1495

أما النوع فهو الذي يشمل أشياء مختلفة بأشخاصها، فإذا كان عند زيد بر وعند عمرو بر فهذا البر: جنس تحته أنواع: التمر: جنس تحته أنواع. يقول الشارح ابن أبي عمرو: أن النوع هو الشامل لأشياء مختلفة بأشخاصها، فإذا كان عند عمرو تمر سكري وعند خالد تمر سكري فهذه مختلفة: بأنواعها، يعني: بأشخاصها، فهذا التمر غير هذا التمر وإن كان الجميع من نوع واحد فهي تختلف لكن لا باعتبار الحقيقة وإنما باعتبار ذاتها يعني باعتبار شخصها. مثال آخر: الحيوان جنس تحته أنواع: الإنسان والبقر والغنم هذا عند أهل المنطق هكذا، الحيوان جنس تحته أنواع. إذاً الإنسان بالنسبة للحيوان: نوع. وهو يختلف بأشخاصه فعمرو غير زيد خالد والجميع يعتبر من نوع واحد وهو الإنسان، إذاً: الآن عرفنا المقصود بالجنس. ففي الأموال الربوية كل واحد من الستة يعتبر: جنس. فالذهب: جنس، والفضة: جنس، والشعير: جنس والبر: جنس، والتمر: جنس، والملح: جنس. فإذا قيل: لا يباع الشيء بجنسه إلا متساوياً مع القبض والحلول: يعني: ما نبيع الذهب ولا البر بالبر ... إلخ. إذاً عرفنا معنى قول المؤلف – ﵀: (والجنس ماله اسم خاص أنواعاً كبر ونحوه). - ثم قال – ﵀: - وفروع الأجناس أجناس. فروع الأجناس أيضاً هي أجناس، لأنها تتبع الأصل فإذا كان الأصل جنسا ًفالفرع تابع للأصل فهو أيضاً جنس. لما قرر المؤلف – ﵀ – هذه القاعدة وهي أن فروع الأجنس أجناس مثل لها: - فقال – ﵀: - كالأدِقة: الأدقة: جمع دقيق. فدقيق البر: جنس. ودقيق الشعير: جنس. لماذا؟ لأن فروع الأجناس أجناس. فدقيق البر فرع عن البر، ودقيق الشعير فرع عن الشعير، فهي أجناس كأصولها. - ثم قال – ﵀: - والأخباز. فخبز البر جنس، وخير الشعير: جنس، وهي جنس بالنسبي لغيرها لا بالنسبة لأصلها. فلا يجوز أن نبيع خبز البر بالبر إلا متساوياً. ولا يجوز أن نبيع خبز الشعير بالشعير إلا متساوياً. فهي أجناس (صحيح) لكن لا بالنسبة إلى أصولها وإنما بالنسبة لغيرها. فهل خبز البر جنس بالنسبة للشعير؟ نعم. خبر البر جنس بالنسبة للشعير. وهل دقيق البر جنس بالنسبة لعبيط التمر؟ نعم. صحيح.

стр. 1496

وهل عبيط التمر جنس بالنسبة للتمر؟ لا. لأن الشيء لا يكون جنس بالنسبة لأصله. إذاً عرفنا أن فروع الأجناس أجناس إلا بالنسبة لأصولها. - ثم قال – ﵀: - والأدهان. الأدهان نفس الشيء، نفس القاعدة. فدهن السمسم يختلف عن دهن العود وإن اتفقا في الاسم فكل منعهما يسمى دهناً، لكن ينظر إلى أصله ففروع الأجناس أجناس، فدهن السمسم جنس ودهن العود جنس وكل دهن جنس – مستقل – بالنسبة لأصله، يعين: أن دهن السمسم لما كان دهناً ناتجاً عن السمسم فهو أصل بينما دهن العود ناتج عن العود فهو أصل لكن لا بالنسبة لأصله. فهو جنس بالنسبة لأصله لغيره لكن ليس الجنس بالنسبة لأصله فهل يجوز أن نبيع دهن السمسم بالسمسم؟ لا. لا يجوز إلا بشرط التساوي. إذاً: القاعدة التي ذكرناها في الأدقة والأخباز هي نفسها في الأدهان. - ثم قال – ﵀: - واللحم أجناس باختلاف أصوله. وفي الحقيقة لو طبقت القاعدة السابقة لعرفت هذا الحكم، فهو يقول: أن اللحم بالنسبة لأجناسه أصول، فلحم الماعز: أصل، ولحم البقر: أصل. ولحم الإبل: أصل، ولحم الدجاج: أصل. فاللحوم أجناس بالنسبة لأصولها. فهل يجوز أن أبيع كيلو من لحم الغنم بكيلوين من لحم البقر؟ يجوز. وهل يجب التقابض؟ نعم يجب التقابض. وهذا سيأتينا في ربا النسيئة. إذاً يجب التقابض لكن يجوز التفاضل لأن فروع اللحم تعتبر أجناساً مختلفة إلا أنهم قالوا: أن الضأن والماعزم جنس واحد والقبر والجواميس جنس واحد. أما بالنسبة لباقي اللحوم فكل لحم بالنسبة إلى أصله جنس مستقل. إذاً هذا معنى قول المؤلف – ﵀: (واللحم أجناس باختلاف أصوله). - ثم قال – ﵀: - وكذا اللبن: كذلك اللبن أجناس بالنسبة لأصوله. فلبن الماعز جنس ولبن البقر جنس ولبن الإبل جنس، ولبن كل ما يشرب جنس من المطعومات المباحة شرعاً. بينما لبن الأتان مثلاً – هل هو جنس مستقل أو هو تابع لغيره؟ هو جنس لكنه لا يدخل معنا لأنه لا يجوز شربه. فلا يجوز أن نبيع كيلو من حليب البقر بكيلو من حليب الأتان لا لعلة الربا وإنما لعلة أخرى وهي: أنه تقدم معنا أن من شروط المبيع أن يكون مباح النفع، إذاً هو ممنوع لهذه الجهة. - ثم قال – ﵀:

стр. 1497

- والشحم والكبد أجناس. لما بين – ﵀ – اللحوم بالنسبة للحيوانات أراد أن يبين أجزاء الحيوان الواحد، فهو يقول – ﵀ – اللحم والشحم والكبد كل واحد منهن جنس مستقل، فيجوز أن نبيع كيلو لحم بعشرة كيلو شحم، ويجوز أن نبيع كيلو من الكبد بكيلوين من الشحم، لماذا؟ لأن اللحم والكبد والشحم كل واحد منها جنس مستقل، ما الدليل؟ قالوا: الدليل على هذا أن كلاً من هذه الأشياء يستقل باسم وحقيقة مختلفة، فدل ذلك على أن كل واحد منها يستقل بجنس بالنسبة للآخر. وهذا صحيح. وهذا كله: على القول بأن اللحم من الأموال الربوية. وأما على القول بأنه لابد أن يكون المال الربوي، لابد: يشترط فيه القوت، فهل يعتبر اللحم ربوياً أو ليس من الربويات؟ ليس من الربويات، إلا في مكان يقتاته الناس، والمقصود بالقوت: يعني: أن يكون قوتاً يأكل منه جميع الناس ويشتركون فيه، فهو الآن عندنا ليس بقوت لكن قد يكون من الأقوات في البلاد الباردة فاللحم يعتبر قوتاً ووجبة أساسية. - ثم قال – ﵀: - ولا يصح: بيع لحم بحيوان من جنسه، ويصح: بغير جنسه. هذه المسألة هي مسألة حكم بيع اللحم بالحيوان. = فالحنابلة يقولون: أنه يجوز بيع اللحم بالحيوان إذا كان مكن غير جنسه. فإذا أردت أن تبيع لحم غنم ببقرة، فهل يجوز أو لا يجوز؟ جائز، لأنه بغير جنسه. وإذا أردت أن تبيع لحم غنم بماعز فإنه لا يجوز لأنه بجنسه. وستأتينا الأدلة بالأقوال. = القول الثاني: أنه لا يجوز بيع اللحم بالحيوان مطلقاً بدون تفصيل. واستدل هؤلاء بدليلين: - الأول: مرسل سعيد بن المسيب: أن النبي – ﷺ – (نهى عن بيع اللحم بالحيوان). ومر معنا مراراً أن مراسيل سعيد من المسيب من أصح المراسيل، وأثنى عليها الأئمة ثناءً كثيراً. - الثاني: أنه روي عن أبي بكر الصديق – ﵁ – أنه كره بيع اللحم بالحيوان، وعقب الإمام الشافعي على هذا الأثر بقوله: ولا أعلم خلافاً عن غيره، فظاهر عبارة الشافعي أنه لا يوجد خلاف عن الصحابة أو بين الصحابة عن غير أبي بكر بالمنع. وبعبارة أوضح: لم يخالف أبو بكر أحد من الصحابة.

стр. 1498

= القول الثالث: التفصيل، وهو: إن كان المقصود من بيع اللحم بالحيوان: اللحم فلا يجوز. وإن كان المقصود ببيع اللحم بالحيوان غير اللحم: يعني: الحيوان. فيجوز. مثاله: إذا باع الإنسان لحم الإبل بفرس: فإنه معلوم أن مقصوده الفرس لأن الفرس عادة تتخذ لا للحم وإنما للركوب، فهنا يجوز لأنه لا يقصد اللحم. أما إذا باع لحماً بحيوان يقصد للحم فلا يجوز للنصوص العامة. وظهر من القول الأخير أنهم لا يفرقون بين قضية بجنسها وبغير جنسها لم يتطرقوا إليها وإنما جعلوا الضابط: قصد اللحم وعدمه. وهذا القول الأخير اختيار شيخ الإسلام واختيار ابن القيم – رحمهما الله -. فإذاً عرفنا الآن الأقوال الثلاثة في المسالة وحجة كل قول. - قال – ﵀: - ولا يجوز: بيع حب بدقيقه. لا يجوز أن نبيع الحب بالدقيق. - لأن الدقيق يأخذ من المكيال مكاناً أكبر من الحبوب فتفوت المساواة وهي واجبة. = القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد – ﵀ – اختارها من المحققين ابن قاضي الجبل وهو أنه يجوز بيع الحب بدقيقه لأن غاية ما هنالك أنه بيع حب بحب مكسر لكن لا يباع على القول بالجواز إلا وزناً لأن التساوي متعذر كيلاً. وهذا القول هو الصواب إن شاء الله. وتقدم معنا أن المعتبر في المساواة كل شيء بالمعيار الشرعي، والبر معياره الشرعي الكيل، وإنما خرجنا عن المعيار الشرعي لسبب وهو أن التساوي لا يمكن تحصيله بالكيل ولذلك خرجنا عنه إلى الوزن. وهذا إن شاء الله أقرب. - ثم قال – ﵀: - ولا سويقه. يعني: ولا يجوز أن نبيع الحب بسويقه، والسويق هو: دقيق البر يحمص مع السمن والزيت. فهذا لا يجوز أن يباع والعلة أن النار تعقد وتنقص الدقيق فلا تحصل المساواة، ونحن نقول: إن كل شيء يباع بجنسه من الأموال الربوية لابد في من المساواة. - ثم قال – ﵀: - ولا نيئه بمطبوخه. يعني: ولا يجوز أن نبيع النيء بالمطبوخ كأن يبيع الإنسان الحنطة بالهريسة، فالحنطة حب نيء والهريسة مطبوخة. وسبب المنع: عدم معرفة التساوي لأن الماء الذي في الطبخ يزيد من الوزن مما يجعل التساوي متعذر. - ثم قال – ﵀: - وأصله بعصيره. يعني: ولا يجوز أن نبيع أصل الشيء بعصيره.

стр. 1499

فلا يجوز أن نبيع زيتون بزيت زيتون. لأنه لا يمكن التحقق من التساوي. - ثم قال – ﵀: - وخالصه بمشوبه. يعني: ولا يجوز أن نبيع الخالص بالشوب. فلا يجوز أن نبيع صاع بر بصاع بر مشوب بشعير. لأن التساوي غير متحقق الآن. ويستثنى من ذلك: إذا كان الشعير يسير جداً لا يؤبه له، فإذا كان يسيراً لا يؤبه له: فهو جائز. - ثم قال – ﵀: - ورطبه بيابسه. فلا يجوز أن نبيع العنب بالزبيب ولا الرطب بالتمر. لأنه لا يحصل التساوي. فهذه المسائل التي سردها المؤلف – ﵀ – العلة فيها واحدة وهي: أنا لا نأمن من التفاضل وهو محرم. - ثم قال – ﵀: - ويجوز: بيع دقيقه بدقيقه إذا استويا في النعومة. يجوز أن نبيع دقيق الشيء بدقيقه، لأن التساوي حاصل الآن بشرط: أن يتساويا في النعومة. ((الأذان)). بشرط أن يتساويا في النعومة، لأنهما إذا لم يتساويا في النعومة أخذ الحب غير المطحون تماماً حيزاً أكثر من المطحون فلم تحصل المساواة المشترطة شرعاً. إذاً إذا استوى الدقيق مع الدقيق نعومة جاز لأنا نأمن عدم التفاضل لتساويهما في مقدرا الطحن. - ثم قال – ﵀: - ومطبوخه بمطبوخه. يعني: ويجوز بيع المطبوخ بالمطبوخ كسمن بسمن مطبوخ. فيجوز أن نبيع مطبوخ الربوي بمطبوحه. لنفس العلة: أنه إذا تساويا في الطبخ ثم كيلا وتساويا في الكيل أمنا المساواة وأنها مساواة حقيقة. - ثم قال – ﵀: - وخبزه بخبزه إذا استويا في النشاف. أو في الرطوبة: فالمهم أن يستويا في الصفة. ولكن بالنسبة للخبز تكون المساواة بالوزن لا بالكيل أيضاً كما في المسألة السابقة لأنه تتعذر المساواة بالكيل فنصر إلى الوزن. ونستطيع أن نقول هذه قاعدة أن المكيلات إذا لم نتمكن من مساواتها ببعضها كيلاً جاز لنا حينئذ فقط أن نصير إلى الوزن. ثم قال – ﵀: وعصيره بعصيره. يعني: عصير ربوي بعصير ربوي كزيت زيتون بزيت زيتون أو زيت سمسم بزيت سمسم فيجوز لنا أن نبيع العصير بالعصير لأن المساواة حينئذ متحققة. وتقدم معنا أن على مذهب شيخ الإسلام بالنسبة للمائعات يجوز أن نحقق المساواة بالكيل أو بالوزن. - ثم قال – ﵀: - ورطبه برطبه.

стр. 1500

يجوز أن نبيع رطب الربوي برطبه كأن نبيع العنب بالعنب أو الرطب بالرطب لأن المساواة متحققة لتساويهما في الصفة وإن وجد اختلاف يسير فهو لا ينظر إليه، يعني: قد يكون الرطب من بعض بشيء يسير فهذا لا ينظر إليه. أما إذا كان الفرق بينهما شيء واضح وكبير فلا يجوز، فلابد أن يكون مستوى الرطوبة متقارب أو متساوي. - ثم قال ﵀ =: - ولا يباع ربوي بجنسه ومعه أو معهما من غير جنسهما. هذه مسألة مد عجوة ودرهم وتحتاج إلى وقت طويل ... والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد ...

стр. 1501

شرح كتاب البيع الدرس رقم (١٦) قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. شرع المؤلف ﵀ ببيان مسألة مشهورة والحاجة إليها كثيرة وصور وقوعها في المعاملات المعاصرة أيضاً كثيرة وهي مسألة كما أشرت بالأمس: مد عجوة ودرهم. - يقول ﵀: - ولا يباع ربوي بجنسه ومعه أو معهما من غير جنسهما. شملت عبارة المؤلف ﵀ صوراً: ـ الصورة الأولى: أن يبيع مد عجوة ودرهم بدرهمين. ـ الثانية: مد عجوة ودرهم بمد عجوة ودرهم. ـ الثالثة: مد عجوة ودرهم بمدين. وهذا معنى قول المؤلف ﵀ هنا: (ومعه أو معهما من غير جنسهما) واختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة وهو: أن يبيع الإنسان ربوي بربوي ومعه أو معهما من غير جنسهما كما في الأمثلة الثلاثة: اختلفوا في هذه المسألة: هل هي من مسائل الربا فلا تجوز أو ليست كذلك فتجوز: = فالحنابلة يرون: أنها لا تجوز. واستدلوا على هذا: - بالحديث الصحيح: أن فضالة بن عبيد ﵁ قال: اشتريت يوم خيبر قلادة من خرز باثني عشر ديناراً قال ففصلتها - هكذا شدد بالتشديد في مسلم - فوجدت فيها يعني بعد الفصل اثني عشر ديناراً فسألت النبي ﷺ فقال: (لا. إلا أن تفصل)

стр. 1502

قال الحنابلة هذا الحديث صريح بمنع مسألة مد عجوة ودرهم. لأنه اشترى دنانير بقلادة فيها خرز وفيها دنانير ومنع النبي ﷺ منها فدل ذلك على أن هذه المسألة لا تجوز. وكما ترون: النص معهم واضح وهذا الحديث في البخاري ومسلم وله روايات خارج الصحيحين. = القول الثاني: أنها تجوز بشرط: أن يكون الذي معه غير مقصود. واستدلوا على هذا: - بأنه إذا كان غير مقصود فإنه يثبت تبعاً ملا يثبت استقلالاً وليس هو مقصوداً بالثمن. وهذا القول: رواية عن الإمام أحمد ﵀ وهو أحد اختياري شيخ الإسلام بن تيمية ﵀. وهذا القول ضعيف: لأن حديث فضالة في بعض رواياته أنه قال للنبي ﷺ : لما أبطل عليه البيع إنما أردت الخرز. فقال النبي ﷺ : (لا. إلا أن تميز بين هذا وهذا) فالحديث يدل على أنه وإن قصد غيره فإن المعاملة لا تخرج عن أن تكون ربوية. = القول الثالث: يجوز بشروط: ـ الشرط الأول: أن لا تكون المعاملة حيلة على الربا. ـ والثاني: أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره. أو يكون مع كل منهما من غير جنسهما. وهذا مذهب الأحناف وهو القول الثاني لشيخ الإسلام بن تيمية. واستدلوا على هذا: - بأن في حديث فضالة - في آخره - ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر ديناراً. فقالوا: لما كانت القلادة فيها أكثر من القيمة المفردة منع منه النبي ﷺ . واستدلوا على هذا: - بأنه إذا باع مد عجوة ودرهم بدرهمين فإن الدرهم مقابل للدرهم والدرهم الآخر مقابل للمد ولا ربا في ذلك. وهذا معنى قوله: أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره. باقي علينا أن نبين مثالاً لقول أصحاب هذا الاتجاه أن لا يكون حيلة على الربا - صورة الحيلة المشهورة: أن يبيع كيس فيه مائة دينار بمائتي دينار ويقول: المائة دينار مقابل مائة دينار والمائة دينار الأخرى مقابل الكيس. هذه حيلة على الربا. فإذا كان الذي تعامل بمسألة مد عجوة ودرهم يريد التحايل على الربا فلا يجوز ولو كان المفرد أكثر. كما في المثال.

стр. 1503

بقي علينا أخيراً: مثال يوضح الفرق بين القول الثاني والقول الثالث. أما القول الأول فهو يمنع مطلقاً فلا نحتاج إلى أمثلة للتوضيح. لكن نحتاج التوضيح للفرق بين الثاني والثالث: فإذا باع الإنسان سيفاً فيه - في مقبضه أو في حليته - ذهب مقداره دينار: بدينار: = فعلى القول الثاني: جائز. لأن مقصوده السيف لا الذهب. وهو يقول: إذا كان غير مقصود الذي معه فيجوز. = وعلى القول الثالث: لا يجوز لأنهم يشترطون أن يكون المفرد أكثر. / إذا اشترى سيفاً فيه ذهب زنته دينار بدينارين. فما الحكم؟ يجوز على جميع الأقوال إلا القول الأول. إذاً: هكذا نطبق القضية. أخيراً: أشير إلى شرط ضروري وقد لا يتنبه إليه كثير من طلبة العلم وهو: أن أصحاب القول الثالث يشترطون مع ذلك أن ينقسم الثمن على أجزاء المبيع بالتساوي. مثال ذلك/ إذا اشتريت مد عجوة ودرهم بدرهمين فالعملية جائزة بشرط أن يكون قيمة المد عجوة قيمته في السوق: درهم. لينقسم الثمن على المثمن فيكون درهم مقابل درهم ودرهم مقابل مد عجوة. لكن إذا اشترى مد عجوة ودرهم بعشرة دراهم. الآن: أليس المفرد أكثر؟ بلى. هو أكثر. لكن مع ذلك: لا تجوز هذه الصورة حتى على القول الثاني: لأن الثمن لا ينقسم. فبالتالي سيكون مقابل الدرهم أكثر من درهم ومقابل مد عجوة قيمته. إذاً هذا الشرط لابد من اعتباره وتحقيقه لتجوز المعاملة. الراجح والله أعلم: وهو رجحان ليس بقوي ولا ببين ولا ظاهر لكنه أرجح من الأقوال الأخرى وهو القول الثالث. والسبب في أن هذا القول رجحانه ليس قوياً السبب في ذلك: أن حديث فضالة عام لم يفصل النبي ﷺ ولم يقل له كم كان في القلادة وكم كان معك ولم يأت في الحديث إشارة إلى أن النبي ﷺ إنما منع لأجل أن الدراهم أو الدنانير التي في القلادة كانت أكثر من الدنانير التي دفعها فضالة وإنما منع النبي ﷺ وأمره أن يفصل فيشتري الخرز بالدنانير ويشتري الدنانير بدنانير مساوية لها. لذلك أقول أن هذا القول راجح وجيد لكن رجحانه ليس برجحان قوي. ثم انتقل ﵀ إلى مسائل تشبه مسألة بيع مد عجوة ودرهم. ولكن تختلف أحيانا عنه في الحكم.

стр. 1504

- قال ﵀: - ولا تمر بلا نوى بما فيه نوى. يعني: ولا يجوز أن يبيع الإنسان تمر ليس فيه نوى بتمر فيه نوى. التعليل: - كل هذا الباب يرجع إلى العلة الأصلية في ربا الفضل وهي: الزيادة يعني: عدم التساوي. لأن التمر الذي فيه نوى أثقل من التمر الذي ليس فيه نوى كما أنه يأخذ من المكيال أكثر مما يأخذ الآخر. فلأجل عدم التساوي منع منه الفقهاء. - قال ﵀: - ويباع النوى بتمر فيه نوى. إذا باع نوى دفعه ثمناً لتمر فيه نوى فالبيع صحيح. - لأن النوى الذي في التمر لا يقصد. وليس له حظ من الثمن. فجازت المعاملة لأنه اشترى بالنوى تمر. وهل التمر من الأموال الربوية عند بعض العلل أو عند كل العلل؟ بالأمس ذكرنا: أن الأصناف الستة مجمع عليها ما يحتاج تقول هل ينطبق عليها علة أوم ما ينطبق عليها علة. فإذاً قول القائل أن التمر ربوي بجميع العلل خطأ لأن التمر ربوي بالنص بغض النظر عن العلل. إذاً: إذا باع النوى بتمر فيه نوى: جاز. والتعليل: - أن النوى الذي في التمر غير مقصود. ثم ذكر ﵀ مسألة أخرى هي نفس هذه المسألة: - فقال ﵀: - ولبن وصوف بشاة ذات لبن وصوف. يجوز أن نبيع لبن وصوف مقابل شاة فيها أيضاً لبن وصوف. والتعليل هو التعليل السابق وهو: - أن اللبن والصوف الذي في الشاة غير مقصود. ليس له حظ من الثمن. وإنما هو أراد أن يدفع اللبن لتحصيل الشاة. وما فيها من صوف أو لبن فهو تابع غير مقصود والتابع غير المقصود لا يؤثر في الحكم. نرجع قليلاً إلى مسألة: التمر الذي فيه نوى والتمر الذي ليس فيه نوى. التمر التساوي التساوي فيه بالكيل أو بالوزن؟ بالكيل. إذا كان بالكيل: فالحجم الذي سيأخذه التمر الذي ليس فيه نوى هو نفس الحجم الذي سيأخذه التمر الذي فيه نوى. ما وجه عدم التساوي؟ ((ونحن نقول العبرة بالكيل والوزن ليس موجوداً الآن وغير معتبر.)) نقول: ان التمر الذي ليس فيه نوى أكثر من التمر الذي فيه نوى. ولو شغل نفس الحيز من الكيل. لكن في الواقع التمر الذي ليس فيه نوى أكثر من التمر الذي فيه نوى. لأن النواة تشغل حيزاً من التمرة بينما هذا الحيز مملوء بالتمر بالتمر الذي ليس فيه نوى.

стр. 1505

إذاً: هذا هو وجه عدم التساوي. ثم انتقل ﵀ إلى مسألة أخرى ختم بها الفصل: - فقال ﵀: - ومرد الكيل لعرف المدينة، والوزن لعرف مكة زمن النبي ﷺ . لما بين المؤلف ﵀ أنه يجب أن نبيع المكيلات كيلاً والموزونات وزناً أراد أن يبين كيف نعرف هل هذا الشيء المطعوم يوزن أو يكال؟ هل هذا من الموزونات أو من المكيلات؟ فبين أن العبرة بذلك أي العبرة باعتبار الأشياء موزونة أو مكيلة هو عرف الحجاز فقط. فالكيل: كيل المدينة. والوزن وزن مكة. فإذاً في الكيل والوزن نرجع إلى عرف الحجاز. لكن بالنسبة للكيل نرجع إلى المدينة وبالنسبة للوزن نرجع إلى مكة. الدليل: قالوا الدليل على هذا: - حديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: المكيال مكيال المدينة والوزن وزن مكة. وهذا الحديث صححه عدد من الأئمة منهم ابن حبان ومنهم وعليه العمدة الدارقطني فهو حديث ثابت إن شاء الله. والحديث يدل على أن اعتبار الأشياء موزونة أو مكيلة إنما هو في عرف أهل احجاز. فلو صار الناس اليوم يزنون أشياء كانت تكال في مكة فهي مكيلة في عرف أهل مكة ولا نعتبر الوزن. شيء كان يباع عداً فأصبح يباع وزناً فماذا نعتبره؟ الوزن. من أبرز الأمثلة فيه: التفاح والبرتقال. صرح الحنابلة أنها معدودة وأنها لا ربا فيها لأنها ليست من الموزونات واليوم هي تباع بالوزن بينما كانت تباع بالعد. إذاً - نحن نقول - لا عبرة ببيع الناس اليوم لها وزناً وليست من الأموال الربوية هذا إذا أردنا أن نفرع على مذهب الحنابلة الذين يقولون العلة هي الوزن. إذاً المؤلف ﵀ يقول هنا: (ومرد الكيل عرف المدينة. والوزن لعرف مكة زمن النبي ﷺ والسبب في جعله الكيل للمدينة: أنهم أهل زراعة والكيل يعتد بما يكون عندهم مكيلاً لا في مكة. بينما أهل مكة أهل تجارة فاعتبر فيهم الوزن. وهذا التعليل لتوضيح الحديث وإلا الاعتماد على الحديث. - قال ﵀: - وما لا عرف له هناك: اعتبر عرفه في موضعه. الأشياء التي ليس لها عرف في مكة ولا في المدينة نعتبر عرفها في موضعها. والدليل على ذلك:

стр. 1506

- أن القاعدة الشرعية أن ما لم يرد محدداً في الشرع فنرجع في تحديده إلى العرف. وهذا لم يحدد في الشرع. فنرجع في تحديده إلى العرف. = والقول الثاني: وهو وجه عند الحنابلة. أن ما لا يوجد في المدينة ومكة فإنا نرجع إلى شبيهه ونظيره مما يوجد في مكة والمدينة فنقيس عليه. فنقول هذا الشيء ما هو أقرب الأشياء إليه في مكة موزوناً أو مكيلاً أو في المدينة؟ فإذا عرفنا أخذ حكمه. قال الشيخ الفقيه ابن قدامه: وهذا القول: أقيس. قلت وهو صحيح. يعني: كلامه وجيه جداً. وجه أن هذا القول أقيس. أن عادة المتفقهين أن ما فيه نص يقاس عليه وهذه المسألة فيها نص وهي أنه اعتبر عرف المدينة ومكة هو العرف الشرعي فنقيس على ما في المدينة ومكة. وهذا وجه كون هذا القول الثاني في مذهب الحنابلة أقيس على حد تعبير ابن قدامه. وهذا القول الثاني صحيح أرجح وأقوى وما مال إليه ابن قدامة صحيح. فننظر إلى أقرب الأشياء. فإذا لم نجد شيئاً مشابهاً ولا قريباً يأخذ نفس الصفات فإنا نرجع حينئذ إلى عرف المدينة الذي وجد فيه هذا الأمر. ومن وجهة نظري أنه كلما أمكن تقليل مسألة الرجوع إلى الأعراف لكان أولى لأن الرجوع إلى الأعراف في كثير من المسائل لا ينضط. فإذا أمكن الفقيه أن يجتهد في تحديد حد مأخوذ من النصوص الشرعية لا من الأعراف فهو دائماً أضبط وأسهل تطبيقاً بكثير. كما تقدم معنا في مسألة حد السفر. وبهذا انتهى الكلام عن ربا الفضل. وانتقل المؤلف ﵀ إلى ربا النسيئة. فصل [في أحكام ربا النسيئة] - فقال ﵀: - فصل. ويحرم: ربا النسيئة. أراد المؤلف ﵀ أن يبين في هذا الفصل أحكاماً متعلقة بالنسيئة. - يقول ﵀: - ويحرم ربا النسيئة. النسيئة في لغة العرب هو التأخير. النسأ أو النساء هو: التأخير. وينقسم ربا النسيئة إلى قسمين: ـ القسم الأول: ربا البيوع. يعني: ربا النسيئة في البيوع. وهذا القسم هو الذي سيتكلم عنه المؤلف ﵀ ويفصل فيه ويبين أحكامه. ـ القسم الثاني: ربا القروض. وهو اشتراط زيادة مقدرة في القرض. وعند كثير من الفقهاء اصطلحوا على أن ربا القروض يسمى ربا النسيئة وربا البيوع يسمى ربا النسأ أو النساء.

стр. 1507

وهو اصطلاح وتسمية ليس له أثر على الأحكام الشرعية. إذاً: عرفنا الآن أن ربا النسيئة ينقسم إلى هذين القسمين وأن المؤلف ﵀ سيتكلم عن القسم الأول أما القسم الثاني فسيخصص له باباً كاملاً هو باب القرض. - قال ﵀: - يحرم ربا النسيئة. ربا النسيئة محرم بالإجماع بلا خلاف وهو أشد تحريماً من ربا الفضل وهو الربا الجلي وهو ربا الجاهلية فهو الربا المقصود بالربا وهو كما قلت لكم محرم بالإجماع وأيضاً بالنص. - لقول النبي ﷺ : (إنما الربا في النسيئة) - ولقوله ﷺ في حديث عبادة: (فإذت اختلفت هذه الاصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) فهذه النصوص والإجماعات دالة على تحريم الربا مع النص الأصلي: (وأحل الله البيع وحرم الربا) فهو أول ما يدخل في النص. - يقول ﵀: - في بيع كل جنسين اتفقا في علة الربا. كل جنسين اتفقا في علة الربا فلا يجوز فيهما التأخير فإن أخر فقد وقع في ربا النسيئة. ونحن ذكرنا أن الأصناف الربوية تنقسم إلى قسمين: - الذهب والفضة. ولهما علة. والأصناف الأربعة ولها علة. وأن هذا القدر مجمع عليه بين الفقهاء أن لكل من الفئتين علة مستقلة لكن اختلفوا في تحديد العلة. إذاً كل جنسين لهما علة واحدة في باب ربا الفضل يحرم فيهما التأخير فلا يجوز أن نبيع ذهب بفضة مع التأخير. لماذا؟ لأن كلاً من الذهب والفضة لهما نفس العلة. ولا يجوز أن نبيع على القول الصحيح: ريال بجنيهين مع التأخير. ولا يجوز أن نبيع ريال بدينار. وهل يجوز أن نبيع ريال سعودي بريال آخر - عماني - مثلاً -؟ هل هما جنسان أو جنس؟ النبي ﷺ يقول: (إذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم) فهل يجوز أن نبيع ريال بريالين؟ يجوز بشرط التقابض دون التساوي. يعني جنسين. وهذا صحيح. ولو اتفقا في المسمى لأنه لا عبرة بالاسم وإنما العبرة في الحقيقة. وفي الحقيقة أن هذا الريال يختلف عن ذاك الريال. إذاً: - يقول ﵀: - يحرم ربا النسيئة في بيع كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل الفضل ليس أحدهما نقداً. المقصود بالنقد هنا: الذهب والفضة وما قيس عليهما عند من يقيس.

стр. 1508

فإذا كان أحد العوضين هو الذهب أو الفضة فإنه يجوز التأخير. يعني: مع الأعيان الأخرى. مع غير الذهب والفضة. المثال الموضح/ هل يجوز ان نشتري الحديد بالذهب مؤجلاً؟ نحن نتملم على وفق مذهب الحنابلة؟ الحديد ربوي. وهل له نفس العلة التي للذهب؟ نعم. العلة فيهما هي الوزن. مع ذلك يجوز لأن المؤلف ﵀ يقول: يجوز إذا كان أحد العوضين هو أحد النقدين فإنه يجوز التأخير. فيجوز أن يشتري بالذهب حديداً مؤخراً ويجوز أن يشتري بالفضة حديداً مؤخراً. لكن لا يجوز أن يشتري بالذهب فضة ولا بالفضة ذهب. الدليل الذي دل على استثناء النقدين في الموزونات بالتأخير: هو: - أحاديث السلم. لأنه لولا الجواز لانسد باب السلم كما قال الفقهاء. والسلم لا يمكن أن ينسد بابه والنبي ﷺ فتحه بقوله: (في وزن معلوم). فقوله: (في وزن معلوم) دليل على أنه يجوز أن نبيع ونشتري الموزونات بالذهب والفضة سلم وهذا يقتضي التأخير فدل على أن بيع الموزونات بالذهب والفضة يجوز ولو مع التأخير. ولذلك نحن نشتري بالعملة النقدية الأمتعة والقمح والدقيق والأموال الربوية مؤخراً. مع أنها أموال ربوية والنبي ﷺ يقول: (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) لكن مع ذلك يجوز لهذه العلة وهي الأحاديث الدالة على جواز السلم دالة أيضاً على جميع المعاملات التي فيها تأخير ولو على غير وجه السلم. - ثم قال ﵀: - كالمكيلين والموزونين. هذا تمثيل للمنع. المكيلين: كبر بشعير. فهذا لا يجوز التأخير فيه. بل يجب أن يكون يداً بيد. لماذا؟ لأن كلاً من البر والشعير ينتمي إلى زمرة واحدة ذات علة واحدة. والموزونين: كالنحاس والحديد. فلا يجوز أن نبيع نحاس بحديد إلا يداً بيد. وهل نقول في الموزونات: وكا الذهب والفضة؟ نعم نقول وكالذهب والفضة. لكن نقول: كالذهب والحديد؟ لأنه إذا كان أحد البدلين نقد فإنه يجوز. إذاً عرفنا الآن المثال على المكيلين والمثال على الموزونين. - قال ﵀: - وإن تفرقا قبل القبض: بطل. - لقول النبي ﷺ : (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد)

стр. 1509

فدل هذا هلى أن البيع مع التأخير الذي ليس فيه تقابض باطل لأنه فاسد بمقتضى الحديث. فهذه العبارة في الحقفيقة هي تصريح بالحكم الذي ينتج عن قوله يحرم. يعني: ان هذا التحريم وهذا النهي نهي إلى الفساد. - قال ﵀: - وإن باع مكيلاً بموزون: جاز التفرق قبل القبض والنساءُ. وإن باع مكيلاً بموزون جاز البيع بلا شروط: لا التساوي ولا التقابض. لماذا؟ لأن الجنس والعلة اختلفت. نحن ذكرنا لكم التقسيم الرباعي. نرجع الآن إلى التوضيح وهي: الجنس والعلة. ـ القسم الأول: إذا اتفقا في الجنس والعلة. مثل/ ذهب بذهب. فحينئذ يشترط التساوي والتقابض. ـ القسم الثاني: إذا اتفق في العلة واختلفا في الجنس. فيشترط التقابض فقط. ومثاله/ ذهب بفضة. ـ القسم الثالث: إذا اختلفا في الجنس والعلة. كبيع ذهب بشعير. فلا التقابض ولا التساوي. ـ القسم الرابع: أن يتفقا في الجنس ويختلفا في العلة. وهذا القسم غير موجود وغير متصور. كيف يتفقا بالجنس ويختلفا في العلة هما جنسهما واحد فكيف يختلفا في العلة. ولعل هذا من الأمثلة التي تدل على أنه لا يمكن استنتاج تقسيم رباعي من كل ثنائين. فليس أي ثنائين يمكن أن نستنتج منهما رباعي فالآن عندنا جنس وعلة لا نستطيع أن نخرج منهما أربع أنواع بل نخرج منهما ثلاثة أنواع لأنه إذا اتفقا الجنس ذهب وذهب فلا يمكن أن تختلف العلة. وبر وبر فلا يمكن ان تختلف العلة ومستحيل. إذاً: التقسيم الأخير هذا غير واقع ولا متصور أصلاً. وعرفنا بهذا التقسيم كيفية بيع الربويات من حيث التساوي ومن حيث القبض. - قال ﵀: - وما لا كيل فيه ولا وزن، كالثياب والحيوان: يجوز فيه النساءُ. مقصود المؤلف ﵀ بهذه العبارة - يريد أن يقول: والأموال التي ليست من الأموال الربوية يجوز فيها التأخير والتفاضل. ولو أنه عبر بهذا التعبير لكان كالقاعدة وأوضح من ان يقول: وما لا كيل فيه ولا وزن: كالثياب والحيوان. لو قال والأموال التي ليست ربوية. لأن ما لا كيل فيه ولا وزن لا ربا فيه لأن العلة عند الحنابلة هي الكيل والوزن فقط. - ثم قال ﵀: - كالثياب والحيوان. الثياب ليست ربوية. والحيوان الحي ليس بربوي.

стр. 1510

لأنه لا مكيل ولا موزون. فيجوز أن يبيع الإنسان ثوب بثوبين. ويجوز أن يبيع ثوب بثوبين إلى أجل. ويجوز أن يبيع حيوان بحيوانين إلى أجل وحال. والدليل على مسألة بيع الحيوان بالذات: - حديث ابن عمر الصحيح المشهور أن النبي ﷺ أمره أن يأخذ البعير إلى قلائص الصدقة ببعيرين. فكان يأخذ من الشخص بعير فإذا جاءت الصدقات أعطاه بعيرين مع الاتفاق المسبق. فهذا دليل على أن الحيوانات ليس فيها ربا. سواء كان المقصود من الحيوان اللحم أو الزينة أو الركوب أو أي شيء مما يقصد من الحيوانات فإنه يبقى مالاً ليس بروي لا موزون ولا مكيل. فإن قيل/ اليوم بعض الثيران الصغيرة تباع بالوزن. وهو حي. فالجواب ماتقدم: أنه لا عبرة ما تعارف عليه الناس مما يخرج عن عرف أهل المدينة وأهل مكة. - قال ﵀: - ولا يجوز بيع الدين بالدين. بيع الدين بالدين محرم وهو من الربا. والدليل على هذا من وجهين: - الوجه الأول: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكاليء بالكاليء. والكاليء هو المؤخر فلا يجوز أن نبيع مؤخر بمؤخر. - الوجه الثاني: الإجماع. فإن الإمام أحمد ﵀ سأل عن هذا الحديث: (بيع الكاليء بالكاليء) فقال: الحديث ضعيف وهو مجمع عليه. يعني: أن إسناده إلى النبي ﷺ لا يثبت ولكن المعنى الذي فيه محل إجماع. ولا أعلم أنه يوجد مخالف في هذه المسألة إلا بعض المعاصرين مما ينبغي أن لا يعول على قولهم لمخالفة الإجماع السابق المحكم. مثال هذه المسألة:/ إذا اشترى الإنسان بخمسة أريل ثوب واتفقوا على تأخير تسليم الثوب وتأخير تسليم الثمن فحينئذ يكون من بيع الدين بالدين لأن كلاً من العوض والمعوض كلاهما مؤخر. فهذا لا يجوز وهو مجمع على بطلانه. أما إن كان أحد العوضين سواء كان الثوب أو الثمن مسلم في مجلس العقد فإن العقد صحيح.
следующие страницы →