Полный текст (2 909 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
والعامل عليه جل العمل.
وقد اتفق الأئمة الأربعة على أن العمل كله المحدد من نصيب العامل وأنه لا يجوز أن يشترط على رب الأرض أي عمل.
إذاً: اتفق الأئمة الأربعة على أن العمل يلزم به من؟ العامل وأنه لا يجوز أن نشترط على رب الأرض أي نوع من أنواع العمل.
والسبب في ذلك: أن اشتراط جزءاً من العمل على رب الأرض ينافي موضوع المساقاة فإن موضوع المساقاة أن تكون الأرض من رب الأرض وأن يكون العمل من العامل.
لكن المؤلف ﵀ يريد بعد أن قرر أن العمل على العامل يريد أن يضبط ما هي الأعمال التني تجب على العامل.
- يقول ﵀:
- كل ما فيه صلاح الثمرة وزيادتها.
كل ما فيه صلاح الثمرة وزيادة الثمرة فهو من مهام العامل.
وهذا ضابط مريح.
هناك ضابط آخر: يقرب أكثر. يقول: كل ما يتكرر كل سنة فهو من مهمام العامل وما يعمل مرة واحدة فهو من مهام رب الأرض.
وهذا يعطي انطباعاً وتصوراً أوضح عن أعمال العامل.
وهناك ضابط ثالث يقول: أنه كل ما دل العرف على أنه من أعمال العامل فهو من أعماله. وإلا فهو على رب الأرض.
وهذه الأقوال ليست أقوالاً متناقضة بل أقوال متقابة ويصدق بعضها بعضاً وتكمل المعنى.
فالذي يتكرر كل سنة هو نفسه الذي يعرف في العرف أو وجد العرف على أنه من أعمال العامل.
ومع ذلك أرلد المؤلف ﵀ أن يزيد الأمر وضوحاً بالتعداد:
- فقال ﵀:
- من حرث.
الحرث من مهام العامل بلا إشكال. وبالإجماع.
والبقر الذي يحرث به عند الحنابلة على العامل.
- لأن الحرث وآلته من مهام العامل.
وهذا يقتضي اليوم أن آلات الحرث على العامل.
لكن العرف اليوم أن السيارة الكبيرة التي تحرث الأرض تكون عادة موجودة في المزرعة.
فإن تقبل العامل أرض المساقاة وليس فيها آلة حرث: فعند الحنابلة: الملزم بآلة الحرث هو العامل لأن هذا من مهامة الأساسية.
- يقول ﵀:
- وسقي.
يعني: وعليه أن يسقي الشجر وهذا واضح.
- يقول ﵀:
- وزِبار.
الزبار هو: تقليم الأغصان الميتة بالنسبة للعنب والسعف الميت بالنسبة للشجر.
وهو بقاعدة عامة: أخذ ما يحسن أخذه من الشجر. سواء كانت عنباً أو كان نخلاً.
- قال ﵀:
- وتلقيح.
стр. 1752
التلقيح على العامل: عليه هو أن يلقح الشجر.
إذا كانت من الأنواع التي تلقح وإذا كانت من الأنواع التي لا تلقح فليس من عمل لا رب الأرض ولا العامل لكن تلاحظ أن اتجاه المؤلف ﵀ في الكلام عن النخيل. كأنه يغلب عليه الكلام عن النخيل لأن غالب المساقاة على النخيل ولأن النص إنما جاء في النخيل.
- قال ﵀:
- وتشميس. وإصلاح موضعه.
يعني: عليه أن يشمس ما يناسب تشميسه.
وعليه أن يصلح موضع التشميس بأن يمنع الآفات عنه والدواب وأن يجعله في مكان ظاهر للشمس ... إلى آخره.
- قال ﵀:
- وطرق الماء.
يعني وعليه إصلاح طرق الماء.
يجب على العامل إصلاح طرق الماء بأن يسهل وصول الماء إلى أماكنه من الشجر.
اليوم التمديدات التي تعمل في المزارع تكلف مبالغ طائلة في الحقيقة ولا أعرف العرف في هذا: هل إذا استأجر الإنسان مزرعة عليه هو أن ياتي بالتمديدات أو على رب الأرض أن تكون موجودة يعني لا أعرف العرف لكن يبدو لي أن مثل هذا الأمر لما كان باهض الثمن أصبح اليوم لابد من الاتفاق المسبق عليه.
وهذا يؤكد القول الثالث: وهو أن المسألة ترجع إلى أعراف الناس ونما يتعارفوه بينهم في الأعمال المنوطة بكل من العامل ورب الأرض.
- يقول ﵀:
- وحصاد.
عليه الحصاد.
عليه أن يحصد ما يناسب الحصاد وعليه أن ينقي أخواض الجر من النباتات الصغيرة التي تفسد على الشجرةو طلعها وثمرتها.
- قال ﵀:
- ونحوه.
يعني ونحو هذه الأعمال اتي جرى العرف بأنها من العامل.
من أبرز الأعمال التي تكون على العامل: - حفظ الثمرة بعد مزجها إلى أوان التقسيم فهذا من أعمال العامل. وإن أخل أو فرط أو تعدى فيضمن.
فلا تنتهي مهمة العامل بنضج الثمرة وصلاحيتها للأكل أو للبيع بل مهامه تستمر إلى أن يتم التقسيم.
* * مسألة/ لم يذكر المؤلف ﵀ الجذاذ وهو أمر مهم جداً.
= عند الحنابلة: أن الجذاذ ليس على العامل وليس على رب الأرض بل على كل منهما أن يجذ نصيبه.
فمعنى هذا: أن العلاقة انتهت إذا حان أوان الجذاذ. فيمكن رب الأرض ويقول هذا لك وهذا لي وانتهت مهمة العامل.
فعلى كل منهما أن يحذ نصيبه.
стр. 1753
= والقول الثاني: أنها من مهام العامل وأنه لا يترك العمل إلا بعد إيصال الثمرة إلى رب الأرض. مجنية من الشجرة.
من حيث الدليل والتعليل والنظرة الفقهية الراجح مذهب الحنابلة.
وجه ذلك: أن مهمام العامل تتعلق بتنمية الثمرة وإصلاحها إذا تم هذا الهدف انتهت مهمة العامل. والجذاذ ليس من إصلاح الشجرة ولا من القيام عليها ولا من تنمية الثمرة وإنما هو أخذ للثمرة فقط.
فمن حيث الدليل الأقرب مذهب الحنابلة وهو أنه ليس من أعمال العامل بل كل واحد منهما يأخذ نصيبه.
لكن بالنسبة للواقع فإني أرى أنه يجب - يكاد يقرب من الوجوب - الاتفاق المسبق على جني الثمر.
وجه ذلك: أن تحصيل التمر من الشجر اليوم أصبح يكلف مبالغ طائلة جداً وإذا كان يكلف هذه المبالغ فيجب أن يكون هناك اتفاق مسبق على هذا القضية حتى لا يكون هناك اختلاف فإن لم يكن اتفاق فكما قلت لكم أرى أن مذهب الحنابلة أرجح.
انتهى المؤلف ﵀ من بيان ما يلزم العامل ولاحظت أنه ختم الأعمال بقوله: (ونحوها) فإذاً هو لا يريد الحصر وإنما يريد التمثيل.
- قال ﵀:
- وعلى رب المال ما يصلحه: كسد حائط وإجراء الأنهار والدولاب ونحوه.
أيضاً أعمال رب الأرض لها ضابط ولو أنه ذكره ﵀ كما ذكر ضابط العامل لكان أحسن وأوضح.
الضابط بالنسبة لرب الأرض: أن عليه كل ما فيه حفظ الأصل. فأي عمل يتعلق بحفظ الأصل فهو من أعمال فما ذكره المؤلف ﵀ من سد الحائط فهذه من اعمال رب الأرض لأن هذا يتعلق بحفظ الأصل. - أصل الملك.
- قال ﵀:
- وإجراء الأنهار والدولاب.
يعني أن على رب الأرض كل آلة تأتي بالماء.
أو بعبارة أخرى: على رب الأرض تحصيل الماء.
ولذلك كمل قلنا أن الحرث يقتضي أن البقر على العامل هنا نقول أن الحيوانات التي تدير الدولاب من مهام رب الأرض.
قياساً عليه نقول: الآلات الحديثة لإخراج الماء - الدينمو والمواطير والمكائن التي تخرج الماء وما يتبعها من مواسير ونحوه هو من مهام رب الأرض وهذا لا إشكال فيه لا من حيث العرق ولا من حيث النظرة الفقهية لأن العامل لا مصلحة له بأن يؤسس في تامزرعة لإخراج الماء وهو سيمكث فيها سنة.
стр. 1754
إذاً كل ما من أنه تحصيل الماء فهو من مهام رب الأرض.
والقاعدة العامة هي التي ذكرت لك وهي: أن عليه كل ما فيه حفظ الأصل.
فصل
[في أحكام المزارعة]
- فقال ﵀:
- (فصل)
انتهى المؤلف ﵀ من المساقاة وانتقل لقرينتها وهي المزارعة.
والمزارعة هي دفع الأرض لمن يزرعها بجزء مشاع من الزرع.
فيقول رب الأرض للعامل: دونك هذه الأرض ازرعها قمحاً أو شعيراً أو غيره. وما يخرج من هذا الزرع فهو بيني وبينك مناصفة.
= ذهب الجماعير إلى مشروعية المزارعة.
واستدلوا على هذا:
- بأن النبي ﷺ عامل أهل خيبر - كما تقدم معنا - بشطر ما يخرج منها - من ثمر أو زرع.
فهو أيضاً ساقاهم وزارعهم ﷺ .
واستدلوا على هذا:
- بما أثر عن غير واحد من السلف أنهم قالوا: ما من بيت في المدينة المنورة إلى وزارع أهله.
واستدلوا على هذا أيضاً:
- بأن عمر ﵁ وعلي وابن مسعود وغيرهم تعاملوا بالمزارعة.
= والقول الثاني: ان المزارعة لا تشرع.
واستدلوا على هذا بدليلين:
- الدليل الأول: ما جاء في الصحيح: ان النبي ﷺ نهى عن المحاقلة. والمحاقلة هي المزارعة.
- والدليل الثاني: الحديث الذي تقدم معنا: من كان له أرض فليزرعها أو فليزرعها أخاه ولا يكريها أخاه بالثلث أو بالربع.
والراجح في هذه المسألة هو الراجح في المسألة السابقة وهو أن المعاملة مشروعة عمل بها النبي ﷺ وأصحابه.
وأما الأحاديث الناهية فتحمل على صورة خاصة منهي عنها وهي المزارعة على جزء معلوم من الأرض.
- قال ﵀:
- وتصح المزارعة: بجزء معلوم النسبة مما يخرج من الأرض لربها أو للعامل، والباقي للآخر.
قوله ﵀: (بجزء معلوم النسبة) يعني: مشاعاً. بجزء مشاع معلوم النسبة. وكأنه ﵀ اكتفى ببيان أن هذه الأجزاء تكون دائماً مشاعة وإلا لابد أن يعلم أن الجزء المعلوم النسبة لابد أن يكون مشاعاً.
فلو أخذ ربع الأرض المحدد لبطلت بالإجماع. لو أخذ الربع الشمالي أو الشرقي أو الربع الذي في الوسط وعينه وحدده لبطلت.
لكن يجب أن يأخذ جزءاً مشاعاً.
стр. 1755
لكن المؤلف ﵀ ترك كلمة مشاع لأنه بيينها في المعاملات السابقة.
قوله ﵀: (مما يخرج من الأرض لربها أو للعامل والباقي للآخر) يعني أنه إذا شرط لأحدهما فالباقي للآخر ولا نحتاج إلى تسميته.
ودليل ذلك:
- أن الحق لا يخرج عنهما فإذا حدد نصيب أحدهما فالباقي للآخر.
- قال ﵀:
- ولا يشترط: كون البذر والغراس من رب الأرض، وعليه عمل الناس.
= ذهب الحنابلة إلى أنه لا يشترط أن يكون البذر من رب الأرض بل يجوز أن يكون من العامل.
واستدلوا على هذا بدليلين:
- الدليل الأول: أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من الزرع ولم يذكر اشتراط أن يكون البذر منه ﷺ .
- الدليل الثاني: أنه جاء في النص ما يدل على أن البذر من اليهود - وهو قول الراوي: عن عمله ﷺ : بشطر ما يخرج منها يعتملوها بأموالهم.
فدل هذا على أنهم زرعوها بأموالهم.
- الدليل [الثاني]: ما صح عن عمر ﵁ أنه عامل الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر فله الشطر وإن جاءوا هم بالبذر فله كذا كذا.
فدل الحديث على جواز أن يكون البذر من رب الأرض أو من العامل لأن عمر ﵁ جوَّز الأمرين.
- الدليل [الثالث]: أن الحاجة تدعو إلى ذلك. إذ يكون العامل لديه البذر ورب الأرض ليس لديه بذر.
= القول الثاني: أنه يشترط لصحة المزارعة أن يكون البذر من رب الأرض.
واستدلوا على هذا:
- بأن المزارعة والمساقاة تشبه المضاربه ونحن نشترط في المضاربة أن يكون المال من رب المال. فكذلك في المزارعة تكون الأرض والبذر من رب الأرض وإنما يكون من العامل شيء واحد فقط وهو العمل.
والجواب على هذا الدليل: أن هناك فرقاً واضحاً بين المال في المضاربة والبذر في المزارعة لأن المال في المضاربة يعود إلى صاحبه وهو رب المال بينما البذر لا يعود إلى صاحبه. والراجح القول الأول ...
((الأذان))
- قوله ﵀:
- والغراس.
الغراس هو دفع شجر لمن يغرسه بجزء من الشجر لا من الثمر.
وهذا هو الفرق بين الغراس والمساقاة.
стр. 1756
الخلاف في الغراس كالخلاف في المزارعة تماماً من حيث اشتراط كون الغرس من رب الأرض أو العامل.
وتقدم أن الراجح أنه يجوز أن يكون البذر من أيهما فكذلك يجوز أن يكون الغراس من رب الأرض أو من العامل.
إذاً لا نحتاج إلى إعادة الخلاف في الغراس بعد أن عرفنا ماهو.
باب الإجارة .
- قال ﵀:
- باب الإجارة
الإجارة من أنفع العقود التي من الله بها على المسلمين وفيها توعة على الناس عظيمة جداً وهي من محاسن التشريع وكذلك المزراعة والمساقاة إلا أن الحاجة للإجارة أشد وأكثر.
الإجارة مشتقة من الأجر والأحر معناه في لغة العرب: العوض.
حقيقة الإجارة هي أنها بيع منافع كما أن حقيقة البيع هو أنه بيع أعيان.
فالفرق بينهما فقط في أن هذا بيع أعيان وهذا بيع منافع.
وأما تعريفها في الشرع في: بذل العوض في منفعة معلومة أو عمل معلوم.
وهذا التعريف من أخصر التعريفات وأكثرها دلالة على المراد وأكثرها وضوحاً.
والإجارة من العقود المشروعة بإجماع المسلمين لم يخالف فيه أحد. ودل عليه الكتاب والسنة.
- أما الكتاب فقوله تعالى: (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) فسمى هذا العوض أجر وذلك دال على عقد الإجارة.
- وأما من السنة فقوله ﷺ : عن ربه ﵎: (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة) قال: (ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطيه أجره).
وأما الإجماع فهو محكي من أكثر من واحد من أهل العلم.
إذاً عرفنا الآن حقيقة الإجارة في اللغة وفي الشرع والحقيقة الفقهية للإجارة لأن هذا سنحتاج إليه في مسائل كثيرة والأجلة الدالة على مشروعيته.
- يقول ﵀:
- تصح بثلاثة شروط. (أحدها) معرفة المنفعة.
معرفة المنفعة: من شروط الإجارة المتفق عليها.
ودليل اشتراط معرفة المنفعة أن المنفعة في عقد الإجارة هي المعقود عليه كما أن العين في عقد البيع هو المعقود عليه.
فيجب أن نعرف هذا المعقود عليه أي المنفعة كما يجب أن نعرف العين المعقود عليها.
وهذا الحكم كما قلت لكم بالإجماع. يعني: اشتراط معرفةو المنفعة.
- يقول ﵀:
- كسكنى دار وخدمة آدمي وتعليم علم.
تحصل المعرفة بأحد أمرين: - الأمر الأول: العرف.
ونكتفي بهذا سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ...
стр. 1757
الدرس: (٣٥) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
بالأمس أخذنا أول باب الإجارة وأخذنا التعريف والمشروعية وتوقفنا عند الشروط وتوقفنا عند الشرط الأول وهو: معرفة المنفعة. وأخذنا الدليل على اشتراط هذا الشرط لصحة الإجارة.
وتوقفنا على مسألة وهي: بماذا تحصل المعرفة؟
تحصل المعرفة بأحد طريقين:
- الطريق الأول: العرف.
وهذا الذي ذكره المؤلف ﵀ في الأمثلة فقوله: (كسكنى دار وخدمة آدمي وتعليم علم) فهذه المنافع تعرف بالعرف.
والمنفعة التي تعرف بالعرف نكتفي بمعرفتها بالعرف ولا نشترط الوصف.
- الطريق الثاني: الوصف. وهو الذي لم يذكر له المؤلف ﵀ مثالاً ومن المعلوم أنه نوع الأمثلة بحسب الطرق لكان أسلم.
مثاله: بناء الجدار. فإذا استأجر رجلاً ليبني له جداراً فهذه المنفعة يشترط فيها الوصف بأن يقول جدار: مكانه كذا وبناءه من المادة الفلانية وطوله كذا وعرضه كذا ويصفه بما يتبين معه المنفعة المطلوبة.
إذاً: تبين لنا الآن كيف نعرف المنفعة في الإجارة وأنها بأحد طريقين: - العرف. وهو الأكثر. - والوصف. وهو الأقل.
- قال ﵀:
- (الثاني) معرفة الأجرة.
الشرط الثاني: معرفة الأجرة.
والدليل على هذا الشرط من ثلاثة أوجه:
- الوجه الأول: الإجماع.
- والوجه الثاني: القياس على البيع.
- والوجه الثالث: (وهو الأول في الحقيقة) أنه روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن استئجار الأجير إلا بمعرفة أجرته.
وهذا الحديث اختلفوا في رفعه ووقفه وذهب الشيخ الحافظ أبو زرعة إلى أن الحديث موقوف على ابن مسعود ولم يصحح رفعه.
стр. 1758
(وأقترح عليكم مراجعة كلام الشيخ في علل ابن أبي حاتم يمكن يكون في خمسة أسطر فقط أو أقل ولكن مفيد حتى تعرف طريقة الإمام أبو زرعة وأبو حاتم في تعليل هذا الحديث وسيكون ذهنك مشدوداً أكثر لما تقرأ في حديث يتعلق بموضوعنا).
إذاً: ذهب أبو زرعة إلى أن الحديث موقوف على ابن مسعود. قلت ويظهر لي والله أعلم وبوضوح أنه موقوف ولكن يظهر لي أنه مما لا مجال للرأي فيه.
وإذا صح أنه لا مجال للرأي فيه أخذ حكم المرفوع.
وعلى كل حال هو دليل صحيح سواء حكمنا بوقفه مع الحكم عليه بالرفع أو حكمنا عليه بوقفه واعتبرناه فتوى من ابن مسعود والدليل إن شاء الله يصلح أن يتمسك به الإنسان.
* * مسألة/ معرفة الأجرة تحصل بما يحصل به معرفة الثمن في البيع. فالمباحث التي ذكرناها في الثمن في البيع تأتي معنا في الأجرة في عقد الإجارة. فما تحصل به المعرفة هناك تحصل به المعرفة هنا.
- ثم قال ﵀:
- وتصح في الأجير.
لما قرر المؤلف ﵀ أن معرفة الأجرة شرط من شروط صحة الإجارة بدأ في الاستثناء كما هي العادة.
لأن الفقهاء ﵏ يقررون الحكم ثم يذكرون المسائل المستثناة.
ـ المسألة الأولى: أن يستأجر الأجير بطعامه وكسوته. أي يجوز أن يستأجر الإنسان العامل بطعامه وكسوته أي وليس من الجهالة. يعني: في الأجرة.
استدل الحنابلة على هذا:
- بأن أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وابن مسعود استأجروا الأجير بطعامه وكسوته.
فدل على أن هذا مشروع وليس بقادح في شرط معرفة الأجرة.
ـ المسألة الثانية:
- يقول ﵀:
- والظئر.
الظئر: هي المرضع سواء كانت هي الأم أو سواها.
والدليل على صحة هذا الحكم:
- قوله تعالى: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) فجعل مقابل الإرضاع الرزق والكسوة بالمعروف.
فدل هذا الدليل على صحة استثناء الظئر.
- قال ﵀:
- بطعامهما وكسوتهما.
يشترط بالنسبة للظئر - يشترط لصحة الحكم: معرفة المدة.
وظاهر كلام المؤلف ﵀ أنه يجوز استئجار الأجير والظئر بالطعام والكسوة فقط.
فلا يجوز استئجار الدابة بعلفها.
ولا السيارة بالنزين والزيت.
ولا أي شيء آخر إلا مسألة الأجير والظئر.
стр. 1759
= والقول الثاني: أنه يجوز استئجار كل ما يشبه الأجير والظئر.
قيجوز أن يستأجر الدابة بعلفها.
- لأن دليل الجواز لم يقصر الحكم على هذين النوعين بدليل تعدية الصحابة الحكم من الظئر إلى الأجير.
فدل على أنهم رأوا علة الحكم وقاسوا عليه ما يشبهه.
فنقول: كل ما يشبه هذه المسألة صحيح والحاجة داعية إليه.
ونصر هذا القول ابن القيم ﵀ وبين قوة هذا القول وأنه لا فرق بين استئجار الدابة بالطعام وبين استئجار المرأة للإرضاع بالكسوة والطعام وأن المسألة واحدة.
- قال ﵀:
- وإن دخل حماماً أو سفينة أو أعطى ثوبه قصارا أو خياطاً بلا عقد: صح بأجرة العادة.
هذه المسائل المجموعة كلها لها حكم واحد: وهي: أنه يصح العقد ولو بلا لفظ وإنما بمجرد العمل.
هذا القاسم المشترك بين هذه المسائل الأربع.
واستدلوا على هذا الحكم: أي: على صحة الإجارة في هذه المسائل بمجرد العمل ولو بلا لفظ:
- بأن العرف قام مقام التصريح في تصحيح وثتبيت هذه العقود.
- يقول ﵀:
- وإن دخل حماماً.
الحمام هو المكان المخصص لاغتسال الناس. وهو موجود في البلدان قديماً في الشام ومصر والعراق وفي كل مكان والآن انحصر ولا يوجد أبداً فيما أعلم إلا في الشام - هكذا فهمت من بعض الناس أنه لا يوجد إلا في هذه المدينة فقط.
وكانت هذه الحمامات أماكن عامة يشترك فيها الناس والغرض منها الاغتسال بأجرة معلومة.
فإذا دخل الإنسان هذا الحمام وفوراً بدأ بالاغتسال وانتفع بما في الحمام من ماء حار وصابون وآلات بدون أن يعقد مع صاحب الحمام فالعقد صحيح ولو بلا لفظ.
- لأن العرف جار على تصحيح العقد بمجرد الاغتسال.
- ثم قال ﵀:
- أو سفينة.
يعني: إذا ركب الإنسان في السفينة لنقله من شاطيء إلى شاطيء بلا عقد مع رب السفينة فإن العقد صحيح بمجرد الركوب.
- لأنه وضع نفسه لنقل الناس فدل العرف على تصحيح عقده بمجرد الركوب.
ولا يخفى عليكم أنه تستوي بعض المواصلات الحديثة في هذا الحكم مع رب السفينة مثل لو ركب القطار فإنه لا يوجد عقد مطلقاً وإنما يدفع التذكرة مثل لو ركب مع أصحاب التكاسي بلا كلام فكذلك نفس الحكم.
стр. 1760
إذاً: كل ما جرى العرف على أنه يستأجر فالعمل والركوب معه صحيح.
- يقول ﵀:
- أو أعطى ثوبه قصارا أو خياطاً ..
إذا أعطى ثوبه قصاراً ليغسله أو خياطاص ليخيطه بلا عقد لفظي: صح.
- لأنهم وضعوا أنفسهم لهذا العمل. أي: ليغسلوا ثياب الناس وليخيطوا ثياب الناس.
واليوم العمل على هذا تجد الإنسان يدخل ويعطي ثيابه الغسال بلا عقد بينه (يعني: بلا عقد لفظي). اكتفاءً بدلالة العرف.
فهذا معنى قول المؤلف ﵀ بلا عقد. يعني: في المسائل السابقة: (صح بأجرة العادة).
فإذا اختلفوا في الأجرة فالعقد صحيح والمرجع في تحديدها إلى العرف.
- قال ﵀:
- (الثالث) الإباحة في العين.
يشترط في صحة الإجارة أن تكون العين مباحة النفع مطلقاً.
ومعنى: (مطلقاً) أي: لا في حال الضرورة ولا في حال الحاجة.
مثال للضرورة/ آنية الذهب. فآنية الذهب اتخاذها محرم ويجوز عند الضرورة.
مثال الحاجة/ الكلب. الكلب محرم اقتناؤه والانتفاع به. إلا في حال الحاجة. ففي حال الحاجة يجوز اقتناء الكلب للراعي أو للسقي أو للحراسة ولا يجوز في غير حال الحاجة.
وما أبيح في حال الضرورة أو في حال الحاجة فإنه لا يتعبر مباحاً إباحة مطلقة فلا يجوز بناء على ذلك أن يستأجر لأنه يشترط فيما يستأجر أن يكون مباحاً إباحة مطلقة.
وهذه الأعيان ليست مباحة إباحة مطلقة.
بعبارة أخرى: إذا قيل لك: ما حكم استئجار الكلب للحراسة؟
فالجواب: أنه استئجار الكلب للحراسة لا يجوز لأنه لا يجوز أن نستأجر إلا مباح النفع إباحة مطلقة والكلب يباح إباحة خاصة للحاجة.
إذاً عرفنا الآن مذهب الحنابلة ووجهة نظرهم في الأعيان التي يجوز أن تستأجر والتي لا يجوز.
الدليل على ذلك:
- قوله تعالى: (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) واستئجار الممنوع من التعاون على الإثم والعدوان.
= والقول الثاني: إباحة استئجار ما يباح نفعه في حال الحاجة أو الضرورة في حال الحاجة أو الضرورة. - في وقت إباحته. وهذا القول وجه عند الحنابلة ورجحه صراحة ابن حزم ﵀.
استدل هؤلاء:
стр. 1761
- أن هذه الأعيان في حال الحاجة تصبح منافعها مباحة. ونحن نقول: يشترط في العين أن تكون مباحة النفع وهذه مباحة النفع حين الاستئجار.
وهذا القول وجيه وقوي وراجح لأنه ينظر إلى العلة في المنع.
بناء على هذا: ما حكم استئجار الكلب للزينة؟
لا يجوز بالإجماع.
ما حكم استئجار الكلب للرعي؟
يحرم عند الحنابلة.
ويجوز على القول الثاني.
ما حكم استئجار الرجل للحرير للبس؟
لا يجوز.
وما حكمه إذا أراده لأن فيه حكة أو مرض؟
يجوز عند غير الحنابلة.
إذاً: تصورنا هذه المسألة وهي مسألة كثيرة الحاجة إليها فكثيرة هي الأعيان التي تباح في حال وتمنع في حال.
فالآن عرفنا هل يجوز أن نستأجر هذه الأعيان أو لا يجوز؟
-
قال ﵀:
- فلا تصح على نفع محرم: كالزنا والزمر والغناء وجعل داره كنيسة أو لبيع الخمر.
لا يجوز بالإجماع استئجار العين لعمل محرم.
لدليلين: - الأول: قوله تعالى: (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).
- والدليل الثاني: وهو دليل فقهي يحتاج إليه الإنسان في كثير من التعليلات - يعني: على منواله - التعليل يقول الفقهاء: ((أن المنفعة المحرمة المطلوب شرعاً إبطالها وإتلافها واستئجارها عكس هذا المطلوب. طبيعي أن حكم استئجار المحرمات ظاهر للعامي والعالم. لكن هذا التعليل يساعد في معرفة مسائل أخرى ويدرب الذهن على كيفية تعليلات الفقهاء للأحكام الفقهية التفصيلية.
نأتي للأمثلة التي ذكرها المؤلف ﵀.
- قال ﵀:
- كالزنا.
لا يجوز الاستئجار لمعصية الزنى بالإجماع. والمال المكتسب في هذا العمل سحت وهو من أكل المال بالباطل. وأمره أوضح من أن يبين.
- قال ﵀:
- والزمر.
الزمر. هو استخدام آلة المزمار. فلا يجوز استئجار من يستخدم أو استئجار نفس الآلة للاستخدام وهذا الاستئجار محرم وهو سحت ومن أكل المال بالباطل نسأل الله العافية والسلامة.
ولو أن المؤلف ﵀ قال بدل الزمر: (وآلة الطرب) لكان أجمل وأوسع لأن هذا الحكم لا يختص بالمزمار وإنما يتناول جميع آلات الطرب فكلها محرمة وتحريمها مغلظ.
- قال ﵀:
- والغناء.
المقصود بالغناء هنا أحد أمرين:
стр. 1762
- إما الغناء المصاحب لآلات اللهو والطرب. فهذا محرم عند جماهير السلف والخلف والخلاف فيه شاذ ولا عبرة به. وذلك لوضوح النصوص الصريحة وفتاوى الصحابة الواضحة ولاشك في أن الغناء محرم وأن الخلاف فيه شاذ.
- القسم الثاني من الغناء: الغناء الذي لا يصاحب آلات اللهو ويكون محرماً لما فيه من الألفاظ المحرمة.
- قال ﵀:
- وجعل داره كنيسة.
لا يجوز تأجير من أراد أن يتخذ الدار كنيسة في بلاد المسلمين. وهو محرم.
وتقدم معنا في كتاب الجهاد الإجماع على تحريم إنشاء الكنائس في بلاد المسلمين. - نحن نتحدث عن إنشاء الكنائس فهذا محرم بالإجماع.
بناء عليه: لا يجوز أن نؤجر الدار لشخص يريد أن يتخذها كنيسة وذلك للإجماع على التحريم ولأن في هذا تمكين لهم بالشرك لأن الكنائس تتخذ للشرك والتثليث.
- ثم قال ﵀:
- أو لبيع الخمر.
لا يجوز أن نستأجر آلة لبيع الخمر أو لنقل الخمر.
والأجرة محرمة. لأن في هذا أعظم إعانة على المنكر وهو شرب الخمر.
بناء على هذا: لا يجوز للإنسان إذا كان في غير بلاد المسلمين أن يتقبل العقود التي فيها نقل للخمور.
وروي عن بعض الأئمة أنه إذا كان ينقل الخمر للذمي فلا بأس.
وأنا أنزه هذا الإمام عن أن تروى عنه هذه الفتوى وأعتقد جازماً كما قال بعض الفقهاء المتأخرين أنها فتوى خطأ - يعني: منسوبة إليه خطأ. لأن نقل الخمر للمسلم والذمي هو كذلك من الإعانة على المعصية لأنا نرى أن المسلم والذمي كلاهما لا يجوز له أن يشرب الخمر.
على كل حال نقل الخمر محرم والأجرة عليه فاسدة.
- قال ﵀:
- وتصح: إجارة حائط لوضع أطراف خشبه عليه.
تصح إجارة الحائط لوضع أطراف الخشب عليه.
- لأن هذا النفع نفع معلوم.
ولكن يتشرط لصحة استئجار الحائط معرفة المدة.
وظن بعض الفقهاء أنه لا يشترط عند الحنابلة معرفة المدة في وضع الخشب على جدار الحائط والواقع أنها تشترط.
وصرح بهذا الحكم غير واحد من الحنابلة: أنه يشترط لصحة هذه الإجارة معرفة مدة استئجار الحائط لوضع الخشب فيه.
والمؤلف ﵀ مقصوده باستئجار الحائط لوضع الخشب فيه: أي: في الحالات التي لا يجب على الجار أن يبذل جداره لجاره.
стр. 1763
فإن وجب عليه فإنه يحرم عليه أخذ الأجرة.
- قال ﵀:
- ولا تؤجر المرأة نفسها: بغير إذن زوجها.
لا يجوز للمرأة أن تؤجر نفسها بغير إذن زوجها بل يشترط لصحة العقد إذن الزوج.
وتعليل ذلك:
- أن في تأجير المرأة نفسها للغير تفويت لحقوق الزوج وتفويت لمصالحه فلا يجوز إذن.
وعلم من تعليل الحنابلة وغيرهم من الفقهاء: أنها إذا أجرت نفسها على وجه لا تخل به بحقوق الزوج فإنه لا يشترط رضى الزوج.
فإذا أبرمت عقد إجارة لعمل شيء داخل المنزل لا يفوت حقوق وحظوظ الزوج فإنه لا يشترط رضا الزوج والمال ملكها لها أن تتصرف فيه كما شاءت.
تبين معنا الآن أن طلب الزوجة الوظيفة خارج البيت إما للتدريس وإما وظيفة في أي دائرة أخرى أنه يشترط فيه رضى الزوج لأنه لا يمكن ان تخرج للتدريس أو للعمل أو لأي عمل آخر طيلة الصباح إلا مع تفويت لبعض حقوق الزوج إما فيما يتعلق بالبيت أو فيما يتعلق بالأولاد أو فيما يتعلق بالزوج نفسه.
فإذاً يشترط للعمل الخارجي أن يرضى الزوج. أما العمل الداخلي فهو ينقسم إلى قسمين:
- إن كان يضر بحقوق الزوج فإنه لابد من رضاه.
- وإن كان لا يضر فإنه لا يشترط رضاه.
فصل
[في أحكام العين المؤجرة]
- قال ﵀:
- فصل.
- ويشترط في العين المؤجرة (١) معرفتها برؤية أو صفة: في غير الدار ونحوها.
عقد المؤلف ﵀ هذا الفصل لبيان شروط العين المؤجرة وهي خمسة.
وهذا نظير ما تقدم معنا في البيع. حيث تحدث أولاً عن الثمن ثم تحدث عن السلعة كذلك هنا تحدث عن الأجرة ثم سيتحدث عن العين المؤجرة.
الشرط الأول: معرفة العين المؤجرة. والمعرفة تحصل بأحد طريقين:
- إما الرؤية.
- أو الصفة.
فتشترط الرؤية في كل عين لا يمكن أن توصف وصفاً دقيقاً. ونكتفي بالوصف في كل عين يمكن أن توصف وصفاً دقيقاً.
ولذلك: عبارة المؤلف ﵀ معناها: - لاحظ معي - (معرفتها برؤية.) انتهى الكلام (أو صفة: في غير الدار ونحوها)
- ((معرفتها برؤية.) ثم تتوقف (أو صفة: في غير الدار ونحوها)) - يعني: أنه في الدار ونحوها لا نكتفي بالوصف وإنما نشترط مع لذك الرؤية لأنه لا يمكن أن توصف.
стр. 1764
إذاً: في غير الدار ونحوها يعود إلى الصفة أو الرؤية؟ يعود إلى الصفة.
إذا عرفنا - قبل أن نذكر القول الثاني - أن مذهب الحنابلة هو: أنه يشترط في العين المؤجرة أن تعرف برؤية أو بصفة وعرفنا متى نشترط الرؤية.
وأنه إذا أجرت بغير معرفة من خلال الرؤية أو الصفى فالعقد باطل. لأن معرفة العين المؤجرة: شرط.
= القول الثاني: أنه لا يشترط لا الرؤية ولا الصفة ثم إذا رأى المستأجر العين فهو بالخيار إن شاء أمضى العقد وإن شاء رده.
وهذا القول الثاني هو الراجح وتقدمت المسألة في شروط المبيع.
بقينا في مسألة/ دل كلام المؤلف ﵀ أن البيت ونحوه مما لا يعرف بالصفة. وهذا صحيح. إذا أراد الإنسان أن يستأجر بيتاً فإنه لايمكن أن يكتفي بالصفة مهما وصف البيت وصفاً دقيقاً.
وهذا الحكم أنه لا يكفي بالنسبة لمعرفة الإنسان للبيت الوصف. يدل عليه الشرع. ويدل عليه الواقع.
ولهذا تجد - أنت نفسك - أنه يوصف لك مكان للسكن وصفاً دقيقاً مبالغاً فيه ثم إذا حضر الإنسان للبيت وجد أن معرفته للبيت تختلف تماماً عن الوصف, وهذا مشاهد ومجرب.
فقول الحنابلة: أن البيت من الأعيان التي لا يكتفي فيها بالوصف: صحيح. ولابد من الرؤية هذا على القول الأول.
وعلى القول أنه لا يشترط لا الرؤية ولا الصفة والإنسان بالخيار له أن يجري العقد ثم إذا أجراه ورأى البيت فهو بالخيار.
-
قال ﵀:
- (٢) وأن يعقد على نفعها دون أجزائها.
يشترط في العين المؤجرة أن ينتفع بها بلا إتلاف.
أي: ينتفع بنفعها من غير إتلاف للأجزاء.
إذاً القاعدة أنه لا يصح أن نستأجر ما لا ينتفع به إلا بإتلافه.
الدليل:
- قالوا الدليل: أن عقد الإجارة يقع على المنفعة والانتفاع بالأجزاء انتفاع بالعين لا بالمنفعة.
وهذه المسألة وهي أنه يشترط أن يحصل العقد على نفع العين لا على أجزائها صحيح في الجملة.
وسيأتينا في أفراد المسائل الخلاف في بعضها من المسائل التي تندرج تحت هذه القاعدة.
- قال ﵀:
- فلا تصح: إجارة الطعام للأكل ولا الشمع ليشعله.
هاتان مسألتان:
ـ المسألة الأولى/ أن يستأجر الطعام ليأكله أو الشمع ليشعله.
= فعند الحنابلة: العقد باطل.
стр. 1765
- لأن العقد وقع على أجزاء العين لا على نفعها.
ولهذا تجد أن المؤلف ﵀ يقول في عبارته: (فلا) يعني: ان الحكم مترتب على القاعدة السابقة.
= القول الثاني: انه يجوز أن يستأجر الشمع ليشعله بأن يقول كل أوقية بدرهم.
ويعتبر العقد حينئذ عقد معاوضة غير لازم.
فلا هو بيع ولا هو إجارة.
فليس من باب الإجارات ولا من باب البيوع. بل بينهما: عقد معاوضة لكن غير لازم.
قال أصحاب هذا القول: وليس في الشرع ما يمنع من تصحيح هذا العقد. وليس من باب الإجارات.
وهذا القول مصرع في أكثر من موضع شيخ الاسلام بن تيمية ﵀.
ولعلك تلاحظ دائماً أن الشيخ ﵀ ينحى إلى نحو معرفة حقيقة العقد دون التعلق بالاسم. رحظ الآن هنا: يقول: هذا ليس من باب الإجارات ولا من باب البيع وإنما هو عقد بينهما.
وتقدم معنا نظير هذا في كتاب الأراضي التي غنهما المسلمون وأوقفها ولاة الأمر وهو أن الشيخ جعلها بين حكمين.
وهذا كثير عند شيخ الإسلام يحاول أن يعرف حقيقة العقد ويعطيه الحكم المناسب.
هذا القول الثاني هو الصحيح إن شاء الله.
لكن أيضاً أقول - لعلك لاحظت شيء - وهو: أن هذا العقد اعتبره الشيخ ليس من باب [الإجارة] إذاً صحيح أن الإجارة لا يعقد فيها على الأجزاء.
يعني: حتى على القول الثاني ونحن نرجح القول الثاني ونرى أن كلام شيخ الإسلام قوي إلا أنا نقول في نفس الوقت أنه دليل أن كلام الحنابلة صحيح لأنه حتى شيخ الإسلام ﵀ أخرجه عن عقد الإجارة.
ويجب أن تلاحظ هذ.
إذاً: قاعدة الحنابلة ما زالت صحيحة لأن الشيخ لم يصحح ويبقيه داخل الإجارة وإنما صححه وأخرجه عن باب الإجارة. إذاً: قاعدة الحنابلة ما زالت صحيحة.
- قال ﵀:
- ولا حيوان ليأخذ لبنه.
ولا يجوز استئجار الحيوان لأخذ اللبن.
- لأن العقد حينئذ يكون على أجزاء من العين المعقود عليها وهو اللبن.
فاللبن ليس من منافع الحيوان وإنما من أجزاء الحيوان.
إذاً هو مبني على القاعدة السابقة.
= والقول الثاني: أنه يجوز أن نستأحر الحيوان لنأخذ منه اللبن.
واستدل أصحاب هذا القول بدليلين:
стр. 1766
- الدليل الأول: القياس على الظئر. تقدم معنا أن الحنابلة يصححون استئجار المرأة لإرضاع الصبي بطعامها وكسوتها.
- الدليل الثاني: أن الأعيان التي تستخلف شيئاً فشيئاً استئجارها ألصق بالإجارة منه في البيوع وتجويزها أقيس.
وجه ذلك: أنه في الإجارة الإنسان تأتيه المنافع تبعاً - تستخلف المنافع تبعاً. ينتفع اليوم ثم غداً .... إلى آخره.
فهو لا يحصل على المنافع في يوم واحد وإنما تأتيه المنافع تباعاً بخلاف البيع. فأنت إذا اشتريت شيء تحصل على المبيع جملة واحدة.
إذاً: هذا العقد ألصق بالإجارات منه في البيوع.
وبناء على هذا: قرر شيخ الإسلام قاعدة وأن كل شيء تأتي منافعه تباعاً شيئاً فشيئاً فهو جائز وهو أقرب إلى الإجارة منه إلى البيوع.
- قال ﵀:
- إلاّ في الظئر.
يعني: فيجوز لأنه تقدم معنا جواز استئجار الظئر.
- قال ﵀:
- ونقع البئر وماء الأرض: يدخلان تبعاً.
يعني: للأرض.
فيجوز للإنسان إذا استأجر أرضاً وفيها بئر أو ماء فيجوز للإنسان أن يستأجره بما فيه من منافع.
- لأن القاعدة تقول: يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً.
فهم من كلام المؤلف ﵀ أنه لا يجوز للإنسان أن يستأجر البئر على سبيل الاستقلال.
لماذا؟ لأنه ينتفع بأجزاء المستأجر لا بنفعه - على قاعدة الحنابلة.
= والقول الثاني: جواز استئجار البئر.
- لأن البئر كذلك منافعه تأتي تباعاً وتستخلف. فاليوم يخرج الماء ثم غداً ثم بعد غد .. إلى آخره. فمنافعه تستخلف.
* * مسألة/ ما حكم أن يستأحر الإنسان جالون ماء لينتفع بالماء الذي فيه؟
لا يجوز. لأن المنفعة في هذه الصورة لا تستخلف.
إذاً: عرفنا الآن ماذا يقصد شيخ الإسلام وكيف نطبق الحكم على المسائل المختلفة.
- قال ﵀:
- (٣) والقدرة على التسليم.
يشترط لصحة استئجار العين: القدرة على تسليم العين.
وهذا الشرط محل إجماع.
وهو مقيس على المسألة التي تقدمت في البيوع وهو القدرة على تسليم المبيع.
وأي فائدة في استئجار عين لا يمكن أن تسلم.
- قال ﵀:
- فلا تصح إجارة الآبق والشارد.
ولا المغصوب ونحو هذه المسائل:
- لأنه لا يمكن أن يسلم.
стр. 1767
وتقدم معنا في البيوع أنه تستثنى مسألة/ وهي: إجارة هذه الأعيان للقادر على تحصيلها.
فكما استثنينا في البيوع كذلك في الإجارة.
فإذا أجر عبده الشارد لمن يستطيع أن يحضره. فلا بأس.
ومن أجر داره المغصوبة لمن يستطيع أن يستخلصها فلا بأس.
- قال ﵀:
- (٤) واشتمال العين على المنفعة.
يشترط أن يكون في العين اشتمال العين على المنفعة.
فإن استأجر عيناً لا منفعى فيها فالعقد باطل.
الدليل: - قالوا: الدليل على ذلك. أن العقد وقع على المنفعة. ولا يمكن تحصيل المنفعة مما لا نفع فيه.
وهذا أيضاً تعليل جميل. وإن كان واضحاً لا يحتاج إلى دليل لكنه من حيث الصنعة الفقهية تعليل جميل.
إذاً: نقول إنه لا يجوز تأجير ما لا نفع فيه. لأنه لا يمكن تحصيل النفع مما لا نفع فيه.
ثم ضرب المؤلف ﵀ أمثلة:
- فقال ﵀:
- فلا تصح: إجارة بهيمة زمنة للحمل.
عرفنا من المثال: أن قول المؤلف ﵀: واشتمال العين على المنفعة. عرفنا من المثال: أن المقصود على المنفعة المعقود عليها لا على أي منفعة وإنما على المنفعة المعقود عليها.
وهو أراد بيان ذلك من خلال المثال.
فهل يجوز أن يستأجر الإنسان - يقول المؤلف (البهيمة الزمنة) والغرض منه أن تحمل المتاع؟
لا. لأن المنفعة المعقود عليها غير موجودة لأنها لا تستطيع أن تحمل.
لكن هل يجوز أن يستأجر البهيمة الزمنة لأخذ اللبن منها؟
يجوز. لأن المنفعة المعقود عليها موجودة.
- يقول ﵀:
- ولا أرض لا تنبت للزرع.
يعني: ولا يجوز أن تستأجر أرضاً لا تنبت لتزرع فيها.
- لأن هذه العين المستأجرة لا نفع فيها. أي: النفع المعقود عليه.
فإذا أراد أن يستأجر الأرض التي لا تنبت للبناء: صحت الإجارة.
- قال ﵀:
- وأن تكون المنفعة للمؤجر أو مأذوناً له فيها.
يشترط أن تكون المنفعة المعقود عليها للمؤجر أو مأذون له فيها.
تعليل ذلك: - أنه لا يجوز للإنسان أن يتصرف إلا في ملكه أو فيما وكل فيه.
وتقدم معنا خلاف في نظير هذه المسألة وهو: تصرف الفضولي.
فنقول هنا كذلك: إذا تصرف نصرفاً فضولياً وأجر منزل غيره فإن أجاز المالك صحت الإجارة وإلا فلا.
- قال ﵀:
стр. 1768
- وتجوز إجارة العين: لمن يقوم مقامه لا بأكثر منه ضرراً.
تجوز إجارة العين المستأجرة ..
((الأذان)) ..
стр. 1769
إذاً: الحنابلة يرون أنه يجوز للإنسان أن يؤجر ما استأجر. بشرط: أن لا يكون المستأجر الثاني أكثر ضرراً من الأول.
وفهم من كلام المؤلف ﵀ أنه يجوز للمستأجر أن يؤجر بمثل أو بأكثر من الثمن الذي استأجر به.
وهو كذلك. وهو مذهب الحنابلة: أنه يجوز أن يستأجر بمثل أو بأكثر.
الدليل:
استدل الحنابلة:
- بأنه ملك المنفعة ومن ملك المنفعة جاز له أن يتصرف فيها.
= القول الثاني: أنه لا يجوز للإنسان أن يؤجر ما استأجر. فإن فعل فإن العقد باطل.
واستدلوا على هذا:
- بأن النبي ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن.
والجواب على هذا الاستدلال: أنه لم يرح فيما لم يضمن بل ربح فيما ضمن لأن منفعة البيت دخلت في ضمانه ولو أنه لم ينتفع بالبيت مثلاً إلى انتهاء وقت الإجار لضاعت عليه هذه المنفعة.
فهي أيضاً من ضمانه.
* * مسألة/ يجوز للمستأجر أن يؤجر قبل القبض وبعد القبض.
وجه ذلك: أن المنافع المستأجرة تدخل في ضمان المستأجر مباشرة ولو قبل القبض بخلاف البيع فإن السلعة لا تدخل في ضمان المشتري إلا بعد القبض. فاختلفت الإجارة عن البيع في هذه المسألة.
فتحصل معنا أنه الراجح جواز تأجير المستأجر بأكثر أو بمثل الثمن قبل أو بعد القبض.
فالأمر واسع عند الحنابلة في هذه المسألة ومذهبهم هو الصحيح إن شاء الله.
- قال ﵀:
- وتصح إجارة الوقف.
تصح إجارة الوقف من الموقوف عليه.
- لأنه ملك المنفعة. ومن ملك المنفعة جاز له أن يتصرف فيها.
ثم انتقل المؤلف ﵀ إلى مسألة أخرى:
- فقال ﵀
- فإن مات المؤجر فانتقل إلى من بعده: لم تنفسخ.
يعني: إذا مات الموقوف عليه وانتقل الوقف إلى من بعده لم تنفسخ.
وظاهر كلام المؤلف ﵀ أنها لم تنفسخ مطلقاً.
والمذهب بخلاف هذا الإطلاق.
المذهب فيه تفصيل وهو كالتالي:
стр. 1770
ـ إن كان المؤجر هو الناظر سواء كان الناظر أجنبياً أو هو الموقوف عليه لكنه هو الناظر فإنه إذا أجر ومات لم تنفسخ الإجارة لأنه تصرفه هنا بموجب الولاية ومن تصرف بموجب الولاية فإن من بعده لا ينقض تصرفه.
ـ وإن كان المؤجر هو الموقوف عليه - المستحق - فإنه إذا مات انفسخت الإجارة. لماذا؟ قالوا: لأنه تبين أنه أجر ملكه وملك غيره.
فإن الوقت بعد الموقوف عليه الأول ملك للموقوف عليه الثاني.
= والقول الثاني: أنها لا تنفسخ مطلقاً يعني كما ذكر المؤلف ﵀.
والذي يظهر لي أن الراجح هو القول الثاني وهو أنها لا تنفسخ مطلقاً. والسبب: أنه سيأتينا أن عقد الإجارة لا ينتقض بموت أحجد العاقدين. ولم أر خلافاً - أو فارقاً بين هذه المسألة بعد التأمل والمسألة التي ستأتينا في موت أحد العاقدين.
стр. 1771
الدرس: (٣٦) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا بالأمس حكم ما إذا مات الموقوف عليه الذي أجر وأن ظاهر كلام المؤلف ﵀ أنها لا تنفسخ.
وذكرنا ما يتعلق بهذه المسألة.
- ثم يقول ﵀:
- وللثاني حصته من الأجرة.
يعني: أن من انتقل الوقف إليه له حصته من الأجرة. وهي التي تبدأ من الوقف ..... فحينئذ يرجع على الورثة.
- ثم قال ﵀:
- وإن أجر الدار ونحوها مدة معلومة ولو طويلة يغلب على الظن بقاء العين فيها: صح وإن استأجرها لعمل ... إلى آخره.
المؤلف ﵀ بدأ ببيان أن العين المؤجرة لا تخرج إما أن تؤجر على مدة أو أن تؤجر على عمل.
فاستئجار البيت على مدة. واستئجار العامل على عمل.
واستئجار العامل لعمل كذلك: إما أن يحدد بمدة أو أن يحدد بالمعمول فيه كأن يقول: احرث هذه الأرض من صلاة الفجر إلى صلاة الظهر. حددت بالمدة.
النوع الثاني: أن يقول: احرث هذه الأرض من هنا إلى هنا. ولم يحدد له وقتاً. فحينئذ صارت الأجرة على المعمول فيه.
стр. 1772
نبدأ بالمدة كما بدأ المؤلف ﵀ بالمدة.
- قال ﵀:
- وإن أجر الدار ونحوها مدة معلومة ولو طويلة يغلب على الظن بقاء العين فيها: صح.
أفادنا المؤلف ﵀ بهذه العبارة أن الحنابلة يرون جواز التأجير لمدة طويلة. ولو طالت جداً بشرطين:
- أن تكون المدة معلومة.
- وأن يغلب على الظن بقاء العين في هذه المدة.
إذا تحقق الشرطان فإن الحنابلة لا يرون بأساً من طول مدة الإجارة مهما طالت.
واستدلوا على هذا: - بأن الإجارة لمدة طويلة لا تخرج عن مفهوم الإجارة فهي نفع معلوم في مدة معلومة فتندرج ضمن النصوص الدالة على مشروعية الإجارة.
= والقول الثاني: أنه لا تجوز الإجارة لمدة طويلة.
ثم اختلف أصحاب هذا القول في تحديد المدة التي يجوز أن تؤجر الدار ونحوها إليها. واضطربوا اضطراباً لا ضابط له وأشبه ما تكون أقوالهم بالتحكم بلا دليل.
ـ فمنهم من يقول: سنة.
ـ ومنهم من يقول: ثلاث سنوات.
وهذا تحكم بلا دليل واضطراب ضابط القول علامة على ضعفه.
بناء على هذا: نقول الراجح إن شاء الله: مذهب الحنابلة.
واليوم أصبحت التأجير لمدة طويلة من أبرز عناصر التجارة لأنه لا يستطيع أن ينتفع من المستأجر إلا إذا كانت المدة طويلة.
- وقول المؤلف ﵀:
- وإن استأجر داراً أونحوها.
لا يريد المؤلف ﵀ تخصيص الحكم الدار بل له أن يستأجر آدمياً لمدة طويلة. كأن يستأجر خادماً لمدة عشرين سنة. فلا حرج.
وإنما نص على الدار لأن الغالب في استئجار المدد الطويلة أن تكون في الدور فلذلك نص عليها وإلا لو استأجر الإنسان سيارة أو آدمي أو دابة وتحقق الشرطان فلا بأس.
فإن استأجر حماراً لمدة مائة سنة: جاز أو منع؟ منع. لأنه لا يغلب على الظن بقاء هذا الشيء إليه.
وإ استأجر سيارة لمدة قرن؟ لا يجوز. وهكذا.
كذلك إذا لم يحدد: قال استأجرت منك هذه الدار مدة طويلة:
= فعند الحنابلة وغير الحنابلة العقد باطل.
في الحقيقة أجاد الحنابلة في أحكام الإجارة من وجهة نظري عندهم في نفس الوقت انضباط وتوسيع.
انهينا من المدة وانتقل المؤلف ﵀ إلى الاستئجار على العمل.
- فيقول ﵀:
стр. 1773
- وإن استأجرها لعمل كدابة لركوب إلى موضع معين، أو بقر لحرث أو دياس زرع، أو من يدلّه على طريق: اشترط معرفة ذلك وضبطه بما لا يختلف.
العبارة تكون أوضح إذا قلت: (وإن استأجرها لعمل اشترط معرفة ذلك وضبطه بما لا يختلف). فحينئذ ذكر الحكم والضابط.
إذاً: إذا استأجر العين لعمل معين اشترط: أن يضبط هذا العمل. وأن يعرف معرفة دقيقة.
والدليل على هذا:
- أنه تقدم معنا أن عقد الإجارة من عقود المعاوضات. وعقود المعاوضات يجب أن يكون طرفي العوض معلوماً محدداً. وهنا الطرف المال والطرف الآخر العمل. فيجب أن يكون العمل واضحاً محدداً منضبطاً بصفات لا تختلف من المستأجر إلى المؤجر أو من المؤجر إلى المستأجر.
إذاً: يجب أن يضبط هذا العمل ضبطاً دقيقاً.
ثم ذكر المؤلف ﵀ بعد القاعدة الأمثلة:
- فيقول ﵀:
- كدابة لركوب إلى موضع معين.
إذا استأجر دابة يجب أن يبين هل استأجر الدابة ليركب هو أو ليحمل عليها متاعاً آخر.
ويجب أن يبين إلى أين سيذهب بها.
وإذا بين إلى أي مكان سيذهب بها فيجب أن يبين وعورة الطريق من عدمها إذا كان المؤجر لا يعرف الطريق.
والخلاصة: يجب أن يبين كل كا يتعلق بهذا النقل.
- قال ﵀:
- أو بقر لحرث.
إذا استأجر البقر للحرث فبديهي أنه من أول الأشياء التي يجب أن تعلم: المساحة. كم سيحرث من الأرض؟
ثم إذا عرف يجب أن يعرف قساوة الأرض أو كون الأرض سهلة. بعد المكان من مكان الاستئجار وقربه وسهولة القيام بمنافع الدابة عند الحري وعدمه.
المهم يجب أن يبين كل ما يتعلق بهذا الأمر.
- قال ﵀:
- أو دياس زرع.
إذا أراد أن يستأجر لدياس زرع يبين أول مايبين: الكمية.
إذاً رقم واحد في البيان أن يبين كمية الزرع لأنه عليه المعول.
ثم يبين المكان الذي فيه دياسه وسهولته ووعورته وكون الزرع حديث الحصاد أو قديم الحصاد. ويبين كل ماله أثر في العمل.
- ثم قال ﵀:
- أو من يدله على الطريق.
إذا استأجر من يدله على الطريق: إما أن يدله بالوصف.
стр. 1774
أو أن يدله بالذهاب معه. فإن دله بالوصف فمعلوم أن الشيء المعقود عليه هنا أن يصف له وصفاًَ دقيقاً يتمكن معه المستأجر من الوصول إلى المكان المراد وتنتهي المهمة.
أما إذا كان سيذهب معه فحينئذ لابد أن يبين كل ما يتعلق بتفاصيل الطريق من حيث البعد والقرب والوعورة وسهولة الوصول للمكان المراد وعدم سهولته .. إلى آخره.
إذاًَ ذكر المؤلف ﵀ أربع أمثلة لعله اختارها لكثرة وقوعها في زمنه.
ولكن هي مجرد أمثلة والضابط هو: أن يعرف الإنسان العمل بدقة.
- قال ﵀:
- ولا تصح: على عمل يختص فاعله أن يكون من أهل القربة.
انتقل المؤلف ﵀ إلى مسألة مهمة: يقول:
(ولا تصح: على عمل يختص فاعله أن يكون من أهل القربة).
معنى: (يختص فاعله أن يكون من أهل القربة).
أي: لا يمكن أن يقوم به إلا مسلم. فالمسلم هو أهل القربة. والقربة في اصطلاح العلماء هي: كل فعل يتقرب العبد به إلى الله.
ومقصوده بقوله: (يختص فاعله أن يكون من أهل القربة) يعني: أن يكون عبادة. وهي مسألة كبيرة ومهمة والنصوص فيها بالنسبة للمجتهد فيها تعارض في الظاهر.
قبل أن نبدأ بالمسألة تحرير محل النزاع:
اتفق الفقهاء على أن العبادات التي لا تتعدى منافعها إلى الآخرين لا يجوز فيها أخذ العوض: كالصلاة والصيام ونحوهما.
واختلفوا في العبادات التي تتعدى منافعها إلى الآخرين: مثل: الأذان - الإمامة - تعليم القرآن - الحج. وكل مافيه تعدي منافع للآخرين.
اختلفوا فيه اختلافاً طويلاً ومتشتت جداً. نحاول تبسيطه وتلخيصه كالتالي:
= ذهب الحنابلة - وهو المذهب كما ترى - والأحناف إلى التحريم المطلق وأنه لا يجوز للإنسان أن يأخذ أجراً على العبادة مطلقاً. أي نوع من أنواع العبادات.
واستدلوا على هذا بعدة أدلة:
- الدليل الأول: ما صح عن النبي ﷺ من حديث عثمان بن أبي العاص أنه قال ﷺ : (واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجرا).
والحديث نص على المراد. غهو يمنع من اتخاذ المؤذن الذي يأخذ أجراً والحديث مطلق لم يبين هل باشتراط من المؤذن أو بلا اشتراط من المؤذن.
وأجاب أصحاب القول الثاني: بحمل الحديث على الاستحباب.
стр. 1775
وممن حمل الحديث على الاستحباب من المتأخرين: الشيخ الصنعاني.
والواقع أن حمله على الاستحباب لا يساعد عليه اللفظ مطلقاً.
- الدليل الثاني: أنه صح عن ابن عمر وابن مسعود النهي عن اتخاذ مؤذن يتخذ أجراً.
وهذا الأثر فيما يتعلق بالأذان ضعيف. الأثر عن ابن مسعود وابن عمر فيما يتعلق بالأذان. لكن صح عن الصحابة أحاديث ستأتينا في النهي عن تعليم القرآن.
المهم أن أثر ابن مسعود وابن عمر ضعيفان.
- الدليل الثالث: قول النبي ﷺ : (من أخذ قوساً على تعليم القرآن فقد تقلد قوساً من النار). وهذا الحديث له ألفاظ عن ثلاثة من الصحابة. له ألفاظ مختلفة تدور حول هذا المعنى وأيضاً له أكثر من مخرج فجاء عن أكثر من صحابي.
هذه الأحاديث في الحقيقة لا تخلو أسانيدها من ضعف.
لكن بالإمكان - يعني - تحسينها بالمجموع - بمجموع الطرق لا سيما على طريقة المتأخرين: يصححون مجموع طرق هذه الأحاديث. هذه هي أدلة الحنابلة التي استدلوا بها على العموم - يعني: على عموم المنع.
= القول الثاني: بإزائه - وهو: الجواز مطلقاً.
واستدلوا أيضاً بأدلة كثيرة:
- الدليل الأول: قصة الرجل الذي زوجه النبي ﷺ بما معه من القرآن. فقال له في قصة طويلة الشاهد منها - أن النبي ﷺ لما ذهب الرجل أرسل في طلبه ثم قال: (زوجتكها بما معك من القرآن).
وفي صحيح مسلم: - وهذا لفظ مهم - (زوجتكها بما معك من القرآن تعلمها إياه).
هذا الحديث كما ترى في الصحيح ودلالته واضحة.
- الدليل الثاني: قصة النفر الذين نزلوا على بعض الأعراب فلم يضيفوهم ولدغ سيد الحي فقالوا هل معكم من راق فقال أحدهم: نعم أنا. ولكن لا أرثي سيدكم إلا بحعل فرقاه وأوفى القوم له وأعطوه من الغنم ما اشترط ثم لما رجع إلى النبي ﷺ أقرهم وقال: اضربوا لي معكم بسهم ﷺ : فأقرهم وأكل معهم.
وفي لفظ في البخاري لهذا الحديث أن النبي ﷺ ختم الفتوى بقوله: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله).
стр. 1776
وفي لفظ للحديث في الصحيح: أن الصحابة لما أخذوا القطيع قالوا لمن أخذه لا نأكل حتى نسأل أخذته مقابل القراءة. فالمعنى موجود عند الصحابة. فلما رجعوا إلى النبي ﷺ أفتاهم بالجواز.
وكل هذا الملابسات تساعد في تحديد القول الراجح.
إذاً: عرفنا بهذه الروايات والألفاظ صراحة هذا الحديث في الدلالة على الجواز.
- الدليل الثالث: قالوا: إن هذه منفعة معلومة محددة فجاز أخذ العوض عليها.
وأجاب عليهم الحنابلة: بأن هذا قياس في مقابل النص ولا عبرة بالقياس إذا صادم النص.
= القول الثالث: أنه لا يجوز مطلقاً إلا عند الحاجة أو الضرورة.
- لأنه إذا أخذ لحاجته وضرورته فقد أخذ ليتقوى على عبادة الله ولا ينافي ذلك أن تكون العبادة لله. لأنه أخذ لحاجته لا لأنه أدى هذا العمل.
وإلى هذا ذهب بعض الحنابلة وبعض الشافعية واختاره شيخ الإسلام بن تيمية ﵀.
كما قلت لكم المسألة فيها إشكال وفيها نوع من التعارض في الأدلة ولذلك صرت إلى قول فيه احتياط وهو الأخذ بالأدلة جميعاً:
فنقول: لا يجوز أخذ الأجرة إلا على تعليم القرآن ونحوه. لصراحة النصوص بالجواز.
ولا يجوز أخذ الأجرة على الأذان والإمامة ونحوها لدلالة السنة الصريحة على المنع.
وهذا القول الذي رجحته هو نفس اختيار بن حزم ﵀ إلا في نقطة واحدة وهو أن ابن حزم يرى جواز أخذ الأجرة عن الحج. وأنا أرى أن الحج يلحق بالأذان والإقامة. لأنه ليس فيه معنى التعليم.
وكلام الأئمة في المنع من أخذ الأجرة في الحج واضح جداً.
وهو يندرج في النصوص المانعة فيما أرى.
فيما عدا الحج تستطيع أن تقول هذا اختيار ابن حزم.
وأرى أن هذا القول يأخذ بكل الأدلة وأن جنس التعليم كجنس القراءة فيه عمل وليس عبادة محضة فجاز له أن يأخذ مقابل هذا العمل وإن تلبس بشيء من العبادة.
وأرى إن شاء الله أن هذا القول هو القول المتوافق مع النصوص وهو القول الراجح وأنا أعجبت باختيار ابن حزم وأعتبره تتبع النصوص وأخذ بها إلا أنه فقط أجاز في الحج ولم يوفق من وجهى نظري فيما يتعلق في الحج لأنه عبادة محضة.
- قال ﵀:
стр. 1777
- وعلى المؤجر كل ما يتمكن به من النفع: كزمام الجمل ورحله وحزامه والشد عليه، وشد الأحمال والمحامل والرفع والحط، ولزوم البعير ومفاتيح الدار وعمارتها.
على المؤجر كل ما لا يمكن الانتفاع بالمستأجر إلا به.
هذه هي القاعدة. كل شيء لا يمكن أن ننتفع من المستأجر إلا به فهو من عمل المؤجر.
وإذا ضبطت هذه القاعدة سهل عليك معرفة الأمثلة.
وذكر المؤلف ﵀ جملة كبيرة من الأمثلة.
ولكنه صدر الحكم بالقاعدة وعلى المؤجر كل ما يتمكن به من النفع.
يقول ﵀: (كزمام الجمل): يجب وجوباً على من أجر جملاً أن يضع معه الزمام لأنه لا يمكن أن ننتفع من الجمل إلا مع وجود الزمام. فإن أجره فرساً لابد من اللجام. لأنه لا يمكن أن ينتفع به إلا بذلك.
ولابد في الفرس من السرج لأن ركوب الحصان عارياً مؤذن للإنسان ولا ينتفع ولا يستطيع أن يقطع به مسافات طويلة.
وكل هذا أمثلة.
يقول ﵀: (ورحله) يعني: عليه أن يؤمن الرحل. والرحل هو ما يوضع على الجمل للركوب.
إذ ما الفائدة أن نستأجر جملاً ليس عليه رحل: أين سيركب الإنسان؟
قال ﵀: (وحزامه). يعني: يجب أن يضع الرحل ويجب أن يربط الرحل.
فلا يكتفي بوضع الحزام ثم يقول للمستأجر اربط الحزام أنت أو ائتي بحزام من عندك.
يقول ﵀: (والشد عليه) يعني: والشد على الرحل.
يعني والشد على الرحل.
إذاً جميع هذه الأحكام الثلاثة تتعلق بالرحل. وأطال بها لأنه لانفع من الجمل إلا بالرحل.
ثم قال ﵀: (وشد الأحمال) يعني عليه أن يشد الأحمال وهي ما يحمل من الأمتعة ونحوها على الجمل.
عليه أن يضع الأمتعة وأن يشد هذه الأمتعة.
فالتحميل بناء على هذا: من مهمام المؤجر.
ويظهر لي الآن أن العرف كذلك. أنه إذا استأجرت سيارة فإنه على المؤجر أن يحمل المتاع من الأرض إلى السيارة.
وعلى هذا جرى العرف لا في السيارات الكبيرة ولا في السيارات الصغيرة.
وعلى هذا يدل كلام الحنابلة.
يقول ﵀: (والمحامل) هي ما يوضع على البعير ليركبه الناس إلا أن الرحل في الأعلى والمحامل في الجوانب وإلا الغرض من المحامل والرحل هو الركوب.
стр. 1778
ثم قال ﵀: (والرفع والحط، ولزوم البعير) يعني: وعلى المؤجر إذا استؤجر هو والدابة جميعاً أن يقوم بمسك الزمام ورفع الأمتعة فيما إذا نزل المستأجر لحاجة شرعية أو لحاجة طبيعية. كأن ينزل ليصلي أو ينزل ليقضي حاجته.
قال الحنابلة وليس من الحاجات الأكل لأنه يستطيع أن يأكل على الدابة وليس من الحاجات القراءة لأنه يستطيع أن يقرأ على الدابة.
وهذا ربما يكون صحيحاً في الجمال على كلام المؤلف ﵀ لكن اليوم لا يتمكن الإنسان من الأكل على ظهر السيارة.
ولا يتمكن من أن يأكل بطريقة طبيعية وغير مضرة.
فالواجب أن يلحق الأكل اليوم بالحاجات الضرورية.
فإذا أراد الراكب أن يأكل ينبغي أن يتوقف الإنسان.
ومن المعلوم عندكم أن الأكل يختلف إذا أكلاً خفيفاً جرى العرف أنه في السيارة.
وإذا كان أكلاً يأخذ وقتاً وتبعه فإنه لابد من النزول.
ثم يقول ﵀: (ومفاتيح الدار).
يجب على المؤجر أن يؤمن المفاتيح وأن يسلمها للمستأجر.
- لأنه لن يستطيع أن يدخل الدار ولا أن ينتفع منها بشيء إلا بالمفاتيح.
قال ﵀: (وعمارتها).
هل من الأشياء الضرورية في الدار التي تلحق بالمفاتيح المكيفات واللمبات؟ أما الأبواب فلا إشكال حتى عند المتقدمين. هل هي كذلك؟
الظاهر أنه في البلاد الحارة المكيفات تلحق بالأشياء التي لابد أن يؤمنها المؤجر.
إلا بشرط - الشروط لا تدخل معنا في الكلام: إذا اشترط المؤجر أنه بدون مكيف - لكن بلا شرط فالعقد يقتضي تأمين المكيف.
لأنه في الحقيقة في البلاد الحارة لا يمكن أن تنتفع بالعين المؤجرة أي: البيت. إلا مع وجود المكيفات.
أما في الأماكن التي توصف باعتدال الجو فليس من مصالح العقد ولا من مصالح العين المؤجرة تأمين المكيفات.
أما اللمبات فلا إشكال أبداً أنها تجب على المؤجر. ما لم يكن هناك شرط.
- يقول ﵀:
- وعمارتها.
يعني: ويجب على المؤجر أن يعمر الدار فيما إذا خربت فلو سقط باب أو خشبة أو جدار أو ما شابه هذه الأمور فعلى المؤجر أن يقوم بإصلاح هذا الخلل.
- لأن المستأجر لا يستطيع أن ينتفع من الدار إلا بذلك.
стр. 1779
= والقول الثاني: أنه لا يجب عليه أن يصلح ما فسد من الدار والمستأجر بالخيارإن أراد أن يبقى بقي وإن أراد أن يخرج خرج.
فيصبح العقد بالنسبة للمستأجر عقداً جائزاً إذل اختلت الدار.
ولعل الأقرب أنه يلزم بالإصلاح.
لأن هذا الأمر لا يمكن بدونه الانتفاع من الدار فهو يدخل بالضابط العام الذي ذكره المؤلف ﵀.
- قال ﵀:
- فأما تفريغ البالوعة والكنيف: فيلزم المستأجر إذا تسلمها فارغة.
تفريغ البالوعة والكنيف من مهام المستأجر.
بشرط أن يتسلم الدار وهي فارغة. يعني: والبالوعة والكنيف فارغة.
وهذا بلا نزاع عند الحنابلة كأنه من الأحكام الواضحة عندهم.
= والقول الثاني: أن مثل هذه الأشياء ترجع إلى العرف.
فاليوم العرف أن المستأجر عليه أن يفرغ الكنيف إذا امتلأ في أثناء الإقامة.
فإذا خرج فإنه لا يلزم بتفريغ الكنيف أو البالوعة.
هكذا العرف.
المهم أن الأمر يرجع إلى العرف حسب العرف تكون المسألة.
طبيعي أنه في الأماكن التي لا يوجد فيها كنف وإنما يوجد فيها تصريف فليس على المؤجر ولا على المستأجر.
بهذا انتهى الفصل وننتقل إلى الفصل الذي بعده.
فصل
[في لزوم عقد الإجارة وما يوجب الفسخ]
- قال ﵀:
- فصل. وهي عقد لازم.
الإجارة من العقود اللازمة. وقد اتفق الفقهاء كلهم على هذا الحكم في الجملة: أن الإجارة من العقود اللازمة التي لا يمكن أن تفسخ إلا برضا الطرفين.
لم يخالف في هذا الحكم إلا رجل واحد وهو القاضي شريح فإنه رأى ﵀ أن عقد الإجارة عقد جائز وليس بلازم.
وهو قول غريب ومخالف لتقريرات جميع الفقهاء ﵏. والأقرب أنه عقد لازم.
ودليل ذلك:
- أنه من عقود المعاوضات والعقود التي فيها معاوضة في الشرع الأصل فيها أنها لازمة. لأنها معوضة. فكيف نسمح بعد المعاوضة بالفسخ.
- قال ﵀:
- فإن آجره شيئاً ومنعه كل المدة أو بعضها: فلا شيء له.
إذا أجره - ولنفرض أنه أجره داراً ثم منعه الانتفاع بالدار فينقسم الأمر إلى قسمين:
ـ القسم الأول: ان يمنعه من جميع الانتفاع. فحينئذ ينفسخ العقد ولا إشكال ولا شيء للمؤجر. لأنه منه من تسليم المنفعة كما لو منع البائع من تسليم العين.
стр. 1780
ـ القسم الثاني: أن يمنعه من بعض الانتفاع كأن يؤجره لمدة سنة ثم بعد مرور ستة أشهر يمنعه من الانتفاع. بإخراجه أو بأي طريقة من الطرق.
= فعند الحنابلة أيضاً ليس للمؤجر شيء من الأجرة مطلقاً. لأنه منع المستأجر من الانتفاع.
استدل الحنابلة على حرمان المؤجر من جميع الأجرة بقولهم:
- أن المعقود عليه الانتفاع طيلة المدة ولم يقع وإذا لم يقع المعقةد عليه لم يستحق العوض.
= والقول الثاني: أنه إذا منعه بعض الأجرة فإنه يسقط عليه بقسطها. فإذا منعه من النصف فإنه لا يعطى إلا نصف الإجار. والربع لا يعطى إلا ربع الإجار. يعني: إذا منعه المؤجر من الربع فكم سيعطى ثلاثة أرباع وإذا منعه من ثلاثة أربع فسيعطى الربع إذاً: بقسطه.
ولعلك تلاحظ أن هذا القول الثاني أقرب إلى العدل إن شاء الله من القول الأول الذي يحرم المؤجر من جميع الأجرة مع كون المستأجر انتفع ببعض المدة من العين. فهذا القول إن شاء الله هو الراجح.
- قال ﵀:
- وإن بدأ الآخر قبل انقضائها: فعليه.
يعني وإن بدا للمستأجر أن ينصرف باختياره فعليه كل الأجرة.
وهذا صحيح ولا أظن أن فيه خلاف.
الدليل: الدليل:
- أن المؤجر بذل المنفعة كاملة للمستأجر وهو امتنع عن الانتفاع مع وجود العقد وصحته فلزمه العوض.
وهذا لا إشكال فيه.
نأتي إلى المسألة التي تنبني عادة على هذه المسألة/ إذا امتنع المستأجر من الانتفاع فإنه يحرم على المؤجر أن يتصرف بالعين المؤجرة مطلقاً.
وهذا أيضاً إشكال فيه. ولا أظن أن فيه خلافاً.
إذاً: يحرم عليه أن يتصرف لأنه لا يجوز للإنسان أن يتصرف في ملك غيره.
والمنفعة مدة الإجارة ملك للمستأجر.
فإن تصرف فهنا وقع بعض الإشكال.
إن تصرف: فينقسم تصرفه إلى قسمين:
ـ إما أن يتصرف قبل أن يضع المستأجر يده على العين.
ـ أو ان يتصرف بعد أن يضع المستأجر يده على العين.
/ فإن تصرف قبل أن يضع المستأجر يده على العين: انفسخت الإجارة ولا إشكال. وعليه أن يعيد كل الأجرة إن كان استلمها أو ما استلم منها إن كان استلم بعضها.
/ وإن كان تصرف بالعين المؤجرة بعد ان وضع المستأجر يده عليها فـ:
= عند الحنابلة: له أجرة المثل. لمن؟ للمستأجر. له أجرة المثل.
стр. 1781
- لأنه اعتدى على مال غيره. والمال في هذا المثال هو المنفعة.
= القول الثاني: أنه تفسخ الإجارة بقدر المدة التي اعتدى عليه فيها المالك.
فنقول للمستأجر اخصم من الأجرة بقدر المدة التي انتفع مالك العقار به فيها.
ولا يخفى عليكم من خلال المسائل السابقة أن بين القولين فرقاً كبيراً.
إذ قد تكون أجرة المثل أضعاف أجرة الاستئجار الأصلية وقد تكون أقل بكثير.
فإذا أردت أن ترجح يجب أن تراعي أن المستأجر أحياناً ينتفع وأحياناً يتضرر.
إذاً لن ننظر لا إلى انتفاعه ولا إلى تضرره. وإنما ننظر إلى العدل.
والعدل هو القول الأول. لأنه إذا اعتدي على الإنسان في حق من حقوقه المالية فالعدل فيه أن يعطى أجرة المثل. لأن هذا المستأجر لو أجر متاعه أو عقاره في الوقت الذي أخذه منه مالك الأصل لأخذ هذا المبلغ وهو أجرة المثل.
نذكر مثالاً يوضح هذه القضية/ لو استأجر بيت لمدة سنة بمائة ألف. وأخرجه المؤجر بعد ستى أشهر فأجرة الستة أشهر: خمسين ألف. سألنا أجرة المثل بعد مرور ستة أشهر من العقد: كم سيكون أجرة الستة أشهر التالية التي اعتدي على المستأجر فيها فقالوا: أجرتها سبعين ألف.
فعلى القول الاول كم يجب للمستأجر؟ سبعين ألف.
وعلى القول الثاني: ( .......... ) لو كانت هذه السبعين ثلاثين - الأجارات نقصت كذلك نفس الشيء سيكون [[للمؤجر]] (هكذا في الشرح).
إذاً: القول الأول إن شاء الله أعدل وهو أقرب إلى الصواب.
- قال ﵀:
- وتنفسخ: بتلف العين المؤجرة.
إذا استأجر عيناً وتلفت انفسخت الإجارة بالإجماع.
- لأنه لم يعد بالإمكان تحصيل المنفعة محل العقد. كما لو اشترى إنسان شيئاً وتلف قبل القبض تماماً.
كذلك هنا نقول: ينتهي وينفسخ عقد الإجارة ويرجع المستأجر بماله إن كان سلمه.
- قال ﵀:
- وبموت المرتضع.
فإذا استأجرنا ظئراص لترضع طفلاً ومات الطفل انفسخت الإجارة.
ووجه ذلك: أنه تعذر استيفاء المنفعة. إذ لا يمكن أن نستوفي المنفعة من هذه المرأة.
فإن قيل: يمكن استيفاء المنفعة بأن نحضر طفلاً آخر. فالجواب: أن العقد وقع على الطفل الأول والعقود في الشرع دقيقة جداً.
إذاً: العقد أن ترضع هذه المرأة هذا الطفل فقط.
стр. 1782
فإذاً نقول: إذا مات الطفل انفسخ العقد لا سيما وأنه في الغالب مستأجر الظئر يريد أن يرضع ابنه لا يريد أن يرضع أبناء الناس.
إذاً: قضية أنه ىيمكن الانتفاع بشخص آخر لا ترد علينا في هذه المسألة.
- قال ﵀:
- والراكب إن لم يخلف بدلاً.
يعني: إذا استأجر الإنسان دابة ليركبها ومات فإن العقد ينفسخ: = عند الحنابلة بشرط: أن لا يخلف هذا الراكب بدلاً عنه. فإن خلف بدلاً عنه صح العقد. وصار الذي ينتفع بالمنفعة هو من استخلفه الميت.
= القول الثاني: ان العقد لا ينفسخ.
والسبب: أن العقد هنا على منفعة الركوب لا على ركوب هذا الشخص. ونقول: إذا مان هذا الرجل ينتفع غيره.
وضربوا لهذا مثلاً: فقالوا لم استأجر زيد دابة لعمرو ومات عمرو فإن العقد لا ينفسخ ولزيد أن يركب من شاء.
الصواب والله أعلم: أنه إذا مات من أجرى العقد بنفسه ينفسخ.
وإذا مات من استؤجرت له الدابة فإنه لا ينفسخ. بهذا يكتمل الحكم ويتضح أما تصحيح العقد مع موت المستأجر فمن وجهة نظري بعيد جداً.
إذ إن المستأجر نعم العقد على منفعة الركوب لكن المنتفع هو الراكب وهو نظير تماماً من استأجر ظئراً تماماً نفس المعنى. مالفرق بين المسألتين؟! مع ذلك يفرق بعض الحنابلة بينهما والصواب أنه لا فرق بينهما.
- قال ﵀:
- وانقلاع ضرس أو برئه ونحوه.
يعني: إذا استأجر زيد طبيباً ليقلع ضرسه فلما وصل إلى العيادة سقط الضرس.
حينئذ انفسخت الإجارة. وليس للطبيب أي شيء ولو كان باذلاً لنفسه.
السبب: أنه يتعذر الآن استيفاء المنفعة. لأن استيفاء المنفعة متعلق بالضرس.
الصورة الثانية: البرء. يعني: استأجر الطبيب لضرس أو لعين أو لمعدة أو لرأس وقبيل الدخول على الطبيب شفي. شعر بأنه شفي. حينئذ: عنج الحنابلة ينفسخ العقد ولا إجارة ولا يستحق الطبيب الأجرة.
стр. 1783
بناء على هذا نقول: تسديد الفواتير في المستشفيات الخاصة إذا سدد الفاتورة ثم دخل على الطبيب وشفي - لما دخل على الطبي - شفي - إذا افترضنا هذا قد يكون بعيداً لكن إذا افترضنا هذا. فإنه يجب على المستشفى الخاص وجوباً إعادة الأجرة مع إن العمل أنه إذا دفع الأجرة ودخل على الطبيب هم يعتبرون الدخول على الطبيب هو بحد ذاته تحصيل للمنفعة.
لماذا؟ لأنهم يتعاملون مع الطبيب من حيث الوقت. فهم لا يعنيهم شيء كثير المريض - أقصد طبيعة المرض - يعنيهم الوقت. بناء إنك أخذت وقتاً إذاً تدفع مقابل هذا الوقت.
والواقع أن الفقهاء يرون أن الأجرة ليست على الوقت. وإنما على العلاج.
فإذا افترضنا أنه شفي لما دخل إلى الطبيب فالصواب أنه يجب عليهم ترجيع المبلغ لأنه لم ينتفع الآن من الطبيب مطلقاً.
- قال ﵀:
- لا بموت المتعاقدين أو أحدهما.
موت المتعاقدين أو موت أحدهما لا يبطل العقد.
وإلى هذا ذهب: = الجماهير من أهل العلم.
- لأن العقود اللازمة. لا تبطل بموت أحد المتعاقدين.
إنما الذي ينفسخ العقود الجائزة على خلاف تقدم معنا في انسفساخها بالموت قبل العلم وبعده. تقدم معنا.
في العقود اللازمة الموت ليس من الأشياء التي تنفسخ فيها العقود اللازمة.
لكن نحتاج الآن إلى الجمع بين كلام المؤلف ﵀ الآن أنه لا تنفسخ وبين قوله إنه إذا مات الراكب انفسخ.
فما هو الجمع؟ نحن نستطيع أن نجمع من كلام المؤلف ﵀؟
ما نريد أي زيادة على كلام المؤلف ﵀ مجرد تأمل في كلام المؤلف ﵀.
لأنه ﵀ يقول: (إن لم يخلف). إذاً نحمل الصورة الثانية على أنه خلف.
إذاً هكذا نجمع. ونحمل الصورة الثانية على أنه خلف.
وعلى القول الراجح: لا يوجد تناقض بين الكلامين. فإذا مات لا تنفسخ الأجرة.
((الأذان))
- قال ﵀:
- ولا بضياع نفقة المستأجر أونحوه.
إذا لم ينمكت المستأجر من الانتفاع بسبب من عنده فإن الأجرة تلزمه.
مثل/ أن تضيع النفقة.
ومثل/ أن يستأجر دكاناً فتحترق الأمتعة.
ومثل/ أن يستأجر الأرض ويزرع فيها ولا تنبت.
كل هذه الصور يجب عليه أن يدفع الأجرة.
стр. 1784
لأن عدم الانتفاع لا بسبب من المؤجر وإنما من المستأجر.
وهذا أمر إن شاء الله واضح.
-
قال ﵀:
- وإن اكترى داراً فانهدمت، أو أرضاً لزرع فانقطع ماؤها أو غرقت: انفسخت الإجارة في الباقي.
ضابط هذه المسائل: إذا حدث في العين المستأجرة ما يمنع الانتفاع بها.
حكم المسألة/ الحكم فيه تفصيل:
ـ إذا حدث في العين المستأجرة ما يمنع جميع أنواع المنافع انفسخت الإجارة وجهاً واحداً.
يعني: أصبحت العين المستأجرة لا يمكن الانتفاع بها في أي نوع من أنواع الانتفاع.
ـ القسم الثاني: أن تصاب العين المستأجرة بما يمنع من الانتفاع بالمعقود عليه خاصة.
مثاله/ أن يستأجر الأرض للزرع ثم يفاجأ أن الماء غار.
هذه الأرض مستأجرة لماذا؟ للزرع. والآن لا يمكن أن ننتفع منها بالمعقود عليه.
لكن يمكن أن ينتفع منها بأمر آخر: كأن يبني عليها أن يجعلها مكاناً للتخزين مختلف أنواع الانتفاعات غير المعقود عليه.
هذه هي المسألة التي يريد المؤلف ﵀ أن يتكلم عنها.
= فعند الحنابلة: تنفسخ الإجارة مباشرة.
- لأن المعقود عليه هنا لا يمكن استيفاؤه.
وهذا هو المذهب.
= والقول الثاني: أن العقد لا ينفسخ. وللمستأجر الخيار بين الفسخ والإمضاء.
وأظن ألأنك تعرف الفرق بين أن نقول لا تنفسخ وله الخيار في الفسخ وبين أن نقول تنفسخ.
إذاً القول الثاني: أنها لا تنفسخ وله الخيار بين الإمضاء والانتفاع وبين الفسخ.
ثم إذا اختار الإمضاء فإنه يجب أن يدفع كامل الأجرة.
- لأن تعطل منافع هذه العين المعقود عليها بعتبر كالعيب ومن رضي بالعيب دفع الثمن كاملاً.
وإلى ذهب القاضي أبو يعلى من كبار الحنابلة له ترجمة ممتعة في طبقات الحنابلة مفيد لطالب العلم مراجعتها.
والراجح والله اعلم المذهب. أخذنا هذه الصورة وهي إذا ما تعطلت المنافع المعقود عليها بالكلية.
الصورة الثالثة والأخيرة: إذا تعطلت بعض المنافع المعقود عليها. كأن يستأجر أرضاً ليزرعها ثم يكتشف أن جزءاً منها غير صالح للزراعة. والباقي صالح.
стр. 1785
فحينئذ الحكم أن المستأجر مخير بين الفسخ أو البقاء مع تقسيط الأجرة على المستأجر. فإذا استأجر الأرض بمائة ألف وتبين أن النصف منها غير صالح للزراعة فالواجب الأجرة مقسطة وهي خمسين ألف.
وهذا القول فيه عدل: نحن نخيره بين أن يبقى أو أن يفسخ وإذا أراد البقاء لا يدفع إلا ما يقابل الانتفاع وهذا قمة العدل.
وبهذا ننتهي من درس هذا اليوم. والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد ..
стр. 1786
الدرس: (٣٧) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا بالدرس السابق الكلام عن أخذ الأجرة على أعمال الطاعة ومن المسائل التي نسيت أن أنبه إليها وسأل عنها عدد من الطلاب:
مسألة/ هل ما يأخذه الأئمة والمؤذنون من وزارة الشؤون الإسلامية تدخل في الخلاف في مسألة أخذ الأجرة على أعمال الطاعة كالأذان والإمامة؟
والجواب على هذا السؤال: أن ما يأخذه الأئمة والمؤذنون لا يدخل ضمن الخلاف السابق أصلاً وهو خارج من نطاق الخلاف عند تحرير محل النزاع. لأن ما يأخذه المؤذنون والأئمة هو رزق من بيت المال والرزق جائز بالإجماع.
والدليل على هذا: - أن أصحاب النبي ﷺ كانوا يلون الولايات الدينية ويأخذون عليها الأرزاق ولا يعتبرون هذا من الأخذ على عمل القربات: فأبو بكر وعمر وعثمان وعلي ولو الولاية العامة وأخذوا رزقاً من بيت المال والقضاة كذلك أخذوا رزقاً من بيت المال. والعمال الذين كانوا يرسلهم النبي ﷺ لجباية الزكاة ونحوها كانوا يأخذون من بيت المال رزقاً وكل هذا لا يتعبر من الأجرة التي تدخل في الخلاف الذي ذكرناه في الدرس السابق.
والفرق بين الرزق والأجرة: هو أن الرزق ما يأخذه الإنسان من بيت المال مساعدة له للقيام بالولايات الشرعية.
فقولنا: (مساعدة) يعني: أن ما يأخذه ليس معاوضة وليس مقابلاً للعمل الذي يعمله وإنما هو إحسان وإعانة من ولي الأمر.
وهذا الفارق الجوهري بين الرزق وبين الأجرة.
стр. 1787
تبين الآن معنا إن شاء الله حكم هذه المسألة وأنا أطلب من كل واحد من الطلاب - ملزم - أن يرجع للفروق للقرافي - المطبوع - ويراجع مسألة الفرق بين الرزق والأجرة ذكر ﵀ فروقاً كثيرة بالتتبع وجوهر الفروق هو ما ذكرت لك. لكن هو ﵀ ذكر نحوا من أربعة أو خمسة فروق وقراءة هذه الفروق مفيد جداً لطالب العلم وتنمي عنده ملكة التفريق بين المسائل المتشابهة وهذا كتاب مهم فإن كان في مكتبتك فبها ونعمت وإلا فيحسن بالإنسان أن يقتنيه وله عدة طبعات منها طبعة مرتبة على أبواب الفقه مختصرة جاءت في مجلد واحد ومنها طبعة للكتاب كما وضعه المؤلف ﵀ محققه وهي أيضاً طبعة جيدة ولك أن تختار أي الطبعتين من هذه الطبعات إذا لم يكن الكتاب موجوداً عندك من قبل وتقرأ في الفرق بين الرزق والأجرة.
- قال ﵀:
- وإن وجد العين معيبة أو حدث بها عيب: فله الفسخ، وعليه أجرة ما مضى.
قال ﵀: (وإن وجد العين معيبة فلع الفسخ).
العيب في هذه المسألة بالذات هو: ما يؤثر نقصانا على الأجرة.
أي ما تكون الأجرة معه أنقص فإن كانت العين معيبة عيباً لا أثر له على الأجرة فإنه لا يثبت الخيار في الفسخ.
تبين معنا الآن أن العيب المذكور في هذه المسألة هو العيب الذي تصبح الأجرة معه أقل.
يقول ﵀: (وإن وجد العين معيبة أو حدث بها عيب: فله الفسخ).
يريد المؤلف ﵀ أن يشير إلى أن هذا الحكم يستوي فيه ما إذا كان العيب موجوداً في العين المؤجرة من قبل العقد ولكن لم يفطن له المستأجر ثم علم به وبينما ما إذا حدث العيب بعد العقد.
ففي المسألتين الحكم واحد.
الحكم هو: أن له الفسخ.
يعني: أو الامضاء مجاناً ولو أن المؤلف ﵀ صرح بالحكم لكان أكمل في الحقيقة لأنه من صميم الحكم.
إذاً الحكم إذا وجد عيباً في العين المؤجرة أنه مخير بين الفسخ أو الامضاء مجاناً. ومعنى: (مجاناً) أي بلا أرش الفرق بين العين معيبة وبلا عيب.
هذا هو مذهب الحنابلة.
إذاً إذا وجد الإنسان عيباً في العين المستأجرة فهو مخير بين الفسخ والإمضاء: فإن اختار الإمضاء فالإمضاء يكون مجاناً.
стр. 1788
الدليل على ثبوت خيار الفسخ إذا وجد المستأجر في العين المستأجره عيباً:
- الأول: الاتفاق. (ونحن نتكلم الآن على الفسخ). فإن الأئمة اتفقوا على هذا الأمر وهو أنه إذا وجد العين معيبة له الفسخ.
- الثاني: القياس على السلعة في عقد البيع. فإن الإنسان إذا اشترى عيناً فوجد بها عيباً فإنه مخير بين الفسخ والإمضاء.
ويستثنى من هذا الحكم: وهو خيار الفسخ: ما إذا قام المؤجر بإصلاح العيب بلا ضرر على المستأجر.
مثاله/ إذا وجد المتأجر البالوعة ممتلأه وهذا عيب من عيوب البيوت له أن يفسخ إذا وجد البالوعة ممتلأه لكن إذا بادر المؤجر بتفريغ البالوعة مباشرة فإنه لا خيار للمستأجر بل يجب عليه أن يبقى لأن الضرر زال وأمكنه ألأن ينتفع بالعين على الوجه الكامل.
* * مسألة/ ذكرنا أن مذهب الحنابلة أنه إذا اختار الإمضاء فهو مجاناً.
واستدلوا على هذا:
- بأن المستأجر لما اختار الإمضاء فقد اختار العين معيبة برضاه. فله الاستمرار فقط.
= والقول الثاني: أنه إذا اختار الإمضاء ثبت له الأرش.
والأرش هنا هو الفرق بين أجرة العين سليمة وأجرة العين معيبة.
فإذا استأجر سيارة ووجدها معيبة بخلل في الماكينة وأجرة السيارة في العقد مائة ريال ثم لما اكتشف العيب وسأل وجد أن أجرة مثل هذه السيارة المعيبة ثمانين ريال فإنه يحط من قيمة الأجرة: عشرين ريال. على القول الثاني.
استدل أصحاب القول الثاني:
- بأن مقتضى العدل أن ينقص من الأجرة بمقدار ما نقص من الانتفاع.
وهذا القول إن شاء الله هو الراجح.
فعلى القول الراجح يصبح مخيراً بين الفسخ أو الامضاء وأخذ الأرش.
وعلم مما تقدم أن المؤجر لا يستطيع أن يلزم المستأجر بالبقاء ويقول أدفع لك الفرق بين الأجرتين. إنما الخيار للمستأجر.
- قال ﵀:
- وعليه أجرة ما مضى.
يعني فيما إذا حدث العيب بعد أن لم يكن.
فإذا حدث العيب بعد أن لم يكن وانتفع المستأجر من العين مدة من الزمن فإن للمؤجر أجرة هذه المدة.
والتعليل:
- أنه استوفى المنفعة في هذه المدة فوجب عليه أن يدفع العوض.
لكن هل ينقص من أجرة المدة بقدر النقص الموجود في العين المستأجرة بسبب العيب أو يدفع كامل أجرة هذه المدة؟
فيه تفصيل:
стр. 1789
ـ إن كان انتفع بالعين مع وجود العيب في هذه المدة انتفاعاً كاملاً بحيث تحقق غرضه على الوجه المطلوب فإن الذي يظهر لي أنه لا يخصم من الأجرة شيء.
ـ وإن كان انتفع بالعين المستأجرة في هذه المدة لكن مع خلل في النفع بسبب العيب. فإنه يحط من الأجرة بمقدار العيب.
- قال ﵀:
- ولا يضمن أجير خاص: ما جنت يده خطأً.
انتقل المؤلف ﵀ إلى أحكام الضمان.
- وقال ﵀:
- ولا يضمن أجير خاص.
يقسم الفقهاء ال
الأجير إلى قسمين:
- أجير خاص.
- وأجير مشترك.
ـ فالأجير المشترك سيأتينا.
ـ والأجير الخاص هو: من استؤجر في مدة معلومة بحيث يستغرق المستأجر كامل المنافع ولا يشاركه فيه أحد.
مثاله/ أن يستأجر العامل يوماً كاملاً لبناء جدار. أو يستأجر الخياط عشر ساعات لخياطة ثوب.
ويجب أن تلاحظ الأمثلة ملاحظة جيدة حتى تفرق بين المشترك والخاص.
نحن نقول: يستأجر الخياط في مدة معلومة وتكون منافع الخياط في هذه المدة للمستأجر وحده.
فهذا أجير خاص.
الأجير الخاص: لا يضمن عند الفقهاء.
ولهذا يقول ﵀: (ولا يضمن أجير خاص).
السبب في أنه لا يضمن: القياس على المضارب والوكيل. فنقيس الأجير الخاص على المضارب والوكيل.
الجامع: يعني علة القياس: هو أن كلاً منهما - أي من الأجير الخاص والوكيل والمضارب - نائب عن المالك في التصرف فهو أمين.
وهذا القياس قياس صحيح.
والحكم المبني عليه وهو عدم تضمين الأجير أيضاً حكم صحيح.
* * أريد أن أنبه أنه بالنسبة للأجير الخاص ينظر إلى المنافع في الزمن لا في المكان.
فإذا استأجر زيد عمراً ليخيط له الثوب في يوم فهو أجير خاص سواؤ خاط الثوب في بيت المستأجر أو خاط الثوب في بيت نفسه - يعني في بيت الأجير.
إذاً: المكان لا ينظر إليه في الأجير الخاص وإنما ينظر إلى استغراق جميع المنافع في مدة معينة.
ثم انتقل المؤلف ﵀ إلى مسألة أخرى:
- يقول ﵀:
- ولا حجام وطبيب وبيطار: لم تجن أيديهم إن عرف حذقهم.
الحجام معروف والطبيب معروف والبيطار هو من يعالج الحيوانات وهو الذي يسمى في وقتنا البيطري.
стр. 1790
هؤلاء إذا تلف في أيديهم شيء من المعالج فإنهم لا يضمنون ولكن هذا مشروط بشرطين:
ـ الشرط الأول: الحذق. وهو العلم بالصنعة.
ـ الشرط الثاني: أن لا تنجي أيديهم.
ولذلك يقول ﵀ هنا: (لم تجن أيديهم إن عرف حذقهم).
والمقصود بالجناية هنا: أن يتعدى الموضع المقرر له في العلاج.
مثاله/ ان يتاتي لقطع موضع فيقطع في موضع آخر خطأ.
فإذا تحقق الشرطان: لم تجن يده وهو حاذق يعني عنده علم بالصنعة فإنه لا يضمن.
وهذا لا إشكال فيه مطلقاً.
تقدم معنا مراراً أنا نستطيع أن نخرج من الشرطين: أربع حالات. دائماً نستطيع أن نخرج من الشرطين أربع حالات:
ـ فالحالة الأولى: إذا انطبق الشرطان وحكم هذه الحالة أنه لا ضمان.
ـ الصورة الثانية: إذا لم ينطبق الشرطان. فلا إشكال أنه يضمن. فإذا كان جاهلاً وجنت يده فهو يضمن.
ـ الصورة الثالثة: إذا كان جاهلاً ولم تجن يده. يعني: أصاب مصادفة: هو جاهل في علم الطب ولكنه عالج أشخاصاً مرضى وأصاب ولم تجن يده. فإنه يضمن بالاتفاق. لأنه جاهل وهذا اعتداء وتفريط.
ـ بقينا في الصورة الرابعة: وهي ما إذا كان حاذقاً عالماً عارفاً مجرباً وجنت يده.
ففي هذه المسألة خلاف وقبل أن أشير إلى الخلاف أحب أن أنبه إلى أن الحالات الأربع مفروضة فيما إذا لم يتعدى ولم يفرط.
وقد يثور إشكال في أذهانكم: كيف تتعدى يده أو تجني يده بلا تفريط ولا تعدي؟ هذا متصور لم يرط ولم يتعد يعني لم يقصر ولم يتجاوز الواجب لكنه أخطأ أثناء العمل. هنا لا يعد مفرطاً ولا متعد لكنه أخطأ.
الحكم: الحكم: أنه:
= ذهب الجماهير بل حكي إجماعاً أنه يضمن.
(لاحظ معنا الصورة وهي أكثر الصور وقوعاً لأنه قل أن تجد طبيباً جاهلاً يعالج أو يتعدى أو يفرط لكن الكثير من الأخطاء هي أن يكون حاذقاً لكن جنت يده يعني أخطأ).
الحكم كما قلت: ذهب الجماهير وحكي إجماعاً أنه يضمن.
عللوا هذا:
- بأنه في الاتلافات الواقعة على بدن الآخرين لا ينظر إلى التعدي ولا إلى التفريط بل يضمن مطلقاً. قياساً على إتلافات المال. فإتلافات المال إذا أتلف زيد مال عمرو فهو يضمنه سواء تعدى وفرط أو لم يتعد ولم يفرط فكذلك الاتلافات على بدن الإنسان.
следующие страницы →