Полный текст (2 909 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
لا يصح الرهن والكفيل بالمسلم فيه.
واستدل الحنابلة على هذا:
- بأنه إذا أخذ المسلم فيه من ثمن الرهن أو من ذمة الكفيل فقد صرف السلم في غير ما هو متفق عليه. والنبي ﷺ يقول: (من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره).
= والقول الثاني: أن أخذ الرهن والكفيل بالمسلم فيه جائز ولا حرج فيه.
واستدلوا بأمرين:
- الأمر الأول: عموم قوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة .. ﴾ [البقرة/٢٨٣].
والآية تشمل دين السلم ودين القروض وكل أنواع الديون ودين البيوع هو أي دين يكون في ذمة الإنسان فهي عامة تمل دين السلم وغيره.
- والأمر الثاني: أن الحديث ضعيف لا يثبت مرفوعاً إلى النبي ﷺ .
والأصل في المعاملات الحل وتوثقة الديون جاء به الشرع والسلم من جملة الديون.
لذلك الأقرب إن شاء الله جواز أخذ الرهن والكفيل وهذا مذهب الجمهور.
إلا أن الإشكال فقط في هذه المسألة: أن المنع روي عن بعض الصحابة: كره بعض الصحابة أخذ الرهن والكفيل في دين السلم. وكأنهم ﵃ وأرضاهم رأو أن أخذ الرهن والكفيل يتنافى مع المبدأ الذي شرع من أجله السلم وهو الرفق بالناس. لأن هذا العقد كله لم يشرع إلا رفقاً بالناس وتوسعة عليهم فإذا أخذ الرهن أو الكفيل صار في هذا ضيق لأن الرهن معناه حبس عين ينتفع بها الإنسان ولا يمكن أن يبيعها أو يشتريها.
يبدو لي أن هذا مأخذ الصحابة.
لكن على كل حال ما دامت الآية عامة والقةل بالجواز مذهب الجماهير من أئمة المسلمين فهو الأقرب إن شاء الله.
وإن رأى الإنسان أن لا يأخذ رهناً ولا كفيلاً لأجل هذه الآثار فقد احتاط لدينه.
وبهذا انتهى باب السلم وننتقل إن شاء الله إلى باب القرض .
باب القرض
- قال ﵀:
- باب القرض.
القرض في لغة العرب: القطع.
وفي الاصطلاح الفقهي: دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله.
- قال ﵀:
- وهو مندوب.
القرض مشروع بالسنة والإجماع.
- أما السنة: فإنه صح أن النبي ﷺ اقترض بكراً.
- وأما الإجماع فقد أجمع أهل العلم على مشروعية القرض وجوازه.
وقوله: (وهو مندوب). يعني: للمقرض.
стр. 1577
وفهم من هذا: أن الإنسان إذا طلب منه قرض وامتنع فإنه لم يترك واجباً ولا إثم عليه.
وهذا صحيح بالإجماع.
فالقرض مندوب وليس بواجب. ولا إثم ولا تثريب على من امتنع من الإقراض، إلا أن الإقراض مندوب ومحبوب إلى الشارع.
والدليل على أن الإقراض محبوب:
- حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من مسلم يقرض مسلماً مرتين إلا كان كصدقة مرة). وهذا الحديث فيه خلاف في صحته.
والأقرب والله أعلم: أنه موقوف على ابن مسعود وممن رجح الوقف الإمام الدارقطني والبيهقي. لكن مع ذلك أقول أن هذا الحديث له حكم الرفع وأن ابن مسعود ﵁ لا يقول مثل هذا الحكم التوقيفي إلا عن خبر عن النبي ﷺ .
فإذاً وإن كان موقوفاً فله حكم الرفع.
واستدلوا على أن القرض مندوب بدليل آخر:
- وهو: أن من يقترض فإنه غالباً محتاج لأنه لن يشغل ذمته إلا وهو محتاج.
واستدلوا على أنه مندوب:
- أنه خير من الصدقة من وجه وهو: أنه يلحق طالب الصدقة غضاضة ولا يلحق طالب الدين أو القرض غضاضة.
* * مسألة/ طلب القرض ليس من المسألة المكروهة. كيف وقد اقترض النبي ﷺ .
- ثم قال ﵀:
- وما يصح بيعه: صح قرضه.
= ذهب الحنابلة والظاهرية إلى أنه كل ما صح بيعه صح قرضه.
ونحن نتحدث الآن عن موضوع مهم وهو ما هي الأشياء التي يجوز أن تقرض.
إذاً الحنابلة والظاهرية هم أوسع المذاهب: فهم يرون أن كل عين يجوز أن تباع يجوز أن تقرض ولو لم يجز السلم فيها.
= القول الثاني في هذه المسألة المهمة: أنه لا يجوز إلا قرض ما يجوز السلم فيه.
واستدلوا على هذا:
- بأن ما لا يجوز السلم فيه لا يمكن أن يضبط فيكون الوفاء به صعب.
وإلى هذا ذهب الشافعية. لكن الشافعية اضطروا أن يستثنوا بعض الأشياء: فقالوا: يجوز فيها القرض ولا يجوز فيها السلم. وهذا الاستثناء يشير إلى ضعف في هذا القول.
= والقول الثالث: وهو أضيق الأقوال: أنه لا يجوز قرض إلا المثليات دون القيميات. ستأتينا ما هي المثليات والقيميات. وهذا القول ضيق جداً وضيق بمعنى الكلمة.
واستدلوا على هذا:
стр. 1578
- بأن القيميات يقع التنازع عند تقييمها لسداد القرض فنكتفي بالمثليات.
والصواب إن شاء الله مع الحنابلة والظاهرية: لعموم قوله تعالى: ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة/٢٨٢].والآية عامة. - ولأن النبي ﷺ استسلف بكراً وهو عند أصحاب هذا القول من القيميات وليس من المثليات. فالأقرب إن شاء الله جواز اقتراض كل ما يجوز بيعه.
- ثم قال ﵀:
- إلاّ بني آدم.
= ذهب الجماهير إلى المنع من اقتراض بني آدم.
واستدلوا على هذا بأمرين:
- الأول: تكريمهم.
- الثاني: أن اقتراض بني آدم قد يؤدي إلى وطء الجارية المحرمة. فإذا إقترض جارية لغيره ربما يطأ هذه الجارية فيكون زنا.
= والقول الثاني: جواز اقتراض الذكور دون الإناث.
= والقول الثالث: جواز إقتراض الذكور والإناث بشرط أن تكون الإناث من محارم المقترض.
= والقول الرابع: الجواز مطلقاً. بلا شرط ولا قيد وهذا الذي نصره ابن حزم.
فهذه أربعة أقوال لكن هذه الأربعة أقوال لا تدل على شدة الخلاف: لأن الجماهير على المنع - جماهير أهل العلم على المنع.
- ثم قال ﵀:
- ويملك بقبضه.
المؤلف ﵀ يريد أن يبين متى يملك الإنسان القبض.
فقال: (يملك بقبضه) يعني: ولا يملك قبل ذلك. ولو تم العقد فإن الملك لا يكون إلا بالقبض.
= القول الثاني: أن الملك يكون بالعقد ولو لم يقبض.
واستدل هؤلاء وهم المالكية:
- بأن العقود في الشرع يملك المعقود عليه فيها بمجرد العقد قبل القرض.
فالإنسان إذا باع سيارة فامشتري ملك السيارة حتى قبل القبض ولو بقيت السلعة عند البائع.
أما مسألة: هل يبيع أو لا يبيع والضمان؟ هذه مسائل أخرى لكن ملك السلعة انتقل بمجرد العقد.
وهذا القول - الثاني - أضيق من القول الأول.
= القول الثالث - وهو أضيق الأقوال وأشقها: أن القرض لا يملك إلا بالانتفاع به على جهى الاستهلاك بالبيع أو بالأكل أو بغيره.
يعني: لابد أن ينتفع ولابد أن يكون الانتفاع على وجه الاستهلاك.
وهذا غاية في التضييق.
الراجح: يظهر لي في هذه المسألة المهمة التي كثيراً ما ينبني عليها فروع ويكون حل النزاع بمعرفة حكم هذا القرض من حيث الملك.
стр. 1579
الذي يظهر لي أن القرض لا يملك إلا بالقبض.
تعليل ذلك: ذكر بعض الفقهاء تعليلاً لطيفاً جداً: وهو قوله: أن القرض عقد يشتمل على معنى المعاوضة والتبرع. فهو معاوضة لأنه سيأخذ بدله وهو تبرع لأنه إرفاق بالمقترض. إلا أن جانب الإرفاق والتبرع فيه يغلب جانب المعاوضة.
وإذا كان جانب التبرع به يغلب جانب [[المعاوضة]] فمن المعلوم أن الاشياء المتبرع بها كالهدية والصدقة والهبة لا تملك إلا بالقبض.
وهو في الحقيقة تعليل فقهي عميق من وجة نظري.
فالأقرب إن شاء الله أنه لا يملك إلا بالقبض ولا يملك قبل ذلك ولو تم العقد.
- ثم قال ﵀:
- فلا يلزم رد عينه.
هذه المسألة مبنية على المسألة السابقة.
يعني: فإذا كان الملك يتم بالقبض فإنه بعد ذلك لا يملك طلب بعين القرض. لأنه أصبح مملوكاً لمن؟ للمقترض.
ولأن عقد القرض لازم للمقرض. جائز من جهة المقترض. عكس ما قد يتصوره بعض الناس.
صورة المسألة: إذا أقرض زيد عمرو ألف ريال. متى يملك عمرو الألف؟ إذا قبضه.
فإذا قبض عمرو الألف وأصبحت بيده مقبوضة فإن زيد لا يملك الرجوع في القرض. فلو قال: رجعت في القرض. يعني: في عين القرض فإنه لا يملك. وإنما له البدل.
فهذا عين المال المملوكة المقبوضة للمقترض لا يملك المقرض إلزامه بردها بل يملك البدل كما سيأتينا فقط. فهو من هذه الجهة ملزم لا يستطيع أن يرجع المقرض.
لكنه جائز للمقترض فلو قال المقترض: إذا أردت أن ترجع في القرض فهذا عين مبلغك.
قد لا يظهر ثمرة كبيرة للخلاف إذا كان القرض مبالغ نقدية لكن يظهر الفرق الكبير لو كان القرض على أعيان لها قيم مالية فإن الأعيان تختلف فبعضها أجود من بعض.
فلو أراد المقرض أن يرجع فللمقترض أن يقول: لا. لك البدل.
- ثم قال ﵀: مكملاً لهذا الحكم.
- بل يثبت بدله.
إذاً إذا اقترض الإنسان شيئاً فإن الذي يثبت في ذمته: بدل القرض. وسيأتينا بالتفصيل في كلام المؤلف ﵀ ماذا يرد المقترض؟
- ثم قال ﵀:
- في ذمته حالاً ولو أجله.
= ذهب كثير من الفقهاء - الجمهور: إلى أن الدين يقع حالاً ولو أجل في العقد. وذكروا أيضاً أنه يقع حالاً ولو سلم أقساطاً. وهذا عجيب.
стр. 1580
يعني: لو أن إنساناً يقرض إنساناً كل فترة مائة ريال ألف ريال فهذا القرض أقرض جملة واحدة أو أقساط؟ أقساط. فالفقهاء يقولون إذا أقرض أقساط فإن له أن يطالب بجميع المبلغ دفعة واحدة ولا يتأجل وإلى هذا ذهب الجماهير.
واستدلوا على هذا:
- بأن التأجيل تبرع والتبرع دائماً لا يلزم.
= والقول الثاني: أنه إذا أجل في العقد وجب التأجيل ولزم للمقرض.
وإلى هذا ذهب المالكية واختاره شيخ الاسلام بن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم.
واستدلوا على هذا:
- بالنصوص العامة الدالة على وجوب الوفاء بالعقود والشروط. وهذا من جملة العقود والشروط.
= وذهب بعض الفقهاء إلى أن القرض يتأجل ولو لم يؤجل لكن إذا لم يؤجل فإنه يتأجل فقط إلى وقت عرفي يمكن أن ينتفع المقترض من المبلغ به.
فإذا أقرض زيد عمراً ولم يشترط أجلاً فعند هؤلاء يجب أن ينتظر المقرض إلى أن يمضي وقت يمكن في العرف ان ينتفع المقترض من المال.
وفي الحقيقة هذا القول - الأخير - هو الأقرب إن شاء الله: لأن عقد القرض عقد من العقود التي كما تقدم فيها شائبة المعاوضة وفيها شائبة التبرع لكن أي نفع للمقترض إذا أخذ منه القرض بعد ساعة من القرض؟ أي نفع في هذا القرض؟
لكن مع ذلك الجماهير وغالب أهل العم لا يرون انه يتأجل لا سيما بدون شرط ولو طرفة عين ولا ساعة بل متى طالبه لزمه أن يسدد.
الخلاصة: المسألة التي تهمنا الآن: أنه إذا أجل القرض فالجمهور يرون أنه لا يتأجل والمالكية يرون أنه يلزمه الأجل ويلزم بالانتظار إلى حلول الأجل وأن هذا القول هو الذي تدل عليه النصوص.
- ثم قال ﵀:
- فإن رده المقترض: لزم قبوله.
يعني: فإن رد المقترض عين القرض لزمه أي: لزم المقرض أن يقبله. بشرط: أن لا يتعيب ولا ينقص.
وسواء ارتفع سعره أو انخفض فإن هذا لا ينظر إليه.
وهذا الحكم في المثليات أما المتقومات فيجب أن يرد القيمة.
إذاً إذا رد المقترض القرض بعينه لم ينقفص ولم يتعيب فيجب وجوباً على المقرض أن يقبله ولو انخفض سعره.
فإذا اقترض خمسين صاعاً من القمح وكان قيمتها خمسون درهماً ثم رده هو بعينه وأصبح سعره يوم الرد أربعين درهماً فيجب وجوباً أن يقبل. أنه رد له عين ماله بلا نقص.
стр. 1581
- ثم قال ﵀:
- وإن كانت مكسرة أو فلوساً، فمنع السلطان المعاملة بها: فله القيمة وقت القرض.
يعني: وإن أقرضه دراهم مكسرة أو أقره فلوساً ثم منع السلطان من التعامل بالدراهم المكسرة والفلوس فحينئذ يجب أن يرد القيمة. وسيأتينا القيمة هل هي يوم القرض أو يوم الرد أو يوم الابطال؟
الدليل:
- قالوا: أن إبطال السلطان للتعامل بالدراهم المكسرة وبالفلوس هو إبطال لماليتها فهو كما لو تلفت وهي لو تلفت لم يجز أن يرجع فيها.
وهذا صحيح ولا إشكال في ذلك: إذا أقرضه دراهم مكسرة كان الناس يتعاملون بها ثم أبطل السلطان العمل بها فإن إبطال السلطان يعني أن هذه الأشياء ليس لها قيمة مالة مطلقاً في عرف الناس: فكيف نلزم المقرض المحسن أن يقبل هذا الرد؟
لكن المؤلف ﵀ يقول: (فله القيمة وقت القرض).
إذا جاء في كلام الفقهاء: (وقت القرض) فيعني: يوم القرض. وقول بعض الفقهاء: (يوم القرض) أوضح وأدق.
= فالحنابلة يرون أنه يجب عليه أن يدفع القيمة يوم القرض.
فإذا كانت قيمة الفلوس يوم اقرض مائة درهم وقيمة الفلوس يوم الإبطال خمسين درهماً فالواجب: مائة. لأن الواجب هو يوم القرض.
لماذا؟ قال الحنابلة: لأنها وجبت - يعني: هذه الفلوس في المثال - في ذمته في ذلك اليوم.
= والقول الثاني: أنها تجب يوم الإبطال فننظر لليوم الذي أبطل فيه السلطان العمل بهذه الفلوس وندفع تلك القيمة.
واستدل هؤلاء:
- بأن الواجب في ذمة المقترض إلى يوم الإبطال: الفلوس أو قيمة الفلوس؟ (نحن نقول: متى تجب القيمة في الفلوس؟ إذا أبطلها السلطان) معنى هذا أنه قبل إبطال السلطان فالواجب الفلوس لأن الفلوس مثلية.
إذاً: مرة أخرى - نقول: هل الواجب في ذمة المقترض إلى يوم الإبطال الفلوس أو قيمة الفلوس؟ الفلوس.
ثم يوم الإبطال صار الواجب في ذمته القيمة.
فهم يقولون نأخذ باقيمة يوم الإبطال لأنها أصبحت في ذمته في ذلك اليوم وقبل ذلك كانت الفلوس هي التي في ذمته.
أي القولين أرجح؟ طبعاً: القول الثالث أنه يوم الرد وهذا ضعيف ضعيف فقهاً ونظراً لكن الإشكال في أنه هل الواجب ذمة المقترض يوم الإبطال أو يوم القرض؟
стр. 1582
فيها إشكال في الحقيقة وتردد لأنه إذا ألزمناه بأن يدفع قيمة الفلوس يوم الإبطال ففي هذا نوع من الغضاضة على المقرض والمقرض محسن وهو أعطاه الفلوس - يعني: قيمتها يوم الإقراض مثلاً: مائة. فكيف نلزمه في يوم الإبطال بخمسين فقط. ومن جهة أخرى أن الذي ثبت في ذمة المقترض هو قيمة هذه الفلوس يوم الإبطال فقط لا يوم القرض لأنها إلى يوم الإبطال والواجب في ذمته هو الفلوس فقط. ففيها عندي نوع تردد.
- ثم قال ﵀:
- ويرد المثل في المثليات والقيمة في غيرها.
هذا المبحث يتعلق بما هو الواجب على المقترض إذا أراد أن يرد فبين المؤلف ﵀ أن الواجب أن يرد المثل في المثليات والقيمة في القيميات. وهذا يستدعي أن نعرف بالضبط ما هي المثليات وما هي القيميات؟
وهذا البحث وهو تحديد مفهوم المثليات: محل خلاف. لكن من الأشياء المفيدة أن تعرف الآن أن الخلاف في المثليات فقط: أنه كلما عرفت المثليات فالقيميات ما سواها.
إذاً الخلاف في الحقيقة في المثليات وتبعاً للخلاف في المثليات يكون الخلاف في القيميات.
= فالحنابلة يرون: أن المثليات هو: كل مكيل وموزن يصح السلم فيه ولا صنعة مباحة فيه.
مثال المثليات عند الحنابلة: الحديد. فالحديد موزون ويصح السلم فيه وليس فيه صنعة مباحة.
فإذا أخذنا الحديد وصنعنا منه أواني خرج عن أن يكون من المثليات وأصبح من القيميات لأنه صار فيه صنعة.
وكذلك الذهب وكذلك الفضة وكل المعادن.
وكذلك كل مكيل أو موزون من الحبوب التي يمكن أن تصنع لتكون خبزاً أو غير ذلك مما يؤكل لا على هيئة الحبوب.
= القول الثاني: أن المثليات هي كل ما لا تختلف آحاده اختلافاً تختلف به أقيامها.
ولا نحتاج أن نقول القيميات لا في القول الأول ولا في القول الثاني لأن القيميات هي ما عدا ذلك على القول الأول وعلى القول الثاني.
= القول الثالث: أن المثليات هي كل ماله شبيه أو نظير أو مثيل ولو لم يتطابق معه تماماً.
وإلى هذا القول ذهب بعض الفقهاء ونصره من المتأخرين شيخ مشائخنا الشيخ السعدي ﵀.
واستدل على هذا بأدلة:
стр. 1583
- الأول: أن عائشة ﵂ لما كسرت آنية أختها من أمهات المؤمنين قال النبي ﷺ : (إناء بإناء) مع أن الإناء على مقتضى تعريف الحنابلة: قيمي. ومع ذلك جعله النبي ﷺ مثلي.
- وقال أيضاً: في الحديث نفسه: (إناء بإناء وطعام بطعام) والطعام بعد الصنع والطبخ يصبح أيضاً قيمي.
- ولأن النبي ﷺ استسلف بكراً.
وهذا القول الثالث مع قلة القائلين به من الفقهاء إلا أنه ظاهر القوة بسبب الأدلة التي استدل بها من الأحاديث المرفوعة الثابتة عن النبي ﷺ ولا يحول بين الإنسان وبين ترجيحه قلة القائلين به. بل هو في الحقيقة قول قوي وأيضاً فيه تيسير كبير على المتعاملين بالقروض. على أنه قلما يحتاج الإنسان لهذه المباحث. لماذا؟ لأن غالب القروض إنما هي في النقود.
هل سمعتم قروض في غير النقود؟ قل. يوجد لكن قليل جداً.
ولذلك قد لا يحتاج الإنسان لا سيما في وقتنا هذا إلى كثير من هذه البحوث.
- ثم قال ﵀:
- فإن أعوز المثل: فالقيمة إذاً.
لما قرر المؤلف ﵀ أن الواجب في المثليات: المثل.
قال: (فإن أعوز) يعني فإن لم يستطع المقترض أن ياتي بالمثلي لأي سبب من الأسباب فالواجب حينئذ في ذمته القيمة.
وقول المؤلف ﵀: (فالقيمة إذاً) يعني يوم الإعواز. فننظر يوم الإعواز كم قيمة هذا المثلي وندفع للمقرض قيمة ما أقرضه.
وهذه المسألة ترجح أي قول من الأقوال السابقة في مسألة إذا أبطل السلطان العمل بالفلوس أو الدراهم المكسرة؟ أنه يوم يوم الإبطال أو يوم القرض؟ في الحقيقة هو يؤيد يوم الإبطال لأن يوم الإبطال مثل يوم الإعواز.
وهذا يؤيد نوعاً ما رجحان المسألة الأولى مع بقاء الإشكال فيها.
المهم أن الواجب القيمة يوم الإعواز ينظر في قيمته وتدفع للمقرض.
((الأذان)).
- ثم قال ﵀:
- ويحرم: كل شرط جر نفعاً.
أي: للمقرض. أما الشروط التي تجر النفع للمقترض في من الإحسان.
إذاً كل شرط يجر نفعاً للمقرض فهو محرم. وهو الذي يسميه الفقهاء ربا القروض.
بخلاف ربا البيوع الذي تقدم معنا في بيع الأعيان هذا يسمى ربا القروض.
стр. 1584
الدليل: استدل العلماء ﵏ على تحريم هذه الزيادة وأنها من الربا بعدة أدلة:
- الدليل الأول: الإجماع. فإن هذه المسألة ولله الحمد مجل إجماع لم يختلف فيها فقهاء المسلمين.
- الثاني: استدلوا بآثار صحيحة في البخاري وغيره عن علماء أصحاب النبي ﷺ وكلها تدل على أن القرض إذا جر نفعاً فهو ربا.
- أخيراً استدلوا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال:: (كل قرض جر نفعاً فهو ربا) وهذا الحديث فيه ضعف لكن معناه صحيح.
إذاً هذه هي القاعدة: أنه لا يجوز اشتراط نفع سواء كان هذا النفع أعيان أو منافع.
وسواء كان هذا النفع مشروط شرطاً صريحاً أو تواطئوا عليه بلا شرط في العقد. وذلك لعموم الأدلة الدالة على المنع من الزيادة.
لما ذكر المؤلف ﵀ القاعدة العامة وهي تحريم كل قرض جر نفعاً بدأ بالمستثنيات.
- فقال ﵀:
- وإن بدأ به بلا شرط أو أعطاه أجود أو هدية بعد الوفاء: جاز.
(وإن بدأ به بلا شرط أو أعطاه أجود) إذا بدأ بالنفع الزائد بلا شرط فهو جائز لكن بشرط أن يكون بعد القضاء.
فإن بدأه بدون شرط قبل القضاء فإنه سيأتينا حكمه وماذا يصنع المقرض.
قال: (أو أعطاه أجود) يعني: بلا شرط. ولا نحتاج هنا أن نقول بعد القضاء لأنه إذا أعطاه أجود فقد قضاه.
والدليل على جواز هذه المسألة والتي قبلها:
- أن النبي ﷺ استسلف بكراً ورد رباعاً خياراً وقال: (خيركم أحسنكم قضاء).
فهذا دليل على أنه إذا حصلت الزيادة بلا شرط ولا مواطئة وبعد القضاء فإنه جائز ولا حرج فيه.
ونتوقف عند هذا الحد والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد ...
стр. 1585
الدرس: (٢٢) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا الكلام عن القرض الذي جر نفعاً والأدلة التي تدل على تحريم القرض الذي جر نفعاً وأنه من ربا القروض. وكما هي عادة الفقهاء يقررون الحكم ثم يذكرون ما يستثنى من هذا الحكم فذكر المؤلف ﵀ مسائل تستثنى من هذا الحكم.
- يقول ﵀:
- وإن بدأ به بلا شرط أو أعطاه أجود أو هدية بعد الوفاء: جاز.
هذه ثلاث مسائل:
- المسألة الأولى: أن يبدأ بإعطاء النفع بلا شرط.
- والثانية: أن يقضيه خير مما اعطاه بلا شرط.
- الثالثة: أن يهديه.
دل كلام المؤلف ﵀ أنه إذا أعطاه النفع أو الهدية أو رد أجود مما اقترض فإنه جائز بشرطين:
ـ الشرط الأول: أن يكون بعد الوفاء.
ـ والشرط الثاني: أن يكون بلا شرط.
فإذا أعطاه هذه الأمور بلا شرط وبعد الوفاء: جاز بلا إشكال.
الدليل على ذلك:
- أن إعطاء المقرض هذه الأمور بعد الوفاء لم تصبح بسبب القرض. بل صارت إعطاء مبتدأ به. والمحرم هو ما يأخذه المقرض بسبب القرض.
ثم لما بين المؤلف ﵀ حكم الإعطاء والإهداء والنفع بين إذا تبرع لمقرضه قبل وفائه: يعني: لما بين حكم هذه الأشياء بعد الوفاء أراد أن يبين تفصيل حكم هذه الأشياء قبل الوفاء.
ذكرت لكم أن الدليل أن إعطاء هذه الأشياء بعد القرض يصبح ليس سببه القرض وتعرفون الدليل الثاني ذكرناه لكم في الدرس السابق وهو أن النبي ﷺ : اقترض بكراً ورد رباعياً خياراً وقال: (خيركم أحسنكم قضاء). فهذا دليل على أن ((القضاء)) بعد الوفاء لا إشكال فيه.
إذاً دل على هذا دليل من التعليل وهو دليل مهم ومفيد لأنه ((يكشف)) مسائل أخرى ودليل من السنة.
- ثم قال ﵀:
- وإن تبرع لمقرضه قبل وفائه بشيء لم تجر عادته به: لم يجز.
إذا أعطاه هدية أو نفعاً قبل الوفاء فينقسم إلى قسمين:
- القسم الأول: أن لا تكون العادة بينهما جرت بالتهادي. فحينئذ يصبح محرماً ويدخل في الحكم السابق وهو ربا القروض.
- القسم الثاني: أن تكون العادة جرت بينهما بالإهداء والتبادل فهو جائز ولا حرج فيه.
استدل الحنابلة على هذا التفصيل:
- بحديث أنس أن النبي ﷺ : أجاز التهادي بينهما إذا جرت العادة بذلك.
стр. 1586
وهذا الحديث إسناده ضعيف. ولكن معناه صحيح. والذي دل على صحة معناه أن الصحابة أفتوا بمقتضاه.
وتقدم معنا أن إفتاء الصحابة بمقتضى دليل شرعي وإن لم يجعله بمنزلة المرفوع إلا أنه يقويه ويجعل الاستدلال به مقبولاً إذا انضاف إلى هذه الفتاوى.
- ثم قال ﵀:
- إلاّ أن ينوي مكافأته أو احتسابه من دينه.
هذا استثناء من الاستثناء. يعني: لا يجوز للمقترض أن يدفع للمقرض هدية قبل الوفاء إذا لم تجر العادة بينهما إلا إذا نوى أن يحتسبه من دينه أو أن يكافأة عليه وقد نص الإمام أحمد ﵀ على هاتين المسألتين. يعني: على جوزا الأخذ. إذا نوى أن يحتسبها من الدين أو أن يكافأه عنها.
والدليل على هذا الاستثناء:
- فتاوى الصحابة. فقد نقل عن أكثر من صحابي ﵃ أنهم أفتوا من أخذ هدية ممن أقرضه لم تجر العادة بينهما به أن يحتسبه من الدين.
فإذا اقترض منه عشرة آلاف وأهداه هدية قيمتها خمسة آلاف صار القرض: خمسة آلاف.
وإذا اقترض منه عشرة آلاف وأعطاه هدية بمبلغ خمسة آلاف ولم يرد أن يحسمها من الدين فأعطاه هدية بخمسة آلاف فكذلك أيضاً هو جائز.
* * مسألة/ إذا قلنا بجوز أخذ الهدية التي لم تجر العادة بها مع نية احتسابه من الدين أو المكافأة: فهل الأفضل مع الجواز أن يأخذ أو أن لا يأخذ؟
الجواب: أنه لا يوجد قاعدة عامة لهذه المسألة. فكونه يأخذ أو لا يأخذ هذا يخضع لملابسات الأحوال، وطبيعة العلاقة بين المقرض والمقترض، والمقصود من الهدية ... إلى آخره. فأحياناً يرى الإنسان أنه من الأنسب أن يقبل ويكافيء. وأحياناً يرى من الأنسب أن لا يقبل مطلقاً.
* * مسألة/ إذا قبل بنية المكافأة أو احتسابه من الدين: فهل الأفضل أن يحتسبه من الدين أو أن يكافيء؟
هذه المسألة تشبه المسألة السابقة وهي أنها تخضع للملابسات والأحوال إلا أني أقول: أن الغالب أن المكافأة خير من خصمها من الدين. لأن في خصم الهدية المهداة من الدين غضاضة على المقترض واضحة بينما المكافأة وإهدائه هدية أخرى قد لا يجد ىمقترض في نفسه غضاضة من قبول الهدية ممن استقرض منه.
стр. 1587
فالأولى والأحود غالباً أن يكافيء لا أن يخصم أن الخصم من القرض دائماً ما يشعر بشيء من النقص.
فالأولى العدول عنه إلى الإهداء مقابل الهدية التي أخذها من المقترض.
- ثم قال ﵀:
- وإن أقرضه أثماناً فطالبه بها ببلد آخر: لزمته.
المقصود (بالبلد الآخر) يعني: غير بلد القرض.
فإذا اقترض زيد من عمرو بالرياض عشرة آلاف وطالبه عمرو بها في مكة وهي أثمان يعني: من النقدين فإنه يلزم (عمرو) أن يسدد القرض ولو في غير بلد الاقتراض وهو في المثال (مكة) يلزمه لزوماً ويجب عليه وجوباً.
واستدل الحنابلة على هذا الحكم:
- بأنه يمكنه السداد بم لا ضرر عليه فيه. فإذا أمكن السداد ولا ضرر عليه لزمه أن يسدد.
* * مسألة/ ويلحق بالأثمان كل ما ليس لنقله مؤونة. فيأخذ نفس الحكم. أي: يلزم المقترض أن يسدد القرض ولو في غير بلد القرض الذي تم عقد القرض فيه بنفس السبب وهو أنه يمكنه الوفاء بلا ضرر عليه.
- ثم قال ﵀:
- وفيما لحمله مؤونة: قيمته إن لم تكن ببلد القرض أنقص.
يعني: (وفيما لحمله مؤونة) لا يلزمه أن يسدد القرض.
فإذا اقترض شيئاً لحمله مؤونة وطالبه بها في غير بلد القرض لم يلزم المقترض أن يرد القرض.
واستدلوا على هذا بأمرين:
- الأمر الأول: أن في هذا جر نفع للمقترض. لأنه سيكسب أجرة النقل.
- الثاني: أنه ليس في النصوص الشرعية ما يلزم المقترض نقل القرض من بلد لبلد ولو لم يكن بلا مؤونة.
وإنما ألزمناه في الصورة الأولى لأنه لا ضرر عليه وذمته مشغولة.
* * مسألة/ يقول المؤلف ﵀: (وفيما لحمله مؤونة قيمته) يعني: لما تبين أنه لا يلزمه السداد بين أنه يلزمه قيمة هذا القرض. فيلزم المقترض أن يعطي المقرض قيمة القرض في بلد القرض ما لم تكن القيمة في بلد القرض أكثر. سيأتينا أن المؤلف ﵀ وهم في قوله أنقص.
المهم الآن أن تفهموا الصورة ثم نرجع إلى عبارات المؤلف ﵀.
стр. 1588
إذا اقترض زيد من عمرو خمسة آصع من القمح في الرياض ثم طلبها منه في مكة: فنحن قررنا الآن أنه لا يجب على المقترض أن يوفي هذه الآصع في مكة لأن لحملها مؤونة. كن يجب عليه أن يعطي المقرض قيمة هذه الخمسة آصع ويشترط لهذا الوجوب أن تكون قيمة هذه الخمسة آصع في بلد المقرض ليست أكثر من قيمتها في بلد الإداء.
فإن كانت القيمة في بلد القرض أكثر من قيمتها في بلد الأداء فالواجب عليه أن يعطيه القيمة يشتري بها القرض.
صورة المسألة/ إنسان - كما قلت - اقترض خمسة آصع في الرياض قيمتها مائة ريال فطالبه بها في مكة وقيمتها في مكة خمسون ريالاً فالآن يجب على المقترض أن يدفع القيمة في بلد القرض أو في بلد السداد؟ في بلد السداد. لماذا؟ لأن في بلد السداد أرخص فيذهب ويشتري بخمسين ريالاً خمسة آصع ويسدد. بدل أن يعطيه مائة ريال.
فإذا كانت قيمة الآصع في الرياض مائة ريال وقيمتها في مكة مائة وخمسين ريالاً: فالواجب عليه كم؟ مائة ريال. وهي قيمة القرض في بلد القرض لا في بلد الأداء.
وإذا فهمت المثال فستفهم أن قول المؤلف ﵀ هنا: (إلا أن تكون ببلد القرض أنقص) خطأ لأنها إذا كانت في بلد القرض أنقص فهو من مصلحة المقترض.
ولعل صواب العبارة وكأنه سيكتب المؤلف ﵀: إن كانت في بلد القرض أنقص. بدون النفي.
على كل حال بغض النظر عن عبارة المؤلف عرفنا الآن الحكم.
إذاً: يتلخص الحكم: - في أنه إذا طلبه قرضاً لحمله مؤونة: فإنه لا يجب عليه أن يوفي ويجب عليه أن يعطي القيمة: ـ إن كانت القيمة في بلد القرض أنقص. أو بعبارة أوضح: (إن لم تكن في بلد القرض أكثر). فإن كانت أكثر فإنه لا يلزمه قيمة ويلزمه القيمة في بلد السداد. هذا ما يتعلق بالسداد. ومن المعلوم كما أشرت مراراً أن غالب القروض الآن من الأثمان ليست مما لحمله مؤونة. وهذا التفصيل إنما هو فيما لحمله مؤونة فقط.
وبهذا انتهينا من باب القرض وننتقل إلى باب الرهن.
وقبل أن ننتقل إلى باب الرهن أريد أن أشير إلى أن القرض ينقسم إلى قسمين من حيثية غير الحيثيات التي ذكرنا تقسيمها الآن: وهذا التقسيم مفيد ليتصور بعض الأحكام:
стр. 1589
- القسم الأول للقرض: القرض الحقيقي. وهو: القرض الذي ذكرت تعريفه في أول الباب وتنصرف إليه عبارات الفقهاء.
- القسم الثاني: القرض الحكمي. وهو القرض الذي يثبت في الذمة بسبب النفقة على البهيمة أو على الإنسان مع نية الرجوع. فهذه انفقة تثبت في ذمة المنفق عليه إذا نوى المنفق الرجوع وتصبح في حكم القرض لكنها من القروض الحكمية. يعني: انها أخذت حكم القرض وإن لم تكن في الحقيقة من القروض الني تدخل ضمن التعريف الاصطلاحي الذي ذكره الفقهاء للقروض.
وبهذا يستطيع الإنسان أن يعرف أن مدلول القرض في الشرع أوسع مما يقع في ذهن الطالب أنه فقط إعطاء مال لينتفع به ويرد غيره.
وبهذا انتهى الباب ولله الحمد ونبدأ ب باب الرهن .
باب الرهن
- يقول ﵀:
- باب الرهن.
الرهن في لغة العرب هو: الثبوت والدوام.
هذا هو المعنى الأصلي. وأي معنى آخر يذكر لهذه الكلمة وينسب أنه معنى لغوي فهو في الحقيقة راجع إلى هذا المعنى. فالمعنى الأصلي هو هذا وكل ما عداه ليس من المعاني الأصلية وإنما من المعاني المتفرعة عن هذا المعنى الأصلي وهو: الثبوت والدوام.
وأما في الاصطلاح: فهو توثقة دين بعين يتستوفى منها أو من ثمنها.
صورة الرهن: حتى نفرع عليه المسائل التي يذكرها المؤلف ﵀: صورة الرهن: أن يقترض زيد من عمرو مائة ريال ويأخذ منه رهناً بها عشرة آصع من القمح.
فالرهن في المثال هو القمح.
والغرض منه كما في التعريف استيفاء الدين منه أو من ثمنه.
علم من قولنا: (منه) أنه إنما يستوفى منه إذا كان من نفس الجنس. وإذا كان من جنس آخر فيستوفى من ثمنه.
فإذا اقترض قمحاً ورهنه قمحاً آخر فهل يستوفى منه أو من ثمنه؟ يستوفى منه.
وإذا اقترض ألف ريال ورهنه سيارة فمن ماذا؟ من الثمن.
والرهن مشروع بالكتاب والسنة والإجماع - ولله الحمد. ولا إشكال فيه.
- أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ [البقرة/٢٨٣] وهو نص في المقصود.
- وأما السنة فإن النبي ﷺ اقترض من يهودي ورهنه درعه ﷺ .
- وأما الإجماع: فحكاه غير واحد من أهل العلم.
وما زال عمل المسلمين عليه.
стр. 1590
إنما وقع الخلاف فقط في مسألة: هل الرهن يتعلق بالسفر والحضر أو يتعلق بالسفر فقط؟ وفي الحقيقة الخلاف في هذه المسألة خلاف ضعيف:
= فذهب الجماهير الأئمة الأربعة وعامة فقهاء المسلمين وعليه عمل الناس إلى أن الرهن مشروع في الحضر والسفر ولا تفريق بينهما.
= وذهب مجاهد فقط وهو من أئمة السلف ﵀ إلى أن الرهن لا يكون إلا في السفر فقط. واستدل: - بالآية. (وإن كنتم على سفر فلم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة) فقوله: (وإن كنتم على سفر) صفة تقيد الحكم عنده.
والصواب مع الجماهير بلا شك لأمرين:
- الأمر الأول: أن النبي ﷺ رهن وهو في المدينة. فهو لم يكن على سفر ﷺ .
- الثاني: أن هذا القيد خرج مخرج الغالب لأن الغالب أن يحتاج الإنسان إلى توثقة الدين بالرهن في السفر لأنه قد لا يجد من يشهده على الدين أو لا يجد ما يكتب به الدين. وأما في الحضر فقد لا يحتاج إلى هذا. هذا في القديم أما اليوم فالحاجة إلى الرهن كبيرة جداً وتتعدى إثبات الدين إلى الوثوق بأداء المدين بالدين. فالحاجة إليه اليوم كبيرة جداً وقصره على السفر فيه تضييق على الناس وهذا على كل حال القول أشبه ما يكون بالقول المهجور.
ثم بدأ المؤلف ﵀ يبين الأشياء التي يجوز أن ترهن:
- فقال ﵀:
- يصح في كل عين: يجوز بيعها.
هذه قاعدة الباب: أنه يجوز رهن كل عين يجوز أن تباع.
واستدلوا على هذا:
- بأن المقصود من الرهن هو: استيفاء الدين عند عجز المدين عن السداد أو امتناعه. وهذه الحكمة تتحقق في كل عين يجوز أن تباع.
وظاهر قول المؤلف ﵀: (في كل عين) أنه لا يجب أن نجعل الدين والمنافع رهناً بل لا يرهن إلا العين فقط. وهذا مذهب الحنابلة: أن الرهن لا يقع إلا على العين دون الدين والمنافع.
واستدلوا على هذا:
- بأن الوارد في السنة رهن الأعيان دون المنافع والديون فنقتصر على مورد النص.
= القول الثاني: أنه يجوز أن نجعل المنافع والديون رهناً.
стр. 1591
وعللوا ذلك: - بان المقصود من الرهن يتحقق في رهن المنافع ورهن الديون. فإذا كان المدين يملك منفعة معينة - يملك منفعة عين دون رقبتها. فبالإمكان أن يرهن هذه المنفعة. ويستوفى الدين من قيمة هذه المنفعة.
وكما ترى في الحقيقة لا إشكال في رجحان القول الثاني فهو ظاهر وقوي.
إلا انه لا ينبغي أن نجعل الديون والمنافع رهناً لأن هذا يدخل الدائن والمدين في متهاة المطالبة بالدين الآخر والاختلاف والتنازع.
بينما إذا رهنت عين معلومة حاضرة صار هذا أبعد عن التنازع وأقرب إلى إيفاء الديون.
فقول الجمهور من حيث الواقع العملي والتطبيق قوي وجيد. والقول الثاني من حيث الدليل اتفصيلي وجيه جداً كما ترى.
- ثم قال ﵀:
- حتى المكاتب.
يعني: حتى المكاتب: العبد الذي كوتب من سيده يجوز أن يجعل رهناً.
والتعليل واضح:
- وهو أنه يجوز أن يباع فجاز أن يرهن. وكل ما جاز أن يباع جاز أن يرهن.
فإن أتم المكاتب الأقساط التي عليه وأصبح حراً لا يباع صار ثمنه هو الرهن. وتسدد الديون من هذا الثمن الذي يكون محل المكاتب.
وكون قيمة المكاتب تقع محله رهناً هذا بلا إذن من الراهن بل مباشرة تكون مكان العبد المكاتب الذي كان رهناً. وليس للراهن الخيار: لأن قيمة العبد المكاتب بدله فتكون هي الرهن.
وبهذا نخرج من الجهالة والغرر التي قد تكون موجود في المكاتب حين يستكمل الأقساط ويصبح حراً.
إذاً: إذا قيل لك: كيف تصحح أن يكون المكاتب رهناً وهو ربما أصبح من الأحرار فلا يجوز أن يباع.
فالجواب: أنه إذا أصبح حراً صارت قيمته مكانه.
- ثم قال ﵀: مبيناً وقت الرهن.
- مع الحق.
يعني: يجوز أن نعقد الرهن مع عقد البيع. فيقول: بعتك هذه السيارة إلى شهرين بشرط أن ترهنني هذا البيت.
وهذا المثال مثال صحيح لأن اليوم بعض السيارات أغلى من بعض البيوت - مع الأسف - ولا يقال أن امثال غير منطقي لأن اليوم بعض السيارات أغلا من بعض البيوت وإن كان ليس من العقل أن يشتري الإنسان سيارة باهضة الثمن وهو لا يملك بيتاً كما يفعله بعض الناس اليوم. فهذا لاشك أنه من سوء التدبير.
لكن المثال صحيح.
هذا عقد الرهن مع العقد.
ومع الحق يعني: مع العقد.
стр. 1592
وانتم تعلمون أن الرهن عقد مضاف لعقد البيع. - الرهن عقد آخر مع عقد البيع. فهو عقد يحتاج إلى إيجلب وقبول وشروط وعاقدان ... إلى آخره.
فعقد الرهن مع عقد البيع الذي يسبب الحق جائز. وهو جائز باتفاق الأئمة الأربعة.
- قال ﵀:
- وبعده.
يعني: ويجوز عقد الرهن بعد الحق - بعد ثبوت الحق.
وصورته/ أن يبيع عليه بيتاً ثمن مؤجل ثم بعد ثبوت الثمن في ذمة المشتري يقول البائع وأريد رهناً بهذا البيت.
فهذا الرهن تم بعد العقد أو مع العقد؟
بعد العقد. يعني: بعد ثبوت الحق في ذمة المدين وهذا جائز بالإجماع بل هو المقصود من الرهن.
ودليل جواز مع الإجماع:
- أن قيمة المؤجل أصبحت ثابتة في ذمة المدين وإذا كانت ثابتة في ذمة المدين احتاجت إلى توثقة بالرهن.
وأنا أريد أن تنتبهوا إلى هذا التعليل حتى تفهموا المقصود من الرهن.
إذاً إذا أخذ رهنا بعد ثبوت الحق يعني: بعد وقوع العقد فهو جائز بالإجماع. لأنه بعد العقد أصبح الثمن ثابتاً في ذمة المدين فأصبح يحتاج إلى توثقة.
وظاهر كلام المؤلف ﵀ أنه لا يجوز عقد الرهن قبل ثبوت الحق أي قبل إجراء العقد لأنه يقول: (مع الحق وبعده) ولم يقل: (وقبله). وهذا:
= مذهب الحنابلة: أن عقد الرهن لا يصح قبل ثبوت الحق.
واستدلوا على هذا:
- بأن الرهن يقصد منه الاستيثاق من الدين ولا دين هنا.
= والقول الثاني: صحة وقوع الرهن قبل ثبوت الحق. يعني: قبل وقوع العقد.
واستدلوا على هذا:
- بالقياس على الضمان. لأن الضمان يكون قبل ثبوت الحق في ذمة المدين.
- واستدلوا على هذا: بأن الأصل في المعاملات الحل.
- واستدلوا على هذا أيضاً: بأنه لا ضرر من إثبات الرهن قبل الحق فإن وجد الحق نفع الرهن وإن لم يوجد الحق لم يضر الرهن.
وهذا القول الثاني هو الراجح. على أن هذه المسألة لا تكاد تقع في الواقع. لأنه لا حاجة إليها.
وإذا كان البائع يريد الاستيثاق التام فيجعل الرهن مع الحق. فإذاً لا حاجة ماسة لإيقاع الرهن قبل العقد.
لما بين المؤلف ﵀ الأعيان التي يجوز أن تجعل رهناً انتقل لبيان الديون التي يجوز أن نأخذ عليها رهناً: أو بعبارة أدق: (الحقوق التي يجوز أن نأخذ عليها رهناً).
стр. 1593
- فيقول ﵀:
- بدين ثابت.
فسرت لما يؤخذ عليه الرهن شرطين:
- الشرط الأول: أن يكون ديناً.
- والشرط الثاني: ان يكون هذا الدين ثابتاً.
نبدأ بالشرط الأول: = يشترط فقهاء الحنابلة لصحة الرهن أن يؤخذ مقابل دين. فلا يجوز أن نأخذ الرهن مقابل عين ولا منفعة.
ـ مثال العين: - العارية.
- ومثاله الثاني: وهو الأهم: ثمن المبيع المعين.
= فالحنابلة يرون: أن الرهن لا يؤخذ إلا عن شيء ثابت في الذمة. ما عدا هذا لا يؤخذ عليه رهن.
واستدلوا على هذا:
- بأن الدين الثابت في الذمة هو الذي يحتاج إلى توثيق وما عداه فليس بحاجة إلى توثيق.
- واستدلوا: بأن الآية في الدين - الآية التي دلت على مشروعية الرهن إنما هي في الدين فنبقي فيما ورد فيه النص فقط.
= والقول الثاني: جواز أخذ الرهن على الأعيان والديون على حد سواء.
- لأن الإنسان كما يحتاج إلى توثقة الدين لاستيفاء حقه من الرهن فإنه يحتاج إلى التوثقة من رجوع العين ووصولها إليه. فالحكمة التي شرع من أجلها الرهن موجودة في الأعيان والمنافع.
مثال المسألة/ إذا قال زيد لعمرو: أعرني سيارتك. فقال عمرو: أنا أعيرك السيارة بشرط أن ترهنني رهناً حتى أستوثق من إرجاع السيارة سليمة ليست معيبة.
= فعند الحنابلة: الرهن باطل. - لأنه على شيء ليس في الذمة.
= وعلى القول الثاني: الرهن صحيح وهو لازم ويؤخذ منه الحق عند عدم رد العارية.
ففي الحقيقة هذا الخلاف مهم ومفيد وقد يحتاج إليه الإنسان. والقول الثاني فيه أرجح.
ونحمل النصوص - كما تقدم معنا - أنها خرجت مخرج الغالب - لأن الغالب أن الإنسان يحتاج إلى توثقة الديون لا الأعيان.
ـ الشرط الثاني: أن يكون بدين. فلا يصح على دين غير ثابت.
والدين الثابت/ هو الدين الذي ثبت في الذمة وليس عرضةً للسقوط.
فمن أمثلة الدين غير الثابت: دين المكاتبة. لأن العبد يستطيع أن يعجز نفسه ويرجع إلى العبودية.
стр. 1594
ومن أمثلة الدين غير الثابت: الجعل قبل أن يبدأ في العمل.: إذا جعل جعلاً لمن صنع عملاً معيناً فقبل أن يبدأ العامل بالعمل فهذا الدين وهو الجعل عرضة للسقوط وذلك بأن لا يبدأ بالعمل. لأنه كما سيأتينا اعقد بين من يجعل جعلاً لعمل وبين العامل عقد جائز وليس بلازم. فهذه الديون لا يصح: = عند المذهب أخذ الرهن عليها.
- لأنها هي بنفسها عرضة للسقوط فكيف نستوثق منها بالرهن؟
= والقول الثاني: أنه يجوز أخذ الرهن بالدين الغير مستقر. فإن استقر انتفعنا من الرهن وإن لم يستقر رجع الرهن إلى صاحبه.
- ثم قال ﵀:
- ويلزم: في حق الراهن فقط.
الراهن: هو المدين.
والمرتهن هو: الدائن.
والرهن: هي العين التي يراد استيفاء الدين منها.
إذاً لابد أن نفهم الآن الراهن والمرتهن لأنه سيتكرر معنا.
فالراهن هو الذي ذمته مشغولة).
يقول ﵀: (يلزم في حق الراهن فقط) يعني: دون المرتهن.
ويلزم في حق الراهن: - لأنه ثبت بحق الغير فهو لازم في حق الراهن حفظاً لحق المرتهن.
ومعنى أنه لازم: يعني: أن الراهن لا يستطيع فسخ الرهن ولا إلغاء هذا العقد ولا ما يترتب على هذا الأمر.
وسيأتينا متى يلزم؟ وماذا يترتب من الأعمال على اللزوم.
إنما الذي يعنينا الآن في عبارة المؤلف ﵀ هنا: أنه لازم في حق الراهن فقط.
- ثم قال ﵀:
- ويصح: رهن المشاع.
ويصح رهن المشاع:
= عند الجماهير من أهل العلم.
- لأن المشاع يجوز أن يباع وكل ما جاز أن يباع جاز أن يرهن.
وفي المسألة خلاف ضعيف لا نشتغل به. فالجماهير على جواز رهن المشاع والآن عليه العمل وكثيراً ما يرهن المشلع اليوم لأن المشاع يمكن بيعه وتمييزه عن الذي معه سواء كان أرض أو بيت أو شيء يمكن أن يباع لسداد الدين.
ولما كانت القاعدة أن كل ما جاز بيعه جاز رهنه والمشاع يجوز أن يباع لذلك الجماهير جوزوا رهنه.
- ثم قال ﵀:
- ويجوز: رهن المبيع غير المكيل والموزون على ثمنه وغيره.
في الحقيقة العبارة تكون أسهل وأوضح لو أن المؤلف ﵀ يقو: (ويجوز رهن المبيع على ثمنه وغيره إلا إذا كان مكيلاً أو موزوناً).
فتكون أوضح. فإدخال الاستثناء في وسط الجملة يصعب فهمها.
стр. 1595
نقول في شرح الجملة:
يجوز للإنسان أن يرهن المبيع على: - ثمنه. - وعلى غيره.
والمقصود: (بغيره) يعني على دين آخر سابق. سواء قبض الثمن أو لم يقبض في مسألة: (على غيره).
صورة المسألة/ أن يشتري زيد من عمرو سيارة فيحبس عمرو السيارة إلى أن يسدد المشتري الثمن.
أو يسدد المشتري الثمن ومع ذلك يحبس البائع السيارة لأن له على زيد ثمن آخر - دين آخر. فيمسك السيارة كرهن إلى أن يسدد قيمة الدين الآخر. حتى لو سدد قيمة السيارة إذا كان هناك دين آخر فله أن يمسك السلعة على هذا الثمن.
الدليل على الجواز:
- أن هذا المبيع يجوز بيعه فجاز رهنه. ولو قبل القبض.
وأنتم تعلمون أننا نتحدث الآن عن المبيع من غير المكيل والموزون.
أو بعبارة أخرى: (عن المبيع الذي لا يحتاج إلى قبض).
إذاً انتهينا من هذا القسم عند الحنابلة. أنه إذا باع ما لا يحتاج إلى قبض يعني: غير المكيل والموزون عند الحنابلة فإنه يجوز أن يحبسه على ثمنه وعلى غيره ولو قبل القبض.
- القسم الثاني: المبيع من المكيل والموزون.
فهذا لا يجوز رهنه على ثمنه - لا يجوز حبسه على ثمنه.
لماذا؟ لأنه لا يجوز أن يباع. فالمكيل والموزون قبل القبض لا يجوز أن يباع.
فإذاً: المكيل والموزون قبل القبض لا يجوز حبسه على ثمنه. لماذا؟ لأنه لا يجوز أن يباع إلا بعد القبض ونحن نقول لا يجوز أن نرهن إلا ما يجوز أن يباع.
= القول الثاني في المكيل والموزون: جواز حبسه على ثمنه ولو قبل القبض.
واستدل هؤلاء على هذا الحكم:
- بأن بقاء المبيع عادة في يد البائع قبل القبض يسير وينتقل إلى المشتري وهذا البقاء اليسير لا يتنافى مع حكمة الرهن.
(استدلوا: بأن بقاء الرهن أو المبيع في يد البائع عادة يبقى وقت يسير هذا الوقت اليسير لا يتنافى مع حكمة الرهن.)
إذا باع الإنسان عيناً لا يجوز أن تباع إلا بعد القبض. فنحن نقول للمشتري لا يجوز لك أن تبيع العين إلا بعد القبض لأنه نهي عن بيع الطعام قبل قبضه ولئلا يقع في نفس البائع عليك حرج إذا كسبت أنت في هذه السلعة.
إذاً: واضح الآن أن تحريم بيع السلعة قبل القبض أمر محكم وأدلته واضحة.
стр. 1596
لكن إذا رهن هذه العين قبل أن يقبضها فبقاء السلعة هذا الوقت القصير في يد البائع لا يتعارض مع الرهن لأن الرهن مؤجل. - الدين مؤجل - وبالتأكيد خلال هذه الفترة ستنتقل العين من يد البائع إلى يد المشتري فتصبح رهناً يجوز بيعه. ولهذا نقول: الراجح إن شاء الله القول الثاني.
* * مسألة/ علم من قوله: (لا يجوز بيع المكيل والموزون) انه على القول الراجح لا يجوز رهن كل ما لا يجوز بيعه قبل القبض هذا عند الحنابلة ولا نقصر الحكم على المكيل والموزون.
ونحن لن ندخل في هذه المسألة لأنه تقدم معنا الخلاف في الأشياء التي تحتاج إلى استيفاء وقبض والأشياء التي لا تحتاج فتنزل ذلك الخلاف على هذه المسألة.
* * المسألة الثانية/ علم من هذا الخلاف كله أنه لا حرج مطلقاً في رهن أو حبس المبيع على ثمنه وغيره بعد القبض - فبعد القبض لا إشكال. وبلا تفصيل - يجوز بلا تفصيل - حتى قال المرداوي في الإنصاف: يجوز بعد القبض بلا نزاع. يعني: في المذهب. إذاًَ عرفنا الآن حكم حبس المبيع على ثمنه: بعد القبض وقبل القبض.
- بعد القبض: يجوز بلا نزاع وبلا تفصيل.
- وقبل القبض: يجوز على التفصيل والخلاف الذي ذكرته لك.
- ثم قال ﵀:
- وما لا يجوز بيعه: لا يصح رهنه.
وفي الحقيقة هذه العبارة مستفادة من العبارة الأولى: أن كل ما يجوز بيعه يجوز رهنه. لكن المؤلف ﵀ أراد أن يبين الحكم صريحاً حتى يكون أوضح للقاريء. (فكل ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه).
الأشياء التي لا يجوز أن تباع ينبغي أن تكون معلومة لك من خلال: شروط البيع. فإذا فهم الإنسان شروط البيع عرف جميع الأعيان اتي لا يجوز أن تباع.
- فالكلب مثلاً: لا يجوز أن يرهن. - آلات المعازف: لا يجوز أن ترهن. - أم الولد: لا يجوز أن ترهن.
فكل ما لا يجوز أن يباع لا يجوز أن يرهن.
التعليل: - قالوا: أن ما لا يجوز أن يباع لا تتحقق حكمة الرهن منه. لأن المراد استيفاء القرض من ثمنه وهذا لا يباع. فكيف سنستوفي من ثمنه. وهذا أمر واضح ودليله واضح.
- ثم قال ﵀:
- إلاّ الثمرة والزرع الأخضر قبل بدو صلاحهما، بدون شرط القطع.
стр. 1597
تقدم معنا أن الفقهاء جميعاً إذا قرروا حكماً أعقبوه بالاستثناء. فهذا يستثنى من الحكم السابق العام .. ((الأذان)).
استثنى الحنابلة من الحكم السابق وهو عدم جواز رهن ما لا يجوز بيعه: الثمرة والزرع الأخضر قبل بدو الصلاح: لا يجوز أن يباعا. ومع ذلك جوز الحنابلة أن يجعلا رهناً. مع العلم أنه لا يجوز أن يباع.
واستدلوا على هذا بأمرين:
- الأمر الأول: أن النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها إنما هو خشية إصابة العاهة والعيوب. وهذا الأمر مفقود في مسألتنا فلا نخشى إصابة العاهة ولا إصابته العاهة فإنه لا يضر في مسألة الرهن.
- الثاني: قالوا: أنه إذا أصيبت اثمار والحبوب قبل بدو صلاحها بعاهة وأصبحت غير صالحة للبيع لم يخسر المرتهن شيئاً لأن الرهن بقي في ذمة الراهن. ولم يسقط منه شيء. فلا جهالة ولا غرر ولا ضرر على المرتهن ولهذا صححوا هذا العقد.
واستثناء الثمرة قبل بدو صلاحها والزرع قبل أن يشتد: استثنء صحيح. لأنه في الحقيقة لا يتعارض مع الحكمة من الرهن. ولأن عادة وقت الرهن الأجل طويل فبإمكانه أن يتبين من صلاحية الثمرة للبيع أو عدمه.
وأما قول المؤلف ﵀: (بدون شرط القطع). فلا يريد أنه إذا كان مع شرط القطع فلا يجوز. بل معنى العبارة: حتى ولو بدون شرط القطع. أما مع شرط القطع فيجوز رهنه بالإجماع. لماذا؟ لأنه يجوز أن يباع. ولذلك لو قال المؤلف ﵀: (ولو بدون شرط القطع) لكان أوضح.
- ثم قال ﵀:
- ولا يلزم الرهن: إلاّ بالقبض.
= ذهب الجماهير إلى أن عقد الرهن لا يلزم من قبل المرتهن إلا بقبض المرتهن له. أما إذا لم يقبض المرتهن الرهن فإنه يصبح جائزاً فللراهن أن يفسخ الرهن أي ساعة شاء. وهذه المسألة غاية في الأهمية.
إذاً لا يلزم الرهن إلا بقبض المرتهن له. فإن بقي بيد الراهن فالعقد جائز وليس بلازم.
استدلوا على هذا: - بالآية فإن الله تعالى يقول: (فرهان مقبوضة). فنصت الآية على اشتراط القبض. ومعلوم أن قوله مقبوضة يعني: من المرتهن.
واستدلوا على هذا: - بأن النبي ﷺ لما رهن الدرع عند اليهودي أقبضه إياه.
فدل الكتاب والسنة على هذا الشرط.
стр. 1598
= والقول الثاني: أنه يلزم ولو بقي في يد الراهن.
واستدلوا على هذا: - بأن الغرض من الرهن يتحقق ولو بقي في يد الراهن.
- وبأن الناس بحاجة إلى أن يبقى الرهن بيد الراهن وعلى هذا عملهم.
نكتفي بهذا ... والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد ....
стр. 1599
الدرس: (٢٣) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
إن شاء الله في آخر الدرس سنشرح قوله ﵀: (بدين ثابت) لأن بعض الإخوة لم يفهم معنى هذه العبارة من المؤلف ﵀.
- يقول ﵀:
- ولا يلزم الرهن: إلاّ بالقبض.
تكلمنا بالأمس عن هذه المسألة وذكرنا وجهة نظر الجماهير وأدلتهم.
= والقول الثاني في هذه المسألة: أن الرهن يلزم بالعقد. ولا ينفسخ إلا بإذن المرتهن بمجرد العقد ولو لم يقبض.
واستدل هؤلاء على هذا الحكم:
- بقياس عقد الرهن على عقد البيع. فإن عقد البيع يلزم بالعقد ولو لم يقبض. كما تقدم معنا.
إذا تم العقد في البيع لزم ولزم البائع أن يسلم السلعة والمشتري أن يسلم الثمن. ولو لم يكن هناك قبض فقاسوا عقد الرهن على عقد البيع.
واستدلوا على ذلك أيضاً:
- بأن عمل الناس على هذا فإنهم يرهنون أمتعتهم وتبقى في أيديهم.
وتقدم معنا بالأمس أن الأثر الأهم لهذه المسألة هو: أن الرهن قبل القبض عند الجماهير غير لازم. ومعنى: (غير لازم) أن للراهن أن يفسخ الرهن ويجوز له أن يلغي هذا العقد باعتبار أنه لم يقبض: أي: أن الرهن لم يقبض إلى الآن.
هذه المسألة فيها إشكال: وشيخ الإسلام يرى رجحان قول الجماهير فهو يقول: أن الفائدة من الرهن لا تتحقق على الوجه المطلوب إلا إذا انتقل الرهن إلى يد المرتهن ليتمكن من استيفاء الحق بعد عجز المدين عن السداد.
وما ذكره ﵀ قوي.
وكذلك أصحاب القول الثاني يستدلون بأن عمل النس على بقاء الرهن بيد [الراهن] وبقاء انتفاعه به.
стр. 1600
ففي الحقيقة في المسألة نوع من الإشكال بالنسبة لي ولا يظهر لي رجحان قول من الأقوال رجحاناً بيناً إلا أن هذه المسألة والحاجة إليها خفت في زماننا هذا. فبإمكاننا أن نرجح القول الثاني الذي يجعل الرهن لازماً بمجرد العقد.
لماذا؟
لأنه في هذه الأيام أصبح التوثيق في الأوراق فبمجرد ما يختم على الصك أصبح مرهونا بقي البيت في يد المدين أو لم يبق انتقل أو لم ينتقل وبمجرد ما ترهن السيارة تصبح مرهونة أين ما كانت السيارة في يد الدائن أو المدين وبهذا صارت فائدة قليلة بالنسبة لوقتنا هذا.
وإذا أمكن توثيق الدين بلا انتقال العين إلى المرتهن يعني مع بقاء العين في يد الراهن وانتفاعه منها فهذا لاشك أرجح لأنه يتحقق الاستيثاق من الرهن ويتحقق أيضاً بقاء الرهن في يد الراهن: يعني: المدين.
ولذلك نحن نقول: الراجح إن شاء الله في وقتنا هذا القول الثاني.
أما من حيث أصل المسألة بدون النظر إلى ملابسات الواقع المعاصر ففيها إشكال وقول الجمهور وجيه وهو أرجح عندي لكن كما قلت لكم رجحانه ليس رجحاناً بيناً.
- ثم قال ﵀:
- واستدامته شرط.
يعني: من شروط اللزوم استدامت القبض.
- لأنهم قالوا: نقيس الاستدامة على الابتداء فإذا كان الابتداء لابد فيه من القبض فالاستدامة لابد فيها من القبض.
وبه علمت أن هذه المسألة مبنية على المسألة السابقة. فما ترجح في تلك المسألة فرجحه في هذه المسألة.
- ثم قال ﵀:
- فإن أخرجه إلى الراهن باختياره: زال لزومه.
(فإن أخرجه) يعني: فإن أخرج المرتهن الرهن إلى الراهن باختياره زال لزومه.
- لأن علة اللزوم عند الحنابلة القبض فإذا زال القبض باختيار المرتهن زال اللزوم تبعاً له.
وبعد ذلك يجوز للراهن أن يفسخ العقد وأن يتصرف في العين المرهونة كيف شاء.
وعلكنا من قول المؤلف ﵀ هنا: (باختياره) أنه لو زال الرهن بغير اختياره فإنه يبقى لازماً ولا ينفك ولو زال عن يد المرتهن فهي عين مرهونة.
стр. 1601
وعلنا من قول المؤلف ﵀: (فإن زال الرهن باختيار المرتهن) أن هذا الزوال عام سواء كان زوال بإرجاع العين إلى الراهن أو بتأجير العين إلى الراهن أو بإعارة العين إلى الراهن أياً كانت صورة الإرجاع ما دامت باختيار المرتهن فإن الرهن يصبح غير لازم.
ولا يخفى عليك أيضاً أن هذه المسألة مبنية على مسألة القبض.
ولهذا قلت لك في الدرس السابق أن مسألة متى يلزم الرهن: مسألة مهمة من جهتين:
- من جهة ما يترتب عليها من مسائل.
- ومن جهة الواقع وحاجة الناس إليها.
- ثم قال ﵀:
- فإن رده إليه: عاد لزومه إليه.
يعني: فإن رد الراهن العين إلى المرتهن عاد اللزوم.
والتعليل:
- هو ذات التعليل السابق وهو أنه يلزم من القبض اللزوم ويلزم من عدم القبض عدم اللزوم عند الحنابلة.
فإذاً تعليل هذه المسألة هو عكس تعليل المسألة السابقة.
فعاد اللزوم لوجود القبض.
- ثم قال ﵀:
- ولا ينفذ تصرف واحد منهما فيه: بغير إذن الآخر.
يقول ﵀ أنه لا ينفذ تصرف واحد منهما بغير إذن الآخر.
المقصودبـ: (بواحد منهما). الراهن والمرتهن.
والمقصود بـ: (التصرف). أي: أي تصرف مالي كأن يؤجر العين.
فالمؤلف ﵀ يشترط لتصرف أي منهما بالعيم رضا اجميع فإذا رضي الراهن ولم يرض المرتهن لم يجز التصرف وأصبح ملغياً وإذا رضي المرتهن ولم يرض الراهن فكذلك.
ـ أما اشتراط رضا الراهن فمعلوم لأن الراهن هو المالك وليس لأحد أن ستصرف في ملك غيره إلا بإذنه وإن كانت مرهونة فهي مازالت في ملك الراهن فلابد من إذن الراهن.
ـ أما اشتراط رضا المرتهن فلأجل أن لا يضيع حقه بتصرف الراهن.
هذا هو: = مذهب الحنابلة. فإن لم يرض أحدهما أو لم يرض كلاهما بقي الرهن معطلاً فلابد للتصرف فيه من رضا الاثنين.
= والقول الثاني: هو أنه يجوز أن يستصرف الراهن خاصة ولو لم يرض المرتهن بشرط أن لا يؤدي تصرف الراهن إلى إنقاض مالية العين بما يضر بالدين.
فما دام سيتصرف تصرفاً لا يضر بالعين المرهونة ولا ينقص من قيمتها المالية فإنه يجوز له أن يتصرف ولو لم يأذن المرتهن.
والتعليل: ظاهر:
стр. 1602
- لأن هذه العين ملك للراهن وهذا التصرف لا يؤدي إلى الإخلال بحق المرتهن فلأي شيء نمنع.
المثال الذي يوضح المسألة/ إذا كان الرهن بيتاً يؤجر فقام المرتهن بتأجيره بمبلغ مائة ألف ريال. وهذا التأجير لا يخل أو لا يضر بمالية البيت مطلقاً.
فإذا كان الدين مائة ألف وقيمة البيت خمسمائة ألف وأجره بمائة ألف فإن هذا الأجار مهما كان لن يخفض قيمة البيت بل إنه في وقتنا هذا إذا كان البيت مؤجراً فإن هذا من أسباب ارتفاع قيمة البيت.
ففي هذه الصورة عند الحنابلة لا يجوز أن يؤجر ولو لم يضر بالمرتهن.
وعلى القول الثاني: يجوز أن يؤجر ولا ننظر لإذن المرتهن.
وهذا القول الثاني كما قلت لكم هو الصواب.
المثال العكس/ أن يؤجر هذا البيت تأجيراً ينقص من مالية العين. مثل/ أن يؤجر السيارة لشخص يسير بها في طرق سيئة وهو لا يحسن القيادة. فهذا لاشك ينقص من مالية السيارة.
ولذلك من الأشياء التي يسأل عنها من أراد أن يشتري سيارة من هو الذي كانم يستعمل هذه السيارة؟ فإن كان إنساناً يعرف بحسن القيادة والهدوء صار هذا من أسباب زيادة مالية وقيمة السيارة وإن كان العكس: كان العكس.
فمثل هذه الصورة لا نسمح للراهن أن يؤجر السيارة بهذه الصفة التي تسبب نقص مالية العين.
وكما ترى هذا القول وجيه وهو إن شاء اله الراجح والمتوافق مع مقاصد الشرع.
- ثم قال ﵀:
- إلاّ عتق الراهن: فإنه يصح مع الإثم. وتؤخذ قيمته رهناً مكانه.
استثنى المؤلف ﵀ من الحكم العام وهو المنع من التصرف إلا بإذن الاثنين: العتق.
فإذا قام الراهن بعتق العبد الذي وضع رهناً. فالحكم:
= عند الحنابلة: أن العتق صحيح مع التحريم.
فالراهن آثم والعتق صحيح.
ـ أما التحريم:
- فلأنه اعتدي على حق المرتهن.
ـ وأما التصحيح:
- فلأن الشارع متشوف للعتق.
- ولأن العتق فيه سراية وتغليب مما يدل على قوة هذا الحكم. لأنه إذا اتصف العقد بالسراية والتغليب صار دليلاً على قوة الحكم.
ومعنى: (السراية) أنه لو أعتق بعضه عتق كله.
ومعنى: (التغليب) أنه لو أعتق عبداً ولم يحدد باسم ولا وصف عتق جميع العبيد.
فهذا من باب التغليب والأول من باب السراية.
стр. 1603
وإذا صححنا العتق فإن قيمة العبد تكون مكان العبد فنلزم الراهن الذي أعتق العبد بأن يسلم المرتهن قيمة هذا العبد لتكون رهناً بدل هذا العبد الذي أعتق.
هذا هو مذهب الحنابلة وتفصيل المذهب ودليل المذهب.
=والقول الثاني: أن العتق لا يقع في هذه الصورة وهو محرم وباطل.
- لأن في العتق في هذه الصورة اعتداء على حق المرتهن والشارع الحكيم متشوف إلى العتق الذي ليس فيه اعتداء فنبطل العتق ويبقى العبد مرهوناً ولو أعتقه السيد ويصبح من التصرفات اللاغية.
وهذا الثاني هو القول الصحيح إن شاء الله.
- قال ﵀:
- ونماء الرهن وكسبه وأرش الجناية عليه: ملحق به.
نماء الرهن وكسبه وأرش الجناية ملحق بالرهن.
ومعنى أنه ملحق بالرهن يعني: أنه يبقى مع الرهن ويباع مع الرهن.
- لأنه متفرع عن أصل مرهون فتبعه في الحكم.
هذا هو مذهب الحنابلة.
واعلم قبل أن نذكر القول الثاني: أن نماء الرهن المتصل به تبع للرهن: بالإجماع. لأنه لا يمكن أن ينفك عن الرهن.
مثال النماء المتصل/ السمن. أو تعلم صنعة. أو تعلم علم محمود.
فمثل هذه الأشياء لا يمكن أن تنفك عن الرهن فهي تبع للرهن بالإجماع.
إذاً: القول الثاني ينحصر في النماء المنفصل.
عرفنا أن مذهب الحنابلة والجماهير أن النماء المنفصل تبع للعين المرهونة للتعليل السابق.
= القول الثاني: أن النماء المنفصل ليس تبعاً للعين المرهونة بل يرجع للراهن.
وهذا مذهب الإمام الشافعي.
ودليل هذا القول:
- أن المرتهن رضي بعين الرهن رهناً بلا زيادة.
- وأيضاً نماء هذه العين هو في الحقيقة ملك للراهن لأن العين هي أيضاً ملك للراهن. والأصل أن ملك الإنسان له أن يتصرف فيه بماء يشاء وإنما منعنا التصرف في العين المرهونة لأنها مرهونة.
القول الأول: مذهب الجماهير وعليه العمل في كثير من البلدان.
القول الثاني هو مذهب الشافعي وهو فيما يظهر لي أرجح من مذهب الجمهور وومن نصره ابن المنذر ﵀ فإنه يرى أن النماء المنفصل ليس تبعاً للعين.
стр. 1604
وهذا الذي يظهر لي أن النماء المنفصل ليس تبعاً للعين المرهونة لأنه ملك للراهن ولا يوجد دليل يمنع الراهن من أن ينتفع بهذا النماء المتصل وأما الاستيثاق من الدين فهو حصل بالعين المرهونة.
يستثنى من هذا صورة واحدة: إذا كان هذا النماء المنفصل يؤدي إلى مالية العين المرهونة ففي هذه الصورة لاشك ان النماء المنفصل ينبغي أن يبقى مع العين حتى تكون العين مع نمائها المتصل كافية في سداد الدين.
فإذا رهن شاة حاملة وفي أثناء الرهن ولدت هذه الشاة وهذه الولادة سببت ضرراً للشاة - أي ضرر جسماني - أدى هذا الضرر إلى نقصان مالية هذه الشاة.
فنقول: هذا الولد الذي ولدته الشاة تبع لها لأن الشاة أصبحت لا تفي بالدين.
أما فيما عدا هذه الصورة فالراجح مذهب الشافعية واختيار ابن المنذر ومن أبرز أمثلته الأجار فالأجار الآن لا يضر بالعين كما تقدم معنا.
فإذا أجر البيت المرهون فالأجار ليس تبعاً للبيت ولا يحبس كما يحبس البيت وإنما هو من حقوق الراهن على القول الصحيح ينتفع بع كيف شاء.
- قال ﵀:
- وكسبه وأرش الجناية عليه: ملحق به.
كسبه وأرش الجناية عليه هو والمسألة السابقة واحد: النماء والكسب والأرش مسألة واحدة والخلاف الذي ذكرت ينطبق على الجميع.
- ثم قال ﵀:
- ومؤونته على الراهن وكفنه وأُجرة مخزنه.
= ذهب الجماهير إلى أن النفقة والمؤونة التي تصرف على العين المرهونة تحتسب على الراهن هو الذي ينفق على العين المرهونة.
واستدلوا على هذا:
- بأن هذه العين المرهونة ملك للراهن والأصل أنه يجب على الإنسان أن ينفق على ملكه.
واستدلوا أيضاً:
- بقول النبي ﷺ : (لا يغلق الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه) والحديث كما ترى نص في المسألة. لأن النبي ﷺ يقول: (عليه غرمه). فكل النفقات التي تترتب على بقاء الرهن عند المرتهن الذي يقوم بدفعها هو الراهن الأكل والشرب والسكن والكسوة والتخزين وكل ما يتعلق بهذه الأمور إنما هو على الراهن.
стр. 1605
هذا الحديث المهم في باب الرهن محل خلاف بين الأئمة: فذهب بعض الأئمة إلى أنه معلول بالإرسال وأنه لا يثبت مرفوعاً إلى النبي ﷺ وممن ذهب إلى هذا الإمام أبو داود وابن القطان والدارقطني وغيرهم من أئمة المسلمين.
وذهب بعض الأئمة إلى أنه يثبت مرفوعاً متصلاً إلى النبي ﷺ وممن ذهب إلى هذا من الأئمة عدا المتأخرين الإمام الدارقطني. فأنت تلاحظ أن الدارقطني تارة يرى أنه موصول وتارة يرى أنه مرسل.
فاختلف قوله ﵀ في هذا الحديث.
أما قوله الذي هو بالإعلال فذكره في العلل. وأما الحكم عليه بالصحة والاتصال فذكره في السنن فقد عقب هذا الحديث بقوله إسناد جيد متصل ومن المعلوم لكل طالب علم: أن كلام الإمام الدراقطني في العلل أمتن وأعمق وأهم من كلامه في السنن لأن العلل مخصص للكلام على الطرق والأسانيد والعلل وأما السنن فهو مخصص لجمع الأحاديث. وقيل مخصص لجمع الأحاديث الضعيفة كأنه أراد أن يجمع الأحاديث الضعيفة.
وأياً كان فكلامه في العلل الذي يتوافق مع كلام الحافظ أبي داود وغيره هو الصحيح وهو مقدم على كلامه في السنن.
وهذا الحديث وإن كان مرسلاً إلا أنه يصلح للاستدلال وما زال أهل العلم يستدلون به ويستشهدون به لأنه مرسل وتعضده النصوص وتعضده فتاوى الصحابة.
- قال ﵀:
- وهو أمانة في يد المرتهن، إن تلف من غير تعد منه: فلا شيء عليه.
الرهن أمانة في يد المرتهن.
وقول المؤلف ﵀ هنا: (إن تلف من غير تعد منه فلا شيء عليه) هذا ثمرة كون العين أمانة.
فالحكم الآن: أن الرهن أمانة في يد المرتهن لا يضمنه إلا إذا تعدى أو فرط.
وهذا مذهب الجماهير.
واستدلوا على هذا بأمور:
- الأمر الأول: أن رفع الضمان عن المرتهن إذا تلفت العين بغير تعد ولا تفريط مروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁.
- الثاني: الحديث الذي تقدم معنا وفيه قوله ﷺ : (وعليه غرمه).
стр. 1606
= القول الثاني: أنه إذا تلفت العين في عين المرتهن فهي من ضمان المرتهن لكن بأدنى القيمتين من قيمته أو قدر الدين. (القول الثاني أنه إذا تلف فهو من ضمان المرتهن لكن بشرط أن يضمن بأدنى القيمتين من قيمته أو قدر الدين).
واستدلوا على هذا بأمرين:
- الأمر الأول: أن هذا مروي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁.
- الثاني: استدلوا بمرسل لعطاء ﵁ أن رجلاً رهن عند رجل فرساً فنفقت فجاء إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : (ذهب دينك) فجعل الدين في مقابل الرهن الذي تلف.
= القول الثالث: أن العين إذا تلفت عند المرتهن فهي مضمونة مطلقاً ولو كانت بأكثر من الدين.
وهذا من عجائب الأقوال في الحقيقة.
فأصحاب هذا القول يضمنون المرتهن قيمة الرهن التالف ولو كانت القيمة أكثر من الدين. فبموت الرهن الذي قيمته أكثر من الدين انقلبت الآية فأصبح المدين دائناً والدائن مديناً.
مع العلم أن هذا الرجل لم يأخذ هذه العين إلا لاستيثاق الدين فصار الاستيثاق وسيلة لوقوع المرتهن في دين آخر.
وهذا من وجهة نظري غاية في الضعف والبعد عن أصول الشرع وعن المنطق.
كيف نجعل المرتهن الذي أخذ العين رهناً لإيفاء الدين ينقلب إلى مدين ونحن نتكلم الآن كما تعلمون عن التلف الذي بغير تعد ولا تفريط.
لأن تلف العين مع التعدي والتفريط عند المرتهن هي من ضمان المرتهن بالإجماع لأنه تعدى وفرط.
فالخلاف الذي سمعت كله فيما إذا تلفت العين بغير ولا تفريط.
والراجح والله أعلم القول الأول وأنه لا ضمان مطلقاً لا بقيمة الدين ولا بأقل ولا بأكثر.
أولاً: لأن هذا الحديث المرسل الذي تقدم معنا صالح للاحتجاج كما قلت لك.
ثانياً: لأ الآثار عن الصحابة مختلفة فرأي علي ﵁ يختلف عن رأي عمر بن الخطاب إن صح عن عمر ﵁. وأخشى أن عمر ﵁ أفتى في قضية معينة لها ملابسات معينة.
أما أن هذا يكون رأياً من أمير المؤمنين عمر فمن وجهة نظري أنه بعيد.
على كل حال هو ينسب إلى عمر ﵁.
стр. 1607
وثالثاً: أن أثر عطاء هذا مرسل ومراسيل عطاء ضعيفة. أضف إلى هذا كله أن عطاء كان يفتي بخلاف هذا الأثر الذي يرويه وهذا مما يوهن الأثر.
فالراجح والله أعلم مذهب الحنابلة وهو القول الأول.
- قال ﵀:
- ولا يسقط بهلاكه: شيء من دينه.
هذا قول مفرع على المسألة السابقة.
فإذا اعتمدنا أن المرتهن لا يضمن فغنه لا يسقط من دينه شيء ولو تلف الرهن ويكون كله من ضمان الراهن.
ودليل ذلك:
- أن الدين ما زال باقياً في ذمة الراهن ولو تلفت العين المرهونة.
فإذاً لا يسقط منه شيء مطلقاً وإنما يبقى كما هو ويرجع يطالب الراهن بدينه مرة أخرى.
وهذا معنى: (لا يسقط بهلاكه شيء من دينه) وهو كما قلت مفرع على المسألة السابقة.
- ثم قال ﵀:
- وإن تلف بعضه: فباقيه رهن بجميع الدين.
(وإن تلف بعضه) يعني: وإن تلف بعض الرهن فباقيه رهن بالدين.
وهذا بلا نزاع وهو معلوم لأنه إذا كانت العين كاملة رهناً فإذا تلف بعضها فبقاء ما بقي منها في حكم الرهن من باب أولى.
فإذا رهنه قطيع شياة يتكون من خمسين رأس من الغنم ومات نصف هذا القطيع فالباقي يبقى أو يرجع ينفك عنه الرهن؟ يبقى.
وهذا لا إشكال فيه لكن أراد المؤلف ﵀ أن يبين الحكم.
- قال ﵀:
- ولا ينفك بعضه مع بقاء بعض الدين.
المقصود من هذه العبارة أنه إذا قام المدين بسداد بعض الدين الذي فيه رهن فإنه لا يفنك من الرهن بقدر ما قضى من الدين بل يبقى جميع الرهن كما هو رهناً على باقي الدين.
واستدلوا على هذا:
- بأنه جميع أجزاء الرهن مرتبطة بالدين حتى ينقضي كله فسداد بعض الدين لا يسبب انفكاك بعض أجزاء الرهن لأن جميع الأجزاء مرتبطة.
وهذا عكس ما يفهمه بعض الناس أنه كلما قضى شيئاً من الدين انفك بعض الرهن بل الحكم كما سمعت.
- قال ﵀:
- وتجوز الزيادة فيه دون دينه.
(تجوز الزيادة فيه) يعني: في الرهن.
فإذا افترضنا أن زيداً اقترض من عمرو خمسين ألفاً ووضع عنده سيارة رهناً ثم أتى بسيارة أخرى لتكون مع الرهن الأول فأصبح الرهن يتكون من سيارتين وقد كان سيارة واحدة.
فهذا زيادة في الرهن أو في الدين؟ هذا زيادة في الرهن.
стр. 1608
وهو صحيح بالإجماع: لأن الحكمة التي من أجلها شرع الرهن تتأكد إذا زيد. ولذلك أجمعوا على هذا الحكم لوضوحه.
- ثم قال ﵀:
- وتجوز الزيادة فيه دون دينه.
لا لا تجوز الزيادة في دين الرهن ولو رضي الراهن والمرتهن.
صورة المسألة/ إذا اقترض زيد من عمرو ورهنه كتاباً. ثم أراد أن يقترض مائة ريال أخرى وقال: اجعل الرهن الأول رهناً للدين الأول والثاني.
فهذا زيادة في الدين أو في الرهن؟ زيادة في الدين مع بقاء الرهن بدون تغيير.
هذا لا يجوز: = عند الحنابلة. ويصبح الدين الثاني ديناً مرسلاً لا رهن فيه لأن الرهن الثاني باطل.
استدلوا على هذا الحكم:
- الدليل الأول: قالوا: إن الرهن مرتبط بكل جزء منه بالدين الأول. ولهذا فهو لا يتسع للدين الثاني.
ومعلوم أن الرهن إذا كان مرتبط بكل جزء من أجزائه فكيف تشغله بدين آخر.
= والقول الثاني: جواز زيادة الدين في الرهن الواحد إذا رضي المرتهن ورضي الراهن.
فلابد من رضا الكرتهن ورضا الراهن.
الدليل على هذا: استدلوا على هذا:
- بأنه إذا أمكن كل من الراهن والمرتهن أن يرفع العقد من أصله فكيف بالزيادة فيه.
الراهن والمرتهن ألا يستطيع أن يبطل الرهن من أصله فكيف بالزيادة فيه؟! نجوز لهما إبطال الرهن من أصله ولا نجوز لهما الزيادة فيه.
هذا نوع من التناقض.
ولذلك فالراجح هو القول الثاني.
واليوم الناس عملهم على هذا - أقصد عمل الناس لا الحكم الشرعي - لا سيما إذا كان الرهن يفي بالدين الأول وبالدين الثاني فحينئذ لا إشكال مطلقاً.
- قال ﵀:
- وإن رهن عند اثنين شيئاً فوفى أحدهما.
صورة المسألة/ إذا استدان من رجلين وجعل عندهما رهناً واحداً ثم قضى أحدهما دون الآخر انفك في نصيبه.
فإذا استدان عمرو من زيد وخالد ورهن زيد وخالد عيناً واحدة ثم قضى خالد انفك الرهن في نصيبه.
التعليل:
- أن العقد مع خالد والعقد مع زيد كل منهما يعتبر عقداً منفرداً فإذا قضى دينه انفك في نصيبه.
- قال ﵀:
- أو رهناه شيئاً فاستوفى من أحدهما: انفك في نصيبه.
стр. 1609
صورة المسألة/ إذا استدان رجلان من شخص واحد ورهناه عيناً مشتركة بينهما. فإذا كان عمرو وزيد يملكان جميعاً سيارة واحدة واقترضا من خالد ورهناه هذه السيارة التي هي ملك لهما فإذا قضاه أحدهما انفك في نصيبه.
فإذا قضاه زيد ولم يقضه عمرو انفك في نصيبه أو قضاه عمرو ولم يقضه زيد انفك في نصيبه.
والتعليل هو ذات التعليل السابق:
- أنا ننزل الرهن كأنه عقدين منفصلين فينفك العقد الأول دون العقد الثاني.
- قال ﵀:
- ومتى حل الدين وامتنع من وفائه، فإن كان الراهن أذن للمرتهن أو العدل في بيعه: باعه ووفى الدين.
إذا حل الدين وجب على المدين أن يقضي سواء وثق الدين برهن أو لم يوثق.
فإن أخر فهو آثم ومماطل وظالم فيجب عليه أن يبادر بسداد الدين.
فإن لم يسدد الدين فإن كان أذن للمرتهن ببيع العين فإن المرتهن يقوم ببيع العين مباشرة وسداد الدين بثمنها.
والمؤلف ﵀ يريد بهذه العبارة أن المرتهن لا يحتاج إلى تجديد إذن آخر بل الإذن الأول في البيع عند حلول الأجل وعد السداد كافي في البيع حينئذ فيقوم المرتهن بالبيع مباشرة.
تعليل هذا الحكم:
- أن هذا هو المقصود من الرهن وهو استيفاء الدين.
ونحن نقول أن هذا الحكم إنما هو فيما إذا لم يسدد المدين الدين الذي عليه بعد حلول الأجل فحينئذ يقوم المرتهن بالبيع ويسدد.
هذا إذا كان الراهن أذن للمرتهن بالبيع بأن قال له إذا حل الأجل ولم أسدد فبع العين التي هي مرهونة وخذ دينك منها حينئذ يبيع مباشرة.
- قال ﵀:
- وإلاّ أجبره الحاكم على وفائه أو بيع الرهن.
هو في الحقيقة من حيث النضيد وصف الجمل كان ينبغي أن تكون عبارة: (أو بيع الرهن) في نفس السطر الذي فيه: (وإلا أجبره الحكم).
فالمعنى: (إلا أجبره الحاكم على وفائه أو بيع الرهن).
إذا لم يأذن الراهن للمرتهن ببيع الرهن فإنه لا يجوز للمرتهن أن يبيع الدين ولو لم يف ولو لم يقض المدين الدين.
لكن حينئذ يجب على الحاكم إما أن يتولى إجبار المدين على السداد أو إجباره على بيع العين.
تعليل هذا:
стр. 1610
- أن الحاكم منوط به إرجاع حقوق الناس إليهم وهنا تعلقت الحقوق وبقيت بلا سداد فوجب عليه أن يقوم بواجبه وهو سداد أو إيفاء الحقوق إلى أصحابها.
هذا هو التعليل.
- ثم قال ﵀:
- فإن لم يفعل: باعه الحاكم ووفى دينه.
فإن لم يفعل أي لم يسدد الدين ولم يبع العين المرهونة قام الحاكم ببيع العين وسداد الدائن دينه.
تعليل هذا:
- أن هذا الحق وجب على المدين ولم يقم وكل حق لم يقم به صاحبه قام به الحاكم يعني: من الحقوق الواجبة التي تتعلق بالأموال.
وهذه قاعدة: كل حق واجب وواجب مالي امتنع صاحبه عن القيام به وجب على الحاكم أن يقوم به.
أما الحقوق غير المالية فهذه لها أحكام أخرى.
فبر الوالدين: واجب. لكنه ليس من الواجبات المالية فلا يقوم الحاكم مقام العاق في بر الوالدين. لكن إما أن يعزره .. المهم بحث آخر والذي يعنينا الآن الحقوق المالية.
وبهذا انتهى الفصل الأول من باب الرهن وننتقل إلى الفصل الثاني.
فصل
[فيمن يكون الرهن عنده]
- قال ﵀:
- ويكون عند من اتفقا عليه.
إذا اتفق كل من الراهن والمرتهن على دفع العين إلى رجل عدل: جاز. وصار هذا الرجل العدل وكيلاً عن المرتهن أو الراهن؟
سؤال يبين جواب هذه: العين عند الحنابلة يجب أن تكون عند من؟
عند: المرتهن فالذي يقبضها هو وكيل المرتهن أو الراهن؟ وكيل المرتهن وليس وكيلاً عن الراهن. الراهن مالك فلا أحد وكيلاً عنه.
لكن هون وكيل عن المرتهن لأن الحنابلة يفتضون أن العين يجب أن تكون عند المرتهن فالعدل هو في الحقيقة وكيل عن المرتهن.
فإذا ارتضى الراهن والمرتهن أن تكون بيد شخص آخر طرف ثالث عدل جاز ولا حرج لأنه يجوز للإنسان أن يوكل غيره في القبض فيجوز للمرتهن أن يوكل غيره في قبض العين المرهونة.
= القول الثاني: أنه يجب أن تكون عند المرتهن ولا يجوز أن تدفع لشخص ثالث.
- لقوله تعالى: (فرهان مقبوضة).
والراجح القول الأول بلا تردد وليست هذه المسألة كمسألة أنه يلزم بالقبض وأنه يجب أن يكون القبض عن المرتهن بل هنا رجحان المسألة بين وواضح لأن باب الوكالة مشروع وإذا وكل المرتهن شخصاً آخر رضي به الراهن فأي حرج بهذه المسألة.
- قال ﵀:
стр. 1611
- وإن أذن له في البيع: لم يبع إلاّ بنقد البلد.
يعني: وإن أذنا للعدل بالبيع باع.
فهم من عبارة المؤلف ﵀ أن العدل لا يجوز له أن يبيع إلا بإذن الراهن والمرتهن.
فإن باع بدون إذنهما لا سيما الراهن فالبيع باطل. لأنه لم يخول بالبيع فتصرفه فضولي باطل.
ولا نقول هذا التصرف الفضولي يصح إذا أذن المرتهن أو الراهن. لماذا؟ لأنا نفترض المسألة إذا لم يأذن الراهن ولا المرتهن.
- ثم قال ﵀:
- لم يبع إلا بنقد البلد.
إذا أذن للعدل فإنه لا يجوز له أن يبيع إلا بنقد البلد خاصة دون نقد غيره من البلاد.
علل الحنابلة هذا: - بأن الحظ الأوفر للدائن يكون بذلك. أي: بأن يبيع بنقد البلد.
فإن كان في البلد أكثر من جنس تتداول جميعاً في وقت واحد. فجيب أن يبيع بجنس الدين.
وإن كان جنس الدين لا يوجد في البلد فيجب أن يبيع بالأصلح.
هكذا قرر العلماء هذا الحكم وأنه يجب أن يبيع بنقد البلد.
وعللوا ذلك: - بأنه أنفع وأحظ للمدين تبعاً لذلك للدائن.
أقول أنا: أن تعليل الحنابلة وغيرهم من الفهاء بأن هذا الحكم إنما وجب لأنه أحظ ينبغي أن ينبني على هذا أن نقول: إذا كان غير نقد البلد أحظ فلا بأس أن يبيع به.
وهذا لم يقل به الحنابلة كأنهم يفترضون دائماً أن نقد البلد أحظ للدائن والمدين ولكن اليوم قد يكون نقد غير البلد في بعض الأوقات أحظ للدائن والمدين.
وانطلاقاً من تعليل الفقهاء له أن يبيع بغير نقد البلد وليس للراهن أن يعترض ولا للمرتهن أن يعترض على هذا العدل إذا باع. فإذا افترضنا أنه إذا باع البيت بالريال السعودي كانت قيمة البيت: مائة ألف.
وإذا باع بالدولار: ثم قام ببيع الدولار بعد ذلك: صارت قيمة البيت: مائة وخمسين ألفا.
فالأحظ الآن بنقد البلد أو بغير نقد البلد؟ بغير نقد البلد.
فانطلاقاً من تعليلهم نقول لك أن تبيع بغير نقد البلد إذا استوثقت أن غير نقد البلد أصلح.
- ثم قال ﵀:
- وإن قبض الثمن فتلف في يده: فمن ضمان الراهن.
إذا قبض هذا العدل الثمن ثم تلف في يده من غير تعد ولا تفريط فهو من ضمان الراهن.
لماذا؟ - قالوا: لأن هذه العين الملك للراهن ولا علاقة للمرتهن بها مطلقاً والضمان دائماً تبع للملك.
стр. 1612
واستدلوا أيضاً: - بقول النبي ﷺ : (وعليه غرمه).
= القول الثاني: أنه إذا تلف أي الثمن في يد العدل فهو من ضمان المرتهن.
واستدلوا على هذا:
- أن البيع إنما تم لمصلحة المرتهن فالبيع إنما هو لسداد الدين الذي هو للمرتهن.
لذلك نقول الضمان عليك أيها المرتهن.
ما تقولون في هذا القول؟
في الشرع الضمان لازم للوكالة: هل هناك علاقو بين الوكالة والضمان؟ ليس هناك أي علاقة بين الضمان والوكالة إنما العلاقة بين الملك والضمان.
أنا أقول: أن هذا القول غاية في السقوط من وجهة نظري والضعف.
لماذا؟ - كيف نلزم المرتهن بضمان قيمة المبيع ولا علاقة له بالأمر مطلقاً ولم يتعد ولم يفرط العدل.
نعم المرتهن أذن للعدل أن يبيع لكن مع ذلك أذن له الراهن.
ثم هذه العين المرهونة ملك للراهن. أي علاقة بين المرتهن وبين الضمان في مثل هذه الصورة.
فهو قول بعيد جداً لهذه الأسباب التي ذكرت لك.
ولذلك نقول: مذهب الجماهير من فقهاء المسلمين أن الضمان على الراهن هو القول الصحيح والمتوافق إن شاء الله مع العدل.
- قال ﵀:
- وإن ادعى دفع الثمن إلى المرتهن فأنكره ولا بينة، ولم يكن بحضور الراهن: ضمن كوكيل.
إذا ادعى أنه سلم المال إلى المرتهن يعني: قيمة العين المبيعة وهي الرهن ولكن بلا شروط ولا قرائن تدل على صدق قوله وأنكر المرتهن فهو من ضمانه يعني: فهو من ضمان المرتهن ولا العدل؟ الآن عدل باع السلعة وقبض الثمن وادعى أنه أقبض المرتهن لكن لم يشهد ولا توجد بينة تدل على أنه أقبض المرتهن والمرتهن أنكر فالضمان على العدل. لماذا؟
- لأنه فرط في حفظ حقه.
- ولأن الأصل أن القول قول المنكر.
فالقول هنا قول المرتهن لأن هذا العدل مفرط.
يقول ﵀ هنا: (كوكيل). يعني: وهذا الحكم نفسه في الوكيل. فإذا سلم الوكيل الدين إلى الدائن ولم يشهد ولا توجد دلائل ولا قرائن تدل على صدقه فهو الضامن.
فإذا أعطى زيد عمرو مال وقال: وكلتك أن تؤدي هذا المال إلى خالد الذي هو الدائن وأقبضه بلا إشهاد ولا بينة ثم أنكر خالد وهو الدائن فالضمان هنا على من؟
على الموكل. يعني: على الوكيل.
لماذا؟ - لأنه فرط ولم يستوثق في التسليم.
стр. 1613
وهذا صحيح وهذا قد يقع كثيراً. على الأقل الدائن قد ينسى أنه أخذ القرض نسياناً لا إنكاراً للحق فحينئذ نقول: يجب أن تقوم بسداد الدين يعني: الموكل والعدل لأنك فرطت في حفظ حقك.
- قال ﵀:
- وإن شرط أن لا يبيعه إذا حلّ الدين، أو إن جاءه بحقه في وقت كذا وإلاّ فالرهن له: لم يصح الشرط وحده.
ـ وإن شرط أن لا يبيعه إذا حل الدين: فالشرط باطل والرهن صحيح.
الشرط باطل: لماذا؟ - لأنه ينافي مقتضى العقد والغرض الذي من أجله شرع فإن الغرض من الرهن سداد الدين فإذا شرط أن يسدد الدين منه صار الشرط باطلاً والعقد صحيحاً. هذه الصورة الأولى.
- ثم قال ﵀:
- أو إن جاءه بحقه وقت كذا وإلا فالرهن له.
فالشرط باطل والعقد صحيح. يعني: عقد الرهن.
صورة المسألة: قال له: إن سددت لك الدين في يوم كذا وكذا وإلا فالرهن لك.
هذه الصورة الشرط باطل والعقد صحيح. ونقوم بييع الرهن وسداد الدين ولا يملك المرتهن هذا الرهن؟
لماذا؟ - قال الحنابلة: لأن الإمام أحمد فسر قول النبي ﷺ : (لا يغلق الرهن من صاحبه) بهذه الصورة. بأن يقول إنسان للدائن: إن قضيتك وإلا فالرهن لك.
فهذال دليل بطلان الشرط.
وأما دليل صحة العقد:
- فلأن النبي ﷺ أبطل الشرط بقوله: (لا يغلق الرهن من صاحبه) ولم يبطل الرهن. لأنه قال: (له غنمه وعليه غرمه). فأبقى العقد صحيحاً وأبطل الشرط.
فنحن كذلك نبطل الشرط ونبقي العقد.
= القول الثاني: أن هذه الصورة صحيحة ومشروعة ونافذة وتصبح العين ملكاً للمرتهن بمجرد حلول الأجل.
قال أصحاب هذا القول: والإمام أحمد ﵀ نفسه عمل هذه المعاملة فإنه وضع رهناً وقال لصاحب الدكان: إن جئتك وإلا فهي لك ... ((الأذان)).
فالقول الثاني صحة هذا العقد وأن الإمام أحمد ﵀ عمل به.
واستدلوا على هذا:
- بأن الأصل في المعاملات الحل.
- وبأن هذا الشرط لا ينافي مقتضى الرهن بل يحقق مقتضى الرهن.
وأجابوا عن الحديث: بأن حملوا الحديث على ما إذا لم يشترط أما إذا اشترط فلا بأس فحملوا الحديث على هذا المعنى.
стр. 1614
وهذا القول الثاني هو الصواب إن شاء الله ولا ضرر على الراهن لأن الراهن إذا رأى أن قيمة الرهن تفوق قيمة الدين فسيبادر بأخذ الرهن وبيعه وسداد الدائن أو أن يسدد الدائن من ماله ويأخذ العين التي هي مرهونة لأن ثمنها أكبر من ثمن الدين.
- ثم قال ﵀:
- ويقبل قول راهن: في قدر الدين والرهن ورده.
يقبل قول الرهن في قول الدين. أي: الذي ارتبط به الرهن.
فإذا قال الراهن: أعطيتك هذا الرهن بألف ريال وقال المرتهن بل أعطيتني هذا الرهن بألفي ريال فالقول قول من؟ الراهن. فيكون الرهن مرتبط بالألف فقط.
لماذا؟ - لأن الراهن منكر للزيادة فالأصل عدم ارتباطه بالرهن.
لأن الأصل عدم الرهن أو وجود الرهن؟ عدم الرهن.
فإذا كان الأصل عدمه فالأصل أيضاً عدمه فيما لم يقر به الراهن.
= والقول الثاني في هذه المسألة: أن القول قول المرتهن بشرط أن لا يدعي ديناً أكثر من قيمة الرهن.
واستدلوا على هذا:
- بأن الرهن إنما يقصد منه الاستيثاق من الدين وأن يقوم مقام الشهود والكتابة.
ولهذا يجب أن يؤدي الغرض منه بشمول جميع الدين. لأنهم في هذه الصورة لم يختلفوا في الدين وإنما اختلفوا في القدر الذي ربط بالرهن من الدين.
وفي الحقيقة يبدو لي رجحان القول الأول: لأن معهم أصلاً قوياً وهو أن الأصل عدم وقوع الرهن وعدم ارتباطه بهذا الدين.
وينبني على المسألة ثمرة كبيرة فإذا صار مرتبطاً بالدين الفلاني وبدين آخر مختلف فيه: فعند الحنابلة إذا سدد الدين الأول انفك الرهن. وعلى القول الثاني: لا ينفك الرهن حتى يسدد جميع الدين.
فيترتب على هذا الخلاف بقاء أو انفكاك الرهن.
- ثم قال ﵀:
- والرهن.
يعني: إذا اختلفوا في العين المرهونة فقال المرتهن رهنتني هذا البيت بل رهنتط هذه السيارة فقالول قول من؟ الراهن.
- لأن الأصل عدم الرهن.
فنقر ما يقره الراهن فقط.
وهذا صحيح. لأن جانب الراهن في هذه المسألة قوي ويستثنى من هذا إذا دلت القرائن والملابسات أنه لا يمكن أن يكون قول الراهن صحيح.
مثال ذلك/ أن يكون الدين يبلغ مليون ريال فيقول الراهن رهنتك هذا الكتاب ويقول المرتهن بل رهنتني هذا البيت. هل يمكن أن يقبل المرتهن بكتاب مقابل مليون ريال؟
стр. 1615
هذه صورة واضحة وعلى القاضي إذا حصل خلاف أن يراعي الملابسات وما يحتف به من قرائن.
- قال ﵀:
- ورده.
ويقبل قول الراهن في الرد.
فإذا قال الراهن لم ترد إلي الرهن وقال المرتهن بل رددت الرهن إليك فالقول قول من؟ قول الراهن.
- لأن الأصل عدم الرد.
فنلزم المرتهن بأن يأتي بالعين محل الرهن إذا أنكر الراهن أنه قبلها وقبضها.
وبهذه المسأل نختم درس اليوم ... والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ....
следующие страницы →