Полный текст (2 909 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
بعد أن عرفنا ما هو المسترسل نأتي إلى حكمه. ومعنى قولنا (حكمه) يعني: حكم غبن المسترسل.
ـ غبن المسترسل: محرم.
- لقوله ﷺ (غبن المسترسل حرام).
- والدليل الثاني: أن غبنه من الغش والخداع للمسلم وهو محرم.
بهذه الصورة الثالثة اكتملت صور خيار الغبن.
بعد ذلك نبين مسألة تشترك فيها جميع الصور وهي مسألة مهمة/ إذا وقع الغبن فإنه يثبن للمغبون في الصور الثلاث: الخيار.
لكن اخلتفوا في الخيار:
= فالحنابلة يرون: أنه مخير بين أن يمسك السلعة أو يردها بلا أرش. إما إمساك أو رد.
= والقول الثاني: أن المغبون مخير بين الرد أو الامساك مع حط الثمن الذي غبن فيه.
يعني: مع حد مقدار ما غبن فيه من الثمن.
فإذا اشترى السلعة بمائة وهي بخمسين: فهو مغبون بخمسين فله أن يمسك ويأخذ من البائع خمسين.
والراجح والله أعلم مذهب الحنابلة له أن يمسك أو يرد فقط.
والدليل على ذلك:
- ان النبي ﷺ في حديث المصراة - سيأتينا - خير المشتري بين أمرين: إما أن يمسك أو يرد.
فإن رد رد معها صاعاً من تمر وهذا لا يعنينا في مسألتنا لكنه ﷺ خير المشتري بين أمرين فقط إما الإمساك أو الرد.
فإذا نظرنا إلى هذا الحديث علمنا أن ما ذهب إليه الحنابلة إن شاء الله أقرب وهو أن المشتري مخير بين الإمساك والرد فقط.
ثم لما أنهى المؤلف ﵀ النوع الثالث من الخيارات بدأ بالرابع.
- فقال ﵀:
- الرابع: خيار التدليس.
يعني: الخيار الذي يثبت بسبب التدليس.
والتدليس في لغة العرب: مأخوذ من أحد شيئين: - إما من الدلسة وهي الظلمة.
- أو من الدلس وهو الخديعة.
والأقرب والله اعلم أنه مأخوذ منهما. لأن المدلس أخفى وخدع.
وأما في الاصلاح: فأحسن وأوضح التعاريف أن يقال هو: كل فعل يزيد به الثمن ولو لم يكن عيباً.
فالعيوب لا تدخل معنا في خيار لأن لها خياراً خاصاً وهو خيار العيب.
إذاً: المقصود بخيار التدليس الأفعال التي يقوم بها البائع والتي تؤدي إلى زيادة الثمن من غير العيوب.
ثم لما بين المؤلف ﵀ أن التدليس يثبت الخيار ذكر الأمثلة:
- فقال ﵀:
- كتسويد شعر الجارية.
стр. 1437
هذا المثال الأول من أمثلة التدليس.
وهو أن يعمد البائع إلى الجارية التي لون شعرها أشقر أو أبيض أو أسود وليس بسواد ناصع ثم يصبغ هذا الشعر ليكون أسوداً سواداً ناصعاً ترغيباً للمشتري.
فهذا البائع أظهر شعر الجارية بخلاف ما هو عليه لزيادة السعر.
ونحن نقول التدليس كل فعل يزيد بعه الثمن ولو لم يكن عيباً.
فهذا ليس من العيوب: كون شعر الجارية أشقر ليس من العيوب لكنه صبغه بالأسود لزيادة السعر إذا علم أن المشتري يرغب بأن يكون شعر الجارية لونه أسود.
وهو مثال واضح.
الثاني:
- قال ﵀:
- وتجعيده.
يعني: وكتجعيد شعر الجارية.
كأنه والله أعلم كان تجعيد الشعر نوع من الصفات المرغوبة في الجواري في وقتهم.
فإذا قام البائع بتجعيد الشعر الناعم ترغيباً للمشتري فقد دلس عليه.
هذا إذا اعتبرنا أن تجعيد الشعر من الصفات المحمودة المرغوبة ولا شك أن الفطر السليمة تأبى مثل هذا العمل لأن تجعيد الشعر الناعم ليس من صفات الجمال. وإن اعتبر في عرف قوم من الجمال فهو في الحقيقة ليس من الجمال كما أن تنعيم الشعر الجعد ليس من الجمال بل الجمال إبقاء الشيء على ما خلقه الله إذا لم يكن عيباً ونحن نتحدث في التدليس الذي ليس من العيوب.
فإذا كان شعر الجارية جعداً وليس جعودة تعتبر من العيوب فالأولى تركه على ما هو عليه.
الذي يعنينا الآن أنه إذا جعد شعر الجارية الذي أصله ناعم تدليساً على المشتري لأنه يرغب في هذه الصفة فعمله محرم.
-
ثم قال ﵀:
- وجمع ماء الرحى وإرساله عند عرضها.
الرحى: هي التي تطحن الحب.
فإذا جمع الماء ثم تركه إذا جاء المشتري لينظر إلى الرحى فإن الرحى ستتحرك بشرعة وتطحن كمية أكبر وتعمل بشكل فعال أكثر فيظن المشتري أن هذا من عادة هذه الرحى. والواقع أن ليس من عادتها أن تطحن بهذه السرعة وإنما طحنت بسرعة بسبب إمساك الماء.
فهذا من التدليس. لماذا؟ لأن جريان الرحى ببطء ليس من العيوب ما دام طبيعياً وهو يزيد زيادة السرعة لتظهر السلعة بصفة ليست هي عليها في الواقع.
هذا هو المثال الأخير من أمثلة المؤلف ﵀ على التدليس.
حكمه:
التدليس: محرم.
стр. 1438
- لقول النبي ﷺ : (لا تصروا الإبل ولا الغنم فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن شاء ردها وصاعاً من تمر وإن شاء أمسكها) أو إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعاًمن تمر.
فهو مخير إما أن يمسك ويعطي البائع صاعاً من تمر أو يرد.
التدليس بنص هذا الحديث محرم.
وهو محرم لثلاثة أمور:
ـ لهذا الحديث.
ـ وللإجماع,
ـ ولما تقدم أنه من الغش والخداع. والغش والخداع في جميع الأمور لا سيما في المعاملات: محرم.
وخيار التدليس يثبت:
= عند الحنابلة على التراخي. يعني: له أن يرد بخيار الندليس متى شاء إلا في التصرية. فالخيار فيها فقط ثلاثة أيام.
فيفرقون في التدليس بين التصرية وغيرها من التدليسات.
سبب التفريق: قالوا: أنه في حديث التصرية في اللفظ الذي أخرجه مسلم أن النبي ﷺ قال: (فهو بالخيار ثلاثة أيام).
فأثبت له الخيار في التصرية لمدة ثلاثة أيام فقط.
وسيأتينا مسألة مدة الخيار في خيار العيب وهو ينطبق على خيار التدليس ونذكر الخلاف والراجح في هذه المسألة.
- ثم قال ﵀:
- الخامس: خيار العيب.
يعني: الخيار الذي يثبت بسبب وجود عيب في السلعة أو في الثمن.
وخيار العيب ثابت بالنصوص من الكتاب والسنة.
ـ أما الكتاب: فقوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم).
ومن المعلوم أنه لن يرضى بالسلعة المعيبة.
ـ وأما من السنة. فحديث عائشة ﵂ أن رجلاً باع عبداً فيه عيب فرده المشتري فقال البائع: وغلت العبد فقال النبي ﷺ : (الخراج بالضمان) يعني: كما أن المشتري كان ضمان العبد عليه في فترة التجربة كذلك له غلته.
وهذا الحديث فيه خلاف كثير وممن صححه يحيى بن سعيد القطان. وضعفه أو أشار إلى ضعفه عدد من الأئمة لكن معنى الحديث صحيح وثابت أن الخراج بالضمان ويكاد يجمع اهل العلم على معنى هذا الحديث.
- قال ﵀:
- وهو ما ينقص قيمة المبيع.
يريد المؤلف ﵀ أن يعرف العيب الذي يثبت به الخيار. فيقول: (هو ما ينقص قيمة المبيع).
لكن الحنابلة لا يريدون قصره على العيب الذي يسبب نقص القيمة بل يشمل مع ذلك نقص العضو وإن لم ينقص معه الثمن.
стр. 1439
ولا يخفى عليكم أنه توجد عيوب قد لا ينقص معها الثمن وإن كانت عيب في عرف الناس أو عيب عند المشتري بالذات لحاجته الخاصة لهذه السلعة.
لذلك نقول: التعريف الأعم والأحسن أن نقول: أن العيب: هو كل وصف مذموم يقتضي سلامة السلعة منه.
في هذا يكون التعريف يشمل الصور جميعاً إن شاء الله.
ثم شرع المؤلف ﵀ بذكر الأمثلة.
وأما الحكم أي: ماذتا يترتب على خيار العيب فسيتكلم عنه المؤلف ﵀ بالتفصيل.
إذاً: الآن عرفنا خيار العيب وأنه ثابت بالشرع وما هو العيب الذي يثبت معه الخيار.
-
ثم قال ﵀: في التمثيل.
- كمرضه.
يعني: كمرض المبيع.
وهو يقضصد كل ماله من نفس وحياة مما يمرض.
وقوله: (كمرضه) يعني: مهما كان المرض يسيراً.
فجنس المرض يعتبر من العيوب التي يثبت بها لخيار للمشتري وهذا يؤخذ من عموم كلام المؤلف ﵀.
وهو صحيح: فالمرض بأنواعه سواء كان يسيراً أو شديداً هو من العيوب.
- ثم قال ﵀:
- وفقد عضو وسِنْ أو زيادتهما.
إذا فقد عضو أوسن في المبيع أو فقد جزء في المبيع الذي ليس له حياة فهو من العيوب. وهو نقص بين ظاهر في المبيع.
- ثم قال ﵀:
- وزنا الرقيق.
(زنا الرقيق) يشمل زنا الغلام وزنا الجارية.
أما زنا الجارية فهو من العيوب بإجماع العلماء فلم يخالف فيه أحد من الفقهاء.
وأما زنا الغلام فهو عيب كذلك عند جماهيثر أهل العلم لم يخالف إلا الأحناف فهم الذين فرقوا بين زنا الجارية وزنا الغلام.
والصواب الذي لاشك فيه أن زنا الجارية والغلام من أكبر العيوب.
ومذهب الأحناف في الغلام ضعيف جداً.
والزنا عيب في الدين والدنيا: يعني: عيب في دين العبد وأيضاً في الدنيا لأنه يفسد الجارية أو الغلام على المالك والرد به من أظهر ما يكون.
- ثم قال ﵀:
- وسرقته.
يعني: وكون العبد ممن يسرق هذا من العيوب التي للمتري رد العبد إذا تبين أنه من الذين يسرقون وهو كما قلنا في الزنا عيب في الدين والدنيا.
-
ثم قال ﵀:
- وإباقه.
يعني: وهربه.
إذا كان العبد معروف بأنه يهرب من سيده فهذا من أكبر العيوب لأن هذا العيب يؤدي إلى عدم انتفاع المشتري بالعبد.
стр. 1440
- ثم قال ﵀:
- وبوله في الفراش.
إذا كان العبد أو الجارية عف عنه أنه يبول في الفراش فإن هذا من العيوب التي يرد بها لأنه يتعب أهل البيت ويلوث فرشهم.
قوله ﵀: (وزنا الرقيق. وسرقته. وإباقه. وبوله في الفراش) هذه العيوب يشترط لتكون من العيوب أن تقع من ابن عشر فما فوق. فإن وقعت من ابن تسع فأقل فليست من العيوب وليس للمشتري أن يرد بها.
لأن الصغير قد يقع منه مثل هذه الاعمال ثم تستقيم حاله.
والقاعدة عند الحنابلة: (ان كل عيب ينسب إلى فعل العبد وقصده يشترط فيه ان يكون من ابن عشر فما فوق).
سواء كانت هذه الأشياء: الزنا والسرقة والإباق والبول أو غيرها.
كل فعل ينسب إلى العبد من العيوب يشترط فيه ان يكون من ابن عشر فما فوق.
ووجهة نظر الحنابلة في اشتراط هذا الشرط قوية لأن الطفل الصغير قد يقع منه بعض الممارسات التي لا تكون له خلقاً وإنما بسبب صغر سنه ثم إذا كبر اعتدل حاله.
- ثم قال ﵀: مبيناً ماذا يترتب على خيار العيب.
- فإذا علم المشتري العيب بعد: أمسكه بأرشه - وهو قسط ما بين قيمة الصحة والعيب - أو رده وأخذ الثمن.
= عند الحنابلة في خيار العيب يختلف حكمهم عن خيار التدليس.
ففي خيار العيب المشتري مخير بين أمرين: ـ إما أن يمسك مع أخذ الارش وسيأتينا ما هو الأرش وكيف نخرج الارش.
ـ أو يرد.
واستدل الحنابلة على هذا:
- بقولهم: إن العيب هو عبارة عن نقص في العين المباعة وإذا فات على المشتري جزء من العين المباعة فله أن يأخذ مقابل ذلك وهو الأرش.
= والقول الثاني في هذه المسألة: أن المشتري ليس له إلا الإمساك أو الرد. إلا - في صورة واحدة: - إذا تعذر الرد - بتلف المبيع مثلاً فحينئذ له الأرش.
واستدل أصحاب هذا القول - أي الثاني -:
- بحديث المصراة وقالوا: إن التصرية نوع من العيب فإنه المشتري خدع بإظهار الحليب على غير ما هو عليه. ومع ذلك خيره النبي ﷺ بين أمرين إما الإمساك أو الرد مع صاع من تمر.
стр. 1441
والقول الثاني صحيح ويؤيده النص وإن كان الإنسان من حيث النظر قد يترائى له أن المذهب أقوى لكن مع وجود هذا النص الذي يخير المشتري بين الرد والإمساك فقط ليس للإنسان أن يصير إلى هذا الحديث وإن رأى أنه يخالف المعنى الذي يقع في ذهنه.
على كل حال: الراجح إن شاء الله أنه ليس له إلا الرد أو الإمساك إلا في صورة واحدة وهي إذا تعذر الرد.
ثم نأتي إلى كلام المؤلف ﵀ وكيفية تحديد الأرش.
- يقول ﵀:
- فإذا علم المشتري العيب بعد: أمسكه بأرشه - وهو قسط ما بين قيمة الصحة والعيب -.
كيفية تحديد الأرش تقدمت معنا ونعيد الآن بيانها.
كيفية ذلك: ان ينظر الإنسان إلى قيمة هذه السلعة معيبة وقيمة هذه السلعة صحيحة.
فإذا فرضنا أن قيمة السلعة صحيحة مائة وقيمة السلعة معيبة خمس وسبعين فتلاحظ أن الفرق من حيث النسبة بين العدد: الربع.
نأخذ هذا الربع وهو الفرق بين القيمتين ونطبقه على الثمن الحقيقي فإذا كانت هذه السلعة بيعت بثمن مقداره ثمانين فتكون القيمة كم؟ ستين. وعلى البائع أن يرد عشرين ريالاً مثلاً إلى المشتري إذا رأى المشتري أن يمسك السلعة.
فنقول: الآن أنت مخير بين أن تمسك السلعة وتأخذ عشرين ريالاً عند الحنابلة على المذهب على المثال الذي قلت أو ترد السلعة وتأخذكامل الثمن.
وعرفت أن قضية الإمساك مع الأرش محل خلاف.
-
يقول ﵀:
- فإذا علم المشتري العيب بعد.
(بعد) يعني: بعد العقد.
فإذا يشترط لثبوت الخيار أن يعلم بالعيب بعد العقد أما إذا علم بالعيب قبل العقد فلا خيار له ولا أرش ولا يستطيع أن يرد وليس هناك إلا حل واحد وهو أن يأخذ السلعة ويدفع الثمن لأنه دخل في العقد على بينة فإنه علم بالعيب قبل العقد.
- قوله ﵀:
- أو رده وأخذ الثمن.
إذا اختار المشتري الرد فإن مؤونة الرد على المشتري. مهما بلغت.
- لقول النبي ﷺ : (على اليد ما أخذت حتى تؤديه).
لم أجد خلافاً في هذه المسألة مع بعض البحث بين الفقهاء في أن مؤونة الرد على المشتري وهو من وجهة نظري قول ضعيف جداً إذا كان البائع يعلم بالعيب.
стр. 1442
فإذا كان البائع يعلم بالعيب وأرسل السلعة إلى المشتري عالماً بالعيب ثم اكتشف المشتري العيب فإلزام المشتري برد السلعة على نفقته يتنافى مع الظلم الذي وقع على المشتري لا سيما في وقتنا هذا إذ قد يكون إرسال السلعة ومؤونة تحميلها وإرسالها بالبريد أو بغيره تفوق قيمة السلعة فكيف نلزم المشتري بمؤونة الرد مع أن البائع هو الذي كتم العيب فإذا كان أحد من الفقهاء قال: بأن مؤونة الرد على البائع فهو لاشك الراجح وإن كانت المسألة إجماع بأن مؤونة الرد على المشتري فمؤونة الرد على المشتري وليس للإنسان أن يخرج عن الإجماع.
- ثم قال ﵀:
- وإن تلف المبيع أو عتق العبد: تعين الأرش.
يعني: عند المشتري بأن أكله أو أتلفه بإحراق كالحطب أو بأي صورة من الصور.
هذه الصورة الأولى: إذا تلف المبيع.
(أو أعتق العبد) أي: أو أعتق المشتري العبد فهنا فاتت السلعة لأن العبد صار حراً لا يباع ولا يشترى.
-
يقول ﵀:
- تعين الأرش.
يتعين في هذه الصورة الأرش:
- لأن الرد متعذر.
ونحن سبق وأن قلنا أنه إذا تعذر الرد فإنه يتعين الأرش حتى على القول الثاني الذين لا يرون أخذ الأرش إذا اختار المشتري الإمساك.
ففي هذه الصورة كالاتفاق بينهم أنه إذا تعذر الرد فله الأرش لأنه ليس هناك حل آخر.
ثم انتقل المؤلف ﵀ إلى نوع آخر من التعذرات:
- فقال ﵀:
- وإن اشترى ما لم يعلم عيبه بدون كسره، كجوز هند وبيض نعام، فكسره فوجده فاسداً فأمسكه: فله أرشه، وإن رده: رد أرش كسره، وإن كان كبيض دجاج: رجع بكل الثمن.
هذه المسائل واحدة وهي: إذا لم يمكن العلم بالعيب إلا بعد كسر السلعة فهذا ينقسم إلى قسمين:
ـ القسم الأول: ما لمكسوره قيمة مالية. يعني: السلعة التي لها قيمة مالية حتى بعد الكسر. كبيض النعام وجوز الهند. لأن بيض النعام وجوز الهند يستخدم بعد الكسر كإناء أو كوعاء. فلمكسوره قيمة مالية.
فإذا كان لمكسوره قيمة مالية خير المشتري بين أمرين: ـ إما أن يرد السلعة ويرد معها الأرش لأنه أتلف ما لمكسوره ماليه - أتلفه على البائع.
ـ أو يمسك وله الأرش.
стр. 1443
ويستثنى من هذا صورة واحدة وهي واضحة عند التأمل وهي: ما إذا كسر هذه السلعة بما لا يفوت ماليتها كأن يكسرها بالنصف فالآن يستطيع البائع أن ينتفع بها تماماً أي: كوعاء. لكن إن كسرها بما يفوت ماليتها فالحكم هو: أنه يخير بين: الإمساك وأخذ الأرش. أو الرد ودفع الأرش.
ـ القسم الثاني: ما ليس لمكسوره مالية كالبيض والبطيخ. فهذه السلع إذا كسرت ليس لقشور البيض ولا لقشور البطيخ أي ثمن ولا ينتفع به بشيء.
فهذا حكمه أن يرجع المشتري بكامل الثمن. لأنا تبينا أن هذه السلعة لا نفع فيها ومن شروط صحة البيع أن يكون المبيع مما ينتفع به.
ويترتب على ذلك: أنه لا يجب على المشتري أن يرد الكسر لا كسر البيض في المثال ولا كسر البطيخ لأنه لا قيمة له شرعاً فلم يلزم برده.
إذاً: عرفنا الآن الفرق بين ما يكسر وله قيمة وما يكسر وليس له قيمة. وأن بينهما فرقاً في النتيجة.
وإذا تأملت وجدت أن هذا معنى كلام المؤلف ﵀ وقد أوضحه إيضاحاً جيداً:
يقول ﵀: (وإن اشترى ما لم يعلم عيبه بدون كسره، كجوز هند وبيض نعام) هذا أمثلة ما لا يعلم عيبه بدون كسره. لكن إذا كان مما ينتفع بكسره (فكسره فوجده فاسداً) فالحكم (أمسكه: فله أرشه، وإن رده: رد أرش كسره).
(وإن كان كبيض دجاج) وهذا هو القسم الثاني الذي ليس لمكسوره مالية (رجع بكل الثمن) لأنا تبينا أنه ليس له قيمة في الشرع.
ثم انتقل المؤلف ﵀ إلى مدة خيار العيب:
- فقال ﵀:
- وخيار عيب متراخ.
(خيار العيب متراخ) يعني: أنه يثبت للمشتري على التراخي ولو لم يبادر برد السلعة.
دليل الحنابلة:
- قالوا: أن هذا الخيار إنما شرع لدفع ضرر متحقق فلم يبطل بالتراخي.
وإذا اختار المشتري الرد فإن السلعة تكون أمانة في يده. هذا كله تفصيل مذهب الحنابلة.
= القول الثاني: أن خيار العيب يثبت على الفور: إما أن يرد أو يمسك.
- لأن في التأخير إيقاع الضرر على البائع والنبي ﷺ يقول: (لا ضرر ولا ضرار).
وهذا القول اختاره شيخ الإسلام ولا يخفى إن شاء الله أنه أرجح القولين.
стр. 1444
لأن المشتري: نقول له: إما أن ترد وإما أن تمسك. أما أن لا ترد ولا تمسك فإن هذا لا معنى له وهو من الإضرار بالبائع.
يستثنى من هذا إذا لم يعلم المشتري بالعيب إلا بعد حين.
ويستثنى أيضاً: إذا علم بالعيب ولم يتمكن لظرف خاص من إخبار البائع ولا من تسليم السلعة إلا بعد زمن فكذلك يثبت له الخيار ولو بعد فترة في هاتين الصورتين. أنه معذور.
(الصورة الثانية/ أن يعلم بالعيب لكن لا يتمكن من إخبار البائع ولا من إرجاع السلعة إلا بعد فترة لظرف طارئ فحينئذ له الخيار ولو تباعد الوقت).
-
ثم قال ﵀:
- ما لم يوجد دليل الرضا.
هذا مفرع على قول الحنابلة أن خيار العيب يثبت على التراخي يشترط الحنابلة أنه يثبت على التراخي إلا إذا ظهر من المشتري ما يدل على الرضا. كتصرفه. وهو أوضح علامات الرضا.
إذا تصرف بالمبيع ببيع أو هبة أو إهداء فإن هذا من أدلة الرضا.
وهذا مثال/ التصرف مثال. كل ما يدل على الرضا فإنه يقطع خيار العيب.
وظاهر كلام احنابلة هنا أنه من غير الأرش. إذا ظهر منه ما يدل على الرضا مع علمه بعيب السلعة فإن العقد يثبت ولا خيار للمشتري ولا أرش.
= والقول الثاني: أنه إذا ظهر منه ما يدل على الرضا ثبت العقد لكن مع الأرش.
- لأن غاية ما يدل عليه التصرف الرضا بالمبيع دون إسقاط حقه بالأرش.
وهذا القول الثاني هو القول الصحيح إذا قلنا بأخذ الأرش في العيوب.
وتقدم معنا الخلاف في قضية هل يؤخذ الأرش أو لا يؤخذ الأرش؟
- ثم قال ﵀:
- ولا يفتقر إلى حكم ولا رضا ولا حضور صاحبه.
(ولا يفتقر) يعني: الفسخ لا إلى الرضا ولا إلى الحضور ولا إلى حكم حاكم.
لماذا؟
- لأن الفسخ من الحقوق الثابتة للمشتري فلا تحتاج مع ذلك إلى رضا ولا حكم حاكم كالطلاق. فالطلاق من حقوق الزوج له أن يطلق بلا رضا الطرف الآخر ولا حكم حاكم.
وكالرجعة فإن الرجعة من حقوق الزوج فله أن يراجع بلا رضا الزوجة ولا الأولياء وبلا حكم حاكم.
وهكذا كل حق ثابت للشخص فله أن يستعمل هذا الحق بدون رضا الطرف الآخر ما دام حقاً خاصاً به.
-
قال ﵀:
- وإن اختلفا عند من حدث العيب: فقول مشتر مع يمينه.
стр. 1445
مسألة مهمة جداً وتكثر الحاجة إليها: وهي: إذا اختلفا عند من حدث العيب؟
= فالحنابلة يرون أنه إذا اختلف البائع والمشتري عند من حدث البيع فالقول قول المشتري. فقوله مقدم وهو من المفردات التي انفرد بها الحنابلة عن بقية المذاهب الأربعة.
واستدلوا على هذا:
- بأن العيب جزء الأصل فيه عدم التسليم فثبت الخيار لذلك للمشتري.
هذا مذهب الحنابلة وهو كما قلت من المفردات.
= القول الثاني: مذهب الجماهير من اهل العلم - من المذاهب الثلاثة وغيرهم من فقهاء المسلمين أن القول قول البائع.
واستدلوا بدليلين:
- الأول: أن الأصل السلامة من العيوب. فإن العيب الأصل عدمه وهذا صحيح./ الأصل عدم العيب.
- الثاني: استدلوا بحديث ابن مسعود وهو حديث صحيح: أن النبي ﷺ قال: (إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع أو يترادان).
وهذا الحديث نص في أنه عند الاختلاف فالقول المقدم قول البائع.
وهذا القول الثاني هو القول الصحيح.
والسبب: أن الحديث نص في المسألة. فالنبي ﷺ يقول: (إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع أو يترادان).
* * مسألة/ الحنابلة يرون أن القول قول المشتري لكن يشترطون لهذا شرطاً وهو أن لا تخرج السلعة من يده إلى يد شخص آخر فإن خرجت فليس له خيار لأن العيب قد يحدث عند هذا الشخص الآخر.
فإذا أعار المشتري السلعة لأحد أو وضعها عنده أمانة أو خرجت إلى يد شخص آخر بأي سبب من الأسباب حينئذ سقط خيار المشتري لأن العيب قد يحدث عند هذا الشخص الآخر. هذه المسألة مفرعة على اختيار الحنابلة وهو أن يكون القول قول المشتري وعرفت أن الراجح أن القول قول البائع أو يترادان كما في الحديث.
-
ثم قال ﵀:
- وإن لم يحتمل إلاّ قول أحدهما: قبل بلا يمين.
إذا دلت القرينة أن قول أحدهما هو الصواب فالقول قوله ولا يطالب باليمين.
- لأنا لا نطالب أحداً باليمين إذا ثبت صدقه وظهر بما لا يدع مجالاً للشك.
فمثلاً/ إذا كان العيب هو عبارة عن زيادة أصبع فقال المشتري هذا العيب موجود من قبل العقد وقال البائع بل هو بعد العقد. فالقول قول من؟ المشتري. لماذا؟ لأنه لا يمكن أن يظهر الأصبع وينبت بساعة فهذا غير مقبول.
стр. 1446
مثال آخر/ ((نقص في التسجيل ....................................... ))
مذهب الحنابلة أن خيار التخبير بالثمن يثبت في هذه الصور فقط دون ما داها من الصور.
وهذه الصور: التولية والشركة والمرابحة والمواضعة. يثبت فيها خيار التخبير إذا بان الأمر على خلاف ما أخبر به البائع. وهذه البيوع من أنواع البيوع وإنما اختصت باسم لاختصاصها بصفات كما نقول في السلم. السلم نوع من البيوع لكنه اختص بهذا الاسم لاختصاصه بصفات خاصة به.
كذلك التولية والمرابحة والشركة والمواضعة هي من البيوع لكنها اختصت بهذا الاسم لاختصاصها بصفات معينة.
- قال ﵀:
- ويثبت في التولية.
التولية: هو البيع برأس المال مع الإخبار به.
كأن يقول البائع/ بعته عليك بمثل ما اشتريته به.
فإذا قال: بمثل ما اشتريته به فهذا بيع يسمى بيع: تولية. لأنه باع سلعة بنفس ما اشتراها به.
- ثم قال ﵀:
- والشركة.
الشركة: أن يبيع بعض السلعة بقسطها من الثمن.
كأن يقول/ شاركتك في هذه السلعة.
وإذا قال: شاركتك وأطلق فالأصل عند الحنابلة أنه شريك معه في النصف لأن الشراكة المطلقة تتقتضي التنصيف.
وإذا قال: شاركتك في هذه السلعة بالربع فعلى المشتري أن يدفع كم؟ ربع الثمن وهو شريك في ربع السلعة.
إذاً: المشاركة هي أن يدخل المشتري مع البائع شريكاً في السلعة بقسطها من الثمن.
وإنما صارت من بيوع التخبير لأنه يبيع عليه جزء السلعة بما أخبر به من رأس المال.
فإذا قال اشتريت هذه السلعة بمائة ريال ثم اشترك معه مشاركة مطلقة فكم سيدفع المشتري؟ خمسين ريالاً.
إذاً: لهذا السبب صارت من بيوع التخبير.
- ثم قال ﵀:
- والمرابحة.
المرابحة أن يبيع السلعة برأس لمال وربح معلوم.
فإذا قال البائع بعت عليك هذه السلعة مرابحة عشرة بالمائة واشتريتها بمائة كم سيدفع المشتري؟ مائة وعشرة.
إذاً هي البيع برأس المال مع ربح لابد أن يكون هذا الربح معلوماً.
عكسها المواضعة: وهي أن يبيع برأس المال مع خسارة معلومة.
كأن يقول/ أبيع عليك برأس مالها مع خسارة عشرة بالمائة فإذا اشتراها بمائة فكم سيدفع المشتري؟ تسعين.
إذاً المواضعة هي عكس المرابحة.
стр. 1447
وهذه هي صور خيار التخبير وسيأتينا إن شاء الله في الدرس القادم كيفية الخيار والخلاف بين أهل العلم فيه.
هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ...
стр. 1448
شرح كتاب البيع الدرس رقم (١٢)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
كنت بالأمس تكلمت عن الخيار الذي يثبت بسبب التخبير بالثمن، وأخذنا تبعاً لذلك البيوع الاربعة وعرفنا ما هي البيوع الأربعة، اليوم نبين ما يتعلق بهذه البيوع الاربعة من أحكام.
- فيقول المؤلف ﵀:
- ولابد في جميعها من معرفة المشتري رأس المال.
لابد لصحة هذه البيوع أن يعرف المشتري وأيضاً البائع، لكن المؤلف ﵀ اكتفى بالمشتري لأن البائع غالباً ما يكون عارفاً بالثمن، لكن في الأصل يشترط معرفة البائع والمشتري لرأس المال، بأن يخبر البائع المشتري عن رأس المال.
علة هذا الوجوب:
- أن معرفة الثمن من شروط صحة البيع كما تقدم معنا، ولا يمكن أن تعرف قيمة هذه السلعة إلا إذا عرف رأس المال، لأنه يبيع برأس المال إما بزيادة أو نقص أو مساوياً، ولا يمكن أن نعرف الثمن إلا إذا عرفنا رأس المال.
فإذاً بيوع التولية والمرابحة والشركة والمواضعة لا تصح إلا إذا بين البائع للمشتري رأس المال، والسبب في ذلك كما قلت: أن معرفة الثمن من شروط صحة البيع، ولا يمكن معرفة الثمن في هذه البيوع الأربعة إلا إذا عرف مقدار رأس المال.
* * مسألة/ ظاهر كلام المؤلف ﵀ أنه يثبت الخيار للمشتري في هذه البيوع الأربع إذا بان أقل أو أكثر، إذا بان الأمر على خلاف ما أخبر به البائع: بين الإمساك والرد.
وقد خالف المؤلف ﵀ المذهب في هذه المسألة.
عرفنا ما هو قول المؤلف ﵀ وهو ثبوت الخيار بين الإمساك والرد، وباقي أن نعرف المذهب الذي خالفه المؤلف ﵀.
стр. 1449
= فالمذهب أن البيع في هذه البيوع الاربع يصح ويقع لازماً ولو أخبر البائع بخلاف الصدق، لكنه يصح ويلزم مع حط الثمن، أي: مع حط المقدار الزائد الذي أخبر به البائع على غير وجه الصدق، ومع حطه أي: الزائد، ومقدار الربح في المرابحة، ومع حطه ومقدار الخسارة في المواضعة.
المثال الموضح: ـ إذا باع شخص على شخص سلعة وأخبره أن رأس المال فيها مائة وباعها تولية، فكم الثمن؟ مائة، ثم إذا تبين أن القيمة الحقيقية لهذه السلعة هي ثمانون، فعلى قول المؤلف ﵀: للمشتري الخيار بين الإمساك والرد، وعند الحنابلة ليس له خيار وإنما يقع البيع لازماً ولكن له أن يحط مقدار الزيادة، فيصبح السعر: بثمانون.
كذلك في المرابحة والمشاركة والمواضعة، ففي المرابحة مثلاً: إذا باع عليه السلعة مع ربح عشرة بالمائة، ونحن عرفنا أن المرابحة هي البيع مع ربح معلوم، فإذا باع عليه مع ربح معلوم وهو عشرة بالمائة - في المثال - وأخبره أن رأس المال مائة، فكم الثمن؟ مائة وعشرة، ثم إذا تبين أن الثمن الحقيقي يعني: رأس المال هو: تسعون، فسنحط من الثمن الأصلي عشرة ومن مقدار الربح عشرة بالمائة: واحد لأنك ستنقص من مقدار الربح، فستنقص من رأس المال وستنقص من مقدار الربح بنفس القيمة الحقيقية، فسيدفع بدل مائة وعشرة تسعة وتسعون، فسيدفع بعد خصم ما يقابل رأس المال وما يقابل نسبة الربح، وهكذا في الشركة وفي الوضيعة نفس الشيء، فلو باع وضيعة، يعني: برأس المال وخسارة عشرة بالمائة، ففي المثال إذا أصبح تسعين فسيكون الثمن ثامنين وننقص عشرة بالمائة، وهكذا نجري المثال كما قلنا في المرابحة.
هذا هو القول الثاني وهو الذي يمثل المذهب.
دليل الحنابلة:
- قالوا: أنه إذا ظهر أن البائع تولية أو مرابحة لم يخبر برأس المال على الوجه المطلوب ثم تبين أنه أقل فإن هذا لم يزد المشتري إلا ربحاً، فهو قد رضي بشراء السلعة في المثال بمائة وعشرة والآن أصبحت بتسعة وتسعين، فإذا هذا البيان لم يزد المشتري إلا خيراً، فلا يثبت له الخيار وإنما له أن يحط من الثمن فقط.
стр. 1450
وإذا تأملت وجدت أن قولهم قوي جداً وأنه لا معنى لإثبات الخيار بين الفسخ والرد للبائع في مثل هذه الصور لأنه رضي بالأكثر فكيف لا يرضى بالأقل.
= القول الثالث: أنه يثبت الخيار للمشتري مطلقاً.
- لأن المشتري يخشى أن البائع كما خان في الثمن الأول يخون في الثمن الثاني.
- ولأن المشتري قد يكون له غرض في الثمن الأول الذي تبين أنه ليس بصحيح. فيثبت له الخيار.
من أمثلة أن يكون له غرض في الثمن الأكثر أن يكون المشتري قد حلف أن يشتري هذه السلعة بهذا الثمن فهو لا يخرج من يمينه إلا إذا اشتراها بالثمن الأول، فالذي يحقق غرض المشتري هو الثمن الأكثر في مثال المرابحة.
الراجح: الراجح هو المذهب، وأنه لا يثبت الخيار، بل له فقط أن يحط بمقدار الزيادة، إلا إذا تبين أن هناك سبباً يقتصي ثبوت الخيار كالأمثلة المذكورة في القول الثاني.
إذاً نقول الأصل أنه لا يثبت الخيار إلا إذا وجد ما يدعو إلى إثبات الخيار فحينئذ نثبت الخيار، وإلا من حيث الأصل أنه لا خيار، ومذهب الحنابلة وجيه جداًومتوافق مع المنطق وقل أن يكون للمشتري غرض بأن يشتري بأكثر من السعر الذي حصل له بعد اكتشاف خيانة البائع، فهذا قل أن يقع، والحكم في الشرع للغالب لا للنادر، فنحن نقول: الراجح أنه لا خيار والبيع لازم وإنما يحط له من القيمة بمقدار ما زاد البائع.
- ثم قال ﵀:
- وإن اشتراه بثمن مؤجل.
يعني: وإن اشترى البائع هذه السلعة بثمن مؤجل ولم يبين للمشتري أنه اشترى هذه السلعة بهذا الثمن لكن مؤجلاً، فإنه يثبت للمشتري الخيار بين الإمساك والرد، وهذا عند المؤلف ﵀.
مثال ذلك: إذا اشترى زيد سلعة (سيارة) بمائة ألف أقساط ثم ذهب يبيع هذه السيارة تولية، و ... للمشتري الجديد أنه اشترى هذه السيارة بمائة ألف وأنه سيبيع عليه بمثل ما اشترى به يعني تولية، فيقوم المشتري ويدفع مائة ألف ثم يتبين بعد ذلك أنه اشترى هذه السيارة بثمن مؤجل، فعند المؤلف ﵀ للمشتري الثاني الخيار بين الفسخ والرد لأنه تبين أن البائع غشه بإخبار الثمن من حيث الصفة لا من حيث المقدار.
стр. 1451
= والقول الثاني: أنه لا يثبت للمشتري الخيار بل يقع البيع لازماً ولكن للمشتري الثاني الأجل الذي يساوي أجل البائع الأول. فنثبت للمشتري نفس الأجل الذي ثبت للبائع ونجعل البيع لازماً.
- لأن المشترب الثاني لم يزده هذا الحكم إلا خيراً فإنه اشترى في الأول مائة نقداً والآن اشترى بمائة مؤجلاً، وهذا فيه زيادة خير للمشتري كما قلنا في المسألة السابقة.
وهذا هو الراجح، إل في صورة واحدة وهي إذا دخل الضرر على المشتري بسبب التأجيل فحينئذ له الرد، يعني: الفسخ.
من أبرز وأوضح وأشهر الأمثلة على أن يدخل الضرر على المشتري بسبب تمكينه من الشراء مؤجلاً: أن يكون هذا سبباً في إضاعة المال، لأن بعض الناس إذا بقي المال بيده ضاع عليه وصرفه في ما ينفع وما لا ينفع بينما إذا دفع نقداً صار هذا سبباً في حفظ المال، فإذا كان هذا البائع الثاني من الناس الذين لا يحسنون التصرف بالمال فلاشك أن تمكينه من البيع المؤجل فيه إضاعة للمال عليه، فحينئذ يثبت له الخيار بين الفسخ والرد، ولا نقول: إذا خشي من تلف المال فليدفع المال نقداً، لأن البائع باع عليه تولية برأس المال وكتم عنه التأجيل، فثمن هذه السلعة في الواقع إذا أراد أن يشتريها نقداً أقل من مائة، فإذاً لا يجوز أن نلزمه بالدفع إذا كان يضره الانتظار بل له الفسخ لأنه مظلوم.
- ثم قال ﵀:
- أو ممن لا تقبل شهادته له.
معنى هذه العبارة: أي إذا اشترى البائع ممن لا تقبل شهادته له كأبيه وابنه وزوجته ولم يخبر المشتري أنه اشترى من هذا الشخص، فحينئذ يثبت للمشتري الثاني الخيار بين الإمضاء والإمساك وبين الرد والفسخ.
وهذا الحكم عند المؤلف ﵀ وعند الحنابلة، فالمؤلف ﵀ لم يخالف في هذا الحكم الحنابلة، وإنما خالفهم في مسألة البيع المؤجل، وفي مسألة بيوع التولية إذا أخبر بخلاف الواقع.
стр. 1452
التعليل في أنه يثبت له الخيار أن الإنسان إذا باع واشترى مع مثل هؤلاء، مع من لا تقبل شهادته له فإنه غالباً سيراعيه ويجامله وهذا يكون على حساب المشتري الجديد، فالواجب أن يخبر المشتري الجديد أنه اشترى هذه السلعة بهذا الثمن لكن ممن لا تقبل شهادته له، وهذا يؤكد ما تقدم معنا في الدرس السابق أن هذه البيوع - البيوع بتخبير الثمن - أضيق من بيوع السوم، لأنه ملزم بالإخبار عن التفاصيل الدقيقة حتى أنه يجب عليه أن يخبر ممن اشترى إذا كان لهذا أثر على الثمن كما في هذا المثال.
فهو في الحقيقة ما ينبغي أن الإنسان يبيع بيوع تخبير إلا إذا بين كل شيء حتى ما يظن هو أنه ليس له علاقة.
ثم قال ﵀:
- أو بأكثر من ثمنه حيلة.
يعني: إذا اشتارى البائع هذه السلعة بأكثر من ثمنها حيلة ليرجع فيبيع هذه السلعة تولية على شخص آخر.
مثاله: أن يشتري الشخص من غلامه الذي أعتقه بثمن مرتفع حيلة فيشتري السيارة التي تقدر بسبعين بمائة ويعطي الثمن لغلامه وهو إذا أعطى الثمن إنما يعطيه لغلامه الحر وهم قالوا الحر لأن العبد لا يشتري من سيده ولا يشتري سيده منه ثم يذهب إلى السوق ويبيع هذه السلعة بيع تولية بمائة وهذه الزيادة حيلة ليتمكن من تصريف هذه السلعة بثمن أكبر من ثمنها الحقيقي، ففي مثل هذه الحالة يثبت الخيار للمشتري بين الإمساك والرد ويعتبر هذا العمل من الغش والخداع للمسلمين، لأنه لا شك خدعه وغشه بأن يشتري بأكثر من ثمنها حيلة.
стр. 1453
ـ من ذلك أيضاً وهو أقبح من هذه السورة: أن يشتري من شخص آخر من أجنبي بثمن مرتفع ويتفقا أن الربح الذي يحصل بعد ذلك إذا باعه تولية يقسم بينهما. فيأتي لزيد ويقول: سأشتري منك هذه السلعة بثمن أكثر من ثمنها الحقيقي ليتمكن من بيعها تولية وأقول اشتريت برأس المال لأن كثيراً من الناس إذا جاء ورأى التاجر الذي يعرف الأسعار وقال له التاجر أنا اشتريت هذه السلعة بهذا الثمن سأبيعها بنفس الثمن يتشجع لأنه يعلم أن هذا التاجر لم يخدع فيقول إذا كان هذا التاجر اشترى بهذا السعر فأنا أشتري بهذا السعر فإذا كان التاجر زاد في السعر حيلة ليتمكن من أخذ ربح زائد على الثمن الحقيقي للسلعة فهو حيلة محرمة وهو آثم وللمشتري إذا تبين الأمر الخيار بين الإمساك والرد.
وألحق الفقهاء ثلاث صور ذكرها في الشرح:
ـ الصورة الأولى: المحاباة. أن يشتري بثمن مرتفع محاباة لا حيلة، يعني: أن يأتي شخص إلى رجل فقير يبيع السلع ويشتري منه السلعة التي تقدر بخمسين بمائة محاباة وإعانة له، نقول له: أنت محسن بالإعانة لكن إذا أردت أن تبيع هذه السلعة بتخبير الثمن فيجب أن تخبر برأس المال وأنك اشتريت هذه السلعة محاباة وإعانة للبائع، فإن لم يخبر فإنه يثبت أيضاً للمشتري الخيار بين الإمساك والرد.
- والصورة الثانية: إذا اشترى لرغبة تخصه. إذا كان في السلعة رغبة تخص هذا المشتري الأول بالذات وأما سائر الناس فلا تعنيهم هذه الصفة فإذا أراد الإنسان أن يشتري لرغبة تخصه فسيشتري السلعة مهما ارتفع الثمن، وإن ارتفع عن السعر المعتاد بالنسبة لهذه السلعة لأن فيها صفة خاصة تخصه هو، فإذا اشترى على هذه الطريقة فيجب عليه أن يبين أنه اشتراها لوجود صفة خاصة به وأن سعر هذه السلعة في السوق ليس بهذا الارتفاع الذي اشتراها هو به.
стр. 1454
وهذا موجود كأن يشتري سيارة لصفة تخصه هو ولا تخص الناس أو يشتري كتاباً وهذا قد يقع - يخصه هو ولا يخص الناس، مثال ذلك وهو كثير أن يشتري الإنسان مخطوطة باهضة الثمن لأن له فيها حاجة خاصة بأن يراجع مسألة لا توجد إلا في هذا المخطوط أو لأي غرض بينما سائر الناس لا تعنيهم هذه المخطوطة لا من قريب ولا من بعيد فليست من المخطوطات النفيسة ولا فيها زيادة عن غيرها، فإذا أراد أن يبيع وأراد ن يبيع بتخبير الثمن فيجب أن يخبر أنه اشتراها لصفة خاصة به.
- والمثال الأخير: إذا اشترى في موسم يفوت. إذا اشترى في موسم ترتفع فيه بعض السلع ثم فات فلا يجوز له أن يبيع بتخبير الثمن بدون أن يخبر أنه اشترى هذه السلعة في موسم فات.
مثال ذلك: مع بداية الدراسة موسم للأدوات القلمية، ومع قرب الحج موسم لأشياء كثيرة مثل السيارات الكبيرة والهدي والأضاحي التي تهدى للحرم.
فإذا اشتراها بثمن مرتفع بسبب أنها في موسم الحج ثم أراد أن يبيع هذه السلعة فلا يجوز أن يبيع بتخبير الثمن إلا إذا أخبر ألأنه اشتراها في الموسم.
- ثم قال ﵀:
- أو باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن ولم يبين ذلك في تخبيره بالثمن: فلمشتر الخيار بين الإمساك والرد.
أو باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن ولم يبين ذلك في تخبيره بالثمن، يعني: ثبت للمشتري الخيار بين الإمساك والرد.
صورة هذه المسألة: إذا اشترى الإنسان شيئين بصفقة واحدة بثمن واحد، ثم أراد أن يبيع أحد هذين الشيئين بقسطه من الثمن فإنه يجب عليه وجوباً أن يخبر أنه اشترى هذه السلعة صفقة، يعني: مع سلعة أخرى، بهذا القيد: أن يكون بثمن واحد.
لماذا؟
تعليل أنه يجب أن يخبر: التعليل أن تقسيط الثمن على السلعتين مما تختلف فيه الأنظار وهو من الظن والاحتمال وليس من القطع فيجب أن يعلم المشتري أن تقسيم وتقسيط الثمن على السلعتين قام به البائع حتى يقرر هو هل يشتري أو لا يشتري.
стр. 1455
ويستثنى من هذا صورة واحدة: إذا كان البائع الأول اشترى سلعتين متطابقتين تماماً فحينئذ لا يجب عليه حتى لو باع بتخبير الثمن أن يخبر أنه اشترى هذه السلعة صفقة، لأن هذه السلعة كالسلعة الأخرى تماماً فالثمن يقسم على السلعتين بالمناصفة ولا إشكال ولو لم يخبر بالثمن أما إذا اشترى مثلاً سيارتين من نوعين مختلفين صفقة يعني بسعر واحد ثم هو يرى أن هذه السيارة لها ثلث الثمن وهذه السيارة لها ثلثا الثمن وأراد أن يبيع بتخبير الثمن فيجب أن يخبر المشتري الجديد أن تقدير الثمن من سعر الصفقة قام به هو حتى ينظر المشتري الجديد إن رأى أن هذا التقسيم صحيح قبل وإلا رد.
إذاً: هذا هو الحكم.
يقول المؤلف ﵀: في الصور السابقة جميعاً من قوله: (وإن اشتراه بثمن مؤجل) هذه المسألة الأولى، والثانية: (أو ممن) والثالثة: (أو بأكثر) والرابعة: (أو باع بعض الصفقة) فالحكم في الصور جميعاً:
فلمشتر الخيار بين الإمساك والرد.
لما تقدم من أن هذه الأعمال تعتبر من الغش والخيانة والخديعة التي تثبت للمشتري الجديد الخيار بين الإمساك والرد.
وتقدم معنا أن المؤلف ﵀ متوافق مع الحنابلة في المسائل الثلاث الأخيرة وأنه يختلف مع الحنابلة في المسألة الأولى، ففي المسألة الأولى تقدم أن الصواب أنه لا يثبت للمشتري الخيار وهو المذهب وتقدم معنا.
- ثم قال ﵀:
- وما يزاد في ثمن أو يحط منه في مدة خيار.
المقصود هنا: خيار الشرط أو خيار المجلس.
فإذا اشترى الإنسان السلعة بثمن معين ثم في مدة الخيار زاد في الثمن أو نقص فإنه يجب على البائع بتخبير الثمن أن يخبر المشتري الجديد بالسعر الأول والزيادة ولا يكتفي بالسعر الأول دون الإخبار بالزيادة أو بالنقص، والتعليل: أن الزيادة أصبحت جزءاً من الثمن الذي هو رأس المال والذي يجب أن يبين في بيوع التخبير، فيجب عليه أن يبين فإن لم يبين يثبت للمشتري الخيار.
стр. 1456
مثال هذا: إذا اشترى أرضاً بمائة ألف ثم في مدة خيار المجلس - إن تصور المثال - أو في مدة خيار الشرط وهو يتصور كثيراً ارتفعت الأسعار فجأة فحينئذ سيقول البائع للمشتري إما أن تزيد في الثمن أو أستعمل خيار الشرط وأبطل البيع، فإذا زاد في الثمن واشترى المشتري مع الزيادة فعليه إذا أراد أن يبيع أن يبين رأس المال الأصلي مع الزيادة وكذلك رأس المال الأصلي مع النقص.
- ثم قال ﵀:
- أو يؤخذ أرشاً لعيب أو جناية عليه: يلحق برأس ماله ويخبر به.
يعني: وإذا أخذ البائع مع الثمن أرشاً عن العيب أو أرشاً على الجناية على المبيع فإنه يجب عليه أن يبين إذا أراد أن يبيع بالتخبير الثمن الأصلي والأرش المضاف على الثمن.
وقال الحنابلة في هذه الصورة: يجب أن يبين على وجهه، معنى ذلك: أن يقول: اشتريت هذه السلعة بمائة وأخذت أرش العيب ثلاثين، صارر الثمن: سبعين، فلا يجوز له أن يقول: ثمن هذه السلعة سبعين، بل يجب أن يقول: اشتريت هذه السلعة بمائة وأخذت أرش العيب ثلاثين، فأصبح الثمن سبعين.
كذلك الجناية على المبيع: فلو جنى على المبيع الذي اشتراه بمائة وكانت قيمة الجناية ثلاثين فستكون قيمة المبيع سبعين، فيجب أن يبين بالتفصيل ما حصل له.
هذا هو مذهب الحنابلة.
= والقول الثاني: أن له أن يحط الأرش من السعر ويخبر بالباقي، لأن هذا حقيقة السلعة فهي الآن أصبحت بسبعين كما في المثال - مثلاً - وهو إذا أخبر فإنما يخبر بالواقع.
وهذا القول - من وجهة نظري - ضعيف جداً بل يجب أن يخبر بالتفصيل لأن النقص الذي كان بسبب العيب ينقص السلعة، ثم هل يستوي أن يشتري الإنسان السلعة ابتداء بسبعين وبين أن يشتري السلعة بمائة ثم يكتشف عيب ويأخذ أرش هذا العيب وتصبح بسبعين هل يستوي هذا عند المشتري الجديد أن يعلم أو أن لا يعلم ذلك؟ قطعاً أنه لا يستوي فإنه في المثال الثاني ستنقص السلعة لأن نقصان السعر صار بسبب العيب أو بسبب الجناية وكل منهما يسبب نقصان مالية السلعة.
فالصواب: كما قال الحنابلة أنه يجب أن يخبر بدقة وتفصيل، وإذا استثقل هذا التفصيل وهذه الدقة فليبع مساومة ولا يبع بتخبير الثمن.
- ثم قال ﵀:
стр. 1457
- وإن كان ذلك بعد لزوم البيع: لم يلحق به.
الإشارة بذلك: فقط إلى مسألة الزيادة والنقص في الثمن دون أخذ أرش العيب أوالجناية فأخذ أرش العيب أو الجناية يجب أن يخبر به مطلقاً ولو بعد العقد.
أما الزيادة والنقص فيجب أن يخبر بها قبل العقد يعني قبل تمام العقد ولا يجب أن يخبر بها بعد تمام العقد.
لماذا؟
- أما وجوب الإخبار بأرش العيب وأرش الجناية فلأن هذا أصبح جزءاً من الثمن الذي يجب أن يخبر به وهذا لا يختلف أن يكون بعد أو قبل العقد.
- وأما عدم وجوب الإخبار بالزيادة والنقص بعد العقد لأن هذه الزيادة أو النقص في الحقيقة ليست من الثمن وإنما هي تبرع.
مثال ذلك: إذا اشترى زيد من عمرو سلعة بمائة ريال ثم لما أراد عمرو أن يسلم مائة ريال قال زيد يكفي أن تسلم تسعين بعد تمام العقد وانتهاء خيار الشرط وخيار المجلس.
في الحقيقة خصم هذه العشرة إنما هي تبرع وليس لها علاقة بقيمة المبيع، فلا يجب على البائع بتخبير الثمن أن يقول أنه خصم لي في هذه السلعة كذا وكذا لأن هذا تم بعد العقد.
وهذا هو مذهب الحنابلة وهو وجيه ومع ذلك أقول: لو أنه أخبر بذلك لكان هو الأولى ما دام يبيع بتخبير الثمن لماذا؟ لأن الغالب أن البائع الأول إنما يحط من الثمن لأنه غالباً يكون رفع سعر السلعة فإذا أراد أن يستلم الثمن الباهض حط له من السعر اختياراً لكن مراعياً سعر السلعة في السوق فينبغي ويتأكد حتى ولو كان بعد العقد إذا حط البائع الأول من الثمن أن تخبر بذلك إلا فتجنب قضية البيع بتخبير الثمن.
- ثم قال ﵀:
- وإن أخبر بالحال فحسن.
يعني: في الأحوال التي لا يجب أن يخبر فيها بالحال فالأولى والأحسن أن يخبر لأن هذا أكمل في الورع وأقرب إلى الصدق.
وبهذا انتهى النوع السادس من الخيار ونبدأ بالنوع السابع.
- قال ﵀:
- السابع: خيار لاختلاف المتبايعين.
стр. 1458
النوه السابع هو الخيار الذي يثبت بسبب اختلاف المتبايعين ولاحظ أن المؤلف ﵀ أطلق الاختلاف لأنه سيبين أنواع هذا الاختلاف إذ قد يكون الاختلاف في قدر الثمن وقد يكون في قدر المثمن وقد يكون في نوع السلعة وقد يكون في نوع الثمن وقد يكون في اشتراط شرط وقد يكون في التأجيل وقد يكون في الرهن.
إذاً أنواع الاختلافات بين البائع والمشتري كثيرة ولذلك أطلق ثم سيبين كل نوع على حدة.
بدأ الشيخ بالاختلاف المتعلق بقدر الثمن وإنما بدأ به المؤلف ﵀ لأنه أكثر أنواع الاختلافات بين المتبايعين فإن الاختلاف غالباً هو في القيمة في قدر الثمن، قد يكون فيه اختلاف في السلعة وسيأتينا لكن الغالب أنه في قدر الثمن. = المذهب:
- يقول المؤلف ﵀:
- فإذا اختلفا في قدر الثمن تحالفا.
إذا اختلفا في قدر الثمن فالحكم عند الحنابلة أن يحلف كل منهما - سيأتينا من يبدأ وكيف يبدأ؟ - لكن نحن الآن معنيون بالحكم الأصلي تحالفا ثم إذا لم يرض أحدهما بقول الآخر انفسخ البيع. هذا هو الحكم عند الحنابلة. ولو أن المؤلف ﵀ قال: تحالفا ولكل الفسخ ثم بين طريقة الحلف لكان أوضح وأكمل في الحكم. على كل الآن نقول: إنه إذا اختلفا في قدر الثمن في قدر الثمن تحالفا ثم إذا لم يرض أحدهما بقول الآخر - كما سيأتينا - انفسخ البيع.
الدليل:
- قالوا: الدليل على هذا: أن كلاً من البائع والمشتري مدع لما ينكره الآخر فكل منهما مدع من وجه ومنكر من وجه آخر. والنبي ﷺ يقول: (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر) وهنا كل منهما منكر، فاليمين على كل منهما. هذه وجهة نظر الحنابلة.
= القول الثاني: أن القول قول البائع ليمينه أو يترادان.
واستدل هؤلاء:
- بقول النبي ﷺ في حديث ابن مسعود ﵁: (إذا اختلف البيعان فالقول قول البائع أو يترادان). فالحديث نص وهو حديث صحيح.
= والقول الثالث: أن القول قول المشتري.
- لأنه منكر لوجوب الثمن عليه، وفي الشرع القول قول المنكر بيمينه.
والراجح والله أعلم القول الثاني. لأن حديث ابن مسعود نص في المسألة.
стр. 1459
لكن أشار الشيخ الفقيه ابن قدامة إلى شيء لو تأملت أنت أيضاً لوجدته وهو أن القول الأول والقول الثاني في المعنى متقاربان جداً أو متفقان، لأن القول الثاني القول قول البائع لكن إذا لم يرض المشتري يترادان بنص الحديث وفي القول الأول يتحالفان وإذا لم يرض أحدهما بالقول الآخر أيضاً فسخ البيع. فهما في الحقيقة متقاربان لكن نقول ما دام النبي ﷺ أثبت القول للبائع فنحن نقول للمشتري القول قول البائع إن رضيت وإلا خذ الثمن وانصرف.
إذاً القول الراجح هو القول الثاني مع العلم أن القول الأول والثاني متقاربان.
- ثم قال ﵀: مبيناً كيفية الحلف:
- فيحلف بائع أولاً.
يجب أن يبدأ البائع بالحلف.
لأمرين:
- الأمر الأول: أن جانبه أقوى لأن السلعة سترجع إليه عند الفسخ وهذا نوع قوة في جانبه.
- والأمر الثاني: أن النبي ﷺ في حديث ابن مسعود جعل القول قول البائع يعني بيمينه فإذاً نبدأ به.
= والقول الثاني: أنا نبدأ بالمشتري. لأنه منكر.
والصحيح مذهب الحنابلة: أنا نبدأ بالبائع. لأن جانبه أقوى لاشك لا سيما مع وجود حديث ابن مسعود.
- ثم قال ﵀:
- ((مَا بِعْتُهُ بِكَذَا وَإِنَّمَا بِعْتُهُ بِكَذَا)).
اشتملت العبارة على أن يمين البائع يجب أن يشتمل على نفي وإثبات ويجب أن يبدأ بالنفي.
أما اشتماله على النفي والإثبات فلتحقيق السعر لأنا نطلب من البائع أن يثبت السعر الذي يدعيه وأن ينفي السعر الذي يدعيه المشتري وأما
أنه يبدأ بالنفي فلأن شأن اليمين في الدعاوى أنها للنفي لأن البينة على المدعي واليمين على من أنكر فهو ينكر وينفي فلذلك دائماَ الشأن في أيمان الدعاوى أن يبدأ بالنفي.
وما ذكروه وجيه سواء لاشتماله على نفي وإثبات وأيضاً البدء بالنفي فهو وجيه ولا ضرر بإلزام البائع بهذا ولا يفوت عليه المقصود.
- ثم قال ﵀:
- ثم يحلف المشتري: ((مَا اشْتَرَيْتُهُ بِكَذَا وَإِنَّمَا اشْتَرَيْتُهُ بِكَذَا)).
стр. 1460
ما قيل في البائع يقال في المشتري تماماً فإن السبب الذي جعلنا نقدم البائع هو السبب الذي جعلنا نؤخر المشتري، وأما مسألة أن يجمع بين النفي والإثبات وأن يبدأ بالنفي للعلل السابقة.
-
ثم قال ﵀:
- ولكل الفسخ: إذا لم يرض أحدهما بقول الآخر.
إذا تحالفا لا يخرج الأمر عن أنواع:
ـ النوع الأول: أن ينكل أحدهما عن اليمين. فإذا قلنا لهما تحالفا وأحدهما قال لن أحلف فالحكم إذا نكل أحدهما عن اليمين أن القول قول الآخر.
والدليل على ذلك: قصة ابن عمر مع زيد وعثمان ﵄ فإن ابن عمر لما رفض اليمين حكم عليه عثمان ورد السلعة.
ـ الثاني: أن يتحالفا ثم يرضى أحدهما بقول الآخر فيسلم ويقول فعلاً ما ذكره الآخر صحيح فحينئذ يقع البيع لازماً وينفذ وتنتهي الدعوى.
ـ الثالث: أن يتحالفا ولا يرضى أحدهما بقول الآخر فحينئذ وهو الذي يريد المؤلف ﵀ أن يشير إليه يحصل فسخ للعقد وينتهي العقد ويأخذ البائع السلعة والمشتري الثمن. لماذا؟ لأن النبي ﷺ يقول: (أو يترادان).
فإذا لم يرض أحدهما بقول الآخر فسخ البيع.
- قال ﵀:
- ولكل الفسخ: إذا لم يرض أحدهما بقول الآخر.
الفسخ لا يحصل بمجرد التحالف وإنما لا يحصل الفسخ إلا بتصريحهما بالفسخ فإذا انتهى التحالف نقول لهما: هل رضي أحدكما بقول الآخر؟ فإذا قالا: لا. فماذا نقول؟ افسخا العقد. لماذا؟ لأن هذا العقد عقد صحيح لازم مستوفي الشروط ر نفسخ بمجرد التحالف وإنما يحتاج إلى فسخ بإرادة المشتري والبائع.
إذاً نقول لا يقع الفسخ بمجرد التحالف بل لابد من التصريح بالفسخ، ولا يقع الفسخ أيضاً بمجرد عدم الرضا بل لابد من الفسخ، وهذه تدقيقات عند الفقهاء لكن بالنسبة للعوام الأمر يرجع للعرف إذا رأى أنهما تفاسخا بمجرد اليمين أو بعدم الرضا بالثمن أو بالسلعة حصل الفسخ لأن الفسخ أمر يرجع إلى عرف الناس.
-
ثم قال ﵀:
- فإن كانت السلعة تالفة: رجعا إلى قيمة مثلها، فإن اختلفا في صفتها: فقول مشتر.
هذه المسائل ملحقة بمسألة اختلاف المتبايعين.
المسألة الأولى يقول ﵀:
فإن كانت السلعة تالفة: رجعا إلى قيمة مثله.
стр. 1461
إذا اختلفا في السلعة ثم تلفت فإنهما يتحالفان على التفصيل السابق تماماً فإن رضي أحدهما بالقول الآخر وإلا انفسخ العقد.
إذاً لماذا أعاد المؤلف ﵀ هذه المسألة مع أن لها نفس حكم المسألة الأخرى؟
ليبين ما هو العوض، وهو قوله: (رجعا إلى قيمة مثلها) أما الاختلاف في السلعة سواء كانت تالفة أو ليست بتالفة فهو واحد: أنهما يتحالفان ثم يحصل الفسخ.
= القول الثاني: في هذه المسألة إذا تلفت السلعة أنهما لا يتحالفان وإنما القول قول المشتري.
- لأن النبي ﷺ قال: (إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة فالقول قول البائع أو يترادان) فمفهوم الحديث أنه إذا كانت السلعة ليست قائمة فالقول قول المشتري.
والصحيح: الأول وأن حكم هذه المسألة حكم المسالة السابقة والجواب عن هذا الحديث أن الإمام أحمد حكم على هذه الزيادة بالضعف والشذوذ وأن الرواة الذين رووا هذا الحديث لم يزيدوا هذه الزيادة وإنما زاده رجل واحد فيه ضعف.
الخلاصة: أن هذه الزيادة ضعفها الإمام أحمد.
إذاً تبين معنا حكم الإختلاف على السلعة التالفة.
- قال ﵀:
- رجعا إلى قيمة مثلها.
ظاهر كلام المؤلف ﵀ أنه إذا تلفت السلعة نرجع إلى قيمة المثل مباشرة بدون نظر هل يوجد مثلها أو لا يوجد؟ وهذا مذهب عامة الحنابلة فجماهير الحنابلة يرون أنه في هذه الصورة نرجع إلى القيمة لا إلى المثل.
= وذهب أحد الحنابلة وهو الشيخ مجد الدين بن تيمية إلى أنه في هذه الصورة ننظر إن كان للسلعة مثل أتينا بالمثل وإلا رجعنا إلى القيمة، فنبدأ بالمثل، فإن لم يوجد رجعنا إلى القيمة.
وما اختاره الشيخ - هذا الشيخ الجليل - هو الصحيح، فما دام أنا نستطيع أن نوجد مثل هذه السلعة فلماذا نذهب إلى القيمة؟
وهذا الشيخ - مجد الدين - له ترجمة في ذيل طبقات الحنابلة بينه وبين ابن قدامة مراسلات لطيفة جداً طيب أن طالب العلم يطلع عليها فيها من العلم والأدب شيءٌ كثير جداً، فقد حصل بينهما مراسلات كثيرة في مسألة من المسائل وكتب له الشيخ ابن قدامة كتاب ينضح بالأدب والعلم والتواضع مع أنه يخالفه وبين له قوله وأدلته. ((الأذان)) ..
- قال ﵀:
стр. 1462
- فإن اختلفا في صفتها فقول مشتر.
فإن اختلفا في صفتها فقول مشتر) الضمير في صفتها يعود للسلعة التالفة، يعني: إذا اختلفوا في صفة هذه السلعة التالفة فزعم البائع أن صفتها كذا والمشتري أن صفتها كذا فالقول قول المشتري.
لماذا؟
لأن القاعدة عند الفقهاء أن القول قول الغارم دائماً، فإذا اختلف اثنان أحدهما غارم والآخر غير غارم فالقول قول الغارم.
ما هو دليل هذه القاعدة؟
دليل هذه القاعدة: القاعدة الأخرى المتفق عليها: وهي: أن الأصل براءة الذمة.
فإذا تلفت السلعة وزعم البائع أن - مثلاً - العبد - لو كانت السلعة كاتب - وزعم المشتري أن العبد عامي لا يكتب ولا يقرأ فالقول قول المشتري. لماذا؟
لأنه غارم.
وجه الغرم: أنه إذا أثبتنا هذه الصفة فقيمة هذا المتلف سترتفع، ونفي الشيء في السلع الأخرى: السيارات المطعومات فكل صفة يزيد بها الثمن.
وكذلك: لو زعم البائع أن المشتري اشترى منه سيارتين والمشتري يقول اشتريت سيارة واحدة فالقول قول المشتري. لماذا؟ لأنه غارم. لأنا لو أخذنا بقول البائع للزم أن يدفع المشتري قيمة سيارتين فهو غارم فالقول قوله.
هذا من حيث الأصل والقاعدة، أما إذا دلت القرائن والبينات والأدلة على خلاف ذلك فلا شك أن القاضي سيأخذ بالبينات والأدلة، لكن الأصل أن القول قول المشتري.
- ثم قال ﵀:
- وإذا فسخ العقد: انفسخ ظاهراً وباطناً.
يعني: في حق المشتري والبائع، لأن هذا الفسخ إنما ثبت لحق من عليه الظلم دفعاً لهذا الظلم، وهذه المسألة تحتاج إلى مزيد تفصيل نرجئها للدرس القادم.
стр. 1463
شرح كتاب البيع الدرس رقم (١٣)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
- قال ﵀:
- فإذا فسخ العقد انفسخ ظاهراً وباطناً.
تقدم معنا بالأمس أن الحنابلة يرون أنه في الصور التي نحكم فيها بانفساخ العقد فإن العقد ينفسخ في الظاهر والباطن.
ومعنى الظاهر والباطن: يعني في أحكام الدنيا وأحكام الآخرة وهذا بالنسبة للمشتري وبالنسبة أيضاً للبائع.
دليل الحنابلة على هذا:
- أن هذا الفسخ ثبت لتلافي الظلم الواقع في وجود الخلل فهو مقيس على الفسخ بالعيب والفسخ بالعيب يقع ظاهراً وباطناً في حق المشتري وفي حق البائع.
= والقول الثاني: أن الفسخ يقع فسخاً في الظاهر والباطن في حق الصادق ويقع فسخاً في حق الظاهر فقط بالنسبة للكاذب. ويكون أخذه لما أخذ أي الكاذب ظلماً وتصرفه كتصرف الغاصب.
- لأن ليس له حق في أخذ هذا الثمن أو المثمن حسب ما يكون الكاذب.
إذاً القول الثاني أنه فسخ في الظاهر والباطن في حق الصادق دون الكاذب. سواء كان البائع أو المشتري - يعني سواء كان الكاذب البائع على المشتري فإنه لا ينفسخ في حقه إلا ظاهراً دون الباطن ويحاسب على هذا الغش يوم القيامة ويعاقب عليه.
-
ثم قال ﵀:
- وإن اختلفا في أجل أو شرط فقول من ينفيه.
إذا اختلفا هل اشترطا هذا الشرط أو لم يشترطاه؟ أو هل أجل الثمن أو لم يؤجل؟ فإن القول قول من ينفيه: سواء كان النافي هو البائع أو النافي هو المشتري.
والدليل على ذلك:
- أن الأصل براءة الذمة والأصل العدم.
ودائماً القول مع من يؤيده الأصل والظاهر.
والقول الثاني: أنه إذا اختلفا في الشرط أو الأجل ونحوهما فإنهما يتحالفان على قاعدة المذهب السابقة.
والراجح: أن القول قول من ينفيه. لأن الأصل عدمه.
- ثم قال ﵀:
- وإن اختلفا في عين المبيع: تحالفا وبطل البيع.
إذا اختلفا في عين المبيع: كأن يقول المشتري: اشتريت منك هذه السيارة. ويقول البائع: بل بعتك السيارة الأخرى.
فالآن حصل اختلاف في عين المبيع.
فالحكم: يقول المؤلف ﵀: (تحالفا وبطل البيع) الحكم: أنه ليس القول قول المشتري ولا القول قول البائع بل يتحالفان.
الدليل؟ الدليل على ذلك:
- أن كلاً منهما يدعي ما ينكر الآخر.
فالبائع يدعي أن هذه هي السلعة والمشتري ينكر ذلك.
والمشتري يدعي أن تلك هي والبائع ينكر ذلك.
= والقول الثاني: أن القول قول البائع.
- لقول النبي ﷺ : (إذا اختلفا المتبايعان فالقول قول البائع أو يترادان)
стр. 1464
فالاختلاف في تعيين المبيع كالاختلاف تماماً في الثمن.
والراجح إن شاء الله أنه القول قول البائع. وكما تقدم معنا التنبيه إلى ما ذكره ابن قدامة في المسألة السابقة وكذلك هنا وهو أن القول الأول والثاني متقاربان.
-
ثم قال ﵀:
- وإن أبى كل منهما تسليم ما بيده حتى يقبض العوض والثمن عين: نصب عدل يقبض منهما.
إذا تم البيع بشروطه وأركانه وصح ولزم ثم اختلفا هل يبدأ البائع بتسليم السلعة أو المشتري بتسليم الثمن؟ ولم يتفقا فإنه ينصب لهما عدل يأخذ منهما ويسلم كل واحد منهما حقه. فلا نقدم المشتري ولا نقدم البائع.
الدليل أنا لا نقدم أياً منهما؟ الدليل على ذلك:
- أنهما استويا في الحق فلا وجه لتقديم أحدهما على الآخر.
فصار الحكم أن ينصب عدل خارج عنهما ليستلم منهما ويسلم كل واحد منهما نصيبه.
= والقول الثاني: أن المشتري يلزم بدفع الثمن.
= والقول الثالث: أن البائع يلزم بدفع السلعة.
والصواب: الأول. لأنه لا يوجد أي معنى يجعلنا نوجب على المشتري أن يبدأ ولا على البائع أن يبدأ. لأنهما مستويان. فالصواب إن شاء الله مع مذهب الحنابلة في هذه المسألة.
- قال ﵀:
- ويسلم المبيع ثم الثمن.
يعني: يجب على العدل أن يسلم المبيع أولاً. لمن؟ للمشتري. ثم يسلم الثمن: للبائع.
هكذا مذهب الحنابلة: أنه يبدأ بتسليم المبيع أولاً.
= والقول الثاني: أن العدل يسلمهما معاً. فيسلم هذا الثمن وذاك السلعة في وقت واحد.
وإذا تأملت تجد أن القول الثاني ينسجم مع المسألة الأولى لأنا إذا كنا نقول يجب أن ينصب رجل عدل يأخذ منهما ولا نلزم أحدهما أن يبدأ كذلك هذا العدل لماذا نلزمه أن نلزمه أن يبدأ بالسلعة قبل الثمن بأي شبء نستدل على هذا الإلزام؟
إذاً: الأقرب إن شاء الله: أن نقول يسلمهما معاً.
ولا يخفى عليك إن شاء الله أن هذه المسألة إلى حد كبير: نظرية. يعني: يبعد أن يقع التنازع إلى درجة أن يقول أينا يسلم الثمن وأينا ...
стр. 1465
ثم هذه المسألة قد لا نحتاج إليها من الأساس في وقتنا هذا لأنه إذا لم يركن أحدهما للآخر فبإمكانه أن يستخدم طريقة أخرى في السداد تضمن له إذا لم يستلم السلعة أن لا يستلم البائع الثمن بأن يكتب له شيك ومن خصائص الشيك أنه بإمكان محرر الشيك إيقاف التعامل به لاحقاً. فإذا أعطاه شيك ولم يستلم السلعة فبإمكانه بعد ذلك أن يوقف هذا التعامل. وهذا أولى وأحسن وابعد من إقامة عدل يستلم منهما ثم يسلمهما معاً.
إذاً بالإمكان تفادي هذا الاختلاف في وقتنا هذا باستخدام طرق أخرى في السداد.
-
ثم قال ﵀:
- وإن كان ديناً حالاً: أُجبر بائع ثم مشتر إن كان الثمن في المجلس.
إذا كان الثمن ديناً حالاً أجبر أولاً البائع ثم المشتري.
تعليل الحنابلة: تعليلهم:
= أن تعلق الحق بالعين أكبر من تعلق الحق بالدين.
فمن تعلق حقه بالعين مقدم على من تعلق حقه بالدين ولذلك نبدأ به. ثم نلزم المشتري بدفع الثمن حالاً.
- لأنه بتسلم المشتري السلعة وجب عليه وثبت في حقه جفع الثمن وهو حال وموجود فيجب أن يبادر بدفع الثمن مباشرة.
إذاً: إذا كان ديناً حالاً فهذا هو الحكم.
وقد نقول فعلاً إذا كان الثمن ديناً حالاً نبدأ بالمشتري لأن تعلق حقه بالعين مقدم على التعلق بالدين ونحن نحفظ حق البائع بأن نوجب على المشتري بالمبادرة بدفع الثمن.
- ثم قال ﵀:
- وإن كان غائباً في البلد: حجر عليه في المبيع وبقية ماله حتى يحضره.
يعني: وإذا كان الثمن غائباً داخل البلد وكذلك لو كان خارج البلد دون مسافة القصر فإنا نجبر البائع على تسليم المبيع ولكن نحفظ حقه بأن نحجر على المبيع بل وعلى بقية مال المشتري إلى أن يدفع الثمن.
التعليل: قال الحنابلة في تعليل وجوب الحجر:
- لئلا يؤدي ذلك إلى ضياع حق البائع.
وبهذا نكون حفظنا حق كل منهما فأوجبنا على البائع أن يسلم المبيع وأوجبنا على المشتري أن لا يتصرف لا في المبيع ولا في بقية ماله إلا ان يدفع المال - أي الثمن إلى البائع كاملاً.
وبذلك نأمن عدم ضياع حق البائع.
-
ثم قال ﵀:
- وإن كان غائباً بعيداً عنها أوالمشتري معسر: فللبائع الفسخ.
إذا كان بعيدا: ويقصد الحنابلة بالبعيد ما هو: مسافة قصر.
стр. 1466
أو كان ديناً على معسر. ففي هذه الصورة لا نلزم البائع بدفع السلعة بل نخير البائع بين الفسخ وبين أن يدفع السلعة وينتظر ولا نلزمه بيدفع السلعة.
لماذا؟ لأن في إلزامه بدفع السلعة ضرر عليه لأن ذلك يستلزم أن ينتظر إلى أن يدفع المشتري الثمن وهذا الانتظار فيه ضرر على البائع.
= القول الثاني: في المسألتين: المسألة الأولى: إذا كان غائباً. والمسألة الثانية: إذا كان بعيداً.
ان البائع لا يلزم بدفع السلعة حتى يحضر المشتري الثمن.
التعليل؟ التعليل: - أن مبنى البيوع على الرضا والبائع إنما رضي بدفع السلعة حين يتمكن المشتري من دفع الثمن. ولذلك له ان يؤخر دفع السلعة إلى أن يحضر المشتري الثمن.
ولا شك أن هذا القول الثاني: أقرب إلى مقاصد الشرع وأحفظ للحقوق وأبعد عن التنازع ولذلك كله فهو إن شاء الله الراجح.
ثم انتقل ﵀ إلى الخيار:
- فقال ﵀:
- ويثبت الخيار للخلف في الصفة.
هذا هو النوع الثامن والأخير من أنواع الخيار.
وهو الخيار الذي يثبت للخلف في الصفة.
معنى ذلك: تقدم معنا أن من شروط صحة البيع: العلمى بالمبيع. وأن العلم بالمبيع يحصل بأحد طريقين: ـ إما الرؤية. ـ أو الوصف.
فإذا علم المشتري بالمبيع عن طريق الوصف ثم حضرت السلعة فوجد أن الصفة تختلف عن الوصف الذي تم في مجلس العقد فيثبت له حينئذ خيار يسمى خيار الخلف في الصفة. وله أن يفسخ العقد.
التعليل؟ التعليل:
- أنه إنما اشترى هذه السلعة بصفة اتفقا عليها فإذا ظهر المبيع مغايراً لهذه الصفة ثبت له الحق في الفسخ.
وهذا القول: أنه يثبت له الحق إذا اختلفت الصفة هو القول الصحيح إن شاء الله وكما قلت متوافق مع إعطاء كل ذي حق حقه.
= والقول الثاني: أنهما يتحالفان.
لكن الصواب أن الحق يثبت للمشتري.
* * المسألة الثانية:
- يقول ﵀:
- وتغير ما تقدمت رؤيته.
يعني: إذا اشترى عن طريق الرؤية المتقدمة. فإذاً: يجب أن تعلم أن هذا الخيار يثبت في الرؤية المتقدمة لا في الرؤية المقارنة للعقد. فالرؤية المقارنة للعقد ليس فيها خيار. إنما يثبت في الرؤية المتقدمة.
стр. 1467
فإذا رأى السلعة اليوم وعقد على هذه السلعة من الغد بناء على الرؤية المتقدمة ثم لما رأى السلعة بعد العقد وجد أنها متغيرة: يثبت أيضاً له خيار يسمى خيار الخلف في الصفة.
هذا مذهب الحنابلة: أنه يثبت له الخيار لاختلاف صفة المبيع. قال الفقهاء - أو كثير منهم: لا سيما في المطعومات لسرعة التغير.
= القول الثاني: أن القول قول البائع.
الدليل:
- أن الأصل المتقرر هو عدم التغير. ومن قوله معه الأصل فيقبل والأصل هو عدم التغير.
وهذا صحيح: هل الأصل في السلعة أن تتغير أو أن لا تتغير؟ الأصل أن لا تتغير. التغير وصف طاريء.
= القول الثالث: أن القول ليس للمشتري ولا للبائع بل يتحالفان.
والذي يظهر والله أعلم: أن هذا القول الثالث: أقرب. أنهما يتحالفان. ونتيجة أن يتحالفان: ما هي النتيجة؟ أنه عند عدم الرضا: الفسخ. فيجب أن تفهم أنه إذا اخترت هذا القول وأفتيت المتبايعان إذا اختلفا به فهذا يعطي فرصة للمشتري بفسخ العقد.
فيجب أن يتصور الإنسان ماذا ينبني على القول قبل أن يرجحه.
إذاً: على كل حال: نقول: هذا القول: أن يتحالفا أقرب لأنه لا يوجد معنىً واضح يرجح به جانب لا المشتري ولا جانب البائع. باعتبار أن الصفة متقدمة والصفة المتقدمة قد يحصل فيها تغيير.
بهذا انتهى الفصل المتعلق بالخيارات وننتقل إلى الفصل الذي يليه.
فصل
[في التصرف في المبيع قبل قبضه، وما يحصل به قبضه]
- قال ﵀:
- (فصل) ومن اشترى مكيلاً ونحوه: صح ولزم بالعقد.
هذا الفصل خصصه المؤلف ﵀ للحديث عن أمور غاية في الأهمية:
ـ الأمر الأول: الضمانات. على من يكون الضمان؟
ـ الأمر الثاني: التصرف. يعني: متى يجوز للمشتري أن يتصرف في السلعة.
ـ الأمر الثالث: وهو أيضاً: مهم: القبض وحقيقته.
وهذا الباب يعتبر من أكثر أبواب البيوع غموضاً ودقة. وقد اعترف شيخ الإسلام ﵀ في الفتاوى أن هذا الباب له مآخذ قد تخفى على بعض العلماء قال ﵀: ولهذا السبب - يعني: ولأنها تخفى - كثر تنازع الفقهاء واختلافهم فيها.
فكثرة التنازع والاختلاف من الفقهاء كانت نتيجة لخفاء مآخذ بعض مسائل القبض والضمان.
стр. 1468
ولذلك: نحتاج حميعاً أن نأخذ هذا الفصل بهدوء وأن نحاول أن نفهم هذا الباب وستلاحظ أنه ينبني على هذا الباب عشرات المسائل لا سيما في وقتنا هذا المعاصر.
والمؤلف ﵀ في الحقيقة رتب ترتيباً منطقياً يسهل على الإنسان أن يتدرج في مسائل القبض ثم الضمان ثم التصرف بعد ذلك.
- يقول ﵀:
- ومن اشترى مكيلاً ونحوه.
من اشترى مكيلاً ونحوه: المقصود بنحو المكيل: المذروع والموزون والمعدود.
أو نقول بعبارة أوسع وهي قاعدة: المقصود: (بنحوه) كل ما يحتاج إلى توفيه. فكل مبيع يحتاج إلى توفيه فهو داخل عند الحنابلة ونحن ما زلنا نقرر ونشرح مذهب الحنابلة ثم ننتقل إلى غيره.
المهم إذاً: كل ما يحتاج إلى توفيه وأشهر وأبرز الأمثلة: الموزون. والمكيل. والمذروع. والمعدود. هذه الأمور تحتاج إلى توفيه وهي داخلة في الأحكام التي سيذكرها المؤلف ﵀.
-
قال ﵀:
- ومن اشترى مكيلاً ونحوه: صح ولزم بالعقد.
يعني: ان إجراء العقد المستوفي للشروط الخالي عن الخيارات ينتج عنه لزوم العقد.
فهذه العقود لازمه من حيث تقع.
أما مسألة الضمان ومتى يجوز للمشتري أن يتصرف فهي مسائل أخرى.
أما العقد فهو لازم ولا يستطيع المشتري أن ينفك عنه ولا البائع أن ينفك عنه إلا برضا الطرفين.
- ثم قال ﵀: (وهو بيت القصيد)
- ولم يصح تصرفه فيه حتى يقبضه.
أفادنا المؤلف ﵀ أن المبيعات إذا كانت مما يحتاج إلى توفيه كالمكيل والموزون ونحوه فإنه لا يجوز للإنسان أن يتصرف فيها إلا بعد القبض.
ومفهوم كلام المؤلف ﵀ أنه سواء كانت هذه الموزونات والمكيلات من المطعومات أو من غير المطعومات.
وهذا مذهب الحنابلة. أنه لا يشترط في هذه الموزونات والمكيلات أن تكون مطعومة ولا أن تكون غير مطعومة بل الأمر عام.
إذاً: الموزونات والمكيلات والمعدودات والمذروعات لا يجوز للإنسان إذا اشتراها أن يبيعها إلا بعد القبض.
ويستثنى من هذا عند الحنابلة صورة واحدة وهي: بيع الجزاف. إذا باعه جزافاً بدون تقدير فإنه يجوز له ان يبيعه قبل أن يقبضه.
стр. 1469
الدليل: استدل الحنابلة بنصوص صحيحة في الصحيحين ومسند أحمد وسنن أبي داود ثابتة لا إشكال فيها عن ابن عباس وابن عمر وجابر وغيرهم من الصحابة:
- ان النبي ﷺ قال: (إذا اشترى أحدكم طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه) وفي لفظ آخر: (حتى يستوفيه)
وجه الاستدلال بالحديث: قالوا: أن المطعومات في العهد النبوي لا تباع إلا كيلاً فدل الحديث على أن ما بيع بالكيل لا يجوز أن يتصرف فيه الإنسان حتى يقبضه. وقسنا على المكيلات كل ما يحتاج إلى توفيه كالمعدود والمذروع والموزون.
إذاً: حديث ابن عباس عند الحنابلة يدل على المكيلات بالذات ويقاس عليه ما يحتاج إلى توفيه: بجامع: أن كلاً من المكيل والمزوزن والمعدود والمذروع كل منها يحتاج إلى توفيه.
ويلحق بالمكيل ونحوه عند الحنابلة: المبيع بالصفة والمبيع برؤية متقدمة ولو لم يكن مكيلاً ولا موزوناً ولا معدوداً يعني ولو كان مما لا يحتاج إلى توفيه.
إذا: عند الحنابلة الآن صار الذي لا يجوز أن يتصرف فيه المشتري قسمان:
ـ الموزون والمكيل ونحوه.
ـ والثاني: ما بيع بصفة أو رؤية متقدمة ولو لم يبع عن طريق الكيل والوزن والعد والذرع.
هذا هو خلاصة مذهب الحنابلة.
= القول الثاني: في هذه المسألة. أنه لا يجوز لمن اشترى السلعة أن يبيعها إلا بعد القبض مهما كان نوع السلعة ومهما كانت طريقة الاشتراء: بالقدر أو جزافاً.
ومهما كانت طبيعة السلعة مطعومة أو غير مطعومة.
يعني: العموم المطلق.
لا يجوز للإنسان أن يبيع شيئاً إلا إذا قبضه.
وهذا رواية عن الإمام أحمد ﵀ وهو مذهب الظاهرية واختاره شيخ الإسلام بن تيمية وابن القيم وذهب إليه عدد من المحققين.
دليل هؤلاء: استدلوا:
- بحديث زيد ﵁ أن النبي ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع وأمر أن تنقل إلى رحال التجار.
فقوله في الحديث: (السلع) يشمل جميع أنواع السلع فإنه لم يحدد مطعوماً ولا غير مطعوم ولا مكيل ولا غير مكيل ولا ما يحتاج إلى توفيه ولا ما لا يحتاج إلى توفيه ولا ما بيع بقدر ولا ما بيع بجزاف. فقوله: (السلع) عام.
стр. 1470
- الدليل الثاني: أن ابن عباس ﵁ راوي حديث الطعام والكيل لما روى الحديث قال: ولا أحسب كل شيء إلا مثله. يعني: ولا أحسب إلا جميع السلع حكمها حكم الطعام المذكور في الحديث المرفوع.
ومن أولى وأهم من يفسر الحديث راويه لا سيما إذا كان فقيها مثل ابن عباس يفمه معنى الكلام وينزله على الأحكام.
- الدليل الثالث: أن هذا مذهب كثير من الصحابة منهم ممن روي عنه بإسناد صحيح منهم جابر وابن عباس. مع أن جابراًَ وابن عباس من الذين رووا أحاديث وجوب القبض قبل بيع المبيع.
= القول الثالث: أنه يجوز بيع أي مبيع قبل قبضه مطلقاً عكس القول الثاني. وإلى هذا ذهب عثمان البتي ويروى عن الشيخ الفقيه عطاء بن ابن أبي رباح.
أما عثمان فأظنه يصح عنه. وأما عطاء فلا أظن أن هذا القول يصح عنه وهو رجل يعلم السنن والأحاديث في هذا الباب أكثر من أن تحصر.
وهذا القول غاية في الضعف ولذلك تجد أن ابن عبد البر لما حكى هذا القول لم يشتغل بالرد عليه وإنما اشتغل بالاعتذار لقائليه فقال: أحسب أنهم لم تبلغهم النصوص.
أما عثمان البتي ممكن أنه لم تبلغه النصوص وأما عطاء سيد التابعين فيبعد أنها لم تبلغه هذه النصوص المتكاثرة عن نحو أربعة من الصحابة في السنن والمسانيد والصحاح فالغالب أنه لم يثبت عنه.
على كل حال: المهم الآن عندنا أن هذا القول الثالث ضعيف وهو مناقض للأدلة وصاحبه يحتاج أن يعتذر له لا أن يجاب عن دليله.
= القول الأخير: وهو مذهب المالكية ورواية أيضاً عن الإمام أحمد واختاره من المحققين ابن المنذر وانتصر له واختاره أيضاً الشيخ الفقيه أبو ثور.
فأيضاً هذا القول الأخير أيضاً كما ترى ذهب إليه عدد من أئمة اهل العلم وهو: أنه لا يجوز بيع المبيع إذا كان مطعوماً مكيلاً أو موزوناً اي: يحتاج إلى توفيه. ويجوز إذا بيع جزافاً.
ما هو الفرق بين هذا القول ومذهب الحنابلة؟
- المطعوم وغير المطعوم. تقريباً هذا هو الفرق لا يوجد فرق.
استدل هؤلاء الذين اشترطوا في المنع أن يكون في المطعومات:
- بأن الأحاديث التي جاءت في الباب كلها فيها إذا باع طعاماً نهى أن يباع الطعام.
стр. 1471
وهذا صحيح حديث ابن عباس فيه الطعام وحديث جابر فيه الطعام وحديث ابن عمر أيضاً في الصحيحين فيه الطعام إنما حديث زيد ليس فيه الطعام فيه أنه نهى أن تباع السلع.
وبما تقدم ظهر لك ان دليلهم الاعتماد على الأحاديث التي فيها التنصيص على الطعام وان الجواب على هذا أن هذه الأحاديث وإن كانت نصت على الطعام فالأحاديث الأخرى نصت على باقي السلع ثم الذين رووا هذه الأحاديث كجابر وابن عباس رأوا أن الحديث لا يختص بالمطعومات وإنما يتناول جميع السلع.
هذه الأقوال: ـ أربعة. هي الأقوال التي اخترت أن أذكرها لكم لأنها أقوى الأقوال وبالنظر أيضاً إلى من رجح هذه الأقوال وإلا المسألة فيها نحو ثامنية أقوال وهذا يحقق ما قاله الشيخ أنه كثر تنازع العلماء فيها لخفار المآخذ والاستدلال بالنصوص.
الأقرب للصواب والله أعلم الذي تدل عليه فتاوى الصحابة هو القول الثاني: أنه لا يجوز للإنسان أن يبيع أي شيء إلا بعد أن يقبضه.
ومما يدل على رجحان هذا القول: الثاني. حديث عائشة أن النبي ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن. وهذه الأعيان قبل القبض ليست مضمونة على المشتري وإنما على البائع ولا يأتي الشرع بأن يجعل الربح لإنسان والضمان على آخر بل الربح والضمان دائماً متلازمان في الشرع.
فكون النبي ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن يدل على رجحان القول الثاني. فهو إن شاء الله أقرب الأقوال.
- ثم قال ﵀:
- وإن تلف قبله: فمن ضمان البائع.
يعني: وإن تلف المبيع قبل القبض فهو من ضمان البائع.
السلعة قبل القبض من ضمان البائع. لماذا؟ لأن القاعدة أن الضمان يتبع التصرف ولو أجزنا للمشتري أن يتصرف لصار الضمان عليه فإذا منعناه من أن يتصرف لم نجعل الضمان عليه.
فإذاً: الضمان والتصرف متلازمان إذا منعته من التصرف فارفع عنه الضمان.
هذه هي قاعدة المذهب.
= والقول الثاني: ان الضابط في الضمان ليس هو المنع من التصرف وإنما هو التمكن من القبض فكل سلعة لا يتمكن المشتري من قبضها فليس عليع ضمانها.
وكل سلعة يتمكن المشتري من قبضها فعليه ضمانها.
стр. 1472
وإلى هذا القول ذهب شيخ الإسلام ﵀ وانتصر له وذكر لهذا أمثلة فقال: نجد أن الشارع جعل المبيع إذا كان ثمراً على رؤوس الشجر فالضمان على البائع. لماذا؟ لأن المشتري لا يتمكن من أخذ المبيع جملة واحدة لا حتياجه أن يأخذ منه على دفعات ليتفكه به وليتمكن من تصريفه في السوق ولعلل أخرى. ولأنه لم ينضج .... إلى آخره.
إذاً: لما وجدنا الشارع جعل الضمان في الثمر إذا بيع على رؤس النخل على البائع بحثنا عن السبب فوجدنا أنه لعدم تمكن المشتري من قبض هذا المبيع.
أيضاً الشارع جعل الضمان على البائع في المكيل لأن المشتري لا يتمكن من قبضه إلا بكيله ووزنه وعده. وكيله ووزنه وعده هو القبض كما سيأتينا فما دام لم يكل ولم يوزن ولم يعد لا يستطيع المشتري ولا يتمكن من قبضه فالضمان ليس عليه.
فمثلاً: إذا اشترى الغنسان عشرين كتاباً متشابهاً متى يتمكن من قبض هذه الكتب؟ إذا عدها البائع وسلمها إياه. قبل ذلك هي من ضمان البائع لأنه لن يتمكن من القبض إلا بالعد. إذا اعتبرنا الكتب معدودة وهي تباع عند بعض الناس بالوزن وإنما يبيعها بالوزن من لا يعرف قيمة الكتب وإنما ينظر إلى الورق والورق يباع بالوزن لكن الكتاب ليس ورقة وإنما معنى ولذلك سيأتيكم إن قدر حقوق التأليف وحكم بيع وشراء حقوق التأليف وهي ترجع إلى مضمون الكتاب.
المهم الآن اختلف الفقهاء كما ذكرت لكم الآن في ضابط الضمان: فعند الحنابلة الضابط ملازم للقبض فما لم يقبض لا يضمن وما قبض ضمن. وعند شيخ الإسلام ضابط الضمان هو التمكن من القبض.
ولعلك إذا تأملت إذا رجعت إلى المنزل وتأملت ستجد أن الفرق بين القولين يسير وأنه لا يتصور إلا في صور قليلة جداً وإلا بين القولين تقارب كبير جداً. لأن المشتري إذا تمكن من القبض يقبض وإذا تمكن من القبض وبذله البائع ولم يقبض هو فالضمان عليه فالتمكن من القبض قريب من القبض.
لكن على كل حال هذه قاعدة شيخ الإسلام وهذه قاعدة المذهب.
- ثم قال ﵀:
- وإن تلف بآفة سماوية: بطل البيع.
يعني: المبيع. بطل البيع.
إذا تلف المبيع بآفة سماوية فإن البيع يبطل.
ومقصود المؤلف ﵀ بقوله: (بطل) أي: انفسخ.
والفرق بين الانفساخ والبطلان:
стр. 1473
أن البطلان إنهاء للعقد من أصله.
والفسخ إنهاء للعقد من حين الفسخ فبينهما فرق كبير.
وعلى طريقة الفقهاء التدقيق في الألفاظ كان ينبغي على المؤلف ﵀ أن يقول: انفسخ.
إذاً إذا تلفت السلعة بآفة سماوية فهي من ضمان البائع.
والآفة السماوية هي كل ما يصيب السلع ويؤدي إلى تلفها بغير إرادة الإنسان.
كأن يصيبه الحريق أو صاعقة أو يغرق ... إلى آخره مما ليس للإنسان فيه يد ولا يتصرف فيه.
ويلحق بالآفة السماوية ما أتلفته الحيوانات لأنه لا يمكن تضمين الحيوان ويلحق بالآفة السماوية ما أتلفه آدمي لا يمكن تضمينه فهذا يلحق أيضاً بالآفة السماوية.
ومن هنا نستطيع أن نخرج بقاعدة: يلحق بالآفة السماوية كل ما لا يمكن تضمينه.
لكن إذا تأملت ستجد أن ما لا يمكن تضمينه يكاد ينحصر في المثالين: ما أتلفه الحيوان. وما أتلفه آدمي لا يمكن تضمينه.
ولذلك سواء جعلت قاعدة أو ذكرت الحكم مباشرة.
-
قال ﵀:
- وإن أتلفه آدمي: خير مشتر بين فسخ وإمضاء ومطالبة متلفه ببدله.
إذا أتلفه الآدمي ولو كان هذا الآدمي هو البائع فإنه يخير بين الفسخ وبين الإمضاء ومطالبة المتلف.
الدليل على هذا التخيير:
- القياس على خيار العيب لأن في كل منهما ثبوت حق للمشتري بسبب آفة أصابت السلعة.
ففي الحقيقة إتلاف السلعة هو في معنى العيب فثبوت الخيار مقيس على خيار العيب.
- لكن المؤلف ﵀ هنا يقول:
- ومطالبة متلفه ببدله.
المقصود: بـ (بدله) هنا: يعني: بمثله فإن لم يوجد مثله فالقيمة.
المثل عند الحنابلة: ينحصر في: المكيل والموزون الذي لا صنعة للآدمي فيها فقط ما عداه فهو ليس مثلي وإنما قيمي.
فكل عين نعتبرها مثلية فالواجب عند الإتلاف مثلها.
وكل عين نعتبرها قيمية فالواجب عند الإتلاف قيمتها.
إذاً: لا يقى علينا إلا تحديد ما هو المثلي؟ وإذا عرفت ما هو المثلي؟ عرفت تبعاً لذلك القيمي.
إذاً: الحنابلة يرون أن المثلي كل مكيل وموزون لا صنعة للآدمي فيها.
يعني: غالباً ما سيكون: القمح والحبوب والثمار هذه هي المثليات.
= القول الثاني: أن المثلي هنو كل ما يوجد نظيره ومساو له في الصفات بلا اختلاف يعتد به.
стр. 1474
وهذا المفهوم يوسع المثليات إلى كل ماله نظير وربما لم يأت في زمن من الأزمان كثرة المثليات في مثل زمننا هذا لأنه يكثر المصانع التي تنتج السلع المتشابهة تماماً.
إذاً: القول الثاني: هو ...
((الأذان))
بعد أن عرفنا الخلاف في هذه المسألة:
الراجح: القول الثاني. وينبني على ذلك أنه لا يجوز أن نبدأ بالقيمة ويوجد للسلعة نظير ومثال.
فإذا كان لها مثلي فيجب أن نحضر هذا المثلي وتبرأ الذمة به.
فإذا لم يوجد فحينئذ نرجع إلى القيمة.
ويجب أن تتساوى السلعتان في كل الصفات المعتبرة التي يعتد بها أهل الخبرة.
وإذا اختلف البائع والمشتري في هل هذا مثلي أو ليس بمثلي؟ فالمرجع في ذلك إلى أهل الخبرة.
فإذا قالوا: هذا مثل هذا فما يوجد بينهما من اختلاف فغير مؤثر فيعتبر مثله تماماً وإذا كان مؤثر فلا شك أنه لا يتعبر مثلي.
فالموديل الآن بالنسبة للسيارات يعتبر فارق مؤثر أو غير مؤثر؟ يعني: سيارتين تماماً لا يوجد بينهما أي فرق حتى في الممشى إلا أن هذا موديل وهذا موديل؟ يؤثر بلا إشكال ولا نحتاج لأهل الخبرة بل هو مؤثر مطلقاً لأن انتاجهم هذه السيارات.
فإذاً ستجد هنا في هذا المثال الذي اخترته أن بين السلعتين من التطابق تام لأنه إذا تخلف الشركة أي صفة فستجد أن بينهما تطابق تام جداً لا يوجد فرق إلا هذا الموديل ومع ذلك هو مؤثر. ما دام أنه فارق مؤثر في السعر وفي نظرة الناس فهو فارق يعتد به.
- ثم قال ﵀:
- وما عداه: يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه.
(وما عداه) الإشارة إلى المكيل والموزون ونحوه ما عداه يجوز للإنسان أن يتصرف فيه فور تمام العقد ولو لم يقبض المشتري السلعة.
بناء على هذا: يجوز في الحيوانات إذا لم تبع على سبيل العد وفي السيارات وفي عامة السلع يجوز للإنسان أن يبيع بمجرد تمام العقد.
لأن المنع من البيع إنما هو خاص بالمكيلات والموزونات وما يحتاج إلى توفيه والحيوانات والسيارات وغيرها لا تحتاج إلى توفيه.
استدل الحنابلة على الجواز في مثل هذه السلع:
- بحديث ابن عمر أنه قال: كنا نبيع البعير بالبقيع بالدراهم ونقتضي عنها دنانير ونبيع بالدنانير ونقتضي عنها دراهم.
стр. 1475
وجه الاستدلال: قال الحنابلة: فهذا ابن عمر يبيع الثمن قبل قبضه.
وأجاب أصحاب القول الثاني بأن هذا بيعاً لما في الذمة ونحن نتحدث عن البيوع المعينة.
ففرق بين بيع ما في الذمة وبين بيوع الأعيان الموجودة المعينة.
وبذلك يتبين أن الأمر ليس كما قال الحنابلة ليس كل ما عدا المكيل والموزون يجوز بيعه بمجرد العقد بل جميع السلع لا يجوز أن تباع ولا أن تشترى إلا بعد القبض.
وأما ما هو الذي سيحقق القبض فسيتكلم عنه المؤلف ﵀ بتوسع.
следующие страницы →