Полный текст (2 909 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
- وإن أذن له في البيع: لم يبع إلاّ بنقد البلد.
يعني: وإن أذنا للعدل بالبيع باع.
فهم من عبارة المؤلف ﵀ أن العدل لا يجوز له أن يبيع إلا بإذن الراهن والمرتهن.
فإن باع بدون إذنهما لا سيما الراهن فالبيع باطل. لأنه لم يخول بالبيع فتصرفه فضولي باطل.
ولا نقول هذا التصرف الفضولي يصح إذا أذن المرتهن أو الراهن. لماذا؟ لأنا نفترض المسألة إذا لم يأذن الراهن ولا المرتهن.
- ثم قال ﵀:
- لم يبع إلا بنقد البلد.
إذا أذن للعدل فإنه لا يجوز له أن يبيع إلا بنقد البلد خاصة دون نقد غيره من البلاد.
علل الحنابلة هذا: - بأن الحظ الأوفر للدائن يكون بذلك. أي: بأن يبيع بنقد البلد.
فإن كان في البلد أكثر من جنس تتداول جميعاً في وقت واحد. فجيب أن يبيع بجنس الدين.
وإن كان جنس الدين لا يوجد في البلد فيجب أن يبيع بالأصلح.
هكذا قرر العلماء هذا الحكم وأنه يجب أن يبيع بنقد البلد.
وعللوا ذلك: - بأنه أنفع وأحظ للمدين تبعاً لذلك للدائن.
أقول أنا: أن تعليل الحنابلة وغيرهم من الفهاء بأن هذا الحكم إنما وجب لأنه أحظ ينبغي أن ينبني على هذا أن نقول: إذا كان غير نقد البلد أحظ فلا بأس أن يبيع به.
وهذا لم يقل به الحنابلة كأنهم يفترضون دائماً أن نقد البلد أحظ للدائن والمدين ولكن اليوم قد يكون نقد غير البلد في بعض الأوقات أحظ للدائن والمدين.
وانطلاقاً من تعليل الفقهاء له أن يبيع بغير نقد البلد وليس للراهن أن يعترض ولا للمرتهن أن يعترض على هذا العدل إذا باع. فإذا افترضنا أنه إذا باع البيت بالريال السعودي كانت قيمة البيت: مائة ألف.
وإذا باع بالدولار: ثم قام ببيع الدولار بعد ذلك: صارت قيمة البيت: مائة وخمسين ألفا.
فالأحظ الآن بنقد البلد أو بغير نقد البلد؟ بغير نقد البلد.
فانطلاقاً من تعليلهم نقول لك أن تبيع بغير نقد البلد إذا استوثقت أن غير نقد البلد أصلح.
- ثم قال ﵀:
- وإن قبض الثمن فتلف في يده: فمن ضمان الراهن.
إذا قبض هذا العدل الثمن ثم تلف في يده من غير تعد ولا تفريط فهو من ضمان الراهن.
لماذا؟ - قالوا: لأن هذه العين الملك للراهن ولا علاقة للمرتهن بها مطلقاً والضمان دائماً تبع للملك.
стр. 1612
واستدلوا أيضاً: - بقول النبي ﷺ : (وعليه غرمه).
= القول الثاني: أنه إذا تلف أي الثمن في يد العدل فهو من ضمان المرتهن.
واستدلوا على هذا:
- أن البيع إنما تم لمصلحة المرتهن فالبيع إنما هو لسداد الدين الذي هو للمرتهن.
لذلك نقول الضمان عليك أيها المرتهن.
ما تقولون في هذا القول؟
في الشرع الضمان لازم للوكالة: هل هناك علاقو بين الوكالة والضمان؟ ليس هناك أي علاقة بين الضمان والوكالة إنما العلاقة بين الملك والضمان.
أنا أقول: أن هذا القول غاية في السقوط من وجهة نظري والضعف.
لماذا؟ - كيف نلزم المرتهن بضمان قيمة المبيع ولا علاقة له بالأمر مطلقاً ولم يتعد ولم يفرط العدل.
نعم المرتهن أذن للعدل أن يبيع لكن مع ذلك أذن له الراهن.
ثم هذه العين المرهونة ملك للراهن. أي علاقة بين المرتهن وبين الضمان في مثل هذه الصورة.
فهو قول بعيد جداً لهذه الأسباب التي ذكرت لك.
ولذلك نقول: مذهب الجماهير من فقهاء المسلمين أن الضمان على الراهن هو القول الصحيح والمتوافق إن شاء الله مع العدل.
- قال ﵀:
- وإن ادعى دفع الثمن إلى المرتهن فأنكره ولا بينة، ولم يكن بحضور الراهن: ضمن كوكيل.
إذا ادعى أنه سلم المال إلى المرتهن يعني: قيمة العين المبيعة وهي الرهن ولكن بلا شروط ولا قرائن تدل على صدق قوله وأنكر المرتهن فهو من ضمانه يعني: فهو من ضمان المرتهن ولا العدل؟ الآن عدل باع السلعة وقبض الثمن وادعى أنه أقبض المرتهن لكن لم يشهد ولا توجد بينة تدل على أنه أقبض المرتهن والمرتهن أنكر فالضمان على العدل. لماذا؟
- لأنه فرط في حفظ حقه.
- ولأن الأصل أن القول قول المنكر.
فالقول هنا قول المرتهن لأن هذا العدل مفرط.
يقول ﵀ هنا: (كوكيل). يعني: وهذا الحكم نفسه في الوكيل. فإذا سلم الوكيل الدين إلى الدائن ولم يشهد ولا توجد دلائل ولا قرائن تدل على صدقه فهو الضامن.
فإذا أعطى زيد عمرو مال وقال: وكلتك أن تؤدي هذا المال إلى خالد الذي هو الدائن وأقبضه بلا إشهاد ولا بينة ثم أنكر خالد وهو الدائن فالضمان هنا على من؟
على الموكل. يعني: على الوكيل.
لماذا؟ - لأنه فرط ولم يستوثق في التسليم.
стр. 1613
وهذا صحيح وهذا قد يقع كثيراً. على الأقل الدائن قد ينسى أنه أخذ القرض نسياناً لا إنكاراً للحق فحينئذ نقول: يجب أن تقوم بسداد الدين يعني: الموكل والعدل لأنك فرطت في حفظ حقك.
- قال ﵀:
- وإن شرط أن لا يبيعه إذا حلّ الدين، أو إن جاءه بحقه في وقت كذا وإلاّ فالرهن له: لم يصح الشرط وحده.
ـ وإن شرط أن لا يبيعه إذا حل الدين: فالشرط باطل والرهن صحيح.
الشرط باطل: لماذا؟ - لأنه ينافي مقتضى العقد والغرض الذي من أجله شرع فإن الغرض من الرهن سداد الدين فإذا شرط أن يسدد الدين منه صار الشرط باطلاً والعقد صحيحاً. هذه الصورة الأولى.
- ثم قال ﵀:
- أو إن جاءه بحقه وقت كذا وإلا فالرهن له.
فالشرط باطل والعقد صحيح. يعني: عقد الرهن.
صورة المسألة: قال له: إن سددت لك الدين في يوم كذا وكذا وإلا فالرهن لك.
هذه الصورة الشرط باطل والعقد صحيح. ونقوم بييع الرهن وسداد الدين ولا يملك المرتهن هذا الرهن؟
لماذا؟ - قال الحنابلة: لأن الإمام أحمد فسر قول النبي ﷺ : (لا يغلق الرهن من صاحبه) بهذه الصورة. بأن يقول إنسان للدائن: إن قضيتك وإلا فالرهن لك.
فهذال دليل بطلان الشرط.
وأما دليل صحة العقد:
- فلأن النبي ﷺ أبطل الشرط بقوله: (لا يغلق الرهن من صاحبه) ولم يبطل الرهن. لأنه قال: (له غنمه وعليه غرمه). فأبقى العقد صحيحاً وأبطل الشرط.
فنحن كذلك نبطل الشرط ونبقي العقد.
= القول الثاني: أن هذه الصورة صحيحة ومشروعة ونافذة وتصبح العين ملكاً للمرتهن بمجرد حلول الأجل.
قال أصحاب هذا القول: والإمام أحمد ﵀ نفسه عمل هذه المعاملة فإنه وضع رهناً وقال لصاحب الدكان: إن جئتك وإلا فهي لك ... ((الأذان)).
فالقول الثاني صحة هذا العقد وأن الإمام أحمد ﵀ عمل به.
واستدلوا على هذا:
- بأن الأصل في المعاملات الحل.
- وبأن هذا الشرط لا ينافي مقتضى الرهن بل يحقق مقتضى الرهن.
وأجابوا عن الحديث: بأن حملوا الحديث على ما إذا لم يشترط أما إذا اشترط فلا بأس فحملوا الحديث على هذا المعنى.
стр. 1614
وهذا القول الثاني هو الصواب إن شاء الله ولا ضرر على الراهن لأن الراهن إذا رأى أن قيمة الرهن تفوق قيمة الدين فسيبادر بأخذ الرهن وبيعه وسداد الدائن أو أن يسدد الدائن من ماله ويأخذ العين التي هي مرهونة لأن ثمنها أكبر من ثمن الدين.
- ثم قال ﵀:
- ويقبل قول راهن: في قدر الدين والرهن ورده.
يقبل قول الرهن في قول الدين. أي: الذي ارتبط به الرهن.
فإذا قال الراهن: أعطيتك هذا الرهن بألف ريال وقال المرتهن بل أعطيتني هذا الرهن بألفي ريال فالقول قول من؟ الراهن. فيكون الرهن مرتبط بالألف فقط.
لماذا؟ - لأن الراهن منكر للزيادة فالأصل عدم ارتباطه بالرهن.
لأن الأصل عدم الرهن أو وجود الرهن؟ عدم الرهن.
فإذا كان الأصل عدمه فالأصل أيضاً عدمه فيما لم يقر به الراهن.
= والقول الثاني في هذه المسألة: أن القول قول المرتهن بشرط أن لا يدعي ديناً أكثر من قيمة الرهن.
واستدلوا على هذا:
- بأن الرهن إنما يقصد منه الاستيثاق من الدين وأن يقوم مقام الشهود والكتابة.
ولهذا يجب أن يؤدي الغرض منه بشمول جميع الدين. لأنهم في هذه الصورة لم يختلفوا في الدين وإنما اختلفوا في القدر الذي ربط بالرهن من الدين.
وفي الحقيقة يبدو لي رجحان القول الأول: لأن معهم أصلاً قوياً وهو أن الأصل عدم وقوع الرهن وعدم ارتباطه بهذا الدين.
وينبني على المسألة ثمرة كبيرة فإذا صار مرتبطاً بالدين الفلاني وبدين آخر مختلف فيه: فعند الحنابلة إذا سدد الدين الأول انفك الرهن. وعلى القول الثاني: لا ينفك الرهن حتى يسدد جميع الدين.
فيترتب على هذا الخلاف بقاء أو انفكاك الرهن.
- ثم قال ﵀:
- والرهن.
يعني: إذا اختلفوا في العين المرهونة فقال المرتهن رهنتني هذا البيت بل رهنتط هذه السيارة فقالول قول من؟ الراهن.
- لأن الأصل عدم الرهن.
فنقر ما يقره الراهن فقط.
وهذا صحيح. لأن جانب الراهن في هذه المسألة قوي ويستثنى من هذا إذا دلت القرائن والملابسات أنه لا يمكن أن يكون قول الراهن صحيح.
مثال ذلك/ أن يكون الدين يبلغ مليون ريال فيقول الراهن رهنتك هذا الكتاب ويقول المرتهن بل رهنتني هذا البيت. هل يمكن أن يقبل المرتهن بكتاب مقابل مليون ريال؟
стр. 1615
هذه صورة واضحة وعلى القاضي إذا حصل خلاف أن يراعي الملابسات وما يحتف به من قرائن.
- قال ﵀:
- ورده.
ويقبل قول الراهن في الرد.
فإذا قال الراهن لم ترد إلي الرهن وقال المرتهن بل رددت الرهن إليك فالقول قول من؟ قول الراهن.
- لأن الأصل عدم الرد.
فنلزم المرتهن بأن يأتي بالعين محل الرهن إذا أنكر الراهن أنه قبلها وقبضها.
وبهذه المسأل نختم درس اليوم ... والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ....
стр. 1616
الدرس: (٢٤) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
- قال ﵀:
- وكونه عصيراً لا خمراً.
يعني: ويقبل قول الراهن في كونه عصيراً لا خمراً.
والمقصود بهذه المسألة: إذا اشترط الدائن رهناً معيناً وهو العصير فقال أقرضك على أن ترهنني هذا العصير ثم لما قبض المرتهن العصير رجع إلى الراهن وقال: العصير خمر وليس بعصير.
فالقول في هذه المسألة: فول الراهن.
وعلل الحنابلة بذلك:
- بأنه ينبني على قول المرتهن فساد العقد وينبني على قول الراهن صحة العقد والأصل في العقود الشرعية الصحة ولذلك غلبنا قول من قوله يصحح العقد. وهو في هذه الصورة من؟ الراهن.
- ثم قال ﵀:
- وإن أقر أنه ملك غيره .... : قبل على نفسه.
إذا أقر الراهن أن هذه العين المرهونة هي في الواقع ملك لغيره. لغير من؟ لغير الراهن.
كأن يزعم أنه باعها أو وهبها أو أهداها فهو الآن أقر بأن العين ليست ملكاً له.
فالحكم:
= عند الحنابلة: أنه يقبل قوله في حق نفسه لا في حق المرتهن.
فنقول هذه العين أصبحت من أملاك المقر له هذا بالنسبة للراهنلكن لا يقبل إقراره في حق المرتهن وينبني على عدم القبول أن تبقى العين رهناً ثم إذا انفك الرهن رجع إلى الراهن أو إلى المقر له؟ رجعت العين إلى المقر له.
стр. 1617
إذاً هذا معنى قول المؤلف ﵀: (قبل على نفسه دون المرتهن). أي: أنه تصبح العين ملك للمقر له ولكن يتبقى رهناً في يد المرتهن إلى أن يسدد القرض وينفك الرهن.
* * مسألة/ تفرض نفسها: وهي ما إذا لم يسدد ثم باع المرتهن الرهن فما الحكم؟ الحكم: أنه يلزم الراهن أن يعطي المقر له قيمة هذه العين.
ولاشك أنك تلحظ الآن أن الشارع الحكيم قوى جانب المرتهن وهذا من أسرار وحكم التشريع.
لأن المقصود من الرهن هو توثيق حق الدائن وكل ما يتعارض مع هذا القصد فهو ملغي.
وانظر كيف مكن الشارع - إذا كان هذا القول هو الراجح - كيف مكن الشارع المرتهن أن يبيع العين التي نحكم شرعاً أنها لغير الراهن.
لكن مع ذلك مكنه من البيع كل ذلك لزيادة استيثاق الدائن بحقه - أي ليتمكن من الحصول على حقه.
- ثم قال ﵀:
- أو أنه جنى.
يعني: وإذا أقر الراهن أن العبد المرهون جنى قبل على نفسه دون المرتهن.
والعبد إذا جنى فإن الجناية تتعلق برقبته عند الفقهاء.
ومعنى أنها تتعلق برقبته: أنه لابد أن يدفع هو للمجني عليه أو تدفع قيمته للمجني عليه.
إذاً: تعلقت الجناية برقبة العبد.
فإذا أقر الراهن أن هذا العبد المرهون جنى قبل في حق نفسه دون حق المرتهن كما تقدم في المسألة السابقة تماماً.
فنقول: يبقى العبد تحت الرهن فإذا انفك الرهن سلم العبد لمن؟ للمجني عليه. كما قلنا في المسألة السابقة تماماً.
= القول الثاني: في مسألة العبد: أن إقرار الراهن يقبل عليه وعلى المرتهن. ويدفع العبد مباشرة لصاحب الجناية.
واستدلوا على هذا:
- بأن إقرار الراهن الآن لا يتضمن محاولة الاحتيال. لأنه أقر بما يخرج العبد عن ملكه. فنقبل هذا الإقرار مطلقاً.
والقول الراجح القول الأول. أنه كذلك في هذه الصورة تبقى عيناً مرهونة لاستيفاء المرتهن دينه منها.
- قوله ﵀:
- وحكم بإقراره بعد فكه.
يعني: بمسألة الإقرار بانتقال الملك وفي مسألة الإقرار بجناية العبد.
- ثم قال ﵀:
- إلاّ أن يصدقه المرتهن.
إذا صدقه المرتهن صح إقراره في حق نفسه وفي حق المرتهن وانفك الرهن وسلمت العين لصاحبها الذي أقرت له به.
وتعليل ذلك:
стр. 1618
- أن المرتهن اعترف بما يبطل الرهن فينفك بسبب اعتراف المرتهن.
فصل
[الانتفاع بالرهن وما يتعلق بذلك]
- قال ﵀:
- (فصل) وللمرتهن أن يركب ما يركب ويحلب ما يحلب: بقدر نفقته بلا إذن.
= الحنابلة يرون: أن ما يركب ويحلب ينتفع منه ركوباًَ وحلباً لكن بقدر النفقة.
ولتوضيح المسألة نقول/ الرهن ينقسم إلى قسمين:
ـ حيوان.
ـ وغيره.
والحويان ينقسم إلى قسمين: مركوب. أو محلوب. وغيره.
ولا يمكن أن يخرج الرهن عن هذه القسمة.
هل يمكن أن يخرج؟ هل يوجد قسم غير هذه الأقسام؟ لا يوجد.
لأنا نقول حيوان أو غيره وغيره هذه شملت كل شيء.
نبدأ بالقسم الأول:
ـ الحيوان المركوب المحلوب وهو مسألتنا التي ذكرها المؤلف ﵀:
فهذه المسألة: = ذهب الحنابلة فيها إلى أنه له أن يركب ويحلب بالنفقة.
ومعنى: بالنفقة: أي بمقدار النفقة.
فإذا أخذنا الركوب مثلاً: فنقول: إذا أنفقت فلتركب بما يساوي أجرته مائة.
فإن زادت النفقة على الركوب رجع المرتهن على الراهن.
وإن زاد الركوب على النفقة رجع الراهن على المرتهن.
هذا معنى قول الحنابلة: (بنفقته).
وهذه المسألة من المفردات انفرد بها الحنابلة عن مذهب الأئمة الثلاثة.
استدل الحنابلة:
- بقول النبي ﷺ : (الرهن يركب بنفقته ويشرب بنفقته) وعلى الذي يركب ويشرب النفقة.
وهذا الحديث صحيح ثابت.
والإمام أحمد ﵀ أخذ بهذا الحديث الثابت واستدل به كما هو شأنه ﵀ الاستدلال بالأحاديث الصحيحة ولو خالف الجمهور.
= القول الثاني: للجماهير. أنه لا يجوز أن ينتفع بالرهن مطلقاً ولو أنفق.
واستدلوا على هذا بدليلين:
- الأول: أن الرهن ملك للراهن فلا نمكن المرتهن من الانتفاع بملك غيره.
واستدلوا:
- بقول النبي ﷺ : (له غنمه وعليه غرمه). والمقصود بالحديث: الرهن.
والجواب على هذا الحديث: أن هذا الحديث وهذا التعليل صحيح ونحن نوافق عليه لكنه عام ودليلنا خاص والخاص دائماً مقدم العام.
فهذه أدلة صحيحة إلا في هذه المسألة التي فيها نص صريح ظاهر معناه لا إشكال فيه.
стр. 1619
ولهذا نحن نقول أجاد الحنابلة في هذه المسألة ووفقوا إلى اتباع النص الصحيح إن شاء الله وقولهم هو الراجح.
ـ القسم الثاني: الحيوان الذي لا يركب ولا يحلب. مثل: الغزال.
- الحنابلة مثلوا بالعبد والأمة لأن الإنسان عند الفقهاء هو حيوان ناطق فلا يجوز أن تقول للإنسان حيوان مطلقاً لكن يجوز أن تقول حيوان ناطق.
فإن قلت حيوان مطلقاً وجب عليك تعزير وإن قلت حيوان ناطق فلا شيء عليك لأن كلامك صحيح.
لكن يوجد هناك مثال ظهر لي: وهو: ذكر الماعز. يركب؟ لا. يحلب؟ لا. يؤكل؟ هذا لا يعنينا وكما قلت ربما يمثل بالغزال.
فهذا القسم: = عند الحنابلة: ( .... غير واضح) لا ينتفع منه مطلقاً.
والأدلة التي استدل بها على أنه لا ينتفع به مطلقاً هي الأدلة السابقة التي استدل بها أصحاب القول الثاني.
ـ القسم الأخير: ما عدا الحيوان مما ليس له مؤونة كالبيوت والأراضي والسيارات ونحوها. فهذه أيضاً لا يجوز للمرتهن أن ينتفع منها بأي شيء.
وأيضاً: الدليل على ذلك: الأدلة السابقة.
من الخلاف السابق يتضح لنا أن الحنابلة يخصصون الحكم فقط بما يركب ويحلب فقط خاص جداً.
أي عين لا تركب ولا تحلب فإن الحكم لا يتناولها - صرحوا بهذا أنه حكم خاص بهذه الأعيان التي تركب أو تحلب.
ويظهر لي أنا والله أعلم بعد تأمل هذه المسألة وتأمل النص الوارد فيها أن الحكم ينبغي أن يربط بالنفقة فكل ما تنفق عليه يجوز لك أن تنتفع به وكل ما لا تنفق عليه لا يجوز أن تنتفع به.
هذا ما يظهر لي تأمل النص لأن النص علل بالنفقة.
فلو قيل بهذا القول فهو في الحقيقة متوجه جداً وأما ذكر الركوب والحلب في الحديث فلأنها غالب الانتفاعات في الهد النبوي. ولأن ما عداها غالباً لا يحتاج إلى نفقة. لكن إذا تصورنا أن هناك عين مرهونة تحتاج إلى نفقو فإنه للمرتهن إذا أنفق أن ينتفع وهذا يتوافق مع تعليل النص.
- ثم قال ﵀:
- بلا إذن.
يعني: أن هذا الحكم السابق وهو انتفاع المرتهن بالرهن المركوب والمحلوب يجوز بلا إذن ومقصودهم بلا إذن أي سواء تمكن المرتهن من أخذ الإذن من الراهن أو لم يتمكن.
وسواء تمكن من أخذ النفقة أو لم يتمكن.
وسواء بذل الراهن النفقة أو لم يبذل النفقة.
стр. 1620
في جميع الصور للمرتهن أن ينتفع من الرهن الذي يركب ويحلب بعد أن يدفع نفقته فهذا هون معنى قول المؤلف ﵀: (بلا إذن).
- قال ﵀:
- وإن أنفق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكانه: لم يرجع.
إذا أنفق المرتهن على الراهن بغير إذن الراهن فإنه لا يرجع. ويكون من المتبرعين.
والمسألة تنقسم إلى أقسام:
ـ القسم الأول: أن ينفق بنية الرجوع مع استئذان الراهن. فهذا لا إشكال أنه يرجع.
ـ القسم الثاني: أن ينفق بغير نية الرجوع يعني: بنية التبرع. فهذا لا إشكال أنه لا يرجع.
ـ القسم الثالث: وهو مسألتنا التي ذكرها المؤلف ﵀:أن يتوي الرجوع ولكن لا يستأذن.
= فالحنابلة يرون أنه في هذه الصورة الثالثة أنه لا يرجع على الراهن بما أنفق.
- لأنه لم يستأذن وهو بذلك فرط وإذا فرط فهو يتحمل تبعت هذا التفريط. وكا ينبغي عليه أن يستأذن قبل أن ينفق على هذه العين المرهونة.
= القول الثاني: في هذه المسألة/ أن له أن يرجع إذا نوى الرجوع ولو لم يستأذن من الراهن إذا لم يمكنه الاستئذان. وكذلك إذا أمكنه. مطلقاً. بخلاف قول المؤلف ﵀ إذا لم يمكنه.
واستدل أصحاب هذا القول:
- بأن الله تعالى أمر بإيتاء المرضعة أجرها ولم يشترط إذن المرتضع يعني: والد الطفل. بل أمر تعالى بأنه إذا حصل الرضاع حصلت الأجرة ولم يتطرق لقضية الإذن. ... هذا من الكتاب.
واستدلوا من الأثر:
- بأن جماعة من التجار في عهد أمير المؤمنين عمر ﵁ اشتروا جماعة من الأسارى فأمر أمير المؤمنين بأن يفك الأسارى وأن يعطى التجار حقوقهم وأموالهم.
ففي هذه الصورة لم يستأذن التجار ومع ذلك رد أمير المؤمنين إليهم ما أنفقوه.
وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام وابن القيم وقعدوا لهذه المسائل جميعاً قاعدة واحدة وهي: (أن كل من أدى عن غيره واجباً جاز له الرجوع).ىفهي قاعدة مريحة لطالب العلم.
والنفقة هنا واجبة لأنه يجب أن يحافظ على حياة المنفق عليه. وكذلك افتكاك الأسير واجب على المسلم - واجب وجوباً متحتماً.
فإذا فك أسيراً فإنه له أن يرجع على الأسير بما افتكه به لأنه أدى عن غيره واجباً. قاعدة.
المهم أن كل كل من أدى عن غيره واجباً فله أن يرجع عليه به.
стр. 1621
المؤلف ﵀ يقول: (بغير إذن الراهن مع إمكانه). ومفهوم هذه العبارة: وهي: (مع إمكانه) صرح به في العبارة الثانية:
- بقوله ﵀:
- وإن تعذر: رجع ولو لم يستأذن الحاكم.
(وإن تعذر) يعني وإن لم يمكن أن يستأذن (رجع ولو لم يستأذن الحاكم).
إذا لم يمكن للمرتهن أن يسأذن من الراهن فحينئذ له أن يرجع على الراهن عند الحنابلة أيضاً: لأنه لم يتمكن من الرجوع.
وله أن يرجع (ولو لم يستأذن الحاكم): لأنه عمل عملاً فيه إرفاق بالراهن فليس من العدل منعه من النفقة.
وأما إذا لم يتمكن من استئذان الراهن ولكنه استأذن الحاكم فله الرجوع بالإجماع.
إذاً: الخلاف فيما إذا لم يستأذن الحاكم.
- قال ﵀:
- وكذا وديعة ودواب مستأجرة هرب ربها.
يعني: وكذا إذا أنفق على وديعة أو على دواب مستأجرة هرب ربها فله الرجوع.
- لأنه إذا هرب ربها فلن يتمكن من الاستئذان. فله أن يرجع بما أنفق كالمسألة السابقة تماماً.
فإن استأذن من الحاكم رجع بالإجماع وإن لم يستأذن رجع عند الحنابلة وهو القول الصحيح.
- قال ﵀:
- ولو خرب الرهن فعمره بلا إذن: رجع بآلته فقط.
معنى كلام المؤلف ﵀: أن المرتهن إذا قام بإلاح الرهن وعمارة الرهن بلا إذن فإنه لا يرجع على الراهن مطلقاً. وهذا رواية واحدة عن الإمام أحمد لم يختلفوا عنه في هذا الحكم.
لماذا؟ - لأن عمارة الرهن من جهة لا تجب على الراهن ومن جهة أخرى ليست من النفقات الواجبة لأن الرهن لو بقي بلا عمارة لن يهلك كما في الحيوانات.
ونحن نقول أن الإنسان يتحمل عن غيره ما أداه إذا كان واجباً وهنا هذا ليس من الواجبات.
ولذلك نقول: ليس له أن يرجع على الراهن بقيمة عمارة الرهن لأن هذا العمل ليس بواجب على الرهن.
= والقول الثاني: أن له الرجوع مطلقاً.
- لأن عمارة الرهن من مصالح الرهن ومما يزيد من الإستيثاق من أداء الدين. ب
= والقول الثالث: أنه يرجع إذا كان ترك الرهن بلا عمارة ينقص ماليته عن وفاء الدين.
стр. 1622
فإذا خرب الرهن وصارت قيمته بعد الخراب خمسين ألف ريال والدين مائة ألف ريال. فعلى هذا القول للمرتهن أن يعمر هذا الرهن إلى أن تبلغ قيمته مائة ألف ريال حسب الدين المذكور في المثال وله أن يرجع بما قام به على الراهن في هذه الصورة فقط.
وهذا القول مال إليه الحافظ بن رجب وأيضاً قواه وجوده المرداوي في الإنصاف وهو كما ترى من القوة بمكان.
قول قوي ووجيه جداً.
فنحن نسمح للمرتهن أن يعمر (ال .. ) في هذه الصورة فقط.
لكن في الحقيقة يجب فيما يبدو لي في مسألة تعمير الرهن أن يستأذن الحاكم وأن يكون هذا التعمير بإشراف الحاكم.
لماذا؟ - لأن التعمير يتفاوت تفاوتاً كبيراً من حيث مواد البناء والأيدي العاملة وقيمة هذه الأشياء فربما يحصل نزاع كبير بين المرتهن والراهن في كيفية تعمير الرهن.
فالواجب أن يكون هذا تحت مظلة القاضي حتى يحكم بحكم متوسط مناسب لا فيه شطط على الراهن ولا نقص بالنسبة للمرتهن.
قوله ﵀: (رجع بآلته فقط) يعني رجع بأعيان آلته فقط كالخشب والحديد الذي وضعه في هذا التعمير. أما ما عداه من المواد كالطين والبلوك والاسمنت والماء فإنه لا يرجع بها.
هذا على مذهب الحنابلة.
إذاً الحنابلة لا يرجع مطلقاً إلا بهذه الأشياء.
وعلى القول الثالث يرجع بما صرف إذا تحقق الشرط الذي ذكرناه في القول الثالث.
أما القول الثاني فهو ضعيف جداً. لأنه لا معنى لتسليط المرتهن على بناء الرهن وتكليف الراهن أموال ونفقات البناء وكل ذلك ليس له علاقة بالاستيثاق من الدين.
وبهذا انتهينا من باب الرهن وننتقل بعون إلى باب الضمان .
باب الضمان
- قال ﵀:
- باب الضمان.
الضمان مشتق في لغة العرب من الضم. لأن ذمة الضامن تضم إلى ذمة المضمون عنه في الوفاء بالدين.
وقيل مشتق من التضمين. لأن الدين ضمن في ذمة الضامن.
وأما في الاصطلاح: فهو التزام جائز التصرف ما وجب على غيره في ذمته.
مع بقائه في ذمة المضمون عنه. هذه عبارة ذكرها بعضهم وهي توضح وإن كانت مفهومة. من المعلوم أن الدين لم ينتقل من ذمة إلى ذمة وإنما اشتركت ذمتان في تحمله.
стр. 1623
إذاً: عرفنا الآن معنى الضمان. الضمان هو: أن يتحمل الإنسان في ذمته ما على غيره من المال وتصبح ذمة الضامن والمضمون عنه مشغولة بالدين.
والضمان مشروع ولله الحمد بالكتاب والسنة والإجماع وحاجة الناس إليه ماسة.
ـ أما الكتاب فقوله: (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم). والزعيم هو الغارم كما قال ابن عباس.
ـ وأما من السنة فما صح في البخاري وله ألفاظ في السنن والمسانيد أن رجلاً مات في عهد النبي ﷺ فغسلوه وكفنوه وأتوا به النبي ﷺ ليصلي عليه فقام ليصلي عليه فلما هم بالصلاة قال هل عليه من دين قالوا: نعم. قال ﷺ : صلوا على صاحبكم. فقام أبو قتادة وقال: الدين علي يا رسول الله. فقام النبي ﷺ وصلى. وله ألفاظ كثيرة في السنة. لكن هذا اللفظ الذي ذكرت هو أقرب الألفاز إلى لفظ الإمام البخاري إذ ليس فيه زيادات وإنما فيه فقط أن أبا قتادة تحمل الدين في ذمته.
ـ وأما الإجماع فأجمعوا في الجملة على مشروعية الضمان.
- يقول المؤلف ﵀:
- لا يصح إلاّ من جائز التصرف.
يعني: الضمان من العقود التي لا تصح إلا من جائز التصرف.
وعلة ذلك:
- أنه من جملة التبرعات المالية والتبرعات المالية لا تصح إلا من جائز التصرف.
ولهذا نقول ليس لغير المكلف أن يضمن ديناً لأحد مطلقاً وضمانه باطل.
- ثم قال ﵀:
- ولرب الحق: مطالبة من شاء منهما في الحياة.
(لرب الحق) يعني: الدائن. أن يطالب الضامن أو المضمون عنه. هو بالخيار ويستطيع أن يطالب الضامن مع إمكانية مطالبة المضمون عنه. واستدل الحنابلة على هذا الحكم:
- بحديث وتعليل.
ـ أما الحديث: فقوله ﷺ : (الزعيم غارم) هذا الحديث إسناده جيد إن شاء الله.
ـ وأما التعليل فقالوا: أن حقيقة الضمان إشغال ذمة الضامن والمضمون عنه بالدين وإذا كانت ذمته مشغولة بالدين جازت مطالبته.
= والقول الثاني: أنه لا يجوز أن نطالب الضامن مع إمكانية مطالبة المضمون عنه.
واستدلوا على هذا:
стр. 1624
- بأن المقصود من الضمان لا إشغال ذمة الضمان في الحقيقة وإنما توثقة الدين. وإذا كان المقصود توثقة الدين فإنه بناء على ذلك لا يجوز أن يطالب الضامن مع إمكانية مطالبة المضمون عنه.
واستدلوا على هذا أيضاً: - بأن الضامن محسن ومتبرع وليس من المناسب أن نجازي المحسن بمطالبته وإشغاله.
وهذا القول هو الصحيح إن شاء الله ومال إليه ابن القيم وهو كما ترى قوي ووجيه. فلا يجوز للدائن أن يطالب - على هذا القول - يحرم عليه أن يطالب الضامن مع إمكانية مطالبة المضمون عنه.
وأما عند الحنابلة فله أن يطالب من شاء منهما.
ومن المعلوم الآن أن عمل الناس على عدم مطالبة الضامن إذا أمكنه أن يطالب المضمون عنه - معلوم هذا - كما أنه من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال أن لا يطالب الضامن المتبرع المحسن مع إمكانية مطالبة المضمون عنه.
- قال ﵀:
- والموت.
يعني: أنه يجوز أن يطال بالدين في الحياة وبعد الممات وله أن يطالب الضامن والمضمون عنه.
والمضمون عنه هو: المدين الأصلي.
واستدلوا على هذا: - بالأدلة السابقة.
= والقول الثاني: أن الضامن إذا ضمن ميتاً فإن الدائن ليس له أن يطالب إلا الحي دون الميت - يعني: إلا الضامن دون المضون عنه. ومن المعلوم أن المقصود بمطالبة الميت يعني مطالبته في التركة.
واستدلوا على هذا:
- بأنه في مسند الإمام أحمد في ألفاظ حديث أبي قتادة أنه قال ﷺ : (وبرئ منهما). يعني: الميت.
فقالوا: إذا برئ الميت فإن البرئ لا يجوز أن يطالب.
وفي الحقيقة لم أجد وقتاً لمراجعة إسناد الزيادة التي في مسند الإمام أحمد ﵀ وإن كان يغلب على ظني أنها ضعيفة.
والسبب في ذلك: أن هذه اللفظة تحمل حكماً فقهياً مهماً والغالب أن البخاري لا يدع الألفاظ المهمة مع صحتها وإنما يدعها: إما لأنها شاذة أو منكرة.
لكن هذا القدر الذي ذكرت لا يكفي لتضعيف الحديث لكنه إشارة وعلامة وقرينة مع البحث في إسناده ورجاله.
على كل حال لم أجد وقتاً لمراجعة هذه اللفظة ولكن يغلب على ظني أنها ضعيفة.
стр. 1625
ولذلك أنا أرى أن الراجح القول الأول وهو مذهب الحنابلة وأنه للضامن أن يطالب من التركة بما سدده عن الميت وهذا من مكافأته على إحسانه ولا نقول للدائن ليس له أن يطالب أصحاب التركة بل نقول له أن يطالب أصحاب التركة وأما الضامن فهو ضمن الدين عن الميت إما بتحقيق مصلحة معينة مثل قصة النبي ﷺ أو لغيرها من المصالح.
المهم أنه محسن ولا نجعل إحسانه سبباً في انتقال الدين من ذمة المدين إلى ذمة الضامن بسبب أنه ضمن رجلاً ميتاً.
- ثم قال ﵀:
- فإن برئت ذمة المضمون عنه: برئ ذمة الضامن.
هذا الحكم بالإجماع. إذا برئت ذمة المضمون عنه وهو المدين الأصلي برئت ذمة الضامن بلا إشكال.
وأما التعليل الفقهي لهذا فهو:
- أن الضامن فرع عن أصل فإذا برئ الأصل أيضاً برئ الفرع.
وهذا صحيح ولا يستقل الفرع بحكم.
- ثم قال ﵀:
- لا عكسه.
فإذا برئت ذمة الضامن لم تبرأ ذمة المضمون عنه.
لماذا؟
- لأنه إذا سقط الفرع فإنه لا يلزم من ذلك سقوط الأصل. هذا من حيث التعليل.
- ولأن ذمة المدين ما زالت مشغولة لأن الدين لم يقض.
وأما لاصورة براءة الضامن/ فهي الصورة القريبة: أن يقول الدائن سامحتك في الضمان وأسقطته عنك. لأن الضمان من حقوق: الدائن. والإنسان له أن يسقط حقه. فإذا أسقط حقه عن الضامن فيبقى الدين في ذمة المدين الذي هو المضمون عنه.
وهذا معنى قول المؤلف ﵀: (لا عكسه).
- ثم قال ﵀:
- ولا تعتبر معرفة الضامن للمضمون عنه.
- وهذا مذهب الجماهير: فللإنسان أن يضمن شخصاً لا يعرفه مطلقاً ولا يعرف أمانته ولا سداده ولا يعرف عنه أي شيء. وضمانه صحيح ومعتبر شرعاً وتصبح ذمته مشغولة بالدين كما أن ذمة المدين مشغولة بالدين.
واستدل الجمهور على هذا:
- بأنه في حديث أبي قتادة لم يذكر أنه ﵁ كان يعرف الميت لأن الميت جاء ملفوفاً ولم يذكر في الحديث أنه ﵁ كان يعرف هذا الميت. وضمنه وأقر النبي ﷺ ضمانه.
= والقول الثاني: أنه لا بد من معرفة المضمون عنه - يعني: لابد أن يعرف الضامن الضمون عنه ليرى إن كان أهلاً للضمان أو لا.
стр. 1626
أي القولين أليق بحقيقة الضمان؟
ـ القول: ( .. الأول) لأنه تبرع. لأن هذا العقد من عقود التبرعات وطبيعة عقود التبرعات لا يلزم فيها معرفة المتبرَعْ له. لأنه تبرع. فإذاً: قول الجماهير في هذه المسألة هو الصحيح.
* * مسألة/ لا يشترط رضا المضمون عنه بالإجماع.
فإذا قال شخص: أنا ضمنت فلان فليس له أن يقول: لا أسمح لك أن تضمن لي. فليس له ذلك: بالإجماع: لأن في هذا الضمان توثقة دين بلا مضرة ولا عتب على المدين.
وهنا لا نجد الفقهاء يذكرون مسألة: المنة. لم يذكروا مسألة المنة. إما لأنهم لا يرون أن في الضمان منة أو لم يتبين لي لماذا لم يذكروا مسألة المنة في هذه المسألة - في مسألة أنه لا يشترط رضا المضمون عنه.
- ثم قال ﵀:
- ولا له.
يعني: ولا يشترط معرفة المضمون له.
وحديث أبي قتادة ﵁ في الدلالة على عدم معرفة المضمون له أقوى أو في الدلالة على عدم معرفة المضمون عنه؟ ـ يظهر لي: له. لأنه لم يذكر من هو الدائن مطلقاًَ في الحديث بينما ربما يكون أبو قتادة يعرف هذا الميت باعتبار أن المدينة صغيرة والأموات فيها يعرفون لكن أن لا يعرف من المضمون له فهذا أقوى في الحديث.
وهذا أيضاً مذهب الجماهير.
= والقول الثاني: أن معرفة المضمون له شرط.
وتعليل ذلك: - أنه لن يتمكن من الوفاء إلا إذا عرف المضمون له.
والراجح القول الأول. فنقول: إذا أجري عقد الضمان وهو لا يعرف الآن المضمون له فالعقد صحيح. ثم بعد ذلك يبحث عن المضمون له. لكن بالعقد عند إنشائه صحيح ولازم وتام وأصبحت ذمته مشغولة.
- ثم قال ﵀:
- بل رضى الضامن.
الضامن متبرع ونحن نقول أنه لا يمكن أن نأخذ مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه فلابد لنأخذ الضمان أو لنوجب الضمان على شخص أن يرضى.
وأنتم تعلمون أن الضمان من العقود التي تؤول للمال. ما معنى تؤول للمال؟ يعني: إذا لم يتمكن الضمون عنه من السداد من الذي سيسدد؟ الضامن.
فإذاً: هو يؤول لمال. فلابد من رضا الضامن وهذا أيضاً محل إجماع.
- ثم قال ﵀:
- ويصح ضمان المجهول: إذا آل إلى العلم.
وهنا نرى أن الحنابلة توسعوا في الضمان: لا يعرف الضمون عنه ولا المضمون له ولا المضمون.
стр. 1627
إذاً: لا يشترط أن يكون المضمون معلوماً بل يجوز أن تضمن ديناً مجهولاً.
واستدلوا على هذا - الجماهير:
- بالآية: (ولمن جاء به حمل بعير) وحمل البعير مجهول. ووجه الجهالة: أن حمل البعير يختلف باختلاف البعير. فبعضها تحمل حملاً كثيراً وبعضها تحمل حملاً قليلاً.
إذاً: حمل البعير يختلف باختلاف البعير والإبل تختلف اختلافاً كثيراً.
فدلت الآية على أنه لا يشترط أن يكون معلوماً.
لكن اشترط الحنابلة: أن يؤول إلى علم. بأن يسأل عن قدر الدين بعد ذلك. بأن يتمكن الضامن من معرفة قدر الدين. أما أن يضمن ديناً ((لن) (لم)) يتمكن من معرفته فهذا لا يجوز وهو في صميم الغرر والجهالة.
لكن إذا تمكن بعد ذلك من معرفته فهو جائز.
ومن المعلوم أن غالب الديون يتمكن الإنسان من معرفتها بعد إجراء عقد الضمان.
= والقول الثاني: أنه لا يجوز ضمان المجهول مطلقاً.
- لأن ضمان المجهول فيه غرر وجهالة ويفضي إلى النزاع والاختلاف إذا تبين أن الدين قيمته مرتفعة.
- ولأن الضامن قد يضمن ديناً هو لا يستطيع سداده. - الضامن نفسه لا يستطيع سداده.
والراجح: في الحقيقة فيه إشكال.
أصحاب القول الأول معهم الآية والآية ظاهرة في الجهالة. فعلاً حمل البعير غير معلوم مطلقاً ولا نقول: إن جهالته يسيرة لا سيما في القديم لأنه قد يحمل آصع كثيرة وقد يحمل آصع قليلة.
من جهة أخرى من حيث الواقع العملي: إقرار الضمان بالمجهولات أمر يفضي غالباً إلى الشقاق والنزاع الكثير.
ولكن ولله الحمد قد لا نحتاج إلى الترجيح كثيراً في هذه المسألة لأنه قلَّ أن يضمن شخص ديناً لا يعرفه.
- ثم قال ﵀:
- والعواري والمغصوب والمقبوض بسوم.
هذه الأعيان الثلاثة يجمعها وصف واحد وهي التي يسميها الفقهاء الأعيان المضمونة.
ولذلك كان من الأنسب فيما أرى أن يقول المؤلف ﵀: (ويضح ضمان الأعيان المضمونة) حتى يشمل ما ذكره وغيره.
فإذا هذه الأشياء تسمى الأعيان المضمونة ويصح أن يضمن الإنسان الأعيان المضمونة.
فإذا ضمن الأعيان المضمونة فهو بالخيار: إما أن يحضر العين أو يحضر قيمة العين إذا تلفت.
لكن نحتاج إلى أن نقف مع الأعيان المضمونة التي مثل بها المؤلف ﵀:
стр. 1628
المثال الأول/ (العواري). العارية مضمونة مطلقاً عند الحنابلة. ولهذا صح أن يمثل بها المؤلف. وصح أن تسمى من الأعيان المضمونة.
وستأتينا هذه المسألة وهي: هل العارية مضمونة مطلقاً أو بالتعدي والتفريط؟ في باب العارية وسيخصص المؤلف ﵀ باباً كاملاً لأحكام العارية.
/ وقوله ﵀: (والمغصوب). المغصوب: مضمون مطلقاً. وسيخصص المؤلف ﵀ باباً للغصب وهو من أهم الكتب لا سيما في وقتنا هذا - سيأتينا الكلام لماذا هو مهم؟
المهم أن المغصوب مضمون مطلقاً: وهذا بالإجماع. وستأتينا المسألة في باب الغصب.
/ وقوله ﵀: (والمقبوض بسوم) المقبوض بسوم أطلق المؤلف ﵀ أنه من الأعيان المضمونة وهو في الحقيقة فيه تفصيل حتى عند الحنابلة. فنقول: المقبوض بسوم له ثلاثة صور:
ـ الصورة الأولى: المقبوض بعد السوم والقطع بالثمن.
يعني: ساومه وانتهوا إلى ثمن معين اتفقوا عليه. فإذا قبضه على هذا الأساس ليريه أهله أو ليريه من أراد ممن سيستفيد فهو مضمون عند الحنابلة.
ـ الصورة الثانية: أن يقبضه بعد السوم بلا قطع للثمن - يعني: ساومه ولم ينتهوا إلى ثمن معين يتفقوا عليه.
فقال: سأقبضه - لنفس الشيء - لعرضه على أهله أو على من سيشاوره في السلعة.
في هذه الصورة أيضاً هو مضمون عند الحنابلة.
ومعنى أنه: (مضمون) يعني: انه من الأعيان المضمونة والأعيان المضمونة هي التي تضمن ولو بلا تعد ولا تفريط.
ـ الصورة الثالثة: أن يقبضه بلا سوم ولا قطع.
يعني: بمجرد ما رأى السلعة وقبل أن يساومه بالثمن طلب منه أن يقبضها ليريها أهله أو من يريد أن يشاوره.
ففي الصورة الثالثة: لا ضمان حتى عند الحنابلة.
= والقول الثاني: في المقبوض بسوم في صوره الثلاث أنه لا يضمن مطلقاً.
- أولاً: لأن هذه السلعة ما زالت في ملك البائع ولو انقطع الثمن ما دام العقد لم يتم.
- ثانياً: لأن يد القابض على وجه السوم يد أمانة فهو مؤتمن على هذه العين. والمؤتمن لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط.
بناء على هذا: إذا أخذ الإنسان سلعة داخل المحل ليقلبها وينظر فيها وسقطت من يده وانكسرت. فهل هي مضمونة عند الحنابلة؟
غير مضمونة.
стр. 1629
لماذا؟ - لأنه لم يحصل لا سوم ولا قطع.
أما إذا أخذها - وهذه الصورة تحصل كثيراً ويظن كثير من الناس أنها من ضمان المشتري لأنها سقطت من يده وهي في الحقيقة ليست من ضمان المشتري إلا إذا فرط أو تعدى.
إذا دخلت أنت وأولادك إلى محل فيه زجاج فقام أحد الأطفال بكسر أحد الزجاجات فهل هي من ضمان البائع أو المشتري؟
- المشتري. لماذا؟ لأنه فرط.
كذلك في الصورة الأولى: إذا أخذ الإنسان شيئاً ثميناً وصار يعبث به ويحركه يميناً وشمالاً كما يفعل بعض السفهاء ويلقيه في الهواء ثم يقبضه ثم سقط فهو من ضمان من؟
فهو من ضمان هذا المتلاعب.
- ثم قال ﵀:
- وعهدة المبيع.
(عهدة المبيع) يقصد بها: ضمان الثمن للبائع أو المشتري.
((الأذان)).
(عهدة المبيع) هو ضمان الثمن للبائع وللمشتري. أو للبائع أو المشتري.
ـ فأما ضمانه للبائع: ففيما إذا تبين أن السلعة معيبة. فحينئذ يضمن الثمن للمشتري فيما إذا تبين أن السلعة معيبة.
ـ وأما ضمان الثمن للبائع فهو فيما إذا لم يقبضه أو قبضه وتبين أنه مغشوش فإذاً عهدة المبيع تتصور بالنسبة للبائع وأيضاً بالنسبة للمشتري وهي تتعلق كما قال الفقهاء بالثمن.
- قال ﵀:
- لا ضمان الأمانات بل التعدي فيها.
أي: لا يجوز ولا يصح ضمان الأمانات. بل يضمن التعدي فيها.
فلا يجوز ولا يصح أن نضمن الأمانات.
- لأن الأمانة في الوضع الشرعي غير مضمونة على صاحبها الأصلي وهو الذي وضع يده عليها فكيف تكون مضمونة للضامن الفرعي إذا كانت ليست مضمونة على الأصل فكيف تكون مضمونة على الفرع.
ولذلك نقول: لا يصح الضمان ولا يلزم منه أن يؤدي الامن شيئاً للمضمون عنه لأنه فاسد شرعاً.
يقول ﵀: (بل التعدي) يعني: بل يجوز أن يضمن التعدي في الأمانات.
فإذا قال: أنا أضمن فلان أنه إن تعدى في هذه الأمانة فأنا ضامن قيمة هذا الذي تعدى عليه.
فهذا صحيح لأن التعدي في الأمانات يوجب انشغال الذمة بقيمة الذي تعدى عليه فصح حينئذ أن يضمن.
إذاً: الأمانات لا يجوز أن تضمن هي بنفسها لكن يضمن التعدي.
فصل
- قال ﵀:
- (فصل) وتصح الكفالة.
стр. 1630
تميز فقهاء الحنابلة بأنهم فرقوا بين الكفالة والضمان وأما في غالب المذاهب الفقهية فالضمان والكفالة شيء واحد لكن الحنابلة فرقوا بينهما.
وجعلوا الضمان يتعلق بالذمة المالية والكفالة تتعلق ببدن المدين.
لذلك نحن نقول تعريف الكفالة عند الحنابلة: هي التزام الرشيد إحضار بدن من عليه دين أو الأعيان المضمونة.
يعني: يلتزم إحضار بدن من عليه دين أو إحضار الأعيان المضمونة.
وهو مشروع وحكي فيه الإجماع.
ودليل المشروعية:
- أن حاجة الناس تمس إليه فإن كثيراً من الناس لا يريد أن يضمن ضماناً مالياً لكن تطيب نفسه بالضمان البدني. فلما صارت حاجة الناس مشتدة إليه أجازه الشارع وإذن به.
ولا يوجد فيما أعلم دليل صحيح يدل على مشروعيته من الكتاب والسنة لكن جميع أدلة الضمان استدل بها الفقهاء على مشروعية الكفالة من حيث أن كلاً منهما عقد توثيق.
ذاك بالمال وهذا بالبدن.
- يقول ﵀:
- بكل عين مضمونة.
يعني: يجوز الكفالة بكل عين مضمونة.
ونحن الآن تقدم معنى قريباً الأعيان المضمونة. وما هي؟ وذكر بعض الأمثلة لها.
لكن هل مقصود المؤلف ﵀ بقوله: الأعيان (المضمونة) أو بعبارة: (بكل عين مضمونة) يعني: ببدن كل من يده على العين المضمونة أو بالعين الضمونة نفسها.
هذا فيه خلاف عند الحنابلة:
= فصاحب منتهى الإرادات - كما ترون: يرى أن صواب العبارة: (ببدن من يده على العين المضمونة) وأن الكفالة لا تتعلق بنفس العين المضمونة وإنما تتعلق بالبدن.
= والقول الثاني: أن عبارة المؤلف ﵀ صحيحة وأن الكفالة ترد على بدن المدين وعلى الأعيان المضمونة. فإن استطاع أن يأتي بالعين المضمونة أو يأتي بثمنها إذا تلفت. وبهذا القول الثاني نعلم أن مفهوم الكفالة قربت جداً من مفهوم الضمان.
وإلى هذا القول ذهب عدد من فقهاء الحنابلة وهو أن عبارة المؤلف صحيحة وأنه عليه ان يحضر الأعيان المضمونة نفسها.
وهذا القول أرجح فيما أرى.
وسيأتينا إن شاء الله سبب الرجحان في الدرس القادم والله أعلم .. وصلى الله على نبينا محمد ...
стр. 1631
الدرس: (٢٥) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
كنا في الدرس السابق أخذنا بداية الفصل المتعلق بالكفالة وتقدم معنا تعريف الكفالة وأنها التزام رشيد إحضار بدن من عليه دين أو الأعيان المضمونة. وبينا أيضاً مشروعية الكفالة.
- وتوقفنا عند قول المؤلف ﵀:
- بكل عين مضمونة.
وقلت إن الشارح ﵀ الشيخ منصور أدخل على عبارة الماتن كلمة: إحضار بدن من بيده الأعيان الضمونة.
وعلل ذلك:
- بأن الواجب هو إحضار بدن من عليه الأعيان الضمونة لا ذات الأعيان المضمونة وأنه يحكم بناء على هذا على عبارة المؤلف ﵀ بالقصور.
وقلت إن القول الثاني: أن عبارة المؤلف صحيحة ولا قصور فيها وأن الكفيل عليه أن يحضر الأعيان المضمونة ذاتها وصرح بهذا المعنى الثاني وهو أنه يحضر ذات الأعيان المضمونة لا بدن من هي بيده عدد من الحنابلة.
وقال بعض الحنابلة مستدلاً لهذا القول:
- أن إحضار الأعيان الضمونة أولى بالجواز والمشروعية من إحضار بدن من عليه دين.
وعلل ذلك بقوله: أن إحضار بدن من عليه دين هو ذريعة للوصول للحق يعني: وسيلة - بينما الكفالة بذات الأعيان المضمونة هو في الحقيقة إحضار لذات الحق وإحضار المقصود أولى بالجواز من إحضار ذريعة المقصود.
وهذا القول الثاني وهو أن قول المؤلف ﵀:: (وتصح الكفالة بكل عين مضمونة) أنه على ظاهره وأنه يكفل إحضار ذوات الأعيان المضمونة.
هذا القول هو الصحيح. وكما قلت لك صرح به عدد من الحنابلة.
فإن استطاع أن يحضر الأعيان المضمونة فهذا المطلوب وإلا فعليه أن يحضر قيمة هذه الأعيان المضمونة.
وبذلك عرفنا أن عبارة المؤلف ﵀ إن شاء الله صحيحة ولا غبار عليها وهي أقرب إلى التعليل الفقهي من حملها على البدن.
وسيأتينا في نفس هذا الباب من المسائل ما يؤكد أن المعنى المقصود هو إحضار الأعيان المضمونة لابدن من بيده الأعيان المضمونة.
- يقول ﵀:
- وببدن من عليه دين.
стр. 1632
يعني: وتصح وتشرع الكفالة بإحضار بدن من عليه دين.
- لأن الدين حق مالي واجب فجازت الكفالة على إحضار بدن من هو عليه. قياساً على الضمان.
وتقدم معنا أن كثيراً من العلماء يستدلون بأدلة الضمان على مسئل الكفالة لأن المعنى واحد إلا أن هذا يضمن المال وهذا يضمن البدن.
وإحضار بدن من عليه الحق هو المقصود الأصلي للكفالة.
- ثم قال ﵀:
- لا حد.
أي: لا تصلح ولا تشرع الكفالة بإحضار بدن من عليه حد.
ـ سواء كان هذا الحد لله: كإقامة الحد على شارب الخمر.
ـ أو كانت حداً لحق الآدمي: كحد القذف.
الجميع لا يجوز الكفالة به.
واستدل الحنابلة على هذا:
- بأن النبي ﷺ قال: لا كفالة في حد.
وهذا الحديث حديث منكر وممن حكم بنكارته الإمام الحافظ البيهقي وهو كذلك فإن في إسناده رجلاً كثير المنكرات.
- ثم قال ﵀:
- ولا قصاص.
يعني: ولا تصح الكفالة ببدن من عليه قصاص.
واستدل أيضاً الحنابلة على هذا الحكم:
- بأن الكفيل إذا تخلف من عليه القصاص لن يفي بما عليه فإن الحدود لا تقام إلا على من اقترف الجريمة ...
إذاً: لن ننتفع من كفالته بشيء جيث لن يقام الحد إلا على من تعدى حدود الله.
وإذا كانا لن ننتفع من الكفالة بشيء فهي لا تشرع.
= والقول الثاني: - في مسألة الحد والقصاص:
أنه يشرع الكفالة بالحد والقصاص مطلقاً. والغرض منها هو إحضار بدن من عليه الحد والقصاص.
= والقول الثالث: أن الكفالة تشرع في القصاص وفي الحد الذي هو حق الآدمي فقط دون الحد الذي هو لحق الله.
والأقرب إن شاء اله المذهب أنه لا تشرع الكفالة لا بحد ولا بقصاص.
- قال ﵀:
- ويعتبر رضى الكفيل.
يعني: ويشترط لصحة لكفالة أن يرضى الكفيل.
وهذا بالاتفاق.
- لأنه لا يلزم الإنسان حقاً إلا برضاه.
- ولأنه لا يمكن إلزام أحد بكفالة أحد وتحمل تبعت إحضار بدنه إلا وقد رضي بذلك.
ولوضوح هذه المسألة اتفقوا عليها.
- قال ﵀:
- لا مكفول به.
في هذه العبارة مسألتان:
ـ المسألة الأولى: أن بعض أهل العلم انتقد عبارة المؤلف: (لا مكفول به) وقال الكفول به هو الدين وصواب العبارة: (لا مكفول). يعني: لا يشترط رضى المكفول.
стр. 1633
والصواب أن العبارة صحيحة ولم أقف على أحد من الحنابلة عبَّر بغير هذا التعبير فكلهم يعبر بالمكفول به. هذا من جهة.
من جهة أخرى: كلمة المكفول به: صحيحة. لأن المكفول به في الواقع في الكفالة هو بدن من عليه دين لا الدين نفسه.
إذاً: المكفول به: إذا تأملت فستجد أنه فعلاً هو البدن وهو المكفول.
فإذاً كلمة المكفول به: تساوي كلمة المكفول والمعنى صحيح التعبيرين. وبهذا التعبير عبر كل الحنابلة.
فهو تعبير صحيح من حيث النقل عن الحنابلة ومن حيث المعنى.
ـ المسألة الثانية: أنه لا يشترط رضى المكفول.
فإذا كفل شخص شخصاً عند آخر فالكفالة صحيحة ولو سخط المكفول.
واستدلوا على هذا:
- بالقياس على الضمان.
= والقول الثاني: أنه يشترط رضى المكفول فإن لم يرض لم تصح الكفالة.
واستدل أصحاب هذا القول على قوهم:
- بأن موضوع الكفالة إحضار بدن المكفول فإذا لم يرض المكفول لن يتمكن الكافل من إحضاره فإذا لم يحضره لم يحصل المقصود.
والصواب أنه لا يشترط رضاه ما دام الكافل رضي أن كفل مع علمه بعدم رضى المكفول وإلتزامه إحضاره فهذا شيء إليه وعليه إما أن يحضر المكفول أو إذا عجز - كما سيأتينا - يضمن الدين.
فما دام رضي بهذا الحكم فليس للمكفول حق أن يرضى أن يسخط.
- قال ﵀:
- فإن مات.
يعني: المكفول. قال في آخر العبارة: بريء الكفيل. ولن يلزمه بعد ذلك شيء لاضمان البدن ولا ضمان المال.
واستدل الحنابلة على هذا: - بأن المكفول لا يستطيع الحضور وحضوره متعذر فإذا سقط حضور الأصل فكيف بالفرع الذي يلوم بإحضار هذا الأصل الذي لا يستطيع الحضور. فالميت لا يمكن لأحد أن يلزمه بالحضور في مجلس الحكم أو الحضور لأداء الدين لأنه ميت. وإذا كان لا نلزم المكفول فكيف نلزم الكافل.
= والقول الثاني: التفصيل:
ـ إن كان الكافل توانى وتساهل إلى أن مات المكفول وجب عليه أن يلتزم الحق ولا يسقط ولا يبرأ.
ـ وإلا فإنه يبرأ.
= والقول الثالث: أن الكافل إذا مات المكفول لا يبرأ مطلقاً بل عايه أن يلتزم الحق.
стр. 1634
وعللوا هذا: - بأن الدائن إنما رضي بأن يقرض هذا الشخص لوجود الكفيل فإذا مات الكفيل لا يذهب حق الدائن وإنما يلزم الكافل بأداء الحق لأن الدين بني عليه. يعني: لأن المقرض إنما أقرض بناء على وجود الكفيل.
وهذا القول الأخير هو الصحيح وممن اختاره من المحققين شيخ الإسلام بن تيمية ﵀. وهو قول عند التأمل تجد أنه قول قوي.
- ثم قال ﵀:
- أو تلفت العين بفعل اللَّه تعالى.
يقصد المؤلف ﵀ بقوله: (تلفت العين) يعني: العين المضمونة.
فإذا تلفت العين المضمونة بفعل الله فحكم المسألة كحكم لو مات المكفول تماماً خلافاً وأدلة وترجيح.
وهذه هي المسألة التي قلت لك أنها تؤكد أن المؤلف ﵀ أراد في صدر اباب الكفالة بذات الأعيان لا ببدن من عليه أعيان مضمونة. لأنه الآن هنا أوجب إحضار نفس العين إذا تلفت بغير فعل الله كما هو مفهوم العبارة فدلت هذه العبارة على أنه يريد ذات الأعيان المضمونة لا بدن من عليه ضمان الأعيان المضمونة. فهذا يؤكد صحة ما تقدم إن شاء الله.
وقوله ﵀: (أو تفلت العين بفعل الله) مفهوم العبارة أنها إذا تلفت فعل الآدمي فإن الكافل لا يبرأ. - لأنه إنما أقيم لمثل هذا. يعني طلب كافل لمثل هذا: حتى لا يذهب حق المكفول له.
- ثم قال ﵀:
- أو سلم نفسه: بريء الكفيل.
يعني: أو سلم المكفول نفسه للمكفول له فحينئذ يبرأ الكفيل.
- كما أنه لو سدد المدين الدين بريء الضامن فكذلك هنا لأن موضوع الكفالة هنا البدن فإذا سُلِّم بريء الكفيل.
وبهذا انتهى الفصل الخاص بالكفالة وننتقل إلى باب الحوالة .
باب الحوالة
- قال ﵀:
- باب الحوالة.
الحوالة: مشتقة في لغة العرب من النقل والتحويل. وهي في اصطلاح الفقهاء نقل الحق من ذمة إلى ذمة أخرى.
والحوالة مشروعة بالسنة والإجماع.
ـ أما السنة فما أخرجه البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال: (مطل الغني ظلم وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع). وهذا الحديث صريح في الحوالة.
стр. 1635
ودلت عليه الآثار فإن عدداً من أصحاب النبي ﷺ عامل بالحوالة منهم أمير المؤمنين علي ﵁. وغيره من الصحابة. وإنما ذكرته لأنه من الخلفاء الراشدين.
وأما الإجماع فقد أجمعوا في الجملة على مشروعية الحوالة وإن اختلفوا في بعض الصور لكن في الجملة هي مشروعة بإجماع الفقهاء.
* * مسألة/ والصواب أن الحوالة ليست من بيع الدين بالدين وإنما هي من جنس استيفاء الحق فهي بذلك من عقود الإرفاق وليست من عقود المعاوضات.
والقول بأنها من البيوع قول ضعيف: يعني: من المعاوضات، بل هي من عقود الإرفاق إن شاء الله والمقصود منها استيفاء الحق فقط فليس موضوع الحوالة الربح ولا المعاوضة ولا الاستزادة إنما فقط استيفاء الحق.
وهذه القاعدة مهمة جداً لأنا سنحتاج إليها في كثير من مسائل الترجيح لأن الإنسان إذا أراد أن يرجح يحتاج أن يرجع إلى أصل ينطلق و [ ... ] منه في مسائل الفقه. فالأصل في هذا الباب هو كما قلت لكم أنه استفياء الحق.
- يقول ﵀:
- لا تصح.
مقصوده: لا تصح الحوالة إلى بثلاثة شروط، إن فقد شرط منها بطلت الحوالة.
وربما لو صرح الشيخ بهذا المعنى لكان أوضح فلو قال: لا تصح إلا بثلاثة شروط لكان أوضح.
- قال ﵀:
- إلاّ على دين مستقر.
هذا هو الشرط الأول: أن الحوالة لا تصح إلا على دين مستقر.
واستدلوا على هذا:
- بأن موضوع الحوالة نقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه فإذا لم يكن الدين ثابتاً في ذمة المحال عليه لم تصح الحوالة أن المحال عليه ربما أبطل الدين.
ومثلوا على هذا: بدين المكاتبة. فإن المكاتب له أن يبطل المكاتبة فلا يصح أن نحيل على دين المكاتبة.
ومثلوا على ذلك: أيضاً: بثمن المبيع في زمن الخيار فهذا أيضاً غير مستقر إذ ربما اختار الفسخ أحدهما أو كلاهما.
فإذاً: الدين المستقر هو الدين الذي لا يكون عرضة للسقوط بل هو ثابت وكل دين عرضة للسقوط فهو دين غير مستقر. وهذا الشرط صحيح. فلا يصح أن نحيل إلا على دين ثابت مستقر.
- يقول ﵀:
- ولا يعتبر استقرار المحال فيه.
стр. 1636
يعني لا يعتبر أن يكون الدين المحال مستقراً. فإذا اشترى شخص من آخر سلعة بثمن معين واشترط الخيار فله أن يحيل بهذا الدين على دين آخر ثابت. (أن يحيل بثمن هذه السلعة التي هي في زمن الخيار على دين آخر مستقر).
لأن الدين المحال لا يشترط أن يكون مستقراً.
واستدلوا على هذا:
- أن المدين له أن يدفع هذا الدين ابتداء فله أن يحيل به.
ومعنى: (له أن يدفع هذا الدين ابتداء) أن هذا الثمن غير المستقر يملك المشتري أن يدفعه وإن كان في زمن الخيار.
فإذا كان يملك أن يدفعه في زمن الخيار فيملك أن يحيل به على دين آخر مستقر. وهذا أيضاً حكم صحيح.
ثم بدأ ﵀ بالشرط الثاني:
- فقال ﵀:
- ويشترط: اتفاق الدينين.
يشترط اتفاق الدينين. ودليل ذلك في الجملة:
- أن موضوع الحوالة نقل الحق من ذمة إلى ذمة ولنقل هذا الحق من ذمة إلى ذمة لابد أن يتساوى الحقان في الصفات.
والمؤلف ﵀ فصَّل في هذا الشرط:
- فقال ﵀:
- ويشترط اتفاق الدينين جنساً.
يشترط أن يكون جنس الدين المحال والمحال عليه: واحداً.
فلا يجوز أن نحيل بالذهب على الفضة.
ولا بالفضة على الذهب.
ولا بالقمح على الشعير.
وبالشعير على التمر.
وهكذا. يجب أن يكون الجنس متحداً.
دليل هذا الشرط:
- أنه إذا اختلف الجنس خرج عن كونه من عقود الإرفاق إلى عقود المعاوضات لأنه إذا اختلف الجنس لابد أن نراعي الثمن فصارت معاوضة ونحن نقول أن الحوالة من عقود الإرفاق.
فهذا الشرط وهو اشتراط اتفاق الجنس: صحيح.
- يقول ﵀:
- ووصفاً.
يعني: ويشترط أن يكون وصف كلٍ من الدين المحال والمحال عليه: متحداً.
والمقصود بالوصف هنا: كما صرح كثير من الحنابلة: الجودة والرداءة وهو في الحقيقة معنىً أعم من الجودة والرداءة لكن الغالب أن يكون هذا المقصود.
بناء على هذا: لا يجوز أن نحيل بصحاح على مكسة.
فإذا كان مطلوب من الشخص مائة درهم صحيحة لا يجوز أن نحيل هذا الدين على شخص آخر يطلب منه مائة درهم مكسرة.
ولا يجوز أن نحيل مغشوش على سليم ولا بسليم على مغشوش.
ولا يجوز أن نحيل قمحاً سليماً جيداً من إنتاج هذه السنة على قمح قديم فاسد.
وهكذا.
стр. 1637
= والقول الثاني: أنه يجوز اختلاف الصفة إذا كان المحال عليه أجود.
يعني: إذا كان من صالح المحال.
استدلوا على هذا:
- أن هذا لا يعدو أن يكون تبرعاً من المحيل. والتبرع إنما هو بالزيادة. بزيادة الحسن في الصفة.
= والقول الثالث: الجواز مطلقاً. سواء كان الدين المحال أو المحال عليه أجود أو أردأ فالجميع جائز. بشرط رضا الجميع: المحيل والمحال عليه.
واستدل أصحاب هذا القول:
- بأنه لا حرج ولا ضرر شرعي من إحالة الرديء على الجيد أو الجيد على الرديء ما دام المحال رضي والمحيل رضي. فإنه ليس في هذا العقد جهالة ولا ضرر ولا ربا ولا قمار ولا أي مانع شرعي.
والقول الأخير أجود لأن المنع من المعاملات يحتاج إلى دليل واضح. فالأصل فيه الحل.
ثم الناس قد يحتاجون إلى هذا العمل بكثرة بأن نحيل شيئاً جيداً على رديء أو رديء على جيد لغرض أو لآخر.
فالأقرب إن شاء الله الجواز.
- ثم قال ﵀:
- ووقتاً.
المقصود بالوقت: أن يستويا في التأجيل والتعجيل.
وذلك بأن يكون الدين المحال والدين المحال عليه كلاهما مؤجل أو كلاهما معجل.
= والقول الثاني: الجواز إذا كان الدين المحال عليه معجل.
فيجوز للإنسان أن يحيل ديناً مؤجلاً على دين معجل.
= والقول الثالث: الجواز مطلقاً.
وإذا تأملت فستجد أن اخلاف في هذه المسألة قريب من الخلاف من مسألة الصفة.
لماذا؟ لأن التأجيل والتعجيل من جملة الصفات وإنما نصوا عليه لأنه مهم.
ولهذا تجد أن الخلاف متقارب جداً.
قبل أن نتجاوز مسألة التأجيل هو كما قلت لكم والقول في الخلاف في المسألتين واحد والأقرب القول الأخير.
إلا أنه فقط من خلال البحث لم أجد من العلماء المتقدمين سوى المعاصرين من قال بالجواز مطلقاً في مسألة التأجيل والتعجيل.
بحثت عن قائل من المتقدمين - حسب ما تيسر من الوقت - ولم أجد هذا القول إلا للمعاصرين.
فيحتاج فقط أن يتثبت الإنسان أن لا تكون المسألة محل اتفاق فإن كان فيه هناك خلاف فالراجح القول الأخير.
- يقول ﵀:
- وقدراً.
يعني: ويشترط لصحة الحوالة اتفاق الدينين في القدر فلا يجوز أن نحيل بخمسة على ستة.
стр. 1638
- لأنا إذا أحلنا خمسة على ستة صارت المسألة معاوضة وصار المحال يكسب على المحيل وموضوع الحوالة أن لا كسب فيها إنما استيفاء فقط.
وهذا القول صحيح أو وهذا الشرط صحيح. أنه يجب أن يتساوى [ ... ].
- ثم قال ﵀:
- ولا يؤثر الفاضل.
مقصود المؤلف ﵀ بهذه العبارة أنه لا يؤثر أن:
ـ تحيل بعض الدين على دين مساوي.
ـ أو تحيل الدين على بعض الدين الذي في ذمة الآخر.
مثال الصورة الأولى: أن يحيل الإنسان بخمسة على خمسة من عشرة.
فإذا كان زيد مطلوب خمسة آلاف وهو يطلب عمرو عشرة آلاف فأحال الشخص الذي يطلبه خمسة آلاف على خمسة من العشرة التي عند زيد فلا بأس.
- لأن الفاضل وهي الخمسة الأخرى لا تؤثر في العقد.
كذلك العكس/ لو أحال بخمسة من عشرة على خمسة.
بأن يكزم زيد مطلوباً عشرة آلاف وهو يطلب عمرو خمسة آلاف فأحال الدائن بخمسة من العشرة على الخمسة التي عند زيد فلا حرج.
- لأن زيادة الدين لا تؤثر أيضاً في صحة الحوالة.
وهذا معلوم لكن المؤلف ﵀ أراد أن يبين أن الفاضل لا يؤثر على الباقي.
- ثم قال ﵀:
- وإذا صحت: نقلت الحق إلى ذمة المحال عليه وبريء المحيل.
إذا استوفت الحوالة الشروط اللازمة للصحة نقلت الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه لاولا يرجع الحق مطلقاً ولو تعذر إيفاء المحال عليه بالدين أو أفلس أو مات أو ماطل. فإنه لا يرجع المحال على المحيل مطلقاً متى استوفت الشروط.
وإلى هذا القول ذهب الجماهير - الجماهير من الفقهاء ذهبوا إلى أنه إذا استوفت الشروط فإنه ليس للمحال أن يرجع على المحيل مطلقاً ولو تعذر استيفاء الحق.
واستدلوا على هذا بأدلة:
من أقواها:
- الحديث: فقالوا النبي ﷺ أمره فقال: (إذا أحيل أحدكم على ملئ فليحتل).
والأمر في (فليحتل) للوجوب. وهذه خارج الصحيحين.
وفي اللفظ الآخر - في الصحيحين -: (من أتبع على مليء فليتبع).
هذا الدليل الأول.
- الدليل الثاني: أنه روي عن علي بن أبي طالب أنه رأى أن لا يرجع المحال على المحال عليه.
стр. 1639
فقد أحال رجلاً - هو ﵁ يطلبه على رجل آخر فمات المحال عليه فرجع الدائن إلى علي فلم يقبل رجوعه ﵁.
- الثالث: قالوا: أن الحوالة مشتقة من النقل فهي تنقل الحق من ذمة إلى ذمة. والمنقول لا يعود.
= القول الثاني: أن المحال له أن يرجع إذا تعذر استيفاء الحق بإعسار أو موت. وهذا مذهب الأحناف.
واستدلوا على هذا:
- بأن المقصود من الحوالة الإرفاق بالاستيفاء فإذا لم يحصل الاستيفاء بموت أو إفلاس أو مماطلة لم يحصل الغرض من الحوالة وجاز له الرجوع.
هذه المسألة من مهمات الباب - من أهم مسائل الباب.
= القول الثالث: أن له الرجوع مطلقاً.
واستدل أصحاب هذا القول:
- بأن الحوالة ليست إلا إذن بالاستيفاء من المحال عليه فقط ولذا فللمحال أن يرجع على المحيل.
فكأنه أذن له بأن يستوفي حقه من المحال عليه فإذا أراد أن يرجع: يرجع.
والأصل أن ذمة المحيل ما زالت مشغولة بالدين.
أي الأقوال أرجح؟ (مناقشة مع الطلاب في أيه القول الراجح .... ) ... شيخ الإسلام يرجح القول الثالث. وهو في الحقيقة عند التأمل والتأني أقرب.
لماذا؟ لأنا نحمل الحديث على أن الأمر فيه للإستحباب وإلا لم يكن هناك في الحقيقة جواب واضح على الحديث إلا أن نحمله على الاستحباب. فإذا حملناه على الاستحباب جاز لنا أن نقول فعلاً الحوالة ليست إلا إذنٌ في الاستيفاء.
وحمل الحديث على الاستحباب مذهب الجماهير بل حكي إجماعاً ولكن الإجماع ليس بصحيح فإن الإمام أحمد ﵀ والإمام ابن حزم ﵀ حملوه على الوجوب.
لكن يبدو أن الأقرب حمله على الاستحباب وأن هذا الأمر إنما هو لبيان أنه ينبغي للمحال إذا كان المحال عليه [مريض أن يحتل] ((هكذا فهمتها من التسجيل)).
أما أثر علي ﵁ يحتاج أولاً إلى التثبت من صحته.
ثانياً: أثر علي هنا يصطدم مع الأصول العامة والأصول العامة هي أن الأصل بقاء الدين في ذمة المدين وأن مال الإنسان محفوظ.
والأصول العامة التي تدل على أن مال الإنسان محفوظ تدل على رجحان هذا القول [الثاني] لأنا نرجح بأصول دلت عليها النصوص.
стр. 1640
وطريقة الإمام أحمد ﵀ أن الأصل الثابت الذي دل عليه نص لا يترك لفتوى صحابي على أني أكاد أقطع أن بين الصحابة خلاف في هذه المسألة لكن يحتاج ربما الإنسان إلى توسع في البحث لننظر هل خالف الإمام علي أحد أو لا؟
وإلا كما ذكرت يتحرج الإنسان في الحقيقة من مخالفة هذا الأثر لولا وجود هذه الملابسات.
- يقول ﵀:
- ويعتبر رضاه.
هذا هو الشرط الثالث.
يعني: رضا المحيل.
- لأن المحيل لا يلزم بقضاء الدين الذي عليه من دين آخر له إلا برضاه.
وإذا كان هذا هو الشرط الثالث علمت أن المؤلف في الحقيقة قدم وأخر. لأنه يقول: (وإذا صحت) وهذه العبارة يؤتى بها بعد إتمام الشروط. فلو أخر قوله وإذا صحت إلى بعد (ويعتبر رضاه) لكان من حيث الترتيب الفقهي أوجه.
- قال ﵀:
- لا رضى المحال عليه.
يعني: لا يشترط رضى المحال عليه.
وهذا مذهب الجماهير.
- لأن النبي ﷺ لم يشترط في الحديث رضى المحال عليه.
- ولأن المحيل إذا أحال على المحال عليه فكأنه وكَّل شخصاً ليقبض دينه وهذا جائز بالإجماع بلى رضى المحال عليه.
=والقول الثاني: أنه يشترط رضى المحال عليه.
- لئلا يحيل عليه رجلاً رجلاً شرساً سيء الأخلاق صعب المطالبة.
فيقول المحال عليه للمحيل لا أرضى أن تحيل علي فلاناً فإنه صعب والمعاملة معه عسرة وقد أتأذى من مطالبته ... إلى آخره. وهذا مذهب الأحناف. وهذا القول ضعيف. لأنا نقول للمحال عليه لئلا تتأذى أدِّ ما عليك لأن ذمته مشغولة بالحق فلا يعتذر بسوء المعاملة.
- قال ﵀:
- ولا رضى المحتال على مليء.
يعني: لا يشترط رضى المحتال بشرط أن تكون الحوالة على مليء.
فإذا أحيل على مليء وجب عليه أن يحتال. وانتقل الحق بغير إرادته من ذمة المدين الأصلي إلى ذمة المحال عليه.
استدب الحنابلة والجمهور على هذا:
- بالحديث. وهو أن النبي ﷺ قال: (وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع) والأمر في الحديث للوجوب عند الحنابلة.
واستدلوا على هذا أيضاً:
- بأن للمحيل أن يوكل من يقبض عنه بلا رضاه وله أن يوكل من يسدد عنه بلا رضاه فكأنه وكل المحال عليه بسداد الدين.
стр. 1641
= والقول الثاني: أنه يشترط رضى المحال. وأنه إذا أحيل على رجل لا يرضاه ولو كان مليئاً فإنه لا يلزمه.
- لأن الإحالة قد تدخل الضرر على المحال وإن كان المحال عليه مليء.
فبعض الناس قد يسدد مباشرة ولكن مع الإيذاء فهو إذا سدد بلا تأخير فهو مليء لكن قد يؤذي مع هذا التسديد يؤذي كما هو معلوم من أمثلة كثيرة.
وهذا القول الثاني في الحقيقة هو الصحيح والدائن محسن فكيف نلزم الدائن بأن يحتال أو بأن يذهب ويحال إلى رجل سيء الأخلاق وإن كان مليئاً.
لاشك في ما يظهر لي بعد التأمل أنه لا يلزمه ولا يجب عليه وله أن يمتنع من الإحالة.
وإن كان عامة العلماء والجمع الغفير منهم على القول الأول.
لكن هذا القول الثاني في الحقيقة وجيه وقوي.
- ثم قال ﵀:
- وإن بان مفلساً ولم يكن رضي: رجع به.
مقصود المؤلف ﵀ إذا لم يرض المحال بالحوالة ثم بعد أن أحيل تبين أن المحال عليه مفلس: رجع على المحيل. وهذا الحكم بالإجماع.
إذا لم يرض ثم تبين أن المحال عليه مفلس رجع بالإجماع.
وهذا الحكم في هذه المسألة هو حكم لصورة من هذه المسألة.
فهذه المسألة لها صور:
ـ الصورة الأولى: هي التي ذكرها المؤلف ﵀ وذكرتها لك.
ـ الصورة الثانية: أن يحال برضاه - أن يرضى بالحوالة - ولكنه لم يشترط أن يكون المحال عليه مليئاً ثم تبين أنه معسر.
((الأذان)).
إذاً: الصورة الثانية إذا رضي المحال بالإحالة ولم يشترط أن يكون المحال عليه موسراً ثم تبين أنه معسراً أو مماطلاً.
= فعند الحنابلة: لا يرجع. ويبرأ المحيل.
واستدلوا على هذا:
- بأن المحال فرَّط ولم يشترط الملاءة - أو الغنى أو اليسار.
= والرواية الثانية عن الإمام أحمد ﵀: أنه له الرجوع إذا تبين أنه مماطل أو معسر.
- لأن النبي ﷺ إنما أمر بأن يتبع إذا كان مليئاً وقد تبين أنه ليس ملئياً.
والقول الثاني هو الصحيح إن شاء الله لأنه هو الذي يدل عليه الحديث.
ـ الصورة الثالثة والأخيرة: أن يحال بالدين مع اشتراط المحيل غنى المحال عليه.
الذي اشترط هو المحيل. يعني: قال أحيلك على زيد وأشرط لك أنه مليء.
стр. 1642
ثم إذا تبين أنه ليس بمليء رجع: عند الحنابلة وعند غيرهم.
- لأن الشرط تخلف. والمسلمون على شروطهم.
- يقول ﵀:
- ومن أُحيل بثمن مبيع ... فبان البيع باطلاً: فلا حوالة.
إذا أحيل بثمن مبيع ثم بان البيع باطلاً فلا حوالة. صورة المسألة/
أن يحيل المشتري البائع بقيمة الثمن على شخص ثالث. مدين للمشتري ثم تبين أن البيع باطل بأن كان المبيع ملكاً لشخص آخر غير البائع أو تبين أن المبيع - أنه خمر أو خنزير أو كل عين لا يصح العقد عليها حينئذ لا حوالة.
يعني: تبطل الحوالة.
وعللوا ذلك: - بأن الحوالة تمت على ثمن المبيع وهنا لا يوجد ثمن للمبيع لأنه لا يوجد بيع أصلاً.
- يقول ﵀:
- أو أُحيل به عليه.
صورة المسألة/ أن يحيل البائع على المشتري بثمن السلعة بدين سابق عليه.
في الصورة الأولى: من المحيل؟ المشتري.
في الصورة الثانية: المحيل من؟ البائع.
والإحالة في الصورتين على ثمن السلعة.
ثم إذا تبين أن البيع باطل للأسباب السابقة فلا حوالة.
وهذا الحكم صحيح.
- ثم قال ﵀:
- وإذا فسخ البيع: لم تبطل.
إذا فسخ البيع: يعني: لخيار أو لعيب أو لتدليس فإن الحوالة لا تبطل بل تبقى صحيحة.
وظاهر كلام الشيخ المؤلف ﵀ أن الحوالة إذا فسد البيع صحيحة قبل القبض وبعد القبض.
والصواب أن في المسألة تفصيلاً.
في الصورة الأولى أن يحيل ......... ((أقيمت الصلاة ... انتهى الدرس)).
стр. 1643
الدرس: (٢٦) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا في الدرس السابق في الكلام عن الحوالة إذا أحال البائع المشتري وتبين أن البيع باطل ورأي الحنابلة في هذه المسألة وكنا توقفنا على المسألة الأخرى وهي: إذا تبين أن البيع فاسد وليس بباطل والحنابلة يفرقون بين أن يتبين أن البيع باطل أو يتبين أنه فسخ بالفساد.
فيما يتعلق بالبطلان: تقدم معنا.
- يقول المؤلف ﵀:
- وإذا فسخ البيع: لم تبطل.
стр. 1644
يعني: وإذا فسخ البيع بسبب من الأسباب الموجبة للفسخ: كالعيب أو الخيار أو أي سبب يوجب الفسخ وأشهرها العيب والخيار.
فإذا فسخ البائع والمشتري العقد وقد أحال المشتري البائع بالثمن فإنه عند الحنابلة: تصح الحوالة مطلقاً.
ومعنى: (مطلقاً) أي: قبل وبعد القبض.
وفي الحقيقة المسألة فيها تفصيل.
وللمسألة صورتان:
- الصورة الأولى: أن يكون بعد القبض. صورة المسألة: أن يحيل المشتري البائع بالثمن على طرف ثالث ويقبض البائع الثمن من المحال عليه. فيتم القبض ففي هذه الصورة: الحوالة صحيحة قولاً واحداً عند الحنابلة بلا خلاف لأن القبض تم وصح.
وإذا صح القبض وتم ترتبت عليه آثاره.
- الصورة الثانية: أن يكون ذلك أي: الفسخ قبل القبض. مثل/ أن يحيل البائع أم أن يحيل المشتري البائع بالثمن وقبل أن يقبض البائع من المحال إليه الثمن: انفسخ العقد بعيب أو بخيار أو لأس سبب من أيباب الفسخ.
فالحنابلة يصححون الحوالة حتى قبل القبض. فالحكم عند الحنابلة قبل وبعد واحد.
ويستدل الحنابلة على هذا: أي تصحيح الحوالة ولو قبل القبض:
- بأن هذه الحوالة: حوالة صحيحة استوفت الشروط فصحت ولزمت وانتقل الحق تماماً من ذمة المشتري إلى ذمة المحال عليه. وصار المشتري بريء الذمة والمسألة بين البائع والمحال عليه.
= القول الثاني: أن الحوالة قبل القبض لا تصح. وعلى هذا لا يبرأ المحيل وهو المشتري. ويخرج البائع لا دائناً ولا مديناً لأن العقد انفسخ ورجع الثمن.
ويرجع المشتري يطالب المحال عليه كما كان قبل العقد.
وإلى هذا ذهب عدد من المحققين من الحنابلة وهذا القول هو الصحيح: أنه قبل القبض لا تصح الحوالة لأنا تبينا أن لا ثمن ولا عقد.
وإذا كانت العلة في بطلال الحوالة في مسألة بطلان البيع أنه تبينا أن لا ثمن على المشتري كذلك هنا تبينا أن لا ثمن وإن اختلف السبب إلا أن النتيجة واحدة وهي أنه لا ثمن.
فتلخص معنا الآن:
أن الحوالة تصح في صورة واحدة وهي ما إذا قبض الثمن.
- يقول ﵀:
- ولهما أن يحيلا.
يعني: وللمحال أن يرجع فيحيل مرة أخرى لتبرأ ذمته.
فإذا أحال المشتري البائع ثم تبينا البطلان فللبائع أن يحيل المشتري على من أحاله المشتري عليه.
стр. 1645
يعني: يرجع الوضع كما كان.
وهذا التقرير من الحنابلة يدل على رجحان القول بأنه إذا انفسخ البيع فلا حوالة وإلا ما معنى أن نصحح الحوالة ثم نقول: يرجع كل ما كان على وضعه الأول بأن يحيل من أحيل عليه مرة أخرى.
إذاً صارت النتيجة واحدة سيقوم البائع بإحالة المشتري على من أحاله المشتري عليه.
إذاً النتيجة واحدة.
وهذا يدل كما قلت - إن شاء الله - على رجحان بطلان الحوالة فيما إذا لم يقبض الثمن.
وبهذا انتهى باب الحوالة وننتقل إن شاء الله إلى باب الصلح .
باب الصلح
- قال ﵀:
- باب الصلح.
الصلح في لغة العرب: اسم بمعنى المصالحة.
ويقصد بالمصالحة ضد المنازعة والمخاصمة.
وقيل أنه رفع المنازعة.
والاختلاف لفظي.
وأما في الاصطلاح: فإن الصلح: عقد يرفع المنازعة برضا الطرفين.
والصلح: مشروع بالكتاب والسنة.
- فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير.﴾ [النساء/١٢٨] والشاهد قوله تعالى: (والصلح خير).
- وأما من السنة: فقول النبي ﷺ : (الصلح جائز بين المسلمين).
- وأيضاً: أن النبي ﷺ طلب من غرماء جابر ﵁ أن يضعوا عنه من الدين صلحاً.
والصلح عند فقهاء المسلمين له أنواع:
- صلح بين الأزواج.
- وصلح بين الكفار والمسلمين.
- وصلح بين أهل العدل وأهل البغي.
وهذه الأنواع كلها لا تقصد بهذا الباب فلكل منها باب مستقل وسيأتي.
إنما الذي يقصد هنا: الصلح في الأموال: فهو باب معقود خاصة للصلح في الأموال.
والصلح: أي على أموال: إلى قسمين:
- صلح على إنكار.
- وصلح على إقرار.
وبدء المؤلف ﵀ بالقسم الأول: وهو الصلح على إقرار وأخر الكلام عن الصلح على إنكار.
- فقال ﵀:
- إذا أقر له بدين أو عين فأسقط، أو وهب البعض وترك الباقي: صح إن لم يكن شرطاه، وممن لا يصح تبرعه.
قوله ﵀: (إذا أقر له بدين) كما قلت لك بدء بالصلح على إقرار.
والصلح على إقرار: أيضاً هو ينقسم على قسمين:
- القسم الأول: الصلح على غير الجنس. يعني: على غير جنس الحق.
- والقسم الثاني: صلح على جنس الحق.
стр. 1646
نبدأ بالقسم الأول: لأنه أقل القسمين أحكاماً وهو واضح.
ـ القسم الأول هو: الصلح على غير جنس الحق.
وصورته/ أن يدعي زيد على عمرو سيارة فيقر له عمرو بها ويصالحه عنها ببيت.
فجنس الحق المدعى به الآن هو: السيارة.
وصالحه على غير جنسها وهو: البيت.
وهذا القسم صحيح بالاتفاق وهو بيع يلزم له ليصح جميع شروط البيع.
والدليل على هذا:
- أن صورة المسألة الحقيقية مبادلة عين بعين. أو معاوضة عين بعين وهذه حقيقة البيع.
ـ القسم الثاني: المصالحة على جنس العين المدعى به وهو الذي ذكره المؤلف:
- فيقول ﵀:
- إذا أقر له بدين أو عين فأسقط، أو وهب البعض وترك الباقي: صح إن لم يكن شرطاه، وممن لا يصح تبرعه.
(إذا أقر له بدين) يعني: إذا أقر له بدين معلوم. فأسقط حقه: صح. وسيأتينا دليل الصحة.
وحقيقة الإسقاط في الدين: إبراء. هو عقد إبراء.
فالصلح هنا: حقيقته الإبراء.
الثاني: (أو عين) يعني: إذا أقر له بعين وصالحه على بعضها.
كأن يقول: أقر لك بخمسين صاعاً من القمح ويصطلحا على أن للمقر ربعها.
فهذا أيضاً كما سياتينا صحيح.
وحقيقة هذا العقد: أنه عقد هبة.
ومعنى أنه عقد هبة: أنه تشترط فيه شرط الهبة التي ستأتينا في باب الهبة والعطايا.
إذاً حقيقة العقد الأول أنه: إبراء.
وحقيقة العقد الثاني أنه: هبة.
- ثم قال ﵀:
- فأسقط أو وهب البعض وترك الباقي: صح.
يعني: صح هذا العقد.
والدليل على صحة هذا العقد من النص ومن المعقول:
- أما من النص: فحديث جابر ﵁ فإنه ثبت في الصحيح: ان جابر ﵁ اشتكى إلى النبي ﷺ الدين الذي عليه وكان تمراً فطلب النبي ﷺ من غرمائه أن يضعوا عنه فأبوا. فقال النبي ﷺ لجابر: اجعل كل تمر عندك على حدة: أي كل نوع منه على حدة فجعل جابر ﵁ العجوة على حدة وعذق زيد على حدة فجلس النبي ﷺ في أعلى التمر ثم قال يا جابر: كل للقوم فصار جابر ﵀ يكيل للناس ويقضي الناس كلهم فلما قضى الناس جميعاً نظر فإذا التمر لم ينقص شيئاً. - اللهم صل وسلم على نبينا محمد.
стр. 1647
فهذا الحديث عظيم وفيه فوائد كثيرة:
- منها: أنه لا حرج على الرجل الشريف كبير القدر أن يدخل في صلح مالي. فهذا لا حرج فيه ولا غضاضة ولا يقال: لا ينبغي لمثله الدخول في العقود المالية فهذا جابر ﵁ دخل.
- ومنها: أنه لا حرج على الرجل الشريف أن يتولى بعض أمور أصحابه. فهذا النبي ﷺ أمره أن يقسم التمر وكيف يكيل للناس وجلس أثناء قضاء الناس حوائجهم.
- ومنها: - وهو أيضاً مفيد ومهم - أنه لا حرج على المطلوب إذا رفض ولو كان الطالب كبير القدر لأن الحقوق المالية أساسها يرجع إلى الرضا. فلا حرج على الإنسان أن يرفض إذا لم ير أن هذا مناسباً له. ولهذا ليس في الحديث مطلقاً أي إشارة إلى لوم هؤلاء الذين كانوا يطلبون جابر لما أبوا أن يجيبوا النبي ﷺ وهذا لا ينفي أن يكون أنه من المروءة وحسن الخلق إجابة الرجل الذي له قدر في الإسلام لكن لو لم يجب فلا حرج ولا لوم على من رد طلبه فهذا هو الدليل من النص.
- وأما الدليل من المعقول:
- فهو أن حقيقة هذا الصلح: إما أن يكون إبراء أو هبة وللإنسان أن يهب أو أن يبرئ ما شاء من ماله ما دام جائز التصرف.
- ثم قال ﵀:
- صح إن لم يكن شرطاه، ولا يصح ممن لا يصح تبرعه.
لما ذكر المؤلف ﵀ هذا الحكم ذكر شروط هذا الحكم وذكر شرطين:
- الشرط الأول: أن لا يكون هذا الصلح على سبيل الاشتراط. وتلاحظ أن عبارة المؤلف ﵀: (شرطاه) وأطلق. فهو يتناول المُقِرْ والمُقَرّ له.
- فالمُقَرّ له: شرطه أن يقول: وهبتك نصف ما لي على أن تقر لي به.
فإذا وقع العقد بهذا الشرط: فالصلح باطل. - لأن المقر له صالح عن ماله ببعضه ففيه هضم لحقه.
- النوع الثاني: أن يكون المشترط: المُقِر. كأن يقول: لا أقر لك حتى تعطيني نصفه. فهذا الصلح بهذا الشرط أيضاً باطل.
وهو أقبح من الأول: لأنه من أكل أموال الناي بالباطل. إذ يجب عليه أن يقر بلا عوض.
- الشرط الثاني: الذي ذكره المؤلف. هو: أن يكون الإقرار ممن يصح تبرعه.
стр. 1648
- لأن حقيقة هذا النوع: تبرع. والتبرع لا يكون إلا ممن يجوز تبرعه. فلا يجوز لولي اليتيم أن يصالح هذا الصلح ولا لولي الوقف ولا للمضارب المؤتمن ولا لكل من لا يجوز له أن يتبرع.
واستثنى الفقهاء من هذا الحكم: استثناء لطيف مفيد وهو: أن يدور الأمر بين أن يصالح ويكسب البعض أو أن لا يصالح ويخسر الكل.
فإذا دار الأمر بين أن يخسر الكل بلا صلحأو يكسب البعض مع الصلح جاز له أن يصالح لأن حقيقة هذا الصلح من حظ المصالح عنه. وهو مثلاً: اليتيم أو الوقف حسب صور من لا يجوز له أن يتبرع.
أما ما عدا هذه الصورة المستثناة فإنه لا يجوز له أن يصالح على هذا الوجه.
إذاً يقول المؤلف ﵀: (إذا لم يكن شرطاً .... إلى آخره: بقي الشرط الثالث لم يذكره المؤلف ﵀ وهو: (أن هذا الصلح: أن لا يكون بلفظ الصلح.
السبب: أن هذا فيه أيضاً هضم للمقر له لأنه صالح عن ماله ببعضه. فالتعليل هو نفس التعليل السابق.
إذاً: تعليل اشتراط هذا الشرط هو كتعليل اشتراط أن لا يشترط المقر له نصف ما عليه - السابق.
= والقول الثاني: أنه يصح بلفظ الصلح وبأي لفظ بشرط أن يكون المعنى المراد معلوماً. ومعنى المراد هنا: إما هبة أو إبراء.
فإذا عرف المقصود صح العقد بلفظ الصلح أو بأي لفظ كان.
لأنه تقدم معنا أن العبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمباني فاللفظ ليس هو الذي تنبني عليه الأحكام وإنما المعاني.
- ثم قال ﵀:
- وإن وضع بعض الحال وأجل باقيه: صح الإسقاط فقط.
وإن وضع بعض الحال وأجل باقيه: صح الإسقاط دون الوضع / فإذا كان زيد يطلب عمرو مائة ألف فوضع بعضه وأجل باقيه فقال: أبرأتك من خمسين وأجلت لك خمسين. صح الإسقاط دون التأجيل.
أما الإسقاط فهو يصح: لأنه إبراء. وللمكلف الرشيد البالغ العاقل أن يبرأ من شاء لأن هذا من التصرفات المالية التي يؤذن بها لمن جاز تصرفه.
وأما التأجيل فلأن قاعدة المذهب كما تقدم معنا في كتاب القرض أن الحال لا يؤجل. أي شيء حال فإنه لا يمكن أن يتأجل بالشرط والعقد.
فهذه المسألة مبنية تماماً على المسألة السابقة التي هي تأجيل القرض.
стр. 1649
وأخذنا الخلاف هناك في هذه المسألة وأن الأقرب إن شاء الله أن المؤجل إذا أشترط تأجيله صح ولزم.
إذاً: عرفنا الآن أن:
= القول الثاني: صحة الإسقاط والتأجيل.
- لما تقدم من الخلاف في تأجيل القرض.
- ثم قال ﵀:
- وإن صالح عن المؤجل ببعضه حالاً ... لم يصح.
هذه المسألة هي المسألة التي تسمى مسألة:""ضع وتعجل"".
وهي مسألة مهمة وحاجة الناس إليها كثيرة.
حكم المسألة/ اتفق الأئمة الأربعة وجماهير الفقهاء على أن:""ضع وتعجل"" لا تجوز.
واستدلوا على هذا بعدة أدلة:
- الدليل الأول: أن هذا مروي عن عمر وابنه ﵄. وهذا في الحقيقة محل الإشكال - كما سيأتينا.
- الدليل الثاني: أن حقيقة العقد معاوضة عن الأجل - عن التأجيل أو التعجيل. والتأجيل والتعجيل لا يباع ويشترى.
- الدليل الثالث: أن هذا الوضع مقابل الأجل وهو حقيقة الربا.
هذه أدلة الجماهير.
= القول الثاني: أن:""ضع وتأجل"" صحيح وجائز وليس من الربا في شيء.
وهو مذهب لبعض الفقهاء نصره بقوة شيخ الإسلام وابن القيم.
واستدلوا بأدلة:
- الدليل الأول: أن الجواز صح عن ابن عباس صريحاً فقد ثبت أنه أفتى بصحة مسألة:""ضع وتأجل"". وفتواه ﵀ أصرح من فتوى غيره من الصحابة.
- الثاني: أن المسألة تشتمل على إسقاط وتعجيل. والإسقاط مفرداً يصح والتعجيل مفرداً يصح فإذا اجتمعا صحا.
إذاً يقولون أن العقد يشتمل على إسقاط وتعجيل والإسقاط مفرداً تقدم معنا أنه صحيح والتعجيل أيضاً أكثر من أنه صحيح إذ الحنابلة لا يرون التعأجيل أصلاً فقالوا إذا جمعنا بينهما صحا لأنه مكون من أمرين جائزين.
وهذا الدليل ضعيف: لأنه اجتمع من الإسقاط والتعجيل صورة ثالثة ولأنه هذه الطريقة - طريقة التلفيق بين الأحكام ليست بصحيحة.
- الدليل الثالث: أن حقيقة هذا العقد عكس الربا ففي الربا تأجيل وزيادة وفي هذا العقد إسقاط وتعجيل. فأين التأجيل مع الزيادة من الإسقاط مع التعجيل. فهما عكس بعض فهو ليس من الربا لا صورة ولا حقيقة.
والأقرب والله أعلم الجواز: باعتبار أن الصحابة اختلفوا وباعتبار أن هذا الدليل الذي ذكره ابن القيم وهو أن حقيقة الصورة عكس الربا تماماً دليل وجيه عند التأمل.
стр. 1650
وكما قلت: مراراً: هذه المسألة لاشك ولا ريب أنها محل تورع واحتياط وأنه إذا لم يتورع من أراد أن يتورع في المعاملات المالية في مثل:""ضع وتعجل"" فأين سيتورع؟ كيف وعامة فقهاء المسلمين على هذا القول وروي عن أكثر من صحابي. ففي الحقيقة هي محل تورع وشبهة.
لكن من حيث الأدلة نستطيع أن نقول أن القول الثاني: أرجح.
- ثم قال ﵀:
- أو بالعكس.
يقصد بقوله: (أو بالعكس) المسألة السابقة: إذا صالحه عن الحال ببعضه مؤجلاً تماماً.
تقدم معنا هذه الصورة وأن الحنابلة يقولون: يصح الإسقاط دون التأجيل.
وأن الصواب صحة الإسقاط والتأجيل.
وهو في الحقيقة: محض تعاون من الدائن مع المدين: لأنه أرفقه في شيئين: - التأجيل. - والإسقاط.
فهو في الحقيقة: إرفاق منه لا يمنع.
- ثم قال ﵀:
- أو أقر له ببيت فصالحه على سكناه.
صورة المسألة / أن يقول: لا أقر لك بهذا البيت إلا إذا أبحتني الانتفاع به سنة.
فالصلح باطل.
فإن أسكنه البيت فهو تبرع محض له أن يخرجه متى شاء.
= والقول الثاني: أنه لا فرق بين هذه المسألة وبين الإبراء والهبة في المسألة الأولى. إذا أقر له بدين أو عين صححنا الإبراء والهبة كذلك هنا نصحح هذا الصلح ونشترط فيه ما اشترطنا في الصورة الأولى.: أن لا يكون بشرط من المقر ولا من المقر له وأن يكون من جائز التصرف.
فالأقرب صحة هذه المسألة ولا فرق بين أن يكون الصلح على عقار أو دار وبين أن يكون على عين تقسم أو على دين في الذمة لا فرق أبداً بين الصورتين ففي كل منهما إبراء أو هبة.
- ثم قال ﵀:
- أو يبني له فوقه غرفة.
يعني: يقول: لا أقر لك بالبيت إلا إذا بنيت لي فوقه غرفة.
ففي المسألة الأولى اشترط منفعة وفي المسألة الثانية اشترط ملك عين وهي الغرفة.
والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في المسألة السابقة اماماً من حيث قول الحنابلة والقول الثاني وأيضاً من حيث الراجح.
- ثم قال ﵀:
- أو صالح مكلفاً ليقر له بالعبودية.
يعني: رجل صالح رجلاً آخر على أن يقر له بالعبودية: فقال: أعطيك مائة ألف صلحاً وتقر بأنك عبداً لي.
فهذا الصلح باطل.
لأمرين:
следующие страницы →